الفصل الثالث

ما بين التقديس والازدراء

«إن الناس نظروا للأحجار التي تسقط من السماء باعتبارها أجسامًا تسقط من مواقع مقدسة في السموات.» (طومسن جالي، موسوعة الأديان) إذا رأيت شهابًا ساقطًا من السماء (النجم الساقط)، فتمنَّ ما تشاء؛ فإن أمنياتك سوف تتحقَّق.

***

شاهد الناس قديمًا سقوط النيازك من السماء، وتفاوتت نظرتهم إليها من مكان لآخر، ومن زمن لآخر، ومن مجتمع لآخر، ومن ثقافة لأخرى، ما بين التقديس والازدراء.

(١) تقديس النيازك

عبد الإنسان قديمًا الأحجار التي كانت تمثِّل بالنسبة إليه أشياء غير عادية؛ فالأحجار التي تظهر في الصحاري والحقول وتشبه صور الحيوانات والناس لفتت أنظار الإنسان القديم. وأهم الأحجار التي لا بد أنها لاقت التقديس من الإنسان القديم، هي بطبيعة الحال النيازك؛ فقد تخيَّل الناس أن النيازك التي تسقط من السماء على الأرض مصحوبةً بالأضواء الخاطفة والأصوات العالية تمثِّل رسائل من الآلهة لها مدلولاتها؛ ومن ثم نالت منهم النيازك الحديدية (باعتبارها النوع الأكثر شهرة في التاريخ القديم) حظًّا كبيرًا من الإجلال والتقديس.١ ويذكر «طومسن جالي»، في «موسوعة الأديان»، أن الناس نظروا للأحجار التي تسقط من السماء باعتبارها أجسامًا تسقط من مواقع مقدسة في السموات؛ ومن ثم نالت التقديس والاحترام من الناس في العصور القديمة. ويذكر مثلًا على ما يعرف باﻟ «نومانا» من سكان وادي نهر النيجر بغرب أفريقيا، الذين يقدسون السماء. هؤلاء الناس يقدسون حصواتٍ صخريةً صغيرة، يرَوْن أنها ساقطة من السماء. ويشكلون أقماعًا من تراب الأرض بارتفاع ٣ أقدام، ويضعون هذه الأحجار الصغيرة التي في حجم الحصى فوق قمة الأقماع التي يشكلونها من التراب، ويحجون إليها ويقدسونها. وباعتبار أن هذه الحصى ساقطة من السماء، فإنهم يعتبرونها أحجارًا مقدسة من رب السماء.٢
وقد سبقت الإشارة إلى معرفة قدماء المصريين النيازك مبكرًا، من خلال إشاراتهم للحديد باعتباره من مصادر سماوية. ونالت لديهم النيازك الحديدية الإجلال والتقديس؛ إذ يرى عالم المصريات الأستاذ زكي إسكندر أن قدماء المصريين كانوا لا يعتدون إلا بحديد النيازك، ولا يعيرون الحديد الأرضي أهمية تذكر.٣ وربما تكون ظاهرة سقوط النيازك وراء اختيار قدماء المصريين للشكل الهرمي الذي شيدوا عليه بعض مقابرهم ومسلاتهم. فمن بين المصادر التي ربما يكون قدماء المصريين استوحوا منها الأشكال الهرمية؛ شكل أشعة الشمس التي تشع من نقطة واحدة ثم تتسع، كما لو كانت قاعدة هرم. ولما كانت النيازك الساقطة على الأرض ترسم في الفضاء مخروطًا من الضوء والدخان على نفس شاكلة شعاع ضوء الشمس، فلماذا لا يكون قدماء المصريين تخيلوها في تشكيل أشكال أهراماتهم؟
ويرى بعض الباحثين أن تمثال الإلهة «ديانا» Diana في «إفيسوس» والأثر المقدس في معبد «فينوس» في قبرص؛ مشكلان من مواد نيزكية. ومن مظاهر الاعتداد بالحديد النيزكي واعتباره من المواد المقدسة في بعض المتقدات ما حقَّقه بعض الباحثين من أنه في عهد ملك روما «نوما بومبليوس» (٧٥٣–٧١٥ق.م.) سقط نيزك حديدي من السماء، فشكل منه الكهنة درعًا صغيرًا، نال بدوره حظًّا وفيرًا من التقديس؛ إذ شاع أن اقتناءه يحقِّق الحظ السعيد والحماية والسيادة. ومن الطريف أن بعض الكهنة — آنذاك — صنعوا أحد عشر درعًا صغيرًا مزيفًا من الحديد الأرضي، على نفس شاكلة الدرع النيزكي، كي يقتنيها الناس تبركًا بها.