الفصل الخامس عشر

«الإنكار»

أندريه جرين

كُتِب بحث «الإنكار» عام ١٩٢٥، وهو عملٌ قصير ومُكثَّف للغاية ومن الصعب أحيانًا تتبُّع خيوطه. ورغم إمكانية قراءته كعملٍ منفصل مكتفٍ ذاتيًّا إلى حدٍّ كبير، مصحوبًا بشعورٍ بالإنجاز لشموله العديد من الموضوعات، ما يُعطي الانطباع بأنه يُغطِّي مجالًا شاسعًا، يمكن اعتبارُه خطوةً مهمة للغاية في استكشافٍ بدأ منذ وقتٍ طويل لوظيفةٍ محددة. لكن من وجهةِ نظرٍ أخرى، فإنه يُعتبر أيضًا سبقًا؛ إذ يتوصل لاستنتاجه في الفِقرات النهائية. وتفتح نهايتُه منظوراتٍ جديدة كان فرويد، في بعض الأحيان، يضع وصفًا موجزًا لها في وقتٍ سابق، ثم تتطوَّر لاحقًا سواء على يده أو بواسطة آخرِين. مع ذلك، فإن هذه التطوُّرات في أدبيات التحليل النفسي غيرُ مرتبطةٍ مباشرةً بأفكار البحث، لكن يجب الأخذ في الاعتبار أنها مستوحاة منها. لا يُستشهد بالبحث كثيرًا، فيما عدا بين المُحلِّلِين النفسيِّين الفرنسيِّين (في عَشرِ ترجماتٍ مختلفة)، وبفضل جاك لاكان، جذب اهتمام الفلاسفة (إيبوليت، ١٩٥٦) وأحدث حوارًا بين الفئتَين.

ينتمي «الإنكار» كلاسيكيًّا إلى علم اللسانيات، وهو من الموضوعات المُتداوَلة إلى حدٍّ كبير في الفلسفة. لا تُوجد في اللسانيات دلالةٌ قاطعة على عملية الإنكار (كوليولي، ١٩٨٨). ثَمَّةَ سلوكٌ ذو مغزًى، سواء عُبِّر عنه لفظيًّا أم لا، يمكن العثور عليه في فئتَين: سلوك سيئ وغير مناسب ويصعب رفضه؛ وسلوك يتكون من فراغٍ وانقطاع وغياب. ويمكن تسميتهما «تقدير ذاتي وتموضع زمكاني» (أي تمثيل لما هو موجود وما هو مُنقطع). ويتطور هذا الإنكار الأَوَّلي وينتج عنه إنكاراتٌ مُركَّبة.

ورغم ما قد نُلاحظه من اقترابٍ لتصنيفات الحُكم لدى فرويد من هذا المنهاج اللغوي في بحثه الذي صدر عام ١٩٢٥، من المهم أن نتذكَّر أن نقطةَ انطلاقِ فرويد كانت العكس تمامًا في أَوَّل حدْسٍ له في هذا الشأن.

(١) الإنكار المزدوج

يبدأ فرويد بإنكارٍ مزدوج موجود بالفعل في كتابه «تفسير الأحلام»؛ إذ ترتبط اكتشافاته الأصلية بمادةٍ غيرِ لفظية تكمن في أفكارِ وآليةِ عمل الأحلام. ويعرض فرويد أفكاره بوضوحٍ شديد على الأقل أربع مراتٍ (فرويد، ١٩٠٠، الصفحات ٢٤٦، ٣١٨، ٣٢٦، ٣٣٧). ويُشير إلى تجاهُل تصنيفات النقائض والمُتعارِضات في الحلم:

لا يبدو أن كلمة «لا» لها وجود حتى الآن فيما يخص الأحلام … علاوةً على ذلك، تشعر الأحلام بأن لها الحرية في تمثيل أيِّ عنصرٍ عن طريقِ نقيضِه التواق؛ وبذلك لا تُوجد طريقةٌ لكي نُحدِّد من الوهلة الأُولى ما إذا كان أيُّ عنصرٍ يُمثِّل نقيضًا ما حاضرًا في أفكار الحلم كعنصرٍ إيجابي أم كعنصرٍ سلبي. (المصدر السابق، صفحة ٣١٨)

في بعض الأحيان، نجد في أفكار الأحلام فئةً يمكن وصفها ﺑ «النقيض التام»، وهو جزءٌ من محتوى الحلم تَشكَّل وتصادف أنه مجاور له — «عن طريق فكرةٍ لاحقةٍ نوعًا ما» — وعُكِسَ في الاتجاه المضاد. «من السهل توضيح العملية بالمثال أكثر من وصفها» (المصدر السابق، صفحة ٣٢٦). ثَمَّةَ فكرتان مختلفتان في توصيفات فرويد المبكرة، تَتعلَّق الأولى بمحتوى الأفكار بينما تتعامل الثانية مع شعورٍ بالكبت في الحلم يُعبِّر عن «صراع إرادات» (المصدر السابق، صفحة ٣٣٧)؛ أي اختيارٍ يُبطِله اختياراتٌ مضادة. هنا، يُصحِّح فرويد تأكيداته السابقة: عندما تُواجِه تلبيةُ الرغبة في حلمٍ ما عقبة، تُترجَم في الحلم بإحساس «بعدم القدرة على القيام بشيءٍ ما». هذه «هي طريقة التعبير عن تناقُضٍ ما: كلمة «لا»؛ لذا فإن مقولتي السابقة (المصدر السابق، صفحة ٣١٨)، عن أن الأحلام لا يُمكِنها التعبير عن رفض، تحتاج للتصحيح» (المصدر السابق، صفحة ٣٣٧). يبدو أن فرويد يُشير ضمنيًّا إلى أنه ما دام تَمَّ إيصالُ المعنى من خلال أفكار أو تمثيلات للأفكار، فإن فكرة غياب التناقُض فكرةٌ صحيحة، لكن عندما يكون ثَمَّةَ تعبيرٌ ما مرتبطٌ بإرادة تقترب بما يكفي من تحقيقها من خلال عمليةِ إزاحةٍ وإحلال، لا يمكن دائمًا التغلُّب على كلمة «لا»، ويجد التناقُض طريقة للتعبير عن نفسه من خلال شعورٍ ما. هنا، يُغطِّي عنصر القوة على النقائضِ والتعارُضاتِ في التفكير والتي تَتعرَّض للكبت في عمل الحُلم. وقد لخَّص فرويد بوضوحٍ شديد أفكاره في بحث «عن الأحلام» (١٩٠١)، والذي كُتِب بعد ثلاثة أو أربعةِ أشهُر من نشرِ كتاب «تفسير الأحلام». يقول في إحدى الفقرات التي تستحق الاقتباس لوضوحها وإيجازها:

يبدو أن كلمة «لا» لا وجود لها حتى الآن في عالم الأحلام. ربما يُمثَّل التضاد بين فكرتين، وعلاقة «العكس»، في الأحلام بأكثر الطرق لفتًا للانتباه. فربما يُمثَّل عن طريق تحوُّل جزءٍ «آخر» من مُحتوى الحلم إلى نقيض؛ عن طريق فكرةٍ لاحقة نوعًا ما. وسنسمع عما قريبٍ عن طريقةٍ أخرى للتعبير عن التناقُض. كذلك يعمل إحساس «كبت الحركة» الشائع لدرجةٍ كبيرة في الحلم على التعبير عن تناقُض بين دافعَين، فيما يُعرف ﺑ «صراع الإرادات». (فرويد، ١٩٠١، صفحة ٦٦١)

أَصرَّ فرويد في كل النسخ التالية لكتابه عن الأحلام على جعلِ أفكاره عن الحُلم متماشيةً مع تلك التي كشَف عنها فيما يخُص المعنى الطباقي للكلمات الأَوَّلية (١٩١٠)، بناءً على فكرة لكارل إيبل، ما لفَت نظره إلى وجودِ تماثُلٍ بين اللغة القديمة والأحلام. غير أن ثَمَّةَ اتفاقًا عامًّا بين علماء اللغويات أن كلمةً واحدة لا يمكن أن يكون لها معانٍ متناقضة.

أُدرِجَت فكرةُ عدمِ وجودِ «لا» في الأحلام تدريجيًّا ضمن مفهومٍ أشمل، ظهر حوالي عام ١٩١٥، يُعرِّف نظام اللاوعي. في البحث الخاص باللاوعي في كتاب «علم ما وراء النفس»، يُشير فرويد إلى غياب التصنيفات التي تُناقض الرغبة في تفريغ الممثلات الغريزية (أو الدوافع) التي تتعايش جنبًا إلى جنب دون أن يتأثَّر بعضها ببعض؛ لذا في هذا النظام «لا وجود لأي إنكار، أو أي شك، أو أي درجاتٍ من اليقين؛ كل هذا يُدخَل من خلال عمل الرقابة بين اللاوعي وما قبل الوعي» (١٩١٥د، صفحة ١٨٦). وفي إطارِ سَعيه لمواصلة هذا التفصيل، يذكُر فرويد الإنكار في حدِّ ذاته للمرة الأُولى: «الإنكار هو بديل، على مستوًى أعلى، للكبت» (المصدر السابق، صفحة ١٨٦). سنُقابل هذه الجملة مرةً أخرى بالصياغة نفسها تقريبًا في بحث «الإنكار» (١٩٢٥أ). لقد كان الحدْس موجودًا بالفعل، لكن بناء المفهوم كان غائبًا.

يبدو غياب الإنكار جزءًا من عددٍ أكبر من السمات ذات الصلة؛ إذ نجده مندمجًا مع أفكارٍ أخرى؛ فلا يُوجد أي إدراك للزمن أو الواقع؛ بعدئذٍ بوقتٍ قصير، سيُضيف فرويد أن لا وعينا «لا يُدرِك أيَّ شيءٍ سلبي أو أيَّ إنكار؛ فكل المُتناقِضات تَتواجَد بداخله في الوقت نفسه؛ ولهذا السبب، لا يدرك موته ولذلك لا يُمكِننا أن نعطيه إلا محتوًى سلبيًّا» (فرويد، ١٩١٥ج، صفحة ٢٩٦). يأتي ذكرُ كلِّ هذه الأفكار قبل ظهورِ نظرية الغرائز، وهي التي تُدافع عن غريزة الموت. ولا يُعدِّل افتراضُ غريزة الموت أفكارَ فرويد عن الإنكار (وخاصة عن الموت)، بل من المحتمل أن يُؤثِّر على طريقته في التعامُل مع المشكلة. علاوةً على ذلك، نجد المقولة نفسها قد أُعيدت صياغتها طبقًا للنموذج الطبوغرافي الثاني، عندما يُورد ذكر انقسام الغرائز لاحقًا: «لا يُوجد أي شيءٍ داخل الهُو يمكن مقارنته بالإنكار» (فرويد، ١٩٣٣، صفحة ٧٤). ويُحاول بحث ١٩٢٥أ تجاوُزَ الإنكار المُزدوج «لا، لا»، ويسعى إلى إكسابِ وظائف وعلاقات الإنكار بالوظائف النفسية الأخرى دقةً وإحكامًا.

