الفصل الرابع

النيازك في التراث العربي

«وانقض كوكب يحكي مَن رآه أنه كان على هيئة القمر فانهدمَتْ حينئذٍ مواضع كثيرة في الجبال.» (الخزجي، كتاب العقود اللؤلئيَّة في تاريخ الدولة الرسولية)

***

يكاد يجمع مؤرخو العلم على أن العرب خلفوا تراثًا علميًّا قيمًا فيما يخص علم الفلك؛ فالعرب بطبيعة حياتهم المعيشية يتعلقون بالسماء، التي يهتدون بنجومها في مواقيتهم، ورحلاتهم وتنقلاتهم من منطقة لأخرى أو من بلد لآخر عبر الدروب الصحراوية، وانتظارهم الأمطار التي تعد مصدر المياه الرئيسي في بلادهم. ساعدهم على ذلك صفاء سماء أرضيهم الخالية من العواصف والسحب والغيوم، لكن ذلك لم يكن خليقًا بأن يخلفوا هذا التراث الهائل بدون حس علمي، جعلهم يسجلون مشاهداتهم، التي تطورت إلى أبحاثٍ بفتح المجال نحو مناقشة تلك المشاهدات، وتمحيص الآراء التي تختص بها؛ فقد تمتلك الشعوب مهارات خاصة ومعارف كثيرة، لكنها تقتصر على سلوكياتها الحياتية، وانتقالها للأجيال شفاهة، لكنها لا تسجل كتابة، فتضيع مع موت أهلها، وتظل آثارها باهتةً في مخيلات من سمعوا بها. وهذه الشعوب وإن تفوَّقت علميًّا، إلا أنها لم تكن تمتلك الحس العلمي، الذي يجعلها تحرص على تسجيل الظواهر والمشاهدات، والآراء والمساجلات الخاصة بالظواهر الطبيعية والإنسانية، في الكتب والحوليات والوثائق، التي تظل وعاءً يحرس هذا التراث أو ذاك، لتستفيد منه البشرية على مر الزمن، وتطوره بما يضاف إليه من معارف جديدة يكتسبها الإنسان. وهذا ما يميز أمةً — في تاريخ العلم — عن غيرها من الأمم، ويحدِّد إسهامها ودورها مقارنة بأمة أخرى. وتسجيل الأحداث لا يخرج بحالٍ من الأحوال عن مدى تطور الأمة؛ إذ يعكس الرخاء الذي تنعم به، نتيجة لنظمها السياسية والإدارية والمالية المتطورة، التي تغرز ذلك المناخ العلمي، الذي يعكس حرصها العام على بقاء ذكرها في التاريخ. وقد تفوَّق العرب في التسجيل تفوقًا كبيرًا لا ترقى إليه أمة في التاريخ، حتى إن بعض الباحثين يذكر أن حب العرب للتدوين وكثرة كتاباتهم، وما استخدموه من أوراق وأحبار في كتاباتهم التي تفوق الحصر؛ كان وراء تطور وسائل الكتابة بصفة عامة، وكان وراء اختراع ورق الكتابة بشكله الحالي.١
ونالت النيازك حظًّا وفيرًا من اهتمام المؤرخين العرب، باعتبارها ظاهرةً طبيعية فريدة تخرق فكرة الكون الثابت التي علقت بالأذهان قديمًا وحديثًا؛ ومن ثم فقد تبارى المؤرخون العرب في تسجيلها ضمن أهم الأحداث التي وقعت في التاريخ. والأهم من ذلك أنهم حرصوا على نقل أخبارها من كتبهم التاريخية. فنرى كاتبًا أو مؤرخًا يسجل حدثًا نيزكيًّا وقع في أزمنة بعيدة عن زمنه الذي يعيش فيه تمامًا، شأنها في ذلك شأن أهم الأحداث التاريخية. ومن الأمثلة المبكرة على دراسة موضوعاتٍ دقيقةٍ تتعلَّق بعلم النيازك، في التراث العربي، ما أورده المرزوقي (أحمد بن محمد بن الحسن أبو علي المرزوقي، عالم بالأدب من أهل أصبهان، المتوفَّى سنة ٤٢١ﻫ/١٠٣٠م) في كتابه الرائع «الأزمنة والأمكنة»، من مناقشة لقضية من أهم قضايا علم النيازك، وهي تغير معدلات سقوط النيازك على الأرض مع الزمن. وهي قضية تشغل الباحثين في الوقت الحاضر. ففي لمسة طريفة لهذا الموضوع المهم، يذكر في معرض حديثه عن رجم الشياطين بالشهب:٢ «فإن قال قائل: كيف يصح أن يكون انقضاض الكواكب رجمًا للشياطين ولا يخلو من أن يكون الذي يُرمى به الشيطان ليحرقه كوكبًا فيجب أن يفارق مكانه وينقص من عدد الكواكب، وقد علمنا منذ عهدت الدنيا لم تنقص ولم تزد؛ أو يكون الذي يُرمى به شعاعًا يحدث من احتكاك الكواكب واصطكاك بعضها ببعض فيفصل ذلك الشعاع من الكواكب ويتصل بالجني حتى يحرقه؛ إذ لو لم يتصل به لم يحترق وهذا أيضًا لا يجوز لأن الكواكب لا تحتك. قيل له: إن كل ما ذكرت غير ممتنع قد يجوز أن يكون هناك كواكب لا تلحقها العين لصغرها، كما قال قومٌ في المجرة إنها كلها كواكب ولا تبين، فيجوز أن يحتك بخاران عظيمان فيحدث الشعاع ويحترق الجني، وكل ذلك ليس بمستنكر وعلى هذا جاء في القرآن.»

وهذه العبارة، على قصرها، تحتوي على عددٍ من الظواهر العلمية، مما لا تسعه مجلداتٌ علمية كاملة. فقول المرزوقي عن المجرة: إنها كلها كواكب ولكن لا تبين لصغرها، هو من الأشياء المنظورة علميًّا الآن، وينصب عليها جانب كبير من اهتمام علماء الفلك، وتطالعنا الأبحاث العلمية بأخبار اكتشاف كواكب تتبع نجوم مجرة درب التبانة. وفي قوله: «قد يجوز أن يكون هناك كواكب لا تلحقها العين لصغرها.» إشارة إلى عدد كبير من الأجسام التي تدور بين المريخ والمشتري، فيما يُعرف بحزام الكويكبات، الذي يعد المصدر الرئيسي للنيازك (وهي الأجسام الكبيرة نسبيًّا) التي تتساقط على الأرض، أو الصغيرة التي تحترق في الجو، وينشأ عن احتراقها في طبقات الجو العليا الضوء اللامع الخاطف، فيما يعرف علميًّا بظاهرة «الشهب». وفي قوله: «فيجوز أن يحتك بخارانِ عظيمانِ فيحدث الشعاع ويحترق الجني.» إشارة إلى تفسير ظاهرة الشهب؛ فالشهب — كما هو معروف — ظاهرة تحدث من احتكاك الأجسام الدقيقة الحجم بغازات جو الأرض. ومثل هذا الاحتكاك هو الذي يقود إلى احتراقها، وتولد الأضواء التي تنبعث منها أثناء مروقها في الجو. والأكثر من ذلك أن عملية الاحتكاك، بين النيازك وغازات جو الأرض، وراء النيران التي تنبعث من هذه الأجسام أثناء اختراقها جو الأرض.

ويلمس الدارس تسجيلات عرضية لظاهرة الشهب وردت في بعض المؤلفات العربية، على سبيل المثال، يورد المؤرخ الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن الذهبي (٦٧٣–٧٤٨ﻫ/١٢٧٤–١٣٤٨م) في كتابه «تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام»، كثيرًا من حوادث وقوع الصواعق وانقضاض الكواكب، وعرض الشهب الكثيفة (التي يطلق عليها نجومًا متطايرة مضطربة). ففي معرض تسجيله لأحداث سنة ٥٩٩ﻫ يذكر:٣ «أنبأنا ابن البزوري قال: في سلخ المحرم ماجت النجوم، وتطايرت كتطاير الجراد، ودام ذلك إلى الفجر، وانزعج الخلق، وخافوا وضجوا بالدعاء لله تعالى. ولم يعهد ذلك إلا عند ظهور رسول الله .» ثم يضيف في ذات السياق:٤ «وذكر عنه ابن الجوزي مثل ما قدمنا من موج النجوم وتطايرها. وقال العز النسابة: رُئِي في السماء نجوم متكاثفة متطايرة، شديدة الاضطراب إلى غاية.»

(١) الخلط بين النيازك والصواعق

أشار الكتاب العرب — شأنهم شأن جميع الكتاب في ذلك الوقت — إلى ظاهرة سقوط النيازك بعباراتٍ مختلفة، منها: انقضاض الكواكب، وانقضاض النجوم، ووقوع الصواعق. وفي حالاتٍ محددة أشاروا إليها بعبارات سقوط الأحجار من السماء. وميَّزوا في كتاباتهم ما بين الكواكب والنجوم الثابتة، وبين الأجسام التي تظهر عرضًا في السماء فتمكث بعض الوقت ثم تختفي دون أن تنقض (المذنبات)، أو تلك التي تظهر عرضًا فتهوي أو تنقض، ويكون انقضاضها مشفوعًا بظاهرةٍ ضوئية فقط (الشهب)، أو مشفوعًا بالأصوات والانفجارات القوية أو الهزات الأرضية، أو يكون انقضاضها نهارًا (النيازك). وفرقوا بين النيازك والصواعق؛ حيث حرص بعض المؤرخين على الإشارة إلى عدم وجود غيومٍ أو سحبٍ وقت الحدث، مما يعني أن الظاهرة تمثل سقوط نيازك على الأرض، لكن في بعض الحالات وصفوا النيازك على أنها صواعق.