٤ ويرى بعض الباحثين، في مجال النيازك، أن المعابد وأماكن الصلوات والعبادات القديمة، أُقيمت في مواضع سقطت عليها أحجار سماوية، أو هي تتضمن في لبناتها ووحدات بنائها أحجارًا سماوية. وفي هذا الخصوص يظن بعض الباحثين أن أحد أهم الأحجار المقدسة الذي يوجد في معبد «أبوللو» في ديلفي، أنه حجر سماوي؛ اعتمادًا على تفسيرات متضاربة للأساطير اليونانية الرومانية القديمة الخاصة ﺑ «جوبيتر»، الذي تقول عنه الأساطير إنه ابن «ريا» و«ساترون». وكان «ساترون» يأكل أولاده قبل ولادة ابنه «جوبيتر»، فاحتالت «ريا» بعد ولادة «جوبيتر» فأعطته قطعة حجر ملفوفة بالقماش، فأكلها وأنقذت الوليد «جوبيتر». ثم احتالوا بعد ذلك على «ساترون» فجعلوه يتقيأ الحجر الذي أكله. وتستمر الأسطورة فتذكر أن السيكلوب (الكوكلوب) أعطى «جوبيتر» الرعد والبرق كمكافأة على صنيعه. وتصف الأسطورة الحرب بين «جوبيتر» وبين المردة، الذين تسلقوا السماء وأخذوا يقذفون الصخور التي سقط بعضها على البحر فكون الجزر، وسقط بعضها على اليابسة فكون الجبال.٥ وغالبًا ما يصور «جوبيتر» على شكل رجل مهيب يجلس على عرش، وبيده اليمنى الصاعقة التي تمثَّل بكَيْفيَّتين؛ شعلة متقدة من طرفها؛ أو آلة مدببة ومزودة بسهمين، وبيده اليسرى آلهة النصر. فالصاعقة في هذه الأسطورة تشير — في رأي بعض الباحثين — للنيازك. والمعبد الذي بُني هناك بُني في الموقع الذي لُفظ عليه الحجر الذي كان قد ابتلعه «ساتورن»، أي نيزك سقط على المنطقة.٦ ويذكر الكاتب الروماني «بوسانياس» Pausanias، الذي عاش في القرن الثاني الميلادي (١٨٠م)، أنه رأى الحجر هناك، ووصفه بأنه حجر ليس كبيرًا جدًّا، وأضاف أن كهنة معبد «ديلفي» كانوا يطلونه بالزيت كل يوم.

وفي سنة ٢٤٢ﻫ/٨٥٦م، سقطت خمسة أحجار على قرية السويداء ناحية مضر، بسوريا. ووقع حجر منها على خيمة أعراب فاحترقت. ووُزن حجر من الأحجار الساقطة فكان وزنه حوالي عشرين كيلوجرامًا. ونُقل النيزك إلى مصر؛ إذ ذكرت المصادر أن أربعةً من الأحجار الساقطة نُقلت إلى الفسطاط وواحدًا إلى «تنيس». ولم تذكر الروايات المختلفة التي ذكرت الحادثة في أي مؤسسةٍ أو مكان في الفسطاط أو «تنيس» وُضعت هذه الأحجار؟ ولماذا نُقلت من مواقعها إلى مصر في ذلك الوقت؟ وهل كان في مصر باحثون بإمكانهم دراستها، أم نُقلت لأغراض أخرى؟ ومن ظاهر الرواية أن الناس احتفوا بهذا الحدث؛ بدليل قيامهم بوزن واحد من الأحجار الساقطة، ونقلها إلى مصر.

وفي ليلة ١٩ مايو عام ٨٦١م، سقط حجر سماوي صغير يزن ٤٧٢ جرامًا، على قرية صغيرة باليابان تدعى «يشو»، بالقرب من مدينة «نوجاتا»، مصحوبًا بالأضواء الخاطفة، وبأصوات انفجارات شديدة، وارتطم بالأرض مشكلًا حفرةً صغيرة غار فيها. وفي الصباح تقصَّى القرويون الحدث، فعثروا على الحجر الساقط وأخرجوه من الحفرة، وحفظوه في معبد خاص بطائفة «الشنتو»، بقرية «سوجا جينجا» حيث ظل من وقتها إلى الوقت الحالي. ولم يفطن أحد من الباحثين في تاريخ النيازك لهذه الحالة، حتى عام ١٩٨٢م، عندما قام باحثون بدراسة العينة، وتبينوا أنها عينة نيزكية. ووجدت العينة محفوظة في صندوق خشبي صغير، مكتوب عليه تاريخ سقوط النيزك بالتقويم «الجولياني»، الذي يوافق ١٩ مايو عام ٨٦١م. واتضح من الدراسة التي أُجرِيَت بخصوص هذا النيزك، أن العينة وضعت في الصندوق بعد وقتٍ طويل نسبيًّا من سقوطها.٧ ويمثل هذا النيزك، الذي يطلق عليه «نيزك نوجاتا»، أقدم عينة نيزكية معروف تاريخ سقوطها على الأرض حتى الآن.
