الفصل السابع

من أين تأتي النيازك؟

«وقد تتكون أنواع من الحجارة من النار إذا أطفئت، وكثيرًا ما يحدث في الصواعق أجسام حديدية وحجرية بسبب ما يعرض للنارية أن تُطفأ، فتصير باردة يابسة.» (ابن سينا)

***

لا شك أن هذا السؤال راود الإنسان قديمًا جدًّا في التاريخ، ومنذ أن شاهد أول مرة هذه الأجسام الصلبة الغريبة التي تسقط على الأرض من أعلى. ولا شك أيضًا أن آراء الناس تباينت تباينًا كبيرًا حول مصادر هذه الأجسام الصلبة، التي تسقط عليهم من السماء. وفي الفصل الأول من هذا الكتاب تمَّت مناقشة الخلافات حول ظاهرة الأحجار من السماء، ما بين التصديق والإنكار. وعندما يُثار السؤال: من أين تأتي النيازك؟ فإنما يُقصد به: من أين تأتي النيازك من الأجرام السماوية؟ إذ بعد حسم الخلاف لصالح الاعتراف بوجود الأجسام الصلبة التي تسقط من السماء، بدأت «الأوساط العلمية» المهتمة بالظواهر الطبيعية، مع بداية القرن التاسع عشر، تناقش بقوة في محافلها مسألة أصل النيازك، وظهرت بهذا الخصوص، بين أوساط المتعلمين والمثقفين والفلاسفة، آراء متباينة غاية التباين. وممن تشيعوا لأصل النيازك السماوي، الفلكي الفرنسي الشهير «لابلاس» Laplace، حيث قدم فرضية أن الأجسام الصلبة، التي تشاهد ساقطة على الأرض بين الحين والآخر، تأتي من القمر؛ حيث تدفعها ثورات البراكين القمرية بقوة تمكنها من الإفلات من جاذبية القمر. ويمثل هذا الرأي جذور الفرضية السائدة الآن، التي ترى أن بعض النيازك تأتي من صخور سطح القمر. وقد دعم هذا الفرض آنذاك اثنان من أبرز علماء ذلك العصر هما «بيت» و«بوسين»؛ حيث قدَّما براهين رياضية تُثبت فرضية إمكانية اندفاع الصخور من سطح القمر، وسقوطها على الأرض. وقد ساد أيضًا رأي يرى أنها تنشأ من الشمس؛ حيث يظن أنصار هذا الرأي أن النيازك تمثل أجزاءً من باطن قلب صلبٍ موجود في مركز الشمس، تندفع بقوةٍ كبيرة كافية لأن تجعلها تترك هذا الجسم الملتهب. وواجه هذا الرأي معارضةً قوية من قبل الباحثين، الذين يَرَوْن عدم وجود قلب صلب للشمس، وحتى في حالة وجوده، فإن أي جسم صلب يندفع منه سوف يتبخر كلية، في نطاقات الشمس العليا حيث الحرارة العالية؛ وبالتالي فإن أي جسم صلب سوف يتبخر قبل أن يكمل هروبه من الشمس، ولكن للالتفاف على هذا الاعتراض، ادَّعى أصحاب فرضية الأصل الشمسي للنيازك، أنها تترك الشمس على هيئة مواد غازية تتكاثف في الفضاء بطريقة ما، مكونة هذه الأجسام الصلبة التي تسقط على الأرض فيما يعرف بالنيازك. ومن هذه النقطة تحديدًا، نعود إلى الوراء مئات السنين؛ حيث كان ابن سينا يرى أن النيازك تتكوَّن نتيجة لبرودة النار، حيث يذكر في كتابه «الشفاء»، وفي معرض حديثه عن طرق تكوُّن الأحجار: وقد تتكوَّن أنواع من الحجارة من النار إذا أطفئت، وكثيرًا ما يحدث في الصواعق أجسام حديدية وحجرية بسبب ما يعرض للنارية أن تُطفأ، فتصير باردة يابسة.١

وعمومًا فإن الآراء السائدة الآن بخصوص مصادر النيازك، التي اكتسبت قبولًا علميًّا من خلال تطور الدراسات وتراكم البيانات عن النيازك، تحدد مصادر النيازك في حزام الكويكبات الموجود بين المريخ والمشتري، وفي المذنبات، التي توجد في مكان قصي من المجموعة الشمسية، خلف مدار كوكب بلوتو، وفيما يُعرف بغيمة «أورت». وقد ظهرت حديثًا نسبيًّا دراساتٌ تشير إلى أن المريخ والقمر يدخلان ضمن المصادر المحدودة للنيازك.

(١) الكويكبات

يطلق تعبير «كويكبات» على الأجسام الصغيرة نسبيًّا، التي توجد في المجموعة الشمسية، بين كوكبي المريخ والمشتري. ويطلق على النطاق الذي تجري فيه هذه الكويكبات تعبير «حزام الكويكبات». ويرى البعض أن الفضل في اكتشاف حزام الكويكبات يرجع إلى باحث فلكي ألماني يدعى «بود» Bode، في نهاية القرن الثامن عشر؛ حيث قام بعمل قاعدة رياضية يمكن من خلالها استنتاج المسافات الفاصلة بين الشمس وكواكبها. وقد سميت هذه القاعدة بقانون «بود» Bode’s Law. ويبدأ قانون «بود» بالصفر ثم العدد ثلاثة، ثم ضعفها، ثم ضعف الضعف. إلخ. [٠، ٣، ٦، ١٢، ٢٤، ٤٨، ٩٦، ١٩٢، ٣٨٤]. وبإضافة العدد ٤ إلى هذه الأعداد ينتج [٤، ٧، ١٠، ١٦، ٢٨، ٥٢، ١٠٠، ١٩٦، ٣٨٨].٢ وبقسمة هذه الأعداد على ١٠، ينتج عن ذلك بعد الكواكب من الشمس، مقدرة بالوحدة الفلكية (٩٣ مليون ميل أو حوالي ١٥٠ مليون كم). وتقارب الأبعاد المقدرة من خلال هذه القاعدة، المسافات الحقيقية للكواكب من الشمس، لدرجة كبيرة، فيما عدا كوكب نبتون، الذي يقع في منتصف المسافة بين أورانوس وبلوتو، ولكن نشأ عن هذه القاعدة في الاعتبار، تركيز اهتمام الباحثين على الفجوة الكبيرة في المسافات، الموجودة بين كوكبي المريخ والمشتري، أي عند البعد الذي يمثله الرقم ٨٫٢ وحدة فلكية؛ إذ لا يوجد كوكب معروف عند هذه المسافة من الشمس. وهذا ما لفت انتباه «يوهانس كيبلر» Johannes Kepler (١٥٧١–١٦٣٠م) من قبل، فافترض وجود كوكب مجهول بين المريخ والمشتري.
ويعتبر قانون «بود» بمثابة تجديد العزم على إعادة بحث هذه الظاهرة من جديد؛ فقد نشط العلماء بالفعل في البحث عن هذا الكوكب المجهول. ولم يمض وقت طويل في الحقيقة، حتى اكتشف الإيطالي «جيسي بيازي» في يناير ١٨٠١م وجود جسم صغير غريب يتحرك في السماء. واعتبر «بيازي» أن هذا الجسم، عبارة عن مذنب. ولم يعر أحد هذا الكشف أهمية، على اعتبار أن هذا شيء عادي، لكن في وقتٍ لاحق قرَّر الرياضي الصغير «كارل فردريك جاوس» حساب مدار الجسم الذي سجله «بيازي». ولاحظ «جاوس» أن هذا الجسم يدور في مدار دائري تقريبًا، ويبعد عن الشمس بمسافةٍ قدرها ٧٧٫٢ وحدة فلكية، أي في الفجوة التي وضع فيها «كيبلر» كوكبه الافتراضي، وفي نفس المكان الذي توقع قانون «بود» وجود كوكب. وقد أطلق على هذا الجسم الصغير، الذي يبلغ قطره حوالي ٤٥٠ ميلًا، اسم كويكب «سيرس» Ceres. ثم توالت عمليات الكشف عن هذه الأجسام. ففي عام ١٨٠٢م، اكتشف كويكب آخر أصغر من «سيرس»، يبلغ قطره حوالي ٣٠٠ ميلًا، وأطلق عليه اسم «بالاس»، وفي عام ١٨٠٤م اكتشف كويكب ثالث، يبلغ قطره حوالي ٢٠٠ ميلًا، وسُمي «بونو» Puno، وفي عام ١٨٠٧م، اكتشف رابع هذه الكويكبات، ويبلغ قطره حوالي ٣٥٠ ميلًا وسمي «فيستا». وانقضت فترة زمنية طويلة نسبيًّا، حتى اكتشف خامس هذه الكويكبات، وبعد سنتين من اكتشاف الخامس، تم اكتشاف السادس. وفي حوالي عشرين سنة تقريبًا (بين ١٨٥٠–١٨٧٠م)، بلغ عدد الكويكبات المكتشفة حوالي ١٠٠. ثم تضاعف الرقم خلال عشرين سنة، فبلغ ٣٠٠ كويكب في عام ١٨٩٠م. وأطلقت عليها مسميات غريبة من كثرتها، حتى سَئِم العاملون في هذا الحقل من كثرة ما يكتشفون. ويبلغ عدد ما تم تسجيله منها إلى وقت قريب بحوالي ٥٠٠٠ كويكب، تتضمن أجسامًا صغيرة نسبيًّا تبلغ أقطارها حوالي ٢كم، مثل كويكب «إيكاروس»، الذي اكتشف في عام ١٩٤٩م، ويبلغ قطره حوالي ٢كم فقط. ويحتوي حزام الكويكبات ذاته على آلاف الأجسام الصغيرة، التي لا تزيد أقطارها عن حجم حبات الحصى والرمال.

ومع التسليم بأن «بود» كان له الفضل في وضع موضوع حزام الكويكبات تحت الضوء، إلا أن معرفة حزام الكويكبات ربما تعود إلى المرزوقي (أحمد بن محمد بن الحسن أبو علي المرزوقي، عالم بالأدب من أهل أصبهان (المتوفى في سنة ٤٢١ﻫ/١٠٣٠م))، في كتابه «الأزمنة والأمكنة»، كما سبق الإشارة لذلك في الفصل الرابع.

فالكويكبات — إذن — قطع صغيرة من المادة الكوكبية، متباينة الأحجام، أكبرها «سيرس»، وأصغرها أجسام في أحجام حبات الرمال. وما يزيد قطره منها عن المائة ميل لا يتعدَّى بضع مئات، بينما الأكثرية منها بين الخمسين والمائة ميل. وهكذا تبدو دقة وصغر هذه الأجسام، مقارنة بالكواكب، خاصة وأننا ننظر إليها بعين من يبحث عن كوكب مفترض، في هذا الموضع الذي تحتله، لكن بمقارنة هذه الأجسام بأخرى، كأقمار بعض الكواكب تبدو أكثر أهمية. فمثلًا «سيرس» أكبر في حجمه من «ديوس» و«فوبوس»، قمري كوكب المريخ، وأكثر لمعانًا منهما. والأجسام الكبيرة من هذه الكويكبات يبدو أنها كروية الشكل، في حين أن الأجسام الصغيرة يتوقع أنها ذات أشكال غير منتظمة بالمرة، فمنها ما يمكن أن يكون مثلث أو مربع أو مستطيل الشكل. كما أن بعضها يمكن أن تكون له زوائد مدببة وحادة.

وهذه الكويكبات المختلفة الأحجام موزعة فيما يمكن أن يطلق عليه تسهيلًا تعبير حزام كبير حول الشمس. وتبدأ منطقة هذا الحزام، بعد مدار كوكب المريخ، وتمتد حتى ما بعد مدار المشتري.٣ وليس لهذا الحزام مدار خاص يدور فيه حول الشمس؛ فكل واحد من هذه الكويكبات له مداره الخاص، الذي يدور فيه حول الشمس. وفي واقع الأمر لا يوجد حزام واحد، وإنما عدد كبير من الأحزمة، يفصلها عن بعضها البعض مناطق تخلو تمامًا منها. كما أن كثافة هذه الكويكبات في الحزام الواحد ليست بالكبيرة، إلى الحد الذي يعوق المروق من بينها بسهولةٍ ودون خطورة التصادم بها.