وقد سجَّل كتَّاب العرب ظاهرة الصاعقة في كتبهم الأدبية والتاريخية، وقدموا تعريفًا لها باعتبارها ظاهرةً طبيعية ترتبط بالغيوم والسحب التي تظهر في السماء. وقدَّموا في بعض تسجيلاتهم تعريفًا صريحًا لظاهرة الصاعقة يختلف عن وصفهم للأحداث المرتبطة بالأحجار السماوية؛ حيث يتمكَّن المرء من التمييز بسهولةٍ بين الصواعق وبين النيازك، من خلال الأوصاف المرافقة للأحداث؛ فالصواعق العادية لا يتبعها سقوط أحجار، تحدث هدة عظيمة، وإنما يشار إليها بالنيران التي تحرق المنشآت أو الزروع، أو تقتل بعض الناس. وورد تعريف الصواعق في عددٍ كبير من الكتب العربية؛ ففي كتاب «الكشكول» لبهاء الدين العاملي (محمد بن حسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي الهمداني (٩٥٣–١٠٣١ﻫ/١٥٤٧–١٦٢٢م))، تعريف الصاعقة على النحو التالي:٥ «… الصاعقة تذيب الذهب والفضة في الصرة ولا تحرق الخرقة المصرورين فيها، قال المحقق الشريف في شرح المواقف: قد أخبرنا أهل التواتر بأن الصاعقة وقعت بشيراز على قبة الشيخ الكبير أبي عبد الله الحفيف، فأذابت قنديلًا فيها ولم تحرق فيها شيئًا، والسبب في ذلك أن تلك النار لغاية لطافتها تنفذ في المتخلل، وهي سريعة الحركة جدًّا فلا يبقى فيه ريثما، وأما الأجسام المندمجة فتنفذ فيها في زمان أكثر، فيبقى فيها قدرًا يعتد به فتذيبها.» [في هذا التعريف إشارة إلى علوم فيزيائية، يجدر أن يتصدَّى لها الباحثون في هذا المجال.] وفي كتاب «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي:٦ «فأمَّا الصاعقة في اللغة فهي الواقع الشديد من صوت الرعد يسقط معه قطعة من نار … وقال الخليل: الصاعقة: صوت العذاب. وقال بعضهم: نار ريحية وريح نارية وذلك أنها إذا وقعت في الخشب أحْرَقَتْهُ وأشعَلَتْه. وإذا وقعتْ على ذهبٍ أو فضةٍ أحمته وأذابَتْهُ. وهذا الفعل من أفعال النار. قال: فيقول: إنها وإن كانت نارًا فليست بالنار الحرية بل هي نار لهبانية. وذلك أنها إذا سقطَتْ على الأرض لم يوجد جمرها بل يُرى ذلك الموضع الذي تقع فيه الصَّاعقة كثير الدُّخان متصدعًا. وهذه من خواص النار والريح، والصاعقة أيضًا ألطَفُ من جميع النار اللهبانية التي عندنا، وذلك أن النار التي عندنا لا تنفذ في الحيطان ولا في الأرضين. والصاعقة تنفذ في كل جوهر محسوس، وهي لا تبصر لأنها بِلطافتها تفوت أبصارَنا، لكنَّ أفعالها تبصر، ولسرعة حركتها تجاوز الوقت الذي يمكن أن يكون فيه البصر. والصاعقة تكون لعلَّتَيْن؛ إمَّا لِاكْتِمان النار في الغمام وإفلاتها بَغْتَةً، وإما لِاكْتِمان الريح في الغمام واحتكاكها به وشدة خروجها بغتةً، وفي مجيئها إلى الأرض تصير نارًا، كما ترى ذلك في الرصاص إذا رُمِيَ بالمقلاع، فإنه يسخن بمحاكَة الهواء ويلتهب ويذوب.» وفي كتاب «نهاية الأرب في فنون الأدب»، للنويري (أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم القرشي التميمي البكري شهاب الدين النويري (٦٧٧–٧٣٣ﻫ/١٢٧٨–١٣٣٣م)):٧ «وأما الصواعق فهي ما قاله الزمخشري في تفسيره: الصاعقة قصفة في رعد ينقض معها شقة من نار. وقالوا: إنها تنقدح من السحاب إذا اصطكَّت أجرامه. وهي نارٌ لطيفة حديدة (حادة) لا تمر بشيءٍ إلا أتت عليه، إلا أنها مع حدتها سريعة الخمود. على أنها متى سقطَت على نخلةٍ أحرقت عاليها. وقال صاحب كتاب مناهج الفكر ومباهج العبر في كتابه: ومن عجيب شأنها أنها تحرق ما في الكيس، ولا تحرق الكيس؛ وإن احترق فإنما يحترق باحتراق ما ذاب فيه. قال: وهي إذا سقطَتْ على جبلٍ أو حجرٍ كلسته ونفذته (ربما يشير هنا إلى أحجار الصاعقة)، وإذا سقطَتْ في بحرٍ غاصت فيه وأحرقت ما لاقت من جوانبه.» وفي كتاب «الحيوان» يذكر الجاحظ (الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (١٦٣–٢٥٥ﻫ/٧٨٠–٨٦٩م))، في معرض حديثه عن الصواعق:٨ «الصواعق وما قيل فيها: ومتى كان البخار حارًّا يابسًا قَدَحَ وقَذَفَ بالنار التي تسمى الصاعقة، إذا اجتمعت تلك القوى في موضع منه، فإن كانت القوى ريحًا كان لها صوتٌ، وإن كانت نارًا كانت لها صواعقُ، حتى زعم كثير من الناس أن بعض السيوف من خَبَث نيران الصواعق، وذلك شائعٌ على أفواه الأعراب والشعراء.»
ووردت تسجيلات الأحداث التي وقعت فيها الصواعق في كثيرٍ من كتب المؤرخين العرب ضمن الأحداث التاريخية المهمة. وتناقلها المؤرِّخون عن بعضهم البعض، باعتبارها أحداثًا جديرةً بالتسجيل، لما أصابت من ضررٍ امتدَّ للإنسان، والحيوان، والزروع، والمنشآت. ومن الأمثلة على ذلك، المؤرخ ابن الجوزي (أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادي بن أحمد بن جعفر، المتوفَّى سنة ٥٩٧ﻫ) الذي يورد عددًا من حوادث سقوط الصواعق ضمن تأريخه للأحداث التي وقعَت في زمانه والأزمنة السابقة في كتابه «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم»؛ ففي معرض تأريخه لأحداث سنة ٤٠٣ﻫ/١٠١٢م، يذكر:٩ «وفي شعبان وقعت بالكوفة صاعقةٌ في أثناء رعدٍ وبرقٍ فسقطت على حائط فرمت به.» وفي تأريخه لأحداث سنة ٤٤٢ﻫ/١٠٥١م يذكر:١٠ «ووقعت في ليلة الجمعة ثاني رمضان صاعقة في حلة نور الدولة على خيمةٍ لبعض العرب كان فيها رجلان، فأحرقت نصفها ورأس أحد الرجلين ونصف بدنه ويدًا واحدة ورجلًا واحدة فمات، وسقط الآخر مغشيًّا عليه لم يتكلَّم يومين وليلة ثم أفاق، وعصفت ريح شديدة وجاء مطر جود فقلعت رواسن دار الخلافة على دجلة.» ويذكر ضمن أحداث ٤٧٠ﻫ/١٠٧٧م:١١ «فمن الحوادث فيها أنه وقعت صاعقةٌ في شهر ربيع الأول في محلة التوثة من الجانب الغربي على نخلتين من مسجد فأحرقتهما، فصعد الناس فأطفئوا النار بعد أن اشتعل من سعفهما وكربهما وليفهما، فرُمي به، فأخذه الصبيان وهو يشتعل في أيديهم كالشمع.» ويروى في معرض سرده أحداث سنة ٤٧٩ﻫ/١٠٨٦م:١٢ «وفي رجب وقعَتْ صاعقةٌ في خان الخليفة المقابل لباب النوبي فأحرقت جزءًا من كنيسة الخان وفتتت أسطوانة حتى صارت رميمًا، وسقط منها مثل كباب القطن الكبار نارًا فخرَّ الناس على وجوههم، وسقطت أخرى بخرابة ابن جردة فقتلت غلامًا تركيًّا، وسقطت أخرى على جبل آمد فصار رمادًا، ووقعت صواعق في البرية لا تُحصى في ديار الشام.» ويذكر ضمن أحداث سنة ٥٦٩ﻫ/١١٧٣م:١٣ «وفي ربيع الأول وقعت صاعقة في نخلة بالجانب الغربي فاشتعلت النخلة.» ويذكر ضمن أحداث سنة ٥٧١ﻫ/١١٧٥م:١٤ «وجاء في ليلة الأحد ثامن ربيع الآخر مطرٌ عظيمٌ برعدٍ شديد ووقعت صاعقةٌ في دار الخلافة وراء التاج وأحرقت ما حولها، فأصبحوا فأخرجوا أهل الحبوس وأكثروا الصدقات.»
وفي كتاب «البداية والنهاية» لابن كثير (إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي أبو الفدا، المتوفَّى سنة ٧٧٤ﻫ/١٣٧٢م)، عدد من الأحداث التي سقطت فيها الصواعق وأصابت الناس؛ إذ يذكر في معرض تأريخه لأحداث سنة ٤٧٠ﻫ/١٠٧٦م:١٥ «قال ابن الجوزي: في ربيع الأول منها وقعت صاعقة بمحلة التوثة من الجانب الغربي، على نخلتين في مسجد فأحرقت أعاليهما، وصعد الناس فأطفئوا النار، ونزلوا بالسعف وهو يشتعل نارًا.» وواضح من خلال هذا الوصف أنه يشير إلى صاعقة عادية.

وللخلط بين الصاعقة والنيازك أسبابه الظاهرية؛ فالصاعقة (البرق والرعد) تحدث نتيجة احتكاك السحب بعضها ببعض، وينشأ عنها أضواءٌ شديدة وأصواتٌ مفزعة. وسقوط النيازك أيضًا يكون مصحوبًا عادةً بالنيران والأضواء والأصوات المفزعة. والعلامة الفارقة بين الظاهرتَيْن عدمُ سقوط الأجسام الصلبة في حالة الصواعق، وسقوطها في حالة النيازك. وحتى هذه العلامة الفارقة، لم تكن فارقة بالنسبة للناس قديمًا؛ إذ اشتبهت عليهم. والسبب وراء ذلك الاشتباه أن الصاعقة قد تصهر الصخور الأرضية وتكون نوعًا من الصخور الجديدة، يطلق عليها «حجر الصاعقة أو الفولجوريت». وهذه مادة تنشأ من انصهار الرواسب الأرضية المفككة خاصة الرمال، من الحرارة العالية المتولدة من طاقة البرق الذي يضرب الصخور الأرضية في موقع الاحتكاك. وتكون على هيئة أجسام غير منتظمة، إلى أجسام أنبوبية تمتد عميقًا في سطح الأرض، بحسب طاقة اختراق البرق للصخور السطحية. ومن خلال المشاهدات الطبيعية، التي كان يقوم بها الناس قديمًا، للمواقع التي تتعرَّض لتأثيرات البرق أو سقوط الأجسام النيزكية، كانوا يجدون أنواعًا مختلفة من الصخور الصلبة، أو مواد حديدية؛ ومن ثم اختلط الأمر عليهم، فأطلقوا تعبير صاعقة على النيازك.

