الفصل الثاني

في زوجاته وأولاده

(١) إباحة الإسلام تعدُّد الزوجات

ينتقد المبشِّرون وأكثر المستشرقين ما أباحه الإسلام من تعدُّد الزوجات، ويزعمون أن الإسلام بإباحته هذه «النقيصة الاجتماعية» قد أفسد كيان الأسرة، وأدخل عليها الشقاق بما أثار بين الزوجات من عوامل الحقد والحسد والغيرة وقطع أوصال الأخوة بما يكون بين أبناء الضرائر من تنافر، وأن الإسلام الذي يزعم أصحابه أنه جاء لإصلاح ما فسد من أوضاع العرب الاجتماعية قد أبقى النقيصة الكبرى، فكأنه لم يعمل شيئًا في سُبل الإصلاح. والحق أن القرآن قد أباح تعدُّد الزوجات وسمح للمرء أن يتزوج مثنى وثلاث ورباع، ولكنه قد قيَّد هذا الأمر بقوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً. فأنت ترى أن الإسلام قد قيَّد هذه الحرية بقَيْد يصعب الانفلات منه، فإن مجرد الخوف من عدم استطاعته العدل بين الزوجات يجعل تعدُّد الزوجات محرَّمًا. على أن بعض الفرق الإسلامية، وهم المعتزلة، ذهبوا إلى تحريم هذا الأمر لعدم إمكان «العدل»، ولتعسُّر تطبيق الشروط الإلهية فيه،١ ثم إن مجرد الإباحة ليس معناها التحريض على فعل الأمر أو الوقوع فيه؛ فإن هناك كثيرًا من الأمور التي أباحها الإسلام من باب التسهيل على الناس كتعدُّد الزوجات وإباحة الطلاق، فقد تمرُّ ببعض الناس ظروف طارئة وأحوال قاهرة تضطرهم إلى فعل هذا الأمر. ونرى ونحن في صدر هذا الموضوع، أن نشير إلى موضوع شديد التماس به، وهو إباحة تعدد الزوجات؛ فقد زعم بعض الناس من رجال ونساء أن الإسلام لم يكن منصفًا في إباحته تعدد الزوجات وتحريمه تعدُّد الأزواج، وكان ينبغي عليه تمشيًا مع خطَّة العدل والإنصاف التي جاء بها أن يبيح للمرأة الواحدة أن تتزوج أكثر من زوج واحد، كما كان بعض العربيات يفعلن ذلك في الجاهلية. وقد تعرَّض الأستاذ عبد العزيز الجاويش في رسالته القيمة «الإسلام دين الفطرة» إلى هذه النقطة، وأجاب عنها بما نرى فيه المقنع الكافي، قال: وهنا مسألة أولع بإيرادها كثير من أحداث هذا الزمان، قالوا: لِمَ جاز تعدد الزوجات على شرطٍ دون تعدد الأزواج؟ ما أعلم أن ذلك يقضي بداهة إلى اختلاط الأنساب فيقع اللبس في نسبة النسل، ولا يخفى أن ذلك يقضي إلى تعطيل كثير من الأحكام الدنيوية كالنفقة والإرث وغيرها.٢ وأضيف إلى ما قاله أن العربيات المستهترات اللواتي كن يفعلن ذلك في الجاهلية كن بعض النساء البرزات اللواتي اتُّهمن من أخلاقهن، كسمية أم زياد٣ وأمثالها؛ فقد رووا أن جماعة من الرجال تزوجوها، فقد كان من عادة العرب في الجاهلية إذا تزوجت المرأة هذا التزوج وولدت ولدًا ألحقت ولدها بمن تختار من أزواجها، ولا يخفى ما لهذا الإلحاق من العار للولد، وهذا أمر تأباه روح الإسلام السمحة النبيلة.