وعلى الرغم من أن أغلب هذه الكويكبات يدور في مدارات منتظمة (كل فرد له مدار خاص به منتظم)، دون انحراف أو تغيير، بحيث يمكن حساب وتحديد مواقعها في المجموعة الشمسية بدقةٍ كبيرة، إلا أن مداراتها تختلف عن بعضها البعض. كما أن بعض هذه الأجسام، قد يدور في مداراتٍ يقترب من خلالها من مدار الأرض والكواكب الأخرى في المجموعة الشمسية. وهو ما يشكِّل خطورةً كبيرةً على الحياة على الأرض. وقد أكدت الحسابات الفلكية، التي أجريت على مدارات هذه الكويكبات، أن أغلبها يقع داخل مدار المريخ وليس خارجه. ولعل هذا الأمر يكون مفيدًا، في توقُّع حدوث عددٍ كبيرٍ من التصادمات، بين هذه الأجسام وبين المريخ. فهل هذا ما يحدث بالفعل؟ وهل إن كان ذلك صحيحًا، يمكن أن يستفاد منه في تفسير التغيرات الفجائية، التي توجد على هذا الكوكب؟

إن اقتراب كويكب من كواكب المجموعة الشمسية الداخلية، ومروره على مسافة صغيرة منه، قد يؤدي إلى التصادم. ولتوضيح الأمر أكثر، لو مر كويكب قريب من مدار الأرض، ودخل في نطاق غلافها الجوي، فسوف تتقلَّص سرعته بدرجة كبيرة من جراء عملية الاحتكاك التي تتم بينه وبين مكونات غازات الغلاف الجوي للأرض، ليأخذ مدارًا جديدًا قد يقوده إلى التصادم بالأرض، بدلًا من العودة ثانية إلى موضعه المعتاد ضمن ما يسمى حزام الكويكبات.

أصل الكويكبات

شغل السؤال: ما هو مصدر وأصل الأجسام التي تدور في حزام الكويكبات، بين المريخ والمشتري؟ شغل أذهان الباحثين فترة طويلة من الزمن. وفي إيجاز، ودون الخوض في كثير من التفاصيل، يمكن إجمال الفروض والآراء، التي سيقت بشأن مصدر وأصل الأجسام التي تشكل حزام الكويكبات، في فرضيتين أساسيتين؛ الفرضية الأولى يطلق عليها فرضية «الكوكب المنفجر»، ترى أن هذه الأجسام تمثل بقايا كوكب كان يجري في مدار حول الشمس، بين كوكبي المريخ والمشتري، شأنه في ذلك شأن كواكب المجموعة الشمسية الأخرى، لكن لأسباب متباينة، من بينها جاذبية المشتري القوية، التي تسبب اضطرابات معروفة، فقد تفلَّق ذلك الكوكب وتمزَّق، وانفجر تمامًا، وتطايرت مكوناته، لتشغل نفس المكان الذي كان يشغله الكوكب الأم الذي انفجر. إن أهم ما يعضد هذه الفرضية وجود النيازك الحديدية بين النيازك المتساقطة على سطح الأرض؛ فالنيازك الحديدية تتكون من سبيكة من الحديد-نيكل. وهذه المادة يتوقع أنها تشكل قلب الأرض. وقياسًا على ذلك، فإن الكوكب كان شبيهًا بالأرض، ولما انفجر تحرَّر قلبه الحديدي، على شاكلة هذه الأجسام التي تدور في نفس مداره، ويسقط بعضها على الأرض في صورة نيازك حديدية. كما أن وجود أنواع من النيازك تعرف بالنيازك الحجرية، والنيازك الحديدية-الحجرية، اعتبر من قبل بعض الباحثين دليلًا آخر على تمثيل صخور من القشرة ومن الوشاح لهذا الكوكب. ومن أهم الاعتراضات على هذا الرأي عدم معرفة الظروف التي تؤدي إلى تكون كوكب في هذا المكان، وكذلك عدم فهم الظروف التي تقود إلى تفجره. ومن بين الاعتراضات أيضًا أن جاذبية المشتري، لا تسمح بوجود كوكب في هذا المدار. كما أن الوضع الحالي لحجم الكويكبات يفيد أنها أقلُّ كثيرًا من أصغر الكواكب. فلو جمعت شظايا الكويكبات في جسم واحد، لكان صغيرًا جدًّا مقارنة بالكواكب الأخرى. ويغيب عن موجهي هذا الانتقاد أن الوضع الحالي للكويكبات لا يعبر حقيقة عن وضعها الأصلي؛ إذ من الطبيعي أن الكويكبات كانت في الماضي أكثر عددًا من عددها الحالي؛ فالكثير منها سقط في براثن الكواكب الأخرى، وصار نيازك. كما أن بعضها ربما يكون توابع للكواكب الأخرى، كأقمار المريخ، والمشتري، وحتى الكوكب زحل، فإنه يمتلك جاذبية كبيرة تمكنه من أسر بعض الكويكبات كتوابع أو أقمار، ولكن قد يكون الجسم الذي تشظَّى في هذا المكان كان مجرد تابع (قمر) للمشتري، أو تابع للمريخ، أفلت من أيٍّ منهما، فكان جزاؤه التشظي والتفتت على هذه الشاكلة.

والفرضية الأخرى، التي تعرف بفرضية الكوكب غير المكتمل، يرى أصحابها أن أجسام الكويكبات تمثِّل بقايا سحابةٍ غازيةٍ تجمعت في هذا المكان، لكن لم تكن الظروف مواتيةً لها لتتكاثف على صورة كوكب كبير مكتمل، مثل بقية كواكب المجموعة الشمسية الأساسية المعروفة؛ ومن ثم تكاثفت على هيئة جسيمات وأجسام متفاوتة الأحجام، هي تلك الموجودة الآن، في هذا الموضع على صورة ما يعرف بالكويكبات. ربما يكون موضع الكويكبات، بين المريخ والمشتري، أي عند الحد الفاصل بين الكواكب الأرضية (التي لها قشرة صلبة؛ عطارد – الزهرة – الأرض – المريخ)، والكواكب الغازية (المشتري – زحل – أورانوس – نيبتون) ربما يعني أنها بالفعل تمثل جزءًا من السحابة الغازية الذي لم يتمكن من التكاثف على هيئة كوكب كبير، لكن وضعية الموضع، لا تعني شيئًا، فبلوتو الكوكب الأبعد عن الشمس، كوكب صلب.

فرضية جديدة

لا تفسر الفرضيتان السابقتان الاختلافات الكبيرة بين الأجسام التي تدور الآن في حزام الكويكبات، من حيث تنوع التركيب الكيميائي، والمعدني، والتراكيب الداخلية، واختلاف الأعمار؛ فبعض هذه الأجسام من المذنبات، كما يرى بعض الباحثين، جاءت من خلف بلوتو، حيث غيمة «أورت»، واستقرَّت في هذا الموضع؛ ومن ثم يرى المؤلف أن الأجسام، التي تشكل حزام الكويكبات والتي يتساقط بعضها على الأرض على صورة نيازك، يمكن أن تكون نتاج تجمع الشظايا والكسرات، التي تتطاير من مختلف أنواع الأجسام، التي تشكل المجموعة الشمسية. أي أن الكويكبات تشكلت من تجمعات كسرات من أعضاء المجموعة الشمسية، تأتي من مصادرها وتتمركز في هذا المكان لظروف خاصة، منها أن هذا المكان بمثابة هوة في المجموعة الشمسية، تهوي إليه الأجسام الشاردة من كواكبها وأقمارها ومذنباتها. وربما يعني هذا أيضًا أن النيازك التي يرى الباحثون أنها نيازك قمرية أو مريخية، والتي اكتشفت ضمن النيازك التي عُثر عليها على الأرض، سقطت أولًا في حزام الكويكبات، وظلَّت فترات زمنية تدور في هذا المدار الذي تشغله الكويكبات، ثم سقطت على الأرض، بحكم أن حزام الكويكبات هو الموضع الوحيد الذي تسقط منه الأجسام السماوية على الأرض. أي أنه لا يسقط شيء من المريخ على الأرض مباشرة، وإنما تسقط الأجسام التي تنفصل بطريقةٍ أو أخرى من سطح المريخ، داخل حزام الكويكبات، ثم تسقط على الأرض شأنها شأن بقية الأجسام الموجودة في حزام الكويكبات.٤

وسوف يتم في المستقبل القريب مناقشة هذه الفرضية الجديدة، وتبيان أوجه القوة والضعف فيها في مقابل الفرضيتين الأخريين.

الكويكبات والنيازك

يولي الباحثون في مجال النيازك اهتمامًا خاصًّا للكويكبات. وقد أسفر هذا الاهتمام عن رصد عدد كبير منها وتحديد مداراتها، حيث بلغ عدد الكويكبات، التي حددت مداراتها، حوالي ٣٥٠٠ كويكب. ولعل هذا الاهتمام بالكويكبات مصدره أنها مصدر رئيسي للنيازك؛ فقد تقترب الكويكبات الكبيرة بذاتها من الأرض، أو الكواكب الأخرى وتتصادم معها؛ وبالتالي فإنها تعتبر نيازك. وهناك عدد غير قليل من الكويكبات يدور في مدارات خطرة، أي قريبة من الأرض، مما يزيد من احتمال ارتطامها بالأرض، وهو ما دعا الباحثون لإقامة شبكة من المراصد موزعة في أماكن مختلفة من العالم، لرصد هذه الأجسام، تمهيدًا لاتخاذ التدابير اللازمة لتقليل مخاطر ارتطامها بالأرض. أو قد تحدث اضطرابات في مدارات الكويكبات ذاتها، من تأثير جاذبية كوكب المشتري، فيشذ بعضها عن مساراته الآمنة، ويأخذ طريقه نحو الأرض. أو قد تؤدي التصادمات التي تقع بين الكويكبات إلى تعديل مساراتها الآمنة، فتُلقى في مدارٍ يقودها نحو الأرض.

وتعتبر الأجسام الصغيرة من الكويكبات — التي تنشأ أساسًا من عمليات تشظي الكويكبات الكبيرة، وتفتيتها — تعتبر المصادر المباشرة للأجسام الساقطة على سطح الأرض. والأجسام الصغيرة من الكويكبات قد تكون موجودةً بالفعل منذ تكوُّن الكويكبات ذاتها (بأي صورةٍ أو بأي عمليةٍ من العمليات المفترضة لتكوُّن الكويكبات)، أو تنشأ من عملية التصادمات التي تحدث بين الكويكبات الكبيرة، وتؤدِّي إلى تشظيها وتفتيتها إلى أجسامٍ صغيرة الحجم، وتدفعها أيضًا إلى الدوران في مدارات مختلفة ومغايرة لمداراتها الأصلية؛ ومن ثم فقد تقودها إلى الاقتراب من مدارات الكواكب الأخرى، التي من بينها مدار الأرض، مما يجعلها تسقط على هيئة الأجسام الصغيرة نسبيًّا، التي تشكل الغالبية العظمى من النيازك الساقطة على سطح الأرض.