وتتوقف درجة الخلط بين ظاهرة الصاعقة والأحداث النيزكية، إلى مدى فطنة الكاتب في التفريق بينهما؛ فبعض الكتاب خلطوا بين الظاهرتين، لكن غالبيتهم فصلوا بين الظاهرتين فصلًا بيِّنًا. ومن بين المؤرخين العرب الذين فصلوا بين الظاهرتين ابنُ الجوزي في كتابه «المنتظم»؛ ففي معرض تأريخه لأحداث سنة ٤٠٣ﻫ/١٠١٢م، يذكر الظاهرتين ذكرًا مستقلًّا لا لبس فيه:١٦ «وفي ليلة الأربعاء لثلاثٍ بقينَ من صفر وقت العشاء انقضَّ كوكبٌ كبير الجرم عن يمنة القبلة وملأ الأرض ضوءُه واستعظم الناس ما رَأَوْه منه، وفي شعبان وقعت بالكوفة صاعقةٌ في أثناء رعد وبرق فسقطت على حائط فرمت به، وفي رمضان انقضَّ كوكبٌ من المشرق إلى المغرب غلب ضوءُه ضوء القمر وتقطع قطعًا وبقي ساعة طويلة.» فهو هنا يشير إلى حدث نيزكي، ثم يصف صاعقة عادية حدثت أثناء برق ورعد، ثم يسجل انقضاض كوكب، في إشارة إلى حدث نيزكي آخر.
ويَردُ الخلط بين الصاعقة والنيازك في كلام النويري، وفي نفس السياق السابق لتعريفه الصاعقة، حيث يذكر:١٧ «وربما عرض لها (يقصد الصاعقة) عند انطفائها في الأرض برد ويبس، فتكون منها أجرام حجرية أو حديدية أو نحاسية. وربما طبعت الحديد سيوفًا لا يقوم لها شيء. وأما البرق وما قيل فيه، فقد ذهب المفسرون: إلى أنه ضرب المَلَك الذي هو الرعد للسحاب بمخراق من حديد. وروي عن مجاهد: إن الله عز وجل وكَّل بالسحاب ملكًا؛ فالرعد قعقعة صوته، والبرق سوطه.» وليس أدل من شيءٍ على الخلط بين الصاعقة والنيازك، أكثر مما ورد في قول النويري:١٨ «… وربما عرض لها عند انطفائها في الأرض برد ويبس، فتكون منها أجرام حجرية أو حديدية أو نحاسية. وربما طبعت الحديد سيوفًا لا يقوم لها شيء …» وفي قوله عن البرق:١٩ «إنه ضرب المَلَك الذي هو الرعد للسحاب بمخراق من حديد.» فهذا يعني أن الناس من خلال المشاهدات الطبيعية شاهدوا قطعًا من الحديد أو قطعًا غريبة من الأحجار أو مواد نحاسية، عقب ظهور الأضواء وسماع الأصوات المفزعة، التي تُصاحب سقوط الأحجار السماوية، فخلطوا بين الظاهرتَيْن. وكذلك في تعريف الجاحظ للصواعق، حيث يذكر في السياق نفسه: «حتى زعم كثيرٌ من الناس أن بعض السيوف من خَبَث نيران الصواعق، وذلك شائع على أفواه الأعراب والشعراء.»
وامتدادًا للخلط، بين النيازك والصواعق، يشير بعض المؤرخين العرب إلى النيازك على أنها صواعق، ضمن تسجيلاتهم للأحداث الطبيعية التي كانت تحدث بين الفينة والأخرى. ومن الأمثلة على ذلك بعض الأحداث النيزكية التي ورد ذكرها في كتاب «البداية والنهاية» لابن كثير بوصفها صواعق. ففي معرض تأريخه لأحداث سنة ٦٧٩ﻫ/١٢٨٠م، يذكر حادثة وقوع صاعقة على الجبل الأحمر شرق القاهرة، فأصابت حجرًا فأحرقته، وكونت نتيجة لذلك حديدًا، حيث يُورد:٢٠ «ووقعت صاعقة بالإسكندرية وأخرى في يومها تحت الجبل الأحمر على صخرة فأحرقتها فأخذ ذلك الحديد فسبك فخرج منه أواقي بالرطل المصري.» ويورد بعض المؤرخين نفس الحدث، مثل اليونيني (قطب الدين أبو الفتح موسى بن محمد اليونيني، المتوفَّى سنة ٧٢٦ﻫ) في كتابه «ذيل مرآة الزمان»؛ والسيوطي (جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (٨٤٩–٩١١ﻫ))، في كتابه «حسن المحاضرة»؛ وابن حبيب (بدر الدين الحسن بن عمر بن الحسن بن عمر بن حبيب، المتوفَّى سنة ٧٧٩ﻫ/١٣٧٧م) في كتابه «تذكرة النبيه في أيام المنصور وبنيه»، الذي وصف الحدث ضمن أحداث سنة ٦٧٩ﻫ/١٢٨٠م:٢١ «ووقع بالجبل الأحمر ظاهر القاهرة صاعقة على حجر فأحرقته، وأخذ من ذلك الحجر قطعة وسبكت فظهر منها قطعة حديد زنتها أواقيُّ من الكيل المصري.» ويبدو جليًّا من هذا الوصف أن الصاعقة المقصودة هنا تشير صراحةً إلى سقوط نيزك حديدي.
وتخلط بعض التسجيلات التاريخية بين الصواعق والنيازك، خلطًا يصعب معه التفريق بين الظاهرتين؛ فلا يستبين المرء إن كان الحدث صاعقةً أم نيزكًا. فعلى سبيل المثال، يجد القارئ لكتاب «عقد الجمان في مرآة أهل الزمان» لبدر الدين العيني (محمد بن أحمد بن موسى بن أحمد (٧٦٢–٨٥٥ﻫ/١٣٦٠–١٤٥١م))، يجد نفسه حائرًا في تفسير حادثة صاعقةٍ ورد ذكرها ضمن أحداث سنة ٦٩١ﻫ/١٢٩٢م، وهل هي نيزك أم صاعقة عادية؟ حيث يصف:٢٢ «واتفق يومًا أن الأمير بدر الدين بيدرا كان جالسًا وقد تقدم الفراش ليمد السماط بين يديه وإذا بصاعقةٍ قد نزلت بخيمته فنفذت من الخيمة ووقعت على ظهر الفراش فقصمته نصفين ووقع إلى الأرض، ونفر كل من كان واقفًا وغاصَت الصاعقة في الأرض، وقام بيدرا وفي قلبه رجفة عظيمة.» فالوصف قد يعني سقوط أحجار نيزكية اخترقت الخيمة، وقسمت الفراش، وغاصت في الأرض، وفي نفس الوقت قد ينطبق على صاعقة عادية. وكذلك ما أورده ابن الأثير (عز الدين أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد أبي عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني، المعروف بابن الأثير (٥٥٥–٦٣٠ﻫ))، في كتابه «الكامل في التاريخ» من حدث ظهور سحابةٍ كثيفة سنة ٤١١ﻫ، على ما كان يُعرف آنذاك بإفريقية؛ إذ يذكر في معرض عرضه لما حدث من حوادث بإفريقية في تلك السنة:٢٣ «وفيها، في ربيع الآخر، نشأت بإفريقية أيضًا سحابة شديدة البرق والرعد، فأمطرت حجارة كثيرة ما رأى الناس أكبر منها، فهلك كل من أصابه شيء منها.» وقد أورد القزويني (زكريا بن محمد القزويني (٥٠٦–٦٨٢ﻫ/١٢٠٣–١٢٨٣م))، ذات الحدث نقلًا عن ابن الأثير، في كتابه «عجائب المخلوقات والحيوانات وغرائب الموجودات»:٢٤ «وحكى أبو الحسن علي بن الأثير الجزري (هكذا ذكر اسم ابن الأثير) في تاريخه أنه نشأت بإفريقية في سنة إحدى عشرة وأربعمائة سحابة شديدة الرعد والبرق، فأمطرت حجارةً كثيرة وأهلكت كل من أصابته.» باعتباره من الغرائب. والسحابة الواردة في هذا الخبر قد تفسر على أنها سحابة مائية عادية، سقط منها برد كبير الحجم نسبيًّا، لكن يمكن أيضًا تفسيرها على أنها سحابة نشأَتْ من انفجار نيزك كبير الحجم نسبيًّا في الجو، وسقطت شظاياه على الأرض على هيئة أحجار، في ظاهرة قريبة الشبه بما حدث في عام ١٥١١م، على سهلِ «لومباردي» بالقرب من ميلان إيطاليا، والذي سبق وصفه في الفصل الأول من هذا الكتاب.

(٢) بعض مؤرِّخي العرب الذين حفلوا بالنيازك

للشيخ الرئيس ابن سينا (أبو علي حسين بن عبد الله بن سينا (٩٨٠–١٠٣٧م))، الريادة في تسجيل ووصف النيازك الساقطة من السماء، بل أيضًا دراستها في كتابه الكبير أو موسوعته الكبرى «الشفاء» التي تتضمَّن جزءًا (أسماه فنًّا) من أجزاء كتاب الطبيعيات، بعنوان «الفن الخامس من الطبيعيات: المعادن والآثار العلوية». ومما يؤسف له أن هذا الجزء من كتاب الطبيعيات، الخاص بالمعادن والآثار العلوية، غير شائعٍ كبقية أجزاء الطبيعيات التي أعيد طبعها بالقاهرة. ففي هذا الجزء، الذي يعدُّ من بواكير الدراسات العلمية الخاصة بعلوم الأرض، يسجل ابن سينا حادثةَ سقوط نيزك كبير في سنة ٣٩٦ﻫ/١٠٠٤م، على منطقة «جوزجانان» [جورجان – جوزجان – جرجان] التي تقع الآن ضمن حدود أفغانستان، فيما سوف يتم ذكره فيما بعد. وقد أورده البيروني (أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني (٣٦٢–٤٤٠ﻫ))، الذي عاصر الحدث، في كتابه «الجماهر في معرفة الجواهر»، لكنه اعتبره من مواد أرضية. وورد ذكر الحدث في العديد من المؤلفات العربية اللاحقة، نقلًا عن وصف الشيخ الرئيس ابن سينا، مثل كتاب القزويني «عجائب المخلوقات والحيوانات وغرائب الموجودات»، وكتاب ابن إياس (محمد بن أحمد بن إياس الحنفي (١٤٤٨–١٥٢٣م))، «بدائع الزهور في وقائع الدهور». ولذكر ابن إياس لهذا الحدث (الذي يفصل بينه أكثر من ٥٠٠ عام) دلالة مهمة على اعتبار ما قدمه ابن سينا من وصف بهذا الخصوص، هو المرجع الرئيسي للتفريق بين الصاعقة الحقيقية والصاعقة غير الحقيقية، وكذلك الاهتمام بالنيازك باعتبارها ظاهرة طبيعية تقدم نوعًا جيدًا من الحديد الذي يتم تشكيله واستعماله في صناعة مشغولات قيمة.

