الفصل الثامن

«ما وراء مبدأ اللذة»

جيلبرت دياتكين

غالبًا ما تُعتبر نظرية الغرائز في التحليل النفسي اليوم نظريةً «بالية» نوعًا ما (ستاينر، ١٩٩٣، صفحة ٤٥). وقد حدث هذا التدهور في مكانتها بالتزامُن مع تضاؤل مكانةِ نظريةِ الغرائز الجنسية، ولكن لعل الانحدار الأكبر لها قد تزامَن مع انحدار نظريةِ غريزة الموت؛ ففي أدبيات التحليل النفسي الإنجليزية، لا يُشير إليها سوى اتجاهٍ واحد رئيس من الاتجاهات البارزة حاليًّا، وهو ذلك الاتجاه الذي يضم أتباع ميلاني كلاين. يرى وينيكوت، الذي كتب نصوصًا مهمة عن كلٍّ من الكراهية في التحويل المضاد والميول اللااجتماعية، أن «غريزة الموت ليست سوى إعادةِ تأكيدٍ على الخطيئة الأصلية» (وينيكوت، ١٩٧١، صفحة ٩٩). لا مكان لغريزة الموت في أعمال كوهوت، الذي ساعد كذلك على إثراءِ فهمنا للعدوانية بوصفها رَدَّ فعلٍ إزاء عيوبِ ونواقصِ الموضوعات الأَوَّلية، لا سيما عندما تتخذ شكل «غضب نرجسي» (كوهوت، ١٩٨٤، صفحة ٢٣٤). يبدو الأمر كما لو كان غالبية المُحلِّلين النفسيِّين قد بدءوا يقتنعون بالقرار الذي اتخذه هارتمان وكريس ولويونستين، بالإبقاء على عنصر الغريزة «العدوانية» فحسب من نظرية غريزة الموت، على الرغم من أن الاتجاه الفكري الذي يُروِّج له أولئك المُؤلِّفون، والذي يُعرف باسم «علم نفسِ الأنا» قد فقد تأثيره إلى حدٍّ كبير. ينتقد هارتمان وكريس ولويونستين مفهوم غريزة الموت؛ إذ يرونه مفهومًا لا يمكن إثباته تجريبيًّا ولا يساعد على كشفِ معرفةٍ جديدة (هارتمان وآخرون، ١٩٤٩، صفحة ١١). إن مُجرَّد قراءةِ أعمالِ أتباع ميلاني كلاين كفيلٌ بإظهار مدى إجحاف الانتقاد الثاني؛ فعلى العكس تمامًا من هذا الزعم، ثَمَّةَ سلسلةٌ كاملة من التطوُّرات المُهمَّة في علم النفس تُعزَى إلى استخدام ميلاني كلاين لمفهوم غريزة الموت. وفي فرنسا أيضًا ساهم كتَّابٌ آخرون في الفكر التحليلي النفسي، مُتَّخذِين من غريزة الموت نقطة انطلاقٍ لهم. أمَّا الانتقاد الثاني، فيبدو تفنيده مهمةً أصعب؛ إذ إن قراءةً أُولى لكتاب «ما وراء مبدأ اللذة»، وهو النص الذي طَرحَ فرويد من خلاله غريزة الموت، من شأنها أن تُثير عددًا من الاعتبارات التي تبدو بالفعل منفصلة عن الممارسة العلاجية؛ ومن ثَمَّ تخرج عن نطاق خبرة المُحلِّلِين النفسيِّين في الوقت الحالي.

أَودُّ أن أُوضِّح أن هذه القراءة الأُولى للنص مُضلِّلة جزئيًّا، وأننا إذا نظرنا إليه في سياقِ أعمالِ فرويد ككل، فسنجد أن غريزة الموت هي في الواقع مفهومٌ تحليلي «بحت». وسألجأ ها هنا أيضًا إلى أعمالِ كُتَّابٍ فرنسيين مُعاصرِين كمصدرٍ للنماذج والأمثلة.

(١) «ما وراء مبدأ اللذة»

ظل فرويد حتى عام ١٩٢٠ معتقدًا أن الغرائز الجنسية وغرائز الأنا تتحكم في الجهاز النفسي — الذي لا يحكمه إلا مبدأ اللذة ومبدأ الواقع الذي يُعتبر تجسيدًا له — الذي يسعى نحو الموضوعات نفسها لكن عَبْر عمليةٍ أطولَ وأكثرَ امتدادًا. وفي كتابه «ما وراء مبدأ اللذة» (١٩٢٠) اقتنع بفكرة أن بعض الغرائز، على الأقل، لا تسعى نحو اللذة بل نحو الموت. كان تقديم غريزة الموت مدعومًا بعددٍ من الاعتبارات، وقد أَوضحَ فرويد أن بعضها لا يُشير إلى غريزة الموت بقدْر ما يُشير إلى غريزةٍ عدوانية، وأن اعتباراتٍ أخرى مُحددة بينها منفصلة تمامًا عن الخبرة التحليلية.

أولًا: تشير الحُجج الطبية التي طرحها فرويد إلى وجودِ عددٍ من الظواهر النابعة من التجربة التحليلية، لا يمكن تفسيرها باللجوء إلى أفضلية مبدأ اللذة. لكن فرويد يشرح تلك الظواهر من خلال الحاجة إلى السيطرة، لا من خلال تأثير غريزة الموت.

تنحصر وظيفة الأحلام الصادمة، على العكس من الأحلام العقابية التي أوضح فرويد أن ما يحكمها في النهاية هو مبدأ اللذة، في إعادة استنساخ الحدَث الصادم دون السعي كثيرًا لتعديله (فرويد، ١٩٢٠، صفحة ١٣)؛ إذ يبدو أنها تسعى نحو توليدِ حالةِ استياء. وفي مُحاولةٍ منه لتفسير ذلك، يطرح فرويد فرضيةً تزعم أن تلك الأحلام تُعيد استنساخ الحدث كي تُؤهِّل الجهاز النفسي له، بما أن الصدمة نفسها (كونها غير مُتوقَّعة) قد فاجأَته (المصدر السابق، صفحة ٣٢).

بالمثل، يبدو في بعض الأحيان أن ألعاب الأطفال المُتكرِّرة، مثل لعبةٍ بكرة القطن (المصدر السابق، صفحة ١٣)، تسعى نحو استنساخِ تجربةٍ سيئة، ألا وهي تجربة الانفصال عن الموضوع (المصدر السابق، الصفحات ١٤–١٦)، لكننا نجد هنا أيضًا أن الهدف هو السيطرة على الموضوع، لا تدميره (المصدر السابق، صفحة ١٦).١
أثناء العلاج، تُؤدِّي الحاجة إلى التكرار إلى إعادة إنتاج التجارب الماضية الكريهة، التي يعمل بعضها بالطبع على إثارة استياء الأنا، بينما تظل في الوقت نفسه مصادر للذة بالنسبة للهو. ولكن تُوجد أيضًا تجاربُ أخرى لم تكن ممتعةً أبدًا بأي حال، مثل إحساس الأطفال بالدونية الجسدية، من المنظور الجنسي، مقارنةً بالبالغِين،٢ يجد فرويد ها هنا دليلًا على وجودِ غرائزَ كانت نشطةً حتى قبل إرساء مبدأ اللذة. لكن في هذه المرحلة تختص تلك الغرائز «بالتحكُّم في الإثارة أو ربطها بشيءٍ آخر» (المصدر السابق، صفحة ٣٥).
أمَّا فيما يتعلق ﺑ «الأفكار القهرية بشأن القدَر»٣ فلا سبيل أمامنا سوى تقبُّل وجودِ عنصر مصادفة، ولكن لا مكان لغريزة الموت هنا، وقد قدَّم فرويد تعريفًا لتلك الأفكار مناقضًا لنوع اضطرابات الشخصية العُصابية التي تدفع المرء إلى السعي حثيثًا نحو المصائب، مثل وقوع الكوارث التي «يبدو أن المرء يُعايشها على نحوٍ سلبي دون أن يتعرض لأي تأثيرٍ على الإطلاق».

ثانيًا: استَمدَّت جميع الحُجج الأخرى التي طرحها فرويد أساسها من عالم الفلسفة أو علم الأحياء.

