الفصل العاشر

المستقبل الغامض

ماذا ينتظرنا في المستقبل القريب والمستقبل البعيد، وماذا لدينا لنقوله في هذا الشأن

أعظم رحلات البشرية في انتظارنا؛ إنها الرحلة إلى المستقبل.

إننا نشكل هذا العالم لأنفسنا بالتأثير في بعديه الثقافي والاقتصادي أكثر من التأثير في بعده الطبيعي. وكلما عرفنا وفهمنا أكثر زادت قدرتنا على تشكيله. يكاد الجميع يفكرون في المستقبل، لكن غالبًا يكون ذلك بريبة وتوجس. فالناس يخافون مما لا يفهمونه.

نحن أمام أحد خيارين: مستقبل قوامه الفهم، أو مستقبل قوامه سوء الفهم. والخيار الثاني قد يكلف (أو سوف يكلف) التنمية ثمنًا باهظًا للغاية. لكن ما نحتاج إلى فهمه، أن غالبية حالات سوء الفهم ليست ناجمة عن «صدام الحضارات»، بل عن صدام الجهالات. الوقت يمضي، وغدًا سيصبح اليوم، واليوم سيصير الأمس.

من الصعب أن تتفاءل إذا سمعت رأي الإيرانيين في الولايات المتحدة، وعرفت شعور الأمريكيين تجاه الإيرانيين، لكن من الصعب أيضًا ألا تلحظ أنه يمكن تحقيق الكثير في هذا الصدد من خلال حوار حكيم وموضوعي يخلو من التصورات المسبقة ومواقف التحامل على الآخر. لكن لا يبدو أن أيًّا من الطرفين متحمس للبدء في حوار كهذا. وباستثناء الحالات المتطرفة كحالة إسرائيل وفلسطين — حيث لن يكون هناك أي حل معقول للصراع من دون ضغط قوي وصارم من الخارج — فإن التصورات المتبادلة بين الولايات المتحدة وفنزويلا، أو بين بريطانيا وزيمبابوي من شأنها أن تفزع أي مراقب موضوعي. يوجد أيضًا قدر هائل من سوء الفهم بين الدول المتجاورة أمثال بولندا وبيلاروس، أو روسيا وجورجيا. والوضع ليس أفضل بكثير إذا سمعت ما يقولونه في واشنطن ونيويورك عن روسيا، أو ما يقولونه في موسكو وسان بطرسبرج عن الولايات المتحدة. هذا كله يذكرنا إلى حد ما بعلاقات اليابان مع بقية دول العالم قبيل فترة الإصلاح التي حكم خلالها الإمبراطور ميجي، لكنه الآن يحدث على مدار الساعة، وبسرعة البرق، ومن السهل معرفته لكل مَن يهتم به.

اليوم لم يعد من الممكن التغلب على مثل هذه الحالات عن طريق إرسال القوات البريطانية أو السفن الحربية الأمريكية، مثلما حدث في السابق عندما أُجبرت الصين على شراء الأفيون وأجبرت اليابان على الانفتاح على العلاقات التجارية الخارجية، فالأمر يتطلب جهدًا فكريًّا وإجراءً سياسيًّا من الجانبين. ومثلما ساعد التوسع الاقتصادي الحر على كسر عزلة الشرق الأقصى، من الممكن أن يحقق التفاعل الاقتصادي الكثير في الوقت الحاضر، ليس فقط على مستوى الاستثمار والتجارة، بل أيضًا على مستوى البحث والتعليم. وأفضل مثال على هذا خلال السنوات الأخيرة التحسن الكبير في العلاقات الثنائية بين الصين والولايات المتحدة والتفاهم المتبادل بينهما، ناهيك عن المثال المشجع الخاص باندماج بلدان ما بعد الاشتراكية في حركة الاقتصاد العالمي والثقافة العالمية. وينبغي التأكيد على دور المفكرين ورجال الأعمال — الذين يكونون علاقات تجارية مباشرة بعيدًا عن تدخل الحكومة — في خلق مناخ من التفاهم والتسامح والاحترام المتبادل.

خلال بحثنا عن إجابات للتساؤلات حول مصادر وآليات التنمية، أبدينا القلق في أكثر من مناسبة من الطريقة التي تسبب فيها الجشع أو الجهل أو العواطف في إفساد هذا العمل، حتى في الأوقات التي وُجد فيها فهم علمي للقضايا. لكن الوقت أُهدر، أو بالأدق أُهدر من وجهة نظر مصالح الأغلبية وعموم الناس؛ إذ كان البعض يحقق أرباحًا هائلة من جراء هذا الوضع، ومنهم من لا يزال كذلك.

لكن في بعض الأحيان، يكون الإخفاق في تحقيق شيء «ممكن من الناحية النظرية» دليلًا على تفوق الممارسة العملية على الافتراض النظري، وهذا صحيح على الأقل في مجال الفيزياء؛ لذلك نحن لا نزال ننتظر نهاية العالم، على الرغم من أنها قد تحدث الآن من الناحية النظرية. وإن حدث ذلك الآن، فلن يكون ناجمًا عن الجهل، بل عن تراكم كميات هائلة من المعارف، وعن تحقق مشروع إنساني عظيم آخر. ففي بداية عام ٢٠٠٨ بدأ تشغيل أحد أكثر الأجهزة تعقيدًا في التاريخ (وهو أيضًا واحد من أكثرها تكلفة، إذ تجاوزت تكلفته ٨ مليارات دولار). ويعد هذا الجهاز — من وجهة نظرنا — أكثر تعقيدًا من الأنتيكيثيرا (آلة ميكانيكية قديمة اخترعها الإغريق للحساب الفلكي) من وجهة نظر قدماء الإغريق. إننا نتحدث عن «مصادم الهدرونات الكبير»؛ معجِّل الجسيمات الذي يقع في أنبوب محيط دائرته يساوي ٢٧ كيلومترًا خارج مدينة جنيف، والذي قد يساعدنا على إجابة بعض الأسئلة التي تتعلق ببنية الكون، أو بالأحرى بنية الأكوان. المثير أن نتائج التجارب والدراسات النظرية هذه ربما تُظهر أن الانفجار الكبير لم يحدث أبدًا، ومن ثم، سيكون علينا إعادة كتابة بعض الأمور التي نظن أننا نعرفها في الجزء الخاص بنا من تاريخ العالم.

يظن بعض الناس أن «تقنية جنيف» هذه — أنشأها اتحاد يسمى «المنظمة الأوروبية للبحث النووي» — قد تحدث ثقبًا أسود صغيرًا. هل هذه الظنون مجرد ترهات، لكن من عالَم الفيزياء هذه المرة؟ ربما، على الرغم من أن مجلة «ساينتيفيك أمريكان» العلمية حذرت من احتمال حدوث ذلك في صيف ١٩٩٩. الأمر «ممكن من الناحية النظرية»؛ واحتمال حدوثه قريب من الصفر، لكنه لا يزال أكبر من الصفر أيضًا. وقتئذ، كان الحديث يجري حول مصادم أصغر حجمًا، هو «مصادم الأيونات النسبوية الثقيلة» الموجود في مختبر بروكهافن الوطني. أوضح فرانك ويلتشيك الفيزيائي بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (وهو حفيد مهاجرين بولنديين) أن التهديد الحقيقي ليس الثقب الأسود، بل شيء يعرف باسم «الجسيمات الغريبة» (جسيمات افتراضية يعتقد العلماء أن لها مجال جاذبية شديد التدمير). ويؤكد بعض الفيزيائيين — الذين تتعارض وجهات نظرهم أيضًا، لكن لأسباب تختلف عما يحدث مع الاقتصاديين — أنه يمكن تحويل النجوم النيوترونية إلى هذا الشكل الافتراضي من المادة. وإذا حدث ذلك على سطح الأرض، فقد يتحول الكون بأسره إلى مادة غريبة ويختفي العالم الذي نعرفه. لكن المسئولين عن «مصادم الأيونات النسبوية الثقيلة» كونوا لجنة خاصة من العلماء استبعدت مثل هذا الاحتمال وهدأت من حدة التكهنات التي أثيرت في وسائل الإعلام بشأن هذا الخطر. أما فرانك ويلتشيك، فقد مضى في أبحاثه وحاز جائزة نوبل في عام ٢٠٠٤، لكن ليس عن عمله بشأن «الجسيمات الغريبة»، لكنه في النهاية واحد من الحائزين على جائزة نوبل الذين يفهمون أشياء لا يفهمها أحد سواهم.

إذن على الرغم من أن نهاية العالم ممكنة من الناحية النظرية، فإنها لن تحدث؛ على الأقل خلال العام الحالي. ومن الناحية النظرية أيضًا يمكن وقوع العديد من الأخطاء الجديدة في مجالات الاقتصاد واستراتيجية الأعمال والسياسة العامة. لكن الأسوأ أنه لا مفر من هذه الأخطاء لأسباب بتنا ندركها الآن. مع ذلك علينا المضي قدمًا والبحث عن نظريات اقتصادية تماثل تعقيدات علم فيزياء الجسيمات من حيث الدقة، على أن تكون أكثر قابلية للفهم منها، ويتعين البحث عن التطبيقات العملية للعوامل التي تشجع التقدم. فعلى الرغم من كبر قدر المعرفة المتراكمة لدى البشرية وثروة الخبرات التاريخية، لا تزال المشاكل قائمة. وتلك مفارقة أخرى من مفارقات التنمية.

يوجد أيضًا من يعتقدون أنه لا طائل من وراء الكتابة عن المستقبل إذا لم تستطع ترويع قرَّائك. وهذا ليس صحيحًا، لكن من الخطأ كذلك أن تُطمئن الناس بشأن المستقبل إلى حدٍّ يجعلهم لا يكترثون له. الأمر الوحيد المؤكد بشأن المستقبل أنه غامض.

توجد دلائل متزايدة على أن العالم لن يتمكن من الهرب من الدوامة التي وقع فيها إلا بوقوع كارثة وثورات جديدة. لكن سيكون من الأفضل للعالم أن يخرج من هذه الدوامة بالتطور والتنمية الشاملة التي تتسم بالاتزان من النواحي السياسية والثقافية والاجتماعية والبيئية والاقتصادية والمالية، لكن الوقت متأخر جدًّا ومبكر جدًّا أيضًا على حدوث ذلك. أي نوع من الكوارث ستكون تلك الكارثة؟ لا ندري. ومتى ستقع؟ لا ندري أيضًا، لكنها مسألة وقت، لأنه يوجد المزيد والمزيد من التناقضات التي يزداد تعارضها بعضها مع بعض. والتغلب على تلك التناقضات يتطلب تحركات حتى على المستوى التكتوني؛ بمعنى تغييرات هيكلية مؤثرة، وتبني منظومة قيم جديدة، وتحقيق توازن مختلف بين القوى، وتوزيع مختلف للأدوار على المسرح العالمي.

كان ليو تولستوي (١٨٢٨–١٩١٠) يقول إن سبب كل متاعبه أن خياله أكثر ثراءً بقليل من الآخرين. وليس تولستوي وحده من يعاني هذه المشكلة. مع ذلك، من الجيد أن يعاني المرء مشكلة كهذه، لأنها مصدر للإلهام وللتفكير النقدي. ينبغي للأشخاص الذين يعانون مشاكل جيدة كهذه ألا يشعروا بالسوء، ويتعين على المجتمعات والأمم أن تتمنى زيادة مثل هذه المشاكل. ولا يجب عليها القلق إلا من زيادة المشاكل التي تكون مؤلمة بحق. والطريقة الوحيدة للتعامل مع هذه المشاكل هي إطلاق العنان لخيالنا عند التفكير في سبل تشكيل المستقبل.

وينبغي أن نستفيد من المعرفة المستقبلية والتفكير اللاحق لوقوع الحدث الذي تقوم عليه فكرة التاريخ البديل؛ إذ يمكننا أن نتساءل بذكاء: «ماذا لو؟» لأنه سؤال يفتح الباب أمام التفكير الخلاق. إننا نعلم السبب في ظهور عمليات بعينها على نحو معين، ونعلم أيضًا أن الكثير من هذه العمليات كان من الممكن أن يظهر على نحو مختلف تمامًا عما ظهر عليه. ومن المؤكد أن الحال سيظل كذلك في المستقبل. وجزء من المستقبل يتحدد مسبقًا، ولا يمكننا فعل أي شيء حياله سوى انتظاره ومحاولة الاستفادة من أفضل جوانبه. لكن الجزء الأكبر منه يعتمد على ما تعلمناه من الماضي، سواء الماضي القريب والبعيد. ولكي نكوِّن نظرة عن المستقبل، لا بد أن نفهم التاريخ.

من الصعب تقييم السيناريوهات الافتراضية التي تتناول المستقبل لأنه من الصعب المقارنة بينها، وهذا لا يعزى فقط إلى اختلافها الهائل في الموضوعات، والنطاق، والعمق، والإطار الزمني، بل أيضًا لأنه من المستحيل إخضاعها لاختبار للتحقق من صحتها؛ إذ لا يمكن أن ندحض أمرًا لم يقع بعد. فالماضي وحده هو القادر على إثبات أو دحض صحة أي أمر.

تقوم جميع أنواع مراكز التحليلات والتكهنات — وحتى المراكز الهامة مثل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والمؤسسات التابعة لها — برسم سيناريوهات للمستقبل. وهي تتمادى في ذلك إلى حد أنها تنشر هذه السيناريوهات، مما قد يبدو أمرًا مستغربًا من وكالة استخبارات، لكننا لا نعتقد أنها تنشر كل السيناريوهات التي لديها. فلا شك أن أكثر السيناريوهات إثارة للاهتمام، تحمل خاتم «سري للغاية». لكن حتى السيناريوهات المتاحة على شبكة الإنترنت يمكن أن تكون مصدر إلهام.1 وينبغي أن نضيف أن الهدف من نشر مثل هذه السيناريوهات هو التأثير على شكل المستقبل، نظرًا لأنها تطرح توقعات تؤثر بدورها على سلوك الكيانات المختلفة. والغرض من وراء بعض التكهنات هو منع حدوث بعض الأمور، بدلًا من تحفيز حدوثها. وبالمثل، تهدف تكهنات أخرى إلى تحفيز حدوث بعض الأمور. على المدى القصير، ينطبق هذا القول أيضًا على المحللين الماليين الذين يعملون في مجال رأس المال المضارب، والذين يقومون بدورهم في التلاعب بأوضاع الأسواق. وفيما يتعلق بالقضايا الأكثر أهمية، يكون الإطار الزمني طويلًا جدًّا، بحيث يتعين علينا الانتظار ٣٠ أو ٧٠ عامًا لكي تُفتح السجلات المحفوظة ويُكشف النقاب عن المستندات التي تحمل خاتم «سري للغاية». ولكي نتجنب التعرض للصدمات، لا بد أن يكون خيالنا أكثر ثراءً من الآخرين.

