الفصل الثالث

المجمع المسكوني السادس

٦٦٨–٧١٥

قسطنطين الرابع (٦٦٨–٦٨٥)

وأساء قسطنطين الثالث الظن بأخيه ثيودوسيوس، فألبسه ثوب الرهبنة ثم أمر به فقُتل، فثار به ضميرُهُ، وأصبح أخوه يتراءى له حاملًا كأسًا مِن دمه، ويقول له: اشرب يا أخي! فكره قسطنطين الإقامة في المدينة التي ارتكب فيها إثمه ونزح عنها، وفي السنة ٦٦٢ ذهب إلى رومة فاستقبله فيها البابا فيتاليانوس بالحفاوة والإكرام، أما الشعب في القسطنطينية فإنه لم يرض عن تغيُّب قسطنطين ومنع التحاق زوجته وأولاده به، ثم بعد سِتِّ سنواتٍ دخل قسطنطين حمامًا في سرقوسة، فضربه خادم الحمام بصندوق من الصابون على رأسه فتُوفي في السنة ٦٦٨.

وفي أثناء غياب هذا الإمبراطور كان ابنه قسطنطين الرابع يسوس الملك، وهو بعدُ فتًى، فلما علم بقتل والده ونشوب الثورة في صقلية نهض إليها فأخذ بالثأر ثم عاد والشعر قد نبت في وجهه فلُقب بالألحى Pogonatos.

التوسع الإسلامي

وكانت الاضطرابات الداخلية التي نجمت في الدولة الإسلامية عن مقتل عثمان بن عفان قد انتهت، فاستتب الأمر لمعاوية بن أبي سفيان (٦٦١–٦٨٠)، ومعنى هذا — في رأينا — أن الأمر استتب لتجار قريش أولئك الذين قَدَّروا عظمةَ التجارة التي كانت تربط حوض المتوسط بالشرق الأقصى، فكان — بالتالي — طبيعيًّا أَنْ يدركوا مبلغ الخسارة التي حَلَّتْ بأبناء الساحل اللبناني السوري المصري مِن جراء ما سبب لهم الفتحُ الإسلاميُّ من انقطاعٍ عن أسواقهم في آسية الصغرى والبلقان وإيطالية وأوروبة الغربية. وهكذا، فإنهم لم يروا بدًّا من متابعة الحرب ضد الروم ودفعها إلى نتيجة حاسمة.١
وكان معاويةُ ومَن حوله يعلمون علم يقين أن رغبة الروم في العودة إلى القتال لم تنتهِ، وقد اغتنم قسطنطين الثالث فرصة انشغال معاوية بالمشاكل الداخلية، فدَسَّ إلى جبال العلويين في لبنان بضعة آلاف من المردة يُغيرون منها على الحواضر والأرياف، فيهددون سيادة المسلمين في الشام، ويعيثون في البلاد فسادًا، وكان معاويةُ قد صالح قسطنطين هذا على مال يؤديه له كل سنة شرط أن يقطع قسطنطين الإعانة عن المردة.٢
واغتيل قسطنطين الثالث في السنة ٦٦٨، واعتلى أريكة الملك بعده فتًى يافعٌ هو قسطنطين الرابع، وتمرد الجند مطالبين بحق أخوي هذا الملك الفتى. وثار مزيزيوس في صقلية وسابوريوس في أرمينية، واستنجد سابوريوس بالعرب، فرأى معاويةُ أن الفرصة سانحةٌ، وكان قد احتاط لأمر المردة فاستقدم عددًا من الفرس وأَسْكَنَهم مدن الساحل اللبناني، وأتبعهم في السنة ٦٦٩ غيرهم من أهل العراق،٣ ثم عُنِيَ بترميمِ الحصون الساحلية، وفي السنة ٦٦٩ قام بمناورة عسكرية بحرية وبرية في الغرب ليضلل خصمه، ولكنه في الوقت نفسه سبر غور الدفاع البيزنطي في آسية الصغرى فإذا بطلائع جيشه تصل إلى القسطنطينية، وكان زعيم هذه الحملة أبا أيوب الأنصاري، وقد تُوفي في أثنائها، فدفن خارج أسوار عاصمة الروم!
وفي ربيع السنة ٦٧٣ وصلت عمارة إسلامية كبيرةٌ إلى مياه القسطنطينية تُحاصر عاصمة الروم، وتحاول إنزال الجنود فصَدَّتْها مراكبُ الروم، وفي الخريف عادتْ هذه العمارةُ إلى شبه جزيرة كيزيكوس؛ لتمضي فصل الشتاء، وتتلقى المؤن والذخائر من قواعدها في الساحل اللبناني السوري، وفي الربيع التالي استأنف المسلمون الحصارَ فارتدوا ثانية، فعادوا يصرفون الشتاء في كيزيكوس، وظلوا كذلك حتى المرة الرابعة، واستعمل الرومُ في هذا الحصار النار الإغريقية فنشروا الذعر في صفوف المسلمين، وجاءت السنة ٦٧٧ فإذا بالمسلمين يعودون إلى الحصار، فانطلقت لصدهم مراكبُ النار البحرية، فأحرقت عددًا كبيرًا من مراكب المسلمين، فاضطر ما بقي إلى العودة إلى قواعده في الشام، وهبت عاصفة هوجاء حطمت قسمًا آخر وطارد الروم البقية الباقية فغنموا معظمها،٤ وفي السنة ٦٧٨ فاوض معاويةُ الروم في الصلح فأقروه عليه لثلاثين سنة، شرط أن يدفع في كل سنة ثلاثةَ آلاف قطعة من الذهب، وخمسين جوادًا عربيًّا وخمسين عبدًا.٥
وتُوفي يزيدُ بن معاوية في السنة ٦٨٣ فتولى الخلافة بعده معاوية الثاني، ورأى هذا أنه ليس بأهلٍ للخلافة، فخلع منها نفسه ولم يُعين له خليفة، فعادت الأمورُ إلى ما كانت عليه قبل ثلاث سنوات عندما تُوفي معاوية الأول، وتبوأ العرش مروان بن الحكم، وكان رجُلًا طاعنًا في السن، فاستغل قسطنطين الرابع مشاكل يزيد فأكرهه على الخروج من قبرص، وجاءت مشاكلُ معاويةَ الثاني ومروان، فزحفت جيوش قسطنطين عبر الحدود الجنوبية فدكت حصون ملاطية وأجلت المسلمين عن مرعش، وتُوفي مروان فاضطر ابنه وخليفتُهُ عبد الملك أن يُفاوض الروم، وأن يدفع مالًا سنويًّا أكثر مما كان غيره يدفع من قبل، وتَمَّ الصلحُ على هذا الشرط في السابع من تموز سنة ٦٨٥.٦

المجمع المسكوني السادس (٦٨٠-٦٨١)