إن مفهوم «اللذة» في حدِّ ذاته ينطوي على تناقضات (المصدر السابق، صفحة ٧)؛ فحتى هذه المرحلة، ظل فرويد معتقدًا أن اللذة تُضاهي تخفيفًا للتوتُّر النفسي. لكن كيف يمكن إقناعنا بأن اللذة القُصوى تتطابق، بناءً على ذلك، مع الغيابِ التامِّ للإثارة؟ وكيف لنا أن نُخفِق في إدراك أن اللذة الجنسية والمتعة البالغة لا بد بالضرورة أن تنطويا على مستوياتٍ عالية من الإثارة؟ يستعير فرويد مفهومه حول اللذة من التراث الفلسفي، على الرغم من إنكاره هذا، وعبر ذلك يُحيي جدالاتٍ بالغة القِدم.٤ وعلى أي حال، لا تُساعد غريزة الموت على حل هذه المشكلة.
أَثبتَت بعض الأبحاث البيولوجية، مثل أبحاث جاك لوب على التناسُل لدى قنافذ البحر، أن زيادة الإثارة، أيًّا كان نوعها، تزيد التمايُز.٥ وفي الوقت نفسه، كان الميل العام نحو الابتعاد عن التمايُز، فيما يُعرف بمبدأ نيرفانا، «أحد أقوى الأسباب التي تدفعنا نحو الإيمان بوجودِ غريزة الموت» (المصدر السابق، صفحة ٥٦). غير أن علم الأحياء يُقدِّم أيضًا أدلةً تنفي وجود غريزة الموت، بل إن علماء الأحياء لا يتفقون على حتمية الموت؛ إذ يشير وايزمان إلى تمتُّع الجراثيمِ والكائناتِ الوحيدة الخلية بالخلود (المصدر السابق، الصفحات ٤٥-٤٦)، ما يعني انتفاء السبب الذي يدفعنا إلى افتراضِ ضرورةِ وجودِ ما يُدعى بغريزة الموت (المصدر السابق، صفحة ٤٦). إذا زعمنا عمومًا أن الهدف النهائي لأيِّ دافعٍ هو إعادةُ تأسيسِ حالةٍ سابقة،٦ إذن فإن «هدف الحياة بأسرها هو الموت». والنتيجة الحتمية لهذا الافتراض هو أن «أفعال «غرائز الأنا» تتجه نحو الموت» (المصدر السابق، صفحة ٤٤). لكن غرائز الحفاظ على الذات هي جزء من غرائز الأنا تلك (المصدر السابق، صفحة ٤٤). لذا لا بد لنا أن ندرك أن هناك نوعَين منفصلَين من غرائز الأنا؛ بعضها قائمٌ على الشهوة الجنسية (مثل غرائز الحفاظ على الذات)، والأخرى تميل نحو الموت.
تَعرَّض فرويد للانتقاد بسبب الطبيعة التكهُّنية الخالصة لهذا الاستنتاج. لكنه ما إن وصل إلى هذه النقطة في تفسيره، حتى أشار إلى ظاهرةٍ إكلينيكية ذاتِ أهميةٍ بالغة، وكانت حتى ذلك الوقت تُعد لغزًا، ألا وهي السادية.٧ من المستحيل تمامًا السعي نحو فهم السادية من منظور الدوافع الجنسية وحدها، أو غرائز الحفاظ على الذات؛ إذ يتطلب فهم السادية الاعتراف بوجود دافع تدميري داخل النفس.
من بين جميع الحُجج التي طَرحَها فرويد في كتابه «ما وراء مبدأ اللذة»، نجد أن هذه الحُجة هي الوحيدة التي تعتمد حقًّا على فرضية غريزة الموت. غير أن فرويد نفسه لم يكن راضيًا كل الرضا عن هذا البرهان الذي طرحه؛ إذ يراه «مُبهمًا»، وبعيدًا كل البعد عن الوضوح. وهذا يُعيدنا، في الحقيقة، إلى موضوع المازوخية، وما إذا كانت السادية أم المازوخية هي الظاهرة الأصلية.٨

(٢) غريزة الموت قبل نشر «ما وراء مبدأ اللذة»

مع حلول عام ١٩٢٠ كان فرويد قد قضى وقتًا ليس بالقليل في جمع الحُجج اللازمة لطرح نظريةٍ جديدة حول الغرائز.

أولًا: كانت نظرية التحضُّر التي دافع عنها فرويد منذ ميلادِ منهج التحليل النفسي قد تَلقَّت ضربةً قاصمة مع نشوب الحرب العالمية الأولى؛ فبين عشيةٍ وضُحاها صار تصديقُ نظريةٍ تدَّعي أن البشرية يحكمها مبدأ اللذة بعد أربع سنوات من الحرب ضربًا من المستحيل! وقد عَبَّر فرويد عن هذا الاستنتاج المليء بالمرارة في مقاله «أفكار لأزمنة الحرب والموت»، الذي نُشر قبل عامٍ من تأليفه كتاب «ما وراء مبدأ اللذة».

ثانيًا: يتضمن بحث «الحِداد والسوداوية»، الذي كتبه في عام ١٩١٤، وصفًا مدهشًا للسادية الموجهة نحو الموضوع المُستدخل؛٩ فما دام مفهوم غريزة الموت مُبهمًا، لا يتوقف فرويد عن الكفاح من أجل تفسير أصوله. صحيحٌ أن مفهوم «الازدواجية» الذي طرحه بليولر يصف هذه الظاهرة (فرويد، ١٩١٤، الصفحات ٢٥٠-٢٥١)، لكنه لا يُفسِّر لماذا تنطوي علاقات الحب على مشاعرَ مُزدوجة، أو كيف يُمكن أن تَتحوَّل الكراهية إلى سادية. وسيتحدث فرويد في العام التالي (١٩١٥) عن إحدى الأفكار المحورية وراء مفهوم غريزة الموت، وهي فكرةُ انصهارِ الغرائز، وذلك في مقاله «الغرائز وتقلُّباتها» (فرويد ١٩١٥أ، صفحة ١٣٩).١٠

ثالثًا: في سياق العلاج، لاحظ فرويد احتماليةَ أن تكون الحاجة إلى التَّكرار لا تعمل كآلية للتذكُّر، بل تُستخدم لإشباع الحاجة إلى المعاناة، منذ نشر دراسة رجل الذئاب.

لماذا إذن لم يَستفِد فرويد من تلك الحُجج إلا قليلًا جدًّا في كتاب «ما وراء مبدأ اللذة»؟ ربما لأنه كره فكرة الرجوع عن الاستنتاج الذي تَوصَّل إليه في حالة هانز الصغير، الذي عارَض فيه على الملأ زعم أدلر بوجودِ غريزةٍ عدوانية. لكن السبب الرئيس على الأرجح هو أن تطوُّر النظريات يستغرق وقتًا ليس إلَّا. وقد اكتمل مفهومُ غريزة الموت تدريجيًّا منذ طرحِه في كتاب «ما وراء مبدأ اللذة» وأصبح يُغطِّي مجالًا أوسع على مدى باقي أعمالِ فرويد.

(٣) غريزة الموت في أعمال فرويد بعد عام ١٩٢٠

أولًا: إن وجود غريزةٍ عدوانية أَوَّلية أمرٌ منفصل عن الدراسة التحليلية النفسية للظواهر الاجتماعية؛ ففي سياق الأفكار التي بدأ فرويد طرحها في «الطوطم والتابو»، ثم «أفكار لأزمنة الحرب والموت»، يُصرِّح كتاب «علم نفس الجماهير وتحليل الأنا» (الذي نُشر عام ١٩٢١، عقب «ما وراء مبدأ اللذة» مباشرة) أن العدائية الكامنة في جميع العلاقات بين الأشخاص تكشف عن نزوعٍ بشري نحو الكراهية، وعن عدوانية «أصولُها غيرُ معلومة لدينا ويمكن أن نُسنِد إليها طبيعةً أولية» (فرويد، ١٩٢١، صفحة ١٠٢). وفي كتاب «قلق الحضارة» (١٩٢٩)، يُطوِّر أفكاره حول هذا الدور الذي تلعبه العدوانية في العلاقات الاجتماعية إلى حدٍّ بعيد،١١ زاعمًا أن العدائية بين الأفراد هي ظاهرةٌ أولية تُهدِّد الحضارة. ويُعاوِد هذا الموضوع الظهور في مقال «لِمَ تقع الحرب؟» (١٩٣٣)، ويحتل مكانةً مركزية في «موسى والتوحيد» (١٩٣٩). يجدُر بنا أن نُلاحظ أن في كتاب «قلق الحضارة»، يتحدث فرويد عن «غريزةٍ عدوانية» فحسب، دون أن يذكر أبدًا مصطلح «غريزة الموت»، وكأنَّ كتاب «قلق الحضارة» قد أصبح فيما بعدُ نقطةً مرجعية لعلم نفسِ الأنا.

ثانيًا: ومن منظورٍ إكلينيكي أكثرَ مباشرة، تُعد هذه الظواهر هي الأكثر صمودًا في التحليل، لا سيما ظواهر التفاعُل العلاجي السلبي، التي وصفها فرويد في كتاب «الأنا والهو»، بعد عامَين من نشر كتابِ «ما وراء مبدأ اللذة»، وقادته إلى تفسير الازدواجية باعتبارها نتيجةً لانفصال الدوافع الجنسية عن غريزة الموت (فرويد، ١٩٢٣، صفحة ٤١).

ثالثًا: يرجع التفاعُل العلاجي السلبي في النهاية إلى مشاعر الذنب غير الواعية؛ ومن ثَمَّ إلى المازوخية الأخلاقية. في كتاب «الإشكالية الاقتصادية للمازوخية» (١٩٢٤)، اكتشف فرويد أن الطبيعة المثيرة للشهوة الجنسية التي تتسم بها المازوخية تُقدِّم تفسيرًا أفضل من الإثارة الجنسية (فرويد، ١٩٢٤، صفحة ١٦١)؛ فالمازوخية الأَوَّلية ذاتُ طبيعةٍ مثيرة للشهوة الجنسية؛ لأنها تربط غريزة الموت بالشهوة الجنسية. ويربط هذا الاتحاد غريزة الموت بدواخل الكائن الحي ويُحوِّلها إلى الخارج كنوع من العدوانية.١٢ وتُعد تلك الصيغة هي نقطة الانطلاق لمفهومِ ميلاني كلاين عن غريزة الموت.