(٢) «الإنكار» (١٩٢٥أ)

الآنَ وللمرة الأُولى، بعد مرورِ خمسةٍ وعشرين عامًا على صدور «تفسير الأحلام»، وعشر سنوات منذُ صدورِ بحث اللاوعي في كتاب «علم ما وراء النفس»، يحاول فرويد تحليلَ ظاهرةِ الإنكار. يَتمثَّل الاهتمام الأساسي للبحث، في ضوءِ علم ما وراء النفس، في توضيح العلاقة، بين تصنيف فكري للحكم وجذوره المُفترَضة على مستوى أكثر الدوافع بدائية. وهذه المحاولة للاستمرار مثيرةٌ للإعجاب ويجب تتبُّعها خطوةً خطوة للكشف عن العديد من الأمور المُبهَمة:
  • (١)

    يبدأ فرويد ببضعةِ نماذجَ التقاها في واقع العمل السريري، بعضها ما زال مألوفًا للغاية بالنسبة لنا عندما يقول مريض مثلًا: «أنت تسأل من يُمكن أن يكون هذا الشخص في الحُلم. إنه «ليس» والدتي.» لنُصحِّح نحن هذا ليصبح «إذن فهي والدته» (فرويد، ١٩٢٥أ، صفحة ٢٣٥). في أمثلةٍ أخرى (وهي التي تُعطينا أحيانًا صورةً سيئة عن فرويد وهو يتلاعب بمريضه)، يظهر المعنى المختبئ وراء الكبت بعد أن يُسأل المريضُ عن أبعدِ شيء عن تفكيره في وقتٍ مُحدَّد؛ فدائمًا ما تكون إجابته مرتبطةً بما كان يدور داخل عقله قبل السؤال مباشرة. يذكُر فرويد موضوعاتٍ أخرى مختلفة، مثل الإسقاط في مثاله الأَوَّل (حيث يفترض الشخص الخاضع للتحليل أن المُحلِّل يظن أن المريض يقصد قول شيءٍ مهين) أو، بشكلٍ آخر، الأفكار الخاصة بمريض بالوسواس — الذي لديه بالفعل خبرةٌ مع العلاج وبدأ يفهم طريقته في التفكير، والذي يُلاحِظُ فكرةً وسواسية جديدة يُفسِّر معناها على نحوٍ صحيح في المرة الأُولى، ثم يتبرأ بعد ذلك من تداعياته.

  • (٢)

    يطرح فرويد استنتاجه النظري الأول: «وهكذا يمكن لمحتوى الصورة أو الفكرة المكبوتة أن يتسلل إلى الوعي بشرط إنكاره» (المصدر السابق، صفحة ٢٣٥). ومع ذلك، فإن هذه النتيجة لها حدودٌ مُعيَّنة، حتى لو كانت تُظهِر زوال الكبت. فمن بين مُكوِّنَي المكبوت — وهما المحتوى العقلي والعملية العاطفية اللذَين يصفهما كعنصرَين منفصلَين — يتعلق زوال الكبت بالمُكوِّن بالأَول فقط، مما يسمح بنوعٍ من التقبُّل العقلي، «بينما يظل ما هو ضروري للكبت موجودًا في الوقت نفسه» (المصدر السابق، صفحة ٢٣٦). علاوةً على ذلك، قد يحدث، في بعض الحالات، أن تنتُج وظيفة الإنكار، عندما تَتعرَّض للتحليل أثناء العلاج ويتقبَّلها المريض: «تنويعًا في غاية الأهمية وغريبًا نوعًا ما على هذا الموقف»؛ وهو ما يتمثل في القبول التامِّ للمكبوت دون أي إزالةٍ لعملية الكبت نفسها. وقد ترك هذا فرويد في حَيرةٍ من أمره. فثَمَّةَ تعارُض بين اندهاش فرويد الحقيقي مما يمكن أن يُحقِّقه الإنكار بتمكينِ شخصٍ ما من إدراك ما كبَته وملاحظتِه لاستمرار الكبت. يُمكِننا افتراض أنَّ ما هو جوهريٌّ للكبت هو العملية العاطفية، لكن فرويد لا يقول هذا. ربما نظن أنه لا يُشير إلى طبيعة العملية بقدْرِ ما يشير إلى القوة الديناميكية التي تصحبها. ورغم أهمية الاكتشاف، تبدو أفكار فرويد الأَوَّلية وكأنها تقودنا إلى طريقٍ مسدود. رُبما يُعبِّر ما تبقى من البحث عن الرغبة في التعامُل مع المشكلة من زاويةٍ أخرى عليه العثور عليها بعد انحرافٍ مُحدَّد.

  • (٣)
    يُعتبَر تطبيقُ توكيدٍ أو إنكارٍ على محتويات الأفكار وظيفة الحكم العقلي؛ فعن طريقِ إظهار أنَّ الإنكار طريقةٌ لإدراك ما هو مكبوت، يظن فرويد أنه اكتشف الروابط بين الحكم العقلي وأصله النفسي. إذا كان بإمكان الإنكار إزالة الكبت، ولو جزئيًّا، فإن أي حكمٍ سلبي ربما يُؤدِّي لإلغاء إدراك التوكيد الكامن وراء الكبت. وبتطويره لأفكاره وقلبها رأسًا على عقب بطريقةٍ ما، يُصرِّح فرويد بأنَّ إنكارَ شيءٍ في حكمٍ ما، يعني في الأساس أن تقول «هذا أمرٌ من الأفضل أن أكبته.» ويُتابع مُكرِّرًا جملةً كان قد كتبها قبل عشر سنوات في صيغةٍ مُعدَّلة قليلًا («الإنكار بديلٌ، على مستوى أعلى، للكبت» (المصدر السابق، صفحة ١٨٦)) فيقول: «الحكم السلبي هو البديل العقلي للكبت» (المصدر السابق، صفحة ٢٣٦). وقد أُشير عام ١٩١٥ ضمنًا إلى أن الكبت، عند مستوًى أقل، لا ينتمي إلى الحكم العقلي. وهكذا يُدير فرويد ظهره الآن إلى الفروق السابقة بين العقلي والعاطفي، ويشرع في مناقشة العلاقة بين الكبت والحكم العقلي. ماذا عساه أن يكون هذا المستوى الأقل؟ يمكننا في ذلك استدعاءُ بدايةِ بحثه الخاص بالكبت (١٩١٥ب). كتب فرويد مُستدعيًا الفارق بين المُحفِّز الخارجي الذي، عندما لا يكون موضعَ ترحيب، يُحفِّز الهروب، وبين استحالةِ هذه العملية مع الغرائز؛ فيقول: «في فترةٍ لاحقة، سُيكتشَف أن الرفض القائم على البصيرة وأحكام العقل (الاستنكار) وسيلةٌ جيدة يمكن تبنِّيها في مواجهة الدافع الغريزي» (المصدر السابق، صفحة ١٤٦). علاوةً على ذلك، وفي بحث ١٩١٥ب، كتب يقول: «الكبت هو مرحلةٌ تمهيدية للاستنكار تقعُ ما بين الحكم العقلي والاستنكار» (المصدر السابق). لا يتضح موقف فرويد كثيرًا بشأن الاستنكار؛ فتارة يبدو مؤمنًا بأنه عمليةٌ نفسية تمتد لما وراء الحكم العقلي وقبله، وتارةً يربطها بالحكم العقلي على نحوٍ وثيق. في النهاية يترك السؤال مفتوحًا ويختتم قائلًا: «يكمن جوهرُ الكبتِ ببساطة في إبعاد شيء وإبقائه على مسافة من الوعي» (المصدر السابق، صفحة ١٤٧؛ ورد التأكيد في المصدر). سنُلاحظ غيابَ أيِّ إشارة إلى الحكم العقلي، حتى في شكله الأساسي المتمثل في الاستنكار في هذه المرحلة؛ فيبدو الأمر كما لو كان الاستنكار سيُعطي معنًى لخطوةٍ مفهومة كنبذ أو رفض لشيء غير مرغوب فيه. ثَمَّةَ تعبيرٌ ذو صلة عن ذلك يمكن العثور عليه في كتاب فرويد «النكات وعلاقتها باللاوعي»:

    يبدو أنه يشير إلى سمةٍ مهمة للتفكير اللاواعي، الذي لا تحدث فيه على الأرجح أيُّ عمليةٍ تشبه «إصدار الأحكام». إن ما نجده محل الرفض بناء على حكمٍ عقلي في اللاوعي هو «الكبت». قد يُوصف الكبت، دون شك، على نحوٍ صحيح كمرحلةٍ متوسطة بين ردِّ فعلٍ دفاعي وحكمٍ استنكاري. (فرويد، ١٩٠٥ب، صفحة ١٧٥)

    من خلال الجمع بين مُكوِّنات وصيغٍ مختلفة، نرى فرويد يُحاوِل، من ناحيةٍ، ربطَ، وكذلك تمييز، عنصرٍ ينتمي لهذا الشكل من الحكم، وهو عنصر أكثر ارتباطًا بالوظائف الفكرية، ومُدرَك بسهولة في فكرة الاستنكار، ومن ناحيةٍ أخرى، ربط وتمييز تعبيرٍ أكثرَ قسوةً عن قوة الرفض أَطلَق عليه «رد فعل دفاعي» عام ١٩٠٥، وهو الذي ينشأ بكل وضوح عن الاستياء، ويُعدِّل نفسه من خلال النمو والتطوُّر، وربما يكتسب شكله الأعلى من التعبير من خلال الفارق بين المحتوى الفكري والعملية العاطفية، اللذَين يُذكَران لاحقًا في الورقة البحثية نفسها. ولن يستخدم مرةً أخرى تعبير «رد الفعل الدفاعي». في كتاباته المبكرة، ينظر فرويد مراتٍ عديدة للكبت كعمليةٍ عضويةٍ تلقائية. وتدريجيًّا، سينظر إلى الكبت كقوةٍ نفسية، وإن كان لن ينسى قَط الإشارة ضمنيًّا أو صراحةً إلى ذلك البُعد من أبعاد القوة. في عام ١٩٢٥، كان الحل الوحيد الممكن هو العثور على مفهومٍ يجمع بين القوة والمعنى: قوة، بقدْر ما هي أساسية، يجب أن تتصل بشيءٍ ذي معنى؛ معنًى لا نملك أي فكرةٍ دقيقة عنه إلا عندما نربطه بقوةٍ ما. لكن مع ظهور الترميز أو التعبير بالرموز، يمكن تعديل هذه الحالة للأشياء كمًّا وكيفًا، وهو ما يُخفِّف من قيود الكبت: «بمساعدة رمز الإنكار، يُحرِّر التفكير نفسه من قيود الكبت ويُثري نفسه بمادةٍ لا غنى عنها لكي يقوم بمهمته على أكملِ وجه» (١٩٢٥أ، صفحة ٢٣٦). يبدو أن فرويد قد نسي تحفُّظاته بشأن قيود التخلُّص من الكبت لصالح المحتوى الفكري. لكن في الواقع فإن استخدامَ كلمةِ استبدالٍ يمكن تفسيره، بطرقٍ عدة، كشكلٍ من أشكال الإحلال للكيان نفسه أو كبديل يلمِّح بوجودِ فارق.

