الفصل الثاني

(١) شَجاعةُ «سِيلا»

كانَ الْوَزِيرُ «سِيلا» عالِمًا بما هُوَ قادِمٌ عَلَيْهِ مِن الشَّقاءِ في بُرْجِ الْهلاكِ. ولَمْ يَكن يَجْهَلُ أنَّ جمِيعَ مَنْ سُجِنُوا — في هذا الْبُرْجِ — ماتُوا ولم يَنْجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ. وأيْقَنَ الْوَزِيرُ بِقُرْبِ أَجَلِهِ، وَدُنُوِّ آخِرَتِهِ. وعَرَفَ أنَّهُ لنْ يَخْرُجَ مِنْهُ إلِّا مَيِّتًا، أوْ يُدْفَنَ فِيهِ حَيًّا. وَلكِنَّهُ — معَ ذلِكَ — لم يُظْهِرْ شَيْئًا مِنَ الْجَزَعِ، بَلِ اعْتَصَمَ بالصَّبْرِ، وأسْلَم أمْرَهِ لله.

(٢) زَوْجَةُ الْوَزِيرِ

وقد فكَّر الْوَزِيرُ طويلًا فِيما هُوَ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ مِنَ الْهَوْلِ، ثمّ هَداهُ ذَكاؤهُ إلَى حِيلَةٍ بارعةٍ، تُنْقِذُهُ — إذا نَجَحَتْ — مِمّا تَعرّضَ لَهُ منَ الْمَخاوِفِ، واسْتَهْدَفَ لَهُ مِنَ الْمَخاطر، فِي ذلك الْبُرْجِ الْمَشْئُومِ. وَلَمْ يَكُنْ لهُ مِنْ صَديق يَثِقُ بهِ، ويَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، فِي إنْفاذ خُطَّتِهِ الْبارِعَةِ، غَيرُ زَوْجَتِه.

وقَدْ تَطَوّعَ أحَدُ الحُرّاسِ بإخْبارها بكُلِّ ما حَدَثَ. فَلَمَّا جَنَّ الَّليْلُ وخَيّمَ الظَّلامُ. خَرَجَتْ زَوْجَةُ الْوَزِيرِ، حَتَّى بَلَغَتْ سُورَ الْبُرْجِ.

(٣) حِوارُ الزَّوْجَيْنِ

ولَمَّا لَمَحَها «سِيلا» حَيَّاها، فَرَدَّتْ علَيْهِ تَحِيَّتَهُ، وسَألَتْهُ مَحْزُونَةً، في صَوْتٍ مُنْخَفِضٍ: «ألَيْسَ فِي قُدْرَتي أنْ أقُومَ بِشَيءٍ يَنْفَعُكَ؟»

فقَالَ لَها فِي هَمْسٍ وخُفُوتٍ: «بَلَى (نَعَمْ) تَسْتَطِيعِينَ أنْ تُسْدِي ( تُقَدِّمِي) إلَيَّ نَفْعًا جَزِيلًا. وَلكِنِّي أُوصِيكِ بِالصَّبْرِ والثِّقَةِ باللهِ، لِيَنْجَحَ سعْيُنا، ويَتِمَّ فَوْزُنا. وحَذارِ أنْ يَتَسَّربَ الْيَأْسُ إلَى قَلْبِكِ، فإنَّ الْيَأْسَ طَرِيقُ الْخِذْلانِ، والصَّبْرَ مِفْتاحُ الْفَرَجِ.»

(٤) أدواتُ النَّجاةِ

فَقالَتْ لَهُ فِي صَوْتٍ هامِسٍ: «مُرْنِي بِما تَشاءُ، فإِنِّي سامِعَةٌ مُلَبِّيَةٌ.»

فقَال «سِيلا»: «أسْرِعِي بِالْعَوْدَةِ إلَى بَيْتِكِ، ثمّ أحْضِرِي ما يأتِي:
  • أوَّلًا: خُنْفَساءَةً كَبِيرَةً.