(٤) المحللون النفسيون الناطقون بالفرنسية

لعِب كل من هارتمان ولويونستين، تحديدًا، أدوارًا محورية في ظهور المُحلِّلِين النفسيِّين الفرنسيِّين قبل عام ١٩٣٩؛ ومن ثَمَّ فلا غرابةَ في أن المُحلِّلِين النفسيِّين الأوائل قد أجمعوا على نحوٍ غيرِ معهود على رفضِ فرضيةِ غريزة الموت. ففي المؤتمر الحادي عشر للمُحلِّلين النفسيِّين في الدول الفرانكوفونية، عام ١٩٤٨، قدَّم ناخت دحضًا قاطعًا للنظرية،١٣ بينما رأى لاكان أنها السبب في الطريق المسدود الذي بلغه فرويد،١٤ سوف يتباعد تفكير هذَين المؤسِّسَين لمدرسة التحليل النفسي الفرنسية في جميع الأمور الأخرى، ليبلغ هذا التباعُد ذروته عام ١٩٥٣ بانفصالٍ تام، لكن بِغَض النظر عن الاختلافات بينهما، فقد ظلَّا على رفضهما لفرضيةِ غريزة الموت.
بالطبع زعم لاكان في بعض الفترات أنه يقبل غريزة الموت،١٥ لكنه غالبًا ما كان يتعامل مع الموت والغرائز على نحوٍ منفصل تمامًا؛ فكان يُصرِّح بأشياء غامضةٍ وصادمة حول الموت، لا سيما في مرحلة اعتناقه لفكر الفلاسفة هيجل وهايدجر، أمَّا فيما يتعلق بالغرائز، فكان يسعى نحو «تفكيكها». لا تنشأ الغرائز في جسد الفرد (ولهذا السبب أصر على ترجمة كلمة غريزة بالألمانية Trieb إلى كلمة Pulsion بالفرنسية التي تعني دافع لا غريزة؛ انظر على سبيل المثال لاكان، ١٩٦٠، صفحة ٨٠٣؛ ١٩٦٤، صفحة ٨٣٤؛ ١٩٧٤، صفحة ٤٢)، بل في جسد الآخر؛ أي الأُم. وبعدما انتهى لاكان من تحليله لمفهوم فرويد عن غريزة الموت، لم يَتبقَّ شيء من المفهوم الأصلي. كان لاكان أكثر وضوحًا في نقده للمحلِّلِين النفسيِّين الناطقِين بالإنجليزية؛ إذ اتهم ميلاني كلاين أنها تتعامل مع بعض الأشياء على أنها حقائقُ نفسية، بينما يرى هو أن قيمتها تنحصر فقط في كونها تشكيلاتٍ «خيالية». في غضون ذلك، اتُّهِم هارتمان بخيانةِ فرويد بعودته إلى علمِ نفسِ ما قبل التحليل النفسي، وتحويل التحليل النفسي إلى نوعٍ من البيداجوجيا.
في قلب جمعية باريس للتحليل النفسي، التي كان ناخْت مهيمنًا عليها وغادرها لاكان، أُعيد طرح فرضيةِ غريزة الموت تدريجيًّا، وكانت البداية ببعض الأصوات الهامشية،١٦ وعلى مدى عشرين عامًا عُقِدَت المؤتمرات والندوات العلمية لمناقشة غريزة الموت،١٧ واليوم، وعلى الرغم من وجودِ عددٍ من المُعارضِين المُفوَّهِين لغريزة الموت، يبدو المُؤيِّدون لها أغلبيةً مدعومة بمجموعةٍ كبيرة للغاية من التجارب السريرية، لكنها تجاربُ كَشفَت تفسيراتها عن الدور المحوري الذي يلعبه مفهوم غريزة الموت. وسأنتقل الآن إلى عرضِ بعضٍ من الأبحاث الفرنسية التي أثبتت أن غريزة الموت أداةٌ إكلينيكيةٌ قيِّمة.

(٥) أندريه جرين: النزعة التدميرية في حالاتِ اضطراب الشخصية الحدِّية

طالما كان أندريه جرين مهتمًّا بفئة معينة من مرضى اضطراب الشخصية الحدية،١٨ ممن يُقدِّمون أنفسهم في البداية كمرضى رُهاب. غالبًا ما يكون من الصعب الاستماع إلى أولئك المرضى؛ إذ يميلون إلى التحدُّث بعباراتٍ عامة فقط،١٩ ويمكن فهم الطبيعة الدقيقة لمرضهم على نحوٍ أسهل إذا قارنتَ ما يقولونه في الجلسات بالوظائف الترابُطية المعتادة لدى المرضى الآخرِين. في المعتاد تنتقل حركة المريض الترابُطية عَبْر شبكاتٍ مختلفة ومُتنوِّعة، صُمِّمَت من خلال نشاطِ عمليات المُقاوَمة والإزاحة. وبين الحين والآخر سيتبين لأي مُحلِّلٍ يقظ ظهور تشكيلاتٍ تنتمي إلى زمانياتٍ متعددة، وهي تشكيلات «ترتد» (جرين، «انكسار الزمن»، ٢٠٠٠ب)، متبعة اتجاهًا تقدُّميًّا (إعلانًا مسبقًا) ورجعيًّا (ارتدادًا رجعيًّا) على حدٍّ سواء. تُتيح لنا تلك التشكيلات ملاحظة النمط الذي يتبعه ترتيب المادة؛ ومن ثَمَّ تفتح الطريق نحو إيجادِ تفسير (جرين، ٢٠٠٢، صفحة ١٥٩). غير أن هذه العُقدة لدى هذا النوع من المرضى تختفي مؤقتًا ويُصبِح حديثهم أكثر وضوحًا بكثير،٢٠ وهم عندما يتحدثون، إنما يهربون — دون إدراكٍ لماهيةِ ما يخشَونه أو ما يُعانون منه، ودون أيِّ شعورٍ بالفزع — من قلقٍ ليس له موضوع (المصدر السابق، صفحة ١٥١). ويتحول هذا الرُّهاب في النهاية إلى «كبحٍ شامل للأنا، يُقيِّدها في عزلةٍ تزدادُ أهميتها أكثرَ وأكثر» (المصدر السابق، صفحة ١٥٠). في البداية قد يُدفع المرء نحو الاعتقاد بأن مرضى الرُّهاب أولئك يُعانون من نوعٍ من الكبت الشديد الفاعلية، كما لو كانوا يهربون من موضوعٍ اضطهاديٍّ يتم إسقاطه على المُحلِّل، ويُشعِرهم أنهم مُحاصَرون بداخله. لكن هذا الرُّهاب مرتبطٌ بالوظيفة التحليلية نفسها؛٢١ إنه مسألةُ رغبةٍ في الهروب من الخضوع للفحص، الذي يُهدِّد بإحداث انفصالٍ بين الفرد والموضوع. والحل الوحيد المُتاح هو الكبتُ التامُّ للقدرة على الفهم. تختلف المُراوَغات التي تحدُث أثناء الجلسات عن تلك التي تحدُث في إطار السلوك العادي، لكنها تنبثق من مصدرٍ واحد، وهو اضطراب التفكير (المصدر السابق، الصفحة ١٥١). يبدو الأمر كما لو كان المريض يتوقَّع على نحوٍ غيرِ واعٍ أن سلسلة التداعيات الخاصة به قد تُؤدِّي إلى مرحلةٍ حاسمة قد تقع فيها كارثةٌ ما،٢٢ في هذه المرحلة، يجد المريض أن العناصر الأهم في حياته النفسية قد أَصبحَت جميعًا على اتصالِ بعضها ببعض، ما يُؤدِّي بها إلى ربط نفسها بمجموعةٍ من الصدمات الخطيرة من الماضي،٢٣ إن الأمر لا يعدو بِضعَ موضوعاتٍ وأفكار، مرتبطة بالصدمات، تُمكِّن بعضها بعضًا وتتوافق بعضها مع بعض (مثلما يحدث في الفيزياء عندما يمكن خلقُ قدْرٍ كبير من الحركة في أجسامٍ مختلفة عبر تعريضها إلى ذبذباتٍ لها الطول الموجي نفسه قد تُؤدِّي إلى انهيارها).٢٤ إن ما يجعل من تَكَتل هذه الموضوعات أمرًا في غاية الخطورة هو ارتباطها بآلياتِ التنظيم الرئيسة للحياة النفسية، التي قد يُؤدِّي تدميرها المُتبادَل إلى فوضى؛٢٥ فالارتباط بين تلك الموضوعات هو ما يشكل الصدمة الحقيقية،٢٦ أمَّا «الوضع الرُّهابي المركزي» فهو نظامٌ يُكافِح لأجل الحيلولة دون حدوث هذا التوافُق. وتُشير كلمة «مركزي» في تعبير «الوضع الرُّهابي المركزي» إلى تقاطُعِ مجالاتِ قُوًى عدة.
لِمَ ينتج عن هذا التقارُب عواقبُ كارثية؟ لأنه يتسبب في «إدراك الفرد لغضبه العارم، وحسده، وفوق ذلك نزعته التدميرية» (المصدر السابق، صفحة ١٧٢). وهذه النزعة التدميرية تُوجَّه في المقام الأول نحو تمثيل الموضوع،٢٧ وتُصاحبها مشاعر الذنب،٢٨ دون أيِّ تمثيلٍ للموضوع «القتيل»،٢٩ الذي قد لا تجمعه أي علاقةٍ بالأحكام «المُؤكِّدة أو النافية لامتلاكه سمةً مُعيَّنة، ولا بالأحكام المُؤكِّدة أو المُشكِّكة لامتلاك تمثيلٍ ما وجودًا على أرض الواقع»،٣٠ إن شعورَ عدمِ الواقعية الذي غالبًا ما يختبره أولئك الأفراد هو نتاجٌ لارتدادِ قتلِ الموضوع الرئيس على الفرد نفسه،٣١ ما يُسفِر عنه معايشة الفرد هلوسةً سلبية عن نفسه، تتَّسِم بكونها غيرَ مُعترَفٍ بها أكثر من كونها غيرَ مُدرَكة (المصدر السابق، صفحة ١٧١).
يرى جرين هذه النزعة التدميرية باعتبارها مظهرًا من مظاهر نشاط غريزة الموت داخل الكائن الحي،٣٢ وما الوضع الرُّهابي المركزي إلا أحد هذه المظاهر المَرَضية للنزعة التدميرية. ويتضح كذلك عَبْر «وظيفة محو الموضوع»، التي تُشير إلى قدرة العُدوانية على تحويل الموضوع إلى شيء، والتي تُفسِّر اللامبالاة التي يشعر بها المجرم تجاه ضَحيَّته (المصدر السابق، صفحة ١٧٩)؛ أو التي تُؤدِّي في «نرجسية الموت» إلى تدمير الفرد لذاته (المصدر السابق، صفحة ١٨١). على النقيض من ذلك، تُشكِّل النزعة التدميرية جزءًا من مجموعةٍ أكبر كثيرًا؛ وهي المجموعة «السالبة»، التي تتضمن أنواعًا أخرى من السلبية؛ مثل الكبت (المصدر السابق، صفحة ١٨٣).
لهذا الدور الذي نسبه جرين إلى غريزة الموت في حالاتِ اضطرابِ الشخصية الحدِّية تداعياتٌ عملية مهمة، بما أن «غريزة الموت يمكن ربطها عبْر تجربةِ التحويل» (المصدر السابق، صفحة ١٧٤) باستخدام نوعٍ مُعين من التدخل العلاجي.٣٣