  • (٤)

    بعد توضيح الرابط بين الوظيفة العقلية للحكم وعلاقتها بالكبت والإنكار، يلتفت فرويد الآن إلى تحليل القرار الذي ينطوي عليه الحكم: «إنه يؤكد أو ينفي الاستحواذ من خلال شيءٍ ذي سمةٍ مُعيَّنة، كما يؤكِّد أو ينفي أن تمثيلًا ما له وجود في الواقع» (المصدر السابق، صفحة ٢٣٦). من المهم الإشارة إلى أن فرويد يختار تسلسلًا لعرض الجانبين، واضعًا مشكلةَ وجوبِ تقريرِ وجودِ شيءٍ ما أو عدم وجوده في المرتبة الأدنى. ونحن هنا نتفق مع بحوث النهج اللغوي، لكن فرويد يذهب خطوةً أبعدَ مستخدمًا المكاسب التي ذكرها في إطارِ تطويرِ بحثه. سيكون الفهم النفسي قائمًا على مفهومٍ لا يمكن فيه الفصل بين الحركة والمعنى، بل هما متداخلان بشكل كبير. ويضع فرويد قرار العزو تحت تصنيفات الخير والشر ويترجمها إلى لغته النظرية الخاصة. «بالتعبير عنه بلغةِ أقدمِ الدوافع الغريزية — وهي الغريزة الشفوية — يكون الحكم هو «يجب أن أرغبَ في استيعاب هذا أو أن ألفِظَه»» (المصدر السابق، صفحة ٢٣٧). يحافظ فرويد على منهجه وكما قال: «لإنكار شيءٍ ما في حكمٍ ما، فهذا يعني في الأساس أن تقول: «هذا أمرٌ من الأفضل لي أن أَكبِته.» ومن ثم يُعرِّف الموقف على هذا النحو. الحكم هو: «يجب أن أرغب في استيعابِ هذا، أو أن أَلفِظه»، مُتبعًا منهجًا مماثلًا للغاية. وعن طريق هذا التغيير، فإن اهتمامه الآن لا ينصَبُّ فقَط على عملية «إبعاد شيءٍ ما وإبقائه على مسافةٍ من الوعي»، بل ينصَب على عمليةٍ نفسية أكثر تعقيدًا، تتمثل في الأفعال التي تنطوي على معنى: «يجب أن أستوعب هذا بداخلي أو أُبقيه خارجي»» (المصدر السابق، صفحة ٢٣٧). وبذلك يتخذ الإنكار الآن شكلَ إبقاءِ شيءٍ ما خارجَ ذاتي. علاوةً على ذلك، فإن عملية الإنكار يُعزِّزها رفض الاعتراف بها كجزءٍ من نفسي، حتى لو كان أَبعدَ جزءٍ عن الوعي فيما يُطلِق عليه فرويد أنا المُتعة الأصلية. لم يرد هنا ذكرٌ للإشارة إلى شكلٍ عقلي للحكم، ولعل هذا بسبب أن هذه العملية ما زالت تنتمي لمبدأ المتعة. وحتى ذلك الوقت، كان فرويد ينظر إلى الكبتِ في إطار اختيارِ الحِفاظ على صورةٍ أو فكرةٍ ما في الوعي أو إرسالها لأبعدِ ما يُمكِن إلى داخل اللاوعي. وكان هذا الاستنكار مرتبطًا بالحكم بينما كان الرفض مرتبطًا بحركة إبعاده. والآن لم يعُد يُشير إلى الكبت بل إلى الدوافع الشفهية وهي أقدمُ الدوافع، والتي يجب فقط ألَّا تُقرِّر الإبقاء على محتوًى ما في الوعي أو كبته، بل عليها أيضًا أن تتخذ قرارًا يتجاوز الفروق التي حاوَلَ فرويد مواكبتها حتى الآن، محاولًا بناء بعض الجسور؛ فيصبح الحكم: «يجب أن أرغب في استيعاب هذا أو أن ألفظه» (المصدر السابق، صفحة ٢٣٧). إن الصيغة الحاليَّة تُوسِّع نطاق الصيغة السابقة التي تحدَّثَت فقط عن احتمالية الاحتفاظ بشيءٍ ما في الوعي، أو تفضيلِ كبته؛ فيكتب فرويد صيغةً مدهشةً للغاية: «بادئ ذي بدء، إن ما هو سيئ أو غريبٌ بالنسبة إلى الأنا وما هو خارجيٌّ متطابقان» (المصدر السابق، صفحة ٢٣٧). أظن أن ما يُلمِّح إليه فرويد هو أن الوظيفة الأساسية للجهاز النفسي، في البداية، هي بِناء أنا للمتعة الأصلية بإنكار أي شيءٍ يمكنه التعارض مع بناء نَواةٍ للخير، وهي التي لا غنى عنها مطلقًا لبناءِ عالمٍ نفسي أكثر تعقيدًا، في ظل القيود والإحباطات الحتمية التي سيُضطَر لتحمُّلها. نَتذكَّر أنه تحدَّث بالفعل في بحثه «صياغات عن مبدأي النشاط الوظيفي للعقل» عن الانتقال من «أنا المتعة» إلى «أنا الواقع» (١٩١١ب، صفحة ٢٢٤). إن فرويد يُطوِّر أفكاره. في البداية، يكون ثمة أنا واقع مبدئية يكمُن هدفها الأساسي في التمييز بين أصول المُحفِّزات. إذا استطاع الفرد، حال وجودِ أسبابٍ للاستياء والضيق، التخلُّص منها بالهروب، فإنه يُحدِّد موقعها كمُحفِّزاتٍ خارجية. أمَّا إذا لم تأتِ هذه المحاولة بأيِّ راحة، فإن المُحفِّزات تُعتبَر داخلية. لكن من منظور فرويد، يكون الخارجي في البداية خارجيًّا فقط دون أن يكتسب أيَّ صفات، عدا كونه غريبًا عن الأنا وعن السيئ. ثَمَّةَ تعديلٌ بين الصيغة الحالية وبعض الصيغ الأخرى التي تبدو متشابهة تمامًا في البحوث الأُولى؛ ففي مقال «الغرائز وتقلباتها» الذي تضمَّنَته أبحاث كتاب «علم ما وراء النفس» (١٩١٥)، يقول: «في البداية يبدو العالم الخارجي والموضوعات وما هو مكروه مُتطابقِين» (١٩١٥أ، صفحة ١٣٦؛ انظر كذلك الملاحظات في النسخة الأصلية، صفحة ١٣٥). لكنه يُضيف في موضعٍ لاحق في ذلك البحث عينه: «غير أننا الآن ربما نُشير إلى أنه مثلما يعكس النقيضان، الحب وعدم الاكتراث، التناقُض بين الأنا والعالم الخارجي، فإن المتناقضة الثانية بين الحب والكراهية تُعيد إنتاج متناقِضة المتعة وعدم الاستمتاع وهو ما يرتبط بالمُتناقِضة الأُولى» (المصدر السابق). في بحث ١٩٢٥أ، اختفت الإشارة إلى عدم الاكتراث؛ لأن التركيز الآن أصبح منصبًّا على الطرد؛ لذا فإن الفصل الجديد ينتج عنه انقسامٌ بين الداخلي والخارجي. لكن الأنا لا تعرف عن هذا الخارجي شيئًا، فيما عدا أن على الفرد إبعادَه بقدْر ما يستطيع عن الداخل. يكمُن التناقُض هنا في أن بناءَ باطنٍ داخلي يكتسب معنًى من خلال إشارته إلى نقيض، لكن هنا العالم الخارجي هو فقَط العملية اللازمة للسماح باحتمالية الاستدماج بمحاولةٍ جذرية لعزله. من الصعب جدًّا إدراكُ ما يقوله فرويد؛ لأن من الصعب تخيُّل قَبولِ أنَّ ما هو سيئ وغريب بالنسبة إلى الأنا وما هو خارجي متطابقان، دون أيِّ إمكانيةٍ لتحديد موقعهما. من إحدى الطرق لجعل هذه الفكرة أكثر قبولًا هو ربطها بموضوع. وهذا ما يحدُث عادةً في مختلف الأنظمة النظرية. وقد اعتمد أتباع ميلاني كلاين كذلك على نموذج فرويد، مُحوِّلِين الامتصاص والطرد إلى أمرَين عُرضةً لتصنيفهما ضمن أشكال الاستدماج والإسقاط، ومُحيلِين كليهما إلى الموضوع الأَوَّلي، ومستمدِّين كلَّ أنواع الصراعات من هذا الموقف الأَوَّلي. يبدو أن فرويد يرجع إلى مفهومه الثابت؛ فكرة وجودِ نظامٍ مُغلَق. ففي إحدى الملاحظات التي جذبت انتباه وينيكوت، قال فرويد عام ١٩١٠ على وجه الدقة إن مثل هذا النظام المُغلَق هو ضربٌ من الخيال وممكنٌ فقط إذا أخذنا الرعاية التي يلقاها الطفل الرضيع من الأم في الاعتبار (١٩١١ب، الصفحات ٢٢٠-٢٢١). وقد أُثيرَ الكثير من الانتقادات ضد هذا المفهوم. ما يجب أخذه في الاعتبار ليس افتراضَ عدمِ وجودِ الموضوع بقدْر فكرةِ أن الوظيفة الأساسية للموضوع — بطبيعة الحال في الظروف المألوفة للأمومة — هي حماية الطفل والإبقاء على وَهْم أن بإمكانه أن يجمع تجاربه الحياتية بتضمينها، لفترةٍ ما، في محتوًى يشعُر بأنه مطابقٌ له تحكمه المتعة، ما يُعزِّز بداية الوعي بالذات والتماهي مع ما يستوعبه ويجده جيدًا. لم نبتعد كثيرًا عن مفهوم وينيكوت عن الأُم الجيدة بما يكفي، أو فكرته عن الموضوع الذاتي. وكما أكَّدت سابقًا، كان همُّ فرويد الأساسي بناء أنا أصلية للمتعة. أمَّا ما يخالف هذا، فيصفه فرويد بالطرد، وهذا سببٌ تفضيلي لمصطلح الاستحواذ على مصطلح الإسقاط لتسمية الموقف. لكن هذا نصف القصة فقط؛ إذ يتعين علينا التعامُل مع أنواعٍ أخرى من القرارات، أو بمعنى آخر الوجود الحقيقي لشيء يتواجَد في العقل كتمثيل. نرى هنا ضرورة النظر إلى ما هو خارجي، وهو الذي استُبعِد في السابق كونه مطابقًا للسيئ والغريب بالنسبة إلى الأنا، على نحوٍ مختلف. لم يغفل فرويد أبدًا عن الخطوة التي لا غنى عنها الخاصة بالقدرة على إيجادِ وسيلةٍ لإشباع الرغبة في العالم الخارجي. وهذه هي مهمة أنا الواقع النهائية. لكن لكي تكون قادرةً على القيام بهذا، لا بد من التغلُّب على سيطرة مبدأ المتعة: «التناقُض بين الذاتي والموضوعي لا يُوجد منذ البداية. لكنه يخرج إلى الوجود فقط من رحمِ حقيقةِ أن التفكير يمتلك القدرة على أن يضع أمام العقل مرةً أخرى شيئًا كان قد أُدرِك من قبل عن طريقَ إعادةِ إنتاجِ تمثيل دون الحاجة لأن يبقى العالم الخارجي هناك» (١٩٢٥أ، صفحة ٢٣٧). بعبارة أخرى، رغم الإيمان بأن اختبار الواقع مرتبط مباشرة بالإدراك — وهو الذي لن يحتاج في هذه الحالة إلى أيِّ اختبار — يجب أن يبدأ الواقع من تقييم التمثيل. مُجددًا، تُعطَى الأولوية مرةً أخرى — كنقطةِ بداية — للعالم الداخلي الذي يخضع للفحص الدقيق. لا يُعنى اختبار الواقع بمهمة العثور على موضوع، و«لكن بإعادة العثور على مثل هذا الموضوع لإقناع الذات بأنه ما زال موجودًا» (المصدر السابق، صفحة ٢٣٧). كيف يمكن أن يحدث هذا التطور؟ هنا تأتي واحدة من أكثر الجمل التي كتبها فرويد غموضًا: «لكن من الواضح أن الشرط المسبق لإعداد اختبار الواقع هو أن تكون جميع الموضوعات التي أحدثت إشباعًا حقيقيًّا في وقتٍ ما قد ضاعت» (المصدر السابق، صفحة ٢٣٨). كيف يمكن لكل هذه الموضوعات أن تضيع؟ الطريقة الوحيدة المتاحة لي لفهم تلك الجملة هي صيغة فرويد الضمنية التي تشير إلى أن فعل استيعاب الجيد وإبعاد السيئ، تحت سيطرة مبدأ المتعة، يتحقق في موقفٍ لا يتضمن انفصالًا: إن ما أستوعبه بداخلي يصبح أنا مثلما أُصبح أنا ما هو جيد. وهذا الموقف ينتهي بانفصال. هكذا فقَط سأصبح مضطرًّا لإدراك الوجود المستقل للموضوع؛ ومن ثم إدراك خسارته، وهو ما يُعد في نظر فرويد، تَحوُّلًا مهمًّا للغاية نحو أنا الواقع النهائية؛ فمع هذه الخطوة، يحدث التمايُز بين الخارجي والداخلي أخيرًا. وهذا الواقع الخارجي، الذي يضُم كل الموضوعات الجيد منها والسيئ، بسبب حدوث الفصل، يحث الشخص على البحث مرةً أخرى عن تلك الموضوعات التي كانت موجودة بالفعل، لكن فقط في شكل تمثيلاتٍ استُدمِجَت (وكُبِتَت) فيما سبق. لقد أدَّت خطوة الطرد الأُولى إلى تمييزٍ بين «ما هو أنا» وما ليس أنا. ولم يعُد «ما ليس أنا» مساحة للغياب وانعدام الوجود؛ فجزء من الموضوع الذي يحتويه يعمل من أجل تحقيق الإشباع الذي كانت تسعى وراءه أنا المتعة الأصلية. ولمعظم الوقت، يُوجَّه البحث عن الموضوعات بلا وعي.

