ما أخذه الشعراء من امرئ القيس

أشرنا فيما سبق إلى أن امرأ القيس سبق الشعراء إلى أشياء ابتدعها فاستحسنوها واحتذوا على مثاله فيها،١ وقد كان أسلوبه محبوبًا كمعانيه؛ فاستحسنه الشعراء، وأغاروا على ألفاظه كما أغاروا على معانيه، حتى الفحول منهم، كزهير وطرفة ودريد وحسان وعمر بن أبي ربيعة وأبي نواس ومسلم بن الوليد وابن الرومي وأبي تمام والمتنبي.

مثال ذلك قوله:

تبصر خليلي هل ترى من ظعائن
سوالك نقبا بين حزمي شعبعب؟

أخذ أوله زهير فقال في معلقته:

تبصر خليلي هل ترى من ظعائن
تحملن بالعلياء من فوق جرثم؟

وأخذه في مطلع قصيدة وتمامه:

تبصر خليلي هل ترى من ظعائن
بمنعرج الوادي فويق أبان

وفي قصيدة أخرى وتمامه:

كما زال في الصبح الإشاء الحوامل

وأخذه الراعي في أثناء قصيدة وتمامه:

بذي النيق إذ زالت بهن الأباعر

وقاله في مطلع قصيدة وتمامه:

تحملن من وادي العناق وثهمد

وقاله مضرس بن ربعي في مطلع قصيدة وتمامه:

إذا ملن من قفٍّ علون رمالا

وقاله النابغة الجعدي أثناء قصيدة وتمامه:

رحلن بنصف الليل من بطن منعم

وقاله عبيد الأبرص أثناء قصيدة وتمامه:

يمانية قد تغتدي وتروح

وقاله الأسود بن يعفر أثناء قصيدة وتمامه:

غدون لبين من نوى الحي أبين

وقاله طفيل الغنوي أثناء قصيدة وتمامه:

تحملن أمثال النعاج عقائله

وقوله:

فلأيًا بلأي ما حملنا غلامنا
على ظهر محبوك السراة محنب

أخذ زهير أكثره فقال:

فلأيًا بلأي ما حملنا وليدنا
على ظهر محبوك ظماء مفاصله

وقوله:

علون بأنطاكية فوق عقمة
كجرمة نخل أو كجنة يثرب

أخذ أوله زهير فقال على رواية الأصمعي:

علون بأنطاكية فوق عقمة
وراد حواشيها مشاكهة الدم

وقوله:

وقوفًا بها صحبي عليَّ مطيهم
يقولون: لا تهلك أسًى وتجمل!

أخذه طرفة فقال:

وقوفًا بها صحبي عليَّ مطيهم
يقولون: لا تهلك أسًى وتجلد!

وقوله في وصف الفرس:

له أذنان تعرف العتق فيهما
كسامعتي مذعورة وسط ربرب٢

أخذه طرفة فقال في وصف الناقة:

مؤللتان تعرف العتق فيهما
كسامعتي شاة بحومل مفرد

وأخذه زهير فقال:

وسامعتين تعرف العتق فيهما
إلى جذر مدلوك الكعوب محدد

وقوله:

وعنس كألواح الإران نسأتها
على لاحب كالبرد ذي الحبرات

أخذه طرفة فقال:

أمون كألواح الإران نسأتها
على لاحب كأنه ظهر برجد

وقوله في وصف الفرس:

وعينان كالماويتين ومحجر
إلى سند مثل الصفيح المنصب

وأخذه طرفة فقال في وصف الناقة:

وعينان كالماويتين استكنتا
بكَهْفَيْ حِجَاجَيْ صَخْرَةٍ قَلتِ مَوْرِدِ

وقوله:

فيا رُبَّ مكروب كررت وراءه
وطاعنت عنه الخيل حتى تنفسا

أخذ آخره دريد بن الصمة فقال:

فطاعنت عنه الخيل حتى تنفست
وحتى علاني حالك اللون أسود

وقوله في وصف الكلاب:

فصبحه عند الشروق غدية
كلاب ابن مر أو كلاب ابن سنبس
مغرثة زرقًا كأن عيونها
من الذمر والإيحاء نوَّار عَضْرَس

أخذه البعيث فقال:

فصبحه عند الشروق غدية
كلاب ابن عمار عطاف وأطلس
محرجة حص كأن عيونها
إذا أذَّن القناص بالصيد عضرس

وقوله:

من القاصرات الطَّرف لو دبَّ محول
من الذَّرِّ فوق الإتب منها لأثَّرا

وأخذ المتنبي معنى أوله فقال وأجاد:

وخصر تثبت الأحداق فيه
كأن عليه من حدق نطاقا

وأخذ معنى تتمته فقال وأجاد:

حسان التثني ينقش الوشي مثله
إذا مسن في أجسامهن النواعم

وأخذه جماعة من الشعراء منهم حسان إذ يقول:

لو يدب الحَوليُّ من ولد الذر
عليها لأندبته الكلوم

وعمر بن أبي ربيعة حيث يقول:

لو دب ذر فوق ضاحي جلدها
لأبان من آثارهن حدورا

وكرره في مواضع من شعره، ومنهم مسلم بن الوليد وحميد بن ثور.