(٦) بيير مارتي: تحركات الموت في الأعراض السايكوسوماتية

تعامَل بيير مارتي مع أنماطٍ من النشاط العقلي أكثرُ غرابةً من حالاتِ اضطراب الشخصية الحدِّية التي وصفها جرين (مارتي وآخرون، ١٩٦٣). كان المرضى الذين تعامَل معهم قد قدِموا إلى المستشفى بسبب أمراضٍ عضوية، لكن الطبيب أو الجرَّاح الذي كان يتولى علاجهم قرَّر استشارةَ مُحلِّلٍ نفسي بعدما أثار اهتمامَه الأصلُ النفسي المُحتمَل لبعض أعراضهم. ومع عدمِ وجودِ أعراضٍ عصبية، لم يشكُ أولئك المرضَى من أيِّ عللٍ غير المرض المُحدَّد الذي قدِموا به، واندهشوا عندما طلب منهم مقابلة طبيبٍ نفسي. وعَبْر التعليقات التي أبدَوها ما إن شعروا بالارتياح تجاه مُحدِّثهم، تكيَّفَت أفكارهم على نحوٍ مثالي مع الواقع كما يدركه أي فردٍ طبيعي؛ فهم يصفون أحداثًا وحقائقَ دون أن يشير حديثهم بأيِّ شكل إلى وجود اللاوعي لديهم. لم يحدث قطُّ أنْ زلَّتْ ألسنتهم أو كانت لكلماتهم أي معانٍ مزدوجة، ولم يحلُموا، وإذا حلموا كانوا يعجزون عن جلبِ أيِّ روابطَ لأحلامهم. وبينما كان حديث المرضى الذي وصفهم جرين خطيًّا ومباشرًا، ولكنه مُبهَم ومُشوَّه بسبب مراوغة الوضع الرُّهابي المركزي، لم يعكس حديثُ مرضى مارتي أيَّ تَشوُّهاتٍ من أي نوع، بل كانت أفكارهم مُحدَّدةً وخالية من الغموض مثلَ لغةِ كتابٍ إرشادي، أو تقريرِ جرَّاحٍ عقب إجرائه عمليةً جراحية، وهو ما يُعرف باسم «التفكير الإجرائي» (مارتي وآخرون، ١٩٦٣). لا يبدو التفكير الإجرائي واضحًا في كل حالات الأعراض النفسية الجسدية، ويمكن كذلك ملاحظته دون وجودِ أيِّ ارتباطٍ جسدي (ماكدوجال، ١٩٧٢)، لكن التلازُم بين التفكير الإجرائي والمرض النفسي الجسدي وثيقٌ بما يكفي للتوجُّه نحو إجراءِ قدْرٍ من الأبحاث حول هذا الموضوع. إلى جانب التفكير الإجرائي الذي يُعتبر نمطًا وجوديًّا راسخًا، وصف مارتي كذلك نمطًا آخر مميزًا للنشاط الوظيفي العقلي، ألا وهو «الاكتئاب الأساسي» الذي يتألف من حالةِ كآبةٍ غيرِ مصحوبةٍ بأيٍّ من علامات الاكتئاب المعتادة بالمعنى النفسي للكلمة، لكنها تتسم بنوعٍ من الفتور وفقدان الإحساس بأن الحياة تستحق أن تُعاش، وفقدان الاهتمام بالمستقبل والماضي، وغالبًا ما يعقب ذلك مرضٌ عضوي (مارتي ١٩٦٦). يُعتبر الاكتئاب الأساسي والتفكير الإجرائي جانبَين من جوانب «النشاط الوظيفي النفسي نفسه، الذي يتميز بقدرته المُذهِلة على التكيُّف مع الواقع الجمعي»؛ أي وهو «النشاط الوظيفي الإجرائي» (سمادجا، ٢٠٠١). ويُعد التفكير الإجرائي والاكتئاب الأساسي نتيجتَين من نتائجِ نشاطِ الآلة التدميرية ﻟ «غرائز الموت» في الجهار النفسي.

أسفر اكتشاف مارتي عن نتائجَ متعددة؛ فقد طُورت أفكاره على يدِ دارسي أعماله في فرنسا وأماكنَ أخرى، الذين توصَّلوا بدورهم إلى اكتشافاتٍ طبية أخرى؛ مثل وصف عملياتِ التهدئة الذاتية على يد شفيتز (١٩٩٣، ١٩٩٨) وسمادجا (١٩٩٣). والأهم من ذلك أنهم طوَّروا تقنيةً نفسيةً علاجية قائمة على منهج التحليل النفسي جرى تعديلُها من أجل استخدامها على أولئك المرضى الذين غالبًا ما يتعذر تحليلهم نفسيًّا باستخدام المنهج التقليدي، وهي تقنيةٌ قادرة على أن تُؤدِّي إلى نظامٍ جديد للأداء الوظيفي العقلي وإحداث تحوُّلٍ في الحالة الجسمانية للمريض.

(٧) دينيس ريبا: انفصال الغرائز لدى الأطفال المصابين بالتوحد

يُدير دينيس ريبا منذ فترةٍ مُستشفًى نهاريًّا لعلاج الأطفال المصابِين بالتوحُّد، ويرى أن من الصعب فهم هؤلاء الأطفال دون الالتجاء إلى مفهوم غريزة الموت (ريبا، ٢٠٠٢، صفحة ١٣٤)، وتحديدًا فكرة «انفصال الغرائز» (المصدر السابق، صفحة ١٤٣)، ويرى أن الوجود المشترك لكلٍّ من «العناصر المُميتة» و«التجلِّيَات المُبهِرة للحياة والجنسانية» لدى الأطفال هو تعبيرٌ عن «انفصالٍ بالغِ التطوِر للغرائز» (المصدر السابق، الصفحات ١٥٩–١٦٢). اهتَمَّ معظم من درَسوا انفصال الغرائز بنتيجته الأكثر إثارة؛ ألا وهي تحرير غريزة الموت. غير أن ما يُميز ريبا هو تركيزه على تحرير غريزة الحياة، وهو الأمر الذي من شأنه أن يطرح سؤالًا صعبًا؛ نظرًا لميل غريزة الحياة نحو الاندماج والانصهار. كيف يمكن أن «تنفصل»؟ بالرغم من ذلك فإن فرضيةَ انفصال غريزة الحياة تأخذ في الاعتبار — على نحوٍ ملائمٍ نسبيًّا — عنصرًا مهمًّا من عناصر التوحُّد، تصفه إستر بيك وميلتسر وآخرون، ألا وهو التماهي الالتصاقي. إن فرضيةَ غريزةِ الحياة المنفصلة تحديدًا هي أفضل ما يُفسِّر «الالتصاق المُطلَق الذي يُتيح تجربة وجود، لكنه يجعل الانفصال يُعادِل انتزاع جزءٍ من الذات ويتسبَّب في فقدان الإحساس بالوجود» (المصدر السابق، صفحة ١٦١). (وعلى الرغم من اختلاف ريباس مع وينيكوت حول غريزة الموت، فإنه يُولي أهميةً كبرى لما كتبه وينيكوت حول الوجود والعنصر الأنثوي الخالص؛ ومن ثَمَّ تلك الإشارة إلى «الوجود»، وإلى «اللاوجود» الذي يُميِّز من يُعانون من التوحُّد عندما يُسلب منهم موضوعهم التوحدي.)٣٤ يذكُر ريبا عدةَ فرضياتٍ حول طبيعة العملية التي يُطلِقها انفصال الغرائز عادةً، أبرزُها فرضيات بيك حول دور حَلمةِ الثدي المرتبط ﺑ «الإمساك»، لكنه يُصنِّفها تحت عنوانٍ عام وهو التماهي الأَوَّلي مع الأم (المصدر السابق، صفحة ١٨٠). وهذا الانفصال في الغرائز إنما ينتُج عن اختلالٍ في العلاقة الأَوَّلية بين الأم والطفل؛ ومن ثَمَّ في التماهي الأَوَّلي.

(٨) كلود بالييه: انفصال الغرائز لدى القتلة والمُغتصبِين

كلود بالييه هو عضوٌ في جمعية باريس للتحليل النفسي، قضى عشر سنواتٍ يعمل في أحد السجون؛ حيث استخدم منهجًا مُستوحًى من التحليل النفسي لعلاج المُجرمِين الخطرِين، ومُرتكبي جرائمِ القتل أو الاغتصاب (بالييه، ١٩٨٨، ١٩٩٦). تُبرز التقارير حول منهجه العلاجي بجلاءٍ اعتقادَه أن عدوانية مرضاه المُريعة هي نتاجٌ لانفصال دوافعهم. لا يحدث هذا في جميع الأحوال، لكن في الحالات المَرَضية القصوى قد يُحرِّر المرضى ما لديهم من توتُّرٍ نفسي في شكلِ عدوانيةٍ نحو أنفسهم، أو نحو الآخرِين، أو، في أفضل الأحوال، نحو أجسامٍ جامدة. في مثل هذه الحالات، تبدو الحياة العقلية شبه غائبةٍ تمامًا، ويبدو أن ملكات التفكير والخيال قد طُمِسَت هي الأخرى. وفي ظل الظروف المحكمة في السجن، قد يكون بالإمكان الاضطلاع بعملٍ جماعي قد تَتطوَّر في القلب منه علاقةٌ مع شخصٍ آخر (بالييه، ١٩٨٨، صفحة ١٩٢)؛ فتبدأ بنًى نفسية، بعضها عتيق والبعض الآخر أكثر تعقيدًا، في الوجود جنبًا إلى جنب مع جوانب الشخصية حيث تكتسب العدوانية الحُرة أهميةً تفوق ما تكتسبه العدوانية المرتبطة بالغريزة الجنسية أو الليبيدو، وغالبًا ما يمكن أن يُؤدِّي انفصالٌ في الأنا وإنكار للواقع موازيان لهذا الوجود المشترك إلى تشكيلاتٍ منحرفة (يصفها بالييه على نحوٍ مذهل)، فيها تبدأ الليبيدو في ربطِ غريزة الموت بصميم السادية والمازوخية (المصدر السابق، صفحة ١٩٣). أمَّا في حالة الاغتصاب — ويا للمفارقة! — فيكون الرابط الذي أنشأته الليبيدو مع غريزة الموت أضعفَ بكثير. «الاغتصاب عمليًّا مساوٍ للقتل» (المصدر السابق، صفحة ١٩٤؛ شُرحت هذه النقطة المهمة بالتفصيل في كتابه الصادر عام ١٩٩٦، الفصل الرابع).