(١-١) زوجات النبي

كما أثارت فكرة تعدد الزوجات في الإسلام كثيرًا من حملات الانتقاد، كذلك أثارت قضية تعدد زوجات النبي حملات من أعداء الإسلام وزنادقته؛ فقد اتخذوا هذا الأمر وسيلة للطعن في النبي ووصفه بالشهوانية والإفراط في حب الدنيا واللذة الجسدية والجنسية. وقد رأيت لزامًا على نفسي في هذا الموضوع أن أعرض لمناقشة هذه القضية، لا دفاعًا عن النبي الكريم ولا إشادة بمحاسن أخلاقه وتنزيهه عن النقائص؛ فإن هذه الأمور ليست مجال مناقشة، وإنما تعرَّضتُ إليها لأبيِّن الظروف التاريخية والمناسبات التي تزوج فيها النبي زوجاته، مع الإلمام بطرف من أحوال كل سيدة من زوجاته، وما أُثِر عنها، وما أُثِرت في الدين، وما خلَّفت للنبي الكريم من بنين وبنات وحفدة، وما كان لآل البيت النبوي الطاهر من أثر في الإسلام في العروبة خاصة، وفي الإسلام عامة.

السيدة خديجة

قد قدَّمنا الكلام عنها في الفصل الثالث من الباب الثاني.

السيدة سودة

وهي بنت زمعة بنت قيس بن عبد شمس القرشية، وهي ثاني امرأة تزوَّجها رسول الله، وكان أبوها من وجوه قريش، أما أمها فهي الشموس بنت قيس بن زيد بن عمر من وجوه بني النجار.

كانت قبل تزوج النبي بها تحت ابن عمها السكران بن عمرو، ولما جاء الإسلام أسلمت وزوجها في أوائل من أسلموا، وهاجرت مع زوجها إلى أرض الحبشة، فبقيت هناك إلى أن رجع المسلمون، وقد هلك زوجها هناك، وقيل: بل رجع بعد وصولهم إلى مكة. وكانت السيدة خديجة قد تُوفيت وليس في بيت النبي أحد يقوم بأمره، فجاءته خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون فقالت له: يا رسول الله، ألا تزوج؟ فقال: «ومن؟» قالت: إن شئت بكرًا، وإن شئت ثيبًا. فقال: «مَن البكر ومَن الثيِّب؟» فقالت: أما البكر فابنة أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر الصديق، وأما الثيِّب فسودة بنت زمعة وقد آمنت بكَ واتبعتك. قال: «فاذكريهما علي.» قالت: فأتيت أم رومان زوج أبي بكر فقلتُ: يا أم رومان، ماذا أدخل الله عليكم من خير؟ قالت: وما ذاك؟ قلتُ: رسول الله يذكر عائشة. قالت: انتظري فإن أبا بكر آتٍ. قالت: فجاء أبو بكر فذكرت ذلك، فقال: أَوَتصلح له وهي ابنة أخيه؟ فذهبتْ إلى رسول الله وقالت له: إن أبا بكر يقول: وهل تصلح له وهي ابنة أخيه؟ فقال رسول الله: «أما أنا فأخوه وهو أخي، وابنته تصلح لي.» فأتت أبا بكر وقالت له ما قال رسول الله، فقالت أم رومان لأبي بكر: وابن المطعم بن عدي، ما تصنع به؟ وقد كان ثمة حديث بين آل أبي بكر وآل المطعم في تزويج عائشة بابن المطعم، فقام أبو بكر من ساعته فأتى المطعم بن عدي فقال له: ما تقول في أمر هذه الجارية؟ فأقبل المطعم على زوجته فقال: ما تقولين؟ فأقبلت على أبي بكر فقالت: لعلنا إن أنكحنا هذا الصبي إليك تُصبيه وتدخله في دينك والذي أنت عليه. فقال أبو بكر لمطعم: وأنت ما تقول؟ فقال بمثل قول زوجته، فقام حينئذٍ أبو بكر وأتى بيته وقال لخولة: قولي لرسول الله فليأتِ. فجاءه رسول الله فملكها وأصدقها أربعمائة درهم. ثم ذهبت خولة إلى سودة فقالت: ما دخل الله عليك من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: إن رسول الله بعثني إليك. فقالت: وددت ذلك، ولكن أدخل على أبي. وكان أبوها شيخًا، فحيَّته بتحية أهل الجاهلية فقالت: أنعم صباحًا. فقال: من أنتِ؟ قالت: خولة بنت حكيم. فرحَّب بها فقالت: إنَّ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يذكر سودة. فقال: هو كريم، فما تقول صاحبتك؟ فقالت: تحب ذلك. قال: فقولي له فليأتِ. فجاء رسول الله فملكها وتزوجها ودخل بها.