ومع ذلك سنخطئ في بعض الأمور؛ لأننا لا نعرف شيئًا عن مدى صحة توقعاتنا إلا بعد وقوع الأحداث، سواء فيما يتعلق بالمسائل الهامة أو الثانوية. ففي عام ١٩٧٥ نشرت مجلة «بيزنس ويك» موضوعًا حول مكاتب المستقبل التي ستخلو من الأوراق، لكن ما حدث أن استهلاك الورق في الولايات المتحدة زاد ثلاثة أضعاف منذ ذلك الحين. وفي السابق كنا نتوقع أن تتجاوز سرعة الطيران سرعة الصوت بمقدر خمس مرات بحلول الوقت الحاضر، لكننا ما زلنا نطير بنفس السرعة التي كنا نطير بها في ستينيات القرن الماضي، أو بالأحرى بنفس البطء، أو ربما أبطأ، منذ إيقاف رحلات طائرات الكونكورد التي تتجاوز سرعتها سرعة الصوت (علاوة على أن الوجبات التي تقدمها الخطوط الجوية باتت أسوأ، وهو ما لم يتنبأ به أحد). وفي منتصف القرن العشرين، وُعِدنا بالحصول على طاقة كهربية رخيصة للغاية بفضل الطاقة النووية، حتى إنه سيكون من غير المجدي محاولة قياس كمية الاستهلاك. وكان من المفترض الآن أن نقيم في كواكب أخرى، وأن نقضي على التلوث الموجود على سطح كوكب الأرض، وأن نتغلب على الفقر والجوع. لكننا الآن لا نرمي إلا إلى تقليل حجم هذه البلايا إلى النصف بحلول عام ٢٠١٥. وكان من المفترض أن تحل المواد المصنعة مشكلة ندرة الموارد الطبيعية. وقيل لي أيام دراستي في المدرسة — من خلال وصف يتصور ما ستكون عليه الحياة في العام ٢٠٠٠ — إنه ستكون هناك أرصفة مشاة متحركة في كل مكان، لكن الأولاد لا يزالون حتى يومنا هذا يسيرون بشق الأنفس صاعدين التل الذي يؤدي إلى تلك المدرسة. أيضًا وعدت الأعمدة العلمية على صفحات الجرائد بأن الإنسان الآلي هو من سيعد لنا الطعام والشاي. واليوم نجد العديد من الاقتصاديين — بالإضافة إلى أشخاص آخرين — على نفس القدر من الحماس بشأن «الاقتصاد الجديد»، لكن لا يوجد «اقتصاد جديد» قادر على حل مشاكلنا القديمة.

هذه الأخطاء الفادحة يمكن أن تسفر عن عواقب وخيمة على التخطيط. ولكي نقلل من هذه العواقب إلى الحد الأدنى، نحن بحاجة إلى أن نسأل أكبر عدد ممكن من الأسئلة. ففي بعض الأحيان، يكون السؤال الجيد أكثر إفادة من إجابة ناقصة. فالأسئلة — على عكس الإجابات — لا تصر على رأي بعينه، بل ترشدنا إلى الاتجاه الذي ينبغي أن نبحث فيه.

ينبغي أن نبحث في كل أرجاء الأفق، ويمكن تقسيمه إلى اثنتي عشرة نقطة على بوصلة تمثل قضايا المستقبل الكبرى، وهي الأمور التي ينبغي أن نواصل استقصاءها طوال الوقت أثناء محاولتنا استشراف المستقبل وطرح سؤال: ماذا بعد؟ فما يحدث لاحقًا يعتمد على أمور تحدث في نفس الوقت، سوف تفاجئنا أمور كثيرة، لكن كثيرًا منها أيضًا ينبغي ألا تكون مفاجئة تمامًا، لأنها تعتمد على التصرفات البشرية الواعية. والنقاط الاثنتا عشرة على البوصلة هي:
  • (١)

    معدل النمو الاقتصادي وحدوده.

  • (٢)

    تطور القيم وتأثيراتها الثقافية على عمليات التنمية.

  • (٣)

    إضفاء الطابع المؤسسي على العولمة إزاء ازدياد الفوضى وغياب التنسيق.

  • (٤)

    التكامل الإقليمي وكيفية تنسيقه مع العولمة.

  • (٥)

    وضع المنظمات غير الحكومية والدور الذي تقوم به.

  • (٦)

    البيئة الطبيعية والتنافس على الموارد الطبيعية المتناقصة.

  • (٧)

    العمليات الديموغرافية والهجرة البشرية.

  • (٨)

    الفقر والبؤس وغياب العدالة الاجتماعية.

  • (٩)

    الاقتصاد والمجتمع القائمان على المعرفة.

  • (١٠)

    التقدم العلمي والتقني.

  • (١١)

    تطور شبكات الاتصالات والنتائج الاقتصادية لذلك.

  • (١٢)

    الصراعات والأمن، والحرب والسلام.

كان من الممكن أن نختتم رؤيتنا بأول نقطة من نقاط البوصلة، وهي مسألة النمو الاقتصادي وحدوده. إذا أدركنا أن معدل النمو يشير إلى الناتج المحلي الإجمالي، ينبغي ألا نخضع لأي أوهام تقول إن متوسط معدله خلال العشر أو العشرين سنة السابقة لا يمكن أن يستمر على نفس الحال على المدى البعيد؛ لنقل خمسين أو مائة سنة مثلًا. لكن الحقائق واضحة — على الرغم من أن ذلك قد يشكل مفاجأة للبعض — وتشير إلى أن العالم لا بد أن يبطئ معدل نموه. لكن كلمة «العالم» لا تعني جميع البلدان، أو في جميع الأماكن، أو بنفس القدر.

فالبلدان الفقيرة ينبغي أن تعجل بتطوير اقتصاداتها من ناحية النمو الكمي للإنتاج وما يصاحب ذلك من تغييرات هيكلية تتصل بعملية النمو. وهذا أمر مرغوب، وممكن أيضًا كما نعرف. لكن لكي يتحقق ذلك، لا بد أن تؤسس هذه البلدان استراتيجياتها التنموية على بنيان نظري صحيح، مثل ذلك المستمد من نظرية المصادفة في التنمية. كما يجب أن تحدد هذه البلدان استراتيجياتها التنموية الوطنية طويلة الأجل، بحيث تقوم على البراجماتية الجديدة التي تنسجم مع استمرار العولمة. ويجب ألا تتوهم هذه البلدان أنها ستعيد تحقيق النجاح الذي حققته أوروبا الغربية أولًا، ومن بعدها أوروبا الشرقية أيضًا، أو أمريكا الشمالية. بل في أفضل الأحوال، يمكنها أن تقلل إلى حد بعيد اتساع فجوة التطور بينها وبين أكثر الدول تقدمًا في العالم.

أيضًا يجب على بلدان ما بعد الاشتراكية الواقعة في أوروبا الشرقية وأوروبا الوسطى أن تعتزم بقاء معدل سرعة نمو الناتج المحلي الإجمالي فيها خلال الجيل المقبل ضعف سرعته في بلدان العالم التي تفوقها ثراء، وذلك في الفترة بين عامي ٢٠٣٥ و٢٠٤٠. فهذه البلدان لديها فرصة حقيقية لتحقيق هذا، مما سيقضي تمامًا على فجوة تفاوت مستويات الدخل، ويقلل فجوة المستويات المعيشية على نحو ملموس وملحوظ. ومع ذلك هذا لن يتحقق من تلقاء نفسه. إلا أن إجراء التغييرات بالإضافة إلى التكامل مع البلدان بالغة التقدم — لا سيما بلدان الاتحاد الأوروبي — سيشكلان عونًا كبيرًا على تحقيق ذلك، لكن الجهد لن يؤتي ثماره من دون استراتيجيات تنمية وطنية ملائمة.

من بين جمهوريات ما بعد الاتحاد السوفييتي، يمكن أن تكون البلدان التي تنعم باحتياطيات غنية من موارد الطاقة في وضع جيد للغاية، شريطة أن تثبت أنها قادرة على الاستفادة الكاملة من مجموعة الظروف المواتية التي تتمثل في هبة الطبيعة، واستمرار ازدياد أسعار الطاقة، والتحول إلى اقتصاد السوق. لكنها حتى الآن، لم تحسن الاستفادة من الظروف، لأنها اعتمدت كثيرًا على الحصاد السهل الذي لا يعود الفضل في الحصول عليه إلى الحكمة والتنظيم والعمل الشاق، بل إلى كرم الطبيعة الأم.

جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق سوف تكون في وضع صعب، ومن المرجح أن تتسع الهوة التي تفصلها عن المناطق المتقدمة من أوروبا وآسيا على مدى العقود القليلة القادمة. فأوكرانيا — ذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة بالنسبة للتعاون والمجابهة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة — تجد نفسها الآن في مأزق استثنائي. فمصيرها يتوقف على قدرتها على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أثناء العقد القادم أو العقدين القادمين، وهل ستزداد قربًا من روسيا أم ستنفصل عنها. لكن لا شك أن أفضل الخيارين السابقين هو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي على ألا يستخدم كأداة لإضعاف روسيا، بل يكون مجالًا للالتقاء الجيوسياسي من أجل التعاون الذي يعود بالمنفعة المتبادلة على الطرفين. وستواجه بيلاروس قريبًا نفس المشاكل التي تواجهها أوكرانيا. مع ذلك سوف يتطور التحرك الكاسح الذي تمضي به دول ما بعد الاشتراكية قدمًا — من منغوليا وطاجيكستان إلى كوسوفو ومقدونيا — بوتيرة أسرع من وتيرة تطور المتوسط العالمي للنمو.

وبمرور الوقت سوف تبطئ الصين من وتيرة نموها، على الرغم من تكرار صدور التحذيرات منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي بأن الوقت لم يحن لهذا بعد. ويمكن أن نتوقع فشل الجهود الرامية إلى الإسراع بتفكيك الصين، والتي ربما يعول الغرب عليها. وينبغي كذلك أن نتوقع مواصلة السلطات الصينية المزج بين السياسات المستنيرة الرامية إلى الإصلاح الهيكلي، وبناء مؤسسات السوق، وبين التنمية، وهو الأمر الذي ظلت تفعله على مدى السنوات الثلاثين الماضية. وإذا عملت الصين على إلغاء مركزية الإدارة تدريجيًّا، وفي الوقت نفسه، سعت ببطء إلى جعل النظام السياسي أكثر ديمقراطية، فقد تنجح المملكة الوسطى في مواصلة التطور بسرعة أكبر من بقية العالم عقدًا أو عقدين، حتى إذا لم يحدث ذلك بنفس سرعة حدوثه خلال السنوات الأخيرة. وقد تنضم تايوان إلى وطنها الأم خلال فترة زمنية مماثلة، لا سيما وأن الاختلافات في مستويات التنمية مع المناطق الجنوبية سوف تختفي، وهذا سيزيد الصين قوة.

ويجب أن تسرع أفريقيا خطى التنمية. فهذه المنطقة تحديدًا لا بد أن تتطور على نحو أسرع من تطور الدول الغنية، وهذا أمر لازم للحيلولة دون اتساع الهوة بينها وبين هذه الدول أولًا، ومن ثم الشروع في تضييقها. كل ما سيتطلبه هذا الأمر — وهو ليس بالأمر الهين أبدًا — أن تواصل أفريقيا النمو بوتيرة أسرع من نمو بقية العالم. فقد نمت القارة في الفترة الواقعة بين عامي ٢٠٠٥ وحتى ٢٠٠٨ بنسبة ٥٫٨٪ سنويًّا، بينما كان العالم ينمو بمعدل ٥٫٠٪ سنويًّا، هذه أرقام إجمالية تعادل ما نسبته ٢٫٠٪ أقل في نصيب الفرد في أفريقيا. ولا بد أن نضيف أيضًا أن الظروف اللازمة للتقدم تشمل وضع حد لزيادة عدد السكان والعمل على الحفاظ على نمو طويل الأجل في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بحيث يتراوح بين ٢٫٥٪ و٣٫٥٪. قد تكون هذه النسب محبطة وبعيدة المنال، لكنها ليست مستحيلة.

ويجب على البلدان الغنية — وعلى رأسها الولايات المتحدة — أن تعتدل في نموها الاقتصادي. لكن يوجد شك في أنها قد تفعل ذلك طواعية؛ لذا سيكون من الضروري أن تُضطر إلى ذلك. وهذا الأمر إما سيحدث بهدوء وعلى نحو تدريجي بكبح جماح النمو نتيجة لارتفاع الأسعار وتزايد صعوبة الحصول على بعض المواد الخام، أو سيحدث فجأة وعلى نحو جذري نتيجة لوقوع أزمة أكثر خطورة. يمكن إثارة هذه الأزمة بطرق مختلفة. الطريقة التقليدية تتضمن تفاعلًا متسلسلًا لإجراء تعديلات سلبية على الصعيد الفعلي وتطبيقها على الصعيد المالي الذي يعاني انعدام التوازن الهيكلي. لكن في هذه الحالة لن نكون أمام تباطؤ في معدل النمو بقدر ما سنكون أمام انهيار عميق — لا يدري مدى عمقه أحد — في مستوى الإنتاج، وانخفاض في مستواه المطلق، ثم سيُستأنف النمو بمعدل أبطأ مما كان عليه من قبل.

إلى حد ما، يجب أن يقترن الاعتدال في النمو بالاستغناء المتعمد عن جزء ما من المدخرات المالية. فبدلًا من استثمارها محليًّا أو في أماكن أخرى من الاقتصاد العالمي كالاستثمار المباشر أو الاستثمار في الأوراق المالية، يتعين تحويلها إلى أكثر البلدان فقرًا في أفريقيا، وآسيا الجنوبية وآسيا الوسطى، وأمريكا اللاتينية، ومنطقة الكاريبي. وكلما أسرع البيروقراطيون الدوليون بالتوقف عن استخدام تحويل ٠٫٧٪ من الناتج المحلي الإجمالي للبلدان الغنية إلى البقاع الفقيرة كمجرد شعار وتحويله إلى أداة ضمن استراتيجية تنموية فاعلة؛ كان ذلك أفضل. سيكون هذا أفضل أيضًا للدول الغنية التي سيقل الضغط الذي تعانيه جراء هجرات أبناء الأماكن البائسة إليها، نظرًا لأن أعداد البائسين في العالم ستنخفض.