لم يكن عمل بالييه، على النقيض من عمل الكثير من رُواد التحليل النفسي الجنائي، تجربةً فريدة من نوعها؛ فالوحدة النفسية التي تُتيح القيام بذلك، والعمل الجماعي الأساسي، والتوازُن الدقيق للعلاقات بين الفريق العلاجي والحُراس، كلها عناصر يمكن استنساخها في سجونٍ أخرى، ما أتاح لآخرِين استكمالَ عمل بالييه بعد تقاعُده.

(٩) باتريك ديكليرك: المازوخية لدى المُشرَّدِين

أظهر لنا المُجرمون الذين تعامل بالييه معهم العدوانية ونشاط غريزة الموت خارج الكائن الحي. وقد كتب عضوٌ آخر من أعضاء جمعية باريس للتحليل النفسي، وهو باتريك ديكليرك، توصيفاتٍ مذهلة للنزعة التدميرية ولنشاط غريزة الموت داخل شخصيات المُتشرِّدِين؛ إذ يُقدِّم أبحاثًا إكلينيكية تتناول مُشرَّدِي باريس على مدى خمسة عشر عامًا، كتبها من وجهة نظرِ مُتخصِّصٍ في وصف الأعراق البشرية، ثم لاحقًا، في الأعوام من ١٩٨٦ إلى ١٩٩٧، من منظورِ استشاريٍّ ومعالجٍ نفسي؛ فبحكم تخصص ديكليرك في الأعراق البشرية، تمكَّن من مشاركة هؤلاء المُشرَّدِين حياتهم؛ فقضى ليالي في ملاجئ المُشرَّدِين، وترك الشرطة تعتقله واحتُجز في نُزُلٍ في مدينة نانتير كان مُخصَّصًا للمُشرَّدِين. وتعايش مع السلوكيات الجنسية المنحرفة، والعدوانية، وانعدام الأمان، والإرهاق، وانفلات الشهوات الجنسية لدى رفاق الاستحمام والنوم.

لكن ديكليرك يصف كذلك محاولاتٍ قام بها مُحلِّلون نفسيون ممن تُبيِّن تحليلات أعمالهم وجودًا واضحًا للغاية لغريزة الموت، ما يُفسِّر الصعوبة التعجيزية لمثل هذا العمل، التي تُماثل ما يُواجه أيًّا من العاملين في الخدمة الاجتماعية؛ فبعد فترة من السلام الخادع، يجد المُعالِج نفسه تائهًا في عالمٍ غيرِ مترابط، عالم بلا سببية، بلا معالمَ زمنية-مكانية؛ حيث كل شيءٍ يحدث كما لو كانت جميع العضلات العاصرة لدى الفرد قد فَقدَت قوتها. يحدث انقسام في الموضوع يُؤدِّي إلى إضفاء طابعٍ مثالي على المُعالِج (ومُقدِّمي الرعاية بوجهٍ عام) في البداية، بالضبط مثلما يُضفون الطابع المثالي على عميلهم، وفي الوقت نفسه يظل هناك موضوعٌ اضطهادي بعيدًا خارج العلاقة. وبعد بضعةِ أشهُر، تنعكس الأدوار؛ فيُخيِّب المتشرد آمال المُعالِج أولًا، وتتحول العلاقة ذات الطابع المثالي إلى علاقةٍ اضطهادية، تنتهي على أفضلِ حالٍ باستبعاد المريض من منظومة الرعاية التي استوعَبَته في البداية، وفي أسوأ الأحوال، تنتهي بعواقبَ أخطرَ من ذلك بمراحل. إن هذا «الاستحواذ الشرجي» (ديكليرك، ٢٠٠١، صفحة ٣١١) هو السمة التي يجدها ديكليرك لدى المُشرَّدِين في الغالب الأعم، يُصاحبها شكلٌ متطرف من المازوخية؛ حيث لا يُمارس «المُنقِذ» وظيفته إلا والفرد على شفا الموت. إن النظر إلى غريزة الموت بتلك الطريقة يؤدي إلى اعتباراتٍ عملية مهمة؛ فبدلًا من أن يُبدِّد مقدمو الرعاية والأخصائيون الاجتماعيون طاقتهم على برامج «إعادة توظيف المُتشرِّدِين» المحكوم عليها بالفشل (التي قد يترتب عليها عواقبُ قاتلة بالنسبة إلى المريض، كما اتضح من خلال بعض الحالات التي عرضها ديكليرك)، ينبغي عليهم، حسب ديكليرك، مرافقةُ المريض مع الحفاظ على مستوى التطلُّب الأمثل والأكثر توافُقًا مع مازوخيته.

(١٠) التعصُّب والمذابح وانفصال الغرائز

بحسب ما لاحظه أندريه (١٩٩٩، الصفحات ٣٢٥–٣٢٧)، لا يحتاج المُحلِّل إلى المخاطرة بزيارة السجون وملاجئ المُشرَّدِين للعثور على غريزة الموت؛ فكلُّ ما عليه فعله هو فتح جهاز التليفزيون في الفترات الفاصلة بين جلسات التحليل النفسي، مثلما فعل معظمنا يوم ١١ سبتمبر ٢٠٠١؛ فهل من مثالٍ أكثر ترويعًا لغريزة الموت المنفصلة من اصطدام طائرتَين، يقودهما انتحاريان، عمدًا بمركز التجارة العالمي؟ إن انفصال الغرائز يبدو كاملًا متكاملًا في المذابح التي تقضي على أعدادٍ كبيرة من الناس، وفي التعصُّب الذي نراه كلَّ ليلةٍ في نشرات الأخبار على شاشة التليفزيون. لكن في واقع الأمر أن الانفصال هنا ليس كاملًا؛ لأن حياكة مؤامرةٍ شيطانية كمؤامرةِ تدميرِ بُرجَي التجارة العالمي تتطلب قطعًا طاقةً جنسية؛ فحتى شخصيةٌ عملية شريرة كشخصيةِ أيخمان احتاجت إلى استثمار بعض الطاقة الجنسية في جوانب عملها التنظيمي. وعلى الرغم من أن فهم تلك المآسي من اختصاص علم الاجتماع، والتاريخ، والسياسة أولًا وأخيرًا، فإن المفهوم التحليلي النفسي لغريزة الموت يُمكنه الإسهام في هذا.

بدايةً من أفكار فرويد حول الحرب العالمية الأُولى، وما طرحه من أسئلةٍ حول نرجسية الفروق الصغيرة، سَعيتُ نحو تحديد الآليات النرجسية التي عادةً ما تُسبِّب العدوانية بين الجماعات، ولماذا تتمتع تلك الفروق الصغيرة بين مجموعتَين بهذه القدرة التدميرية العظيمة (دياتكين، ٢٠٠٠). يبدو لي في الغالب أن تلك «الفروق الصغيرة» تُعيدنا إلى إنجازات الطفل الأُولى. إن تلك الإنجازات يفترض أن تحدث وفقًا لصيغٍ مثالية معينة؛ أي الصيغة الخاصة بالعائلة، والتي تُتيح للأم إخبار ابنها أنه ينتمي بالفعل إلى هذه العائلة؛ أي إنه ينحدر من سلالةٍ مثالية ويُفترض أنها فريدة من نوعها، هي التي أسَّسَت تلك العائلة. وهذا التماهي مع أولئك الأسلاف المثاليِّين هو البذرة التي يخرج منها المَثل الأعلى للأنا لدى الفرد. وهذا التخيل النرجسي، الذي تتشاركه الأم والطفل حال قبول الأخير السلوك الجسدي الذي تقترحه عليه، لا غنى عنه في تكوين إحساس الفرد بالترابُط. لكن ذلك يصحبه اعتماد الفرد على إنكارٍ للواقع؛ لأن المُثل العليا التي يتكون منها مَثل الأنا الأعلى، في الواقع، تستمد جذورها من سلالة الأب وسلالة الأم؛ ومن ثَمَّ فهي متعددة ومُتضارِبة. علاوة على ذلك، يرتبط الفرد على مدى حياته بالعديد من المُثل الإضافية العديدة عبر اختياراته الجديدة للموضوع، وما يمر به من تجارب الثُّكل والفَقد. تستمد «الفروق الصغيرة» قوتها الانفجارية من قدرتها على تهديد هذا الترابُط الوهمي. ويستخدم معظم أعضاء جمعية باريس للتحليل النفسي مفهوم «الأنا المثالية» لوصف هذا الوهم الذي يُمكِّن الأنا من الحفاظ على اعتقادها بأنها متطابقة مع مَثلها الأعلى؛ فيُميِّزون بين الأنا المثالية و«مَثل الأنا الأعلى» وبينها وبين الأنا العليا، التي تُعاقب الأنا عندما تفصل نفسها «عن» مَثلها الأعلى.