وكانت السيدة سودة سيدة كريمة تحب الصدقة والإحسان إلى الفقراء والمساكين، وكانت تحب عائشة كما أن عائشة كانت تحبها، وكانت تهب يومها لعائشة تلتمس بذلك رضاءً برسول الله؛ فقد روي عن عائشة أنها قالت: لما كبرت سودة جعلت يومها من رسول الله لي، وقالت: يا رسول الله، جعلت يومي منك لعائشة. فكان رسول الله يقسم لعائشة يومين؛ يومها ويوم سودة. وكانت عائشة تقول: ما رأيت امرأةً أحب إلى أن أكون في سلاحها — جلدها — من سودة بنت زمعة.٤ وكانت سودة من حزب عائشة، فقد كان نساء النبي حزبين: حزب عائشة؛ وفيه حفصة وصفية وسودة، وحزب أم سلمة؛ وفيه سائر أزواج النبي . وقد تزوجها النبي قبل أن يعقد على خديجة، وقيل غير ذلك.٥ وتُوفيت السيدة سودة في أواخر عهد عمر، وقيل: بل ظلت إلى سنة ٥٤ﻫ.

السيدة عائشة

أما ثالث امرأة دخل بها رسول الله فهي عائشة بنت أبي بكر بن أبي قحافة الصديق، وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس من بني مالك بن كنانة. وقد رأينا كيف خطبتها السيدة خولة بنت حكيم لرسول الله ، وكان عقد النبي عليها بعد وفاة السيدة خديجة في السنة العاشرة للبعثة النبوية، وكان لها ست سنوات، ولم يدخل بها إلا في السنة الثانية من الهجرة ولها تسع سنوات، وهي البكر الوحيد التي تزوجها النبي ، ومنحها قلبه وحبه، فأدَّبها بأدب الإسلام ومنحها عنايةً، فتفقَّهت في الدين ووعت علم سيد المرسلين حتى صارت مرجع المسلمين. قال أبو موسى الأشعري: ما أشكل علينا، أصحاب رسول الله حديثٌ قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا. وقال الحافظ عبد الغني المقدسي: روي لها عن رسول الله ألف وعشرة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم على ١٧٤ حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، ومسلم بثمانية وستين.٦ وكان عبد الله بن الزبير ابن أختها أسماء — الذي تكنَّت به — وعروة بن الزبير أكثر الذين نقلوا عنها العلم والدين. قال عروة: ما رأيت أحدًا أعلم بالقرآن ولا بفرائضه ولا بحلال ولا بحرام ولا بشعر ولا بحديث العرب ولا بنسبٍ، مِن عائشة. وكان يقول: ما رأيت أعلم بفقه ولا طب ولا شعر من عائشة. وقيل له: ما أرواك يا عبد الله! وكان أروى الناس للشعر، فقال: وما روايتي من رواية عائشة، ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرًا.٧
وكان الرسول يحبها كثيرًا ويفضِّلها عن نسائه، وكانت نساؤه يَغِرْن منها، ويعملن على إغاظتها؛ فقد روت عائشة عن رسول الله أن أزواج النبي أرسلن فاطمة بنت رسول الله إليه تكلِّمه في أمر، فاستأذنت عليه وهو مضطجع مع عائشة وهي في مرط، فأذن لها، فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة. قالت عائشة: فسمعت ذلك وأنا ساكتة. فقال رسول الله: «أيْ بنيَّة، ألستِ تحبين ما أُحب؟» قالت: بلى. قال: «فأحبِّي هذه.» فقامت فاطمة حين سمعت ذلك فخرجت إلى أزواج النبي فأخبرتهن بالذي قالت وبالذي قال لها، فقلن: ما نراك أغنيتِ عنا من شيء، فارجعي إلى رسول الله فقولي له: إن نساءك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة. فقالت فاطمة: والله لا أكلِّمه فيها. فأرسلن زينب بنت جحش وهي التي كانت تسامي عائشة عند رسول الله ، فاستأذنت على رسول الله فأذن لها، فقالت له: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة. قالت عائشة: إن فاطمة قالت ذلك ووقعت فيَّ واستطالت وأنا أراقب رسول الله وأراقب طرفه، هل أذن لي فيهما، فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله لا يكره أن أنتصر لها، فلما وقعت بها لم أنشب حتى أثخنتها، فقال رسول الله: «إنها ابنة أبي بكر.»٨