ومن القصص الكاشفة عن مدى الاهتمام والتبرُّك بالنيازك، ما حدث في ظهيرة السابع من نوفمبر، عام ١٤٩٢م، من سقوط نيزك حجري كبير، يزن حوالي ٢٨٠ رطلًا، مصحوبًا بأصوات انفجارات شديدة، رجَّت المنطقة وأصابت السكان بالفزع على حقل مزروع بالقمح، في قريةٍ صغيرةٍ تدعى «إنيشيم» Ensiheim، من إقليم «ألساس»، التي تقع الآن في نطاق الأراضي الفرنسية، والتي كانت في ذلك الوقت تخضع لألمانيا؛ إذ احتفى الناس بذلك الحدث حفاوةً كبيرة، كما أنه حظي بعناية الفنانين والشعراء، فرسم أحد الفنانين على قطعة خشبية لوحةً تصور حادثة سقوط النيزك. وتظهر اللوحة اثنين من الرجال يرقبان سقوط النيزك من موقع قريب في الغابة. ونظم الشاعر الألماني «سيباستيان برانت» (١٤٥٧–١٥٢١م) قصيدةً باللغة اللاتينية؛ تخليدًا لهذا الحدث. وكتب: الكرة النارية (النار التي صاحبت سقوط النيزك)، شُوهدت عبر «سويسرا» و«برجانديا»، وأعالي وادي الراين، وأنذر ذلك الحدث بانتشار الأمراض، عبر كل تلك المساحة الشاسعة التي شوهد فيها. ويؤكد بعض الباحثين أن غلامًا صغيرًا فقط هو الذي شاهد تلك الحادثة، وهو الذي أرشد سكان البلدة للموضع، الذي كانت ترقد فيه أحجار النيزك الساقطة من السماء، والذي كان على هيئة حفرةٍ يبلغ عمقها ثلاث أقدام، فسارع الناس إلى جمع القطع النيزكية الساقطة، واقتطاع أجزاء منها للاحتفاظ بها، باعتبارها مواد لها تأثيرات خارقة، إلى أن أمرهم حاكم المقاطعة بالتوقُّف عن ذلك. وتفقد موقع الحدث الإمبراطور «ماكسميلين الأول» Maximilian I، الذي زار المنطقة بعد ثلاثة أسابيع من وقوع الحادثة، واعتبر النيزك الساقط بمثابة رسالة غضب من الرب على الفرنسيين، الذين يحاربون الإمبراطورية الرومانية المقدسة. وأمر بأن يوضع النيزك في أبرشية القرية؛ تذكيرًا بتدخُّل الرب في النزاع القائم بين الطرفين لصالح الإمبراطورية.٨ وتذكر بعض الروايات التاريخية أن الإمبراطور تبرَّك بهذه الظاهرة واعتبرها ظاهرةً مشجعة للقيام بالحروب الصليبية، وواقية من الغارات التركية على البلاد.٩
وبعد قيام الثورة الفرنسية، صدر النيزك من الكنيسة، ونُقل إلى متحف وطني جديد أقيم في «كولمار» Colmar، قريبًا من القرية. واقتطع الباحثون أجزاءً للدراسة من جسم النيزك الرئيسي. كما وزعت قطع منه على المتاحف الخارجية. وبعد عشر سنوات تقريبًا أُعيدَ الجزء المتبقي من النيزك، الذي أصبح يزن ١٢٢ رطلًا فقط، إلى الكنيسة مرة أخرى. ثم ما لبث أن نُقل من الكنيسة إلى معرض خاصٍّ به في المدينة، حيث يوجد معروضًا حتى الآن. وقد كان لسنوات عديدة، يظن أن هذا النيزك يمثل أقدم نيزك معروفٍ حتى عام ١٩٨٢م؛ حيث اكتشف نيزك «نوجاتا» الياباني الذي سقط عام ٨٦١م.
ويروي «فليت» في كتابه «النيازك»، الذي صدر في عام ١٨٨٧م،١٠ أن أفراد قبيلتي «كرى» و«بلاكفيت» من الهنود الحمر، كانوا يحجون سنويًّا إلى موقع نيزك «أيورن كريك»، على قمة تل عالٍ، يبعد أكثر من ٢٠٠كم إلى الجنوب من «فيكتوريا»، بمقاطعة «ألبيرتا» بكندا؛ حيث كانوا يطلقون عليه «حجر الروح المقدس» Manitou stone. وقيل: إن أي فردٍ من أفراد هاتين القبيلتين أو القبائل المجاورة لا يمكنه المرور بالقرب من موقع النيزك، دون أن يزوره ويتقرب إليه. وكان أفراد القبيلتين يزعمون أن وزنه يزداد مع الوقت، وأنه يمثل علاجًا فعالًا لشتى الأمراض. وفي عام ١٨٦٩م نقل المستوطنون البيض هذا النيزك، الذي يبلغ وزنه حوالي ٣٦٠ رطلًا، من موقعه الأصلي إلى «كلية فيكتوريا». واعتبر أفراد القبيلتين من الهنود الحمر عملية نقل النيزك بمثابة كارثةٍ حلَّت بهم.