أكمل دينيس ريبا محاولته التوضيحية هذه عبر توسيعِ نطاقِ فرضيته عن غريزة الحياة المنفصلة لتشمل إشكالية التعصُّب؛٣٥ فهو يؤمن بأن الأنا المثالية لدى المُتعصِّب تعتمد على التماهي الالتصاقي للأنا مع مَثلها الأعلى؛٣٦ ومن ثَمَّ تعتمد على غريزةِ حياةٍ منفصلة تفرض هذا الارتباط. «أيُّ انفصال؛ ومن ثَمَّ أي مسافة قد تسمح بالنقد، يُصبِح قاتلًا بالنسبة إلى الهوية القديمة التي تشكلت على هذا النحو … وعلى ذلك يصبح الارتباط بقائد — كهتلر مثلًا — أو باعتقادٍ مُعيَّن أمرًا جوهريًّا لا غنى عنه» (ريبا، ١٩٩٩، صفحة ١٣٩).
إن تلك الفرضيات التكميلية لا تُفسِّر أصل انفصال الغرائز؛ فنجد أن ريبا يؤمن بأن دَور القائد هو دَورٌ أساسي هنا؛ فالقائد بمقدوره إقناعُ أتباعه بقتل أنفسهم، أو ارتكابِ جرائمِ قتلٍ جماعية، من مُنطلَقِ رغبةٍ لديه في حيازة حب الأم، أو من أجل «تصدير انفصال الغرائز» الكامن لديه في الواقع (المصدر السابق، الصفحات ١٤٢–١٤٤). وسوف تتمثل أساليبه لتحقيق ذلك في «مهاجمة الروابط، وتدمير جميع الموضوعات مَحلِّ العاطفة، وعبر الإذلال النرجسي، وجعل أيِّ عمليةِ تنظيمٍ مستحيلة» (ريبا، ٢٠٠٢، صفحة ٢١٠). غير أن السمة الأشد خطورةً لجرائم القتل الجماعي هي أنها غالبًا ما تكون نتاجًا لاستغلالِ كراهيةٍ تلقائية، يستغلها القادة على نَحوٍ ثانوي فحسب لأجل تحقيق أهدافهم أو إشباع ساديَّتِهم الذاتية. وما إن تحتك جماعتان تفصلهما «الفروق الصغيرة» بعضهما ببعض، حتى يبدو أن الانفصال يحدُث من تلقاء نفسه. كيف يمكن ذلك؟ قد تساعدنا نقطةٌ يطرحها فرويد، وأعادها ريبا إلى الأذهان (المصدر السابق، صفحة ١٣٩) على توضيح هذا الأمر. في كتاب «الأنا والهو»، يُبيِّن فرويد بالفعل أن التماهي «يبدأ مع تحوُّل الليبيدو الخاصة بالموضوع الجنسي إلى ليبيدو نرجسية»، وأن هذا التحوُّل لا بد أن يصحبه «انفصالٌ للدوافع المختلفة التي كانت فيما سبق مُندمجةً معًا»؛ لذا لا بد أن يكون تماهي أعضاء مجموعةٍ ما أحدهم مع الآخر ومع قائدهم مصحوبًا بانفصالٍ للغرائز وتحريرٍ لغريزة الموت،٣٧ وهو الأمرُ الذي لن يحدث ما دام القائد يَضطلِع بدوره بوصفه مثلًا أعلى مُوحِّدًا دون محاولةِ استغلالِ هذا الدور (دياتكين، ٢٠٠٢).

(١١) معارضو غريزة الموت في فرنسا

لا يزال الاتجاه الفرنسي الذي ينكر وجود غريزة الموت يضم بين روافده مُعارضِين مُفوَّهِين حتى اليوم؛ ففي المؤتمر الثاني والستين للمُحلِّلِين النفسيِّين في الدول الفرانكوفونية، جمع بول دينيس آراءهم وحُججَهم معًا (دينيس، ٢٠٠٢)، وأضاف بعض النقاط الجديدة إلى تلك التي قدَّمَها هارتمان وكريس ولويونستين، والتي تتلخَّص في أن غريزة الموت مسألةٌ تخُصُّ ما وراءَ علمِ الأحياء وما وراء علم النفس. يطرح فرويد مفهومَ غريزة الموت من وجهتَي نظرٍ مُنفصلتَين — إكلينيكية وفلسفية — لا تجمعهما أيُّ صلة. تعتبر النظرية الجديدة الدوافعَ بمنزلةِ قوًى طبيعية؛ وهي تُضعف مفهوم الدوافع؛ فغريزة الموت ليس لها مصدر، أو طاقة، أو موضوع؛ كل ما تمتلكه هو هدف فحسب.٣٨ استبعد هؤلاء المعارضون فكرة الدوافع الجزئية، واعتبروا أن الازدواجية الغريزية ليست في الحقيقة سوى نوعٍ نشِط من الوَحدَوية، وادَّعَوا وجود «غرائز موتٍ جنسية» فحسب (لابلانش). ورَأَوا كذلك أن غريزة الموت مفهومٌ لا جدوى منه؛ ففي الفيزياء لا حاجة لنا إلى «دفء الحياة» و«دفء الموت» كي نفهم ظاهرتَي التسخين والتبريد. والحقائق التحليلية التي يُفسِّرها مفهوم غريزة الموت كما يطرحه فرويد هي حقائقُ لا متجانسة، تجمع بين المازوخية وغريزة الموت والدافعية ومبدأ الاختلال. وراكَمَ المصطلح مزيدًا من عدم التجانُس على يد خُلفاء فرويد. لا يسعُ المرءَ التأكُّدُ من أن مصطلح «غريزة الموت» سوف يحمل المعنى نفسه في جميع الحالات؛ فالأفضل إذن، حسب رأي دينيس، استخدامُ مفاهيمَ مختلفةٍ أكثرَ تحديدًا، مثل «جنون السيطرة» فيما يتعلق بحالات العُنف القُصوى، أو «مبدأ التنظيم-الاختلال» فيما يتعلق بالنزعة نحو الابتعاد عن التمايُز.

ومما يدعم هذه النقطة التي طرحها دينيس الأبحاثُ المُتنوِّعة المكتوبة باللغة الفرنسية والتي تستعين بمفهوم غريزة الموت: أغلب الظن أن مصطلح «غريزة الموت» يشتمل بالفعل على عناصرَ في غاية التنوُّع، ومن المحتمل أن جرين ومارتي، على سبيل المثال، لا يصفان الأمر نفسه عندما يتحدثان على نحوٍ مختلف للغاية عن مثل هؤلاء المرضى المُختلفِين تمامًا. لكن حقيقة استخدام مصطلحٍ واحد يتيح لهما إجراءَ حوارٍ من شأنه أن يُتيح لهما مقارنةَ أفكارهما ونقدها. هل في وُسْع المرء الاستبدالُ بغريزة الموت «جنون السيطرة» في حالات العنف القُصوى؟ لقد حاول دينيس القيام بذلك تحديدًا في عمله المُؤثِّر «السيطرة والإشباع» (دينيس، ١٩٩٧، صفحة ١١٩)، حيث يعرض تطويرًا مُقنعًا للجوانب المختلفة «للسيطرة» على الدوافع. لكن دون الاستبعادِ التامِّ لمفهوم غريزة السيطرة من المنظور الفرويدي، يُصبِح من الصعب التحدُّث عن السيطرة عندما يُصبِح الهدف وراء الدافع هو تدمير الموضوع. يُشير دينيس كذلك إلى إحلال «مبدأ التنظيم-الاختلال» محل الجانب المُعادِي للتمايُز في غريزة الموت، حسبما وصفه مارتي في حالات الاضطرابات النفسية الجسدية التي عَرضَها. لكن أي «مبدأ» لا تبرُز أهميته سوى فيما يتعلق بنشاطِ دافعٍ ما. من الضروري تسمية الدافع الذي «يُخِل» بالحياة النفسية، لكن سيكون من العبث اتخاذُ قرارٍ بتسميته «غريزة السيطرة» بدلًا من «غريزة الموت».

كلمة أخيرة

ربما يرجع الأمر كله بالفعل إلى علم الأحياء!

قطعًا لم يكن فرويد على علمٍ بالأبحاث التي كان يمكن له الاستشهاد بها دعمًا لغريزة الموت، وهي التي تعود إلى عشرينيات القرن العشرين وتتناول الموت التلقائي للخلايا بغض النظر عن أيِّ عدوانٍ خارجي؛ فمنذ عام ١٨٥٥ (أمايزن، ١٩٩٩، صفحة ٦٣)، أبدى علماء الأجنة وعلماء الأنسجة اهتمامًا بهذه الظاهرة التي تلعب دورًا محوريًّا في تكوين الجنين،٣٩ والتي أطلقوا عليها اسم «الاستماتة».٤٠ والآن نُدرِك أن موت الخلايا يمكن تنشيطه عن بُعد عَبْر الهرمونات (المصدر السابق، صفحة ٣٣)، وأنه يلعب دورًا مهمًّا في انتقاء الليمفاويات «الفاتكة» القادرة على التعرُّف على الفيروسات والبكتيريا الغريبة عن الكائن الحي وتدميرها، وكذلك في تكوين الدماغ (المصدر السابق، الفصل الثاني). ولا يُعد ذلك نتاجًا لنشاطِ أيِّ عاملٍ خارجي، بل نشاط عددٍ من البروتينات التي تُنتجها الخلية نفسها.٤١ وقد عُزلت الجينات التي تسمح معلوماتها للخلايا بإنتاج البروتينات التي تُنشِّط موت الخلايا (المصدر السابق، صفحة ٧٥)، مثلما عُزلت الجينيات التي تُثبِّط هذا التنشيط (المصدر السابق، صفحة ٧٦).٤٢ وقد قَلبَت تلك الاكتشافات مجالاتٍ كاملة من علم الأمراض الطبي رأسًا على عقِب، وغيَّرت من فهمنا لطبيعتَي الحياة والموت: «أصبحنا الآن نرى رؤيةً غريبة للحياة؛ فالحياة بالنسبة إلى كل خلية … تعمل باستمرارٍ على تقييد النشاط الانتحاري ولو لفترةٍ من الوقت» (المصدر السابق، صفحة ٧٧). ما يبحث عنه أولئك الباحثون ليس غريزة الموت بمعناها في التحليل النفسي، لكن بوُسعنا قطعًا قبولَ أنَّ وصْفَ نشاطِ غريزة الموت داخل الكائن الحي ليس مُجرَّد تكهُّنٍ لا أساس له في الواقع المادي.