وورد تسجيل الأحداث النيزكية في عددٍ من كتب التأريخ والأدب العربية؛ فعلى سبيل المثال، يسجل كتاب «تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام» للمؤرخ الذهبي (شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن الذهبي) كثيرًا من حوادث وقوع الصواعق وانقضاض الكواكب. وفي كتاب «المنتظم» لابن الجوزي عددٌ كبير من تسجيلات الأحداث النيزكية. ومن الطريف أن ابن الجوزي يقدم وصفًا يمكن من خلاله التمييز بين ما يمكن اعتباره نيازك، وبين المذنبات، وبين الصواعق. ويأتي ابن الأثير في المرتبة الثانية — بعد ابن الجوزي — في اهتمامه بتسجيل الأحداث النيزكية؛ إذ سجل أكثر من ٢٢ حدثًا خلال ٢٢ سنةً مختلفة، في كتابه «الكامل في التاريخ». ويعتبر ابن الأثير من أكثر المؤرخين اهتمامًا بالأحداث التي ظهرت فيها المذنبات، أو انقضَّت فيها النيازك على الأرض. ويورد المؤرخ الفقيه ابن العماد (أبو الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد العكري الحنبلي الدمشقي، المتوفَّى سنة ١٠٨٩ﻫ) بعض الأحداث النيزكية، في كتابه «شذرات الذهب في أخبار من ذهب». ويُسهم ابن كثير في تسجيل قدر معقول من الأحداث النيزكية في كتابه «البداية والنهاية»، نقلًا عمَّن سبقوه من المؤرخين خاصة ابن الجوزي. وللنويري إسهامٌ مهمٌّ في مجال رصد الأحداث النيزكية، بل يميز بين المذنبات باعتبارها أجسامًا (نجومًا) تظهر في السماء في أوقات معينة، وتستمر في الظهور فترات طويلة نسبيًّا (عادة بضعة أيام) ثم تختفي، وبين النيازك باعتبارها أجسامًا تسقط على الأرض، وتصاحبها ظواهر محددة، كالأصوات والأضواء القوية، والرجة العنيفة التي تحدث من جرَّاء ارتطامها بالأرض، وذلك في كتابه القيم «نهاية الأرب في فنون الأدب»، الذي يعد موسوعة ضخمة تلخص التراث العربي بشقيه الأدبي والتاريخي. ومن الأحداث النيزكية المهمة التي انفرد بتسجيلها حدث نيزكي كبير، ضمن تأريخه لأحداث سنة ٦٣٧ﻫ، وهو ما سوف يأتي ذكره.

ويورد اليونيني (قطب الدين أبو الفتح موسى بن محمد اليونيني، المتوفى سنة ٧٢٦ﻫ) في كتابه «ذيل مرآة الزمان» حدث صاعقة (نيزك) الجبل الأحمر شرق القاهرة، ولعلي بن الحسن الخزرجي، المتوفى سنة ٨١٢ﻫ/١٤١٠م، إسهام في تسجيل بعض حوادث سقوط النيازك، منها حادثة فريدة لسقوط نيزك على الأراضي اليمنية في سنة ٧٩٢ﻫ/١٣٨٨م، يذكره في معرض تأريخه لأهم أحداث تلك السنة، ضمن كتابه «العقود اللؤلئية في تاريخ الدولة الرسولية». ويورد الرحالة «ابن بطوطة» (أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم (٧٠٣ﻫ/١٣٠٤م–٧٧٩ﻫ/١٣٧٧م))، في كتابه «رحلة ابن بطوطة المسماة تحفة النظار في غرائب الأمصار» الذي يسجل فيه مشاهداته خلال رحلته الشهيرة في العديد من الأمصار، وصفًا لنيزك شاهده في مدينة «بركي» من أعمال البلاد التركية. ولأبي المحاسن، يوسف بن تغري بردي الأتابكي (٨١٣–٨٧٤ﻫ)، إسهام أيضًا في تسجيل بعض الأحداث النيزكية، في كتابه المعروف «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة». ويورد السيوطي في كتابيه «تاريخ الخلفاء» و«حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة»، بعض الأحداث التي انقضَّتْ فيها الكواكب على الأرض. ويلمس المؤرخ ابن إياس بعضًا من الأحداث النيزكية في كتابه «بدائع الزهور في وقائع الدهور». وللعيدروس (عبد القادر بن شيخ بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله العيدروس، المؤرخ والباحث اليمني، ٩٧٨–١٠٣٨ﻫ/١٥٧٠–١٦٣٨م) في مؤلفه النادر «النور السافر عن أخبار القرن العاشر»، الذي فرغ من كتابته سنة ١٠١٢ﻫ؛ إسهامٌ مهمٌّ في مجال تسجيل الأحداث النيزكية على الأراضي اليمنية. وفي السطور التالية عرضٌ لبعض حوادث سقوط النيازك المدوَّنة في بعض كتب التراث العربي التي أمكن الاطلاع عليها، مرتبةً ترتيبًا زمنيًّا، من الأقدم للأحدث، بالسنوات الهجرية.

سنة ٢٤٢ﻫ

يذكر ابن الجوزي في معرض تأريخه لحوادث سنة ٢٤٢ﻫ، أنه:٢٥ «… رجمت قرية يقال لها السويدا ناحية مصر (مضر-سوريا) بخمسة أحجار، فوقع حجر منها على خيمة أعرابي فاحترقت، ووزن منها حجر فكان فيه عشرة أرطال.» ويذكر ابن تغري بردي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة:٢٦ «… ورجمت قرية السويداء بناحية مضر (سوريا) بالحجارة. وقع منها حجر على أعراب (على خيمة أعراب فاحترقت)، فوزن حجر منها فكان عشرة أرطال (لعله بالشامي).» والرطل الشامي يعادل حوالي ٢٥٦٥٫٨٩٠ جرامًا. ويعبر حرص مؤرخ كبير على ذكر سقوط نيزك من زمن بعيد مضى (خمسة قرون تقريبًا تفصل بين حادثة السقوط والمؤلف) يعبِّر على مدى الاهتمام بهذه الظاهرة؛ حيث يسجِّلها ضمن الأحداث التاريخية المهمة. وقد ورد ذكر نفس الحدث، في كتاب «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لمؤلِّفه المؤرِّخ والفقيه ابن العماد، يُورِد ذات الحدث في معرض تأريخه لأهم أحداث سنة اثنتين وأربعين ومائتين للهجرة؛ إذ يقول:٢٧ «فيها على ما قاله في الشذور: رجمت قرية السويداء ناحية مصر (والصحيح: مضر-سوريا) بخمسة أحجار فوقع حجر منها على خيمة أعراب فاحترقت. وزن منها حجر فكان عشرة أرطال.» ويضيف: «فحمل أربعة إلى الفسطاط وواحد إلى تنيس.» ويتبين من هذا الوصف، السلوك العلمي الذي تحلَّى به المؤلف تجاه ظاهرة سقوط النيازك، كتسجيل الحدث في الزمان والمكان، ووصف تأثيراته، وعدد الأحجار الساقطة، ووزنه، ثم يزيد أيضًا تسجيلًا لما حدث له، فيذكر إلى أي الأماكن نقل. ويورد السيوطي في كتابه «حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة» ذات الحدث في معرض سرده للحوداث الغريبة التي وقعت في مصر:٢٨ «وفي سنة اثنتين وأربعين ومائتين، زُلزلت الأرض ورجمت السويداء (قرية بناحية مصر [والصحيح مضر-بسوريا وليس مصر]) من السماء، ووزن حجر فكان عشرة أرطال.»

سنة ٣٠٠ﻫ

يورد ابن الأثير في كتابه «الكامل في التاريخ» خبرًا صغيرًا عن حادث انقضاض الكواكب في هذه السنة؛ إذ يذكر بطريقةٍ مقتضبة:٢٩ «وفيها انقضَّت الكواكب انقضاضًا كثيرًا إلى جهة المشرق.» وربما يشير هذا الخبر لظهور شهب في الفضاء، أو سقوط نيازك لكن على بعد مسافة كبيرة من الذي شاهد الحدث، بحيث لم تُسمع أصوات كتلك التي يسمعها المشاهد عن قرب للحدث. وقد أشار الدكتور عمر عبد السلام تدمري (محقق الكتاب) إلى أن هذا الخبر موجود في نسخة خطية من كتاب «البداية والنهاية» لابن كثير، لكن النسخة المطبوعة المتاحة من ذاك الكتاب لا تحوي هذا الخبر. وهذا مما قد يحدث في بعض الأحيان، بما يعني أن بعض الأخبار قد ترد في طبعة من كتاب ولا ترد في طبعة أخرى من ذات الكتاب.

سنة ٣٠٣ﻫ

يروي ابن الجوزي ضمن سرده لأحداث هذه السنة:٣٠ «… وفي ليلة الجمعة لثمانٍ بقين من رمضان انقضَّ كوكبٌ عظيم وبقيَ ضوءُه ساعة كالمقباس.» وينفرد ابن الجوزي بتسجيل هذا الحدث، دون غيره من المؤرخين؛ إذ لم ينقله عنه أحد من المؤرخين اللاحقين. ولا يُعرف على وجه اليقين معنى «وبقي ضوءُه ساعة كالمقباس.»

سنة ٣٠٧ﻫ

يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة:٣١ «… وفي ذي القعدة انقضَّ كوكبٌ عظيمٌ غالب الضوء وتقطع ثلاث قطع وسمع بعد انقضاضه صوت رعد عظيم هائل من غير غيم.» وقد ورد خبر هذا الحدث في كتاب ابن الأثير «الكامل في التاريخ»، ضمن أحداث نفس السنة:٣٢ «… وفيها انقضَّ كوكبٌ عظيم، فاشتد ضوءُه وعظم، وتفرَّق ثلاث فرق، وسمع عند انقضاضه مثل صوت الرعد الشديد، ولم يكن في السماء غيم.» ويورد ابن كثير نفس الحدث، في كتابه «البداية والنهاية» نقلًا عن ابن الجوزي، ضمن أحداث نفس السنة:٣٣ «وفي ذي القعدة منها انقض كوكب عجيب عظيم غالب الضوء تقطع ثلاث قطع، وسمع بعد انقضاضه صوت رعد شديد هائل من غير غيم ذكره ابن الجوزي.» ويذكره أيضًا ابن العماد في كتابه «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»:٣٤ «… فيها كما قال في الشذور انقضَّ كوكب عظيم وتقطع ثلاث قطع وسُمع بعد انقضاضه صوت رعد عظيم هائل من غير غيم.» ويورده كذلك السيوطي في كتابه «حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة»:٣٥ «وفيها انقض كوكبٌ عظيم، وتقطع ثلاث قطع، وسُمع بعد انقضاضه صوت رعد شديد هائل من غير غيم.» ويلاحظ التأكيد على عدم وجود غيم في السماء، مما يعني أن الحدث كان نيزكًا فعليًّا.