  • (٥)

    يعود فرويد مرةً أخرى إلى الحكم. لكنه ينظُر إليه الآن — والأصح أن نقول مرةً أخرى — كفعلٍ فكري قرَّر وضعَ نهايةٍ للتأجيل بسبب التفكير لينتقل من التفكير إلى الفعل؛ يمكن القول إنه تحوُّل للفعل الفكري إلى فعلٍ مادي. إنه استعداد للتصرُّف بطريقةٍ تُمكِّن المتعة من العثور على موضوعٍ يمكنه جلب إشباعٍ حقيقي. لقد كانت هذه الفكرة حاضرةً بالفعل في «مشروع» فرويد (١٨٩٥، الصفحات ٣٣٠-٣٣١) وها هي تعود للظهور هنا. إن أسلوب التفكير يعود بجذوره إلى النشاط اللمسي في النهاية الحسية للجهاز النفسي. وهنا يعود فرويد إلى فكرةٍ كان قد عبَّر عنها في بحثه «مبدأَي النشاط الوظيفي للعقل» عام ١٩١٠. وها هو هنا يستدعي فكرته تلك: الإدراك ليس توجُّهًا سلبيًّا؛ فهو يؤكد أو ينفي امتلاك سماتٍ بعينها أيضًا. وبذلك فهو يعتبره فعلًا تجريبيًّا.

  • (٦)

    الآن نصل إلى ختام هذا التطوُّر المُعقَّد: «تتيح لنا دراسة الحكم، ربما للمرة الأُولى، رؤيةً نافذة داخل مصدرِ وظيفةٍ فكرية ناشئة عن التفاعل بين الدوافع الغريزية الأساسية» (١٩٢٥أ، صفحة ٢٣٩). إن إصدار الأحكام يُعَد تطوُّرًا ذا أهدافٍ مُحددة للخطوات الأُولى التي تخضع لمبدأ المتعة فيما يخص ما يمكن تضمينه داخل الأنا وما يجب استبعاده منها. لكننا رأينا أن إصدار الأحكام يُشارك في هذا النشاط. يُلخِّص فرويد الأمر كما يلي: «التوكيد — كتشكيلٍ بديل — ينتمي إلى الغريزة الجنسية؛ بينما ينتمي الإنكار — خليفة الطرد — إلى غريزة التدمير» (المصدر السابق، صفحة ٢٣٩). هنا يستخدم فرويد أفكارًا يمكن فهمها فقط داخل إطارٍ تصوُّري. كذلك تُشير الغريزة الجنسية إلى التوحُّد؛ ويُعتبر التوكيد بديلًا لها. لكن هذا لا ينطبق على غريزة التدمير التي يُعتبر الإنكار خليفة لها، وهو ما يُثير مسألة التطوُّر بين التدمير، كمظهرٍ لغريزةٍ ما، والإنكار، الذي ينتمي إلى الحكم العقلي، كما لاحظ إيبوليت. في النهاية، يتمنى فرويد تحديد مكان الإنكار. لكن ربما تكون تعليقاته الهامشية أكثرَ أهميةً مما أُعطيت. على سبيل المثال، عندما يذكر نزعة السلبية كتعبيرٍ عن الرغبة العامة في الإنكار، ويرى فيها إشاراتٍ لتفكُّك الغرائز الذي حدث من خلال انسحابِ مُكوناتِ الغريزة الشهوانية، ربما نُفكِّر فيما يحدث للنموذج مثلما طُرِح آنفًا، حتى لو كنا لم نُواجهْ مطلقًا هذا النوع من المرضى. لا يمكن أن يبقى انسحابُ المكوناتِ الشهوانية غيرَ مُتأثِّر بتفكك السمات السلبية؛ ففي هذا الموقف، لا تكفي المساواة بين ما هو سيئ وغريب بالنسبة للأنا وبين الواقع الخارجي. في بعض العلاقات المُبكِّرة بين الأم والطفل، تكون مهمةُ ضمانِ وجودِ أنا جالبة للمتعة عُرضةً للخطر بدون شك؛ إذ يصبح من المستحيل الجهل بهذه السمات المختلفة والتخلُّص منها. يبدو الأمر كما لو كان الشخص الخاضع للتحليل مُجبرًا على استثمار، ليس فقط الموضوعات السيئة، بل كذلك موضوع الموضوع (الذي لا يكون هو عينه)، الذي يمنعه من بِناءِ نَواةِ ذاته كما لو كانت النتيجة ستكون التضحية الذاتية بالأنا الجالبة للمتعة في سبيل الموضوع الذي من المفترض أن يكون في عقل الأُم؛ وهو ما أَسميتُه موضوع الموضوع. يمكننا سرد أمثلةٍ أخرى لتحريفاتِ وظيفة الإنكار وهي التنصُّل (فرويد، ١٩٢٧، صفحة ١٥٤)، والتبعات التي سيُطوِّرها لاحقًا، أو طوَّرها في الواقع في آخرِ بحثٍ له لم يكتمل بعنوان «انقسام الأنا خلال عملية الدفاع»، من خلال تناوُل حالة صبيٍّ يبحث عن الإشباع الغرائزي ويخشى بعض التجارب التي يحتمل أن تُعرِّضه للعقاب، وهو ما وضعَه أمام قرارٍ يجب اتخاذُه سواء بالاستمرار أو بالاستسلام، ونشأ عن هذا القرار صراع. «لكن في الواقع لا يتخذ الطفل أيًّا من المسارين، أو بالأصح يسلك الاثنين بالتزامُن مما يقوده للنتيجة نفسها» (فرويد، ١٩٣٣، صفحة ٢٣٤). هذه النتيجة هي انقسام الأنا. ثمة أمثلةٌ قليلة، عمومًا، في أدبيات علم النفس تتبع المسار نفسه. وفي النهاية نُواجه، على أقل تقدير، الإشكالية الكبرى التي ضاعت أثناء مرحلة التطوُّر وهي عدمُ وجودِ تعريفٍ لوظيفة الترميز. بالعودة إلى تجربة التحليل لينهي البحث، يقول فرويد: «لا يُوجد دليلٌ أقوى على نجاح جهودنا لكشف اللاوعي أكثر من استجابة المريض له بكلمة «لم أفكِّر في هذا» أو «لم أفكِّر (أبدًا) في هذا»» (١٩٢٥أ، صفحة ٢٣٩). وقد كان يمتلك الأفكار نفسها عندما أعاد قِراءةَ سرده لأولِ حالة تحليلٍ نفسيٍّ تولاها، وهي حالة دورا، ضمن السرد الذي أُعيد نشره لسجل هذه الحالة في بحث الإنكار قبل عامَين (صفحة ٥٧ / ١) (١٩٠٥أ، صفحة ٥٧، أضيفت حاشية ٢ في عام ١٩٢٣). ويعود فرويد ليُكرِّر الكلمات نفسها قبل وفاته بعامَين في مقال «بنيات في التحليل» (١٩٣٧، صفحة ٢٦٣).