«ترجم هذا الفصل دانيال هان.»

هوامش

(١) «يُكرِّر الطفل التجربة التي عاشها، حتى لو كانت تجربةً غير سارة؛ لأنه من خلال هذا النشاط يكون قادرًا على تحقيق السيطرة على نوعٍ أكثر تطرُّفًا بكثير …» (فرويد، ١٩٢٠، صفحة ٣٥).
(٢) فرويد (١٩٢٠، صفحة ١٨). «على الجانب الآخر، وفيما يتعلق بالمريض الخاضع للتحليل، يبدو واضحًا تمامًا أن الحاجة لتكرار أحداث الطفولة خلال التحويل تتجاوز مبدأ اللذة على أي حال» (صفحة ٣٤).
(٣) «إكراه القدَر» كشيءٍ مختلف عن «عُصاب القدَر» (فرويد، ١٩٢٠، الصفحات ٢١-٢٢).
(٤) يعود الجدال الفلسفي عن طبيعة المتعة على الأقل إلى كتاب أفلاطون «فيليبوس»، والكتاب السابع من «الأخلاق النيقوماخية» لأرسطو. تعود فكرةُ أنَّ المتعة تضاهي عودةً إلى نقطة الصفر للإثارة إلى أفلاطون بلا شك؛ فهو يؤمن بأن انعدام المتعة (و«الألم») يأتيان من تحلُّل «انسجام» الطبيعة، وأن المتعة تتأتَّى عند إعادةِ بناءِ هذا الانسجام؛ أي إن المتعة هي العودة إلى الحالة الطبيعية. ينتقد أفلاطون النموذج الذي يعتبر أن تناوُل الطعام «إشباع ومتعة»، وأن الجوع «تحلُّل وأَلَم» (أفلاطون، فيليبوس، ١٧، ٣١د، صفحة ٣٠٦). بالمثل يَنتقِد أرسطو فكرة المُتعة كنوعٍ من الإشباع، والألم كاحتياج وعوز في حالتنا الطبيعية؛ فالمُتع المستمدة من الدراسة أو من رائحةٍ طيبة لا علاقة لها بالإشباع والامتلاء (أرسطو، الأخلاق النيقوماخية، الصفحات ٤٨٦-٤٨٧).
(٥) أعادت التجاربُ الحالية في الاستنساخ تجاربَ جاك لوب إلى دائرة الضوء مرةً أخرى.
(٦) «الغريزة هي دافعٌ متأصلٌ داخل أيِّ كائنٍ حي يدفعه نحو إعادة بناءِ حالةٍ سابقة» (فرويد، ١٩٢٠، صفحة ٣٦).
(٧) «كيف يمكن أن نستخلص من الغريزة الجنسية (التي تحفظ الحياة) دافعًا ساديًّا يهدف إلى إيقاع الضرر بالموضوع؟ هل يجب عدم افتراض أن هذا الدافع من الأنسب والأصح أن يُسمَّى «غريزة الموت»؟» «يُمكِن في الواقع إيضاح أن السادية الصادرة عن الأنا قد أَوضحَت الطريق للمُكوِّنات الشهوانية للدافع الجنسي» (فرويد، ١٩٢٠، صفحة ٥٤).
(٨) في كتابِ «ما وراءَ مبدأ اللذة»، تصوَّر فرويد أيضًا (على نحوٍ عارض) «الميول المازوخية المبهمة للأنا نحو وضع الأحلام الناتجة عن الصدمات في الاعتبار» (فرويد، ١٩٢٠، صفحة ١٤).
(٩) «إذا كان حب الموضوع، وهو الحب الذي لا يمكن التخلِّي عنه طالما تم التخلِّي عن الموضوع نفسه، مستترًا في تماهٍ نرجسي، فإن الكراهية تبدأ العمل على هذا الموضوع البديل، وإيذائه، والتقليل منه، ودفعه إلى المعاناة، واستمداد متعةٍ سادية من تلك المعاناة … إن العذاب الذي يُنزله الشخص السوداوي بنفسه، والذي يمنعه بكل تأكيدٍ من الشعور بالمتعة، يُمثِّل الإشباع السادي وميول الكراهية (بالضبط مثل ارتباط الظاهرة بالعُصاب الوسواسي) التي تحوَّلَت متجهةً نحو الشخص نفسه على النحو الذي ناقشناه» (فرويد، ١٩١٤، صفحة ٢٥١).
(١٠) لكن هنا ينظر فرويد إلى الانفصال الغريزي كتقدم؛ إذ يحدث في المرحلة الأوديبية ويجعل من الممكن تمييز الحب عن الكراهية بوضوح.
(١١) لا يعتبر الإنسان «أخاه الإنسان أداةً مساعدة وموضوعًا جنسيًّا محتملًا فحسب، بل أيضًا موضوعًا للإغواء؛ فالإنسان يتعرض فعليًّا لإغراءِ إشباعِ حاجته للعدوانية على حساب أخيه الإنسان، ولاستغلال عمله دون تعويضه، واستغلاله جنسيًّا دون موافقته، والاستيلاء على ممتلكاته، وإذلاله وإنزال المُعاناة به والتضحية به وقتله» (فرويد، ١٩٢٩، صفحة ١١١).
(١٢) «تجد الليبيدو أو الشهوة الجنسية في الكائنات الحية (المتعددة الخلايا) دافع الموت أو التدمير الذي يتحكم فيها، ويسعى لتفتيت هذا الكائن الخلوي إلى قطعٍ ووضع كل جسيمٍ عضوي في حالةٍ من الاستقرار العضوي (حتى لو كان هذا الاستقرار في الواقع نسبيًّا). تتولى الليبيدو مهمة تجريد هذا الدافع التدميري من ضرره، وذلك من خلال تحويل معظمه إلى الخارج بمساعدةِ نظامٍ عضويٍّ مُحدَّد (أي النظام العضلي) وتوجيهه نحو موضوعاتٍ في العالم الخارجي؛ ولهذا سُمي الدافع التدميري، أو دافع السيطرة، أو الرغبة في القوة والسلطة» (فرويد، ١٩٢٤، صفحة ١٦١).
(١٣) «لم يجلب فرويد أو أيٌّ من أنصار هذه النظرية (مثل فيدرن ونانبرج وفايس) أي حُجةٍ جديرة بالاهتمام أو قابلةٍ للإدراك الموضوعي تُؤيِّد وجود غريزةٍ مستقلة تدفع نحو التدمير أو الموت» (ناخت، ١٩٤٨، صفحة ٣١٣).
(١٤) يبدو أن هذه الفجوات تجتمع معًا في المفهوم الغامض الذي قدَّمه فرويد باسم «غريزة الموت»: إنها بمثابةِ شاهد (كتمثال أبي الهول) على الطريق المسدود الذي اصطَدم به هذا الفكر العظيم في سياق أعمق وأقوى محاولةٍ بُذلِت حتى اليوم لصياغة التجربة البشرية داخل عالم الأحياء» (لاكان، ١٩٤٨، صفحة ٣٦٧).
(١٥) على سبيل المثال، «الغرائز التي أومن بها والتي تُعتبر غريزة الموت إحداها» (لاكان، ١٩٥٦-١٩٥٧، صفحة ٣٧١).
(١٦) في المؤتمر الخامس عشر للمُحلِّلِين النفسيِّين في الدول الفرانكوفونية عام ١٩٥٣، قُبيل الانفصال مباشرة، عرض موريس بيناسي أفكار فرويد عن غريزة الموت في بحثه المُسمَّى «نظرية الغرائز». وجد بيناسي نفسه في مواجهةِ عداءٍ أو لا مبالاةٍ من معظم أعضاء جمعية التحليل النفسي في باريس باستثناء فرانسيس باش. ولم تَحظَ غريزة الموت بأي دفاعٍ في جمعية التحليل النفسي باريس حتى انعقاد مؤتمر سيرج فيدرمان عام ١٩٦٠. وكان اعتراض ناخت عليها في الأساس لأسبابٍ عمليَّة؛ إذ إن غريزة الموت لا تُوسِّع المنظور العلاجي. وبعد عشر سنوات، في المؤتمر الخامس والعشرين للمُحلِّلين النفسيِّين من الدول الناطقة باللغات الرومنسية، وجد رينيه دياتكين جمهوره أكثر انقسامًا بكثير حول الأمر، عندما نسب العُدوانية إلى غريزة الموت بدلًا من النظر إليها كنتيجة للإحباط (عرض ناخت النظرية في عام ١٩٤٨).
(١٧) من أهم اللحظات الرئيسة ندوة جمعية التحليل النفسي بباريس عام ١٩٦٩ حول «التكرار وغريزة الموت»، والمنتدى الذي عقده الاتحاد الأوروبي للتحليل النفسي في مارسيليا، الذي عرض فيه أندريه جرين وجان لابلانش آراءهما في مقابل آراء المحللين الأوروبيِّين الآخرين؛ والإصدار الثاني من «الدورية الفرنسية للتحليل النفسي» (١٩٨٩) عن غريزة الموت؛ والمؤتمر الذي نظمه جان جيومان في ليون عام ١٩٩٩ عن «الابتكار وغريزة الموت»، حيث قدَّم دينيس ريبا دراسته بعنوان «تاريخ انقسام واندماج الدوافع». يمكن العثور على شرحٍ مُفصَّل للمواقف والآراء التي اتخذها الكتَّاب الرئيسيون لجمعية التحليل النفسي بباريس حتى عام ١٩٨٩ في بوكانوفسكي (١٩٨٩).