وكان الرسول يداعبها ويسامرها ويسابقها ويُكبِر فيها العقل وحُسن الفهم والإدراك وسعة الرواية وحُسن التلقِّي وإفراط التعبُّد والحياء، ولما اتُّهمت بحادثة الإفك وأنزل الله براءتها في القرآن الكريم فرح النبي بذلك، ولما مرض الرسول مرضة الموت اختار بيتها ليُمرَّض فيه ومات عندها. ولم يؤخذ عليها شيء سوى انغماسها في غمرة السياسة وخروجها إلى البصرة لمحاربة عليٍّ، وقد كانت تذكر ذلك وهي نادمة مستغفرة، وظلت في بيتها إلى أن ماتت ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة مضت من رمضان (سنة ٥٨ﻫ) ولها من العمر ست وستون، وصلى عليها أبو هريرة، ودُفنت بالبقيع رضوان الله عليها.

حفصة بنت عمر بن الخطاب

وأمها زينب بنت مظعون بن حبيب الجمحي، أخت عثمان بن مظعون. وُلدت قبل النبوة بخمس سنين، وتزوَّجها قبل النبي خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أوائل من هاجروا إلى المدينة وأبلَوْا في الغزوات وهلك يوم بدر، وتأيَّمت حفصة فعرض أبوها زواجها على عثمان، فقالت: ما أريد أن أتزوج يومي هذا. فعرضها على أبي بكر، فلم يرجع إليه بشيء. ولبث ليالي، فخطبها رسول الله فأنكحه إياها، وقال أبو بكر لأبيها: لعلك وجدت عليَّ حين عرضتَ عليَّ حفصة فلم أُرجِع إليك شيئًا. فقال عمر: نعم. قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك إلا أني سمعت رسول الله يذكرها، ولم أكن لأفشي سر رسول الله، ولو تركها لنكحتها. وكان نكاح رسول الله إياها على رأس ثلاثين شهرًا من الهجرة، وهي شقيقة عبد الله بن عمر وأسنُّ منه، وقد طلَّقها النبي تطليقة واحدة ثم راجعها، وظلت حفصة حتى ماتت في شعبان سنة ٤٥ﻫ في خلافة معاوية وهي ابنة ستين سنة.٩

السيدة زينب بنت خزيمة بن الحارث الهلالية

وأمها هنيد بنت عوف بن زهير بن الحارث، وكانت سيدة نبيلة كريمة، وكان اسمها في الجاهلية «أم المساكين»؛ لإحسانها إليهم وعطفها عليهم. تزوَّجها أول الأمر عبيدة بن الحارث، وقُتل يوم بدر، فتزوَّجها رسول الله بعد ذلك وأصدقها اثنتي عشرة أوقية ونشًّا، وذلك على رأس واحد وثلاثين شهرًا من الهجرة قبل وقعة أُحد بيوم واحد، ولم تلبث عنده إلا شهرين، وقيل: بل ثلاثة. وقيل: بل ثمانية. ثم تُوفيت في ربيع الآخر من سنة أربع للهجرة، فصلى عليها ودفنها بالبقيع.١٠

السيدة أم سلمة هند بنت أبي أمية حذيفة الجواد الملقَّب بزاد الراكب

وأمها السيدة عاتكة بنت عامر بن ربيعة بن عبد المطلب، تزوَّجها أول الأمر أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد القرشي، فولدت له سَلَمة، وعمر، ورقية، وزينب. ولما ظهر الإسلام اعتنقته وزوجها وهاجرا إلى الحبشة، ثم رجعا ومات أبو سَلَمة سنة أربع للهجرة، ولما مات خطبها أبو بكر فرفضت، وخطبها عمر فأبت، ثم خطبها النبي فقالت: مرحبًا برسول الله. وكانت من أجمل النساء، وكان زواج النبي بها في ليالٍ بقين من شوال من السنة الرابعة للهجرة.