ومع ذلك، وقبل نهاية البحث، يعود فرويد إلى الفكرة التي واتَته سابقًا، وهي خلق رمزٍ للإنكار يمنح «التفكير أول قدْر من الحرية من عواقب الكبت» (١٩٢٥أ، صفحة ٢٣٩). ألا يُمكِننا التفكير في أن عملية الترميز في حد ذاتها يمكنها أن تكون مرتبطةً كذلك بالتفاعُل بين الإنكار والتوكيد؟ يترك البحث هذا السؤال بدونِ إجابة. وسيشغل هذا السؤال أجيالًا مستقبلية من المُحلِّلِين النفسيِّين.

(٣) مزيد من الأفكار حول الموضوع

يُمكِننا افتراضُ أنه عندما كان فرويد يعكف على كتابة بحث «الإنكار»، كان يمتلك في لا وعيه فكرتَين: الأُولى هي توضيحُ كيف يمكن النظر إلى الوظائف الفكرية بوصفها تملِك أصولًا مُتجذِّرة في أكثر النشاطات بدائيةً كما فهمها، وهي الدوافع. على النقيض، وفي الفكرة الثانية، والتي يُعبَّر عنها على نحوٍ أقلَّ صراحة، يبدو أنه يُخمِّن أنَّ نشوء وتطوُّر هذه الأشكال الأساسية من النشاط هو ما يُؤدِّي لنشوء الوظائف الفكرية. كان فرويد قد كتب هذا البحث قُبيل كتابته لبحث «ملاحظة بشأن لوح الكتابة الغامض» (١٩٢٥ب) وهو الذي يتعامل مع طريقة الانطباع المختلفة لآثار الذاكرة، وأشار بالأساس إلى أمثلة النموذج الطبوغرافي الأول الخاص بالوعي واللاوعي وما قبل الوعي (فيما يتعلق بالدرع الواقية). كان بحث «الإنكار» أكثر طموحًا؛ إذ يُوسِّع مجاله ليشمل التفكير، في حين كان البحث السابق عليه مُهتمًّا فقط بالذاكرة. يتناول فرويد ما يقع وراء اللاوعي (والذي يُنظَر إليه الآن كسمةٍ نفسية فقَط)؛ أي الهُو كقوةٍ نَشأَت في الأساس بواسطة الدوافع وعلاقتها بالفكر. في ظني أن فرويد كان يرغب في التأكيد على فكرةِ القوة المُشار إليها في مصطلح «الدافع». لكن من المهم أن نَتذكَّر أن معظم الدوافع من منظور فرويد كانت لا واعية؛ لذا فإن التحدي الحقيقي يكمن في فهم سلسلة الأحداث النفسية التي ربطت هذه الدوافع بنشاط التفكير. ولعل من أهم الخطوات في هذه السلسلة من الأحداث هو حيازة رمز الإنكار. لقد عانى فرويد من مشكلة التعبير بالرموز منذ بداية عمله؛ فهو يعتمد على فكرة الاستبدال الكلاسيكية، لكنه يرى أن مثل هذا النشاط مرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا باللاوعي؛ ولهذا ينصَب تركيزه على الأحلام. لقد كان يُنظر إلى التعبير بالرموز كلغةٍ عالمية تتجاهل قواعد اللغة في أكثر أشكالها عمومية. والواقع أن التعبير بالرموز، في هذا السياق، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتمثيل (تمثُّل فعلٍ بفعلٍ آخر وموضوع بموضوعٍ آخر)، أو بتحوُّل من شكلٍ إلى آخر من أشكال النشاط النفسي (كتحوُّل الأفكار إلى صورٍ ذهنية). لكن في بحث «الإنكار»، يبدو أن فرويد يُفكر في شيءٍ آخر أقرب إلى الاستخدام التقليدي للتعبير بالرموز؛ ففي رسالة إلى فرينزي، يقول فرويد إن الوظيفة الرمزية تبدو البداية لتشكُّل مفاهيم اللاوعي غير المتمايز، وهو نوع من «التجريد الأولي» (٣ يونيو عام ١٩١١). يمكننا أن نرى في تعبير «اللاوعي غير المتمايز» مؤشرًا لما سيضع له لاحقًا تصوُّرًا بوصفه «الهو»؛ لذا، وحتى لو كان فرويد عثر على التعبير بالرموز في أكثر بنى العقل قِدَمًا، فهو يعي أن ما يحتاج إلى تفسير هو هذا «التجريد الأولي». لكن إذا ركزنا على «الإنكار» فقط، فسيُغرينا ذلك بإغفال هذا التجريد الأولي والتفكير في أن الفرضيات الخاصة بنشاط الدوافع، كما وصفت في بحث ١٩٢٥، حتى مع تضمين الموضوعات، ربما تفسره.

يمكننا تمييز نوعَين من الإسهامات في الأدبيات التي جاءت بعد عمل فرويد. في مرحلةٍ أولى، كان ثَمَّةَ اعتقاد أننا لو كان لدينا درايةٌ أفضلُ بما يفترض أنها الخطوات الأُولى للأداء الوظيفي النفسي، لأمكننا فهم هذه الخطوة الرمزية. وفي خطوةٍ أبعد، صارت هناك حاجةٌ لإضافة مفاهيمَ جديدة لتوضيح تبعاتِ ما يُسمى بالتجريد الأَوَّلي.

كان فرويد مهتمًّا في الأساس بتقديمِ نموذجٍ عامٍّ مستقلٍّ بشكلٍ ما عن نوعية المرضى الخاضعَين للتحليل. لم يكن يدرك أن نموذجه يمكن أن يكون صالحًا فقط لهؤلاء المرضى الذين وُصِف لهم التحليل النفسي. وقد وَقعَت ميلاني كلاين في خطأ مماثل وإن كان في اتجاهٍ مضاد. فنراها تُقدِّم نظريةً عامة عن تشكيل الرموز، مستلهمةً أفكارها من طفلٍ مضطربٍ ومكبوتٍ للغاية بل مُصاب بالتأخُّر العقلي. ورغم أنها تستخدم مفهومَي الاستدماج والإسقاط بكثافة في عملها، فإن من العجيب أنهما لا يُذكران هنا كنقطةِ بدايةٍ لبحثها المتطوِّر. وبدلًا من التفاعُل بين الامتصاص والطرد، اللذَين يرمزان إلى التوكيد والإنكار، تتوجه رؤيتها بالكامل إلى مكافحة التهديدات التدميرية. ويرى معظم المحلِّلِين من غير أتباع كلاين، أن الأوهام الأساسية، في الظروف الطبيعية، مرتبطةٌ بتمنِّي تجدُّدِ تجارب الإشباع. إن آثار الذكرى تتغير، لكن الهدف النهائي دائمًا ما يرتبط بتجنُّبٍ للاستياء وبحثٍ عن المتعة. وما زلنا نُحاول تخمين كيفيةِ اكتشافِ وجود عمليات التعبير بالرموز قبل استخدام اللغة.

عندما كَتبَت ميلاني بحثها عن تشكيل الرموز (١٩٣٠)، انتَقلَت لصيغةٍ أخرى لتفسير فرويد. تفترض ميلاني أن الساديَّة تبلغ أَوجَها في الرغبة في التهام الثدي في المرحلة الفموية. في هذا الموقف، ينشأ قلقٌ شديد من مَصدرَين: سادية الطفل التي يُسقطها على أبويه مثل الخوف من الثأر لهذه الهجمات بواسطة هذَين الموضوعَين الأَوَّلَين. يكون هذا الدفاع الأَوَّلي عنيفًا جدًّا، وتصفه بأنه شيءٌ مختلف جوهريًّا عن الكبت؛ فالدفاع هنا مُضاعَف؛ دفاع ضد سادية الطفل حيث يكون رد الفعل هو الطرد، وضد الموضوع، حيث يدخل التدمير حيز التنفيذ. هنا نجد الفكرة نفسها التي نجدها لدى فرويد في اعتراض الطرد، لكنها مصحوبة بتدمير الموضوع، وهو موضوع ما زال غيرَ موجود بالنسبة إلى فرويد. بعد ذلك تتناوَل ميلاني أيضًا عملية التعبير بالرموز، وتقصر وصفها على وجودِ إزاحةٍ على موضوعاتٍ أخرى جديدة دون الدخول في أيِّ تفاصيلَ عن كيفية حدوثها، رغم التأكيد على أهميتها باعتبارها النشاط الأساسي للطفل تجاه العالم الخارجي والواقع. ولا يسعُك إلا أن تُصاب بالدهشة من حقيقة أن وظيفة الالتهام الخاصة بالمرحلة الفموية لا تتضمن، داخل البحث، ما يُسمَّى عادةً بالثدي الطيب، كما لو كان تكوين الرموز قد فُصِل عن تجربة الإشباع؛ فلا يُذكَر أيُّ شيءٍ عن دافع الامتصاص والحفاظ على الجوانب الإيجابية للتجربة الفموية. تتذكر ميلاني كلاين أنها قدَّمَت وجهة النظر القائلة إن الرمزية هي أساسُ كل الارتقاء والتسامي؛ لأن الأوهام الشهوانية تنبثق من التمثيل الرمزي. لكن في عام ١٩٣٠، نرى أن القلق هو سبب هذا التمثيل، مما يؤسس «لمعادلاتٍ جديدة». لذا فهي ترى أن التدمير هو أكثر الأشكال بدائيةً وأن العلاقات الشهوانية تُصادِف بشكلٍ غامض أن تنبثق من إزاحة القلق. لا نجد أيَّ تلميحٍ لقلق فرويد من الأشكال الأَوَّلية من التجريد. الإشارة الوحيدة لهذه الملاحظة الجانبية، والتي لم يُطوِّرها مطلقًا، كانت في كتابه «النكات وعلاقتها باللاوعي» (١٩٠٥ب).