ويتناقل أفراد قبيلة «هوبي» من الهنود الحمر، في الولايات المتحدة الأمريكية، أسطورة مفادها أن «الروح العظيم» هبط ذات مرة من مقامة العالي على الأرض، تحيط به النار والرعد، ودخل جوف الأرض من ثغرة كبيرة. ويُشيرون إلى الثغرة التي دخل منها الروح العظيم في الأرض، فإذا هي فوهة «الأريزونا» الشهيرة، التي يبلغ قطرها حوالي ١٢٠٠ متر، وعمقها ١٧٥ مترًا، والتي نشأت من سقوط نيزك حديدي ضخم في الماضي البعيد. وما يدهش الباحثين حقًّا في هذه الأسطورة أن النيزك الذي أحدث هذه الفوهة، والذي يعرف بنيزك «كانون ديابلو»، s سقط من زمن بعيد نسبيًّا (٢٠٠٠٠–٣٠٠٠٠ عامًا)، أي قبل أن يوجد أسلاف هؤلاء الناس بزمن كبير. فكيف توصَّلوا لهذه الحكاية؟ لا أحد يدري على وجه اليقين! وتشير الدراسات الأركيولوجية في كلٍّ من الولايات المتحدة والمكسيك إلى أن الهنود الحمر اكتشفوا نيزك «كانون ديابلو»، الذي توجد شظاياه متناثرة في الموقع، داخل وحول الفوهة، وتاجروا في قطعه ونقلوها إلى أماكن بعيدة، منذ أزمنة بعيدة، قبل أن يصل «كولومبس» إلى شواطئ العالم الجديد.١١ ويسجل «ﻫ. ﻫ. نينجر»١٢ عددًا من الحالات وُجدت فيها النيازك ملفوفة بعناية، كما لو كانت مومياوات، ومدفونة في منازل ومساكن الهنود الحمر؛ حيث عُثر على نيزكٍ حديدي كبير نسبيًّا (١٣٥ رطلًا)، ملفوفًا في القماش والريش، في الركن الشمالي الشرقي لأطلال أحد المساكن القديمة، التي كان يقطنها الهنود الحمر، إلى الجنوب من بلدة «وينونا»، بالقرب من «كامب فيرد»، بولاية الأريزونا. ووجد النيزك مدفونًا بنفس الطريقة التي يدفن بها الأطفال الصغار، بمصاحبة بعض الأواني الفخارية. وأسهمت هذه الأواني في تحديد عمر الدفنة، الذي قُدر بحوالي ٨٠٠ عام تقريبًا. وعثر في عام ١٩٢٨م، بأطلال مساكن حجرية تعود إلى حضارة ما قبل التاريخ، على نيزك يزن حوالي ٢٤كجم، بالقرب من بلدة «وينونا» أيضًا، في صندوق حجري، مدفونًا على عمق ٢٥سم. ويعبر دفن النيازك بهذه الطريقة عن اعتزاز الهنود الحمر بها، وتقديسهم لها.
ويبدو أن عملية دفن النيازك لم تكن قاصرةً على الهنود الحمر وحدهم؛ إذ عثر على عدد من النيازك مدفونة بعناية في مناطق مختلفة من العالم. فعُثر في عام ١٨٤٥م على نيزك بيردناسك، الذي يزن ٢٫٣٦٥كجم في ركام دفنةٍ من الدفنات بجنوب روسيا، وفي عام ١٨٦٧م عُثر على نيزك «كاساس جرانديس» في مقبرة بالمكسيك، وفي عام ١٨٩٢م عُثر على نيزك «لوجان» بالأرجنتين، على عمق ٦ أمتار أسفل بقايا «نصب حجري» في رواسب الحقب الرابع.١٣
ومن مظاهر تقديس النيازك والاعتزاز بها، إقامة نصب تذكاري بالموضع الذي سقط عليه نيزك «والد كوتج» الحجري بإنجلترا، في ١٣ ديسمبر عام ١٧٩٥م الذي سبق الإشارة إليه؛ إذ على النقطة التي ارتطم بها النيزك بالأرض، رأى السيد «إدوارد توفام»، صاحب الأرض التي سقط عليها النيزك، أن يخلد ذكرى هذا الحدث الجلل في تاريخ البلاد وقتها، وأن يقيم بناءً بالطوب الأحمر، يضمُّ لوحة رخامية كبيرة، يسجل عليها البيانات الخاصة بهذا النيزك. وفي عام ١٧٩٩م أقام بالفعل النصب التذكاري للنيزك، وكتب بخطٍّ مميز على اللوحة الرخامية التالي:١٤
figure
ترجمة ما كتب على اللوحة الرخامية في النصب التذكاري الذي أقامه في عام ١٧٩٩م السيد «إدوارد توفام» بموضع سقوط حجر «والد كوتج» النيزكي.
ويذكر أحد الباحثين١٥ أنه سقط في عام ١٨٥٣م نيزك صغير يزن حوالي رطل واحد فقط، على منطقة تقع بالقرب من شمال زنجبار، على الساحل الأفريقي الشرقي. وشاهد حدث السقوط صبية من الرعاة، فالتقطوه على الفور. وحاول المبشرون الألمان الذين كانوا بالمنطقة شراء النيزك الساقط بكل الطرق، لكن أفراد «الوانيكاس» المجاورين لموقع السقوط، الذين آل إليهم الحجر النيزكي، رفضوا بيعه أو التفريط فيه رفضًا باتًّا؛ إذ اعتبروه إلهًا؛ لأنه حجر مقدس ساقط من السماء. وأخذوه ودهنوه بالزيت، ولفوه في القماش، وزينوه باللآلئ، وأقاموا له ضريحًا صغيرًا. ولم يُسمح لأي أحدٍ من المبشرين أو وكلائهم برؤية الحجر، ولا مجرد ذكر أي صفقةٍ لشرائه منهم، لكن حدث بعد ذلك بثلاث سنوات أن هجم أفراد قبيلة «الماساي» البدوية على القرية، ودمروها وقتلوا عددًا كبيرًا من أفراد «الوانيكاس» وأحرقوا القرية؛ ففقد الحجر المقدس مكانته عند من قدَّسوه؛ ومن ثم باعه شيوخ القبيلة عند أول عرض تقدم به المبشرون لشرائه. ونُقل النيزك الصغير لألمانيا، وظل معروضًا ضمن مقتنيات متحف ميونخ في ألمانيا.