وكانت أم سلمة سيدة نبيلة جليلة، عاقلة فاضلة، وكان النبي يجلُّها، ويَقبل مشورتها، وقد ظلَّت إلى خلافة يزيد بن معاوية وماتت في سنة ستين، وقيل: سنة تسع وخمسين. وصلى عليها أبو هريرة، ودُفنت بالبقيع ولها أربع وثمانون سنة.١١

السيدة زينب بنت جحش بن رباب

وأمها السيدة أُميمة بنت عبد المطلب بن هاشم عمة رسول الله ، زوَّجها النبي أول الأمر من غلامه زيد بن حارثة الذي تبنَّاه، ثم طلَّقها فتزوَّجها الرسول، وفيها نزلت الآية: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا … ولما تزوَّج بها النبي في السنة الخامسة تكلَّم المنافقون في ذلك، وقالوا: حرَّم محمد نساء الولد وتزوَّج امرأة ولده. فأنزل الله الآية: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ، ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ، فدُعي يومئذٍ «زيد بن حارثة»، وكان يُدعى «زيد بن محمد». وبسبب زينب نزلت آية الحجاب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ. وكان النبي يُحب زينب حبًّا كثيرًا، وكانت تُسامي السيدة عائشة عند رسول الله، وكانت عائشة تغار منها، ولكنها تصفها بالدين والتقوى وصدق الحديث، والصدقة، والزهد.

وقد ماتت زينب في سنة عشرين للهجرة في خلافة عمر، عام فتح مصر، فكانت أول امرأة للنبي تموت بعده ولها من العمر ٥٣ سنة، وصلى عليها أمير المؤمنين عمر.١٢

السيدة جويرية بنت الحارث بن ضرار الخزاعية المصطلقية

كانت قبل زواجها بالنبي تحت مسافع بن صفوان المصطلقي، ولما غزا النبي بني المصطلق وسباهم وقعت في سهم ثابت بن قيس الأنصاري في سنة خمس للهجرة، فكاتبته على نفسها، ثم جاءت إلى رسول الله فقالت: أنا جويرية بنت الحارث، وقد كاتبت نفسي فجئت أسألك. فقال رسول الله: «فهل لكِ إلى ما هو خير؟» قالت: ما هو؟ قال: «أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك.» فقبلت، وأصدقها النبي أربعمائة درهم.

وتُوفيت ولها خمس وستون سنة في ربيع الأول سنة خمسين للهجرة.١٣

السيدة أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان القرشية

وأمها صفية بنت أبي العاص القرشي، تزوَّجها قبل النبي عبيد الله بن جحش وأسلم ثم هاجر إلى الحبشة في الهجرة الثانية، ولما أقام في الحبشة اعتنق النصرانية ومات عليها هناك، وبقيت هي على الإسلام، فكتب الرسول إلى النجاشي أن يزوِّجه إياها ويبعث بها إليه، فأخبرها النجاشي بذلك فقبلت، وأصدقها النجاشي أربعمائة دينار، ثم بعث بها إلى النبي مع شرحبيل بن حسنة، وكان ذلك في السنة السابعة للهجرة.

وماتت بالمدينة المنورة في سنة أربع وأربعين للهجرة، وقيل: بل في سنة اثنتين وأربعين في خلافة معاوية بن أبي سفيان.١٤

السيدة ميمونة بنت خزيمة بن الحارث الهلالية

وأمها السيدة هنيدة بنت عوف بن زهير بن الحارث، وهي أخت السيدة زينب بنت خزيمة.

وقد خطبها النبي في السنة السابعة من الهجرة من زوج أختها جعفر بن أبي طالب بعد موت زوجها أبي رهم بن عبد العزَّى القرشي، فأنكحه إياها، وتزوَّجها بسَرَف وهو على عشرة أميال من مكة. وماتت في هذا المكان في سنة إحدى وخمسين للهجرة، وصلَّى عليها ابن عباس.١٥

السيدة صفية بنت حيي بن أخطب اليهودية

كانت تحت كنانة بن أبي الحقيق، الشاعر الوجيه اليهودي الذي قُتل يوم خيبر، تزوَّجها الرسول بعد مقتل زوجها في سنة سبع للهجرة، وكان بينها وبين السيدة حفصة كلام وعتاب، وكان النبي يلاطفها ويجاملها. ويُروى أن عمر بعث إليها أنه بلغه من جارية لها أنها تحب السبت، وأنها تصل اليهود، فقالت: أما السبت فإني لم أحبه منذ أن بنى بي رسول الله يوم الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحمًا فأنا أصلها. ثم قالت للجارية: ما حملك على ما صنعتِ؟ قالت: الشيطان. فقالت صفية: اذهبي فأنتِ حرة. وكانت صفية حليمة عاقلة فاضلة.