ولم يقوَ زوان سرجيوس وكيروس وأونوريوس على حنطة صفرونيوس ومكسيموس، وأثمر التقاربُ الذي تم بين الإمبراطور قسطنطين الرابع وبين البابا فيتاليانوس فرقي السدة القسطنطينية بطاركة ثلاثة عُرفوا بالمحبة والمسالمة، وهم توما (٦٦٧–٦٦٩) ويوحنا (٦٦٩–٦٧٥) وقسطنطين (٦٧٥–٦٧٧)، ثم جاء ثيودوروس في صيف السنة ٦٧٧، وكان ضعيف الرأي شديدَ الإصغاء إلى زميله مكاريوس بطريرك أنطاكية، فالتبس عليه وجهُ الصواب، وطالب بحذف اسم فيتاليانوس بابا رومة من الذيبتيخة، وكان قسطنطين الرابع قد نجح في صَدِّ المسلمين ورغب في إخماد الفتن الداخلية وتوحيد الصفوف، فلم يَكْتَفِ برد طلب ثيودوروس، بل إنه عمد إلى عقد مؤتمر شرقي غربي تبحث فيه أهم نقاط الخلاف الديني،٧ فكتب في صيف هذه السنة نفسها إلى دونوس بابا رومة وطلب إليه أن يوفد اثني عشر أسقفًا إيطاليًّا إلى مؤتمر ينظر في الخلاف القائم في العقيدة، وكتب الإمبراطور إلى إكسرخوس رابينة يأمر بتسهيل سفر هؤلاء الأساقفة وإبحارهم إلى القسطنطينية،٨ وكان دونوس قد تُوفي في نيسان السنة ٦٧٩ فخلفه أغاثون، فاتصل البابا الجديد بأساقفة الغرب مستمزجًا، فتأخر جوابُهُ فانتهز ثيودوروس القسطنطيني هذه الفرصة فحذف اسم فيتاليانوس من الذيبتيخة، فرد عليه الإمبراطور بأنْ أمر به فخلع واستعيض عنه بجاورجيوس، وكان هذا أقل تمسكًا بالمونوثيلية من سلفه.٩
وفي أوائل أيلول السنة ٦٨٠ وصل الوفد الروماني إلى القسطنطينية، وكان مؤلَّفًا من أساقفة ثلاثة وقسيسين وشماس وأيبوذياكون، وحمل هذا الوفد رسالة من أغاثون إلى قسطنطين تنبئ بتأليف الوفد وباستعداد أعضائه لتأييد قرارات المجامع المسكونية السابقة،١٠ وحمل الوفد أيضًا بيانًا بالإيمان موقعًا من البابا ومائة وخمسة وعشرين أسقفًا غربيًّا، يؤكدون فيه نبذ التعليم بالمشيئة الواحدة،١١ ولدى وصول هذا الوفد طلب الإمبراطور إلى كل من جاورجيوس بطريرك القسطنطينية ومكاريوس بطريرك أنطاكية؛ أن يدعوا الأساقفة الخاضعين لسلطتهما إلى القسطنطينية للاجتماع بزملائهم الغربيين،١٢ فلَبَّى الدعوةَ — بادئ ذي بدء — ثلاثةٌ وأربعون أسقفًا، ثم تكاثروا حتى أصبح مجموعُ الموقعين مائة وأربعة وسبعين، ومَثَّلَ كنيسة الإسكندرية القس بطرس، وكنيسة أوروشليم القس جاورجيوس، وبدأت أعمالُ المجمع في السابع من تشرين الثاني سنة ٦٨٠، وانتهت في السادس عشر من أيلول سنة ٦٨١، وبلغ عدد الجلسات الرسمية ثماني عشرة جلسة.
وعقد المجمع جلساته في قاعة القبة «الأطرولُّوس» In Trullo، وجلس قسطنطين الرابع في حفلة الافتتاح في صدر المجلس، وعن جانبيه قُضاة الدولة، ثم جلس عن يساره نُوَّاب البابا ونائب بطريرك أوروشليم، وجلس عن يمين الإمبراطور جاورجيوس بطريرك القسطنطينية، ثم مكاريوس بطريرك أنطاكية، ثم نائب بطريرك الإسكندرية فسائر الأساقفة بعضهم عن اليمين والبعض عن اليسار، وجعل الإنجيل المقدس في الوسط.
وطلب نواب البابا في الجلسة الأُولى إلى إكليروس القسطنطينية أن يشرحوا القول بالفعل الواحد والمشيئة الواحدة، فطلب الإمبراطور إلى البطريركين جاورجيوس ومكاريوس أن يُجيبا، فقال بطريرك أنطاكية: إنه موجود في مجامع أشهر الآباء وبطاركة القسطنطينية ومعتقدات كيروس الإسكندري وأونوريوس بابا رومة، فطلب القصر البينة على ذلك، فأحضرت أعمال المجامع وقرئت في الجلسات الأربع التالية، وتبين أن الرسالة التي نسبها سرجيوس بطريرك القسطنطينية إلى سلفه في الكرسي ميناس لم تتفق في الخط والترقيم وما قبلها وما بعدها من أعمال المجمع الخامس، ولدى التفتيش في محفوظات بطريركية القسطنطينية وُجدت نسخة أخرى من أعمال هذا المجمع نفسه، وتبين أنها خالية من نص الرسالة موضوع البحث.١٣

وفي الجلستين الخامسة والسادسة في السابع من كانون الأول سنة ٦٨٠ والثاني عشر من شباط سنة ٦٨١ قَدَّمَ مكاريوس البطريرك الأنطاكي ثلاثة مجلدات، ضمنها نصوصًا ادعى أنها تؤيد القول بالمشيئة الواحدة، وفي الجلسة السابعة في الثالث عشر من شباط قدَّم الوفد الروماني مقتطفات من أقوال الآباء في تأييد القول بالمشيئتين.

وفي الجلسة الثامنة في السابع من آذار سنة ٦٨١ طلب الإمبراطور إلى البطريركين جاورجيوس ومكاريوس أن يُبديا رأيهما في بيان البابا أغاثون، فعاد جاورجيوس إلى نصوص الآباء ودرسها على ضوء ما جاء في بيان زميله الروماني، فتبين له وجه الصواب وقال بالمشيئتين، ووافقه في ذلك جميع الأساقفة الخاضعين لسلطته، وطلب هذا البطريرك إعادة اسم البابا فيتاليانوس إلى الذيبتيخة فأُعيد، ثم سُئل مكاريوس والأساقفة الأنطاكيون عن رأيهم، فوافق هؤلاء الأساقفة على القول بالمشيئتين، ولكن مكاريوس أبى مدعيًا أن القول بالمشيئتين يعرضهما إلى الاختلاف والتناقُض، فأعاد الإمبراطور الطلب فأنكر البطريرك مفضلًا الموت مُقَطَّعًا على القول بالفعلين والمشيئتين.

وانصرف الآباءُ في الجلسة التاسعة إلى التدقيق في المجلدات الثلاثة التي وضعها مكاريوس لتأييد القول بالفعل الواحد والمشيئة الواحدة، وقابلوا بعض ما أخذه عن الآباء بالأصول؛ فظهر التبديلُ والتحريفُ، فاقترح الآباءُ قطع مكاريوس وتلميذه اسطفانوس، وخصصت الجلسة العاشرة للتدقيق في ما قدمه الوفد الروماني ومقابلته بالأصول.

واجتمع الآباءُ للمرة الحادية عشرة والثانية عشرة في العشرين والثاني والعشرين من آذار لدرس جميع ما صنف مكاريوس، فتُليت جميعُها، وسُئل مكاريوس عنها فاعترف بصحة نسبتها إليه، فسأل القضاة المجمع ماذا يكون مصير مكاريوس بعد الندامة والتوبة، وهل يظل بطريركًا على أنطاكية، فلم يرض الآباء الأعضاء، فخلع مكاريوس ونوَّه بثيوفانس خلفًا له.١٤

وفي الجلسة الثالثة عشرة حكم بالحرم على سرجيوس وبيروس وبطرس بطاركة القسطنطينية وعلى كيروس بطريرك الإسكندرية وعلى أونوريوس بابا رومة وثيوذوروس أسقف فارانة سيناء.