وقد ثبت بالفعل أن بعض النيازك تأتي من حزام الكويكبات؛ ففي الخمسينيات من القرن الماضي، تمكن الباحثون من تحديد مدارات بعض النيازك الساقطة على الأرض بدقة، من خلال عمليات تسجيل ومراقبة الكرات النارية المصاحبة لسقوط ثلاثة نيازك مختلفة؛ هي: «بيربرام»، الذي سقط على أراضي جمهورية التشيك، و«لوست سيتي»، الذي سقط بالولايات المتحدة، و«إننسفير»، الذي سقط على كندا، بواسطة آلات تصوير. وقد ثبت أن مدارات هذه النيازك — التي تنتمي إلى نوع النيازك الحجرية الكوندريتية — تقع ضمن منطقة حزام الكويكبات، التي تتركز بين كوكبي المريخ والمشتري. وبعد ذلك بفترة حلل الباحثون البيانات التي أدلى بها راصدون مستقلون لنيزكين آخرين من نيازك الكوندريت أيضًا، هما «فارومينجتون»، الولايات المتحدة، و«داجالا»، الهند، أن مداراتهما تقع في حزام الكويكبات.٥

وتتوافق ظاهرة وجود مصادر نيازك الكوندريت ضمن حزام الكويكبات، مع فرضية أن حزام الكويكبات يمثل بقايا السحابة الغازية، التي تخلَّقت منها بقية الكواكب الأخرى. فهذه البقايا لم تتمكن من أن تتطور على هيئة جرم كبير، من تأثير جاذبية المشتري القوية؛ ومن ثم تجمعت في أجسام صغيرة ظلت على حالها منذ أن تجمعت (٤٫٧–٥ بليون سنة تقريبًا). أي أنها تمثل المادة الأولية، التي تطورت منها الكواكب الأخرى في المجموعة الشمسية. وهذا يتوافق مع طبيعة وعمر غالبية نيازك الكوندريت.

وتطورت منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي عمليات دراسة الكويكبات، من خلال تطور عمليات تحليل أطياف الضوء المنعكس من على أسطحها. ومكن هذا النوع من الدراسة، الباحثين من معرفة مكونات الكويكبات الكيميائية؛ ومن ثم تصنيفها إلى عددٍ من الأنواع التي تختلف في محتواها الكيميائي، عادة ما يشار إليها في المراجع العلمية برموز مختصرة، مثل: نوع «إم»، ونوع «إس»، ونوع «سي». فقد دلَّت دراسات تحليل أطياف الضوء المنعكسة من أسطح النوع «إم» من الكويكبات، أنه يتكوَّن من سبيكة فلزية من الحديد-نيكل، تمامًا كالنيازك الحديدية؛ ومن ثم اقترح أنه المصدر الأساسي لهذه النوعية من النيازك، وكويكبات النوع «سي»، تبدو غامقة اللون، لا ينعكس شيءٌ من الضوء الساقط على أسطحها؛ ومن ثم فقد فسرت على أنها تتكوَّن من مواد كربونية، يمكن أن تكون مصدرًا لنوعٍ مميزٍ من النيازك يُطلق عليه نيازك كربونية. وتبدو كويكبات النوع «إس» على أنها مكونة من مواد مختلفة ومتنوعة، مما حدا بالباحثين إلى اعتبارها مصدرًا لبعض أنواع النيازك الكوندريتية والأكوندريتية، على حد سواء. ووجد أن كويكبًا من كويكبات النوع المسمَّى «إس»، أطلق عليه تسمية خاصة، هي: «هيب-٦» Hebe-6، [التسمية مشتقة من اسم «الإلهة» اليونانية «هيب» ربة الحيوية والشباب الدائم] يتشابه في خواصه العامة مع مجموعة من نيازك الكوندريت التي يطلق عليها مسمى: مجموعة النيازك الكوندريتية الشائعة.
والأهم في هذا المجال الكويكب المسمَّى «فيستا» Vesta، الذي يبلغ قطره حوالي ٣٥٠ ميلًا (٥٦٠كم)، ويعد أكبر كويكب في النظام الشمسي؛ فقد وجد أن هذا الكويكب يتشابَه في الخصائص العامة مع الكواكب الأرضية (الزهرة، المريخ، الأرض)، من حيث كونه نطاقي التركيب، أي أنه يتكون من قشرة صخرية علوية خفيفة المكونات، ووشاح من مكونات ثقيلة، وقلب من مكونات أثقل (يبدو أنه يتكون من سبيكة من الحديد-نيكل). فقد أثبتت الدراسات أن أغلب أنواع نيازك الأكوندريت (غير الأنواع المريخية والقمرية) مشتقة من الكويكب «فيستا». ويبدو أن هذا الكويكب تعرض، في الأزمنة الغابرة وعند منطقة قطبه الجنوبي، لعملية صدمة من جرم سماوي آخر هائل، أحدثت فيه فجوة ضخمة يبلغ قطرها ٤٦٠كم، وعمقها ٣٠كم، كما كشفت عنها دراسات الاستشعار عن بعد، التي تركزت عليه. ومع أن مثل هذه الدراسات لا يمكن أن تكون صحيحة بنسب عالية، إلا أنها تعد — في الوقت الراهن على الأقل — بمثابة تفسير للظواهر التي تميز سطح هذا الكويكب. وترى هذه الدراسات أن الصدمة التي حدثت أدَّت إلى تناثُر شظايا — من صخور قشرة الكويكب، مختلطة مع الصخور البازلتية التي تكون وشاحه العلوي — في الفضاء مكونة ما يمكن أن يطلق عليه أحزمة من الشظايا الصخرية، تجري الآن على هيئة حزام من الشظايا المختلفة الأحجام، يطلق عليها بعض الباحثين «فستويد»، نسبة إلى الكويكب الأم «فيستا». وبعض شظايا هذه الحزم «الفستويدية» يدور في مداراتٍ قريبة من مدار الأرض، وبعضها يتساقط على الأرض بالفعل، في صورة نيازك، تنتمي للنيازك الحجرية الأكوندريتية، غير تلك التي ترى الدراسات أنها مشتقةٌ من كوكب المريخ أو من القمر؛ فقد وجد أن مجموعةً من نيازك الأكوندريت يطلق عليها اختصارًا تسمية مجموعة نيازك اﻟ HED، التي تعني «هورديت» و«يوكريت» و«ديجونيت» لها خواص طيفية مميزة، تتشابه لدرجة كبيرةٍ من خصائص طيف الضوء، المنعكس من على سطح الكويكب «فيستا»؛ ومن ثم فقد اعتبر أنه مصدر لها.

تعدين الكويكبات

إلى جانب مكوناتها المعدنية الفريدة، وما تحوي بعض هذه الأجسام من ثروات طبيعية، قابلة للاستخدام المباشر (خاصة تلك التي تتكون من سبيكة طبيعية من الحديد-نيكل)، تمتاز الكويكبات بوضعية فريدة في المنظومة الشمسية؛ فهي أجسام سائبة تسبح في الفضاء. وهذا يجعل من تعدينها أمرًا سهلًا بالنسبة للإنسان. فلو أراد الإنسان تعدين سطح القمر أو المريخ، لكان لزامًا عليه أن يحفر لأعماق بعيدة أسفل القشرة الصخرية، ثم يحتاج إلى طاقة كبيرة، ليدفع ما حصل عليه من معادن، بعيدًا عن جاذبيتها ليعود بها إلى الأرض. أما تعدين الكويكبات، فلن يتطلَّب كل هذه الاحتياطيات. فكل ما هو مطلوب أن يصل الملاحون إلى هذه الكويكبات، ويسبحوا معها، ويحددوا مكوناتها، وما الأجزاء الثمينة منها بالنسبة لحاجة الإنسان، ويفتتوها إلى أجزاء أصغر، ثم يدفعوها إلى الأرض.

ولكن هل يحتاج الإنسان كل هذه المعاناة ليحصل على المعادن من هذه الأجسام؟ إن تاريخ الصراع حول الحصول على المعادن يؤيد إمكانية تطلع الإنسان لهذه الأجسام، وتكبده المعاناة من أجل الحصول عليها؛ فالحصول على المواد الخام عبر التاريخ كان ولا يزال وراء أكثر الصراعات الدولية دموية. ويضرب «ألان نورس»٦ مثالًا على قيمة المعادن في حياة الإنسان، ومدى استعداده للتضحية من أجلها. فيذكر أنه، لو زار باحث مكانًا محددًا؛ هو مدينة «دوسون» Dawson، في إقليم «يوكون» Yukon، فسوف يعرف إلى أي مدًى يمكن أن يتحمَّل الإنسان الصعوبات، من أجل بريق المعادن؛ ففي هذا المكان الذي يبعد آلاف الأميال عن المناطق المعمورة، في منطقةٍ شديدة البرودة في الشتاء، توجد أطلال قرية مدفونة، كانت في يومٍ من الأيام، ومن سنوات مضت، تعجُّ بالرجال والنساء والأطفال، جاءوا لهذا المكان الصعب، الشديد البرودة، الشديد وعورة الوصول إليه؛ متعرضين للجوع والمرض والموت، لا يشدهم شيء سوى بريق الذهب، الذي يوجد في تلك الوديان المقفرة. ولو حذا الإنسان حذوهم، لتطلع إلى حزام الكويكبات للحصول على الذهب والبلاتين والحديد والنحاس والكوبلت، لكن الأهم من ذلك كله بالنسبة للوقت الحاضر اليورانيوم. فمع نضوب المصادر التقليدية للطاقة، تزداد قيمة اليورانيوم المادية؛ نظرًا لاستخدام الطاقة الذرية بديلًا عن المصادر التقليدية؛ ومن ثم فلن يكون مستبعدًا، في السنوات القليلة المقبلة، أن يصبح حزام الكويكبات هدفًا لبعثات استكشاف تعدينية، تعقبها بعثات استخراج واستغلال الثروات المعدنية، التي تشكل أجسام مكونات هذا الحزام.

(٢) المذنبات

المذنبات أجسام سماوية عرفها الإنسان منذ أقدم العصور، وبثَّت في نفسه الرعب والفزع، حيث ظل ظهورها المفاجئ في السماء يخرق فكرة الكون الثابت، التي تخيلها الناس قديمًا. وفي ضوء المعطيات العلمية الحديثة، تُعرف المذنبات على أنها عبارة عن أجسام مختلفة الأحجام، تتركز في تجمعٍ هائل، يُعرف بغيمة أورت (نسبة إلى مكتشفها عالم الفلك الهولندي «يان كيندريك أورت» Jan Kendrick Oort، الذي توفي في شهر أكتوبر من عام ١٩٩٢م). وغيمة أورت هذه عبارةٌ عن عاصفةٍ هائلةٍ من الأجسام الكروية، توجد على أطراف النظام الشمسي، بعد مدار كوكب بلوتو.٧ وتتألَّف هذه الغيمة من حوالي تريليون نواة مذنب. والمذنبات — في الأساس — أجسام كروية، يبلغ متوسط قطر الواحد منها حوالي ١كم. وتمثل مكونات المذنبات — بحسب الفرض السائد الآن — مواد أولية تجمَّعت على هذا النحو من بقايا السحابة التي تكونت منها المجموعة الشمسية.
ومن خلال عمليات التحليل الطيفي أمكن التعرف على الكثير من خصائص المذنبات وتراكيبها الداخلية، ومكوناتها الكيميائية، من ذرات العناصر وجزيئات المركبات. والمذنب — كجسم — يتكون من رأس أو ذؤابة، وذيل أو ذنب طويل. ويبدو الرأس كالإكليل أو الهالة Corona. ويتكون رأس المذنب من سحابة كبيرة من الغازات — التي تتوهج عند سقوط ضوء الشمس عليها، فترى على هذه الشاكلة — تحيط بجسم صلب يعرف بالنواة. وفي بعض الأحيان تُرى النواة على هيئة نقطةٍ مضيئة منغمسة في الهالة أو الإكليل. وتشكل نواة المذنب، رغم صغرها، الكتلة الأساسية لجسم المذنب. وقد يصل قُطر الرأس في بعض المذنبات أكثر من مليون كم. أما الذيل أو الذَّنَب، فهو عبارة عن الجزء الذي يمتد خلف الذؤابة. ويبلغ طول الذيل ملايين الكيلومترات، وفي حالاتٍ معينة يكون طولُه أكبرَ من المسافة الفاصلة بين الشمس والمريخ.

وتختلف المكونات الكيميائية للمذنب من الذؤابة إلى الذيل. وعادة ما يتكون المذنب من كثير من المركبات والعناصر الكيميائية، منها الماء والأمونيا، والميثان وثاني أكسيد الكربون. ويتكون الذَّنَب من غازات أو من غبار أو من كليهما. ويمكن تمييز طبيعة مكونات الذَّنَب، من خلال شكله العام أثناء ظهوره للعيان؛ فالذَّنَب الذي يتكوَّن من الغازات، عادةً ما يبدو مستقيمًا خلف الذؤابة، أما الذَّنَب الذي يتكوَّن من الغبار، فيبدو مقوسًا أو منحنيًا بوضوحٍ خلف الذؤابة.