وهناك مبرر للتحذيرات بشأن الخطر الجسيم من أن المساعدات — التي تتخذ صورة تحويل جزء صغير من دخل البلدان الغنية إلى البلدان الفقيرة — ربما تُهدر. لكن لا شك في أن هذه المساعدات — بصرف النظر عن مدى ضآلتها — ستؤدي إلى حدوث إصلاحات. صحيح أن بلدان جنوب شرق آسيا حينما حققت أعظم إنجازاتها على صعيد مكافحة الفقر والتحرر من الركود لم تستفد من التحويلات الخارجية في صنع هذا التقدم إلا بأقل قدر، واعتمدت على التوسع التجاري الذي يعود الفضل فيه إلى روح المبادرة التجارية لدى مواطنيها، لكن أفريقيا لم تفعل هذا.2 غير أن الواقع يشير إلى أن نحو نقطة مئوية واحدة من النمو الاقتصادي الذي تحقق في أفقر البلدان على مدى الجيل السابق تعزى إلى المساعدات الخارجية المباشرة.3 ولولاها لكان الوضع هناك الآن أشد بؤسًا. ولو كانت الدول الغنية قدمت قدرًا أكبر من المساعدات، لأصبح المستوى الحالي للإنتاج أعلى مما هو عليه. لكن، ماذا عن حقيقة أنه توجد حاجة إلى ضوابط سياسية ومؤسسية خاصة للحيلولة دون إهدار هذه المساعدات التمويلية؟ نحن نعرف هذا بالفعل. لا بد أن نتخذ إجراءً، واقتصاديات التنمية تخبرنا بالإجراء المناسب في هذه الحالات. وفي نفس السياق، نحن ندرك أن أموال المساعدات ينبغي ألا تخصص لتمويل واردات الأسلحة — التي هي في الوقت نفسه صادرات بلد آخر — أو تعود مجددًا إلى الدول «المانحة» من خلال قنوات أخرى.

ولذلك فإن استمرار معدل النمو العالمي عند مستوى فعلي يقترب من نحو ٢٪ باعتباره متوسطًا سنويًّا على مدى عدة عقود مقبلة سيكون نجاحًا عظيمًا. والنجاح الأكبر هو الحفاظ على هذا المتوسط بمعدل أعلى للبلدان الفقيرة، ومن ثم معدل أقل للبلدان الغنية. أهذا ممكن؟ الأمر برمته يعتمد على ما يحدث في النقاط الأخرى على البوصلة.

دعونا الآن ننظر إلى ثاني نقاط البوصلة المتعلقة بمسألة تطور القيم وتأثيراتها الثقافية على عمليات التنمية، وهي مسألة مهمة. فحتى الآن، أنجبت الإنسانية حضارات رائعة كان بعضها يولد مع أفول نجم البعض الآخر. في بعض الأحيان، اختفت هذه الحضارات من تلقاء نفسها، وفي أحيان أخرى، كانت تزاح خارج المشهد بفعل عدوانية الحضارات اللاحقة. واليوم نحن لا نواجه أي شكل من أشكال «نهاية التاريخ»، لأنه ما من حضارة — سوى الاشتراكية السوفييتية أو الشيوعية كما يجب أن يسميها البعض — تُنحَّى جانبًا إلى ركام التاريخ. وستظل هناك صراعات كبرى، على الرغم من أن هذه الصراعات لن تكون بالضرورة «صدام حضارات». ولن تولد أي حضارة جديدة خلال الأجيال القليلة المقبلة. لكن سوف تتطور بوتقة الانصهار الإثنية الثقافية العالمية من خلال المزج والتداخل بين مختلف القيم.

يمكن القول إن لدينا حضارة جديدة بالفعل. فيا لنا من أشخاص محظوظين لأن لدينا اقتصادًا عالميًّا، وموارد مالية عالمية ونقودًا إلكترونية، وطائرات تقطع المحيطات، وحركة سياحة دولية ضخمة، بالإضافة إلى الإنترنت والقنوات الفضائية اللذين بفضلهما أتيح لأكثر من مليار شخص أن يشاهدوا لحظة الهبوط على سطح القمر أو نهائيات كأس العالم. لدينا أيضًا اتصالات لاسلكية، وثقافة جماعية، ويستطيع الناس الآن أن يشتروا في يوم واحد نسخًا من كتاب واحد — مثل أحدث إصدارات سلسلة هاري بوتر — أكثر مما تحتويه جميع مكتبات العالم منذ خمسمائة عام.

إن السعي وراء القيم المادية يهيمن على هذه الحضارة إلى حد كبير، تمامًا كما كان الحال في العصور القديمة، لكن مكانة القيم الروحية تزداد أكثر فأكثر. ويمكن أن يكون لهذا المستوى من تغير الأولويات الاجتماعية عواقب هائلة على الطريقة التي نؤدي بها أعمالنا، وعلى القضايا المتعلقة بالحراك الاقتصادي. ويمكن النظر إلى أمور مثل الركود ونمو الإنتاج والتنمية وانعدام التنمية نظرة جديدة. ويمكن أن يتطور الأفراد «أفقيًّا»، بفضل النمو الروحي وازدياد عمق التجربة البشرية مع الطبيعة والثقافة، و«رأسيًّا» أيضًا عن طريق صعود السلم المهني وتجميع الممتلكات. وقد يحدث مثل ذلك في نماذج التنمية الاجتماعية، لكن مع الاهتمام بقيمة «أن تكون» أكثر من قيمة «أن تملك»، ومع عدم محاولة تقييم الملكية من منطلق: «كلما كثر ما تملكه، كان ذلك أفضل.» بالطبع لا بد أن «تمتلك» أولًا ولو أقل القليل لكي «تكون»، لكن ما من سبب يقول إن زيادة الملكية تحتاج بالضرورة إلى وجود تنمية فائقة قائمة على الخبرة. قد تبدو تغيرات الأولويات هذه مختلفة في البلدان الفقيرة، نظرًا لأن الأولوية هناك لا بد أن تكون لزيادة الإنتاج بهدف ضمان فرصة لإشباع الحاجات المادية الأساسية على الأقل. وربما تجرى إعادة تقييم لأفضليات المستهلك. فلن تكرر الدول الفقيرة نفس نموذج الدول الغنية دون أي اختلاف، ليس فقط لأن الحواجز المادية قد تحول دون تحقيق هذا الهدف في بعض الأماكن، بل أيضًا لأن تقليد النموذج الغربي لن يبدو أمرًا مجديًا. فالعالم لن يتحول إلى أمريكا شمالية كبرى، لكنه أيضًا لن يتحول إلى بوتان كبرى، بل سيبلغ مكانًا وسطًا بين هذين النقيضين.

في الحضارة الجديدة يوجد العمل الجماعي والتعايش والتسامح جنبًا إلى جنب مع الصراعات والتهميش والقسوة. فهذه الحضارة يعتمد نموها اعتمادًا متزايدًا على التعاون والعمل المنسق، واعتمادًا متناقصًا على السيطرة على الآخرين؛ لأنها حضارة تشبه لعبة يلعبها عدة لاعبين يساند كلٌّ منهم الآخر، ولا يتصارعون فيما بينهم. ولا بد دومًا من وجود قواعد لتنظيم الألعاب؛ أما الصراعات، فغالبًا لا تحكمها أي قواعد. إن هذا الجانب من الأمور ستزداد أهميته في ضوء التكييف الثقافي لعمليات التنمية. ستكون هناك زيادة في مستوى التنظيم العالمي الذي يتفاوض بشأنه اللاعبون في هذه اللعبة، بدلًا من أن يكون مفروضًا من قبل اللاعبين الأقوياء على اللاعبين الأضعف. وسيكون هناك تحول جذري في القيم يدعم التوجه نحو تحقيق ديمقراطية العمليات الاقتصادية. وسيسهم النمو الاقتصادي نفسه في هذا، نظرًا لوجود علاقة طردية بين مستوى التنمية ودرجة النهوض بالديمقراطية.

لكن العالم ليس ديمقراطيًّا، وعلاوة على ذلك، حتى إذا انتصرت الديمقراطية في كل البلدان — وهو أمر بتنا أقرب إليه أكثر من أي وقت مضى — فلن يعادل مجموع الديمقراطيات الوطنية ديمقراطية العالم بأسره. فالأحداث الأخيرة في الأمم المتحدة تبين كم نحن بعيدون عن مثل هذه الديمقراطية. فقد صوت عدد قياسي من الدول — ١٨٢ دولة — في الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام ٢٠٠٥ بإدانة الحظر التجاري الذي تفرضه الولايات المتحدة على كوبا. بينما لم يصوت بعكس هذا سوى الولايات المتحدة، وحليفتها المخلصة إسرائيل، واثنتان من الدول الجزرية الصغيرة الواقعة في المحيط الهادئ هما بالاو وجزر مارشال. لكن الولايات المتحدة لم تنظر إلى ذلك بعين الاعتبار، لأنه لا يُفترض بشبه ديمقراطية عالمية أن تقرر ما هو الصواب، بل يُترك الأمر لأهواء مجموعة من السياسيين الذين ينتمون إلى المدرسة القديمة. سوف يتغير ذلك، وسوف نشهده بأعيننا.

وإلى أن تحدث هذه التغيرات النوعية، يمكن أن تصوت البلدان مع التركيز على أكثر الأمور أهمية. أثبتت بحوث اثنين من خبراء الاقتصاد في جامعة «هارفارد» أن الحكومة الأمريكية تقدم رشًا لبعض البلدان، فقد وجدا أن خمس عشرة دولة من الدول التي تناوبت العضوية في مجلس الأمن الدولي تلقت مزيدًا من المساعدات الخارجية بنسبة ٥٩٪ عندما كان من حقها التصويت.4 وهذا ساعد في الحفاظ على تعزيز مستوى المساعدات خلال العامين اللذين تحصل فيهما هذه الدول على مقاعد في المجلس؛ وبعد ذلك، وما إن تترك مقاعدها، حتى ينخفض مستوى المساعدات الخارجية ويعود إلى سابق مستواه. هذا ما يسمى الديمقراطية الفاعلة.

والآن، يتبلور نظام من علاقات التغذية الرجعية والتأثيرات المتبادلة بين التنظيم والديمقراطية في عالم متعدد الأقطاب، وسوف يصبح هذا النظام أكثر دعمًا لزيادة الإنتاج، والتوصل إلى تقسيم معقول لهذا الإنتاج، بدلًا من العالم الذي كان يجري تقسيمه بين معسكرين متضادين في النصف الثاني من القرن العشرين، أو العالم الذي كانت تهيمن عليه قوة عظمى واحدة في بداية القرن الحادي والعشرين.

يتعين على عالم متعدد الأقطاب أن يجد وسيلة يحكم نفسه من خلالها. ربما يكون من الأفضل أن نقول إنه يتعين عليه إيجاد طريقة لتوجيه العمليات بواسطة الظواهر العالمية التي يجب أن تخضع هي الأخرى للإشراف، لأنها تتجاوز القدرة الإشرافية المنفردة حتى لأقوى البلدان. هذه ليست دعوة لتشكيل حكومة عالمية، فذلك قمة السذاجة. مع ذلك نحتاج إلى التوصل إلى حلول بسيطة من الناحية المؤسسية، أي تنسيق بين العمل والتوافق الدولي. هناك مؤسسات من هذا النوع تنسق السياسات على نطاق عالمي بغرض السيطرة على الأحداث، وسوف يزداد انتشارها أكثر فأكثر. وفي العقود المقبلة سيكون لها تأثير يفوق تأثير التغير التكنولوجي على طريقة سير الأحداث.

من السمات الثقافية التي ستجد فرصة للتطور في العقود المقبلة شعور أكبر بعدالة التوزيع، وتحكم أقل من جانب القوة الاقتصادية، وجهل أقل بثقافات البلدان الأخرى، وتفاهم متبادل أكثر عمقًا، ومساواة في الحقوق على نحو رسمي أكثر، واحترام حقيقي للشركاء. ومن الجدير أن نفعل كل ما في وسعنا، لأن هذا هو السبيل إلى تقليل الصراعات والنزاعات والحروب، وزيادة التعاون والتنمية.

لكن ينبغي ألا تسيطر علينا الأوهام، فالقرن الحادي والعشرين سيكون عصر مواجهات ثقافية، لكن ليس كما كان عليه الأمر في العهود السابقة، وهذا نتيجة للتداخل بين مختلف الظواهر والعمليات في مجالات العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد والسياسة. وسوف تفرض التكنولوجيا التغييرات الثقافية المنشودة بقوة لا تقل عن قوة السياسة، وهذا سيعود بالفائدة على الاقتصاد. وسوف تتدخل السياسة، لتفسد أشياء في بعض الأحيان وتدعم التنمية في أحيان أخرى. إذا نجحنا في الإنجاز الكبير المتمثل في التوصل إلى السياسة القائمة على المعرفة، فستشكل السياسة حينئذ عاملًا حافزًا للنمو المتوازن، لا عقبة في طريقه.

عند تقييم النمو والتنمية سوف يقل اعتمادنا أكثر فأكثر على فئة الناتج المحلي الإجمالي المنقوصة التي لا تزال تهيمن على تفكير الاقتصاديين وعلى تصرفات رجال السياسة، وستحل محلها مفاهيم ومعايير جديدة. يمكن أن نتطلع إلى أن يكون من بين هذه المقاييس مؤشر النجاح المتكامل الذي اقترحته من قبل. فهو يقدم رؤية شاملة لتركيبة التقدم الاجتماعي الاقتصادي. وهو لا يتعلق كثيرًا بمسألة تغيير الطريقة التي نقيس بها حجم ومعدل التغير الاقتصادي، بقدر ما يتعلق بالقيام بذلك على النحو الصحيح.

•••

تتمثل النقطة الثالثة على بوصلتنا في الحاجة المتزايدة لوجود سياسة على نطاق عالمي تكون قادرة على التعامل بشكل خلاق مع خاصية الاعتماد المتبادل الذي يميز الاقتصاد المعاصر. إننا نواجه خيارًا حقيقيًّا وواضحًا بين: إضفاء الطابع المؤسسي على العولمة؛ أو زيادة الفوضى وغياب التنسيق. وسوف تكون ولادة نظام مؤسسي جديد عملية مؤلمة، وبطيئة أيضًا. سوف يأتي الألم لأن الأقوياء يشعرون بالألم عند التخلي عن أي قدر من قوتهم. فهم معتادون على تطبيق مبدأ «فرق تسد»، لكن الزمن تغير. وسيتعين أن تكون هناك طريقة مختلفة إلى حد ما للحكم، لأنه سيكون من المستحيل الاستمرار في خلق انقسامات على نحو لا يتسم بالعدالة مثلما كان يحدث من قبل. وسوف تكون الولادة بطيئة لأن هذا الأمر لن يحدث ابتداءً من القمة نحو القاع، على الرغم من أن هذا أمر ممكن الحدوث نظريًّا. بل سيتعين حدوث ذلك عن طريق عملية تعلم شاقة. لم تثبت من قبل قط إمكانية تصميم نظام مؤسسي ذكي يقوم على أساس من المعرفة المعيارية في مجالات الإدارة والاقتصاد، وعلم الاجتماع وعلم النفس، ومن ثم وضعه موضع التنفيذ العملي. بل برزت دائمًا نماذج مثل هذه نتيجة للتفاعل المتبادل بين المصالح. وفي أحسن الأحوال، تلعب المعرفة الأكاديمية دور الملقن في مسرح الحياة الواقعية.