ودخل على الآباء في الجلسة الخامسة عشرة في السادس والعشرين من نيسان قس متوحد من أتباع مكاريوس، اسمه بوليخرونيوس، وادعى هذا القس أنه رأى في حلم ملائكة سماويين وفيهم رجلٌ عظيمُ الجلال أوصاه أن يذهب إلى الإمبراطور وينذره ألا يقول إلا بمشيئة واحدة، وادعى القس أيضًا أنه يستطيع إقامة الأموات تصديقًا لرسالته، فخرج الأساقفةُ والرؤساءُ إلى ساحة الحمام، ووضعوا أمام القس ميتًا على نعش وطلبوا إليه أن يُقيمه، فوضع القس على صدر الميت اعترافَه بالمشيئة الواحدة، وانحنى عليه يبتبت فلم يستطع أن يفعل شيئًا، فقطعه المجمع وحرمه.١٥
وفي الجلسة السابعة عشرة صدق المجمع جميع أعماله السابقة وحرم المعتقدين بالمشيئة الواحدة والفعل الواحد، وفي الثامنة عشرة في السادس عشر من أيلول سنة ٦٨١ تلي اعتراف المجمع هكذا: «بمسيح وابن ورب وحيد، هو نفسُهُ بطبيعتين وأقنوم وشخص واحد وبمشيئتين طبيعيتين وفعلين طبيعيين بلا انقسام ولا تَغَيُّر ولا تَجَزُّؤ ولا اختلاط … وليست المشيئتان متضادتين، حاشى! بل المشيئة البشرية تتبع بلا مقاومة ولا مناكفة، وتخضع لمشيئته الإلهية القادرة على كل شيء.»١٦

وجاء حرم البابا أونوريوس هكذا: «وإننا نحرم أونوريوس الذي قام بابا على رومة القديمة؛ لأننا وَجَدْنَاه في تحاريره إلى سرجيوس تابعًا في كل شيء لرأيه، وموافقًا على عقائده الفكرية.» ووافق نُوَّابُ البابا على هذا الحرم وأيده البابا لاوون الثاني؛ لأن أغاثون تُوُفِّي في مطلع السنة ٦٨١.

واعتبر المجمع رسالة صفرونيوس إلى سرجيوس من أعمال المجمع، ودعا آباء المجمع للرؤساء، فقالوا: «إننا ندعو بالسنين الكثيرة لأغاثون بابا رومة وجاورجيوس وثيوفانس بطريركي القسطنطينية وأنطاكية وللمجمع والسينودوس.» ودعوا أيضًا لقسطنطين الرابع «نصير الأرثوذكسية وعمود الكنيسة وحارس الإيمان»، ووافق الإمبراطور على جميع أعمال هذا المجمع، وأوجب القول والعمل بها بإرادتين إمبراطوريتين؛ الأُولى بتاريخ السادس عشر من أيلول، والثانية بتاريخ الثالث والعشرين من كانون الأول سنة ٦٨١.١٧

يوستنيانوس الثاني (٦٨٥–٦٩٥)

وتُوُفِّيَ قسطنطين الرابع في أول أيلول سنة ٦٨٥، فتولى العرشَ بعده ابنُهُ يوستنيانوس الأشرم Rhinometos، وكان لا يزال في السادسة عشرة من عمره، وكان طموحًا مشبعًا بحب العظمة والمجد، فأراد أن يحتذي مثال سميه يوستنيانوس الأول، ولكنه كان يشكو شيئًا من قلة الاتزان، فتطور سوء ظنه بالناس وحبه للعنف إلى شراسة في الخلق ورغبة في سفك الدماء، أما في أُمُور العقيدة فإنه كان أرثوذكسيًّا مخلصًا متمسكًا بقرارات المجامع المسكونية.١٨

المجمع الخامس السادس (٦٩٢)

وأَدَّت حروب القرن السابع وفِتَنُهُ إلى إهمال القوانين الكنسية وقلة الاكتراث بها،١٩ وحصر آباءُ المجمعين الخامس والسادس أبحاثهم في أمور العقيدة، ولم يعالجوا مشاكل الكنيسة الإدارية، فدعا يوستنيانوس الثاني إلى مجمع يكمل أعمال هذين المجمعين فيُعنَى بالإدارة والضبط، ومن هنا تسميته بالمجمع البنثيكتي Penthektos؛ أي الخامس والسادس، واسمه في الآداب الكنسية الغربية Quinesextum.

واشترك في أعمال هذا المجمع مائتان وسبعةٌ وعشرون أسقفًا أو مائتان وأربعون، وأبرزُهُم بولس بطريرك القسطنطينية، وبطرس بطريرك الإسكندرية، وجاورجيوس بطريرك أنطاكية، وأنسطاسيوس بطريرك أوروشليم، وأسقف غورتيني وأسقف رابينة نائبَا بابا رومة. واجتمع الأعضاءُ وعقدوا جلساتهم في القسطنطينية وفي قاعة القبة أيضًا.

وسَنَّ المجمع البنثيكتي مائة قانون وقانونين، وأثبت الآباء في أول هذه القوانين تمسكهم بالعقيدة الأرثوذكسية كما جاءت في أعمال المجامع الستة، وكَرَّرُوا شجب الهراطقة وحرم القائلين بها بما فيهم البابا أونوريوس،٢٠ وأكد الآباءُ في القانون الثاني تأييدَهم للقوانين التي سَنَّهَا سلفاؤهم أعضاء المجامع السابقة، وبحثوا في المائة الباقية علاقات الشمامسة بالقساوسة وزواج هؤلاء وأولئك، وعَيَّنُوا السن التي يجب أن يبلغها الإكليريكي قبل سيامته، وحرَّموا الدَّين بالربا على رجال الدين، والرشوة للوصول إلى المناصب الكنائسية، وبحثوا الكتب المقدسة وكيفية استعمالها والمحافظة عليها والتعليم بها، كما بحثوا في أمور الرهبانية والأديار والجمعيات السرية وعتق الرقيق، والتصاوير البذيئة، والسحر والكهانة وأمر اليهود.٢١

رومة تحتج

ودونت أعمال هذا المجمع في نسخ ست، واحدةٌ لكل من الإمبراطور والبطاركة الخمسة وأُرسلت جميعها إلى رومة ليوقعها البابا، وكان البابا كونون قد تُوفي في السنة ٦٨٧ فخلفه سرجيوس الأنطاكي (٦٨٧–٧٠١)، فأبى سرجيوس أن يوقع، محتجًّا ببعض محتوياتها كتحريم الصوم أيام السبت والإذن للكهنة بالزواج، فأراد يوستنيانوس أن يكرهه على ذلك، ولكن جيشه في إيطالية وقف إلى جانب البابا.٢٢

خلع يوستنيانوس وعودته

واستنزفت حروب يوستنيانوس كل ما في الخزينة، فجمع وزيراه الأموال عن طريق الاغتصاب فجرا عليه كراهية الشعب، وأراد هو في السنة ٦٩٤ أن تهدم كنيسة في القسطنطينية ليقيم في مكانها بناءً له، وكلف البطريرك المسكوني أن يصلي على الكنيسة قبل هدمها، فأجابه البطريرك: أما لأجل بناء كنيسة فعندنا أفشين، ولكن لأجل هدم كنيسة فليس لنا ما نقول! فأجبره يوستنيانوس أن يصلي للهدم، فوقف البطريرك ودموعه تسيل وصلى قائلًا: المجد لله الطويل الأناة كل حين وكل أوان وإلى دهر الداهرين.