ويتسبَّب اضطراب الجاذبية في هذه الغيمة — والذي قد يسببه نجمٌ مارٌّ بالقرب من المجموعة الشمسية — يتسبب في دفع بعض المذنبات نحو الشمس، لتدور في مدارات إهليجية، وفترة دوران كبيرة جدًّا. وبعد أن تطرأ على مساراتها بعض التغييرات، بسبب اقترابها من المشتري أو زحل، تجد نفسها مرة كل قرن تقريبًا، متجهةً نحو النظام الشمسي الداخلي. وفي مكان ما (بين المريخ والمشتري غالبًا)، تبدأ حرارتها في الارتفاع، وتبدأ الغازات والمياه في التبخُّر، وتتأثَّر المكونات الصخرية للنواة الصلبة، فتتفكك أو تتشظَّى، وتتطاير منها أجزاء دقيقة الأحجام. وتدفع الرياح الشمسية ذلك التدفُّق المستمر من البروتونات والأيونات وغيرها من المواد — التي تندفع بسرعات عالية تقدر بحوالي ١٠٠٠كم في الثانية الواحدة — تدفع كميات كبيرة من الغبار والجليد خلف المذنب، صانعةً ما يُعرف بالذيل أو الذَّنَب، بسبب ما تحدثه من تأيُّن لجزيئات الغازات، ودفعها بعيدًا عن الشمس. ويمتد الذَّنَب خلف المذنب لمسافات كبيرة جدًّا، وربما تفوق المسافة بين الكواكب ذاتها. وقد تتخلَّف بعض مكونات الذَّنَب في المدار الذي سلكه المذنب من قبل؛ ومن ثم فإن تقاطُع مدار الأرض، مع ذلك المدار — الذي ترك فيه المذنب حطام ذَنَبه — يسبب ما يعرف بظواهر الشهب المعروفة، نتيجة لاحتراق الجسيمات الدقيقة في جو الأرض، التي تظهر خلال فترات ثابتة من العام. ففي يوم ٣٠ يونيو من عام ١٩٠٨م، كان يوم وابل نيازك «بيتا توريد»، المرتبط بمدار مذنب «إنكه». ويذهب بعض الباحثين للاعتقاد بأن حادث «تونجسكا» الشهير، الذي وقع في عام ١٩٠٨م، وسبب حرق وتدمير مساحات شاسعة من الأشجار في سيبريا، كان سببه قطعة من مذنب «إنكه»، كانت أكبر نسبيًّا من القطع الأخرى التي تسبب الزخات النيزكية المعتادة.٨ وربما يتوقع البعض دمارًا شاملًا يحيق بالأرض من المذنبات.

فترة حياة المذنب

من المعروف أن المذنبات تهوي إلى النظام الشمسي، من الحدود الخارجية، وتدور في مدارات بيضاوية. وتستغرق فتراتٍ طويلةً نسبيًّا لتتم دورة كاملة، قد تبلغ مائة عام أو أكثر، وربما أقل. والسبب في طول الفترة الزمنية هو مداراتها البعيدة جدًّا. ويتم قياس الفترة الزمنية للعودة، ببساطةٍ إذا تم قياس مدار المذنب أثناء زيارة واحدة. وعلى العموم، فإن المذنب يدفع ثمنًا غاليًا، في كل دورةٍ من دوراته داخل النظام الشمسي، تتمثَّل في فقدانه جزءًا كبيرًا من مكوناته، فيتقلَّص حجمه إلى درجة كبيرة. وهكذا مع مرور الزمن، يتمزَّق المذنب، وتتلاشى مادته تدريجيًّا. وقد تبتلع الشمس الكثير من المذنبات. كذلك قد تتصادَم مع أيٍّ من الكواكب الأخرى. ولعل ما حدث في عام ١٩٩٤م، من تصادُم المذنب المعروف بمذنب «شوميخر-ليفي» Shoemaker-Levy مع كوكب المشتري، خيرُ شاهد على ذلك. ومذنب «بيلا» الذي شُوهد عام ١٨٤٥م، ومن قبلها عدة مرات، والذي قدَّر «بيلا» فترة عودته إلى الأرض بحوالي ست سنوات ونصف السنة؛ كانت آخر عودة له في عام ١٨٥٢م؛ حيث لم يتم العثور عليه بعد ذلك مطلقًا. وفي مواعيد عودته المحددة في السنوات: ١٨٧٢م، ١٨٨٥م، ١٨٩٢م، ١٨٩٩م، ترى بقاياه فقط على هيئة شهب، تعرف بهطول مذنب «بيلا».

ويذهب البعض إلى الاعتقاد بأن أغلب المذنبات تَفْنى بعد إتمام ما يقدر بحوالي مائة دورةٍ تقريبًا حول الشمس. وتضاف المواد التي تكون المذنبات، بعد تفككها، إلى النظام الشمسي، فيتلقَّى كل كوكب من كواكب المجموعة الشمسية نصيبَه من هذه المواد. ويقدِّر العلماء مقدار ما تطرحه المذنبات من الغبار بحوالي ١٠٠٠ مليون طن سنويًّا، تضاف إلى المجموعة الشمسية. ويذهب البعض إلى الاعتقاد بأن المذنبات أسهمَتْ بشكلٍ مباشر في زيادة كميات المياه على أسطح بعض الكواكب؛ فكمية الماء في كل مذنبٍ تبلغ حوالي ١٠٠ طن تقريبًا. وتترسب هذه الكمية من الماء مع كل تفكُّك للمذنب، على أسطح الكواكب. ويرى البعض أن الماء الموجود في جو المريخ (على هيئة رطوبة طفيفة، لا تزيد نسبته عن ٠٫٠٣٪)، مصدره مذنب اصطدم به حديثًا. ويرى البعض أيضًا أن المياه الأرضية، قدمتها المذنبات والنيازك الساقطة على الأرض في مراحل نشأتها الأولى.

وبعض المذنبات تتطور إلى كويكبات، وتدخل ضمن نطاق حزام الكويكبات، بعدما تكون قد فقدت جزءًا كبيرًا من الغازات والجليد الذي يحيط بأنويتها، فيتخلف عنها الجزء الصلب الذي يشكل النواة؛ وبالتالي فإنها تشبه الكويكبات. وقد تتطور المذنبات إلى كويكبات. ويتم ذلك بتكون قشرة كثيفة نسبيًّا من المادة الصلبة، على المذنب من الخارج، تحول دون تأثُّره بارتفاع درجات الحرارة؛ ومن ثم يشبه المذنب في مثل هذه الحالة الكويكب.٩

أساطير المذنبات

يخرق الظهور المفاجئ والعرضي للمذنبات في السماء فكرة الكون الثابت التي كانت تسيطر على فكر الإنسان على مدى قرونٍ طويلة من الزمان. أما الشكل الغريب الذي تظهر عليه المذنبات من توهج رءوسها، وجرها خلفها ذيولًا تمتد مسافات كبيرة، فكان مدعاة لبعث الرعب والهلع في نفوس البشر، الذين نظروا إليها باعتبارها ظاهرة تهدد ثبات الكون، لها تأثيرها المباشر على الحياة الأرضية. لقد تصور الناس قديمًا المذنبات على أنها لحًى طائرة، أو سيوفٌ ملتهبة، أو صلبان معلقة في السماء، أو حزم أشعة وأبواق وجرار؛ ومن ثم فقد أثرت المذنبات في الفكر الإنساني على مدى التاريخ، وأصبحت تعني في كثير من الثقافات سقوط الممالك، وموت الأمراء (وبهذا الخصوص يقول شكسبير: «عند موت متسول لا ترى مذنبًا في السماء، بينما تبارك السماء موت الأمراء بظهور المذنبات.») واشتعال الحروب، وتأتي بالطقس الحار، والأحوال المضطربة. وقد أرجع أحد المؤرخين الأعمال القاسية التي كان يأتي بها «نيرون»، إلى تأثير مذنب ظهر في زمانه! وكان الناس يظنون أن المذنبات تمثل في جوهرها أرواح الرجال العِظام التي تظهر في السماء بعد موتهم؛ فظن الرومان أن مذنب سنة ٤٤ قبل الميلاد كان يمثل روح «يوليوس قيصر». والبعض تخيلها تمثل أرواح الأشرار التي تُنذر البشرية بالخطر. ومن أغرب تفسيرات ظاهرة المذنبات، وأكثرها إثارة للدهشة، تعريف قدمه أسقف «ماجدنبرج» «أندرياس سيليثيوس»، ونشره في كتاب ظهر سنة ١٥٧٨م بعنوان «تذكير لاهوتي بالمذنب الجديد»، قدَّم فيه تعريفًا للمذنب، اعتبره بمثابة الدخان الثخين للخطايا البشرية المتصاعدة كل يوم وكل ساعة، الذي يصبح أكثر ثخانة فيشكل مذنبًا له ضفائر مجعدة مجدولة.١٠

مذنب هالي

يعد مذنب هالي واحدًا من أشهر المذنبات وأكثرها عناية من قبل الباحثين. وتعود تسمية هذا المذنب باسم مذنب هالي، نسبة إلى اسم الفلكي الإنجليزي «إدموند هالي»، الذي عاصر وصادق العالم الشهير السير «إسحاق نيوتن»، صاحب «قانون الجاذبية» المعروف، حيث كان أول من عكف على دراسة هذا المذنب، أثناء ظهوره في عام ١٦٨٢م، وخلص في عام ١٧٠٧م، إلى أن مذنبات عام ١٥٣١م، ١٦٠٧م، ١٦٨٢م، كانت تكرارًا لمذنب واحد، بفترة فاصلة قدرها ٧٦ عامًا تقريبًا.١١ وتوقع أن يعود المذنب نفسه للظهور في عام ١٧٥٨م. ويعد ما ذهب إليه «هالي» من أن المذنب سوف يعود ثانية للظهور خلال فترة زمنية محددة؛ يعد نصرًا فلكيًّا منقطع النظير؛ فقد كان «نيوتن» [الذي استفاد هالي نفسه من قانونه] يفضل احتمال أن المذنبات تدور في مدارات مفتوحة حول الشمس، تتضمَّن رحلة واحدة فقط؛ ومن ثم فقد راهن «هالي» على سمعته العلمية، بزعمه أن المذنب سوف يعود ثانية، وهو ما حدث بالفعل بعد وفاته؛ ومن ثم فقد سُمي المذنب باسمه تكريمًا له، بصفته أول من أثبت أن المذنبات يمكن أن تدور في مدارات مغلقة (على شكل قطع ناقص). وقد تكرر ظهور المذنب بعد ذلك، في عام ١٨٣٥م، ١٩١٠م، ١٩٨٦م. وسوف يعود ثانية إلى الظهور — إن شاء الله — في عام ٢٠٦١م.