وما زالت بقايا ممارسات تقديس النيازك والتبرك بها موجودةً في كثير من الثقافات، في عددٍ كبير من البقاع. فعلى سبيل المثال لا يزال يحرص رجال بعض القبائل والطوائف في الهند على جَمْع النيازك الساقطة، والاحتفاظ بها في دور العبادة الخاصة بهم، باعتبارها أجسامًا مقدسة. ويتصارعون مع رجال المساحة الجيولوجية الهندية، المنوط بهم جمع النيازك الساقطة على البلاد، بهدف دراستها ومعرفة طبيعتها. وما لم يسبق الباحثون في جمع النيازك التي تشاهد وهي ساقطة، يسبق إليها الأهالي ويقتنصونها.١٦ومن المواقف التي تكشف عن الاعتزاز بالنيازك، باعتبارها مادة سماوية، إقدام بعض الأهالي في قرية روسية على أكل حجر من أحجار نيزك سقط في أواخر عام ١٨٨٦م، على قرية «نوفا أوري» التي تقع بجمهورية «موردوفيا» الروسية.١٧ ولا يعرف سبب ذلك التصرف من قبل هؤلاء الناس، وهل كان نوعًا من التبرك بالنيازك، أم ظنوها تمثل نوعًا من العلاج الفعال؟

(٢) ازدراء النيازك

في الوقت الذي لاقت فيه النيازك التقدير والإجلال من بعض الأفراد والقبائل والشعوب، لاقت التحقير والازدراء من البعض الآخر؛ حيث صارت مرادفة للعنة والهلاك والانتقام من قِبل السماء. وساد الاعتقاد في أوروبا، خلال العصور الوسطى على وجه الخصوص، أن الأحجار الساقطة من السماء تمثل رسائل عقاب من الرب. ومما يدل على ارتباط النيازك بالشرور في أذهان بعض الناس تخيُّلُهم سقوط النيازك على أنها ثعابين ضخمة تسقط من السحب. وتروي السجلات الروسية أنه في عام ١٠٩١م ذكر أحد القرويين أن ثعبانًا ضخمًا سقط من السحب، رجَّ الأرض وأصاب الناس بالذعر.١٨ ومن بين الحالات الطريفة التي ورد ذكرها في الوثائق التاريخية، أن الناس كانوا يُشيرون خلال القرون الوسطى إلى نيزك «إليبجين»، في «بوهيما»، الحديدي الذي يزن حوالي ١٠٧كجم، ويصفونه باسم غريب؛ هو «البارون المسخوط». وعلى حسب الرواية التي ظل الناس يتناقلونها فترةً طويلةً من الزمن عن هذا النيزك — الذي يرى بعض الباحثين أنه سقط خلال عام ١٤٠٠م — أن الرب سخط البارون السيئ، ومسخه ليبدو على شكل هذه القطعة من الحديد.١٩ ولا يدري أحدٌ من الباحثين ما الذي دفع الناس لهذا الظن؟! وهل كان شكل النيزك الخارجي يشبه شكل الإنسان، وهل كان شكله يوحي بوجود شبهٍ بينه وبين وجه ذلك البارون المكروه؟!
وفي أستراليا يتناقل السكان الأصليون ذكرى كارثةٍ حلَّت بأسلافهم، عندما هَوَتْ مجموعةٌ من الأحجار السماوية الضخمة على منطقة «ولف جريك»، فأحدثَتْ فجوات كبيرة غائرة في الأرض، تشبه فوهات البراكين. ويشيرون إلى إحدى قطع النيازك الضخمة الموجودة بالقرب من هذه الفوهة، على أنها صخرة الشيطان، ويرفضون الاقتراب منها؛ خشية أن تصيبهم الكوارث.٢٠
figure
رسم يصور النيازك على أنها ثعابين تسقط من السماء (مكسيكو، ١٥٢٩م).