وطغى يوستنيانوس وتجبر فسار القائدُ لاونديوس إلى القصر وقبض على يوستنيانوس وجدع أنفه ونفاه إلى الخرسون، ثم أخفق لاونديوس في إفريقية فنادى الجند بطيباريوس إمبراطورًا، ووُفق طيباريوس هذا الثالث في حروبه ضد المسلمين، ولكن الشعب والجيش كانوا قد أصبحوا لا يخضعون لسيطرة أَحَدٍ، فبات عرش طيباريوس متداعيًا، وفَرَّ يوستنيانوس الثاني من منفاه ونزل في بلغاريا واستنصر تربيل ملك البلغار، فزحفا معًا على القسطنطينية، وعاد يوستنيانوس إلى العرش (٧٠٥)، وفي السنة ٧١١ ثار فيليبيكوس البرداني فدخل العاصمة ثم قتل يوستنيانوس وابنه طيباريوس، فانتهى أمر الهرقليين بعد مائة سنة وسنة.

يوستنيانوس والبابا قسطنطين (٧١١)

ورغب يوستنيانوس بعد عودته إلى الحُكم في موافقة رومة على أعمال المجمع البنثيكتي، فدعا البابا قسطنطين إلى زيارة القسطنطينية، فأمها في السنة ٧١١ واستقبل فيها بحفاوة وإكرام، واختلى يوستنيانوس بقسطنطين في نيقوميذية فخرجا متفقين، وأقام الباب قداسًا حافلًا في القسطنطينية وتناول يوستنيانوس من يد البابا، وعاد البابا إلى رومة مكرمًا، وبقي أمر هذا الاتفاق غامضًا تنقصه التفاصيل.٢٣

ظهور الكنيسة المارونية

واستولى الفرس على أبرشيات أنطاكية فرحب اليعاقبة بقدومهم وتعاونوا معهم، وطالت الحرب الفارسية (٦٠٩–٦٢٨) فلمس هرقل أهمية ولاء اليعاقبة والأرمن لقربهم من حدود فارس ولكثرة عددهم، فرغب في تسوية الخلاف القائم بين هؤلاء وبين الكنيسة الجامعة، فأعد سرجيوس البطريرك المسكوني حلًّا للمشكلة فقال بطبيعتين مع الكنيسة الجامعة بفعل واحد لاسترضاء اليعاقبة والأرمن والأقباط، ووضعت الحرب أوزارها، فأخذ هرقل يطوف في الولايات الآسيوية ويحض النصارى على التفاهُم وتوحيد الصفوف بالشكل الذي اقترحه سرجيوس بطريرك القسطنطينية، ووصل هرقلُ إلى الجزيرة في صيف السنة ٦٣١ وزاره فيها آزر كاثوليكوس الأرمن فقبل الحل الجديد، ثم اتصل هرقل بأخبار اليعاقبة في منبج فقالوا بالمشيئة الواحدة والطبيعتين، واعترف هرقل ببطريركهم أثناسيوس الجمال بطريركًا قانونيًّا على كنيسة أنطاكية، ثم اتجه الإمبراطورُ شطر سورية الشمالية مقرِّبًا موحدًا، فلقي ترحيبًا كبيرًا.

ووصل هرقل إلى حمص في هذه السنة عينها (٦٣١) فخَفَّ رهبانُ بيت مارون إلى استقباله فيها، ورحبوا به ترحيبًا، «فأقطعهم أراضي واسعة»،٢٤ وأبقى في أيديهم ما كانوا قد أخذوه من الكنائس والأديار التي كانت لليعاقبة،٢٥ فازدادوا عزة ومناعة ونفوذًا وتعاونوا معه.٢٦
وأطل المسلمون على سورية وانتشروا في سهولها واستولوا على مغانمها، وتراجع هرقل وأوصى أعوانه وأنصاره — وبين هؤلاء رهبان بيت مارون وأتباعهم — بالتيقُّظ والتربص مؤكدًا عودته بعد حين، فاشتد ضغط المسلمين على هؤلاء الأعوان والأنصار، وأكد اليعاقبة للمسلمين أنهم ليسوا من أنصار الملك، فأطلق المسلمون يدهم فاضطهدوا رهبان بيت مارون وأتباعهم محاولين استرجاع ما خسروا من أديار وكنائس،٢٧ وكان اليعاقبة لا يزالون كثرًا في أبامية ونواحيها، ولهم دير عظيم بالقرب منها على اسم مار باسوس بلغ عددُ رهبانه ستة آلاف وثلاثمائة،٢٨ فطلب الموارنة لهم ملاجئ حصينة يعيشون فيها أحرارًا طلقاء، ويمتنعون بها إلى أن يعيد الروم الكرة ويجولوا جولة ثانية في الحرب القائمة بين النصارى والمسلمين، واغتنم معاويةُ نشوب الثورات في أوائل عهد قسطنطين الرابع فأنفذ حملاته الشهيرة ووصل إلى أسوار القسطنطينية (٦٧٣–٦٧٧)، فأنفذ الروم المردة والجراجمة إلى جبال لبنان للقيام بغارات جريئة في بلاد الشام تعرقل أعمال تموين العدو وتهدد عاصمته، فاحتمى بهؤلاء كثيرون من أهل البلاد،٢٩ وضوى إليهم «جماعة كثيرة من الجراجمة والأنباط»،٣٠ وهؤلاء الأنباط هم في عُرف رجال البحث والاختصاص العناصر الآرامية المعاصرة٣١ ومنها الموارنة، ولم تأتِ هذه الهجرة دفعة واحدة، وإنما حدثتْ في أزمنة متتالية، فجاء الموارنة إلى لبنان على موجات صغيرة واستقروا — بطبيعة الحال — في أعالية الشمالية في منطقة الجبة القريبة من وادي العاصي، وفي بلاد العاقورة التي كانت لا تزال قليلةَ السكان كثيرةَ الغابات.٣٢
وسار موكبُ المشيئة الواحدة في البلدان التي لم تكن قد فتحها المسلمون سيرًا موفقًا، فقال بها بطاركة القسطنطينية وأرمينية ومصر، وأيدهم أونوريوس بابا رومة، فصدر الإكثيسيس بالمشيئة الواحدة في السنة ٦٣٨، وتولى السدة القسطنطينية بعد سرجيوس من قال بالمشيئة الواحدة وبث الدعاية لها وناصر من ناصرها، وتعاقب على الكرسي الأنطاكي من قال هذا القول منذ السنة ٦٣١ حتى السنة ٦٨١، وأشهر هؤلاء مقدونيوس صديق سرجيوس وكاريوس صاحب المصنفات في المشيئة الواحدة، وكان القول بالمشيئة الواحدة على ما دعا إليه هرقل قد شاع في أبرشيات أنطاكية وأوروشليم، وتفشى بين طبقات الشعب والإكليروس من الملكيين الموارنة منهم وسواهم، ومن هنا اهتمام البابا مرتينوس وتفويضه إلى يوحنا أسقف عمان أمر رعاية من تبقى من المؤمنين الأرثوذكسيين وتخويله خلع الأساقفة في أبرشيات أنطاكية وأوروشليم الذين ضلوا فضللوا،٣٣ وقد نغالي كثيرًا إذا اعتبرنا البطاركة الأنطاكيين المونوثيليين المقيمين في القسطنطينية آنئذٍ شرفيين In Partibus Infidelium بكل ما في هذا الاصطلاح من سلطة وهمية وفقر في النفوذ، فموقف الإمبراطور من مكاريوس قُبيل انعقاد المجمع المسكوني السادس يدل على صلة بين البطريرك الأنطاكي وبين الأساقفة الخاضعين لسلطته.٣٤
وكان ما كان من أمر المجمع المسكوني السادس (٦٨١) وحرَّم القول بالمشيئة الواحدة، وأصر بطريرك أنطاكية مكاريوس على غَيِّه وأمعن في تِيهِه، فوسم بطابع الهرطقة وحرم هو وأتباعه، وآثر مكاريوس الاتصال ببابا رومة على البقاء في القسطنطينية فأذن له بذلك، فأقلع إلى إيطالية مع أعضاء الوفد الروماني، ووصل إلى رومة والتبستْ عليه وُجُوه الرشد فغلا في هرطقته فدخل ديرًا وأقام فيه، واعتبر اليعاقبة عمل المجمع المسكوني السادس غُلُوًّا في ما ذهب إليه المجمع الخلقيدوني، فاشمأزوا واتهموا قسطنطين الرابع بالخيانة، وادعوا أنه باع ضميره لقاء مائة وسبعين قنطارًا من الذهب دفعها إليه البابا إغاثون!٣٥ وأصبح من نكَّب من الملكيين عن طاعة المجمع السادس بلا رأس، فاجتمع رهبان بيت مارون ورسموا على قول المؤرخ اليعقوبي بطريركًا وأساقفة من ديرهم، وهكذا تأسستْ كنيسةٌ مارونيةٌ مستقلةٌ بين أواخر القرن السابع وأوائل الثامن.