إن الرغبة في إعادة تشكيل الهيمنة الأمريكية لتصبح في وضع قيادي أبدي للعالم ما هي إلا عرض من أعراض السذاجة نابع من الحنين إلى الماضي، ومن جنون العظمة أيضًا، لكن الأهم أن محاولة تحقيق هذه الرغبة مضيعة للوقت. والوضع الأمريكي الاستثنائي — بوصفها قوة عظمى بمقدورها أن تملي إلى حد كبير قواعد اللعبة وتتحكم فيها، وفي ذلك قواعد اللعبة الاقتصادية — ليس سوى وضع قصير الأجل؛ إذ استمر أقل من عقدين من الزمن، بدءًا من تفكك الاتحاد السوفييتي وحتى نهاية العقد الحالي. وقد أوضح زبيجنيف بيرزنسكي — أحد المتحدثين البارزين باسم القضية الأمريكية — في كتابه «الفرصة الثانية» أنه لولا الأخطاء التي ارتكبها الرؤساء الثلاثة السابقون — لا سيما تلك التي ارتكبها جورج بوش إبان فترتي ولايته — لتمكنت الولايات المتحدة من الاحتفاظ بمكانتها المهيمنة على العالم. ربما كان هذا صحيحًا، لكن بشرط واحد هو أن تكون لدى الولايات المتحدة الرغبة في مشاركة القوة — ولو القليل منها — مع بقية العالم. لكن لسوء الحظ، لم تكن لديها هذه الرغبة، بل والأسوأ أنها لا تزال كذلك. ويعتقد بيرزنسكي أنه لا تزال هناك فرصة أمام أمريكا قائلًا إن كل ما يتطلبه الأمر أن ينتخب الأمريكيون الرئيس المناسب في انتخابات ٢٠٠٨، ثم يكون لهذا الرئيس بدوره أن يختار القيم الصحيحة والطريقة السليمة لإدارة شئون العالم مضيفًا أنه لن توجد فرصة ثالثة أمام أمريكا. لكن بيرزنسكي جانبه الصواب، على الرغم مما كان يتمناه البعض، إذ لم تكن هناك حتى فرصة ثانية. فقد يتبدل موقف الولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين مثلما تبدل موقف إسبانيا في القرن السابع عشر. فإسبانيا أيضًا كانت قوة عالمية عظمى، لكنها لم تكن مضطرة لتصنيع الكثير من المنتجات، إذ كان بإمكانها شراء كل ما تحتاج إليه مقابل الذهب والفضة اللذين تجلبهما من مستعمراتها، واستمر الوضع هكذا حتى مرحلة معينة. هذا يشبه إلى حد بعيد ما حدث مع الموقف الفريد للولايات المتحدة والدولار الأمريكي. لكن، هل هذا شيء جيد أم سيئ؟

لم يتحدد الجواب بعد، ربما يكون العالم أفضل من دون الزعامة الأمريكية، وربما يكون أسوأ. لقد استمر حال العالم على ما يرام من دون إسبانيا، نظرًا لظهور إنجلترا باعتبارها قوة عظمى لاحقة. لكن، ماذا سيحدث هذه المرة؟ منذ زمن ليس ببعيد على الإطلاق، كان للولايات المتحدة نوع من التأثير الفائق على شئون العالم لم يتأتى لأي بلد في أي وقت مضى. حينئذ كان بإمكانها أن تقيم مؤسسات أفضل — تكون أكثر توجهًا نحو التنمية وأكثر تنسيقًا للجهود في هذا الصدد — لتدير شئون العالم. مع ذلك أدارت الولايات المتحدة شئون العالم واضعة نصب عينيها مصالحها الخاصة على نحو زائد عن الحد. الأكثر من ذلك أنها أدارت شئون العالم إدارة سيئة تتسم بقصر النظر، وتفتقر إلى الرؤية الصائبة مرتدية عباءة الموجِّه وليس الشريك. وفي غضون ذلك، أضاعت فرصتها الثانية والأخيرة لفرض نظام مؤسسي عالمي، وتركتنا في حالة من الفوضى، وهذا لم يكن بالأمر الجيد.

ومع ذلك يمثل هذا الوضع فرصة، ومن الجيد دومًا أن تُتاح فرصة، لكنها ليست فرصة ثانية لأمريكا كي تتزعم العالم، وإنما فرصة لترتيب الأمور على نحو جديد وحكيم؛ إذ يجب أن يكون هناك نظام يقوم على أساس التعايش السلمي لا الحروب — سواء الساخنة منها أو الباردة — وعلى حتمية الأداء الكفء وتنمية الاقتصاد المعولم.

ومن ثمَّ يجب على المؤسسات الجديدة — التي تعمل ضمن أطر تنظيمية مناسبة — أن تضمن وجود أساس مالي مستقر نسبيًّا لدعم إعادة الإنتاج في الاقتصاد الكلي. ويمكن تحقيق الكثير من خلال كبح الحركة غير المقيدة لرأس المال المضارب الذي يجب أن يخضع لسيطرة أكثر صرامة مما هو موجود في الوقت الحاضر. علاوة على أن الضرائب أداة يجب استخدامها في الحد من التجاوزات.

وحقيقة أن الولايات المتحدة وبريطانيا وربما بعض الدول الأخرى تعارض مثل هذه التدابير، وستظل تعارضها فترة طويلة، تجرد هذه الدول من أهليتها كقادة العالم الحكماء، ويعزى هذا بنفس القدر إلى مواقف أخرى مثل احتلالهم العراق، أو إلى جهودهم غير المرحب بها لفرض النظام الليبرالي الجديد.

وينبغي أيضًا بذل جهد للحد من عدد العملات الوطنية، ولدعم الجهود الرامية إلى زيادة انتشار مناطق العملة الموحدة، ليس فقط باعتبارها أدوات لتحقيق التكامل الإقليمي، بل باعتبارها وسيلة أيضًا لفتح الطريق أمام ظهور عملة عالمية موحدة، وهو الأمر الذي ربما سيظهر إلى حيز الوجود يومًا ما.

لمنظمة التجارة العالمية دور كبير في هذا الأمر. فهي أفضل المنظمات الاقتصادية الدولية الكبرى، ويعزى جزء من هذا إلى أنها أقل المنظمات استبدادًا بالرأي. أيضًا يمكن لتأسيس التجارة الحرة أن يفيد بقدر أكبر من أي شيء آخر في الحفاظ على معدل النمو مرتفعًا للدول الفقيرة دون الإضرار بمصالح الدول الغنية. لكنها يجب أن تكون تجارة حرة بحق، لا تعوقها حواجز غير جمركية أو إعانات علنية أو متخفية تحت غطاء التلاعب بأسعار صرف العملات.

وعند وضع نظام مؤسسي جديد يلائم مستوى التحدي الذي يفرضه الاقتصاد العالمي والحضارة المعاصرة متعددة الثقافات، سيكون من الضروري تفويض صلاحيات السلطة إلى الكيانات الدولية، ومجموعات التكامل الإقليمي، والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية. لكن لكي تتمكن هذه الكيانات من القيام بدورها، سيكون على المنظمات الدولية — لا سيما الأمم المتحدة ومنظمة «بريتون وودز» — أن تمر بعملية تحول ديمقراطي. فهذه المنظمات كانت مصممة لتلائم البنية المؤسسية للعالم المقسَّم الذي ظهر في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ولاحقًا أُجريت عليها تعديلات طفيفة بعد نهاية الحرب الباردة.

من بين الأسواق الناشئة من البلدان التي كانت تنتمي إلى العالم الثالث في السابق وبلدان ما بعد الاشتراكية، يجب تقديم دعم كبير للدول الأكثر فقرًا. فالصين والهند وروسيا وربما أيضًا البرازيل وإندونيسيا كلها قادرة على الاعتناء بمصالحها والحصول على حقوقها. لكن توجد دول أخرى لا بد من مساعدتها — بدلًا من عرقلتها — من أجل إسماع صوتها. ويمكن للكيانات الإقليمية الأكثر قوة أن تلعب دورًا في هذا.

لن يكون القرن الحادي والعشرون من نصيب الصين وحدها، بل سيشاركها الاتحاد الأوروبي أيضًا، وسيرصد آخرون بعناية هذه التجربة الزمنية للجمع بين الأمم التي تصارعت وحارب بعضها بعضًا أكثر مما تعاونت على مدى الألفي سنة الماضية. وإذا نجحت هذه التجربة — هناك دلائل عديدة تشير إلى أنها سوف تنجح — فلن يكون أمام بلدان أخرى في قارات أخرى، أي خيار سوى وضع استنتاجاتها الخاصة. عندما نتمنى نجاح الاتحاد الأوروبي، فنحن في الوقت نفسه نتمنى نجاح العالم. فنظام الاتحاد الأوروبي المؤسسي الذي لا يزال يتطور — والذي مع الأسف ينطوي على الكثير من العيوب، لا سيما عندما يفتح الطريق أمام البيروقراطية المفرطة وإهدار المال العام — يمكن أن يكون بمنزلة نقطة مرجعية للآخرين. وبالرغم من وجود خصائص مميزة محلية لكل مؤسسة، نلاحظ تمتع بعض من مؤسسات اقتصاد السوق — التي تعمل ضمن سياق دولي يتعدى السيادة الوطنية — بأهمية عالمية.

ويجب دمج النظام المؤسسي للعالم الجديد مع توجهات النمو والأجزاء المكونة للاقتصاد العالمي من ناحية، ومع القيم الثقافية دائمة التطور من ناحية أخرى. ولا يمكن أن يحدث ذلك بالاعتماد على اتباع النموذج الغربي، بل يجب أن تؤخذ في الاعتبار بلدان الشرق والأهداف التي تحرك هذه البلدان. ومن هذا المنظور، من المستحيل أن نكون مبالغين في تقدير دور الصين في وضع نموذج مؤسسي جديد؛ إذ سيكون من المستحسن لبلدان الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، واليابان — وهي البلدان التي كانت ولا تزال تشكل مجتمعة ما نسبته نصف الإنتاج العالمي — أن تأخذ بمشورة الصين في جميع القضايا المهمة، بما فيها تلك القضايا التي لا تؤثر على هذه البلدان تأثيرًا مباشرًا. بعدئذ ستكون هناك فرصة أفضل لأن تأخذ الصين — عندما تصبح على القمة — برأي الآخرين حول القضايا ذات الاهتمام المشترك.

علينا أن نضع نصب أعيننا خطر أن نضل الطريق المؤدية إلى النظام المؤسسي الجديد الذي يحتاجه الاقتصاد المعولم احتياجًا ماسًّا. فالأمم المتحدة لم تكن على قدر هذه المهمة، والولايات المتحدة تورطت فيما لا تتحمله، ولا ندري على الإطلاق إلى أين ستقودنا الاتجاهات الحالية. هل سيوجد نظام جديد، أم فوضى جديدة؟ إذا كنا سنشهد نظامًا، فينبغي إذن التسريع في خطى عملية العولمة، وحينئذ قد تكشف عن وجهها الإنساني. أما إذا كنا سنشهد الفوضى، فسيكون هذا عبئًا على العولمة، ومن ثمَّ على تطور الاقتصاد العالمي كله، وسوف يتطلب ظهور نظام تقدمي جديد للحد من الطموحات الاقتصادية والسياسية لبعض اللاعبين على الساحة العالمية، بحيث تتحسن الأمور أمام الجميع. لكن ظهور فوضى رجعية جديدة سيحد من إمكانيات المجتمع الدولي بأسره، وفي الوقت نفسه سيتيح لقلة قليلة أن تكسب المال. هذا هو البديل.

•••

النقطة الرابعة من نقاط البوصلة تطرح مسألة التفاعل المستقبلي للعولمة ولعمليات الاندماج الإقليمي. سوف يتواصل اندماج البلدان المتجاورة لتتحول إلى تجمعات إقليمية. وستأخذ هذه التجمعات أشكالًا متنوعة، وستترابط معًا بروابط تتفاوت في درجة قوتها. ستتنوع أيضًا هياكلها ومؤسساتها التنظيمية. هناك الآن بالفعل مجموعة من هذه المنظمات. هناك «رابطة أمم جنوب شرقي آسيا» التي تضم عشرة أعضاء.5 ومنذ انسحاب جورجيا كونت إحدى عشرة جمهورية من بلدان ما بعد الاتحاد السوفييتي — بقيادة روسيا — «اتحاد الدول المستقلة».6 هناك أيضًا «ميركوسور»7 أو السوق المشتركة في الجنوب الأمريكي، و«نافتا»8 وهي تكتل دول في أمريكا الشمالية. و«سادك» مجموعة تنمية الجنوب الأفريقي.9 هناك أيضًا خمسة عشر عضوًا في الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا10 «إكوواس». وتضم رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي11 «سارك» الهند وباكستان وبنجلاديش. وهناك ست دول من منطقة الخليج تشكل «مجلس التعاون الخليجي».12 وهناك الاتحاد الأوروبي،13 وهو أكثر جميع هؤلاء اللاعبين تقدمًا. إن ما يزيد عن مائة دولة من أعضاء هذه المجموعات المختلفة ينتج نحو ثلاثة أرباع الإنتاج العالمي، وسوف تنشأ مجموعات جديدة أخرى. وحالما يتشكل اتحاد اقتصادي ونقدي بين الصين واليابان وكوريا الموحدة، سيكاد الاقتصاد العالمي بأسره يكون مجمعًا في عشرة هياكل إقليمية.