وقوله في تشبيه الظعائن بالنخل:

أوما ترى أظعانهن بواكرًا
كالنخل من شَوْكان حين صرام٣

أخذه جرير فقال:

كأن حمول الحي زلن بيانع
من الوارد البطحاء من نخل ملهما٤

وقوله:

ونشرب حتى نحسب الخيل حولنا
نقادًا وحتى نحسب الجون أشقرا

أخذ منه أبو نواس قوله:

اسقني حتى تراني
أحسب الديك حمارا

وقوله:

فلو أنها نفس تموت جميعة
ولكنها نفس تساقط أنفسا

أخذه ابن الرومي فقال:

فيالك من نفس تساقط أنفسًا
تساقط درٍّ من نظام بلا عقد

وقوله:

كبكر المقاناة البياض بصفرة٥
أخذه ذو الرمة فقال:٦
نجلاء في برج صفراء في دعج
كأنها فضة قد مسها ذهب

وقوله:

وشمائلي ما قد علمت وما
نبحت كلابك طارقًا مثلي

أخذه عنترة فقال:

وكما علمت شمائلي وتكرمي

وقوله:

نَمُشُّ بأعراف الجياد أكفنا
إذا نحن قمنا عن شواء مضهب

أخذه عبدة بن الطبيب:

ثمت قمنا إلى جرد مسومة
أعرافهن لأيدينا مناديل
وقوله:٧
إذا ما ركبنا قال ولدان أهلنا:
تعالوا إلى أن يأتنا الصيد نحطبِ

أخذه ابن المعتز في وصف البازي فقال:

قد وثق القوم له بما طلب
فهو إذا عرى لصيده اضطرب
عرو سكاكينهم من القرب

وقوله:

سموت إليها بعدما نام أهلها
سمو حباب الماء حالًا على حال

أخذه أبو تمام فقال:

سما للعُلا من جانبيه كليهما
سمو حباب الماء جاشت غواربه

وقوله:

وألقى بصحراء الغبيط بعاعه
نزول اليماني ذي العياب المحمل

أخذه أبو تمام فقال في وصف روضة:

عُني الربيع بروضه فكأنما
أهدى إليه الوشي من صنعاء

وقال في وصف روضة:

مصفرة محمرة فكأنها
عصب تيمن في الوغى وتمضر

وقوله:

سليم الشظى عبل الشوى شنج النسا
له حجبات مشرفات على الفال

أخذه كعب بن زهير فقال:

سليم الشظى عبل الشوى شنج النسا
كأن مكان الردف من ظهره قصر

وقوله:

لها ذنب مثل ذيل العروس
تسد به فرجها من دبر

أخذه خداش بن زهير فقال:

لها ذنب مثل ذيل الهدي
إلى جؤجؤ أيِّد الزافر٨

وقوله:

ولو أنما أسعى لأدنى معيشة
… … … … البيتين

أخذهما خفاف بن غضين البرجمي فقال:

ولو أنما أسعى لنفسي وحدها
لِزادٍ يسيرٍ أو ثيابٍ على جلدي
لهان على نفسي وبلَّغ حاجتي
من المال مال دون بعض الذي عندي
ولكنما أسعى لمجد مؤثل
وكان أبي نال المكارم عن جدي

وقوله في وصف الفرس:

ويخطو على صمٍّ صلاب كأنها
حجارة غيل وارسات بطحلب

أخذه النابغة فقال:

كأن حواميه مدبرًا
خضبن وإن كان لم يخضب
حجارة غيل برضراضة
كسين طلاءً من الطحلب

وقوله:

كأني لم أركب جوادًا للذة
ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال
ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل
لخيلي كري كرة بعد إجفال

أخذه عبد يغوث فقال:

كأني لم أركب جوادًا ولم أقل
لخيلي كري نفسي عن رجاليا
ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل
لأيسار صدق عظموا ضوء ناريا

وقوله:

كأن الحصى من خلفها وأمامها
إذا نجلته رجلها حذف أعسرا

أخذه الشماخ فقال:

لها منسم مثل الحجارة جفة
كأن الحصى من خلفه حذف أعسرا

وقوله:

كميت يزل اللبد عن حال متنه
كما زلت الصفواء بالمتنزل

أخذه أوس بن حجر فقال:

يزل قتود الرحل عن دأباتها
كما زل عن عظم الشجيج المحارف

وقوله:

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي
بصبح وما الإصباح منك بأمثل

أخذه الطرماح فقال:

ألا أيها الليل الطويل ألا أصبح
بتم وما الإصباح فيك بأروح

وقوله:

إذا ركبوا الخيل واستلئموا
تحرقت الأرض واليوم قر

أخذه نهشل فقال:

ويوم كأن المصطلين بحره
وإن لم يكن حر قيام على جمر

وقوله:

وسالفة كسحوق اللبا
ن أضرم فيها الغوي السعر

أخذه طفيل فقال:

كأن على أعرافه ولجامه
سنا ضرم من عرفج متلهب

وقوله:

ألم ترياني كلما جئت طارقًا
وجدت بها طيبًا وإن لم تطيب؟

أخذه المتنبي فقال:

أتت زائرًا ما خامر الطيبُ ثوبها
وكالمسك في أردانها يتضوَّع

وقوله:

وبات إلى أرطاة حقف كأنها
إذا ألثقتها غبية بيت معرس

أخذه ذو الرمة فقال:

إذا استهلت عليه غبية أرجت
مرابض العير حتى مازج الخشب
كأنه بيت عطار يضمنه
لطائم المسك يحويها وتنتهب

وقوله في مماتنة الحارث اليشكري:

أصاح ترى بريقًا هب وهنًا

أخذه لبيد فقال من قصيدة:

أصاح ترى بريقًا هب وهنًا
كمصباح الشعيلة في الذبال
أرقت له وأنجد بعد هدء
وأصحابي على شعب الرحال

وقوله:

أماوي هل لي عندكم من معرس
أم الصرم تختارين بالوصل نيأس؟
أبيني لنا إن الصريمة راحة
من الشك ذي المخلوجة المتلبس

أخذه ابن ميادة فقال:

فلا صرمه يبدو وفي اليأس راحة
ولا وصله يصفو لنا فنكارمه

وقوله:

لمن طلل دارس آيه
أضر به سالف الإجرس
تنكره العين من جانب
ويعرفه شغف الأنفس

أخذه أبو نواس فقال:

ألا لا أرى مثلي امترى اليوم في رسم
تغص به عيني ويلفظه وهمي
أتت صور الأشياء بيني وبينه
فظني كَلا ظن وعلمي كَلا علم

وقوله: «قيد الأوابد» أولع به الشعراء واستعذبوه فطبعوا على غراره فيه واستعملوا القيد في معانٍ أخر، قال الأسود بن يعفر:

بمقلص عتد جهير شده
قيد الأوابد والرهان جواد

وقال أبو تمام:

لها منظر قيد النواظر لم يزل
يروح ويغدو في خفارته الحب

وقال آخر:

ألحاظه قيد عيون الورى
فليس طرف يتعداه

وبدل المتنبي لفظ «قيد» «بربقة» فقال:

أجل الظليم وربقة السرحان

(١) ما أخذه علقمة منه أو تواردا عليه

في قصيدتي امرئ القيس وعلقمة اللتين حكما فيها أم جندب أبيات كثيرة متحدة في الألفاظ أو المعاني أو كليهما، وقد أدخل الرواة بعضًا منها في بعض حتى إنك لترى البيت بلفظه ومعناه في القصيدتين. وليس لدينا من الأدلة التاريخية ما يعين نسبة كل بيت إلى قائله، على أن بعض الأبيات يشهد بنفسه أن امرأ القيس أبو عذرته، من ذلك قول امرئ القيس:

وقد أغتدي والطير في وكناتها
وماء الندى يجري على كل مذنب
بمنجرد قيد الأوابد لاحه
طراد الهوادي كل شأو مغرب

فقد رويا لعلقمة بلفظهما.