يوحنا مارون (٦٢٧–٧٠٧)

وأثبت ما يستنتج من تقاليد الموارنة أن رهبان دير مارون وأتباعهم — أثناء شغور الكرسي الأنطاكي — نادوا بيوحنا أحد رهبانهم الأفاضل بطريركًا على أنطاكية، وأنه هو أول بطاركتهم، ومما جاء في التقليد أنه رقد في جبل لبنان وتوالى بعده بطاركة الموارنة.٣٦

الموارنة والمشيئة الواحدة

ويذكر القديس جرمانوس البطريرك المسكوني (٧١٥–٧٢٩) الموارنة في كتابه المجامع والهرطقات، فيقول: إنهم لم يعترفوا بالمجمعين الخامس والسادس،٣٧ ويعد القديس يوحنا الدمشقي رسالة في العقيدة الأرثوذكسية قبل السنة ٧٢٦ ليتبناها إلياس أسقف يبرود أمام رئيسه بطرس متروبوليت دمشق، فيجيء في القسم في آخرها أن الأسقف لا يقول إلا بها، وأنه لا علاقة له بأي دستور إيمان آخر، ولا سيما دستور إيمان الموارنة،٣٨ ويوجه ثيودوروس أبو قرة أسقف حران (٧٤٠–٨٢٠) رسالة إلى صديق له كان يعقوبيًّا فاهتدى٣٩ فيقول بالعربية: «ولا نرى أن القوى التي كانت في التركيب الأنسي بطلت؛ لأن الكلمة هو كان المدبر والمحرك لها وإن كان قد يرى ذلك جند الموارنة.» ولعله ينسب للموارنة رأي غلاة المونوثيلية المتأخرين.
وقام سعيد ابن البطريق بطريرك الإسكندرية (٩٣٣–٩٤٠) يؤرخ منذ الخليقة حتى أيامه، فقال: إن مارون علَّم بالطبيعتين والمشيئة الواحدة والفعل الواحد والأقنوم الواحد، وإضافة أنه علم في عصر موريقيوس، وأن أكثر مَن تبعه تلاميذه أهل مدينة حماة وقنسرين والعواصم فسُميوا المارونية،٤٠ وسيعد ابن البطريق هو أفتيخيوس المشار إليه آنفًا، وهو يخلط بين القديس مارون ويوحنا مارون البطريرك الماروني الأول، فيضعف روايته.٤١

ويتصدى للبحث في هذا الموضوع في القرن العاشر مؤرخٌ مسلمٌ، هو أبو الحسن علي المسعودي، المتوفى في السنة ٩٥٧ للميلاد، وقد اشتهر بحب الاستطلاع والبحث في المواضيع الإسلامية وغيرها، وصنف كتبًا عديدة أشهرها مروج الذهب، وبحث في كتاب التنبيه والإشراف في الموارنة، فقال:

وظهر في أيام موريق رجلٌ مِن أهل مدينة حماة، من أعمال حمص يُعرف بمارون، وإليه تُنسب المارونية إلى هذا الوقت المؤرَّخ به كتابنا، وأمرهم مشهورٌ في الشام وغيرها، وأكثرهم بجبل لبنان وسنير وحمص وأعمالها كحماة وشيزر ومعرة النعمان. وكان لهم ديرٌ عظيمٌ يعرف شرقي حماة وشيزر، ذو بنيان عظيم، حوله أكثر من ثلاث مئة صومعة فيها الرهبان، وكان فيه من آلات الذهب والفضة والجوهر شيءٌ عظيم فخرب هذا الدير وما حوله من الصوامع بتواتُر الفتن من الأعراب وجور السلطان، وهو يقرب من نهر الأرنط نهر حمص وأنطاكية. وكان مارون قد أحدث آراءً أبان بها عمن تقدمه من النصارى في المشيئة وغيرها وكثر متبعوه، وقد أتينا على شرح مذهبه وموافقته الملكية والنسطورية واليعاقبة في الثالوث، ومخالفته إياهم في ما يذهب إليه من أن المسيح جوهران أقنوم واحد مشيئة واحدة، وهذا القول متوسط بين قول النسطورية والملكية.٤٢

كتاب الهدى

وقد سطتْ محنُ الدهر وعوادي الزمن على آثار الموارنة الأولين، فلم يبق منها شيء يُذكر، وأقدم ما عند الموارنة كتاب الهدى والمقالات العشر.٤٣
وكتاب الهدى، أو كتاب الناموس، أو كتاب الكمال الذي يُنسب إلى المطران داود الماروني هو في الحقيقة مجهولُ المؤلف؛ لأن المطران داود لم يؤلفه، وإنما نقله من السريانية إلى العربية في نحو السنة ١٠٥٨؛ وذلك إجابة لطلب راهب فاضل اسمه يوسف، والمطران داود مجهولٌ أيضًا، وكذلك صديقه الراهب يوسف، وليس في متن كتاب الهدى ما يدل على واضعه سوى العبارة «وقال الأب القديس». أو ما يشابهها. ولا نعلم مَن هو هذا الأب القديس، ولعله مار يوحنا مارون أو أحد خلفائه البطاركة الأولين أو غيرهم، وقد يكون هذا الكتاب من كُتُب الطائفة المارونية؛ بدليل ما جاء في الباب الثالث عشر منه عند ذِكر آراء النصارى في أَخْذ القربان؛ فقد جاء ما نصه بالحرف: «فرأت الروم أن تقريبه في كل يوم واجب، ولكنها قالت: إن ترك أخذه في أكثر الأوقات أولى من أخذه دائمًا، أما الأرمن فإنهم لا يرون تقريبه بالجملة إلا في أوقاتٍ مخصوصةٍ مثل الخميس الكبير والفصح، وما أَشْبَهَ ذلك من الأعياد الكبار، فأما أكثر السريان، وهم أهل مذهبنا وأكثر اليعاقبة وسريان المشرق والنساطرة؛ فرأيهم في المواظبة على أخذه في أكثر الأوقات أولى من تركه.» ويتضح من هذا أن السريان أهل مذهبه هم غير الروم والأرمن واليعاقبة والنساطرة وسريان الشرق.٤٤ نقول: قد يكون هذا الكتاب من كتب الموارنة؛ بدليل ما اقتبسنا، وقد لا يكون. وقد يكون لبعض الموارنة لا لجميعهم.
والذي يهمنا من كتابه الهدى جاء في القانون الأول منه وفيه كلام صريح في أمر المشيئة الواحدة، وإليك نصه:

فنقول: إنه هكذا نعتقد، وهكذا نؤمن أن أحد الأقانيم الثلاثة الشريفة، وهو الابن الكلمة المولود من الآب ليس في الزمان والابتداء وليس كتوليد الأجسام بعضها من بعض، بل هو نورٌ من نور إله حق من إله حق في آخر الزمان من أجل كثرة رحمته قد صنع خلاص الجنس الآدمي بمشيئة الآب، وروح القدس هبط من السماء من غير أن يفارق ذات الآب، ومن غير تغير ولا فساد، تجسد من روح القدس والطاهرة ابنة يواقيم وحنة، وأخذ منها جسدًا موازيًا لنا في طبيعتنا وموازيًا لنا في جوهرنا الإنساني، جسمًا ذا نفس ناطقة عالمة، وشابهنا في كل شيء سوى الخطيئة، وولد منها ابنًا واحدًا وربًّا واحدًا يسوع المسيح أقنومًا واحدًا وشخصًا واحدًا ذا جوهرين معقولين من جوهر الآب الأزلي بلاهوته، ومن جوهرانا بناسوته محسوس بالجسم الإنساني وغير محسوس باللاهوت، محدود بالجسم الزماني الإنساني وغير محدود باللاهوت الأزلي الأبدي.

وإذْ قد اعتقدنا فيه هذا الاعتقاد الذي ذكرناه؛ فإننا لا نعتقد فيه أيضًا اثنين ولا مسيحين ولا فعلين حاشا من ذلك، بل هو واحد، يسوع المسيح ابن الله، الذي من أجلنا تأنس أقنوم واحد وشخص واحد، وهو يعقل بجوهرين ومشيئة واحدة وفعل واحد إله أزلي ليس له ابتداء، وإنسان آدمي زماني ذو جسم نفساني حساس زماني، وهو إله تام باللاهوت وإنسان تام بالجسم الإنساني.

وبهذه الأوصاف قد آمنت البيعة المقدسة، وبها أقرت واعترفت هي وجميع أولادها، وعلى ذلك اتفق رأيُ النصارى المؤمنين، وآمنوا بالرب يسوع المسيح ابن الله الحي الأزلي الذي هذه أوصافه، وكانت أرواحهم متفقة في جميع ما قدمنا ذكره إلى هذا الذي انتهينا إليه من أوصاف الابن الأزلي يسوع المسيح، ثم اختلفوا فيه كيف كان بعد الاتحاد وافترقوا فرقًا كثيرة.

فأول فرقة ظهرت من الفرق المشهورة الفرقة المنسوبة إلى آريوس، وهي التي تُدعى الآريوسية، ثم النسطورية، وهي المنسوبةُ إلى نسطور. ثم اليعقوبية، وهي المنسوبة إلى يعقوب الذي كان من مدينة تدعى بردعاء؛ ولذلك يقال له: البرادعي. ثم الملكية، وهي المنسوبة إلى قسطنطين بن قسطنطين بن هرقل الملك. ثم المارونية، وهي المنسوبة إلى مارون يوحنا بطريرك أنطاكية العظمى.٤٥
وثبتت هذه الفرقُ الأربعُ على أن الفرقتين الملكية والمارونية اللتَين ذكرناهما إنما هما فرقةٌ واحدة، ورأيهما في الاتحاد والجوهر والأقنومية رأيٌ واحد، وإنما اختلفتا في المشيئة، فقالت الملكية بمشيئتين، وقالت المارونية بمشيئة واحدة. واحتجَّت كل واحدة منهما بحجج، فقالت الملكية في المسيح: إنه ذو مشيئتين للجوهرين؛ مشيئة إلهية للجوهر الإلهي ومشيئةٌ إنسانيةٌ للجوهر الإنساني، وقالت المارونية: بل هو ذو مشيئة واحدة للجوهرين الإلهي والإنساني. ومن بعض ما احتجَّت به الملكية أنه لما كان المسيح ذا جوهرين؛ جوهر إلهي وجوهر إنساني؛ وجب أن يكون ذا مشيئتين: مشيئة إلهية للجوهر الإلهي، ومشيئة إنسانية للجوهر الإنساني، إلا أن الجوهر الإلهي تختص به مشيئة التفضُّل والإنعام وإظهار المعجزات، مثل: شفاء المرضى وفتح أعين العمي وإنهاض الزمني وإحياء الموتى؛ وما أشبه ذلك، والجوهر الإنساني يختص به العالميات مثل الأكل والشرب، ولو كان المسيح ذا مشيئة واحدة؛ لوجب أن يكون جوهرًا واحدًا وعاد الأمر إلى ما قالت اليعقوبية، واستدلت على ذلك بقوله في الإنجيل: أما النفس فمختارةٌ مستعدة، وأما الجسم فموجوعٌ ضعيف، وبقوله: ما أتيت لأصنع مشيئتي، بل مشيئة الآب الذي أرسلني، وقالت طائفة المارونية: هاتان المشيئتان اللتان ادعيتموهما لا تخلوان مِن أن تكونا إما متساويتين أو متضادتين، فإن كانتا متساويتين في جميع حالهما عاد الأمر إلى مشيئة واحدة، وإن كانتا متضادتَين جاء من ذلك أن يكون الجوهر الإلهي يشاء ما لا يشاء الجوهر الإنساني، وكذلك الجوهر الإنساني يشاء ما لا يشاء الجوهر الإلهي، وإذا حصل ذلك وقع التبايُن والقضاء وحصلا اثنين وبطل حكم الاتحاد وصار الثالوث رابعًا، وآل الأمر إلى رأي نسطور وما ادعاه في المسيح.٤٦

المقالات العشر

وكتاب المقالات العشر في المشيئة الواحدة للأسقف توما الكفرطابي يقول مع كتاب الهدى بالطبيعتين والمشيئة الواحدة، ويستدل من مقدمة هذا الكتاب أن صاحبه توما كان أسقفًا على موارنة كفر طاب وكورة حلب٤٧ في النصف الثاني من القرن الحادي عشر، وأنه كتب في المشيئة الواحدة ليرد على يوحنا السابع بطريرك أنطاكية الأرثوذكسي، وذلك في السنة ١٠٨٩، ومِن أَهَمِّ ما جاء في هذه المقالات قوله:

ونحن وأنتم دُمنا ثابتين على ذلك زمان كثير إلى زمان مكسيماس خاصتكم الذي من تحقيق ولد زنا؛ لأن أمه كانت مرأة عجمية زنت مع رجل يهودي من ملة السامرة، فلما ولد منها هذا المذكور ونشأ، ثم إنه تدرب بكل أُمور منشقة عن العدل بكل مكر وأفعال ردية؛ لأنه تربى في طبرية، وانتقل من هناك إلى مدينة قسطنطينية، وعند ذلك الحين كان في مدينة قسطنطينية ملِكين أخوة، مرقيان وأخيه تسلَّما مقاليد سياسة مملكة الروم. حينئذٍ تقدم إليهم مكسيما المذكور وطفق يشير عليهما بأن يوجب أننا نزيد مشيَّة أخرى ويكونا مشيَّتين لذو الطبعين، وهذا الاعتقاد يلزم افتراق الطبيعتين من الاتحاد الشريف، ثم إن الملكين امتثلا قوله؛ لأنه قال كما أنتما ملكين يصير لكما شعبٌ يسمى ملكيين باعتقاد مشيَّتين وطبعين وفعلين ومذبحين، ويُصلَّب بأصبعين، فلما حسن ذلك عند الملكين كي يظهر لهم سمعة جديدة في العالم أمرهم مكسيماس يكتبوا مناشيرَ إلى بلد الشام؛ كي أنهم يعتقدوا مقالة المشيتين التي قالها مكسيماس، فلما انتهت كتبهم إلى بلاد سورية الشام وبلد حلب ودمشق وجبل لبنان، حينئذٍ قالوا أهل الشام إننا نحن راجعين إلى حكم دير ماران سرياني، تفسيرها عربي: دير ربنا؛ لأن صفة هذا الدير كان على شط العاصي خارج مدينة حماة، وكانت جملة رهبانه ثمانمائة راهب كلهم قديسين.