ومذنب هالي ضيف قديم جدًّا بالنسبة لسكان الأرض؛ إذ تمَّت مشاهدته — على ما يبدو — خلال الألف الثانية قبل الميلاد. فأقدم تسجيل لظهور مذنب هالي، ربما يعود إلى عام ٢٤٠ قبل الميلاد. ويبدو أن هذا المذنب هو الذي ظهر في عام ١٠٥٧ قبل الميلاد، كما في كتاب الأمير الصيني «هوي نان». ولقد لعب مذنب هالي دورًا مهمًّا في تاريخ البشرية؛ فاقترابه من الأرض في عام ٦٦م ربما يكون مرتبطًا بقصة السيف الذي ظل معلقًا فوق القدس لمدة عام، «لجوزيفوس». وفي عام ١٠٦٦م شاهد «النورمانديون» عودة أخرى لمذنب هالي. وبما أن المذنب كان على — حد تفكير الناس آنذاك — نذيرًا بسقوط مملكة ما، فإنه شجع وسرَّع بشكل ما غزو «وليم» الفاتح لإنجلترا. وقد ورد ذكر المذنب، بوصفه حدثًا مشهودًا، في إحدى صحف ذلك الزمان المعروفة باسم: «ذي باييه تابستري». وفي عام ١٣٠١م، شاهد «جيوتو»، أحد مؤسسي الرسم الواقعي الحديث، ظهورًا آخر لمذنب هالي، وقد أدخله في الصورة التي رسمها لميلاد السيد المسيح. وفي عام ١٤٦٦م، أثار ظهور المذنب الرعب في أوروبا، لأن المسيحيين خشوا أن يكون نذيرًا بانتصار الأتراك، الذين كانوا قد استولوا توًّا على القسطنطينية. وحتى في العصر الحديث، لم يتوقَّف الناس عن التخوف والرهبة من ظهور المذنب؛ إذ أثار موعد ظهوره في ١٩١٠م الرعب في نفوس الناس، وتوقع البعض نهاية البشرية، لما قد يُحدثه من تسمم في جو الأرض. والذي أزكى هذا الشعور لدى الناس، ما كان قد أعلنه الفلكي «وليام هوجنر»، في عام ١٨٦٨م، من وجود مادة «اليانوجين»، المؤلفة من الكربون والنيتروجين (ك ن). ومن المعروف أن هذه المادة تُصنع منها مادة السيانيدات السامة. وهذا الأمر جعل الناس يعتقدون أن تسممًا وشيكًا سوف يلحق بالأرض، من جرَّاء مرور المذنب بجو الأرض. وعكف الناس على شراء الحبوب المضادة للمذنب.

المذنبات في التراث العربي

رصد العرب ظاهرة المذنبات في مؤلفاتهم الموسوعية (العلمية الأدبية التاريخية)، باعتبارها نجومًا أو كواكب تظهر عرضًا في السماء ثم تختفي، بوصفها ضربًا من الأجسام السماوية، وبوصفها أحداثًا جديرة بالاهتمام. ومن اللافت للانتباه أن بعض المؤرخين العرب، صدروا أحداث السنين بظهور المذنبات، فوردت في أهم الأحداث التي حدثت في التواريخ التي يتناولونها بالتدوين، مما يعني اهتمامهم بهذه الظاهرة الطبيعية. ومن تسجيلات المؤرخين العرب لظاهرة ظهور المذنبات، تسجيل حدث ظهور مذنب هالي في أكثر حالات اقترابه من الأرض. وهذا حدث لم تسجله دوريات وحوليات ووثائق الأمم الأخرى. ومن الطريف أن تبدو دورية المذنبات باعتبارها تتحرك وتختفي ثم تعود فتظهر ثانية. ومن بين أهم التعريفات العلمية لظاهرة المذنبات، ما أوردة المرزوقي (أحمد بن محمد بن الحسن أبو علي المرزوقي، عالم بالأدب من أهل أصبهان [المتوفى في سنة ٤٢١ﻫ/١٠٣٠م])، في كتابه الرائع «الأزمنة والأمكنة»، الذي فرغ من تأليفه في ١٣ جُمادى الآخرة سنة ٤٥٣ﻫ. ففي الباب الثالث والستين، وفي معرض حديثه عن الكواكب، ومواضعها، يعرض تعريفًا عمليًّا دقيقًا للمذنبات:١٢ «فإن قيل: كيف تميز للعلماء مواضع هذه الكواكب ومقاديرها في سيرها على خفائها وعجز الحس عن إدراكها؟ قلت: أدركوا ذلك في الأزمنة المتعاقبة والدهور المترادفة، فكان أحدهم يقف في عمره مع تفقده البليغ لها على بعض أحوالها، ثم يرسم ما يقف عليه لمن يخلف بعده، وقد شاركه فيما مضى ثم قاس الأخلاف بعدهم قرنًا بعد قرن، فوجدوها وقد تقدَّمت عن تلك الأماكن الأول، وكذلك فعل الأخلاف للأخلاف، وقد ضبطوا تواريخ تلك الأزمنة معتبرين فوجدها تتحرك بأسرها معًا حركةً واحدةً، فتقطع في كل مائة عام درجةً واحدةً، حينئذٍ حكموا بما قالوا، فهذه حال هذه الكواكب المسماة ثوابت، إلا كوكبًا واحدًا، فإنه سيار خلاف سيرها، وخلاف سير السيارات كلها وهو الكوكب الذي سماه المنجمون ذا الضفيرة وذا الذؤابة وهو الذي تسميه العامة كوكب الذنب، وإنَّما يظهر في الزمان بعد الزَّمان ولأصحاب الملاحم فيه روايات. فعلى هذا عرف العلماء مواضع هذه الكواكب من الفلك وحكموا بما حكموا في كتبهم من شأنها.»
وفي رواية نقلها بدر الدين العيني (محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد أبو محمد بدر الدين العيني الحنفي [٧٦٢–٨٥٥ﻫ/١٣٦٠–١٤٥١م])، في كتابه الموسوعي «عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان» دلائل على ما يمكن اعتباره توصل العرب لفكرة دورية المذنبات، قبل هالي بزمن كبير نسبيًّا. ففي معرض ذكره لحوادث السنة الرابعة والثمانين بعد الستمائة، يذكر المؤلف واقعة طريفة تشير إلى بعض المعتقدات التي كانت سائدةً لدى الناس حيال المذنبات، وتشير أيضًا إلى مفهوم دورية المذنبات، وإن لم تُصَغ صياغة علمية، فيذكر:١٣ «وحدَّث الشيخ شعبان الهويُّ قال: حدثني الشيخ شرف الدين السنجاري التاجر السفَّار قال: كنت بالموصل سنة أربع وثمانين (يشير إلى سنة ٦٨٤ﻫ) ليلة النصف من المحرم، فظهر كوكب عظيم له ثلاث ذوائب طوال إلى جهة المغرب، فتعجب الناس من ذلك، وكان في الجماعة عماد الدين بن الدهان رئيس المنجمين، فسألوه عنه فقال: هذا الكوكب ظهر في سنة عشرين وأربعمائة، وله ذؤابتان في طول الذي ترونه وأخرى قصيرة جدًّا، فولد في ذلك التاريخ المستنصر خليفة مصر، فعاش سبعًا وستين سنة، وأقام خليفة ستين سنة، ثم ظهر هذا الكوكب في سنة تسعين وأربعمائة، فولد في هذا التاريخ عبد المؤمن صاحب الغرب، فعاش سبعين سنة، وملك خمسين سنة، ثم ظهر هذا الكوكب في سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، فولد في هذا التاريخ الناصر لدين الله، خليفة بغداد فعاش تسعًا وستين سنة، وأقام خليفة سبعًا وأربعين سنة، وها هو قد ظهر في هذا الوقت وذوائبه الثلاث كاملة متساوية، يدلُّ على أنه يولد في هذه الليلة مولود سعيد يملك مصر والشام والعراق، ويعيش ثلاثين وثلاثين وثلاثين، فنظروا فلم يولد في تلك الليلة إلا الملك الناصر محمد بن قلاوون المذكور. قلت: صادف كلامه ذلك ولكنه أخطأ في المدة على ما لا يخفى.» وفي كتاب «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»، يسجل المؤرخ الفقيه الأديب أبو الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي المتوفى سنة ١٠٨٩ﻫ، بعضَ الممارسات التي كانت سائدةً حيال ظهور المذنبات. ففي معرض تأريخه لأحداث سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، يذكر حادثة ظهور مذنب في سنة ٣٣٠ﻫ، أشار إليه بكوكب عظيم له ذنب منتشر، وارتبط بظهوره انتشار الغلاء وانتشار الأمراض:١٤ «فيها (يشير لسنة ٣٣١ﻫ)، كما قال في الشذور وافى جراد زائد عن الحد حتى بيع كل خمسين رطلًا بدرهم واستعان به الفقراء على الغلاء. وفي التي قبلها (٣٣٠ﻫ) ظهر كوكب عظيم ذو ذنب منتشر فبقي ثلاثة عشر يومًا ثم اضمحل واشتد الغلاء والمرض.» ويذكر نفس المعتقدات تقريبًا في معرض تأريخه لأحداث سنة ٤٥٨ﻫ:١٥ «وفيها كما قال في الشذور ظهر كوكب عظيم كبير له ذؤابة عرضها نحو ثلاثة أذرع وطوله أذرع كثيرة ولبث لياليَ كثيرة ثم غاب ثم ظهر وقد اشتد نوره كالقمر وبقي عشرة أيام حتى اضمحل، ووردت كتب التجار بأنه في الليلة الأخيرة من طلوع هذا الكوكب غرقت ستة وعشرون مركبًا وهلك فيها نحو من ثمانية عشر ألف إنسان وكان من جملة المتاع الذي فيها عشرة آلاف طبلة كافور، وكانت الزلزلة بخراسان ولبثت أيامًا فتصدعت منها الجبال وخسف بعدة قرى.» وفي معرض تأريخه لأحداث سنة خمس وثمانين وتسعمائة هجرية، يذكر حادثة ظهور مذنب، وينقل إشارات السيوطي عن ما شاع لدى الناس عند رؤيتهم لهذه المذنبات:١٦ «فيها — كما قال في النور — طلع نجم ذو ذؤابة كهيئة الذَّنَب طويل جدًّا له شعاع ومكث كذلك يطلع نحو شهرين. انتهى. قلت: قال السيوطي، في كتابه حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة ما لفظه: ذكر كوكب الذَّنَب، قال صاحب المرآة: إن أهل النجوم يذكرون أن كوكب الذَّنَب طلع في وقت قتل قابيل هابيل وفي وقت الطوفان وفي وقت نار إبراهيم الخليل، وعند هلاك قوم عاد وقوم ثمود وقوم صالح وعند ظهور قوم موسى وهلاك فرعون، وفي غزوة بدر، وعند قتل عثمان وعلي، وعند قتل جماعة من الخلفاء منهم الراضي والمعتز والمهتدي والمقتدر، وأدنى الأحداث عند ظهور هذه الكواكب الزلازل والأهوال، قلت: يدل لذلك ما أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه من طريق ابن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عباس فقال: ما نمت البارحة، قلت: لم؟ قال: طلع الكوكب ذو الذَّنَب فخشيت أن يكون الدخان قد طرق. انتهى ما أورده السيوطي بحروفه.» وفي بعض الحالات يكون ظهور المذنب بشير خير. ومن الأمثلة على ذلك ما أورده ابن كثير (إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي المتوفى سنة ٧٧٤ﻫ)، في كتابه «البداية والنهاية»؛ إذ يؤرخ حادثة ظهور مذنب ضمن أحداث سنة ٤٤٨ﻫ، فيذكر:١٧ «قال ابن الجوزي: وفي العشر الثاني من جمادى الآخرة ظهر وقت السحر كوكبٌ له ذؤابة طولها في رأي العين نحو من عشرة أذرع وفي عرض نحو الذراع ولبث كذلك إلى النصف من رجب ثم اضمحل، وذكروا أنه طلع مثله بمصر فملكت وخطب بها للمصريين وكذلك بغداد لما طلع فيها ملكت.»

أصل المذنبات

شغل أصل المذنبات ومصدرها الناس منذ القدم. وتعد أهم إشارات علمية، مسجلة عن أصل المذنبات، هي تلك التي تعود للفيلسوف الألماني «إمانويل كانت» [١٧٢٤–١٨٠٤م]، والتي يورد فيها: أن المذنبات تتكون بعيدًا جدًّا، وتتألف من جسيمات خفيفة. وقد افترض «كانت» وجود سحابة من المذنبات، تدور حول الشمس، ولكن على بعد كبير منها.١٨ ومن الطريف أن يرى الفلكي الهولندي «يان كيندريك أورت»، في خمسينيات القرن العشرين، نفس الرؤية تقريبًا التي قدمها «كانت»، منذ القرن الثامن عشر؛ إذ يرى «أورت» أن المذنبات، التي توجد على أطراف المجموعة الشمسية في تجمُّع هائل يطلق عليه غيمة، تكونت من مادة بقيت أو تخلفت بعد تكون أفراد المجموعة الشمسية الرئيسية.