ويبدو أن «الإسكيمو» يحتقرون النيازك أيضًا؛ إذ يعتقدون أن روح الشر المدعوة «تينارسوك» قذفت من السماء بامرأة، ومعها كلبها وخيمتها، في إشارة إلى ثلاث قطع من نيزك حديدي، وجدت في أرضيهم، واستغلوها في الحصول على أدوات حديدية، كالسكاكين والحراب المدببة، لفترة كبيرة من الزمن. وكانوا يطلقون على إحدى تلك القطع اسم «المرأة» (إذ بدَتْ لهم على أنها أشبه بامرأة تحيك الثياب)، والقطعة الثانية أطلقوا عليها اسم «الكلب»؛ نظرًا لشبهها بجسم كلب، أما الثالثة، وهي أكبر تلك القطع، فقد أطلقوا عليها اسم «الخيمة»؛ نظرًا لشكلها المخروطي الذي يشبه الخيمة. وتعود قصة معرفة الباحثين لهذا النيزك إلى عام ١٨١٨م، عندما كان الكابتن «جون روس» يقوم برحلته القطبية، ولاحظ أن رجال «الإسكيمو» يستعملون حرابًا مدببة ذات أطراف حديدية حادة وقاطعة، وسكاكين حادة، تستعمل في اقتطاع الجليد وغير ذلك من المهام والأغراض المختلفة. وتوقَّع «روس» أن «الإسكيمو» يحصلون على حديد السكاكين والحراب تلك من نيزك حديدي. وباءت محاولاته التي بذلها لمعرفة موقع مصدر هذا الحديد بالفشل، حيث كان «الإسكيمو» يعتبرون ذلك من الأسرار الخطيرة في حياتهم، التي لا يمكن أن يُطلعوا عليها أحدًا من الغرباء (المستكشفين البريطانيين والدنماركيين)، الذين يحلون على أراضيهم، لكن الأميرال «روبرت أ. بيري» Robert A. Peary، الذي قام برحلات استكشاف لمنطقة القطب الشمالي، في الفترة من ١٨٨٦ إلى ١٩٠٩م، تقرَّب كثيرًا من أفراد قبيلة «الإسكيمو» وتودد إليهم، فقدم لهم الكثير من الهدايا؛ كالسكاكين، والبنادق، والإبر، والحراب، وغير ذلك من الأدوات التي غيرت حياتهم بشكل ملحوظ، فأصبح بالنسبة إليهم صديقًا حميمًا؛ ومن ثم وافق أفراد قبيلة «الإسكيمو» الصغيرة على إرشاده إلى الموقع، الذي كانوا يجلبون منه الحديد. ووصل بالفعل إلى شرق «كاب يورك» ﺑ «جرين لاند» في عام ١٨٩٤م؛ حيث ترقد قطع النيزك الثلاث. وفي عام ١٨٩٥م رفعت القطعتان «المرأة والكلب» على ظهر سفينة النجدة «كايت» Kite، في حين لم يتمكَّن الأميرال «روبرت أ. بيري» ورجاله من رفع قطعة النيزك الأخرى التي يطلق عليها «الخيمة» نظرًا لثقلها، لا في هذه المرة ولا في المرة التي تلتها، خلال عام ١٨٩٦م، لكنه تمكن هو ورجاله من ذلك في عام ١٨٩٧م. واستقرَّت القطع الثلاث في قاعة «هايدن للكواكب السيارة» بالمتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي في نيويورك؛ حيث يمر عليها آلاف الزوار كل عام.٢١
وفي عام ١٩٦٣م استطاع الباحث الدنماركي «فاجن بوشوالد»٢٢ العثور على قطعةٍ أخرى كبيرةٍ من نفس النيزك تزن حوالي ٢٠ طنًّا، في نفس المنطقة التي عُثر فيها على القطع النيزكية الثلاث السالفة الذكر في «جرين لاند»، والتي لم يكن رجال «الإسكيمو» يعرفونها أو يذكرونها. وقد نجح «بوشوالد» — باستخدام وسائل بسيطة، وبدون اللجوء إلى استخدام معدات ثقيلة — في تحريك هذه القطعة النيزكية ودفعها على سطح الجليد، وتحميلها على ظهر السفينة، التي نقلتها إلى كوبنهاجن، حيث تستقر الآن ضمن عدد كبير من النيازك الأخرى.

(٣) الحجر الأسود

يتخيل بعض دارسي النيازك أن الحجر الأسود، في الركن الجنوبي الشرقي من الكعبة، حجرٌ نيزكي سقط من السماء،٢٣ وقت إعادة إبراهيم عليه السلام بناء الكعبة، معتبرين أن اعتزاز المسلمين بالحجر الأسود يأتي في سياق العادات القديمة التي مارسها الناس تجاه الأحجار السماوية، التي ظنوها تمثل رسائل من السماء وتمثل صورًا للآلهة، كما سبق الإشارة إلى ذلك. وتمتد هذه الرؤى لتحاول إثبات أن الحجر الأسود في الكعبة من الأحجار السماوية، أو هو من صخور الصدمات النيزكية، التي تنشأ من تأثيرات ارتطام النيازك الكبيرة بصخور سطح الأرض. والذي يغذي مثل تلك الرؤى اعتزاز المسلمين واهتمامهم بالحجر الأسود، والروايات الخاصة بمصدره؛ إذ ثمة إشارات ظاهرية وردَتْ ضمن الروايات التاريخية التي تتحدَّث عن مصدر الحجر الأسود، وقت إعادة إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام بناء الكعبة في العصور القديمة، هي المحرك الأساسي لتفسيرات الباحثين أن الحجر الأسود ضربٌ من ضروب الأحجار السماوية؛ فتشير بعض الروايات التاريخية إلى أنه أثناء قيام إبراهيم عليه السلام بعملية إعادة البناء، رغب في وضع حجرٍ من نوعٍ خاص ومميز في ركنٍ من أركان الكعبة؛ كي يصير علامة يرجع إليها الناس أثناء الطواف، فطلب من إسماعيل عليه السلام أن يأتيَه بمثل هذا الحجر الذي يرغب فيه. فأخذ إسماعيل عليه السلام يبحث عن الحجر المطلوب، وعاد ومعه بعض الأحجار، فوجد إبراهيم عليه السلام، وقد وضع هذا الحجر المميز في البناء، فسأل عن مصدره فأخبره أنه قد أعطاه له الله؛ فهذا ما يجعل الناس يظنُّون أن الحجر الأسود حجرٌ من الأحجار السماوية، لكن لا يعني هذا القول بالضرورة أنه ساقط إليه من السماء، بل قد يعني أن الله هو الذي هداه إلى العثور عليه من بين صخور الأحجار الأرضية المتاحة من حوله.
figure
الحجر الأسود في جدار الكعبة المشرفة.