ماتت في رمضان سنة خمسين في زمن معاوية، ودُفنت بالبقيع، وخلَّفت ما قيمته ألف درهم من أرض وعَرَض، وأوصت لابن أختها، وقيل: بل لأخيها، بثلث مالها، وكان يهوديًّا.١٦

هؤلاء هن زوجاته ، ولم يتزوَّج بهن إلا بعد وفاة السيدة خديجة، ولم يتزوَّج بواحدة منهن إلا لسبب من مصلحة عامة أو غيرة أو غير ذلك من الأساليب التي كان هو أدرى بها، لا لأسباب جنسية بحتة كما يزعم ذلك بعض الضالين من الزنادقة أو المغرضين من المستشرقين. فأول امرأة تزوَّج بها بعد وفاة خديجة كانت سودة، وإنما تزوج بها لتقوم بأمور بيته، ثم تزوَّج بالسيدة عائشة، وما كان تزوُّجه بها إلا لأنه كان يحب أن يرتبط بأبي بكر ارتباطًا تقويه وشائج الدم مع وشائج الأخوة والإسلام، وكذلك كان أمر زواجه بحفصة بنت عمر. وأما زينب بنت خزيمة فقد كانت سيدة نبيلة أصيبت بزوجها واشتد ولهها عليه، فلم يجد النبي بدًّا من التزوج بها، ولم تلبث عنده إلا شهرين حتى لحقت بزوجها، وقد ظل النبي الكريم وفيًّا لها ولأسرتها فتزوَّج بأختها ميمونة. وأما أم سلمة فقد كانت امرأة كهلة، ولما مات زوجها يوم بدر اشتد حنينها إليه فواساها النبي قائلًا: «سلي الله أن يؤجرك في مصيبتك، وأن يخلفك خيرًا.» فقالت: ومن يكون خيرًا من أبي سلمة! فأدرك النبي أنها تريده بعد أن رفضت الزواج بأبي بكر وعمر وتزوَّجها. وأما زينب فإنما تزوَّجها ليزيل ما علق بأذهان الناس يومئذٍ من أن مطلَّقات المتبنين حرام على المتبنِّي، كما بينَّا ذلك وكما أشارت إليه الآية الكريمة. وأما زواجه برملة بنت أبي سفيان فقد كان شاهدًا على النجدة والمروءة والشرف؛ لأنه رآها بعد مخالفتها لأبيها وهجرتها مع زوجها إلى الحبشة فرارًا بدينها، وفجيعتها بزوجها، أهلًا لأن تصان ويكون لها عضد يحميها، فكان هو ذلك العضد. وأما جويرية فقد كانت بنت سيد قومها، فلما وقعت سَبيَّة واستعطفته، عطف عليها ورحمها وتزوَّجها، وكان زواجه بها سببًا في عتق أسرى قومها. وأما صفية فكان أمرها كأمر جويرية.

هذا هو السر في تعدد أزواج النبي لا ما يزعمه المغرضون والضالون.

وهناك أيضًا عدد من السراري المملوكات تزوَّج بهن رسول الله؛ وهن أربعة: «مارية القبطية»، وهي التي أهداها إليه المقوقس صاحب مصر والإسكندرية في سنة سبع، وكان معها أختها سيرين وهدايا أخرى، وكان النبي معجَبًا بها. وقد ولدت له ابنه إبراهيم في ذي الحجة من السنة الثامنة، وماتت في خلافة عمر سنة ست عشرة للهجرة، فصلى عليها عمر ودفنها بالبقيع. و«ريحانة ابنة شمعون» القرظية، وقيل: النضرية، ملكها النبي بعد غزو قومها بني قريظة أو بني النضير، فلم تزل عنده حتى ماتت بعد رجوعه من حجة الوداع ودفنها بالبقيع. وكانت له سريتان أخريان: إحداهما أهدتها إليه زوجته السيدة زينب بنت جحش، والثانية أَمَة يهودية من بني قريظة اسمها زليخة.