المذنبات والنيازك

من خلال ما مضى من عرض موجز عن المذنبات، يتبين أنها مصدر من مصادر النيازك، في صور عديدة ومختلفة؛ فقد تهوي المذنبات على الأرض، وتتصادم معها، محدثة ما يعرف بالفوهات النيزكية الضخمة. وهذا الفرض يستند إلى المشاهدات الفعلية للمذنبات، والدليل الواضح على ذلك ما حدث من تصادمٍ شهده الباحثون وسجلوه، للمذنب المعروف بمذنب «شوميخر-ليفي» بكوكب المشتري؛ فقد تحطَّم المذنب إلى عددٍ من القطع المتفاوتة الأحجام، ارتطمت بالكوكب تباعًا خلال الفترة من ٩ إلى ١٦ يوليو من عام ١٩٩٤م. وقد خلَّف ارتطام هذه القطع ندبات واضحة بالكوكب، بلغ عددها حوالي ١٥ ندبة.١٩ ومن الطريف أن بعض المذنبات تنضم إلى حزام الكويكبات، وتصبح أنويتها الصلبة أجسامًا تسبح في مداراتٍ تقع ضمن مدارات الكويكبات،٢٠ بعدما تفقد — بالطبع — الغلاف الغازي والجليد الذي يحيط بها؛ نتيجة لارتفاع درجة حرارتها، أثناء اقترابها من الشمس. وهكذا تختلط المذنبات بالكويكبات، لتصبح مصدرًا للنيازك شأنها شأن الكويكبات. أو قد تتفكك المكونات الصخرية للمذنبات (الأنوية)، أثناء دورانها في مداراتها خلال النظام الشمسي، وتسقط على الأرض على هيئة أحجارٍ مختلفة الأحجام. ويرى بعض الباحثين أن النيازك الكربونية — على وجه الخصوص — تمثِّل أجزاءً من أنوية المذنبات. كما أن المذنبات تعد مصدرًا أساسيًّا من مصادر الغبار النيزكي، الذي يترسب على الأرض بكميات كبيرة.

(٣) المريخ

المريخ كوكب من كواكب المجموعة الشمسية، التي يطلق عليها الكواكب الأرضية أو الداخلية، وهي الكواكب التي تشبه كوكب الأرض، من حيث كونها لها قشرة صخرية صلبة، وليست غازية، كما هو الحال في بعض كواكب المجموعة الشمسية الأخرى، والتي يطلق عليها الكواكب الغازية أو غير الأرضية. ويعتبر كوكب المريخ من أقرب الكواكب الأرضية شبهًا بالأرض، هو وكوكب الزهرة. وهو الكوكب الرابع من حيث البعد عن الشمس (عطارد، الزهرة، الأرض، المريخ). ويبعد عن الشمس بحوالي ١٫٥٢ وحدة فلكية (٢٢٧٩٤٠٠٠٠كم). ويبلغ متوسط قُطره حوالي ٦٧٩٤كم. ويدور الكوكب في مدار إهليجي، ويؤثر ذلك على مناخه. وتتفاوت درجات الحرارة على سطح الكوكب من ١٣٣ درجة مئوية تحت الصفر في الشتاء، إلى ٢٧ درجة مئوية في أيام الصيف. وللكوكب قمران صغيران هما «ديموس» و«فيبوس»، وله غلاف غازي رقيق، يتألَّف من غاز ثاني أكسيد الكربون بنسبةٍ تقدر بحوالي ٩٥٫٣٪، والنيتروجين ٢٫٧٪، والأرجون ١٫٦٪، بالإضافة إلى آثارٍ من الأكسجين ٠٫١٥٪، والماء ٠٫٠٣٪. ويبدو أن الماء موجودٌ في حالةٍ متجمدةٍ في منطقتي قُطبي الكوكب مع ثاني أكسيد الكربون.٢١

الظواهر السطحية للمريخ

باستثناء الأرض، فإن كوكب المريخ، يمتاز من بين الكواكب الأخرى، بتنوع واختلاف ظواهره السطحية، من وجود مناطق شاهقة الارتفاع كالجبال، ومناطق منخفضة تشبه الوديان الضيقة الأرضية، ومناطق سهلية منبسطة كبيرة الاتساع. ومن أهم المعالم السطحية للمريخ، جبل «أوليمبوس مونز»، الذي يعد أعلى جبل معروف في كواكب المجموعة الشمسية جميعها؛ حيث يبلغ ارتفاع قمته عن مستوى سطح المريخ حوالي ٢٤كم، ويبلغ متوسط اتساع قاعدته حوالي ٥٠٠كم مربع. وعلى سطح المريخ منطقة «فاليس مارينيرز»، وبها نظام معقد جدًّا من التراكيب العميقة الضيقة، يطلق عليها تسهبلا خوانق (إذ تشبه المجاري المائية الجافة القصيرة والضيقة والعميقة)، تشغل مساحة تقدَّر بحوالي ٤٠٠كم مربع. وهي تشبه خوانق «كولورادو» وخوانق هضبة الخلف الكبير الجافة، في جنوب غرب مصر. ويوجد على سطحه فجوة كبيرة جدًّا تُسمى «هيلس بلانيتيا»، يبلغ متوسط قطرها حوالي ٢٠٠٠كم، وعمقها حوالي ٦كم. ويُعتقد أنها تمثل فجوة نيزكية، لكن يجب التحفُّظ عند قبول مثل هذا التفسير حول أصلها.

وبصفةٍ عامة، فإن الجزء الجنوبي من سطح المريخ، يمتاز بطبيعة مورفولوجية (ظواهر سطحية) معقدة نسبيًّا، وعمر زمني قديم. ويتشابه هذا الجانب من جوانب المريخ، إلى حدٍّ بعيد، مع طبيعة سطح القمر المورفولوجية. في حين أن غالبية مساحة الجزء الشمالي من سطح الكوكب، تمثله منطقة سهلية منبسطة نسبيًّا، بسيطة الظواهر المورفولوجية، حديثة العمر نسبيًّا. ومن هذه الوجهة تحديدًا، تتشابه الظواهر المورفولوجية لسطح المريخ كثيرًا مع سطح الأرض. فسطح الأرض — كما هو معروف — يمتاز بظهور مكاشف الصخور النارية بطبيعتها المعقدة، في بعض المناطق، وكذا انتشار الصخور الرسوبية، بطبيعتها البسيطة المميزة، على مناطق أخرى. ومن الظواهر المثيرة للانتباه، والجديرة بالتأمُّل على سطح المريخ، ما أظهرته بعض الصور الفضائية، من أشكال وظواهر يمكن اعتبارها مؤشرًا على وجود عمليات التحات (نحر الصخور بالعوامل الطبيعية)، في الصخور التي تغطِّي جزءًا كبيرًا من سطح الكوكب. وهذه الظواهر أقرب ما تكون إلى مثيلاتها على سطح الأرض، والتي تنشأ بفعل الرياح والمياه الجارية (الوديان الجافة). وقد جعلت هذه الصور بعض الباحثين يعتقدون أن الكوكب شهد تدفقاتٍ مائية على سطحه، في فترة من الفترات، ولكن يرى فريقٌ آخر من الباحثين، أن هذه الظواهر تمثل ثنيات وتشققات في سطح الكوكب، نتيجة عمليات ناشئة من باطنه.

هل توجد حياةٌ على سطح المريخ؟

يتطلَّع الناس من قديم الأزل إلى المريخ، بوصفه كوكبًا يحمل الحياة. وقد سجلوا ظنونهم أو معتقداتهم تلك في الأساطير وقصص الخيال التي كانوا يرددونها. وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر (١٨٨٨م)، أعلن الفلكي الإيطالي «سكياباريلي» نتائج أبحاثه عن شبكة الخطوط والعلامات، التي تُرى على سطح المريخ. وقد كانت إشاراته إلى تلك الخطوط مبهمة بطريقة جعلت البعض يفسرونها على أنها قنوات مائية. وهكذا تلقَّف «برسيفال لويل» تلك الإشارات واعتبرها دليلًا ماديًّا على وجود حياة عاقلة على سطح كوكب المريخ. ومنذ ذلك الوقت شغف الناس بأبحاث المريخ، خاصة تلك التي تتعلق بالحياة. ويبدو أن هناك من يستثمر ذلك الشعور استثمارًا جيدًا. فمن يكشف عن وجود حياة على المريخ، يمكن أن يتصل بها، في حال كونها حياة عاقلة، ويمكن أن يسخرها في حال كونها مجرد حياة بدائية. وهذا يفسر سر الاهتمام المحموم بدراسة احتمال وجود حياةٍ على سطح المريخ. وسر الهالة الإعلامية التي تحيط بمن يتطرقون لهذا الموضوع، خاصة ولو أشار إشارات — حتى وإن كانت مبهمة — تفيد توقع وجود مثل تلك الحياة. وفي عام ١٩٩٦م، صاحَب إعلان فريق من الباحثين، من وكالة الفضاء والطيران الأمريكية «ناسا»، عن وجود آثار أشكال بدائية للحياة، في ما اعتبروه نيزكًا مريخيًّا، هالة إعلامية كبيرة، انضم إليها الرئيس الأمريكي آنذاك «بيل كلينتون». ولا يمكن الوثوق في غالبية هذه الدراسات؛ فالصخرة التي اعتبرت مريخية، لا يمكن التأكُّد من كونها كذلك بصورةٍ مطلقة، والأشكال التي بدَتْ على أنها تشبه آثار الحياة البدائية الأرضية (على شكل الكائنات الأرضية وحيدة الخلية)، لا يمكن اعتبارها كذلك بصورة أيضًا مطلقة. فهناك من يشكِّك أصلًا في احتمال وجود نيازك مريخية على الأرض، من ضمن النيازك المعروفة. وهناك من يشكِّك في كون الصخرة، التي درست (مكتشفة في القارة القطبية الجنوبية)، من الصخور المريخية الساقطة على الأرض. كما أبدى العديد من الباحثين تحفُّظهم، حول دقة ما ذهب إليه الفريق من نتائج، واعتبروها متسرعةً، باعتبار أن ما ظنَّه الفريق بمثابة آثار حياة بدائية، لا يعدو كونه أكثر من تراكيب معدنية عادية.

وفي حقيقة الأمر، يصعب من خلال البيانات المتاحة عن الظروف المناخية السائدة على الكوكب، وطبيعة مكونات غلافه الجوي، تصور إمكانية وجود حياة عليه. وهناك عامل آخر في منتهى الأهمية في هذا الخصوص، وهو التقلبات المناخية المفاجئة التي تجتاح الكوكب؛ فعدم وجود قمر كبير كتابع للمريخ، مثل ما هو الحال بالنسبة للأرض، لا يساعد على ثبات دوران الكوكب حول محوره. وهذا يلعب دورًا بارزًا في إحداث تغيرات وتقلبات فجائية في مناخ الكوكب، ويجعل ثباتها لفترات زمنية طويلة نسبيًّا (كما هو الحال بالنسبة للأرض) أمرًا نادرًا. وهذا من شانه أن يقلِّل من احتمال ظهور الحياة، أو استمرارها على سطحه. ومع ذلك يعتبر المريخ — في نظر البعض — أكثر كواكب المجموعة الشمسية الأخرى، التي يُحتمل قيام حياة عليها.

ويورد عالم الفلك الراحل «كارل ساجان»، بخصوص احتمال وجود حياة من عدمه على كوكب المريخ، قولًا بليغًا معبرًا، في كتابه «الكون»، فيذكر:٢٢ «وعمومًا فإن بعض الناس يريدون فعلًا أن توجد حياة في المريخ، بينما يريد بعضهم الآخر العكس تمامًا. وحدثَتْ مواقفُ متطرفةٌ من كل جانب.» وهذا القول يعبر عن الخلاف الحاد بين الباحثين بخصوص احتمال العثور على حياة على كوكب المريخ، وهو الخلاف الذي يتطوَّر إلى صراعٍ في بعض الأحيان. وعلى العموم، سوف يظل أمر احتمال وجود حياة على المريخ رهن الحصول على عيناتٍ صخرية فعلية من سطح الكوكب، بواسطة سفنٍ فضائيةٍ تهبط على سطحِه، ودراستها دراسات متأنية ودقيقة.