هناك الكثير من المعلومات المذهلة هنا، فبعض هذه الكيانات تتداخل، ويحوطها الغموض فيما يتعلق بنطاقها ووظيفتها. فنحن لا ندري أين سنشهد هياكل تكاملية موحدة متجاورة، وأين سيوجد التنافس. أحد المجموعات الجديرة بالملاحظة هي «منظمة شنغهاي للتعاون» التي تأسست عام ٢٠٠١. وبالرغم من أنها لا تزال هيكلًا مفككًا، فلا بد لأهميتها أن تزداد خلال السنوات المقبلة، وأن تتبلور في العقود المقبلة. وتضم هذه المنظمة في عضويتها الصين وروسيا وأربع جمهوريات تقع في آسيا الوسطى نشأت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، هي كازاخستان وقيرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان، بينما تقف كلٌّ من الهند ومنغوليا وأفغانستان وإيران — التي تطمح إلى عضوية كاملة — موقف المراقب. يصل عدد سكان الدول الأعضاء في هذه المنظمة إلى مليار ونصف المليار نسمة، ويرتفع العدد إلى ما يقرب من ٢٫٩ مليار نسمة إذا أضفنا عدد سكان الدول التي تقف موقف المراقب، وهذا سيشكل أكثر من ٤٠٪ من مجموع البشر في العالم. وربما يؤدي الاندماج بين «منظمة شنغهاي للتعاون» و«رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي» — مع وجود الصين كركيزة أساسية — إلى تغيير شكل الاقتصاد العالمي تغييرًا كليًّا. وينظر العديد من الخبراء السياسيين إلى هذا الأمر باعتباره تكتيكًا لمناورة الغرب، وهو كذلك بالفعل، وسوف يظل كذلك.

هناك ثلاثة أساليب للنظر إلى العلاقة المتطورة بين التكامل الإقليمي والعولمة. ويمكن النظر إلى عمليات التكامل باعتبارها:
  • ترياقًا للعولمة.

  • بديلًا للعولمة.

  • وسيلة لتحقيق مزيد من العولمة.

الخيار الأول يرى العولمة عملية غير عقلانية من وجهة النظر العملية. التكامل المحلي ملاذ من هيمنة نظام عالمي واحد ليس عقلانيًّا بالكامل من الناحية الاقتصادية. والعولمة أمر لا مفر منه، لكن تشجيع تَكوُّن الهياكل الإقليمية وتسريعها يمكن أن يخفف من حدة تأثيرها.

والخيار الثاني — الذي يرى التكامل الإقليمي بديلًا للعولمة — خيار أكثر ذكاء؛ فبدلا من وجود اقتصاد عالمي مترابط بقوة لكنه يفتقر إلى التنظيم، سيكون لدينا عدد كبير من المنظمات التي تضم بلدانًا قريبة بعضها من بعض من الناحيتين الجغرافية والثقافية. إذن، ينبغي عرقلة العولمة وتشجيع فكرة «الأقلمة» لأنها الأكثر عقلانية. لكن السؤال المهم هو: هل سيؤدي مجموع هذه العقلانية الإقليمية إلى تقليل لاعقلانية العالم ككل؟

أما الخيار الثالث، فيتعامل مع عمليات التكامل الإقليمي بوصفها وسائل مناسبة وآمنة نسبيًّا لنقل العولمة إلى المستوى الأعلى التالي من النضج المؤسسي. وتنظر وجهة النظر هذه إلى الهياكل الإقليمية باعتبارها آمنة لأنها يمكن أن تهدف إلى إيجاد حلول محلية واقعية من دون التضحية بتقليص نفقات الاقتصاد الكبير، وفي الوقت نفسه تتجنب صراعات المصالح المحتملة في السوق العالمية الأكثر تمايزًا. أيضًا توفر هذه الهياكل فرصة لمحاولة تجريب الابتكارات المؤسسية على نطاق أكثر ضيقًا، ولا تركز على العالم ككل. ومرة أخرى، يمكن ملاحظة قيمة الاتحاد الأوروبي. فإذا لم يُجدِ إجراء ما نفعًا في الاتحاد الأوروبي، فلن يجدي نفعًا على الأرجح على النطاق العالمي؛ وما يجدي نفعًا في أوروبا ربما — لكن ليس بالضرورة — يجدي نفعًا في بقية العالم. أما عن كونها وسيلة مناسِبة، فالأطراف الفاعلة في المراحل المقبلة من التكامل العالمي لن تكون نحو ٢٠٠ اقتصاد قومي مختلفين تمام الاختلاف في النواحي الثقافية والاقتصادية والمؤسسية، بل اثنتي عشرة هيئة إقليمية أو نحو ذلك. وستقوم بعمل شاق لموازنة التفاوت الفادح، ولتنسيق مستويات الإنتاج، ورأب الفجوات الثقافية.

يتعامل الخيار الثالث مع التكامل الإقليمي باعتباره وسيلة آمنة ومناسبة لعولمة رشيدة، ويجسد سمات نظرية المصادفة والبراجماتية الجديدة. ومن شأنه أيضًا أن يجعل العولمة أكثر رشدًا من خلال الحد من نطاق اللاعقلانية. سنتحدث من منظور «عبر إقليمي» لا «عبر وطني». وسيتعين على عدد أقل من الكيانات أن تنسق قراراتها وتدابيرها، وهذا قطعًا سيكون أكثر فعالية. ألا تقول الحكمة الإنجليزية إن كثرة الطهاة تفسد الحساء؟

•••

النقطة الخامسة من نقاط البوصلة تتضمن إمكانية تعديل عملية العولمة — لا سيما عندما يتعلق الأمر بالجوانب البيئية والاجتماعية والثقافية للتنمية — من خلال الدور المتنامي للمنظمات غير الحكومية. وهناك أعداد هائلة من هذه المنظمات، وهذا يشكل المشكلة، والأمل في نفس الوقت. فبعضها لن يصل إلى أي شيء، بينما البعض الآخر قد أحدث بالفعل تأثيرًا إيجابيًّا. ولا شك أن غضب بعض الأشخاص لدى سماع اسم هذه المنظمات تحديدًا يدل على أن المنظمات غير الحكومية تتدخل في مسائل تفضل الحكومات، والشركات العالمية، والمنظمات الدولية أن تحتفظ بها في طي الكتمان.

توجد منظمات — مثل «السلام الأخضر»، و«أوكسفام»، و«يوبيل ٢٠٠٠»، والعفو الدولية، والشفافية الدولية، وأطباء بلا حدود، ومراسلون بلا حدود — تلعب دورًا ليس بالهين في المسائل المرتبطة بالتنمية العادلة والاهتمام الحقيقي بتأثيراتها على الإنسانية. ولهذه الحركات والكيانات دور متزايد في تشكيل النظام المؤسسي العالمي الجديد الذي تتداخل فيه الاعتبارات السياسية والثقافية والتقنية ويتغلغل بعضها في بعض.

مارست منظمتا «أوكسفام» و«يوبيل ٢٠٠٠» ضغوطًا مؤثرة على البلدان الغنية من أجل شطب ديون أكثر البلدان فقرًا. وتعمل منظمتا الشفافية الدولية ومراسلون بلا حدود على إبقاء الضوء مسلطًا على قضايا الفساد. وترصد منظمتا العفو الدولية وأطباء بلا حدود المعاملة الإنسانية للاجئين السياسيين. وتستفيد كل هذه الجهود من تضافر التقدم التقني والسياسي والثقافي مع التحول. وهكذا، يمكن لعين «الأخ الأكبر» — التي ترى كل شيء والتي حذرنا منها جورج أورويل في روايته الشهيرة «١٩٨٤» — أن تعمل أيضًا لخدمة المصلحة العامة. فاليوم نكاد نرى كل ما يحدث في كل مكان؛ ليس فقط في شوارع العواصم أو في المكاتب الحكومية بالبلدان الديمقراطية، بل أيضًا في الشيشان أو دارفور أو أبو غريب أو جوانتانامو. وهذا صحيح مجازيًّا وحرفيًّا طالما أن مقاطع الفيديو تجد طريقها دون أدنى مشقة إلى شبكة الإنترنت. والمنظمات غير الحكومية تساعد في هذا، ويمكنها أن تبرز القضايا بسرعة وتضعها في بؤرة اهتمام العالم.

يمتد دور المنظمات غير الحكومية — لا سيما العالمية منها — إلى ما يتجاوز ممارسة الضغوط. فهو يتضمن أيضًا إجراءات مهمة لا تكون الحكومات والمؤسسات الربحية معنية بها، أو لا تتقنها. حتمًا سيكون القرن الحادي والعشرون بأكمله حافلًا بالتحديات التي ستواجه المنظمات الاجتماعية، وسيكون معظمها في مجالي التعليم والثقافة، لكن ستكون هناك تحديات أيضًا في مجالات حماية البيئة والرعاية الاجتماعية والصحة، خصوصًا الطب الوقائي. وسينشغل خبراء اقتصاد المنظمات غير الحكومية بتقديم المشورة لحكومات البلدان ذات الأسواق الناشئة أو الأسواق الأقل نموًّا بشأن كيفية تدعيم المشاريع، وسوف يقومون بهذه المهمة على فترات أقصر وبأداء أفضل يفوق أداء المستشارين التقليديين لمؤسسات «بريتون وودز» أو المبعوثين الذين يُدفع لهم بسخاء من قبل حكومات بلدان يعنيها في المقام الأول حماية مصالحها الخاصة.

ووسط هذا الكم الهائل من القضايا، على المنظمات غير الحكومية أن ترفض إثقال كاهلها بمهام هي في الأساس مسئولية الدول والأسواق. فمثلًا: ليست وظيفة المنظمات غير الحكومية — بدءًا من المستوى المحلي وانتهاءً بالمستوى الدولي — أن تضطلع بمهام البيروقراطيين الحكوميين، أو أن تتحمل مسئولياتهم تجاه الجمهور. أيضًا ينبغي ألا تسمح المنظمات غير الحكومية بأن توكِّل المؤسسات التجارية إليها المهام التي ينبغي أن يُنفق عليها من الضرائب المفروضة على الأعمال التجارية، مثل معونة المبعدين أو المهمشين اجتماعيًّا. ويجب ألا توافق المنظمات غير الحكومية على إصلاح ما أفسده العمل التجاري، لا سيما فيما يتعلق بحماية البيئة.

لا بد أن يستمر التمويل العام — الوسيط الأساسي بين الدولة والسوق — في لعب دوره الحيوي، وأن يقوم بذلك بقدر أكبر من أي وقت مضى على صعيد دولي أو حتى عالمي. والمنظمات غير الحكومية ليست تابعة لأي كيانات تجارية أو حكومية ولا حتى لكيانات تضم حكومات متعددة، بل تقف إلى جانب هذه الكيانات بوصفها الركيزة الثالثة للاقتصاد المعاصر. وهذه هي الطريقة التي يجب أن يُنظر بها إلى المنظمات غير الحكومية من المنظور العالمي.

نتيجة لذلك ستبدأ البشرية في أن تشبه مجتمعًا مدنيًّا عالميًّا تربطه علاقة إيجابية من التغذية الرجعية مع اقتصاد السوق العالمي الذي يمضي قدمًا، ومع الديمقراطية العالمية التي تتشكل ببطء. وتنسيق هذين التوجهين هو أعظم مهمة ستواجه الجنس البشري على مدى القرون القليلة المقبلة. إننا في وضع يتيح لنا المشاركة بمساهمتنا في هذا الأمر أثناء فترة حياتنا.

•••

النقطة السادسة من نقاط البوصلة ستظهر منافسة حادة على الموارد الطبيعية الآخذة في التضاؤل في ظل نقاشات حامية حول حالة البيئة الطبيعية. والأمران متشابكان، لكن سوف ينمو الوعي العام بعلاقة التغذية الراجعة التي تربط بين هاتين القضيتين. وغالبًا سيظهر بين الحين والآخر تقييم شامل يقوم به برنامج «تقييم النظم البيئية للألفية»14 الشهير. وسوف يتكرر طرح التساؤلات حول حدود النمو، والمستوى المسموح به من كثافة استهلاك المادة والطاقة في الاقتصاد العالمي.15 سوف تتكرر أيضًا التساؤلات حول الحدود المسموح بها من التلوث البيئي. ومن هذا المنظور، لا تبدو الأمور وردية. فحجم المواد اللازمة للوفاء باحتياجات ما يقرب من سبعة مليارات نسمة — وتسعة مليارات في المستقبل القريب — يختلف كل الاختلاف إذا ما قورن بالوضع منذ زمن ليس ببعيد عندما كان عدد السكان مليارين أو ثلاثة مليارات. فالتخلص من كل ما يخلفه إنتاج هذه السلع واستهلاكها يزداد صعوبة يومًا بعد يوم. سوف يتضاءل الناتج المحلي الإجمالي، بينما يزداد نصيب العالم من المخلفات على نحو هائل.

بناء على هذا، سيكون القرن الحادي والعشرون — وما يتبعه من قرون — دائم التغير. ففي بعض الأحيان، سينصب التركيز على ضرورة الحد من استهلاك المواد الخام، وأحيانًا أخرى سينصب على التكنولوجيا الجديدة وتطبيق التطور في مجال هندسة المواد. وسوف ينصب التركيز أيضًا على استغلال الموارد الموجودة في أماكن كان يستعصي الوصول إليها من قبل، لكي يتحول التركيز إلى قيمة «أن تكون» لا «أن تملك». وستتسم فترات بعينها بالتوفيق والتفاوض، بينما ستحفل فترات أخرى بالنزاعات والحروب. هذا المشهد دائم التلون سيساعد على تقويض بعض الحواجز وإزالة حواجز أخرى إزالة تامة، لكن ليس كل الحواجز. وفي مناطق معينة، ستزداد الأمور سوءًا.

وفي مواجهة كل هذا، سيكون التغيير متعدد الاتجاهات مثلما كان في الماضي. فقبل نصف قرن، أدى تراجع المؤن من ناحية، وتفجر إمكانات جديدة كان يجري تطويرها بواسطة الصناعة الكيميائية من ناحية أخرى، إلى حلول الأقمشة الصناعية محل المنسوجات الطبيعية، بدعم من تجار الملابس بالتجزئة بالطبع. وهرعت النساء إلى شراء جوارب النايلون، وتباهى الرجال بقمصانهم التي لا تحتاج الكي. وتطلع الناس في شغف إلى معاطف الريون (الحرير الصناعي) وسترات الجلد الاصطناعي، وبذلات البوليستر (ناهيك عن البذلات والسراويل المريحة) التي لا يمكن أبدًا أن يفكروا في ارتدائها اليوم. ثم تبين أن تحقيق طفرات في المشاريع التجارية الزراعية (بتشجيع من تجار الملابس بالتجزئة أيضًا) من شأنه أن يعيد عددًا أكبر بكثير من الناس إلى ارتداء الأقمشة الطبيعية، فصرنا الآن نتباهى بارتداء الحرير الطبيعي، والكتان، والقطن، والصوف مثل الكشمير والشتلاند، والموهير.