ثَمَّةَ نقطةٌ واحدة ربما يلتقي فيها فرويد وكلاين؛ فرغم أنها لا تُورِد أي ذكرٍ لفقدان الموضوع في بحثها عام ١٩٣٠، فإن بعودتها إلى الموضوع في «مناظرات كلاين-فرويد» (١٩٤١–١٩٤٥)، تستدعي كلاين فكرتها الأُولى، وتُضيف بعض الملاحظات المثيرة للاهتمام عن أن الإزاحة على موضوعاتٍ جديدة يساعد في تحجيم المشاعر المرتبطة بفقدان الموضوعات الأساسية. أعتقد أن فرويد عندما كانت تُراوده فكرة التجريد الأَوَّلي، كان يُفكِّر في مرحلةٍ تحدُث بعد فقدان الموضوع الذي جلب الإشباع فيما سبق. مع ذلك، فإن التجريد يرتبط بنشاطٍ وظيفتُه هي استبدال الإشباع بالأوهام الشهوانية، وهي التي يمكنها ربطُ بعضِ آثار الإشباع في الذاكرة بتمثيلات، سواء للموضوعات الأساسية أو الإشباع الذي حقَّقَته. التجريد هو استخلاصٌ لسماتٍ يُفترَض أن تتشاركها الموضوعات من خلال التفكير، وهي سماتٌ تُحدِّد المفاهيم. الفارق الأساسي بين أفكار فرويد والأفكار الكلاسيكية الأخرى أن الاستنتاجات، رغم «تجريديتها»، قائمةٌ على توقُّعات الرغبة والإشباع؛ لذا، فإن الفكرة تتعلق بإعادةِ إيجاد موضوع بدلًا من إيجاده؛ ﻓ «إعادة الإيجاد» هي بناءٌ لا يخدم إلا إظهارَ كيف يصبح الإشباع واقعًا. تتمثل عملية التجريد في فكر فرويد من خلال فكرةِ أنَّ أيَّ عملية عكس، وهو ما يُعبِّر عن عدمية الحدوث، أو في هذه الحالة الإنكار، يظل بإمكانها إشباع الوهم أيضًا، بفضل استخدام الوظيفة الرمزية التي تسمح بدخوله إلى الوعي، فيما لا نجد لدى كلاين قَط هذا النوع من التفكير.

ورغم المسارات الجديدة التي فتحتها كلاين، كان ثَمَّةَ إحساس بعدم اكتمال التفسير. تعود سيجال لموضوع التعبير بالرموز في عدة أبحاث، فتطرح فارقًا بين «تشكُّل الرموز» كما شُوهد في المعادلات الرمزية — وهو ما يبدو قريبًا إلى حدٍّ كبير من وصف كلاين حسب مصطلحاتها الخاصة، بناءً على تفكيرٍ متماسك لا يبدو فيه اختلاف بين الرمز والشيء الذي يُعبَّر عنه بالرمز على نحوٍ ملموس — وبين «الوظيفة الرمزية»؛ فعلى عكسِ ما يحدُث في تشكُّل الرموز، «يُمثِّل» الرمز، في الوظيفة الرمزية، الشيء الذي يُرمَز إليه ولا يُخلَط بينهما. ويشير هذا ضمنيًّا كذلك إلى وجودِ شخص، مختلفٍ عن موضوعه، يقوم بتمثيلٍ وهو العنصر اللازم للتعبير الرمزي الصحيح. إذن ها هو التمثيل، الذي ذُكِر في بحث فرويد المُفصَّل والمستفيض عن الإنكار لكن كلاين استَبعدَته في بحثها، يعود مرةً أخرى. لكن التمثيل هنا شبهُ مساوٍ للوهم؛ ففي هذا الموقف، تنشأ علاقةٌ ثلاثية الأطراف، هي: الرمز، والموضوع الذي يرمز إليه، والشخص الذي يُمثِّل الرمز بالنسبة له رمزًا للموضوع. تقول سيجال: «في غياب الشخص، لا يمكن أن يُوجد رمز» (١٩٨١). في حالةِ تشكيلات الموضوع، يحدث خلطٌ بين الأنا والموضوع. نجد لدى سيجال كذلك فكرةَ أن الترميز يُساعد في التواصل الداخلي بين المرء وذاته. تُشير تطويرات سيجال بوضوحٍ إلى أن المعادلات الرمزية تنتمي إلى مرحلة الفصام البارانويدي، حيث تكون الوظيفة الرمزية أكثر ارتباطًا بالوضع الاكتئابي. لكن هذا البناء النظري ما زال يعتمد على الفرضيات الأساسية، مثل التماهي الإسقاطي، حيث يكون من المُسلَّمات أن الطفل يُسقط أجزاءً من أناهُ داخل جسدِ والدته، لكيلا يتخلَّص فقط من أجزاءٍ من ذاته، ولكن أيضًا ليستحوذ على الأُم ويتحكَّم بها باعتبارها الموضوع الموجود منذ البداية.

مع ذلك، يتجدد الاهتمام بين الجيل التالي من أتباعِ كلاين بموضوعاتٍ مُرتبطة بالإنكار، كما في أعمالِ بيون والتي يُحدِّد فيها المعضلة النفسية الكبرى؛ قبول الإحباط وتغييره أو تجنُّبه بتجريده من العناصر التي يتعذَّر معالجتُها وهي عناصر بيتا (المدركات غير المعالجة فكريًّا). نجد في كتابات بيون هذا الاهتمام ﺑ «الأفكار التجريدية الأولية» التي لَفتَت انتباه فرويد، ويبني نموذجًا لمساعدتنا في فهمِ كيفيةِ تحديده لها. وسنقصر فحصنا لنظرية بيون المُعقَّدة على النقاط المرتبطة بالإنكار. إذا تبنى بيون نظريةَ كلاين التي تنظر إلى الثدي كشيءٍ سيئ؛ نظرًا لأن الوعي به يُفصِح عن نفسه من خلال نقص الإشباع الذي تخلقُه الحاجة إلى الرعاية، فإنه بذلك يجلب رؤيةً جديدة للقدرة على تخيُّل التواصُل مع الأم كتعبيرٍ عن حبها، مُفضِّلًا قدرة الطفل على تغيير الإحباط بدلًا من تفاديه بالتفريغ؛ إذ تضم هذه الفكرة الخيالية موضوعاتٍ أخرى محبوبةً تعتز الأم بها. ويُساعد هذا في بناءِ عناصرِ أَلفَا (المدركات والخبرات النفسية غير المُعالجة) في مقابلِ عناصرِ بيتَا المحكوم عليها بالتفريغ لتخفيف العبء عن النفس، مما يدعم وهمَ كليِّ القدرة للتماهي الإسقاطي المُراوِغ. وعلى العكس، يُصبِح الإحساس بالخيال عُرضةً لإدراكِ أيِّ موضوع. وبهذا لا يكون استدماج الثدي الطيب كسمةٍ نفسيةٍ عمليةٍ فردية، بل عمليةً معقدة وغيرَ مباشرة يتم إيصالها. تستمد الوظيفة ألفَا (عملية استيعاب المُدركات ومُعالجتها)، اللازمة لتحويل التجارب العاطفية، مصدرها من وظيفة ألفَا الخاصة بالأم. ويُقسِّم بيون عملية التفكير إلى أفكار، وأفكارٍ تنشأ من جهازٍ للتفكير في الأفكار الأُولى.

يقول بيون، دون الخوض في تفاصيلَ كثيرة، إنه عاجلًا أم آجلًا سيخلُق الثدي المرغوب فيه فكرةً عن ثديٍ مفقود كنتيجةٍ لعملِ عناصرِ ألفَا؛ بعبارةٍ أخرى، لا يمكن صنع العقل إلا بالاشتراك مع عقلٍ آخر. إن ما يتحدث عنه بيون غيرُ مرتبطٍ فقط بالاستدماج بل كذلك بالتقبُّلية. يمكننا أن نستنتج من كتابات بيون فارقًا بين «اللاشيء» كفكرةٍ مرتبطة بغياب شيءٍ ما تؤدي إلى وعيٍ لا يمكن إدراكه إلا من خلال عملية التفكير، و«اللاوجود» الذي يشير إلى أمرٍ لا يمكن التفكير فيه ولا يُثير في العقل إلا فجوةً يصنعها تفريغ الإحباط المرتبط بإحساس «انعدام الوجود» أو «انعدام العاطفة».

كان أعظم إنجازات بيون هو التوصُّل لما يُسمَّى ﺑ «القدرة السلبية»، وهو مُصطلحٌ اشتَقَّه من مراسلات الشاعر جون كيتس، الذي يُعرِّفها بأنها حالةٌ عقلية يكون فيها الإنسان «قادرًا على مواجهة الشكوك والألغاز دون سعيٍ محموم وراء الحقائق والمُسببات»؛ لذا، نرى هنا أن القدرة السلبية يمكن فهمها كذلك كنتاجٍ للترميز؛ وظيفة الربط التي يجب ألا تنتهي بإنهاءٍ سابقٍ لأوانه للمسألة.

طرح بيون لاحقًا مفهومًا جديدًا لتوسيع عمليات التفكير، وأضاف إلى مفهومَي الحب والكراهية المعروفَين مفهومًا ثالثًا ذا أهميةٍ مساوية وهو المعرفة، وأكمل هذا المفهوم الأخير بضده، وهو المعرفة السلبية، الذي نجد فيه عودةً لمفهوم السلبي؛ فقد كان مهتمًّا بالفعل بهذه المسألة وأتى على وصفِ هجماتٍ على الربط. إنه يتحدث الآن عن مرضى يُلحقون تدميرًا ممنهجًا بمحاولات المُحلِّل النفسي للتفسير. ويعتمد في ذلك على مفهوم كلاين للحسد. إن وظيفة المعرفة السلبية لا يمكن فصلُها عن شعورٍ بالأفضلية والتفوُّق يُحاوِل تدميرَ أيِّ تطوُّرٍ جديد في الشخصية. وقد طُرِحت فرضيةٌ مثيرة للغاية عن المعرفة السلبية؛ إذ يفترض بيون أن طفلًا يشعر بخوفٍ من الموت ويُقسِّمه ويُسقِط شعوره هذا داخل الثدي الذي يشعر بأنه قد أُزيل منه العنصر الجيد والقيِّم الذي يحويه. تعود الرواسب العديمة القيمة مرةً أخرى، والمرتبطة بالمعرفة السلبية، إلى داخل الطفل قسرًا. لكن في هذه العملية الثانوية، فالأمر أبعد كثيرًا من عودة الخوف من الموت الذي يتم إسقاطه مرةً أخرى قَسرًا. «في الواقع يبدو الأمر كما لو كان الطفل قد فرَّغ افتراضيًّا الشخصية بأكملها» (١٩٦٢). إن السمة المميزة المسيطرة هنا هي «الافتقار».