(١٨) «أنظُر لوضع الرُّهاب المركزي كمَيلٍ نفسيٍّ أساسي غالبًا ما يكون موجودًا في علاجِ بعضِ حالاتِ اضطراب الشخصية الحدِّية» (جرين، ٢٠٠٢، صفحة ١٥٢).
(١٩) «يبدو أن حديث مريضه، جابرييل، قد أُبقي على مسافةٍ وطُوِّر على نحو عميق ومُطوَّل من خلال أفكارٍ عامة، مما جعل المُحلِّل يشعر بأنه يتلمَّس طريقه عبر ضبابٍ كثيف» (جرين، ٢٠٠٢، صفحة ١٦٦).
(٢٠) «ينزلق الخطاب إلى الخطيَّة؛ فلا يبرز الترابط في الإدراك اللاحق، حتى وهو يتوقَّع ما سوف يلي، مما يفتح الطريق للاحتماليات» (جرين، ٢٠٠٢، صفحة ١٧١).
(٢١) «يبدو الأمر كما لو كان النشاط الرُّهابي قد ثبت نفسه داخل جوهر الخطاب إلى حدٍّ بعيد ووقف في طريق أي انتشارٍ محتمل داخل النفس» (جرين، ٢٠٠٢، صفحة ١٧١).
(٢٢) بمناقشة مريضه جابرييل، كتب جرين يقول: «في البداية ظننتُ أنني أتعامل مع سلوكٍ نشأ عن كبتٍ ضخم امتد لفترةٍ طويلة. واستمر هذا حتى أدركتُ أنه إذا كان غيرَ قادرٍ على الدخول في تداعٍ حُر، فإن هذا لم يكن بسبب الافتقاد لأيِّ شيء، بل من المحتمل أن يكون بسبب زيادة التداعيات؛ بمعنى آخر، كلما خاض فيما يرغب في قوله، ازداد شعوره بالخطر؛ لأن التواصُل بين عناصر حديثه لم يكن مُحكمًا بالقَدْر الكافي، وكان يُشوِّه كلماته أو يُصدِرها مُشوَّشة، كما لو كان يحاول التحذير من نتيجةٍ سينجرف إليها حتمًا إذا ترك نفسه ينجرف إلى هناك» (جرين، ٢٠٠٢، صفحة ١٦٦).
(٢٣) «كان الأمر في حالته متعلقًا حقًّا بانعدامٍ شديد للأمان كان يشعر به أثناء وضعه للدلالات الرئيسة للتحليل النفسي في منظورها الصحيح … وبوجهٍ عام فإن ما جعل تطوُّره المُتعدِّد الاتجاهات يخمد ويصبح عقيمًا بلا طائلٍ هو توقُّع الموضع الذي كان هذا التطوُّر يخاطر بأن يصحبه إليه. في النهاية، بدا الأمر كما لو كان عليهم جميعًا أن يصلوا حتمًا إلى سيلٍ جارف من الصدمات يستجيب كلٌّ منها للأخرى» (جرين، ٢٠٠٢، صفحة ١٧٠).
(٢٤) «كان هذا استجابةً لشعور الهجر مراتٍ عديدة الذي كان يقسمه أكثر فأكثر كلما استدعى إحداها، ما جعله عاجزًا عن استخدام مشاعره للتساؤُل عما يمكن لأناهُ القيامُ به إزاء هذا الشعور في محاولةٍ ما لتوليف المعنى الذي ربما ينبثق من عمليةِ وضع الأمور في منظورها الصحيح» (جرين، ٢٠٠٢، صفحة ١٧٢).
(٢٥) «لقد تلامَسَت أعمدة الحياة العقلية، التي نجح المريض في تَفرقتِها قبل الخضوع للتحليل وأَنكرَ علاقته بها» (جرين، ٢٠٠٢، صفحة ١٥٣).
(٢٦) «إذن فقد تألفَّت الصدمة الحقيقية من احتمالية رؤيتهم مُتوحدِين في هيئةِ مجموعةٍ يفقد فيها الفرد قدرته الداخلية على مقاومة المحظورات، ولم يعُد في وضعٍ يجعله على غير درايةٍ بحدود فرديته الخاصة، مما يجعله يلجأ إلى هوياتٍ عديدة وأحيانا متناقضة، ويجد نفسه غيرَ قادرٍ على الاستفادة من الحلول الدفاعية المنفصلة» (جرين، ٢٠٠٢، صفحة ١٥٣).
(٢٧) «ما تكشفه المحنة هو قتلُ تمثيلِ الأُم التي تفشل في الظهور، أو الثدي الذي يفشل في إشباع الجوع، بل يزيد من الإثارة» (جرين، ٢٠٠٢، صفحة ١٧١).
(٢٨) «اللوم هو نتيجةُ جريمةِ القتل الأُولى التي تهدف إلى إبعاد الموضوع الهاجر» (جرين، ٢٠٠٢، صفحة ١٨٠).
(٢٩) «إن الموضوع الأمومي الذي يُقتَل بهذه الطريقة «لا يمكن فهمه إلا في إطار الخواء الذي يُترك فيه الفرد فيه؛ وعلى العكس، إذا جعل وجوده محسوسًا، فإن شبحه يشغل كل جزءٍ من الفراغ؛ أي إنه يستحوذ»» (جرين، ٢٠٠٢، صفحة ١٨١).
(٣٠) قارن فرويد (١٩٢٥، صفحة ٢٣٦). الموضوع الأَوَّلي المقتول يكون جيدًا وسيئًا، وموجودًا وغائبًا في الوقت نفسه (جرين، ٢٠٠٢، صفحة ١٨١).
(٣١) «يتبع هذا نكرانٌ للواقع النفسي للفرد الذي يقوم بهذا» (جرين، ٢٠٠٢، صفحة ١٧١).
(٣٢) يُفضِّل جرين الحديث عن «دافع التدمير» و«دافع العدوانية»، وليس الحديث عن «غرائز الموت». إن «النزعة التدميرية» هي غريزة الموت تعمل من داخل الجهاز النفسي؛ أمَّا العدوانية، فهي غريزة الموت مُوجَّهة للخارج (جرين، ٢٠٠٠أ، صفحة ١٦٤).
(٣٣) ولهذا، يجب أن يتغلَّب المُحلِّل على «رُهابه الفكري»؛ أي كونه مُستثارًا «بارتدادات رجعية» و«التوقع المعلن» للطرق الإيجابية التي يمكن من خلالها الانخراط معها. ومن واقع خبرتي، يمكن في هذه الحالة فقط أن يرى المريض فيه انعكاسًا لأداءٍ وظيفيٍّ نفسي يتبع مسارًا مشابهًا (جرين، ٢٠٠٢، صفحة ١٧٩).
(٣٤) ريبا (٢٠٠٢، صفحة ١٨٢). لكن ريبا قرأ كذلك ما كتبه وينيكوت عن «العنصر الأُنثوي الخالص»، مضيفًا «الرابط» إلى «الدافع»: «إذا كان العنصر الذكوري مرتبطًا بالرباط «الإيجابي أو السلبي» للموضوع الذي يتم تركيز الطاقة النفسية عليه، فإن العنصر الأنثوي النقي يحدد رباطًا مختلفًا تمامًا بالثدي أو الأم.»
(٣٥) «يبدو لي أن متعصبًا سيكون في حالة من التماهي الالتصاقي مع مَثله الأعلى، الذي يمكن اعتباره — كما تم التأكيد من قبل — من الآن فصاعدًا أنَا مثاليةً وليس «مثلًا أعلى للأنا»» (ريبا، ١٩٩٩).
(٣٦) «الأنا المثالية»، التي تتسم بالالتصاقية والانفصال — وبالتالي خالدة ونقية — والتي يُمكن ربطُ كلِّ مخاطر التعصُّب بها «تتناقَض مع مثل الأنا الأعلى» (ريبا، ٢٠٠٢، صفحة ٢٠٦).
(٣٧) عاد فرويد إلى هذه الفكرة في بحثه «الإشكالية الاقتصادية للمازوخية» (فرويد، ١٩٢٤، صفحة ٢٩٤).
(٣٨) تَتعرَّض محاولات هارتمان وكريس ولويونستين لوصف «الدوافع العدوانية» المُحمَّلة بطاقةٍ محددة للانتقاد نفسه.
(٣٩) «ومع ذلك، كان ثَمَّةَ وضوحٌ متزايد أن النماذج الهائلة لموت الخلايا كانت عالميةً بلا ريب؛ إذ يحدث في كل الأجنَّة في كلِّ أنواع الكائنات الحية» (أمايزن، ١٩٩٩، صفحة ٣٠).
«إن موت الخلية هو الذي يُشكِّل — في موجاتٍ متتابعة — أذرعنا وسيقاننا أثناء نمُونا من الشكل الخارجي، من قاعدتها وحتى أطرافها» (المصدر السابق، صفحة ٣١).
«يُشكِّل موت الخلية كذلك الشكل الداخلي للجنين» (المصدر السابق، صفحة ٣١).
(٤٠) من اللفظ اليوناني لكلمة «سقوط».
(٤١) «لا يشير موت الخلية ضمنيًّا إلى وجود مُنفذٍ للإعدام، أو قتال، أو شَلَل، أو شيخوخة؛ فهو لم يكن نتيجة لقتل أو تسميم. لقد كان القاتل حاضرًا في قلب الخلية. وكان التأثُّر الوحيد لإشارة الموت هو دفع الخلية إلى قتلِ نفسها» (أمايزن، ١٩٩٩، صفحة ٥٧).
(٤٢) كان هذا مهمًّا بما يكفي كي يجعل جائزة نوبل في الطب عام ٢٠٠٢ تذهب إلى الباحثِين الذين قاموا بهذا العمل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