سنة ٣١٠ﻫ

يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة:٣٦ «… وفي جمادى الآخرة ظهر كوكب ذو ذنب في المشرق في برج السنبلة طوله نحو ذراعين.» وقد يختلط هذا الوصف المختصر مع وصف ظهور المذنبات، لكن ابن الأثير يؤكد أن الكوكب انقض، في كتابه «الكامل في التاريخ»، حيث يذكر نفس الحدث:٣٧ «… وفيها، في جمادى الآخرة، انقض كوكب عظيم له ذنب في المشرق في برج السنبلة، طوله نحو ذراعين.»

سنة ٣١٣ﻫ

يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة:٣٨ «… ولليلةٍ بقيَتْ من المحرم انقض كوكب قبل مغيب الشمس من ناحية الجنوب إلى ناحية الشمال فأضاءت الدنيا منه إضاءة شديدة وكان له صوت كصوت الرعد الشديد.» وقد ورد خبر نفس هذا الحدث في كتاب «الكامل في التاريخ»، ضمن أحداث نفس السنة، حيث يذكر ابن الأثير:٣٩ «وفيها انقض كوكب كبير وقت المغرب، له صوت مثل الرعد الشديد وضوء عظيم أضاءت له الدنيا.» وأورد ابن كثير الحدث نقلًا عن ابن الجوزي:٤٠ «قال ابن الجوزي: لليلةٍ بقيَتْ من المحرم انقض كوكب من ناحية الجنوب إلى الشمال قبل مغيب الشمس، فأضاءت الدنيا منه وسُمع له صوت كصوت الرعد الشديد.» وأورده أيضًا ابن العماد:٤١ «فيها كما قال في الشذور انقض كوكبٌ قبل مغيب الشمس بأربع ساعات من ناحية الجنوب إلى الشمال فأضاءت منه الدنيا وكان له صوت كصوت الرعد.»

سنة ٣١٥ﻫ

يروي ابن الجوزي، في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة، خبر سقوط نيزك من السماء؛ إذ يذكر:٤٢ «وفي يوم الأحد لثمان خَلَوْن من ربيع الأول انقض كوكب عظيم له ضوء شديد على ساعتين بقيتا من النهار.» وقد ورد خبر هذا الحدث في كتاب «الكامل في التاريخ»، ضمن أحداث نفس السنة:٤٣ «… وفيها، في ربيع الأول، انقض كوكب عظيم، وصار له صوتٌ شديد على ساعتين بقيتا من النهار.»

سنة ٣١٧ﻫ

يروي ابن الأثير ضمن تأريخه لأحداث هذه السنة:٤٤ «… وفيها، آخر ذي القعدة، انقض كوكب عظيم، وصار له ضوء عظيم جدًّا.» ولم يرد — فيما يبدو — ذكر لهذا الحدث في كتب أخرى، من تلك التي تناولت أحداث نفس السنة.

سنة ٣٢٣ﻫ

يورد النويري حادثة تسجيل ظهور ظاهرة الشهب ضمن حوادث هذه السنة؛ إذ يذكر:٤٥ «وفيها في ليلة الثاني عشر من ذي القعدة انقضَّت الكواكب انقضاضًا دائمًا مستمرًّا من أول الليل إلى آخره.» ويورد ابن الجوزي نفس الحادثة، في ذات التاريخ، إذ يقول:٤٦ «وفي هذه الليلة بعينها: انقضت النجوم ببغداد من أول الليل إلى آخره. وبالكوفة أيضًا انقضاضًا مسرفًا لم يعهد مثله ولا ما يقاربه.» ويورد كذلك السيوطي خبر انقضاض النجوم في كتابه «تاريخ الخلفاء» في معرض عرضه لأهم الحوادث التي وقعت في خلافة «الراضي بالله» (٣٢٢–٣٢٩ﻫ)، فيذكر ضمن أحداث سنة ٣٢٣ﻫ:٤٧ «وفيها: في ذي القعدة: انقضت النجوم انقضاضًا عظيمًا ما رُئِي مثله.» وربما يكون هذا الحدث لعرضٍ من عروض الشهب البديعة في الجو؛ إذ إن الخبر يذكر نجومًا منقضة وليس كواكب، وهذا ربما يكون لبُعدها في الفضاء، فوصفها من شاهدها بأنها نجوم.

سنة ٣٥٩ﻫ

يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة، حادثة سقوط نيزك كبير؛ إذ يذكر:٤٨ «… وفي ذي الحجة انقضَّ كوكبٌ عظيم في أول الليل أضاءت منه الدنيا حتى صار كأنه شعاع الشمس وسُمع في انقضاضه صوت كالرعد الشديد.» ويورد ابن كثير حادثة سقوط هذا النيزك، ضمن أحداث نفس السنة، نقلًا عن ابن الجوزي؛ إذ يورد رواية ابن الجوزي صراحة، حيث يذكر:٤٩ «قال ابن الجوزي: وانقض كوكب في ذي الحجة فأضاءت منه الدنيا حتى بقي له شعاع كالشمس، ثم سُمع له صوت كالرعد.» وأورد نفسَ الحادثة ابنُ تغري بردي، وزاد عليها ما أصاب الناس من فزع وهول، جراء رؤيتهم حادثة السقوط؛ إذ يذكر:٥٠ «… وفيها في ذي الحجة انقض بالعراق كوكبٌ عظيمٌ أضاءَت منه الدنيا حتى صار كأنه شعاع الشمس وسُمع في انقضاضِه صوتٌ كالرعد الشديد، فهال ذلك الناس وارتعدوا له.» وأورده أيضًا السيوطي في كتابه «تاريخ الخلفاء»، ضمن تناوله الأحداث التي وقعت أثناء خلافة المطيع لله (٣٣٤–٣٦٣ﻫ):٥١ «… وفي سنة تسع وخمسين (وثلاثمائة) انقضَّ بالعراق كوكب عظيم أضاءت منه الدنيا حتى صار كأنه شعاع الشمس وسُمع بعد انقضاضه صوت كالرعد الشديد.»

سنة ٣٦١ﻫ

يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة، حادثة سقوط نيزك؛ إذ يذكر:٥٢ «… وانقضَّ في ليلة الأربعاء تاسع صفر كوكبٌ عظيمٌ له دويٌّ كدوي الرعد.» وأورد نفس الحدث أيضًا ابنُ الأثير ضمن أحداث نفس السنة، حيث يقتبس — فيما يبدو — من ابن الجوزي؛ إذ يذكر:٥٣ «في هذه السنة في صفر، انقض كوكب عظيم، وله نور كثير، وسُمع له عند انقضاضه صوت كالرعد، وبقي ضوءُه.»

سنة ٣٧٣ﻫ

يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة:٥٤ «… وفي ليلة الأربعاء الحادي عشر من صفر انقض كوكب عظيم الضوء وكانت عقيبة دوي كالرعد.» وأورد ابن الأثير، حدثًا آخر في نفس السنة:٥٥ «وفيها، في ربيع الأول، انقض كوكب عظيم أضاءت له الدنيا، وسمع له مثل دوي الرعد الشديد.»

سنة ٣٨٩ﻫ

يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة:٥٦ «… فمن الحوادث فيها أنه انقض في يوم الأحد لعشر بقين من ربيع الأول كوكب كبير صحوة النهار.» وذكر ابن الأثير نفس الحدث ضمن أحداث نفس السنة:٥٧ «… في هذه السنة، عاشر ربيع الأول، انقضَّ كوكب عظيم صحوة نهار.»

سنة ٣٩٢ﻫ

يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة:٥٨ «… وفي ليلة الأربعاء لثمان بقين من رمضان طلع كوكب الذؤابة (مذنب). وفي ليلة الاثنين ثالث ذي القعدة انقضَّ كوكبٌ كضوء القمر ليلة التمام ومضى الضياء وبقيَ جرمه يتموَّج نحو ذراعين في ذراع برأي العين وتشقق بعد ساعة.» وأورده ابن كثير، نقلًا عن ابن الجوزي:٥٩ «قال ابن الجوزي: وفي ليلة الاثنين ثالث ذي القعدة انقض كوكب كضوء القمر ليلة التمام، ومضى الضياء وبقي جرمه يتموَّج نحو ذراعين في ذراع برأي العين، وتشقق بعد ساعة.» لكن ابن الأثير يورد الخبرين ضمن أحداث سنة ٣٩٣ﻫ:٦٠ «… في هذه السنة، في رمضان، طلع كوكب كبير له ذؤابة (مذنب)، وفي ذي القعدة انقض كوكب كبير أيضًا كضوء القمر عند تمامه، وانمحق نوره وبقي جرمه يتموج.»

سنة ٣٩٦ﻫ

يصف الشيخ الرئيس ابن سينا (٩٨٠–١٠٣٧م)، في كتابه الطبيعيات: الفن الخامس من الطبيعيات «المعادن والآثار العلوية» من موسوعة «الشفاء» حادثة سقوط نيزك كبير في هذه السنة، على منطقة «جوزجانان» [جورجان – جوزجان – جرجان] التي تقع الآن ضمن حدود أفغانستان؛ إذ يذكر:٦١ «وقد صح عندي بالتواتر ما كان ببلاد جوزجان، في زماننا هذا الذي أدركناه، من أمر جديد لعله يزن مائة وخمسين مَنًا. نزل من الهواء فنقر في الأرض، ثم نبا نَبْوةً أو نبوتَيْن نَبْو الكرة التي ترمي بها الحائط، ثم عاد فنشب في الأرض. وسمع الناس لذلك صوتًا عظيمًا هائلًا. فتعذر نقله لثقله، فحاولوا كسر قطعة منه، فما كانت الآلات تعمل فيه إلا بجهد. وحكي أن جملة ذلك كان ملتئمًا من أجزاء جاورسية صغار مستديرة، التصق بعضها ببعض.» ويلمس البيروني، الذي عاصر الحدث، الموضوع في كتابه «الجماهر في معرفة الجواهر»، أثناء وصفه للحديد ضمن الفلزات الأخرى التي عرض لها، ويقدم فرضية مخالفة لابن سينا عن أصل المواد الصلبة التي تسقط أثناء ما كان يطلق عليه الكتاب القدامى «الصواعق»؛ إذ عاد لما كان يتصوره الفلاسفة القدماء من أن هذه المواد إما مقذوفات من باطن الأرض، أو هي منقولات من على سطحها، كما يحدث في حالة الأعاصير الشديدة التي تكتسح في طريقها الأحجار ثم تلقى بها في مواقع أخرى، كما يؤكد أن حديد النيزك لم يكن جيدًا؛ إذ يقول:٦٢ «… فليس إلا الريح التي مع الرعود والبروق والصواعق وهي سببها تحمل الفلزات من مواضع أخر؛ إما من ظهر الأرض وإما مرمية بالمردغات من بطنها — يشهد له الحديد الواقع منذ سنين بالجوزجان إذ كان أنجرًا بحريًّا على ما شهد أحد المحصلين فيه من مشابهة بعد تغير شكله بما غشيه من الإحماء في قوة الرمي ولم يكن جوهره بجيد؛ إذ ليس تختار الأناجر من أجود الحديد فإن الغرض فيه الثقل فقط.» ويقدم ابن إياس في كتابه «بدائع الزهور في وقائع الدهور» وصفًا للحدَث في معرض حديثه عن فَحْص حجر صاعقة غير حقيقية ضمن أحداث سنة ٩١٦ﻫ:٦٣ «… ومما حكى عن أمر الصاعقة الحقيقة أنه في سنة ست وتسعين وثلاثمائة (ﻫ) وقعت صاعقة عظيمة بجرجان، فرجت لها الأرض وسقطت من هولها الحوامل، فخرج الناس إلى مكان سقطت فيه، فوجدوها قد ساخت في الأرض على قدر قامة، فنبشوا عليها فوجدوها قد بقيت قطعة حديد قدر مائة وخمسين مَنًا [المن وحدة وزن قديمة، تختلف باختلاف البلدان، وربما يقدر الوزن بحوالي ٢٨٠كجم أو أكثر]، وهي أجزاء جاورسية صغار مستديرة قد التصق بعضها ببعض، فسمع بذلك السلطان محمود بن سبكتكين صاحب خراسان، وهو أول من تلقَّب بالسلطان، فكتب إلى عامل جورجان بنقل هذه القطعة الحديد، فتعذر عليهم نقلها، فحاولوا كسر قطعة منها فلم تعمل فيها الآلات، فعولج كسر قطعة منها بعد جهد كبير فحملت إليه، فرام أن يصنع منها سيفًا له فتعذَّر ذلك ولم يتم له ما أراد.» وعدم القدرة على تشكيل سيفٍ منها، يعني أنها لم تكن حديدًا خالصًا، مما يؤكد أن النيزك كان حديديًّا-حجريًّا، ولم يكن نيزكًا حديديًّا.٦٤ ويذكر القزويني — أثناء حديثه عن تكون الأحجار من انعقاد الهواء بالبرودة في إشارة لسقوط الأحجار الصلبة من الجو أثناء الصواعق — هذا الحدث:٦٥ «وحكى الشيخ الرئيس أيضًا أن في زمانه وقع من الهواء بأرض جورجابان جسمٌ كقطعة حديد في قدر خمسين منًا كحبات الجاورس المنضمة، فما كان يتناثر من الحديد والجواهر المعدنية كثيرة لا يعرف الإنسان منها إلا القليل.» وهذا الوصف ينطبق على نيازك البالاسيت التي تحتوي مع الحديد على معدن الأوليفين (الزبرجد).