كان لاكان كذلك مهتمًّا بالعلاقة بين الإنكار والترميز. وعلى عكس بيون، فإنه لا يبدأ بالتجربة العاطفية، بل يبني فكره على الدال. إن المسألة الرئيسة هنا هي تحوُّل الذات التي لا يمكن أن توجد إلا داخل النظام الرمزي في علاقته بالدال؛ فيرى لاكان أن تحوُّل الذات يجب أن يتم من خلال علاقتها بالذات الأخرى في الخطاب اللاواعي وفي إشارة للنظام الرمزي الخاضع لحكم «اسم الأب». ويُوضِّح لاكان أفكاره بإشارةٍ إلى حالة شريبر. يُصحِّح فرويد نفسه في تعليقه على حالة شريبر: «كان من الخطأ قول إن الإدراك الذي يُكبَت داخليًّا يتم إسقاطه للخارج؛ فالحقيقة التي أُبطِلَت داخليًّا، كما نرى الآن، تعود من الخارج» (فرويد، ١٩١١ج، صفحة ٧١). تَفهَّم لاكان (١٩٦٦) هذا التمييز معتبرًا أن تمييز فرويد قد ألمح إلى حقيقةِ أنَّه عندما تحدَّث عن الإبطال، كان يعني أن المحتوى النفسي لا يمكن تضمينه في العمليات الرمزية؛ كونها منظمةً بشكلٍ ما في كبت مرضى العُصاب؛ لذا لم يكن يمكن أن يصبح جزءًا من أيِّ سلسلةٍ من الدوالِّ، بل ظل خارج المعنى ولم يكن قابلًا للتفسير. وهذا سببُ طرحه لمصطلح «الإغفال» لتمييزه عن الكبت. في الأدبيات الحديثة، استُبدلت غرابة ترجمة لاكان بكلمة «الرفض» وثَمَّةَ مصطلحٌ آخر قريب هو الإنكار.

في عمل وينيكوت (١٩٧١)، نجد اهتمامًا دائمًا بمحاولةِ تحديدِ مساحةٍ وسيطة بين الداخلي والخارجي. يمكننا أن نرى هنا أن وينيكوت لا يتفق مع ميلاني كلاين بشأن دنيا العالم الداخلي الساحقة؛ فهو يُحاوِل وصفَ رحلة الطفل من الذاتية الصرفة إلى الموضوعية، معتبرًا أن الموضوع الانتقالي هو ما نراه من رحلة التطوُّر هذه نحو التجريب والمعايشة. يعتبر وينيكوت الموضوع الانتقالي رمزًا لاتحاد — أو من الأفضل أن نقول التئام شمل — الطفل والأم (أو جزء منها). الأمر يستحق الاقتباس:

إنه ذلك الموضع في الزمن والمكان الذي تكون فيه الأم في مرحلةٍ انتقالية من التوحُّد مع الطفل (داخل عقله) وبدلًا من ذلك يُنظَر إليها كموضوعٍ مُدرَك بالحواس وليس مُتصَوَّرًا. يرمز استخدامُ موضوع إلى الاتحاد بين شيئَين صارا منفصلَين الآن، الطفل والأم، عند نقطةٍ في زمان ومكان حالتهما من الانفصال. (وينيكوت، ١٩٧١؛ ورد التأكيد في الأصل، صفحة ١١٤)

يتحدث وينيكوت عن مساحةٍ افتراضية. ومما يُفكِّر فيه كذلك هو عملية الترميز التي يربطها على نحوٍ وثيق بالانفصال، ويتوصل إلى المفارقة الخاصة بأن هذا الانفصال، يمكن النظر إليه، بفضلِ احتماليةِ خلقِ هذا الموضع، كشكلٍ من أشكال الاتحاد وليس كانفصال (المصدر السابق، الصفحات ٩٧-٩٨). وهكذا نرى أن وينيكوت يُحاول الإجابة على السؤال الذي أثارَته فكرةُ فرويد عن عدمِ وجودِ موضوعٍ في البداية وادعاء ميلاني كلاين العكس. لكن وينيكوت ساهم على نحوٍ أكثرَ مباشرة فيما يخُص الإنكار ويصفه في الحالة السوية والمرضية. وعندما يُحاول تحديد سمةٍ للموضوع الانتقالي، يقول: «الموضوع هو الثدي وليس الثدي في الوقت نفسه»؛ مُتغلِّبًا بذلك على المعارضة التقليدية. لكنه مهتمٌّ كذلك، كما عبَّر في النسخة الأخيرة من بحثه «الموضوعات الانتقالية والظواهر الانتقالية»، بالجوانب المَرَضية للإنكار عندما يُؤدِّي انفصالٌ مؤلم، يستمر طويلًا جدًّا، إلى إفراغ الطاقة النفسية من الموضوع؛ فالشيء السلبي لبعض المرضى، سواءً كان حاضرًا أم غائبًا، يكون سلبيًّا من ناحيتَين: كشيءٍ سيئ؛ وكشيءٍ معدوم الوجود. وفي حديثه عن مريضةٍ كان لها تجربةٌ سابقةٌ بائسة مع مُحلِّلٍ آخر، يقتبس وينيكوت بعضًا من كلماتها: «إن ما هو سلبيٌّ لديه أهمُّ مما هو إيجابيٌّ لديك.» يصف وينيكوت هذه المريضة التي كانت ترى أنَّ «ما هو حقيقيٌّ هو ما ليس موجودًا هنا». حتى الترميز يَفقِد قُوته الخاصة بتثبيت العلاقاتِ داخلَ العقلِ حين يبدأ هؤلاء المرضى، بعد مرورهم بتجاربِهم المؤلمة، في «التشكُّك في واقع الشيء الذي كانوا يرمُزون إليه» (التأكيد وارد في الأصل). يُلخِّص وينيكوت مقولته بقولِ إن هؤلاء المرضى مهتمون بالأساس بالجانب السلبي للعلاقات، مُوضِّحًا كمَّ ما هم مُحمَّلون به من الظواهر السلبية إذ في ظلِّ انشغالِ عقلهِم على نحوٍ أساسي بالموت، أو الغياب، أو فقدان الذاكرة.

سأختتم هذا الفصل ببعض الملاحظات الشخصية ومُلخَّصٍ لمساهمتي.

من الشائع في نظرية التحليل النفسي استخدامُ مصطلحٍ «سلبي» بصيغته النعتية (التحويل السلبي للمشاعر، رد الفعل العلاجي السلبي، إلخ)؛ فنحنُ هنا نتعامل مع ما هو جوهريٌّ فيما يتعلَّق بمحتواه التصوُّري. يعود تعبير عمل السلبي إلى هيجل الذي لم يُطوِّره على نحوٍ واسع؛ لذا فإن الروابط بينه في فلسفة هيجل وبين تطبيقه في التحليل النفسي بعيدةٌ تمامًا فيما عدا رابط جاك لاكان.

ثَمَّةَ استخدامٌ ضمني لدى فرويد لمفهوم السلبي في نظريته؛ ويُعتبر اللاوعي مثالًا نموذجيًّا لذلك؛ لأنه لا يُشبِع نفسه في وصفِ ما ليس واعيًا داخل النظام النفسي، بل يُخاطب نظامًا للنفس. ولاحقًا، عندما تخلَّى فرويد عن النظر إلى اللاوعي كحالةٍ لكي يستبدل الهُو به، أكَّد فكرةِ أن كلَّ ما نعرفه تقريبًا عن الهُو له «سمةٌ سلبية» مقارنة بالأنا (فرويد، ١٩٣٣، صفحة ٧٣). وهذه الملاحظات المُتفرِّقة ربما تُوضِّح أن فرويد كان يسعى وراءَ إضفاءِ نوعٍ من العقلانية على السمات السلبية، لكنه لم يتجاوز أوجُه التشابُه البسيطة. وفي القلب من نظريةِ فرويد، نجد أن ثَمَّةَ رابطًا بنيويًّا يُعرِّف العُصاب بأنه «صورةٌ سلبية للانحراف» (فرويد، ١٩٠٥ج، صفحة ١٦٥). بشكلٍ أكثرَ عمومًا، قد تُفهَم فكرة التمثيل من وجهة النظر هذه أيضًا، مقارنةً بالإدراك الذي يُعارِضه. إن غياب الموضوع، المُجرَّد من السمات المُدرَكة من خلال الحَواس، والحاضر في العقل بدون الصفات التي نتعرف عليه من خلالها في الواقع، يمكن أن يؤدي إلى النظر إلى التمثيلات كنسخةٍ سالبة من المُدرَكات بالمعنى نفسه للنسخة السالبة من الصور الفوتوغرافية. كذلك يمكن أن يكون الكبت، الذي يُقصي التمثيلات من الوعي ويمنع الإفصاح عن الأفكار لفظًا محتفظًا بها في اللاوعي؛ حيث يمكنها أن تبقي بداخله على نشاطٍ من نوعٍ ما، جزءًا من تلك العمليات. وبالنظر إلى التماهي من منظور الرغبة نفسه، نجد أن له وظيفةً مماثلة داخل مزيج الاستبدال والعكس ينقلها أَحدُ معانيه.

لقد استَدعيتُ هذه الأفكار لأُوضِّح أنها كافيةٌ لإبطالِ أيِّ فكرةٍ عن مفهوم السلبي كونه حبيسًا داخل حدود السلبية المَرَضية، ولأُوضِّح أن المفاهيم العامة للغاية للحياة النفسية، سواء كانت طبيعيةً أم مَرَضية، ربما تُفسَّر على نحوٍ مثمر للغاية إذا نُظِر لها من هذا المنظور.

مع ذلك، وبأخذِ نظريةِ فرويد الأخيرة عن الدوافع في الاعتبار، فإن الدور المنسوب إلى الدوافع التدميرية يسمح بمحتوًى ربما يرتبط مباشرةً بعمل السلبي، في نطاق النشاط التقويضي الذي يُفعَّل داخل النفس لأجل مواجهةِ حائط المقاومة، المتمثل في معاندةِ قَهرِ التَّكرار والتعلُّق بصراعات الطفولة وعدمِ حلِّ عُصاب تحويل المشاعر. يتَّخذ الأخير شكلَ ترسيخِ «علاقة اللاعلاقة»، حيث تُصبِح لكل هذه السماتِ جُذورٌ راسخة في «رد الفعل العلاجي السلبي». ويُؤكِّد فرويد في فكره هذه النزعة من خلال اتفاقه مع مفهومِ غريزة الموت، وإشارته شبه القهرية إلى المازوخية الأَوَّلية.