ثم وصلت لهم كتب الملكين مرقيان وأخيه إلى دير ماران، فلما وقفوا على قراءتها وتأملوا مضمون إشارتها للحين؛ نفروا منها غاية الإنفار، ثم إن الرهبان ردوا جواب كتب الملكين قائلين لهم هكذا: أنتم تعلمون؛ لأن نحن بأيدينا أمانة الثلاثمائة وثمانية عشر أبًا بمدينة نقية، وقامت عليها خمسُ مجامع وثبتتها لنا واحرموا لكل من يغيرها أو يميل عنها، وتأمرونا نقيم مذهب مكسيماس بيد غالبة وسيف، ومذهب حق لم يكن بقوة حرب، وهذا الشقاق اخترعه مكسيماس من تلقين قلبه بأغراض مفسدة مايلة عن عدل المجامع، فإن كان مكسيماس قوله حق يجي ويجتمع نحن وإياه بمدينة الله أنطاكية، فإن رأينا نعمة روح القدس حَلَّ عليه علمنا أن قوله عدل، وإذا لم يكون كذلك وإلا لم يكرهنا أحد على اتباع مقالته غصبًا بغير شهادة برهان من كتب الكنيسة المقدسة الرسولية وتثبيت قوانين المجامع المقدسة المهذبة بنعمة الروح القدس.

ثم إن أولئك الرهبان القديسين كتبوا جواب مراسلة الملكين، وتسلم رسل الملوك وانصرفوا من عندهم، فلم يشعروا إلا وقد ظهرت جيوشُ الإسلام، وقطعت البلد، وتغلبوا على دمشق ومصر، وأيضًا بيت المقدس وجميع الشام، فلما عادوا الملكين كاتبوا دير مارون، عند ذلك ثبتوا أهل الشام وجبل لبنان على تلك المقالة المقدسة المفوضة من الرسل والمجامع المقدم ذكرها، فلما عاد توفوا الملكين مرقيان وأخيه.

حينئذٍ تقلد سياسة مملكة الروم بعد هولاي هرقل الملك المنصور الذي رفع مجد دين النصرانية، وأباد أعاديها وأهلك أضدادَها من الفُرس وغيرهم، وأهلك بُلدانهم وأخرب حضرانهم وأَمْحَى ذكرهم ورفع منارة الصليب الكريم على جميع الأعالي، وكسر معبودات المجوس عُبَّاد الأوثان، وأقام بحق الملك نظير قسطنطين الكبير الملك القديس، الذي ثبت مقالة الثلاثمائة والثمانية عشر في مدينة نيقية.

وإن الملك هرقل القديس نكر على مقالة مكسيماس، ثم كتب عرف البان لاوون بطريرك رومية بفساد تلك المقالة الذي زادها مكسيماس بغير شهادة حق، فلما بلغ كتاب الملك هرقل إلى لاوون حينئذٍ تأمله وفهم مضمون صحة إيمانه، عند ذلك أرسل جوابه رسالة يبارك له بملكه ويدعي له بالنصر قائلًا له: إن الذي ابتدع هذا الشقاق مستحق تأديب قطع لسانه ويده، فلما وصل كتاب البطريرك قَبِلَه هرقل قبل الوقوف عليه، حينئذٍ أشخص بين يديه مكسيما وأمر بعض غلمانه أحد اسمه قسطا قطع لسان مكسيما ويده وأنفاه إلى جزيرة تُسمى الريكية، وهذا المقال مؤرخ عندنا وعندكم بكتاب سعيد بن بطريق، وهناك مات مكسيما منفيًّا وبطلت مقالة المشيئتين ومحا ذكرها في ملك هرقل وابنه قسطنطين، وابن قسطنطين كان اسمه قسطاس مقدار سبعين سنة.

وبعد هولاي تقدموا تلاميذ مكسيماس إلى أهل المراتب، وقدموا لهم البرطيل والرشوات الجزيلة، وردوا المقالة المنشقة كما كانت من مكسيما، وانشقوا أولئك إلى تلك المقالة، وثبتنا نحن أهل حلب وحماة وحمص في الشرق وجبل لبنان بمقالة الخمس مجامع، وثبتوا تلاميذ مكسيماس منشقين وحودهم لا يخالطهم أحدًا، وأكثروا المقال والعيب واللعنات؛ بغضة منهم ورقاعة إلى جميع صفوف النصارى المؤمنين إخوتنا المسيحيين.

وأنتم تلاميذ مكسيماس أخذتم لكم لعنة تلعنوا بها جميع المسيحيين، ظلمًا وبغضة بغير شهادة عدل، وما سمعتم ما قال الإنجيل المقدس صلوا على من يلعنونكم ظلمًا، افرحوا وابتهجوا؛ لأن أجركم كثيرٌ في السماء، وباركوا على من لعنوكم ومن صخَّرك ميل مُرَّ معه ميلين، وأنتم أخذتم لكم لعنة تلعنوا بها النساطرة والإفرنج والأرمن، والقبط والحبش، واليعاقبة والموارنة.

ولا تعتبوا علينا ولا تلومونا؛ لأننا أوريناكم الصواب، ولكم بروسكم ولربنا المجد، ونحن سمينا موارنة من دير ماران — تفسيره دير ربنا — وأنتم انشقيتم وحودكم وسميتم ملكيين على اسم الملكين عابدين مشيتين وإرادتين وفعلين وغرضين ومذبحين وتصلبوا بأصبعين، وأفرقتم السيد المسيح مسيحين، عرفتك ذلك بعد إكرامك يا أبي القديس وصلي عليَّ مِنْشَان الله، له السبح، آمين آمين.٤٨

موقف علماء الموارنة

وأحكم ما صنف في هذا الموضوع على يد الموارنة كتاب: لباب البراهين عن حقيقة أمر الطائفة المارونية، للمطران يوسف دريان، فإنه جاء — والحق يُقال — غزيرَ المادة جزيلَ المباحث واضحَ التعبير، وظهر بعده بثمانية عشر عامًا كتابٌ آخرُ بالإفرنسية، لصديقنا سيادة الحبر العلامة المطران بطرس ديب، وقد أسماه: «الكنيسة المارونية حتى نهاية العصور الوسطى»،٤٩ وقد استوعب سيادته أُصُول هذا الموضوع، وأحاط به بالطريقة العلمية الحديثة، فجاء كتابه مرجعًا لا يُستغنى عنه، وتلخص نظرية المطران يوسف دريان والمطران بطرس ديب بما يلي:
  • أولًا: أن القول بالمشيئة الواحدة لم يصل إلى أبرشيات أنطاكية في عهد سرجيوس وأونوريوس وهرقل، وأن القول بالمشيئتين تسرب إلى هذه الأبرشيات بواسطة بعض الأسرى في أوائل القرن الثامن.
  • ثانيًا: أن الموارنة — ولو قالوا بالمشيئة الواحدة — لا يصح أن يقال بصواب أنهم مونوثيليون بحصر المعنى؛ لأن المشيئة الواحدة في عُرفهم «واحدة معنويًّا؛ أي في مفعولها ونتيجتها لا في قوتها ومبدئها».٥٠
  • ثالثًا: أنه لا يجوز عَدُّ الموارنة الأولين هراطقة؛ لأنه لا يصح فيهم تحديدُ الهرطقة وشروطها، ولا سيما وأنه لم يكن في عملهم أَيُّ عناد أو جسارة، أو مكابرة أو عصيان على سلطة الكنيسة، كما برهنوا على ذلك عند أول اتصالهم بالكرسي الرسولي الروماني بعد تحديد المجمع المسكوني السادس.