سنة ٣٩٩ﻫ

يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة:٦٦ «… فمن الحوادث فيها أنه انقض في وقت المغرب من يوم الأربعاء مستهل رجب كوكبٌ عظيم الضوء وتقطع ثلاث قطع أخذت كل قطعة جانبًا. وفي يوم الثلاثاء ثالث عشر شعبان عصفت ريح شديدة وألقت رملًا أحمر في الدور والطرق.»

سنة٤٠١ﻫ

يذكر ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة:٦٧ «… وفي يوم الخميس لسبع بقين من صفر انقضَّ كوكبٌ في وقت العصر من الجانب الغربي إلى سمت دار الخلافة من الجانب الشرقي لم يُر أعظم منه.» وأورده أيضًا ابن الأثير ضمن أحداث نفس السنة:٦٨ «… وفيها انقض كوكب كبير لم يُر أكبر منه.» وكذلك رواه الذهبي.

سنة ٤٠٣ﻫ

يورد ابن الجوزي، في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة، حدثَيْنِ لسقوط النيازك:٦٩ «… وفي ليلة الأربعاء لثلاثٍ بقين من صفر وقت العشاء انقض كوكبٌ كبير الجرم عن يمنة القبلة وملأ الأرض ضوءُه واستعظم الناس ما رأوه منه.» ويضيف فيما يعتبر تمييزًا بين النيازك والصاعقة: «وفي شعبان وقعت بالكوفة صاعقة في أثناء رعد وبرق فسقطت على حائط فرمت به … وفي رمضان انقض كوكب من المشرق إلى المغرب غلب ضوءُه ضوء القمر وتقطع قطعًا وبقي ساعةً طويلة.» ويُورد ابن كثير نقلًا عن ابن الجوزي حدثًا واحدًا من الحدثين (حدث رمضان) ضمن أحداث نفس السنة:٧٠ «قال ابن الجوزي: وفي رمضان منها انقض كوكب من المشرق إلى المغرب غلب ضوءُه على ضوء القمر، وتقطع قطعًا وبقي ساعة طويلة.»

سنة ٤١٧ﻫ

يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة:٧١ «… وفي شهر رمضان انقض كوكب عظيم الضوء كان له دويٌّ كدوي الرعد.» ويورد ابن الأثير نفس الحدث:٧٢ «… وفيها انقض كوكب عظيم استنارت له الأرض، فسُمع له دوي عظيم، كان ذلك في رمضان.» ويورده كذلك ابن كثير ضمن تأريخه لأحداث هذه السنة:٧٣ «… وفي رمضان انقض كوكب سُمع له دوي كدوي الرعد.»

سنة ٤٢٠ﻫ

يسجل ابن الجوزي ثلاث حوادث مختلفة، سقطت فيها الأحجار السماوية على الأرض في أماكن مختلفة، في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة. وإن حدد تواريخ تلك الحوادث، فإنه لا يذكر بالتحديد المواضع التي سقطت عليها تلك النيازك. ويذكر في هذا الخصوص:٧٤ «… وفي وقت عتمة ليلة الثلاثاء لعشر بقين من رجب انقض كوكب عظيم أضاءَت منه الأرض وكان له دويٌّ كدوي الرعد وتقطع أربع قطع. وانقض في ليلة الخميس بعده كوكب آخر دونه وانقضَّ في ليلة الأربعاء لليلتَيْن بقيَتا من الشهر كوكبٌ ثالث أكبر من الأول وأكثر إضاءة وانتشار شعاع.» ويورد ابن الأثير نفس الخبر. وكما يبدو من قراءة الخبر، أنه ينقله من رواية ابن الجوزي؛ إذ يذكر في معرض تأريخه لأحداث نفس السنة:٧٥ «وفيها انقضَّ كوكبٌ عظيم في رجب، وأضاءت منه الأرض، وسُمع له صوت عظيم كالرعد، وتقطع أربع قطع، وانقض بعده بليلتين كوكب آخر دونه، وانقض بعدهما كوكب أكبر منهما وأكثر ضوءًا.» ويورد ابن كثير الخبر بصورة مقتضبة:٧٦ «وفي رجب من هذه السنة، انقضَّت كواكب كثيرة شديدة الصوت قوية الضوء.»

سنة ٤٢٣ﻫ

يذكر ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة، حدثَيْن لسقوط النيازك:٧٧ «… وفي عشية يوم الأربعاء لخمس خلون من جمادى الأولى عند تصويب الشمس للغروب انقض كوكب كبير الجرم كثير الضوء. وفي ليلة الاثنين ثاني شوال انقض كوكب أضاءت منه الأرض وارتاع له الناس وكان في شكل (؟) ولم يزل يتقلب حتى اضمحلَّ.» ويورد الذهبي أيضًا نفس الحدثين، لكنه يحدد شكل الحدث الثاني:٧٨ «وفي شوال انقض ليلة الاثنين كوكب أضاءت منه الأرض وارتاع له العالم، وكان في شكل الترس، ولم يزل يقل حتى اضمحل.»

سنة ٤٢٥ﻫ

يورد ابن الأثير في تاريخه الكامل، حدثَيْن مختلفين لسقوط النيازك ضمن أحداث هذه السنة:٧٩ «… وفيها، في ذي القعدة، انقض كوكبٌ هال منظره الناس، وبعده بليلتين انقض شهابٌ آخر أعظم منه كأنه البرق ملاصق الأرض، وغلب على ضوء المشاعل، ومكث طويلًا حتى غاب أثره.» وقد ذكر الذهبي الحدثين:٨٠ «وفي ذي القعدة انقض شهاب كبير مهول، ثم بعد جمعة انقض شهاب ملأ ضوءُه الأرض، وغلب على ضوء المشاعل، وروع من رآه، وتطاول مكثه على ما جرَتْ به عادة أمثاله، حتى قيل انفرجت السماء لعظم ما شوهد منه.»

سنة ٤٢٧ﻫ

يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة:٨١ «… وفي ضحوة نهار يوم السبت لثمان بقين من رجب انقض كوكب غلب ضوءُه على ضوء الشمس وشوهد في آخره مثل التنين أزرق يضرب إلى السواد وبقي نحو ساعة.» ويورد ابن الأثير نفس الخبر:٨٢ «… في هذه السنة، في رجب، انقض كوكب عظيم غلب نوره على نور الشمس وشوهد في أخرها مثل التنين يضرب إلى السواد، وبقي ساعة وذهب.»

سنة ٤٤٣ﻫ

يذكر النويري ضمن أحداث هذه السنة:٨٣ «… في يوم الأربعاء سابع صفر وقت العصر ظَهَر ببغداد كوكبٌ غلب نوره على نور الشمس له ذؤابة نحو ذراعين، وسار سيرًا بطيئًا، ثم انقضَّ والناس يشاهدونه.» وأورد ابن الأثير نفس الخبر:٨٤ «… ظهر ببغداد يوم الأربعاء سابع صفر وقت العصر، كوكب غلب نوره على نور الشمس، له ذؤابة نحو ذراعين، وسار سيرًا بطيئًا ثم انقض، والناس يشاهدونه.»

سنة ٤٤٧ﻫ

يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة:٨٥ «… وفي آخر نهار الخميس لثمان بقين من ربيع الآخر انقضَّ كوكب كبير الجرم فتقطع ثلاث قطع.»

سنة ٤٥٢ﻫ

يذكر ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة:٨٦ «وفي يوم الأربعاء ثالث جمادى الآخرة انقض كوكب عظيم القدر عند طلوع الشمس من ناحية المغرب إلى ناحية المشرق فطال لبثه.» وأورده ابن الأثير:٨٧ «… وفيها، ثالث جمادى الآخرة، انقضَّ كوكبٌ عظيم القدر عند طلوع الفجر من ناحية المغرب إلى ناحية المشرق، فطال لبثه.»

سنة ٤٥٥ﻫ

يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة:٨٨ «… وفي ليلة الاثنين لخمس بقين من ربيع الآخر انقض كوكب كبير كان له ضوء كبير.» ويبدو أن ابن الأثير يورد نفس الحدث ضمن أحداث ذات السنة:٨٩ «… وفيها في ربيع الآخر، انقض كوكب عظيم، وكان له ضوء كثير.»