  • ثانِيًا: سِتِّينَ مِتْرًا مِنَ الْخَيْطِ الْحَرِيرِيِّ الدَّقِيقِ، الَّذِي لا يَزِيدُ فَتْلُهُ عَلَى خُيوطِ الْعَنْكَبُوتِ.

  • ثالِثًا: سِتِّينَ مِتْرًا مِنْ خَيْطِ الْقُطْنِ الدَّقيقِ الْقَوِيِّ النَّسْجِ.

  • رابعًا: سِتِّينَ مِتْرًا مِنَ الْخَيْطِ الْغَلِيظِ الْفَتْلِ.

  • خامِسًا: حَبْلًا غلِيظًا مِنْ أمْتَنِ الْحبالِ وأقْواها، لِيَحْمِلَ ثِقْلَ جِسْمِي كُلَّهُ، دُونَ أنْ يَنْقَطِعَ.

  • سادسًا: نُقْطةً من الشَّهدِ (عَسَلِ النّحْل)، وهي آخِرُ ما أطْلُبه مِنْكِ، ولكنَّهُ لا يَقِلُّ خَطَرًا عَمَّا ذَكَرْتُه لَكِ.»

(٥) خِتامُ الحدِيثِ

أرْهَفَتْ زَوْجَةُ الْوزِيرِ أُذُنَيْها، وأَصْغَتْ إلى حَدِيثهِ إصْغاءً. فَلَمّا أَتَمّهُ، أَعادَتْ عَلَيْهِ نَصَّ حَدِيثهِ — كَلِمَةً كَلِمَةً — لِيتأكَّدَ لَها ما سَمِعَتْهُ مِنْهُ.

وَأَرادَتْ أَنْ تَسْأَلَهُ: لِماذا طَلَبَ الْخُنْفَساءَةَ، وَما فائِدَةُ نُقْطَةِ الشَّهْدِ؟ ولكِنَّهُ قاطَعَ كلامَها، قائلًا: «لا تُضِيعي دَقيقةً أُخْرَى فِيما لا فائِدَةَ مِنْهُ الآنَ، بَل ارْجِعي — يا عَزيزَتي — وأَحْضِري ما طَلَبْتُ، فَلَيْسَ لَدَيْنا فُسحَةٌ مِنَ الْوَقْتِ نَقْضِيها فِيما لا طائِلَ تحْتَهُ. وحَسْبي أَنَّنِي سأَقْضِي يَوْمًا آخَرَ، أُعانِي فيهِ ما أُعانِيهِ مِنْ حَرارَةِ الشَّمْسِ الْمُلْتَهِبَةِ دُونَ طَعامٍ أو ماءٍ.

عُودِي مُسْرِعةً إلى بَيْتِكِ، وأنْجِزِي ما رَغِبْتُ إلَيْكِ فيهِ، وستَعْلَمِينَ فائدةَ ذَلِك بَعْدَ حِينٍ.»

(٦) عَوْدَةُ الزَّوْجَةِ

فأدركَتِ الزَّوْجَةُ حَرَجَ الْمَأِزِق الَّذِي يُعانِيهِ زَوْجُها. وَلَمْ تُضِعْ شَيْئًا مِنْ وَقْتِها، بَلْ عادَتْ مُسْرِعةً إلى بِيْتِها.

أَمَّا الْوزيرُ «سِيلا» فَقَدْ بَقِيَ في مَكانِهِ يَنْتَظِرُ عَوْدَتَها بِفارغِ الصَّبْرِ. وقَدْ تَنازعَهُ الشَّكُّ والرَّجاءُ فِي نَجاحِ خُطَّتِهِ. وَهُوَ عَلَى ثِقَةٍ أَنَّ أَيْسَرَ خَطَأٍ يقَعُ، كافٍ لإخْفاقِ خُطّتِهِما، وإحْباطِ مَسْعاهُما، ورُبَّما عَرَّضَ أَحَدَهُما، أَوْ كِلَيْهِما، لِلْهَلاكِ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