النيازك المريخية

هناك طائفةٌ من النيازك الأكوندريتية التي يرى الباحثون أنها مشتقةٌ من صخور سطح المريخ، وهذه النيازك يطلق عليها «إس. إن. سي» SNC، اختصارًا لأسماء ثلاث طوائف من النيازك الأكوندريتية هي: «الشبرجوتيت»، و«النخليت»، و«الكاسيجنيت». هذا وقد أضيفت، في الفترة الأخيرة، إلى النيازك المريخية مجموعة أخرى يطلق عليها طائفة «الأورثوبيروكسينيت»، يمثلها نيزك واحد فقط، هو نيزك تلال آلان ١٠٠ /٨٤، الذي ثبت أنه مشتقٌّ من قشرة المريخ، ولا ينتمي لأيٍّ من نيازك المجموعات الثلاث المعروفة.

ومع صعوبة التسليم والقبول بسهولة إمكانية أن يفلت جسمٌ ما، من جاذبية المريخ القوية نسبيًّا، التي تتطلَّب أن يندفع الجسم بسرعة تعادل ٥كم/ثانية، لا توجد تفسيرات مقنعة، عن كيفية اندفاع هذه الأجسام، ولا عن العمليات الطبيعية، التي يمكن أن تدفع صخورًا من قشرة المريخ بهذه السرعة. فهل الانفجارات البركانية التي يمكن أن تحدث على سطح الكوكب قادرة على ذلك؟! لا أحد يعرف الإجابة عن هذا السؤال، وكل ما يُثار بهذا الخصوص لا يعدو كونه تكهناتٍ أقرب إلى الخيال. ومن بين الطروحات الغريبة بهذا الخصوص، رأيٌ يرى أن الغازات المتجمدة، هي من بين العوامل التي تدفع قطعًا من صخور المريخ، لتطير عاليًا ثم تندفع خارج نطاق الجاذبية؛ ومن ثم تترك مدار الكوكب إلى مدار الأرض؛ فالغازات المتجمِّدة تتخلَّل السطح وتصل لأعماق كبيرة نسبيًّا. ثم مع ارتفاع درجة الحرارة، تبدأ هذه الغازات في التبخُّر، محدثة ما يمكن أن يطلق عليه انفجارات عنيفة، تقذف بالغطاء الصخري عاليًا في الجو. ورأي يرى أن الانفجارات البركانية، على سطح المريخ، هي العامل المحرك وراء اندفاع صخوره، لتنطلق خارج حدود جاذبيته؛ ومن ثم تترك الكوكب لتقع في مدارات كواكب أخرى، منها الأرض، فتسقط عليها على هيئة ما يعرف بالنيازك المريخية.

لكن ما هو مطروح بقوة الآن فرضية الصدمات النيزكية على سطح الكوكب، والتي يتولد عنها قوة هائلة، يمكن أن تسبب عملية اندفاع قوية لقطع من الصخور، ولكن في مقابل ذلك يجب أن تسبب صهر الصخور، كما هو الحال في حالات الصدمات النيزكية الأرضية. وهذا ما لم يثبت حتى الآن في النيازك المريخية. لا شك أن في وجود دلائل على تعرض بعض المعادن المكونة للصخور المريخية (النيازك المريخية) لصدمات قوية؛ فمعدن البلاجيزكليز الذي يعد مكونًا أساسيًّا في مجموعة من هذه النيازك، هي مجموعة الشيرجوتيت تعرَّض لدرجةٍ عالية من موجات الصدمة، حولته إلى طور زجاجي، يُعرف بالماسكيلنيت، لكن بقية مكوناته في حالة عادية، لا تشير إلى وجود هذه الصدمات القوية. فلو كانت الصدمة التي تعرض لها لهذا المعدن، وقعت للصخر مكتملًا، لكانت آثارها أو تأثيراتها، قد تندت على كل المكونات. ومن هنا يمكن القول إن هناك تأثيرات صدمات نيزكية على صخور سطح المريخ، لكن ليس بالضرورة أنها وراء اندفاع صخوره، كي تخرج عن نطاق جاذبيته.

لكن عدم معرفة العوامل وراء دفع صخور من سطح المريخ لتسقط على الأرض، لا يقف حائلًا دون القول بوجود صخور مريخية ضمن النيازك التي تسقط على الأرض. ذلك أن بعض النيازك تمتاز بعددٍ من الخصائص تجعل الباحثين يضعونها ضمن النيازك المريخية. وعلى الجانب الآخر، هناك ظواهر محددة مستنبطة من دراسة النيازك، هي التي تدفع الباحثين للاعتقاد بأن بعضًا من نيازك الأكوندريت المعروفة مشتقٌّ من صخور المريخ.

(٤) القمر

شغل القمر أذهان الناس، منذ قديم الزمن، وسيطر على جانبٍ كبيرٍ من تفكيرهم. ومن بين أقدم الأمم التي شغفت بالفلك، وتركت تراثًا ملموسًا فيه، «الكلدانيون»، الذين حقَّقوا نجاحًا كبيرًا، في مجال اكتشاف علاقة القمر بظاهرة المد والجزر، ولو أنهم لم يتمكنوا — في الغالب — من الوصول إلى التفسير العلمي لهذه العلاقة. كما أنهم حسبوا، بشيءٍ من الدقة، مواقيت خسوف القمر، وتنبَّئوا بها مقدمًا. وقد أدَّت تلك الممارسات، إلى تطوُّر علم التنجيم، أو قراءة الطالع، في المجتمعات القديمة، نظرًا للرغبة الحثيثة في معرفة الغيب، والاعتقاد بارتباط الحياة الأرضية بالأجرام السماوية. وقد انتقلَتْ هذه المعتقدات، من تلك المجتمعات إلى غيرها من الحضارات القديمة النامية آنذاك، خاصة الإغريقية في مقدونيا والإسكندرية؛ ومن ثم انتقلَتْ إلى مُدَّعِي العلم في القرون الوسطى.٢٣
واحتل القمر مكانة خاصة في معتقدات الناس في الكواكب منذ أقدم العصور؛ نظرًا لقربه من الأرض، ووضوح رؤيته، وجماله وبهائه، ورونقه، وتأثيره المؤكد على البحار في ظاهرة المد والجزر. وعرف الإغريق الكثير عن القمر؛ إذ عرف «أناكسوجراس»، الذي عاش بين عام ٥٠٠ إلى عام ٤٢٨ قبل الميلاد، أسباب كسوف الشمس والقمر. كما أدرك أرسطو (٣٨٤–٣٢٢ق.م.) أن الأرض لا بد وأن تكون مستديرة، بسبب استدارة كسوفات الشمس. ثم كانت الخطوة الكبيرة في فهم طبيعة سطح القمر عندما اخترع «جاليلو» منظاره وصوبه نحو القمر، ليرى حفرًا وجبالًا، كانت بمثابة البداية الحقيقية للتعرف على تضاريس القمر. وقد ذهب الفلكيون القدماء إلى الظن بأن المناطق الداكنة على سطح القمر ما هي إلا بحار؛ لذا فقد أطلق عليها ماريا Maria [من الكلمة اللاتينية «ماري» Mare التي تعني بحرًا]. ومع بداية القرن العشرين، كانت كل الظواهر الطبيعية الخاصة بالقمر قد عُرفت تقريبًا، حيث تم تحديد وزنه، وحجمه، وكثافته. كذلك أمكن رصد حركات القمر بالضبط، وتحديد موقعه لعدة ملايين قادمة من السنين.٢٤
والقمر جسم كروي، يدور حول الأرض في مدار دائري تقريبًا، يبعد عن الأرض بحوالي ٣٨٢٠٠٠كم عن الأرض. ويبلغ قطره حوالي ٣٥٠٠كم، ومساحة سطحه حوالي ٣٨ مليون كم٢. ولو أن طول قطر القمر (٣٥٠٠كم)، يبلغ حوالي ١ /٤ طول قطر الأرض {متوسط طول قطر الأرض ١٢٧٣٥ [نصف قطر الأرض القطبي ٦٣٥٦٫٨ — الاستوائي ٦٣٧٨٫٢]}، إلا أن القمر لا يزن إلا ١ /٨٠ من وزن الأرض. والجاذبية على سطح القمر تعادل ١ /٦ الجاذبية على سطح الأرض. وكثافة القمر تعادل حوالي ٣٫٣٥جم/سم٣، في حين أن كثافة الأرض تعادل ٥٫٥٢جم/سم٣. وفرق الكثافة بين الأرض والقمر من الأمور المحيرة؛ إذ إنهما متقاربان إلى درجة كبيرة، من حيث المسافة التي تفصل بينهما (٣٨٢٠٠٠كم). ومن بين الاختلافات المهمة بين الأرض والقمر، وجود قلب من سبيكة الحديد-نيكل في باطن الأرض، وعدم وجود مثل هذه السبيكة في قلب القمر. وليس للقمر غلافٌ جوي مثل الأرض. وذلك يرجع إلى سبب بسيط؛ وهو أن جاذبية القمر الضعيفة لا يمكنها أن تحتفظ بغازات على سطحه، لو فُرض وجود مثل هذه الغازات في زمن ما.

كيف نشأ القمر؟ لا توجد إجابة محددة لهذا السؤال حتى الآن؛ فقد تباينت الآراء تباينًا كبيرًا حول نشأة القمر. وما زال هذا التباين قائمًا بين الفروض التي يسوقها المهتمون بهذا الأمر من حينٍ لآخر. وهناك فروض عديدة عن نشأة القمر يمكن إجمالها في أربعة فروض رئيسية، تختلف درجة قبولها من وقت لآخر. فما إن تظهر دلائل تؤيد فرضًا منها، حتى تستجد دلائل أخرى تؤيد أو تقوي فرضًا آخر. وهكذا يستمر الأمر سجالًا بين الفروض الأساسية الأربعة، التي سيقت حول نشأة القمر. وأهم تباين بين الفروض الخاصة بنشأة القمر يكمن في علاقة نشأته الأولى بالأرض؛ ومن ثم يمكن تصنيف الفروض التي تناقش نشأة القمر، إلى قسمين:

الأصل الأرضي للقمر

ترى فروض هذه النظرية أن القمر ينتمي أساسًا إلى الأرض، وأنه اشتق منها بطريقة ما، من خلال عمليات متباينة، يمكن إيجازها في عمليتين رئيسيتين، هما:

عملية الانشطار من تأثير المد

ترجع جذور هذه الفرضية إلى الباحث «ج. ﻫ. داروين» (١٨٤٥–١٩١٢م)، ابن «تشارلز داروين» صاحب نظرية التطور المعروفة في عام ١٨٨٠م.٢٥ ويزعم مؤيدو هذه النظرية أو الفرضية، أن الأرض تعرضت إلى تأثير سلسلة متقاربة الدورات من المد والجزر الشديدين، تحت تأثير جاذبية شمسية قوية، نظرًا لصغر المسافة آنذاك بين الأرض والشمس، لدرجة أن طول اليوم كان يقارب من أربع ساعات فقط في فترة بعينها. وقد حدث توافق كبير جدًّا، بين هذه المدة والفترة التي تفصل بين مدين متتاليين. وكان من جراء هذا التوافق ازديادُ مدى المد والجزر لدرجةٍ أدَّت إلى انفصال جزءٍ كبيرٍ من الأرض، من تأثير موجة المد العنيفة تلك. ودار الجزء المنشطر في فلك الأرض، واستمر حتى اليوم. وكثيرًا ما تلقى هذه الفرضية — على غرابتها — القبول من الباحثين.