وكذلك قوله:

وعين كمرآة الصناع يديرها
بمحجرها من النصيف المثقب

روي لعلقمة:

بعين كمرآة الصناع …

وقوله:

فعادى عداءً بين ثور ونعجة
وبين شبوب كالقضيمة قرهب

روي لعلقمة:

وعادى عداءً بين ثور ونعجة
وتيس شبوب كالهشيمة قرهب

وقوله:

وَيَخْطُو على صُمٍّ صِلابٍ كَأنهَا
حجارة غيل وارساتٌ بطحلب
ترى الفأر في مستنقع القاع لاحبًا
على جدد الصحراء من شد ملهبِ
خفاهنَّ من أنفاقهن كأنما
خفاهن ودق من عشي محلب
وظل لصيران الصريم غمائمُ
يداعسها بالسمهريِّ المعلب
فَكاد على حُر الجبينِ وَمُتقِ
بمَدْرِيَةٍ كَأنه ذَلْقُ مِشْعَبِ
وراح كتيس الربل ينفض رأسهُ
أذَاةً بهِ مِنْ صَائِكٍ مُتَحَلِّبِ

فهذه الأبيات رويت لعلقمة على هذا الوجه:

وسمر يفلقن الظراب كأنها
حجارة غيل وارسات بطحلب
ترى الفأر عن مسترغب القدر لائحًا
على جدد الصحراء من شد ملهب
خفا الفأر من أنفاقه فكأنما
تجلله شؤبوب غيث مثقب
فظل لثيران الصريم غماغم
يداعسهن بالنضي المعلب
فهاوٍ على حر الجبين ومتق
بمدراته كأنه ذلق مشعب
وراح كشاة الربل ينفض رأسه
أذاة به من صائك متحلب

ونحو ذلك من أبيات القصيدتين.

على أن علقمة أخذ منه أبياتًا من غير هذه القصيدة، كقوله من قصيدته القافية:

فأدركهن ثانيًا من عنانه
كغيث العشي الأقهب المتودق

أخذه علقمة فقال:

فأدركهن ثانيًا من عنانه
يمر كمر الرائح المتحلب

وقوله:

ورحنا كأنا من جواثي عشية
نعالي النعاج بين عِدْل ومشنق

أخذه علقمة فقال:

ورحنا كأنا من جواثي عشية
نعالي النعاج بين عدل ومحقب

على أن هذا البيت روي لامرئ القيس.

وكذلك قوله في النساء:

أراهن لا يحببن من قل ماله
ولا من رأين الشيب فيه وقوسا

جاء في كلام علقمة:

إذا شاب رأس المرء أو قل ماله
فليس له من ودهن نصيب

وأمثال هذا كثير، ولكن ليس لدينا ما يعين لنا زمن كل قول حتى نتبين أيهما السابق فيه، وقد يجوز في بعض هذه الأبيات أن يكون مما توارد فيه خاطر الشاعرين، وكان شيطانهما فيه واحدًا، أما كل ذلك فبعيد أن يكون من وقع الحافر على الحافر أو من توافق الخواطر.

والأقرب أن يكون امرؤ القيس أسبق في كثير من هذه المعاني كما كان أسبق من صاحبه في غيرها.

(٢) المسمط

وينسب إلى امرئ القيس نوع من الشعر يقال له: المسمط، وهو أن يبتدئ الشاعر ببيت مصرع، ثم يأتي بأربعة أقسمة على غير قافيته، ثم يعيد قسيمًا واحدًا من جنس ما ابتدأ به، وهكذا إلى آخر القصيدة، وقد ذكروا أمثالًا على ذلك قول امرئ القيس:

توهمت من هند معالم أطلال
عفاهن طول الدهر في الزمن الخالي

•••

مرابع من هند خلت ومصايف
يصيح بمغناها صدًى وعوازف
وغيرها هوج الرياح العواصف
وكل مسفٍّ ثم آخر رادف
بأسحم من نوء السماكين هطال

وفي التاج والمسمط من الشعر أبيات تجمعها قافية واحدة مخالفة لقوافي الأبيات، إلى أن قال: وأورد ابن بري مسمط امرئ القيس: توهمت من هند … إلى آخر ما تقدم.

ونقل عن «العين» قول امرئ القيس:

ومستلئم كشفت بالرمح ذيله
أقمت بعضب ذي سفاسق ميله
فجَعْتُ به في ملتقى الحي خيله
تركت عتاق الطير تحجل حوله
كأن على أثوابه نضح جريال

قال الجوهري: ولامرئ القيس قصيدتان سمطيتان إحداهما هذه التي ذكرها، ولم يذكر الثانية. وهكذا هو في «العين».

وقال الصاغاني: ليس هذا المسمط في شعر امرئ القيس بن حجر، ولا في شعر من يقال له: امرؤ القيس سواه.

١  السيوطي ص٣٥.
٢  يروى: «وسامعتان يعرف في التين.»
٣  بواكر: مبكرة. شوكان: موضع بالبحرين، وحصن باليمن. صرام النخل: أوان إدراكه.
٤  ملهم: أرض كثيرة النخل.
٥  «العمدة» ص٧٩.
٦  «العمدة» ٢ / ٢٢٣.
٧  «العمدة» ٢ / ٢٢١.
٨  الهَدي: العروس. الجؤجؤ: الصدر. أيد: قوي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