سنة ٤٥٦ﻫ

يروي ابن الأثير ضمن أحداث هذه السنة:٩٠ «… وفيها انقض كوكب عظيم، وكثر نوره فصار أكثر نورًا من نور القمر. وسُمع له دوي عظيم، ثم غاب.» ويقتصر تسجيل هذا الحدث على ابن الأثير فقط؛ إذ لم يرد في تسجيلات المؤرخين الآخرين. ويبدو من خلال هذا الوصف أن النيزك الساقط كان نيزكًا كبيرًا جدًّا، لدرجة أن نوره وُصف كنور القمر، وصاحبه دويٌّ عظيم، وهذا لا يكون إلا في حالة سقوط النيازك الكبيرة.

سنة ٤٥٧ﻫ

يذكر ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة:٩١ «… وفي ليلة الثلاثاء ثالث رمضان انقضَّ كوكبٌ عظيم وانبسط نوره كالقمر ثم تقطع قطعًا وأسمع دويًّا مفزعًا.» ويورد ابن الأثير نفس الحدث:٩٢ «… وفيها انقض كوكبٌ عظيم، وصار له شعاع كثير أكثر من شعاع القمر، وسُمع له صوت مفزع.»

سنة ٤٥٨ﻫ

يصف ابن الجوزي، أثناء تأريخه لأحداث هذه السنة، حدث ظهور مذنب؛ إذ يذكر:٩٣ «وفي العشر الأول من جمادى الأولى ظهر في السماء كوكب كبير له في المشرق ذؤابة عرضها نحو ثلاثة أذرع، وطولها أذرع كثيرة، إلى حد المجرة من وسط السماء مادة نحو المغرب، ولبث إلى ليلة الأحد لستٍّ بقين من هذا الشهر، وغاب ثم ظهر في ليلة الثلاثاء عند غروب الشمس، قد استدار نوره عليه كالقمر، فارتاع الناس وانزعجوا، ولما اعتم الليل رمى ذؤابة نحو الجنوب وبقي عشرة أيام ثم اضمحل.» ويسجل في ذات السنة حادثة سقوط نيازك أو شهب؛ إذ يذكر:٩٤ «وفي ليلة الأحد لأربع بقين من شعبان انقض كوكبان كان لأحدهما ضوء كضوء القمر، وتبعهما في نحو ساعة بضعة عشر كوكبًا صغارًا إلى نحو المغرب.»

سنة ٤٧٧ﻫ

يروي ابن الأثير ضمن أحداث هذه السنة:٩٥ «… في هذه السنة، في صفر، انقضَّ كوكب من المشرق إلى المغرب، كان حجمه كالقمر وضوءُه كضوئه، وسار مدًى بعيدًا على مهل وتؤدةٍ في نحوه، ولم يكن له شبيهٌ من الكواكب.» ويورد النويري خبر نفس الحدث ضمن أحداث نفس السنة:٩٦ «وفي شهر صفرٍ انقضَّ كوكبٌ من الشرق إلى الغرب كان حجمه وضوءُه كالقمر، وسار مدًى بعيدًا على مهْلٍ في نحو ساعة.»

سنة ٥١٥ﻫ

يروي ابن الأثير ضمن أحداث هذه السنة:٩٧ «… وفيها، في ربيع الآخر، انقض كوكب عشاء، وصار له نور عظيم، وتفرق منه أعمدة عند انقضاضه، وسُمع عند ذلك صوت هدة عظيمة كالزلزلة.»

سنة ٥٧٢ﻫ

يروي ابن الأثير ضمن أحداث هذه السنة:٩٨ «… وفيها انقض كوكب أضاءت له الأرض إضاءة كثيرة، وسُمع له صوت عظيم وبقي أثره في السماء مقدار ساعة وذهب.»

سنة ٥٨٩ﻫ

يروي ابن الأثير ضمن أحداث هذه السنة:٩٩ «… وفيها انقض كوكبان عظيمان، وسُمع صوت هدة عظيمة وذلك بعد طلوع الفجر وغلب ضوءُهما القمر وضوء النهار.»

سنة ٥٩٣ﻫ

يورد السيوطي في كتابه «تاريخ الخلفاء» خبر انقضاض كوكب كبير أثار الفزع والرعب في الناس، وهو يؤرخ لما وقع من حوادث أثناء خلافة الناصر لدين الله (٥٧٥–٦٢٢ﻫ)؛ إذ يذكر:١٠٠ «… وفي سنة ثلاث وتسعين (وخمسمائة) انقض كوكب عظيم سُمع لانقضاضه صوتٌ هائلٌ واهتزَّت الدور والأماكن فاستغاثَ الناس وأعلنوا بالدعاء وظنُّوا ذلك من أمارات القيامة.»

سنة ٦٣٧ﻫ

ينفرد النويري بتسجيل هذا الحدث؛ حيث يذكر أثناء تأريخه لحوادث تلك السنة:١٠١ «… ذكر عدة حوادث وقعت في سنة سبع وثلاثين وستمائة — خلاف ما قدمناه — في هذه السنة … وفيها، في ليلة الثلاثاء خامس عشر ذي القعدة، سقط كوكبٌ عظيم قبل طلوع الفجر بمنزلة، وكان مستديرًا على هيئةٍ ومقدار، فأضاءت منه الدنيا، وصارت الأرض أشد نورًا من ليلة التمام. وشاهده من كان ببلبيس عابرًا عليها آخذًا من المشرق إلى نحو القبلة، وشاهده من كان بظاهر القاهرة، عابرًا من جهة باب النصر إلى صوب قلعة الجبل. ثم قطع البحر إلى ناحية الجزيرة، وكانت له ذؤابة طويلة خضراء، مبتورةٌ قدر رمحين. واعتقبه رعدٌ شديد، وتقطع منه قطع. وأقام، من حين إدراك النظر له حين انطفائه، بقدر ما يقرأ الإنسان سورة الإخلاص ثلاثين مرة — هكذا قدره من شاهده — على ما نقل إلينا.» وقد تبلغ الفترة الزمنية التي استغرقها ظهور الحدث في الجو بحوالي دقيقة تقريبًا، حيث تستغرق قراءة سورة الإخلاص مرة واحدة حوالي ٥ ثوانٍ.

سنة ٦٧٩ﻫ

يروي ابن كثير، في معرض تأريخه لأحداث سنة ٦٧٩ﻫ/١٢٨٠م، حادثة وقوع صاعقة على الجبل الأحمر شرق القاهرة، فأصابت حجرًا فأحرقته، وتكوَّن نتيجةً لذلك حديد، حيث يسجل بعضًا من الأحداث التي سقطت فيها الصواعق على الأرض، والتي من بينها حدث نيزكي:١٠٢ «… ووقعت صاعقة بالإسكندرية وأخرى في يومها تحت الجبل الأحمر على صخرة فأحرقتها، فأخذ ذلك الحديد فسبك فخرج منه أواقيُّ بالرطل المصري.» ورغم الخلط بين الصواعق العادية والنيازك، إلا أن المرء يستنتج بسهولةٍ ويسرٍ أن الحدث الأخير يُشير إلى ظاهرة سقوط نيزكٍ من النيازك الحديدية. وقد ورد نفس الحدث في العديد من كتب المؤرخين العرب، مثل السيوطي في كتابه «حسن المحاضرة»، وابن حبيب في كتابه «تذكرة النبيه في أيام المنصور وبنيه»، الذي سبق ذكره. ويورد اليونيني (قطب الدين أبو الفتح موسى بن محمد اليونيني، المتوفى سنة ٧٢٦ﻫ) في كتابه «ذيل مرآة الزمان»، هذا الحدث؛ إذ يذكر:١٠٣ «وفي يوم عرفة منه وقع بالديار المصرية برد من كبار الحجم فأهلك من الغلال والزراعات ما لا يُحصى، وكان معظم ذلك بالوجه البحري، ووقع بظاهر القاهرة تحت الجبل الأحمر صاعقة على حجر فأحرقته فأخذ من ذلك الحجر قطعة وسبكت فاستخرج منها قطعة حديد بلغت زنتها أربع أواقي من المصري، ووقع في ذلك اليوم بعينه صاعقة بثغر الإسكندرية.» ويبدو جليًّا من هذا الوصف أن الصاعقة، التي ورد ذكرها في هذا الخبر، تشير إلى سقوط نيزك حديدي.

نيزك برجي (٧٣٣ﻫ/١٣٣٢م)

يذكر الرحالة العربي المعروف «ابن بطوطة» (أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم (٧٠٣ﻫ/١٣٠٤م–٧٧٩ﻫ/١٣٧٧م))، في كتابه «رحلة ابن بطوطة المسماة تحفة النظار في غرائب الأمصار»، وصفًا لنيزك كان قد شاهده في مدينة «بركي» (برجي) من أعمال البلاد التركية؛ حيث يذكر — ضمن أحداث رحلته في آسيا الصغرى، ولقائه بسلطان مدينة بركي (برجي) التركية، السلطان «محمد بن آبدين» — وصفًا لنيزك كان قد سقط على المدينة، من فترة وجيزة على وصوله:١٠٤ «… وسألني السلطان في هذا المجلس، فقال لي: «هل رأيت حجرًا أنزل من السماء؟» فقلت: «ما رأيت ذلك، ولا سمعت به.» فقال لي: «إنه قد نزل بخارج بلدنا هذا حجر من السماء.» ثم دعا رجالًا وأمرهم أن يأتوا بالحجر، فأتوا بحجرٍ أسود أصم شديد الصلابة له بريق، قدَّرت أن زنته تبلغ قنطارًا [حوالي ٤٤٫٩٢٨كجم، أو أكثر] وأمر السلطان بإحضار القطاعين فحضر أربعة منهم، فأمرهم أن يضربوه، فضربوا عليه ضربة رجل واحد أربع مرات بمطارق الحديد، فلم يؤثروا فيه شيئًا، فعجبت من أمره. وأمر بردِّه إلى حيث كان.» ويمثل هذا الحدث، من خلال الوصف المقدم، حادثة سقوط نيزك حديدي كبير. وقد حقق باحثون في العصر الحديث الحدث، من خلال دراسة رواية ابن بطوطة، وخلصوا إلى أن النيزك الذي سقط في تلك الفترة كان نيزكًا حديدًا، وكان يبلغ وزنه حوالي ٦٠كجم.١٠٥ وقد أشارت بعض الدراسات الحديثة إلى أن عددًا من السيوف شكلت من قطع حديدية كانت قد اقتطعت من جسم الحديد النيزكي، لكن للأسف لا يوجد تسجيل معتمد للمسار التاريخي لتلك السيوف، يذكر إلى أين ذهبت، وماذا كان مصيرها؟

سنة ٧٩٢ﻫ

يورد الخزرجي في كتابه «العقود اللولئية في تاريخ الدولة الرسولية» خبر انقضاض كوكب كبير في شوال من هذه السنة:١٠٦ «… وفي ليلة الاثنين التاسع من شوال انقض كوكب عظيم من ناحية الجنوب إلى ناحية الشمال وقت صلاة العشاء، فكان له ضوءٌ عظيم زائد على ضوءِ القمر زيادة كثيرة، وبعد مغيبه بقليل وقعت هدةٌ عظيمة حتى سمعت أن بعض العقلاء قام من موضعه فزعًا مرعوبًا يظن أن منزله قد انهدم أو انهدم بعضُه من شدة ما سمع.» وهذا الوصف ينطبق على سقوط النيازك الضخمة، التي تُحدث الفوهات النيزكية في مواضع ارتطامها بالأرض.