عملية الصدمة

تعود البذور الأولى لهذه الفرضية إلى عالم الجيولوجيا المعروف «أ. ر. دالي»، من جامعة «هارفارد» الأمريكية،٢٦ الذي أشار في بحثٍ نُشر له في عام ١٩٤٦م إلى أن القمر تكون من الأرض؛ نتيجة اصطدام عرضي بجسم ذي حجم كوكبي. ولم تحظَ هذه الفرضية بالاهتمام اللائق، لكن حدث بعث جديد لهذه الفرضية، على يد عالمين بارزين هما: «هارتمان» وزميله «ديفيس» في عام ١٩٧٥م، عندما بحثا مسائل تكون الكواكب من تراكمات أجسام صغيرة، وذكرا أن الأرض اصطدمت بواحدٍ من الأجسام السماوية الكبيرة في بداية تكوُّنها، وأن هذا التصادم نجم عنه إطلاق بعض المواد من كلٍّ من الأرض والجسم الذي تصادم معها، وأن تراكم هذه المواد شكَّل اللبنة الأولى للمادة القمرية. ولا يوجد تأكيد أو قبول مطلق لأي من هذه الفرضيات، وإن كانت نظرية الصدمة تلاقي في الوقت الحاضر قبولًا كبيرًا نسبيًّا؛ نظرًا لأنها تفسِّر بشكلٍ جيد — في رأي بعض الباحثين — بعض الظواهر الخاصة بالاختلاف بين الأرض والقمر، من حيث التركيب الكيميائي، وعدم وجود قلبٍ من الحديد-نيكل في جوف القمر؛ فالاختلاف بين نسبة أكسيد الحديد إلى أكسيد المغنسيوم، بين الأرض والقمر، يرجع في الأساس إلى إسهام الجسم الصادم الأساسي في مكونات القمر؛ فالجسم الصادم، الذي يغلب على مكوناته أكسيد المغنسيوم، قدَّم الجزء الأكبر من المادة التي تشكَّل منها القمر، في حين قدَّمت مكونات القشرة الأرضية، التي يغلب عليها أكسيد السيلكون، جزءًا يسيرًا من المادة التي تشكل منها القمر. كما أن عدم وجود قلب حديدي للقمر، يرجع — في نظر مؤيدي هذه الفرضية — إلى أن القمر تكوَّن من القشرة السطحية للأرض.

الأصل المستقل

يرى مؤيدو النشأة المستقلة للقمر أن القمر لا علاقة له بالأرض من حيث النشأة؛ إذ إنه تكوَّن من السحابة الغازية، التي تكوَّنت منها بقية كواكب المجموعة الشمسية؛ وبالتالي فإن القمر تكوَّن بصورةٍ مستقلة، شأنه شأن الكواكب الأخرى. أما كونه تابعًا للأرض، فإن ذلك يعود في الأساس لأسباب مختلفة يمكن إيجازها في فرضيتين أساسيتين؛ الأولى: فرضية الكوكب المزدوج أو الأصل المشترك، التي يرى أنصارها أن كلًّا من الأرض والقمر تكوَّن بصورةٍ مستقلةٍ عن الآخر؛ فالقمر — شأنه شأن الأرض — تكوَّن بالتكاثف من السحابة الغازية، التي تكاثفت منها بقية كواكب المجموعة الشمسية. وبذلك فإن القمر تكوَّن كجسمٍ مستقلٍّ بذاته، لا علاقة له بالأرض، سوى قربِه الشديد منها. والفرضية الثانية، التي يُطلق عليها فرضية الاستيلاء، يرى أنصارها أن القمر تكوَّن في مكانٍ ما، بصورةٍ مستقلة عن الأرض، وربما بنفس طريقة تكون الأرض، أي من التكاثف من السحابة الغازية التي تكونت منها سائر الكواكب — بعيدًا عن الأرض. ثم حدث في تاريخ لاحق لتكونه — في موضعه — أن أسرته الأرض، وذلك عندما مر بالقرب من مدارها. وبذلك يعتبر القمر قد نشأ نشأةً مستقلة، كأي كوكب آخر من كواكب المجموعة الشمسية، أسرته الأرض من الفضاء، في وقتٍ لاحق من تاريخها الطويل، ولا علاقة له بالأرض من حيث النشأة.

النيازك القمرية

على حد زعم بعض الدراسات الحديثة، يوجد بين النيازك المعروفة عدد صغير من النيازك، التي ثبت وجود علاقة وثيقة بينها وبين الصخور القمرية، التي أتت بها سفن الفضاء التي حطت على سطح القمر. وفرضية الأصل القمري للنيازك، من الفرضيات القديمة كما سبق الإشارة. وقد مرت بفترات لاقت خلالها القبول، وأخرى واجهت خلالها الرفض. وأقرب رفضٍ لها ظهر قويًّا في الخمسينيات من القرن الماضي، وظل حتى قرب نهايته. والشواهد التي بنى عليها الباحثون رفضهم للأصل القمري للنيازك، هي تلك التي لخصها «ﻫ. ﻫ. نينجر»، في كتابه المعنون «خارج السماء» الصادر في عام ١٩٥٩م، والتي منها أن السرعة التي تدخل بها النيازك جو الأرض (٢٦ ميلًا في الثانية)، أكبر بكثيرٍ من سرعة الأجسام التي يمكن أن تأتي من القمر. كذلك فإن الأجسام القمرية التي يمكن أن تسقط على الأرض ينبغي أن تتوزَّع على مناطق تتوافق مع دائرة البروج القمرية، مما يعني أن غالبيتها يجب أن تسقط على المناطق الاستوائية من الأرض. وهذا بالطبع يخالف حقيقة توزيعات النيازك التي تتساقط على سطح الأرض، والتي تسقط على كل الأرض، ولم يثبت أنها تسقط على منطقة محددة من الأرض، دون الأخرى. ومن بين الاعتراضات أيضًا أن البراكين القمرية، التي يدعي البعض أنها العامل المحرك لاندفاع الصخور القمرية وخروجها من نطاق جاذبية القمر، بحيث يمكن أن تسقط على الأرض في صورة نيازك قمرية؛ هذه البراكين خاملة منذ ملايين السنين. كما أن عدد النيازك التي تسقط على الأرض كبيرٌ جدًّا بحيث يصعب توقع أنه يأتي من جسم صغير مثل القمر. وثمة اعتراض جوهري على فرضية الأصل القمري للنيازك يكمن في الاختلاف بين كثافة النيازك الحديدية، عن الكثافة المقدرة للصخور التي يتكون منها القمر، مما يعني أن القمر لا يمكن أن يكون مصدرًا على الأقل للنيازك الحديدية.

ومع هذه الانتقادات التي وجهت لفرضية الأصل القمري للنيازك، خاصة في النصف الأول من القرن العشرين، خمد الظن بأن أيًّا من النيازك المعروفة مشتقٌّ من صخور القمر. وكاد هذا الظن يندثر تمامًا، على إثر دراسة الصخور، التي جاءت بها سفن الفضاء من سطح القمر، في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات من القرن العشرين؛ حيث لم تكشف الدراسات، التي تمت — في حينها — على هذه العينات الصخرية، وجودَ تشابهٍ بينها وبين النيازك المعروفة في ذلك الوقت، لكن في نهاية السبعينيات، وبداية الثمانينيات، وهي الفترة التي شهدت طفرة في عدد النيازك المكتشفة مع توجيه بعثات علمية لجمع النيازك من القارة القطبية الجنوبية؛ عاد الظن بأن بعضًا من النيازك التي تسقط على سطح الأرض، مشتقة من سطح القمر. ففي عام ١٩٨٣م، أثبت أحد الباحثين أن نيزكًا صغيرًا، ضمن نيازك القارة القطبية الجنوبية، من أصل قمري. وقد كان هذا النيزك هو الذي عثر عليه «جون سكوت»، من فريق الباحثين الأمريكيين، في ١٨ يناير عام ١٩٨١م، وأطلق عليه تسمية «تلال آلن ٨١ /٠٠٥». وتعبر التسمية عن اسم المكان، وسنة البعثة ١٩٨١م، ورقم العثور على النيزك من بين النيازك الأخرى التي عثر عليها فريق البعثة في نفس العام. ولفت النيزك نظر الباحثة «روبيرتا سكور» (ورد اسمها عند الحديث على النيزك المريخي الذي قيل إنه يحتوي على حفريات كائنات مريخية دقيقة)، أثناء عملها على نيازك القارة القطبية الجنوبية، بوكالة «ناسا»، حيث وصفت هذا النيزك — أول الأمر — على أنه عينة غريبة، تحتوي على العديد من كسرات مسننة، بيضاء إلى رمادية، تتراوح أحجامها من ١ إلى ٨مم، في أرضية سوداء. وهذا النيزك يزن حوالي ٣١٫٤جم وتصل أبعاده ٣ × ٢٫٥ × ٣سم. وقد بدأ الشك في الأصل القمري للنيزك، عندما درس «برين ماسون» قطاعًا رقيقًا منه، وذكر أن الكسرات البيضاء في النيزك تُشبه إلى حدٍّ كبير كسرات «الأنورثوزيت»، التي توجد في الصخور القمرية، التي جاءت بها سفن الفضاء. ثم جاءت دراستا «أورسلا ب. مارفين» في عامي ١٩٨٣، ١٩٨٤م،٢٧،٢٨ التي أكدت فيهما الأصل القمري لهذا النيزك، الذي يتكون من كسرات «الأنورثوزيت»، مع نسب بسيطة من معادن أخرى، في أرضية من مواد معدنية وزجاجية، ملتحمة مع بعضها البعض. وبالطبع لم تكن مثل هذه الخصائص البتروجرافية معروفة في النيازك التي درست من قبل.

ثم توالت بعد ذلك اكتشافات النيازك القمرية، من بين النيازك التي يتم جمعها من القارة القطبية الجنوبية، ومن الصحراء الكبرى، ومن بعض المناطق الأخرى من العالم. ويبقى السؤال: كيف يمكن لقطع من صخور سطح القمر أن تندفع وتخرج عن نطاق جاذبيته، لتسقط بعد ذلك على الأرض؟! وفي الواقع لا توجد إجابات شافية ومحددة لهذا السؤال، لكن يتوقع أغلب الباحثين أن الصدمات النيزكية القوية بسطح القمر، هي السبب وراء اندفاع بعض شظايا الصخور من سطحه، بسرعاتٍ أكبر من ٢٫٤كم/ثانية (السرعة التي لو تحرك بها جسم ما يمكنه الإفلات من جاذبية القمر)، مما يجعلها تتغلب على جاذبية القمر، وتترك نطاق جاذبيته تمامًا، في طريقها إلى مدارات بعيدة عنه، يمكنها أن تتلاقى وجاذبية الأرض، فتسقط على سطحها.

وللنيازك القمرية أهمية علمية كبيرة؛ حيث إنها قد تأتي من مناطق قمرية، لم تتمكن سفن الفضاء من الهبوط عليها، أو جمع عينات منها. وبذلك تكمل دراسة النيازك القمرية المعلوماتِ المتاحةَ عن القمر وطبيعته. وهذا الظن صحيح إلى درجة كبيرة؛ إذ إن أغلب النيازك القمرية المعروفة حتى الآن (يبلغ عددها ٦٠ نيزكًا مختلفًا) أغلبها مشتق من مرتفعات القمر، التي تغطي الجانب البعيد للقمر، في حين أن قلةً منها جاءت من المناطق المستوية والمنخفضة نسبيًّا من سطح القمر، التي يُطلق عليها بحار القمر، وهي التي كانت المواقع المفضلة والمختارة لهبوط سفن الفضاء عليها من قبل. وهذه الظاهرة (كثرة نيازك مرتفعات القمر مقارنة بنيازك البحار القمرية)، تنسجم مع حقيقة أن مرتفعات القمر مكونةٌ في الأساس من صخور، تتكوَّن أساسًا من معدن البلاجيوكليز، وغنية بالألومنيوم، وهي الصخور التي يطلق عليها «الأنورثوزايت». فهذه الصخور عادة ما تكون أقل كثافة من صخور المناطق المنخفضة التي يغلب على مكوناتها معدن البيروكسين، ومعدن الأوليفين (جابرو وبازلت)، والتي تكون غنية بعنصر الحديد؛ ومن ثم فإن صخور المرتفعات تكون سهلة التطاير والاندفاع إلى أعلى، عندما تتعرض لعمليات التصادمات النيزكية، لتفلت من جاذبية القمر. كما أن وجودها في الأماكن المرتفعة، يسهم بدور ملحوظ في هذه العملية أيضًا. وتعتبر النيازك القمرية قسمًا أو مجموعة من النيازك الحجرية المعروفة باسم «الأكوندريت». ويطلق على النيازك القمرية اسم: «لونيت».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١