ومن الباحثين في مجال النيازك من يظن أن الحجر الأسود قطعةٌ من زجاج الصدمة النيزكية، التي وقعت في منطقة وابر بالربع الخالي، شمال شرق المملكة العربية السعودية، وكونت نوعًا مميزًا من المادة الزجاجية السوداء، التي يطلق عليها «زجاج وابر». وهو نوعٌ من الزجاج الطبيعي، الذي توجد به فجوات ناتجة عن هروب الغازات الحبيسة في المادة المصهورة لحظة التصلب. أي أنها مادة زجاجية تُشبه إلى حدٍّ كبير الصخور البركانية المعروفة بحجر الخفاف اﻟ «بيومس». ويعتمد من يظن أن الحجر الأسود قطعةٌ من «زجاج وابر»٢٤ على روايات تقول إن الحجر الأسود يطفو فوق الماء ولا يغوص فيه، كما في رواية صلاح الدين الصفدي (٦٩٦–٧٦٤ﻫ/١٢٩٦–١٣٦٣م) في كتابه الوافي بالوفيات؛ إذ يذكر في معرض حديثه عن موضوع إعادة الحجر الأسود من قبضة القرامطة، عام ٣٣٩ﻫ/٩٥١م:٢٥ «ولمَّا أرادوا ردَّه حملوه إلى الكوفة وعلَّقوه بجامعها حَتَّى رآه الناس، ثُمَّ حملوه إلى مكة … وجهَّز الخليفة (المطيع) إليهم عبد الله بن عكيم المحدِّث وجماعةً معه. فأحضر أبو طاهر شهودًا ليشهدوا عَلَى نوَّاب الخليفة بتسليمه ثُمَّ أخرج لهم أحد الحجرين المصنوعين فقال لَهُ عبد الله بن عكيم: إن لَنَا فِي حجرنا علامتين؛ لا يسخن بالنار ولا يغوص فِي الماء، فأحضر ماءً ونارًا وألْقى الحجر فِي الماء فغاص ثم ألقاه فِي النار فحمي وكاد يتشقَّق، فقال: لَيْسَ هَذَا بحجرنا. ثُمَّ أحضر الحجر الآخر المصنوع وَقَدْ ضَمَّخَهُمَا بالطيب وغشَّاهما بالديبالج إظهارًا لكرامته، ففعل بِهِ عبد الله بن عُكَيْم كذلك ثُمَّ قال: لَيْسَ هَذَا بحجرنا. فأحضر الحجر الأسود بعينه فوضعه فِي الماء فطفا وَلَمْ يغُص ثُمَّ وضعه فِي النار فلم يسخن، فقال: هَذَا حجرنا. فعجب أبو طاهر.» وقد اطَّلع على مثل هذه الروايات بعض الباحثين في مجال النيازك، واعتبروا أن كون الحجر الأسود يطفو فوق الماء ولا يغوص فيه، يعني أنه يشبه حجر الخفاف الذي يطفو فوق الماء. ولما كان «زجاج وابر» قريب الشبه بحجر الخفاف، من حيث وجود الفجوات فيه، فقد اعتبر ذلك دليلًا على أن الحجر الأسود من «زجاج وابر»، لكن الحقيقة أن «زجاج وابر» لا يطفو فوق الماء بل يغوص فيه؛ إذ رغم كونه به فجوات هوائية، إلا أنه أيضًا يحوي في الغالب كرات تتكوَّن من الحديد مع النيكل ثقيلة صغيرة، من نفس مادة النيزك الحديدي الذي كان السبب في تكوُّنه؛ ومن ثم فإن الدراسة اعتمدت على ظاهر الرواية التي تقول إن الحجر الأسود يطفو فوق الماء. ولم يثبت عمليًّا أن الحجر الأسود يطفو فوق الماء.
ويغفل الباحثون قضية مهمة، وهي أن الاهتمام بالحجر الأسود في شعائر المسلمين، لا يعتمد على طبيعته الذاتية، وإنما يعتمد على كونه علامةً من علامات الطواف حول الكعبة؛ ومن ثم يجب تقبيله أو الإشارة إليه من قِبَل الحجاج. وثمة مبررٌ آخر للاعتزاز بالحجر الأسود؛ وهو كونه الحجر الذي وضع في بناء الكعبة بيدَيْ إبراهيم عليه السلام، وأعيد وضعه في واحدةٍ من مرات تحريكه، بيدَيِ النبي محمدٍ . وعمومًا تختلف الآراء حول طبيعة الحجر الأسود؛ فبعضها يرى أنه حجر أرضي من صخور البازلت أو العقيق؛٢٦ أو نيزك حجري، أو قطعة من «زجاج وابر». وهكذا يظل كون الحجر الأسود من النيازك أو من الصخور الأرضية، رهن فحصه من قِبَل باحثٍ متخصص في النيازك، يكون على درايةٍ كبيرة بالصخور الأرضية، يمكنه من الفحص الظاهري تبيُّن طبيعة هذا الحجر. حيث لا يمكن اقتطاع أي جزءٍ منه بغرض القيام بتحاليل معملية، وهي الطريقة التي يعتمد عليها غالبية الباحثين في مجال دراسة النيازك.