سوف تزداد أناقة الأفراد وجودة البضائع أكثر فأكثر. ومنذ زمن ليس ببعيد — وفي أجزاء من العالم باتت متقدمة اليوم — كان المرء يسير حافي القدمين مرتديًا قميصه الرث الوحيد. واليوم لا يملك مئات الملايين — ربما ينتمي مليار شخص منهم إلى أقل البلدان نموًّا — غير ملبس واحد فقط. هؤلاء هم الأشخاص الذين ينبغي أن يبثوا شكواهم على الملأ لأنهم لا يملكون إلا أقل القليل من الملابس. ومع ذلك كثيرًا ما تسمع هذه الشكوى من مواطني البلدان المتقدمة، وحتى من الأشخاص الذين تكتظ أدراجهم وخزائنهم بالملابس حتى إنهم باتوا لا يعرفون ما فيها. ويمكننا أن نكون على يقين من أن أحفادنا سوف يعزفون على نفس نغمة الشكوى، وكذلك سوف يفعل أحفادهم في القرن الثاني والعشرين.

وتعد التغييرات التي تفرض من قبل الموضة أو بظهور أدوات جديدة ضئيلةً إذا ما قورنت بالتغييرات التي سيكون علينا أن نجريها لمواجهة تضاؤل مخزوننا من المواد الخام ونفاده. والمشكلة هي أننا نعرف أن هذه الموارد موجودة، ونعلم أنها محدودة، لكننا لا نعرف بالضبط القدر المتبقي منها.

المناوشات مستمرة طوال الوقت، خاصة فيما يتعلق بقضايا محلية غير ذات أهمية. ومع أن الأزمات والصراعات الكبرى في الشرق الأوسط، والمناطق التي تحتوي على النفط في أفريقيا، أو في الجرف القاري قبالة شواطئ جنوب وشرق آسيا تبدو في ظاهرها متعلقة بأمور أخرى، فإن إمعان النظر فيها سيثبت أنها تدور برمتها حول الوصول إلى النفط هناك. فهناك خطر احتمال نفاده. ومن ثم، ستنضم إلى ميادين الصراع التقليدية ميادين جديدة، كالقطب الشمالي. إن موارد الطاقة — لا سيما النفطية منها — ما هي إلا عامل واحد في جانب العرض الخاص بالاقتصاد العالمي، بصرف النظر عن مدى أهميته. ومع ذلك ستبدأ بقية الموارد التي لا تتجدد مع الزمن في النفاد هي الأخرى، وفي هذا الصدد نحن لا نملك أي سيطرة على الإطار الزمني الجيولوجي.

النفط هو المشكلة الأولى على صعيد الموارد والطاقة في القرن الحادي والعشرين. ويبقى الأمل من جهة في أن يكون الاحتياطي الموجود حاليًّا أكبر، وأن يستمر فترة أطول مما يشاع في قصص الرعب التي تروج لها وسائل الإعلام في هذا الصدد، ومن جهة أخرى، في أننا سوف نتمكن من اكتشاف مصادر بديلة. لأننا لو واصلنا الاستهلاك بنفس المعدل الحالي — الذي يبلغ نحو ٨٠ مليون برميل يوميًّا — فسينفد المخزون بحلول عام ٢٠٤٠. وقد ذكرت تقديرات أخرى صادرة عن شركة «بريتيش بتروليام» أن الاحتياطي الموجود يغطي استهلاك نحو ٤٠ عامًا. وإذا أضفنا أن الغاز الطبيعي سيظل موجودًا فترة ما بعد نفاد النفط، تصبح الفترة المتبقية لدينا ٦٠ عامًا. هل سيئول الأمر إلى ذلك؟ وإذا لم يكن، فلم لا؟ أين الحقيقة، وأين الجهل، وأين الأخطاء، وأين الأكاذيب؟

الأمور تبدو أكثر تعقيدًا مما يتراءى لنا للوهلة الأولى. فنحن هنا أيضًا أمام خداع متعمد للرأي العام ينطوي على أكاذيب مألوفة يكسوها غلاف من تحليل الخبراء. والغاية ترويع السياسيين وعامة الجمهور بشدة إلى الحد الذي يجعلهم يتقبلون حقيقة ارتفاع أسعار البنزين والغاز الطبيعي والكهرباء دون إبداء الكثير من التذمر. وإضافة إلى ذلك، يمكن إلقاء كل اللوم في هذا على الصينيين، لأنهم يزيدون حجم الطلب مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد الخام، لأنهم يشترون قدرًا أكبر منها. وبطبيعة الحال، من الواضح لأي شخص لديه أدنى قدر من المنطق أن الصينيين ليسوا هم الجناة، بل هم ببساطة ضحايا إضافيين، لأنهم يدفعون نفس الثمن الذي يدفعه الجميع.

وسوف تستمر اللعبة. فالشركات الدولية الكبرى العاملة في مجال الطاقة ستواصل رشوة السياسيين، بينما سيحاول السياسيون خداع الشركات. ثم سيجري التعاون بين الشركات وبين السياسيين في ترويع المستهلكين من خلال وسائل الإعلام الطيعة. وكل ما يتطلبه الأمر تحليل لمحلل أو سياسي يدعي الخبرة بالأمور، وسيتكفل الصحفيون ببقية المهمة بسرعة وطواعية.

وكما هو الحال دائمًا، ربما يحاول السياسيون تطبيق العدالة، لكنهم سيجدون أن لهذا عواقب سلبية ستؤثر عليهم. فهم يخطئون أحيانًا، ويتورطون في مشاكل كبرى. وتعد سياسات الطاقة — إلى جانب الأمن الوطني والأسواق المالية — حقل الألغام الأكبر أمام السياسيين على الصعيدين المحلي والعالمي. فقد حقق البعض منهم سجلًا حافلًا، لكن الكثيرين منهم لقوا الأذى، وهكذا سوف يستمر الحال في المستقبل.

تكهنت مؤخرًا شركة استشارات مهمة تعمل في قطاع الطاقة أن عام ٢٠٠٥ سيشهد ذروة استخراج النفط؛ لكن كل الدلائل تشير الآن إلى أن هذا كان محض هراء. لكن هناك من سيؤيد هذا الهراء، نظرًا لأن هذا النوع من «التكهنات» مثالي لإثارة الحمى في السوق ورفع الأسعار. وعلى الجانب الآخر من هذه المعادلة، يمكنك أيضًا أن ترى الخبراء الذين يدعون أننا لن نصل إلى الذروة أبدًا، لأنه حتى لو لم نتمكن من الاستمرار في زيادة الإنتاج والاستهلاك إلى الأبد، فيمكننا على الأقل إبقاؤهما عند المستوى الحالي. تلك أكاذيب أيضًا.

كل ما نعرفه الآن يشير إلى أن القرن الحالي سيشهد «الذروة النفطية»، وهي المرحلة التي سيتراجع استخراج النفط بعد بلوغها. لكن يختلف الخبراء المحنكون حول ميعاد حدوث ذلك على وجه الدقة. لكن كثيرًا ما يتردد ذكر السنوات من ٢٠٢٠ وحتى ٢٠٤٠؛ ومن الناحية العملية، هذا يعني غدًا. ويشير تقرير رسمي يستند إلى مجموعة من توقعات الخبراء، وأعده مكتب المحاسبة العامة الأمريكي الذي يعتبره الكثيرون هيئة مستقلة؛ إلى أن الذروة يمكن أن تحدث في أي سنة من السنوات بدءًا من الآن وحتى عام ٢٠٤٠.16

ينشأ الغموض حول ميعاد الذروة من صعوبة الحكم على مدى مصداقية البيانات. ويحذر خبراء هذا المجال من أن المصالح الخاصة للمنتجين والموزعين قد تزيف التقديرات الخاصة بحجم حقول النفط الحالية والمستقبلية. وهناك ضغوط سياسية، علاوة على أن الوعي في مجال جيولوجيا البترول ليس مثاليًّا على الإطلاق. وعلى غير المتوقع — أو هكذا يبدو — تتردد أخبار مفعمة بالأمل تعلن عن اكتشاف احتياطيات جديدة هائلة في غانا أو في البرازيل. وهناك أيضًا العديد من الاحتياطيات الأخرى التي لا تزال مجهولة. ويمكن في الوقت الراهن أن نلحظ من خلال ما يجري في العراق ودلتا النيجر والسودان وما يجاوره؛ كيف يمكن للاضطرابات السياسية أن تزيد الأمور تعقيدًا. وفي المستقبل سوف تنشب المشاكل في مكان آخر.

من الواضح لنا أن مسألة بدء تراجع استخراج النفط ستعتمد على تصادف ظروف عدة، ونحن نعلم أيضًا أن تلك الظروف سوف تكون تحت اسم الوصول المادي والسياسي لاحتياطيات النفط ولربحية استخراجه، وانطلاقًا من وجوب سرعة التحول إلى التكنولوجيا التي لا تعتمد على البترول ومنتجاته، وتوسيع نطاق التقدم التقني في مجال المحافظة على الطاقة. وينبغي ألا نتوهم إطلاقًا أن التقدم الذي أحرز حتى الآن في هذا المجال كاف؛ صحيح أن استهلاك النفط بالنسبة لكل وحدة من وحدات الدخل المحقق في البلدان الغنية ضمن مجموعة السبع انخفض بنسبة ٥٥٪ خلال الثلث الأخير من القرن السابق، لكن مستوى الدخل على نطاق العالم يرتفع بسرعة هائلة بحيث سيكون علينا أن نخفض استهلاك الطاقة لكل وحدة من وحدات الدخل بمقدار يتجاوز العشر مرات لكي تحل المشكلة، وهذا لن يحدث.

وهناك شبح كارثة يسكن العالم؛ إنه شبح الارتفاع الكارثي في درجة حرارة الأرض. ويبدو أن هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يدفعنا إلى عملية إعادة تقييم سياسي، وإلى قدر أكبر من الإقبال على البحث عن سبل بديلة لتلبية احتياجات البشرية من الطاقة. ومن هنا تعلمت الولايات المتحدة الثرية من البرازيل التي لا تزال فقيرة أنه من الممكن الاعتماد على الوقود الحيوي على نطاق واسع. وقد تبدو الأمور مبشرة، لأن مصادر الوقود الحيوي من الذرة وقصب السكر واللفت هي مصادر قابلة للتجدد. لكن للمرة الثانية، يبرز في المشهد البنجر البولندي الذي ساعد من قبل على إنهاء العبودية. لكن الطلب المتزايد على هذه المحاصيل يعجل بارتفاع أسعار المنتجات الغذائية المصنوعة منها. ومرة أخرى، يمكن أن ينقلب الأمر عكسيًّا، وتتفوق أسعار المواد الغذائية على أسعار الوقود في المستقبل، ولن تكون هذه هي المرة الأولى. فهكذا تجري الأحداث، لأن الكثير من الأمور يحدث في نفس الوقت.

هناك مصادر طاقة أخرى صديقة للبيئة لكنها لا تحمل الكثير، مثل الماء والرياح والطاقة الشمسية. وبطبيعة الأمر لا تتوافر مصادر الطاقة هذه — التي تبدو رخيصة — في أشد الأماكن احتياجًا لها. فالأنهار الجبلية، والمد والجزر، والرياح القوية نادرًا ما تتوافر بالقرب من التجمعات الحضرية الكبيرة أو المراكز الصناعية. بينما تتسم مناطق مثل البحر الأبيض المتوسط، أو منطقة البحر الكاريبي، أو خليج البنغال، بالسماء الزرقاء الصافية والشمس المتوهجة؛ حيث الحاجة إلى الطاقة الحرارية لا يمكن أن تقارن بالحاجة إليها في منطقة البلطيق أو خليج هدسون أو بحر اليابان. ومن أجل أن يأتي الوقت الذي نشهد فيه استخدامًا واسع النطاق لهذه المصادر، سيتعين أن تكون رخيصة بما يكفي للتعويض عن تكلفة نقلها إلى حيث يزداد الاحتياج إليها. وتبشر طاقة الرياح بأن إحراز التقدم الهائل أمر ممكن. فقد انخفضت كلفة توليد كيلووات/ساعة من ٢ دولار في عام ١٩٧٠ إلى ما يتراوح بين ٠٫٠٥ و٠٫٠٨ دولار في الوقت الحاضر. وعلى سبيل المقارنة، نلاحظ أن كلفة توليد الطاقة من حرق الفحم تكلف مبلغًا يتراوح بين ٠٫٠٢ إلى ٠٫٠٤ دولار. ونحن نقترب من المرحلة التي ستؤتي فيها طاقة الرياح ثمارها، طالما لا تزال الرياح تهب.

سيحدث ذلك في ولاية كاليفورنيا قبل أن يحدث في الأراضي المنخفضة في أوروبا الوسطى. هناك وفي كل مكان، سوف نتقبل الوضع ونتحول إلى الطاقة النووية. وهذا هو الخيار الوحيد الذي سيكون متاحًا في كل مكان على نطاق واسع، مما سيؤمن موارد الوقود عدة قرون مقبلة. وسوف تكون طاقة آمنة بما فيه الكفاية. فقد مرت حتى الآن فترة طويلة كانت خلالها الطاقة النووية رخيصة ونظيفة، وأكثر أمنًا أيضًا من الطاقة غير النظيفة المتولدة من حرق الفحم وبعض أنواع النفط.

عيب الطاقة الذرية الوحيد هو الخوف غير العقلاني منها. وهذا مثال واضح على التعارض بين التكنولوجيا والثقافة والسياسة. وسوف يستغرق الأمر عدة عقود من أجل التوصل إلى حل لهذه المشكلة. هل الإنسانية مستعدة لذلك؟ قطعًا لا! إذ سيتطلب التخفيف من حدة هذه الأزمة الكبرى في قطاع الطاقة سنوات طويلة من العمل المعقد والمكلف والصعب على جبهات عديدة. بعدها سوف ننظر إلى الوراء ونتساءل: علام كانت كل هذه الجلبة؟

بعدها؟ متى سيكون ذلك؟ قبل أزمة الذروة النفطية التي لن نكون مستعدين لها، أم بعدها؟ الذروة النفطية تعني حدوث ركود هائل ناجم عن نقص كبير في الطاقة. ولن يسفر ذلك عن تراجع حاد فحسب في مستوى معيشة الإنسان، بل سيزيد الحروب أيضًا، لأنها ستتصاعد إلى ما يفوق مستوى التهديدات والمناوشات. لكن الاستباق الحكيم من شأنه أن يحول دون وقوع كل هذا.