سنة ٨٠٢ﻫ

يذكر الخزرجي في كتابه «العقود اللؤلئية في تاريخ الدولة الرسولية»، ضمن ما أورده من أحداثٍ وقعت في هذه السنة:١٠٧ «… وفي يوم السبت الخامس والعشرين من جمادى الأخرى وقعت رجفة عظيمة نصف النهار، وانقضَّ كوكب يحكي مَن رآه أنه كان على هيئة القمر فانهدمت حينئذٍ مواضع كثيرة في الجبال.» وهذا تسجيل قيم من الوجهة العلمية، خاصة وأن المؤلف عاصر الحدث بنفسه، ولم ينقله عن كتاب سابقين، كما هو الحال في أغلب تسجيلات أحداث النيازك. وفي قولِه في هذا الحدث: «وانقضَّ كوكبٌ يحكي من رآه أنه كان على هيئة القمر فانهدمت حينئذٍ مواضع كثيرة في الجبال.» — فيه إشارة واضحة إلى أنه يصف حادثة سقوط نيزك كبير، على الأراضي اليمنية، أثر على الأرض في منطقة السقوط، وتسبب في تصدع وهدم أجزاء من المنطقة الجبلية التي سقط عليها. ويتوافق تأثير الجسم على الأراضي التي سقط عليها، مع وصف حجم الجسم الساقط الذي بدا — في نظر من رأوه — على أنه كان على هيئة القمر. كما يضيف المؤلف حدثًا آخر وقع في شهر شعبان من نفس السنة، ربما تكون له دلالاتٌ مهمةٌ على تأثير ارتطام النيازك بالأرض؛ إذ يورد:١٠٨ وفي يوم الاثنين العاشر (من شهر شعبان سنة ٨٠٢ﻫ) وقعت رجفة شديدة. وأخبرني الفقيه تقي الدين عمر بن أحمد بن عبد الواحد قال: بينما أنا وجماعة من الرعية في رأس الوادي زبيد وقت الضحى الأول إذ حصلت رجفة شديدة وكان أحد عمالة النخل حينئذٍ على نخلة عندنا هناك فكادت النخلة تسقط بالعامل. وكان قد انقض نجمٌ قبل ذلك بساعةٍ من ناحية المغرب إلى المشرق فوقع بين جبلين هناك فاشتعلت النار حينئذٍ موضعه ثم حصلت الرجفة بعده بقليل.» فهذا الوصف يربط بين سقوط النيازك الضخمة وما يترتب على ذلك من انزلاقات أرضية، لا تقتصر فقط على لحظة الارتطام، بل قد تظهر بعد حدوث الارتطام بوقت قصير أو طويل. ويبقى الأمل معقودًا على المساحة الجيولوجية اليمنية في تحري هذا الحدث، الذي حدد المؤلف موقعه وتاريخه، فربما يتم الكشف عن ظاهرة نيزكية فريدة من نوعها.

سنة ٩١٠ﻫ

يورد العيدروس (عبد القادر بن شيخ بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله العيدروس)، في كتابه «النور السافر عن أخبار القرن العاشر»، ضمن أحداث هذه السنة:١٠٩ «… وفيها انقضَّ كوكبٌ عظيم وقت العشاء من اليمن في الشام عرض مدينة زبيد وتشظَّى منه شظايا عظيمة. ثم حصلت بعده هزة عظيمة. ولا حول ولا قوة إلا بالله.» ويورد ابن العماد نفس الحدث ضمن أحداث ذات السنة:١١٠ «… وفيها انقض كوكب عظيم وقت العشاء من اليمن في الشام وتشظَّى منه شظايا عظيمة ثم حصل بعده هدة عظيمة.»

سنة ٩١٦ﻫ

يذكر ابن إياس في كتابه «بدائع الزهور في وقائع الدهور» حادثة عرض جسم نيزكي على السلطان، حيث يذكر:١١١ «… ومن الوقائع أن الأمير أركماس الذي كان نائب الشام، طلع إلى السلطان بقطعة فولاذ هيئة الكرة، وزعم أنها صاعقة نزلت ببعض الجبال، وأن أعرابيًّا أهداها إليه، ففرح السلطان بذلك، وجمع السباكين فقالوا إنها صاعقة لا محالة، فنظر إليها بعض الزردكاشية فأنكر ذلك، وقال: هذه حجر مرقشيتة، وهو حجر صلب، فلما سمع السلطان ذلك شق عليه ونزل إلى الميدان، وجمع السباكين وحضر الأمير أركماس، ووضعوا ذلك الحجر الذي على هيئة الفولاذ في النار، فمجرد ما وضعوه في النار صار مثل الحرنقش وتفتَّت، فخجل الأمير أركماس من ذلك، وانتصف عليه ذلك الزردكاش، وهو الجمالي يوسف أخو مؤلفة، وعد ذلك من النوادر.» وربما يكون الحجر المقصود في هذه الرواية نيزكًا حجريًّا، لكنهم في ذلك الوقت كانوا لا يعتدون إلا بالنيازك الحديدية. فبالنسبة لهم هي النوعية الوحيدة التي ترتبط بالصاعقة (النيازك)، وما عداها فلا يعتدُّ به، كما يتضح من خلال التجهيزات التي تمَّت بمجرد العلم بأمر وجود حجر صاعقة مع أحدٍ من الناس.
ويورد العيدروس، في كتابه «النور السافر عن أخبار القرن العاشر»، ضمن أحداث هذه السنة:١١٢ «وفي ليلة الاثنين الخامس من شهر جمادى الأولى … وفيها: انقض كوكب عظيم من نصف الليل آخذًا في الشام وأضاءت الدنيا كذلك إضاءة عظيمة حتى لو أن الإنسان حاول رؤية الذر بذلك لم يمتنع عليه، ثم غاب في الجهة الشامية وبقي أثره في السماء ساعة طويلة.» وأورده كذلك ابن العماد نقلًا عن العيدروس، ضمن أحداث نفس السنة:١١٣ «… فيها كما قال في النور انقض كوكب عظيم من نصف الليل آخذًا في الشام وأضاءت الدنيا لذلك إضاءة عظيمة حتى لو أن الإنسان حاول رؤية الذر لم يمتنع عليه ثم غاب في الجهة الشامية، وبقي أثره في السماء ساعة طويلة.» ويورد العيدروس حدثًا آخر أيضًا، ضمن أحداث ذات السنة، وهو ذاته الذي وصفه ابن العماد:١١٤  «… وفيها زلزلت مدينة زبيد زلزالًا شديدًا ثم زلزلت مرة أخرى ثم ثالثة وانقض في عصر ذلك اليوم كوكب عظيم من جهة المشرق آخذًا في جهة الشام ورُئِي نهارًا وحصل عقبه رجفة عظيمة كالرعد الشديد.»

ومن خلال هذا العرض الموجز لبعض تسجيلات كتاب العرب القدامى لحوادث سقوط النيازك، يجد المرء نفسه أمام عدد من الأحداث التي تصف سقوط نيازك حقيقية، في أوقات مختلفة وعلى مناطق مختلفة. ويستطيع المرء، من خلال الظواهر التي وصفت مصاحبة لتلك الأحداث، أن يقف على بعض الجوانب الفنية في ظواهر السقوط تلك، كحجم النيزك الساقط، وذلك من خلال الأصواتِ التي ترافق سقوطه، واتجاهه من خلال إشاراتهم إلى الجوانب التي ظهر فيها، ووقت سقوطه، وتشظِّي الجسم أثناء سقوطه، أو سقوطه على هيئة كتلة واحدة. ثم يجد المرء دقة متناهية في التأكيد على أن الحدث كان نيزكًا؛ إذ يجد بعض التسجيلات تحرص على التأكيد على أن السماء كانت صافية (لا غيم فيها)، أي أن الأصوات لا علاقة لها بظواهر الرعد والبرق (الصواعق). ثم ما يدل على سقوط نيازك من خلال تلك الأحداث، الرجفة العنيفة التي ترافقها، والتي حرصوا على ذكرها مع بعض الأحداث، وإن لم تذكر فمعناها أن النيازك الساقطة، كانت صغيرة، فلم يترتب على سقوطها رجة محسوسة، أو كانت كبيرة بالفعل لكنها سقطت في أماكن بعيدة عن الناس، فلم يشعروا بالرجة التي يمكن أن تحدثها. ثم ما يدهش المرء حقيقة ذكر تأثيرات سقوط النيازك على الأرض، فتجد في حادث سنة ٨٠٢ﻫ، والذي أورده «الخزرجي» في كتابه، أن الحدث أدى إلى تهدُّم قطع من الجبال. وهذا يتوافق مع نيازك الفوهات الكبيرة، التي يحدث ارتطامها بالأرض دمارًا كبيرًا ناتجًا عن طاقة الصدمة. ثم وصف الأضواء الشديدة التي صاحبت أغلب هذه الأحداث، وأشهرها على الإطلاق، وصف العيدروس، للأضواء المصاحبة لحادثة نيزك سنة ٩١٦ﻫ: «… وأضاءت الدنيا لذلك إضاءة عظيمة حتى لو أن الإنسان حاول رؤية الذر لم يمتنع عليه.» وهذا يتشابه تشابهًا تامًّا مع التسجيلات الحديثة للظواهر المصاحبة لسقوط النيازك. ثم وصفه ووصف غيره من المؤرخين العرب للفترة الزمنية التي يستغرقها الحدث، فمنهم من يذكر أن الحدث استمر أثره في السماء وقتًا طويلًا نسبيًّا: «… ثم غاب في الجهة الشامية وبقي أثره في السماء ساعة طويلة.» بما يتوافق تمامًا مع الأتربة وأعمدة الدخان التي تتخلَّف عن سقوط النيازك، وتظل عالقة في الأجواء زمنًا محسوسًا.

ويلاحظ أن تسجيلات النيازك — ضمن بعض المراجع التي سنحت الفرصة بالاطِّلاع عليها — بلغ ذروته خلال القرن الخامس الهجري من ٤٠٠–٥٠٠ﻫ. ثم أخذ يتناقص تناقصًا ملحوظًا. وهذه مقارنة نسبية، وليست مطلقة ما لم تطالع بقية المؤلفات العربية. وبعض الأحداث، التي تم نقلها عن مصدر واحد، لا يعني أنها غير مسجلة في مصادر أخرى، لكن لم يتم الاطلاع عليها، أو تم الاكتفاء بذلك خشية الإطالة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١