(٢) أولاده

اضطربت روايات المؤرخين في عدد أولاد النبي ، ولكنهم أجمعوا على ستة؛ هم: القاسم، وإبراهيم، وزينب، ورُقيَّة، وأم كلثوم، وفاطمة. وزاد ابن هشام في السيرة: الطاهر، والطيب. وزاد الزبير بن بكار: أنه ولد له ولد أيضًا اسمه عبد الله، وأنه مات صغيرًا بمكة وهو الملقَّب بالطيب. ويقال: إن الطاهر والطيب وعبد الله اسم لمسمى واحد، وهو قول الأكثرين، وقيل غير ذلك، حتى أوصلهم بعضهم إلى اثني عشر مولودًا.١٧

وقد وُلدوا كلهم قبل الإسلام من السيدة خديجة، إلا إبراهيم فإنه وُلد بعد الإسلام من السيدة مارية. ومات البنون منهم قبل الإسلام أيضًا وهم يرتضعون، وكان القاسم هو أول وَلد وُلد له قبل النبوة، وبه كني، وعاش حتى مشى ثم مات.

أما أكبر البنات فهي «زينب»، وُلدت سنة ثلاثين من مولد النبي، وأدركت الإسلام فأسلمت، وأبى زوجها أبو العاصي بن الربيع أن يسلم، فتركته وهاجرت إلى الحبشة، ثم ماتت في السنة الثامنة للهجرة.١٨ وتليها «رقية»، وقد وُلدت في سنة ثلاث وثلاثين من مولده، وقد تزوجها عتبة بن أبي لهب قبل البعثة النبوية، وقد طلَّقها بعد أن نزلت سورة: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ على رسول الله. وكذلك «أم كلثوم»، فقد كانت تحت عتيبة بن أبي لهب، أخي عتبة، وقد طلَّقها أيضًا بعد أن نزلت سورة «تبت».

وأما ابنته السيدة فاطمة، فقد وُلدت سنة إحدى وأربعين من مولده، وزوَّجها النبي من ابن عمه علي بن أبي طالب في السنة الثامنة، وقد ظلت معه طوال عمره وبقيت بعد قتله بستة أشهر، وهي أم ريحانتَي رسول الله الحسن والحسين رضوان الله عليهما.

(٣) أمواله وتركته وميراثه

المتواتر عن النبي أنه كان زاهدًا في الدنيا وأموالها ومتعها، وأنه إنما كان ينال منها ما يسدُّ به أوده، ويكفي به عياله من خبز الشعير ومتواضع الإدام، وخشن الثياب، وهذا جعل بعض أهل بيته يضجُّون من كثرة التضييق عليهم؛ فقد ذكر المؤرخون أن نساء النبي ضقن ذرعًا بحياة الخشونة، فأجمعن على أن يسألنه ما يترفهن به، فغضب لذلك أشد الغضب، ورأى أن يطلقهن كلهن، وفي ذلك نزلت الآية الكريمة: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا. وقد روى جابر بن عبد الله أن أبا بكر الصديق جاء يومًا إلى رسول الله يستأذن عليه والناس ببابه جلوس، والنبي جالس، فلم يؤذن له، ثم جاء عمر فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أذن لهما ودخلا عليه وهو جالس وحوله نساؤه وهو ساكت، فقال عمر: لأكلمن رسول الله لعله يضحك. فقال: يا رسول الله، لو رأيت ابنة زيد — امرأة عمر — سألتني النفقة آنفًا فوجأت عنقها. فضحك النبي حتى بدت نواجذه، وقال: «هن حولي كما ترى يسألنني النفقة.» فقام أبو بكر إلى عائشة يضربها، وقام عمر إلى حفصة، كلاهما يقولان: تسألان رسول الله ما ليس عنده! فنهاهما رسول الله، فقالت نساؤه: والله لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده. وأنزل الله آية التخيير: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ، فبدأ رسول الله بعائشة فقال لها: «إني ذاكر لك أمرًا ما أحبُّ أن تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك.» فقالت: ما هو؟ فتلا عليها الآية، فقالت: أفيك أستأمر أبوي؟ بل أختار الله ورسوله. ثم طاف رسول الله بحجر زوجاته فكلهن قلن مثل قولها …

إن هذه القصة تدلنا على أن الرسول الكريم كان شديد الزهد في مفاتن الدنيا ومباهجها ومتعها وملاذها، وأنه كان يريد أن يجعل أهل بيته كنفسه، ويظهر أنهن لمَّا اشتدت عليهن قسوة تلك الحياة الخشنة لجأن إلى الإلحاف، فلجأ هو إلى فكرة الطلاق، ثم كان ما كان مما رأيت. وهكذا قضى رسول الله عمره كله حتى بعد أن فتح الله عليه الفتوح، وتواردت إليه المغانم، ولكنه آثر ما عند الله على ما في الدنيا.