وإذا أردنا للبشر أن يغلقوا باب الإسطبل قبل أن تهرب الخيول، يتعين علينا اتخاذ جميع التدابير الممكنة من ناحية التكنولوجيا والتعليم العام من أجل الوصول بتوجهات السياسيين المحافظين إلى وجهة محايدة، ومكافحة جماعات المصالح الخاصة وأبواق وسائل الإعلام. ولا بد أن نبدأ من الآن؛ في هذا الجيل الحالي. صحيح أن الذروة النفطية لن تحدث قبل عام ٢٠٤٠، أو حتى عام ٢٠٧٠، لكن لم يتبق سوى القليل جدًّا من الوقت لاتخاذ التدبير الذي سوف يحمينا من الصدمتين الاقتصادية والسياسية.

وبالرغم من أن أكثر التوقعات تفاؤلًا بشأن قدرة الاقتصاد العالمي ومجتمعاته وصناعاته على التكيف، فلن يتطلب الاستعداد الفعال للانهيار المتوقع في إنتاج النفط أقل من عشرين عامًا. بل أعتقد أن الأمر سيستغرق فترة أطول. ولنكن واقعيين، سيستغرق هذا الأمر ما لا يقل عن أربعين عامًا. لكن ماذا عن التحذيرات التي سمعناها منذ أربعين عامًا، والتي حذرت من أننا كنا نقترب من نهاية النمو بسبب النقص في الطاقة؟ لم تكن هذه التحذيرات خاطئة، إلا فيما يتعلق بالمدى الزمني فقط. لكن هذه المرة نحن لسنا مخطئين، فقد مرت الأربعون عامًا الأولى، وستمر الأربعون عامًا المقبلة بسرعة، بينما احتياطيات كوكبنا آخذة في التضاؤل طوال الوقت، وعلاوة على ذلك، سيكون عدد سكان الأرض قد تضاعف ثلاث مرات في نهاية تلك السنوات الثمانين. ولن تكون الاحتياطيات المتوافرة في منتصف القرن الحادي والعشرين أكبر من قدرها الحالي، حتى مع إضافة الاحتياطيات المتوقع اكتشافها في الصحراء الكبرى، والقطبين الشمالي والجنوبي.

وفي بعض الأحيان، تجري التحليلات والتنبؤات تخميناتها استنادًا إلى نماذج بسيطة، بل بسيطة للغاية، وهذا خطأ. تتنبأ «الجمعية الأمريكية لمعلومات الطاقة» في تقريرها السنوي — الذي يفترض استمرار السياسة الحالية — أن استخدام العالم للطاقة سينمو بنسبة ٥٧٪ حتى عام ٢٠٣٠. وإذا ظل سعر النفط مستقرًّا، فسيعود الفحم مرة أخرى بوصفه أكثر مصادر الطاقة استخدامًا. لكن عواقب ذلك على الاحترار البيئي وحالة الطقس ستكون مؤسفة.

ولكي نعدل السلوكيات تجاه البيئة واستهلاك الموارد في هذه المرحلة من تاريخنا، نحن بحاجة إلى الآليات الاقتصادية الصحيحة. وعلى الرغم من أننا ينبغي ألا نهون من شأن تغيير طريقة التفكير والمعالجة الاجتماعية لهذه القضايا، فإننا في حاجة إلى ما هو أكثر من النوايا الحسنة.

سوف يعود طرح دور القطاع الحكومي والعام من جهة، ودور رأس المال والقطاع الخاص من جهة أخرى، برؤية جديدة. وقد قيل لنا بالفعل إن القطاع الخاص هو الأجدر على حل هذه المشكلة. فالشركات التجارية تعرف كيف تلوث البيئة وكيف تكسب المال أثناء ذلك، لكن أفضل طريقة للتغلب على الصعوبات هي الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

مع ذلك، لا يمكن إلا إنجاز القليل من دون الشراكة مع الشركات الخاصة؛ لذا يجب جعل البيئة النظيفة والإدارة الرشيدة — لا القائمة على النهب — للموارد غير المتجددة أمرًا مربحًا، وسوف تصبح كذلك على نحو يتزايد باستمرار، وسوف تسفر المنافسة في سياق تزايد الوعي البيئي عن نتائج إيجابية. فمثلًا: يجري حاليًّا الإعلان عن أحدث طائرات شركة بوينج من طراز ٧٨٧ — التي تحمل اسمًا جميلًا هو دريملاينر (أي طائرة الأحلام) — لا على أنها أسرع طائرة ركاب أو أكثرها راحة، بل على أنها أكثر الطائرات صداقة للبيئة، لأن الإعلان على هذا النحو يزيد الأرباح، وهذا هو لب المسألة. كيف يمكننا جعل الاهتمام بالبيئة أمرًا مربحًا؟ وعلى من ينبغي أن يعود الربح؟ على الجميع؟

ومثلما يحدث في قضايا التنمية أو مكافحة الفقر، سوف تعد الليبرالية الجديدة بالكثير لكنها لن تفي إلا بالقليل. وهي تعد بالكثير فعلًا، جزء من ذلك بسبب الخشية من سطوة القوانين، وجزء آخر بسبب الطمع في تحقيق أرباح عالية. والأرباح هي أهم شيء. ولكي تنجح الإجراءات من الناحية الاجتماعية، لا بد أن يكون هناك إجراء يفرض من أعلى من خلال السياسات التي تنشئ المؤسسات وتفرض لوائح السوق التي تجبر رأس المال الخاص على التصرف على نحو يتسم بالصداقة للبيئة، ومن أسفل أيضًا بالاستفادة من الحب الأبدي للأرباح. في السابق كانت الشركات في إنجلترا تخضع للائحة بسيطة تلزمها باستهلاك المياه من مجاري النهر الواقعة بجانب المناطق التي تقع فيها مصانعها، مما حثها بسرعة على تنظيف مياه الصرف الخاصة بها قبل التخلص منها، لأنهم إذا لم يفعلوا فسيؤدى ذلك إلى تلوث مياه النهر — ولو بنسبة ضئيلة — التي تسحبها هذه الشركات بنفس الملوثات التي تلقى بها. وإجراء بسيط مثل حظر استخدام أبواق السيارات في المناطق السكنية يوفر علينا الكثير من الضوضاء. وبطبيعة الحال، هذا لا يمكن أن ينفع إلا حيثما تتجلى قوة القوانين والثقافة، وتُحترم القواعد. نحن نعرف أيضًا بلدانًا يلقي أهلها بالقمامة من نافذة السيارة ولا يرفعون أيديهم عن بوق السيارة فترة طويلة.

أشك أن أحدًا سوف يتوصل إلى حل أفضل من الحل الذي يتضمن فرض ضريبة على هؤلاء الذين يتسببون في انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون وغيره من غازات الدفيئة. يجب أن يفرض ذلك على نطاق دولي، لأن القانون يجب أن يطبق على نطاق عالمي. ووفقًا لتصريحات «الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ» وفريق خبراء الأمم المتحدة الخاص، سيؤدي فرض غرامة يتراوح قدرها بين ٢٠ إلى ٥٠ دولارًا على كل طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الفترة من عام ٢٠٢٠ حتى ٢٠٣٠ إلى استقرار نسبته عند مستوى ٥٥٠ جزء في المليون — هذا هو مقياس تركيز الغاز — بحلول نهاية القرن. ويعتبر هذا مستوى آمنًا.

أما في الولايات المتحدة — أكبر ملوث للعالم — فمن شأن فرض غرامة قدرها ٥٠ دولارًا أن تؤدي إلى رفع سعر البنزين بنحو ١٥٪، وسعر الكهرباء بنحو ٣٥٪، وهذا ليس بالكثير، بالنظر إلى وجود عوامل أخرى تسببت في ارتفاع الأسعار على نحو أكثر بكثير، وبالنظر إلى النفع الذي يمكن أن تعود به هذه الغرامة على البيئة. التقدم أكبر وأكثر وضوحًا في أوروبا، لكن أوروبا وحدها لا يمكنها إنقاذ الكوكب. وحتى انضمام الولايات المتحدة إلى أوروبا في هذه الحملة لن يكون كافيًا، لكنه على الأقل سيكون عاملًا حيويًّا يشجع أكبر ملوثي العالم في المستقبل — الصين والهند — على الانضمام؛ إذ لن تبدأ الأمور في التغير إلى الأفضل إلا عندما تعمل هذه القوى جميعًا معًا.

وتقدر «الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ» أن الإبقاء على الاستقرار في نسبة ثاني أكسيد الكربون عند ٥٥٠ جزءًا في المليون من شأنه أن يخفض معدل الارتفاع في متوسط درجة الحرارة العالمية بنسبة ٠٫١٪ سنويًّا. بعبارة أخرى، لو كنا بدأنا تطبيق هذه الآلية خلال القرن العشرين، لارتفع متوسط درجة حرارة سطح الأرض بنسبة ٨٩٫٥٪ فقط من نسبة ارتفاعه الحالية — أي كانت ستبلغ نحو ٠٫٦٦ درجة مئوية (١٫١٩ درجة فهرنهايت)، بدلًا من الرقم الفعلي الذي يبلغ ٠٫٧٤ درجة مئوية (١٫٣٣ فهرنهايت) — زائد أو ناقص ١٨٪ وفقًا لتقديرات الهيئة. وعلى المدى الطويل تشكل هذه الكسور أهمية حاسمة فيما يتعلق بمصير الأرض والإنسانية.

أما عن موضوع الاحتباس الحراري، فلا يوجد أي توافق في الآراء حتى بين الخبراء الثقات. فعندما يصرح خبراء «الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ» أنه «من المرجح جدًّا» أن ارتفاع درجة حرارة الأرض ناجم عن النشاط البشري، يبرز على الفور من يشيرون إلى أن الهيئة لم تقل «من المؤكد». وأن ما يحدث ربما يكون ببساطة خللًا في منظومة الطقس ليس إلا، أو كما يراه خبراء آخرون: ما هو إلا احترار عابر، ونوع من الأمور التي تحدث من وقت لآخر، وأن تأثير الإنسان لا يتعدى كونه تأثيرًا تصعيديًّا لهذه الظاهرة العالمية التي نشأت من تلقاء نفسها، وستزول من تلقاء نفسها أيضًا.

ربما يوجد أمر ما ينبغي أن أشير إليه بخصوص هذا الرأي. على أي حال، نحن نمر الآن بمرحلة طويلة تعرف «بفترة الاحترار الصغرى»، التي أعقبت «العصر الجليدي الأصغر» الذي بدأ نحو منتصف القرن الثالث عشر. وقد انتهت تلك الفترة نحو عام ١٧٨٠ عندما كان من الممكن للمرة الأخيرة أن تسير على الجليد من الشاطئ الشرقي من تشوكوتكا إلى الشاطئ الغربي لألاسكا، (لقد ظل الجسر البري الواصل بين قارتي آسيا وأمريكا موجودًا حتى حوالي ٣٠ أو ٤٠ ألف سنة مضت). ومنذ ذلك الحين ونحن نعيش فترة الاحترار الصغرى، وسوف تستمر هذه الفترة حتى نحو عام ٢٣٠٠، أو ربما حتى النصف الثاني من القرن الرابع والعشرين، ثم ستزداد برودة الأرض مرة أخرى، على الرغم من أنها ستظل على الأرجح أكثر دفئًا مما هي عليه الآن، نظرًا لأن نقطة البدء سوف تكون أكثر دفئًا من الآن، وسوف تواصل درجة الحرارة انخفاضها حتى نهاية الألفية. وفي الألفية الرابعة أيضًا، سنشهد فترة احترار صغرى ثانية. ربما بعد ألف سنة من الآن سيتحدثون عن مشكلة مشابهة، إلا أن المعرفة البشرية النظرية والقدرات العملية فيما يتعلق بالتأثير على درجة حرارة الأرض سوف تبلغ حدًّا هائلًا من التطور بحلول ذلك الوقت.

حتى إذا كان الأمر كذلك، ولم يكن النشاط البشري بالفعل مسئولًا عن ارتفاع درجة حرارة الأرض وجميع العواقب الوخيمة الناجمة عن ذلك، فمن الصواب أن نصل إلى الاستنتاج العملي الذي يؤكد أننا لا بد أن نفعل شيئًا للحد من ارتفاع حرارة المناخ. وتوفير هذه المنفعة العامة تحديدًا يعد أحد أكثر التحديات التي تواجه البشرية أهمية وصعوبة في القرن الحادي والعشرين، وفيما بعده. فهي مشكلة عالمية من نوع خاص.

ومن الناحية الواقعية، ليس المهم معرفة المتسبب فيها، بل المهم هي التداعيات الناجمة عنها، لأن التعايش مع هذه المشكلة بات يزداد صعوبة. لكن إلى أي حد سيزداد هذا صعوبة؟ نحن لا ندري. المشكلة أكثر تعقيدًا مما تبدو، لأنه بصرف النظر عن الاحترار بوجه عام، نحن نلاحظ أن معدل تواتر الموجات الحارة في مناطق مختلفة من العالم قد تضاعف منذ عام ١٨٨٠ حتى الآن. وهذا أمر نشعر به في كل صيف في عدد متزايد من الأماكن حول العالم. ففي صيف عام ٢٠٠٧ لقي نحو ألف شخص مصرعهم جراء موجات الحر الشديد التي ضربت أوروبا الوسطى.

وهناك تعريفات مختلفة لموجة الحرارة، على سبيل المثال: التعريف المستخدم في الولايات المتحدة يصفها بأنها ثلاثة أيام متتالية تتجاوز الحرارة فيها ٩٠ درجة فهرنهايت (٣٢٫٢ درجة مئوية). وفي بلدان أخرى تعتمد التعريفات على أساس الطقس المعتاد فيها. وتعرف «المنظمة العالمية للأرصاد الجوية» موجة الحرارة على أنها خمسة أيام متتالية تتجاوز فيها درجة الحرارة أقصى درجة حرارة طبيعية بمقدار خمس درجات مئوية. وقد جرى حساب متوسط الفترة ١٩٦١–١٩٩٠ بما يتوافق مع شعور الكثيرين بأن الأمور كانت طبيعية آنذاك، أما الآن فهي ليست كذلك.