لقد رأينا كيف فسَّرت المدارس الفكرية على اختلافها، ملاحظاتِ فرويد الأُولى، وكيف أعادت كلُّ واحدةٍ منها تفسير نظريته. كان اقتراحي هو جمعَ بعضِ آلياتِ الدفاع التي قدَّمها فرويد؛ فيُقدَّم «الكبت» بوصفه يقوم بدور نموذجٍ عامٍّ للنشاط الخاص بالدفاع. في بعض الأحيان، يؤكِّد فرويد تميُّزه وتفرُّده؛ فمهمة الكبت الأساسية، كما رأينا، هي منعُ نشوء الاستياء. ولاحقًا، وصف «الانقسام» أو «التنصُّل» كفكرتَين مرتبطتَين على نحوٍ أكثر تحديدًا بالإدراك (ومن ثَم تأثيره على الواقع). بدأ توسيعُ فرويد نطاقَ فكرة الانقسام للمرة الأُولى في بحثه عن «الفتيشية» في كتابه «الموجز في التحليل النفسي»، حيث فُهِمَت مشاعرُ تفتُّت الأنا من خلال الآلية نفسها. كانت أكثر الأشكال تطرفًا التي يأخذها في الاعتبار هو «الإغفال» أو الرفض الجَذري الذي يُحاوِل دَفعَ التبعات الخاصة لتجلِّيات الدافع إلى نقطةٍ يتم عندها إنكارُ وجودِ خطرٍ ناتج عن إشباعها بما يُخالف تعاليم الواقع. لكن ما أُنكِر في الخارج يعود مجددًا للعالم النفسي عن طريق العالم الخارجي كما في مثال الهلاوس.

إذن، فإن بحث «الإنكار» يُكمل الصورة، لكن يمكن اعتباره عمومًا منطبقًا على البِنى اللغوية، بمجرد إحالتها إلى جذورها في اللاوعي. لماذا أقترِح جمعَ هذه الأشكال المُتفرِّقة المُندرِجة ضمن تعبير «عمل السلبي»؟ لأني أراها ضروريةً في بناء العالم النفسي، وتُتيح رؤيةً للطرق المختلفة للتعامُل مع ما هو غيرُ مقبول. ثَمَّةَ فكرةٌ ضمنية لهذا الخيار. أعتقد أن النشاط النفسي، على أعمق المستويات، دائمًا ما يُفصِح عن نفسه كقوًى مفرطة؛ لهذا من الضروري جمع القوى وتحويلها ومنحها شكلًا يمكن للموضوعات المُحدَّدة للعقل قبوله، وهو ما ينطوي ضمنًا على تقليصِ القُوى من خلال الدفاع. إن الخيار الأساسي هو تعهُّد باتخاذِ قرارٍ بنعم أو لا. لكن يُمكِننا كذلك ملاحظةُ أنَّ تَحوُّل البيئة المحيطة بفعل المنتجات الثقافية يُشير ضمنًا إلى نوعٍ من الإنكار لطبيعتها؛ ولهذا فإن من الأصح اعتبار أن التسامي ربما ينتمي للتصنيف نفسه. من الصعب الفصل تمامًا بين الطرق المختلفة للعالم التمثيلي و«الإنكار»، في النهاية، وهو الذي يُعد شكلًا ضروريًّا لبناء اللغة، والمجال الذي لا يتخطى فقط الجانب المَرَضي، بل يُغطِّي كذلك الجانب الثقافي. واقتراحي هو جمعُ هذه الأشكال المُتنوِّعة كشهاداتٍ أساسية على عمل السلبي، على أن يكون العامل المشترك بينها هو تعهُّدًا بإصدارِ قرار بنعم أم لا. من الممكن إضافةُ أشكالٍ أخرى لها، مثل التماهي الإسقاطي الخاص بميلاني كلاين، وهو الذي يُمكن إدراجه ضمن التصنيف نفسه لكني أجده أكثرَ عُرضةً للجدل والاختلاف، على الأقل في أسلوبِ وصفها له. أجدني أكتر اتفاقًا مع وصف بيون بإضافته الخاصة بالمعرفة السلبية؛ نظرًا لكونه لا يأخذ في الاعتبار فقط التبِعات الاضطهادية للآلية، مثل وينيكوت، لكنه يتخيل تفريغَ وتجريد الشخصية بالكامل والسماح فقط ببقاء العلاقة الجديدة بين الموضوعات المُجرَّدة. ويجب أن تكون مهمتنا في المستقبل محاولةَ فهم العلاقات بين هذه الآليات المختلفة التي يجمعها عاملٌ مُشترَك على نحوٍ أفضل. من المفهوم أن الانقسام والتنصُّل والإغفال غالبًا ما يسودون بشكلٍ أكبر في البِنى التي تغلب عليها النزعة التدميرية، لتُفسِّر بناءها الهيكلي، مستجيبةً لتقلُّبات الشهوة الجنسية التي يصعُب فهمها؛ حين تبدو النرجسية تسيطر على الأفق.

كل هذا يقودنا إلى إعادة النظر في غريزة الموت في مفهومِ فرويد. ولقد اقترحتُ إعادةَ صياغةِ هذا المفهوم تحت اسم «النرجسية السلبية»، وهي نرجسيةٌ لا تُحاول الوصول للوحدة والاندماج — كما في حالة النرجسية من وجهةِ نظرٍ فرويدية — بل تطمح لبلوغ مستوى الصفر؛ إذ تتوق النفس، في النهاية، لفنائها بمجردِ فشل الحلول الأخرى؛ لذا فإن السلبيَّ لا يُفهَم هنا كمضاد «للإيجابي» بل كتطلُّع للعدم. وسيُتيح مثل هذا التقبُّل تفسير بعضِ الجوانب للمَظاهرِ التحليلية المعاصرة؛ كحالات الخَواء وزوال الطاقة النفسية، والإحساس بعدم الجدوى، والميل لعدم الالتزام، وما أُسمِّيه الانفصال الذاتي. لقد اعتدنا مُشاهدةَ هجماتٍ على النشاط الوظيفي للدوافع الأساسية، كما في اضطرابات الأكل؛ فكلما حاوَلَ المرء إشباع إحساسٍ داخليٍّ بالفراغ، ازداد هذا الفراغ. أعتقد أنه في بعض الدوافع الانتحارية تُفعَّل آليةٌ مماثلة، كما في إدمان المخدرات. ولا يُوجد تفسيرٌ مُرضٍ لتلك الجوانب بواسطة النظريات القائمة بالفعل.

يمكن العثور على منهجٍ أساسي للطبيعة النفسية في تحوُّل الدوافع إلى موضوعات؛ بعبارةٍ أخرى، لا يمكن قصر العلاقة بالموضوعات على التحوُّلات التي مرت بها الموضوعات القائمة (سواء داخلية أو خارجية)، لكنها يجب أن تتعامل مع قدرة الباطن الداخلي على خلقِ موضوعاتٍ من وظائفَ متعلقة بالدوافع، وهو ما يزيد من تعقيد العالم الداخلي. هذه هي «وظيفةُ تجسيد الموضوعات» التي تُساهم في الثراء التدريجي للنمو. على نحوٍ مضاد، وكنتيجةٍ للتوابع الغامضة لسوء الإدارة، سيكون لغريزة التدمير اليد العليا؛ فلن يقتصر الأمر على المظاهر الجلية للنزعة التدميرية، بل ستعمل باعتبارها «وظيفة عدم تجسيد الموضوعات» التي تهدف للوصول إلى النتيجة العكسية؛ فتُبطِل العمل السابق الخاص بالتجسيد بطريقةٍ تجعل الموضوعات الآن مجردةً من خاصية التفرُّد أو عدم القدرة على الاستغناء عنها بالنسبة للفرد.

أتاح تطبيقُ هذه الأفكار إعادةَ نظرٍ في مفهوم المازوخية الأَوَّلية ورد الفعل العلاجي السلبي من منظور الدور الذي تلعبه النرجسية في آثاره النهائية حين تُحجَب الغَيرية.

ثَمَّةَ حقلٌ بحثي مميز يخص عمل السلبي في الهلاوس؛ نظرًا لأن الأخيرة تُعد الأساس لإحدى الفرضيات الأصيلة بشأن دور الإشباع الهلوسي للرغبات. كانت الهلوسة السلبية كثيرًا ما توجد في التحليل النفسي في المرحلة المُبكِّرة من عمره، لكنها لاحقًا اختفت من الأدبيات الفرويدية، رغم أنها أثبتت أنها مفهومٌ غني جدًّا من الناحية التجريبية. ولقد اقترحتُ استخدام هذا المفهوم كنموذجٍ عام يُفسِّر آثاره الإيجابية والمَرَضية. عندما يحدُث الفصل بين الأم والطفل تاركًا الأخير وحيدًا، فإن تمثيل الأُم ربما يُعلق وتحُل محلَّه بدائلُ عدة. لكن شرطه المُسبق هو «البناء المُستَدمج لهيكلٍ إطاري»، وهو ما يُماثل ذراع الأم في حملها للطفل. فجميع الإدراكات الحسية الخاصة بالأُم يمكن دعمها إذا تبقَّى بداخله أثَرٌ يدل على بثها طاقةً نفسية به. هذا الهيكل الإطاري يمكنه حتى تحمُّل غياب التمثيل؛ لأنه يحتفظ بالمساحة النفسية مثل حاويةِ بيون. وطالما كان الهيكل الإطاري «يحمل» العقل، فإن الهلوسة السلبية للأم يمكن استبدال الإشباع الهلوسي للرغبات الناشئ عن الوهم بها. لكن إذا لم يستطع الطفل الحفاظ على إحساسه بالحصول على الطاقة النفسية من الأم، فإن هذا الإطار يصبح عاجزًا عن احتواء تمثيل البديل؛ إذ يبدو إحساسه بالوجود مرتبطًا باختفاء الموضوع. في بعض الأحيان عندما لا يُثير الموقف التحليلي هذا التهديد بعدم الوجود على نحوٍ مباشر، تظهر آليةٌ أخرى تجعل التحليل صعبًا للغاية. إن ما يحدث هو هلوسةٌ سلبية لعمليات التفكير تُفصِح عن نفسها بالفصل بين الكلمات التي نطقَها المريض بالفعل وبين معناها. لا تنتمي هذه الآليَّة إلى الكبت؛ لأنه حتى عندما تُستَدعى، فلا يُوجد ثَمَّةَ إدراكٌ أو تمييز لما قيل، كما لو كان هذا هو الحيلة الدفاعية الأخيرة قبل السماح لمشاعر العدم بالظهور.

في النهاية، لن نذكر نتاج الارتقاء والتسامي إلا كنتاجٍ إيجابي لتبدُّل وتحوُّل التجارب الذاتية التي حتى يمكن إبطالُها ببديلٍ مثمر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