ولمَّا توفي الرسول لم يخلف دينارًا ولا درهمًا، ولا عبدًا ولا شيئًا إلا بغلته، وثيابه، وسلاحه، وقطعة أرض في خيبر وفدك. أما البغلة فهي التي أهداها إليه المقوقس، فلما وصلته استحسنها، وكان يركبها في أسفاره وفي المدينة المنورة، ويقال إنها كسرت حتى زالت أضراسها، فكان يحشُّ لها الشعير، وكان يركبها بعده عليٌّ، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم محمد بن الحنفية، حتى عميت من الكبر.١٩ وأما السلاح فقد رووا أنه كان له ثلاثة سيوف وبعض الأرماح وبعض القسيِّ والدروع والتروس، وأن كثيرًا من هذه العُدَد أخذها من سلاح بني القينقاع.٢٠ وأما الثياب، فيقال إنه تُوفي وله ثوبا حبرة، وإزار عماني، وثوبان صحاريان، وقميص صحاري، وقميص سحولي، وجبة يمنية، وقميص، وكساء أبيض، وقلانس صغار ثلاث أو أربع، وإزار طوله خمسة أشبار، وملحفة مورَّسة.٢١ وأما الأرضون، فهي التي اصطفاها لنفسه من أرض خيبر وأرض فدك، وبقعة في المدينة جعلها صدقة على فقراء المسلمين.
ولما توفي رسول الله وتولى الأمر من بعده أبو بكر الصديق، جعل جميع ما تركه النبي صدقة، فجاءت السيدة فاطمة إليه فقالت له: من يرثك؟ فقال: «أهلي وولدي.» فقالت: فما لي لا أرث أبي؟ فقال أبو بكر: سمعت رسول الله يقول: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة.» ولكني أعول من كان رسول الله يعوله، وأنفق على من كان ينفق عليه. وأبى أن يدفع لها شيئًا، فوجدت عليه وهجرته، ولم تزل مهاجرته إلى أن مرضت. ويقال إن أبا بكر لما سمع باشتداد مرضها زارها ورضَّاها فرضيت عنه بعد أن اعتذر إليها وأقنعها بوجهة نظره.٢٢ والرواية المشهورة في ذلك تقول إن فاطمة رفضت أن يدخل عليها في مرضها، وإنها طلبت من علي ألَّا يصلي عليها أبو بكر، وإنه فعل ذلك، حتى إنه دفنها ليلًا، ولم يؤذن بذلك أبا بكر.
١  الإسلام دين الفطرة، للجاويش، الطبعة الثانية، ص٨٣.
٢  الإسلام دين الفطرة، ص٩٤.
٣  كَتَبَ فصلًا مطولًا في تعدادهن ابنُ الكلبي في كتابه «مثالب العرب»، وهو من مخطوطات خزانتنا.
٤  السمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين، للمحبب الطبري، طبع الطباخ، ص٣١–١٠٢.
٥  المواهب اللدنية، ١: ٢٦٣.
٦  السمط الثمين، ص٧٣–٧٥.
٧  السمط الثمين، ص٧٣–٧٥.
٨  ن.م، ص٣٨.
٩  السمط الثمين، ص٨٣؛ والسيرة الحلبية، ١: ٥٣٧.
١٠  السمط الثمين، ص١١٢؛ والسيرة الحلبية، ١: ٥٤٣.
١١  السمط الثمين، ص٨٦.
١٢  السيرة الحلبية، ٣: ٥٤٥.
١٣  المواهب اللدنية، ١: ٣٦٩؛ والسمط الثمين، ص١١٦.
١٤  السمط الثمين، ص٩٦.
١٥  السيرة الحلبية، ٣: ٥٤٨؛ والسمط الثمين، ص٩٣.
١٦  السمط الثمين، ص١٥٧.
١٧  المواهب اللدنية، ١: ٢٥٤.
١٨  السمط الثمين، ص١٥٧.
١٩  تاريخ الخميس، ٢: ٢٠٧؛ وتاريخ الطبري، ٣: ١٨٣.
٢٠  تاريخ الخميس، ٢: ٢٠٩–٢١١؛ وتاريخ الطبري، ٣: ١٨٤-١٨٥.
٢١  تاريخ الخميس، ٢: ١٩٣.
٢٢  تاريخ الخميس، ٢: ١٩٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١