(٤) الشهب من التقدير إلى الازدراء

كما ارتبطت النيازك ببعض الممارسات لدى بعض الشعوب، كذلك الأمر بالنسبة إلى الشهب. فبحسب تقويم للكنيسة الأوروبية يعود إلى أكثر من ألف سنة خلَتْ، فإن سيل شهب «فرساوس»، هي دموع القديس «لورانس».٢٧ وتعود هذه الواقعة إلى ما ساد أوروبا من فوضى عارمة، إبَّان النزاع بين سلطة الحكومة الرومانية والكنيسة؛ فالحكومة كانت تطلب من المسيحيين أن يبذلوا بعض الوقار للآلهة الرومانية، تمشيًا مع الجو العام السائد آنذاك، ولكن أغلب القساوسة كانوا يرفضون ذلك في إصرارٍ وعناد. وتارةً تمر الأزمة بدون عنفٍ من قِبَل الحكومة، لكن عادةً ما كانت تُقابَل بالقسوة والشدة. وتعود قصة ذلك الصراع إلى عام ٦٤م تقريبًا، وامتدَّت حتى نهاية القرن الثالث. وكانت حدة الاضطهاد ضد المسيحيين تخف ثم ما تلبث أن تزيد، وفي حوالي عام ٢٥٨م عادت مرة أخرى حدة التعذيب للمسيحيين، كما يذكر المؤرخ الكبير ويل ديورانت في موسوعة «قصة الحضارة»:٢٨ «وفي أزمة أخرى من أزمات الغزو والرعب التي كانت تواجهها الإمبراطورية الرومانية، أمر الإمبراطور «فليريان» أن يمتثل كل شخصٍ للشعائر الرومانية، وحرم كل الاجتماعات المسيحية، لكن البابا «سيكستوس» Sixtus عصى الأمر، فأُعدم هو وأربعة من شمامسته، وقطع رأس «سبريان» أسقف قرطاجنة، وحرق أسقف «طراقونة» حيًّا. وكان القديس «لورانس» واحدًا من الضحايا خلال تلك الأحداث؛ إذ عُذِّب وأُحْرِق في ١٠ أغسطس (آب) عام ٢٥٨م. ويذكر أن أول من أمر بالاحتفال بهذه الذكرى هو الإمبراطور الروماني «قسطنطين» الأول. أما الظاهرة فهي أنه في منتصف أغسطس (آب)، تلمع في السماء آلاف الشهب في عرضٍ سماوي فريد، يتوافق مع ذكرى حرق القديس لورانس؛ ومن ثم فإن الكنيسة اعتبرت أن هذه الشهب بمثابة دموع القديس الذي أحرق حيًّا.
وتعود ظاهرة الشهب هذه إلى أن الأرض — أثناء دورتها حول الشمس — تمر في الفترة من يوم ٨ إلى يوم ١٢ من شهر أغسطس، بالقرب من، أو تقطع مدار المذنب «سويفت تاتل» Swift-Tuttle (نسبة إلى مكتشفَيْه الفلكيَّيْن الأمريكييْنِ «لويس سويفت» و«تشارلز تاتل» في عام ١٨٦٢م). ودرس الفلكي «جيوفاني شياباريلي» في عام ١٨٦٧م علاقةَ الأرض بمدار هذا المذنب، وخلص إلى أنها تدخل مداره في ١١ أغسطس من كل عام، وأن ظاهرة الشهب التي تُرى في هذه الفترة، تعود إلى دخول الجسيمات الصغيرة — التي خلفها المذنب في مداره — جو الأرض فتحترق، محدثةً ما يُعرف بظاهرة عرض الشهب، التي تُرى في منتصف شهر أغسطس. ويذكر مؤلف معجم الخرافات والمعتقدات الشعبية في أوروبا «بيار كانافاجيو»٢٩ أن الناس يرون في الشهب أرواحًا شريرة تهبط في الجحيم، عدا شهب ليلة ١٥ أغسطس. وإذا أبصر الصقلي شهابًا صَلَّب (يرسم صليبًا بالإشارة).
ومن الأقوال الشائعة التي ترتبط بالشهب: إذا رأيت شهابًا ساقطًا من السماء (النجم الساقط)، فتمنَّ ما تشاء؛ فإن أمنياتك سوف تتحقَّق. ويقال: عندما يسقط شهابٌ يسقط ملك. وهكذا تقاس أقدار الأمم حسب الشهب الساقطة من السماء. فيذكر الكاتب الروماني «سينيكا الأكبر» (٥٤ق.م.–٣٩م)، في مدونته «مشاكل الطبيعة» أن شهابًا كبيرًا، غلب ضوءُه ضوء القمر، سقط في عام ١٦٨ قبل الميلاد، أثناء معركة «بيدنا» في اليونان؛ حيث كان الجنرال الروماني «ماسيدونيكوس بولوس» يشن حربًا ضروسًا ضد «بيرسوس».٣٠ وهي المعركة التي أنهت حكم آخر ملوك مقدونيا العظام الذين ينتسبون للإسكندر الأكبر، ووضعت نهاية الإمبراطورية اليونانية، وجاءت بسطوة الرومان على شعوب الشرق الأدنى.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١