ويرى صديقُنا العلامة سيادة المطران مخائيل ضومط أن التعبير «مشيئتان طبيعيتان وفعلان طبيعيان» الذي أقره المجمع المسكوني لم يظهر في المناقشات الأولى التي رافقتْ قضيةَ المشيئة الواحدة، وقد أخذها بعضهم بمعنًى أدبي يقصد به «الأمر المراد»، وبالفعل «الأمر المفعول»، وفي عدم التمييز التباسٌ أَدَّى إلى جدال هو أشبهُ شيء بما قام حول تعبير الطبقية الواحدة الموروس عن كيرلس الإسكندري.

١  Lewis, A. R., Naval Power and Trade in the Mediterranean, 54-55.
٢  فتوح البلدان للبلاذري، ص١٥٩.
٣  الأعلاق النفيسة لابن رستة، ص٣٢٧، والبلاذري أيضًا.
٤  Canard, M., Expéditions des Arabes contre Constantinople, Journ. Asiat., 1925-1926, 77–80.
٥  Theophanes, Chron., a. 6169; Nicephore, 32-33, 42; Dolger. Reg. 239.
٦  Brooks, E. W., Successors of Heraclius, Cam. Med. Hist., II, 400–406.
٧  Mansi, XI, Col. 617–620.
٨  Dolger, Reg., 242; Liber Pontificalis, I, 350.
٩  Theophanes, Chron., a. 6168, 6169, 6170.
١٠  Mansi, XI, Col. 234–286.
١١  Mansi, XI, Col. 286–315; Hefelé-Leclercq, III, 477–483.
١٢  Dolger, Reg., 244; Mansi, XI, 201–204; Hefelé-Leclercq, III, 483-484.
١٣  Hefelé-Leclercq, III, 487–490, 504–506.
١٤  Hefelé-Leclercq, III, 499–504.
١٥  Mansi, XI, Col. 602–611.
١٦  Mansi, XI, Col. 611–622. Hefelé-Leclercq, III, 515–538: Duchesne, L., L’Eglise au VI Siècle, 472-473; Bréhier, L., La Paix Religieuse, Fliche et Martin, op. cit., V, 189-190.
١٧  Dolger, Reg., 248; Mansi, XI, Col. 727–729.
١٨  Bréhier, L., La Paix Relig. op. cit., V, 191-192; Diehl, C., L’Empereur au Nez Coupé, Choses et Gens de Byzance, 174–177.
١٩  Diehl, C., Le Monde Oriental, 211–235.
٢٠  Bréhier, L., op. cit. V, 195.
٢١  Mansi, XI, Col. 921–936; Liber Pontificalis (Duchesne), I, 372-373; Hefelé-Leclercq, III, 560-561, 575-576.
٢٢  Gorres, F., Justinian II und das Romische Papsllum, Byz. Zeit., 1908, 440–450.
٢٣  Bréhier, L., La Paix Raix Relig., op. cit., V, 199-200.
٢٤  Eutychius, Annales, P. G., Vol 111, Col. 1039, Ed. Cheikho, II, 26.
٢٥  Barhebraeus, Chronicon Eccl., I, 270–274.
٢٦  Michel le Syrien, II, 412; Bréhier, L., Crise Relig., op. cit., V, 116; La Vie de l’Eglise Byz., op. cit. V, 481.
٢٧  Barhebraeus, op. cit., 270–274.
٢٨  Chabot, La Légende de Mar Bassus, 55, 60, 63.
٢٩  Theophanes, Chron., a. 6169.
٣٠  فتوح البلدان للبلاذري، ص١٦٠.
٣١  ZDMG, 1871, 124-125.
٣٢  تسريح الأبصار للأب لامنس، ج٢، ص٥٢.
٣٣  Mansi, X, Col. 806–822; Duchesne, L., L’Eglise au VI Siècle, 443.
٣٤  Dolger, Reg., 244; Mansi, XI, Col. 201–204; Hefelé-Leclercq, III, 483-484; Bréhier, L., La Paix Relig., op. cit., V, 186.
٣٥  Michel le Syrien, II, 447-448, 457.
٣٦  لباب البراهين عن حقيقة الطائفة المارونية، للمطران يوسف دريان، ص١٢١، راجعْ أيضًا الجامع المفصل في تاريخ الموارنة للمطران يوسف الدبس ٦٣–٦٩ وChabot, J. B., Les Origines de la Légende de Sainl Jean Maron, Mem. Acad. Insc. Bel. Let., 1935, 1–9.
٣٧  Patr. Gr., Vol. 98, Col. 82.
٣٨  Patr. Gr., Vol. 94, Col. 1432.
٣٩  Die Arabischen Schriften des Theodor Abu Qurra von Harran, Forschungen zur Christlichen Literatur, X; Cheikho-Malouf-Bacha, Vingt Traités Théol. d’Auteurs Arabes Chrétiens, 75–107.
٤٠  Edit. Cheikho, Corpus Script. Christ. Orient., I, 210.
٤١  Vailhé, p., Origine Relig. des Maronites, Echos d’Orient, 1906, 266.
٤٢  التنبيه والإشراف للمسعودي، طبعة باريز، ص١٥٤.
٤٣  كتاب الهدى، وهو دستور الطائفة المارونية في الأجيال الوسطى، عُني بنشره الأخ بطرس تامر العشقوتي، حلب ١٩٣٥.
٤٤  لباب البراهين للمطران يوسف دريان، ص٢١٤–٢٣٦.
Dib, Mgr. Pierre, L’Eglise Maronite, 131–134.
٤٥  ويعلق هنا المطران دريان فيقول: «وفي النسخة الكريمية يوجد بعض التشويش في هذه العبارة خاصة، فقد وردت فيها كما يلي: ثم المارونية المنسوبة إلى مارون وإلى قسطنطين بن قسطاس بن قسطنطين بن هرقل.» لباب البراهين، ص٢٣٩.
٤٦  لباب البراهين للمطران دريان، ص٢٣٧–٢٤٢.
٤٧  المرجع نفسه، ص٢٥٣، هامش رقم ٢، وفيه بحثٌ دقيقٌ في انتساب هذا الأسقف إلى الموارنة، وردٌّ على ابن القلاعي والدويهي وغيرهما ممن أنكر على توما مارونيته.
٤٨  لباب البراهين للمطران دريان، ص٢٦٣–٢٦٧.
٤٩  Dib, Mgr. Pierre, L’Eglise Maronite jusqu à la Fin du Moyen age, Paris, 1930.
٥٠  لباب البراهين، ص٢٤٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١