وتضرب موجات الحرارة أماكن لم تعرف هذه الظاهرة من قبل. فقد حدث أن قمت بزيارة لموسكو في شهر أيار/مايو — وهو عادة أكثر الشهور اعتدالًا في حالة الطقس — لكن كانت هناك موجة حارة ارتفعت معها الحرارة إلى ٣٦٫٧ درجة مئوية (٩٨٫١ درجة فهرنهايت)، وهذه هي درجة حرارة الجسم البشري العادية، لكن هذا الطقس ساخن جدًّا بالنسبة إلى طقس موسكو. واسترعت أخبار موجة الحر الانتباه في جميع أنحاء العالم، بيد أن نفس درجة الحرارة هذه ستعتبر طبيعية في بلد مثل جيبوتي. فعندما كنت في جيبوتي بعد ذلك بفترة ليست طويلة، وصلت درجة الحرارة فيها إلى ٤٧ درجة مئوية (١١٦٫٦ درجة فهرنهايت)، وهذا لم يكن شيئًا غريبًا على الإطلاق، لكنني كنت أشرب خمسة لترات من الماء يوميًّا.

وتتوقع «الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ» ارتفاع متوسط درجة الحرارة بمقدار ٠٫٣ درجة مئوية (٠٫٥٤ فهرنهايت) في الفترة بين عام ٢٠٠٤ حتى عام ٢٠١٤. وهذا مؤشر واقعي، وتعد هذه قفزة كبيرة في درجة الحرارة بالنسبة لعقد من الزمن. وترى توقعات درجة الحرارة بالنسبة لبقية القرن الحادي والعشرين أنه سوف يحدث ارتفاع في درجة الحرارة بنسبة تتراوح بين ١٫٨ درجة مئوية (٣٫٢٤ فهرنهايت) إلى ٤٫٠ درجات مئوية (٧٫٢ درجات فهرنهايت). وقد يكون لهذه الأرقام تأثير مختلف تمامًا على العالم في عام ٢١٠٠، وعلى السياسة أيضًا في الوقت الراهن. فإذا كانت درجة الحرارة سترتفع بنحو ١٫٨ درجة مئوية فقط (٣٫٢ درجات فهرنهايت) فهي إذن مسألة حياة، لا موت. وإذا ارتفع متوسط درجة الحرارة حتى ١٨٫٥ درجة مئوية (٦٥٫٣ درجة فهرنهايت) — ١٤٫٥ درجة مئوية (٥٨٫١ درجة فهرنهايت) عام ١٩٩٨ زائد ٤ درجات مئوية (٣٩٫٢ درجة فهرنهايت) — فستكون الحياة مستحيلة في كثير من الأماكن.

في بعض الأماكن ستزداد موجات الجفاف والحرارة المدمرة أكثر فأكثر، وفي أماكن أخرى ستكون هناك أمطار وفيضانات مدمرة. وهكذا، إما سيكون الطقس حارًّا جدًّا، أو جافًّا جدًّا. أو سيختفي كل شيء من على سطح الأرض، نتيجة لارتفاع منسوب شواطئ المحيطات في العالم. وإذا كان ذلك صحيحًا، فيجب علينا أن نعمل بدءًا من الآن، وأن نتخذ مجموعة من الخطوات التي لن توافق هوى الناخبين، والسياسيون لا يفضلون أن يعترض الناخبون على أي شيء؛ فمن الأفضل تأجيل الأمور حتى الجيل القادم، لأن هذا أفضل لهم من خسارة الانتخابات المقبلة. هذا هو الأمر المؤسف بشأن الديمقراطية؛ أن هناك دومًا انتخابات مقبلة تؤثر على القرارات الراهنة.

وهذا ما يعزز ضرورة الكفاح من أجل فرض ضريبة عالمية للحفاظ على استقرار مستوى ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي عند الحد الآمن. فإذا كانت درجة الحرارة سترتفع بمقدار ١٫٨ درجة مئوية (٣٫٢٤ فهرنهايت) في غضون ثلاثة أجيال من دون فرض هذه الضريبة، فإن انخفاضًا في معدل الزيادة في درجات الحرارة العالمية بنسبة ٠٫١٪ سنويًّا — كما ذكر آنفًا — سيؤدي إلى انخفاض الاحترار الإضافي بنحو ١٫٥ درجة مئوية (٢٫٧ درجة فهرنهايت)، مما سيجعل المناخ محتملًا. لكن، إذا كانت الحرارة سترتفع بمقدار نحو ٤٫٠ درجات مئوية (٧٫٢ درجات فهرنهايت)، فلن يكون هناك طائل من خفض الارتفاع في درجة الحرارة بمقدار ٣٫٠ درجات مئوية (٥٫٤ درجات فهرنهايت)، لأن ذلك لن ينقذنا. إذن، ينبغي أن نبدأ في القريب العاجل، وأن نمضي قدمًا ونعمل على نحو أكثر صرامة ونبذل المزيد من الجهد.

وفي خضم الجهود المبذولة من أجل سلامة البيئة الطبيعية، يتعين علينا تحقيق تضافر تاريخي لجهود الدول التي تعمل على تحقيق المصلحة العامة، وجهود رأس المال الخاص الذي يهتم بمصلحة المساهمين لا بمصلحة مالكيه. لكن الجزء الصعب هو كيفية جعل ذلك يحدث الآن على نطاق دولي، وفي بعض الأحيان، على نطاق عالمي شامل.

ربما يكون من الظلم أن نصف رأس المال الخاص بأنه غير مهتم تمامًا بما يحدث من آثار جانبية جراء أفعاله، وخصوصًا تلك الأفعال ذات الآثار الاجتماعية السلبية. لكن ستكون قمة السذاجة أيضًا أن نثق بأن رأس المال سيقبل على اتخاذ خطوات لحماية البيئة من تلقاء نفسه. فذلك بمنزلة ترك الخراف في حماية الذئاب. ومع ذلك يمكنك أن تروض ذئبًا، ثم تحوله ببطء إلى كلب راع لا بأس به. ويمكننا تحقيق مثل ذلك مع رأس المال الخاص، وعلى نحو أسرع من ترويض الذئب بكثير. وهناك فرصة لتسخير رءوس الأموال الخاصة لتكون في خدمة المصلحة العامة في المستقبل من خلال انتهاج السياسة الصحيحة وإضفاء الطابع المؤسسي، ومن خلال الثقافة. وبذلك، يشبع الذئب، وتصبح الخراف بأمان.

يتشابه الإنفاق على البيئة والطبيعة مع الإنفاق على التسلح والحرب، وذلك في تأثيرهما على الاقتصاد العام (اقتصاد الدولة)، إذ تتماثل الاعتمادات المخصصة للجيش والحروب مع تلك المخصصة لحماية البيئة. فعلى المدى القصير، إنفاق مليار يوان صيني على مرشحات الهواء قد يكون له نفس أثر الإنفاق على سرب من الطائرات الجديدة المقاتلة. كما يمكن أن يخصص مليار دولار لاستغلال النفايات الصناعية، ويؤدي ذلك إلى ظهور سلسلة من الطلب الفعلي في الاقتصاد الأمريكي، وهو نفس القدر من الإنفاق الذي يمكنه تمويل حاملة طائرات جديدة. أيضًا يمكن إنفاق مليار روبل روسي على تنظيف الأنهار الملوثة في الجزء الأوروبي الصناعي من روسيا، مما يعود بنفس كمية الإنتاج والعمالة وعائدات الميزانية، أو قد يوجه نفس المبلغ إلى الإنفاق على نظام رادار مراقبة عسكري.

وعلى المدى الطويل — وبصرف النظر عن الأثر المباشر لتحفيز الإنتاج والعمالة من خلال إحداث زيادة في الطلب الكلي — هناك أيضًا آثار مفيدة وعميقة، بما فيها التقدم العلمي التكنولوجي وكل ما يترتب على ذلك من مزايا. من المفهوم أن هذا التحويل الهائل للإنتاج سيتطلب سنوات عديدة وإصرارًا سياسيًّا هائلًا. وقد فعلت بلدان ما بعد الاشتراكية كل ما هو ممكن في هذا المجال من خلال تحويل قطاعات التسلح إلى قطاعات إنتاج سلمي على مدى يتجاوز العقد. ومثل هذا التحويل يتطلب، أولا، تغييرًا في نظام القيم، وضمان السلام العالمي بوسائل أخرى غير قعقعة السلاح.

ولو كانت الولايات المتحدة فقط أنفقت على مكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري نفس المبالغ التي أنفقتها على احتلال العراق، لأمكننا الآن أن نشعر جميعًا بقدر أكبر من الأمان. وإذا حولت دول أخرى نفقاتها على الأسلحة وصيانة الجيوش إلى شراء معدات لحماية البيئة وإلى توظيف المتخصصين المؤهلين، فسوف يتحسن الأداء الاقتصادي في تلك الدول، وأيضًا في الدول التي باعت المعدات التي من شأنها تحسين حالة البيئة، وسيصبح المناخ أكثر ملاءمة للتنمية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

وينبغي أيضًا أن يكون تحقيق الربح من وراء شيء يشيد به العامة — مثل طائرة بوينج ٧٨٧ — أمرًا أكثر إمتاعًا لرأس المال من الاستمرار في الكذب حول فوائد إنتاج الأسلحة. وإذا تحقق ذلك، فستتساوى ربحية إنتاج الطائرة «دريملاينر» وغيرها من السلع والخدمات الصديقة للبيئة مع ربحية بناء القاذفة «ب٢ سبيريت»، أو طائرة «نورثروب جرومان»، أو أي من الأعمال التي تتضمن إرسال الجنود الصغار لملاقاة حتفهم.

كل هذا لا يساوي إلا أقل القليل. فنحن بحاجة إلى ثورة؛ ثورة ضرائب أخرى. وبصرف النظر عن الرأي الذي يحظى بتأييد واسع بشأن ضرورة وجود إعفاءات ضريبية على الإيرادات الناتجة عن عمليات الإنتاج التي تحافظ على البيئة، ستتناقص ضرائب الدخل (وحتى الضرائب على الممتلكات) التي تدفع من قبل المشاريع التجارية والأسر بحلول مطلع القرن المقبل، بينما ستتزايد الضرائب المفروضة على نصيبها من استخدام الطاقة وإحداث التلوث. وسوف تدفع البلدان مجتمعة، والتجمعات الإقليمية، هذا النوع من الضرائب في وزارة خزانة عالمية مشتركة لتكون هناك ميزانية بيئية عالمية لن يرغب أحد في المساهمة فيها، لكن سيرغب الجميع في الاستفادة منها. وسوف تكون هناك طرق دقيقة لرصد أي نشاط ضار، وهذا سيشكل الأساس لفرض الضرائب، كما ستطرأ تغييرات على الوعي العام، وهذا سوف يؤدي إلى تغير شامل في وسائل الإنتاج وأنماط الاستهلاك، مما سيحقق التحول المنشود في العلاقة بين البشر وكوكب الأرض.

بدأ الوعي بخطورة الوضع يتزايد بسرعة في الآونة الأخيرة، ليس فقط بسبب الحملات السياسية النشطة التي تنظمها الجماعات التي تدرك حجم الخطر. فالتأثير الناجم عن كتب وبرامج الخيال العلمي أيضًا، وأفلام الرعب وأفلام الكوارث، أكثر نجاحًا في بعض الأحيان من الحجج العلمية الباردة في دفع السياسيين لاتخاذ التدابير اللازمة. فالناس يتأثرون بالكتب والأفلام التي تروعهم، والسياسيون يتأثرون بالخوف الموجود عند جمهور الناخبين. وفي بعض الأحيان، يبدو تأثير الهواجس غير العقلانية أكثر من تأثير الحجج العقلانية. فعلى مدى السنوات الأربع الماضية، ارتفع عدد الأمريكيين الذين يعتقدون أن هناك سببًا يدعو إلى «القلق الشديد» من ٢٨٪ إلى ٤١٪. ومن المذهل للغاية أن ما يقرب من نصف أعضاء الحزب الجمهوري — المتأثرين بأفكار الليبرالية الجديدة — يقولون إن وضع البيئة على ما يرام. بينما لا يتفق مع هؤلاء سوى ٩٪ فقط من الديمقراطيين، وهكذا، من الواضح أن القراءات والمشاهدات تختلف من شخص لآخر. الأمر الجيد أن الديمقراطيين هم الذين سيحكمون الولايات المتحدة من عام ٢٠٠٩ وحتى عام ٢٠١٧، وربما — بقليل من الحظ — سيستمرون فترة أطول.

إن انتهاج سياسات أكثر فعالية على الصعيد الوطني ووجود تنسيق دولي أفضل، وحدوث تغيرات ثقافية، والأهم استحداث آليات اقتصادية ومالية أكثر اكتمالًا، وإدارة أكثر فعالية، لا يمكن أن يوفر لنا موارد إضافية إلى الحد الذي يسمح للعالم أجمع أن يستهلك الطاقة والمواد الخام بنفس مستوى استهلاك أمريكا الشمالية أو أوروبا الغربية، لا في المستقبل القريب ولا في أي مرحلة لاحقة. فهذا أمر يتطلب موارد كوكبي أرض إضافيين. لكن على المدى الطويل، يمكننا أن نتصور تقدمًا في شكل الحفاظ على البيئة وحدوث ثورة تكنولوجية جديدة قائمة على تكنولوجيا النانو، وهندسة المواد، والتكنولوجيا الحيوية، وهي آليات يمكن أن توفر لنا ما يعادل موارد كوكب أرض آخر. إن قوة العقل البشري غير محدودة، لكن حدودها بعيدة ولم تكتشف حتى الآن.

•••

النقطة السابعة من نقاط البوصلة تتعلق بالسكان. ووفقًا لأحدث التوقعات الديموغرافية للأمم المتحدة، سيصل عدد سكان العالم في غمضة عين — عام ٢٠٥٠ — إلى ٩٫٣ مليارات نسمة. سيكون بعضنا لا يزال على قيد الحياة حينئذ، لكننا سنكون قلة. وسيتضاعف عدد سكان العالم ٣٠ مرة أكثر من عددهم منذ ألف سنة مضت، لكن لن تكون هذه نهاية العالم. لقد كان عدد سكان العالم وقت عيد ميلادي الأول ٢٫٥ مليار نسمة، وعندما أنهيت كتابة هذا الكتاب، كان العدد قد وصل إلى ٦٫٦ مليارات نسمة. وعندما أصل إلى نهاية رحلتي في الحياة، سيزداد العدد بنحو ثلاثة مليارات إضافية.

هذه المليارات الإضافية تعني الكثير؛ لأن التغيرات الديموغرافية متعددة الاتجاهات تشكل مشكلة كبيرة أمام المستقبل. وبصرف النظر عن الازدياد المستمر في العدد الإجمالي، تشمل الصورة ما يلي أيضًا:
  • التفاوت الهائل في النمو الطبيعي.

  • اكتظاظ أماكن بعينها بالسكان.

  • تقدم سن السكان.

  • الهجرات العظمى.

يزداد عدد سكان العالم كل عام بمقدار ٨٠ مليون نسمة، وهذا يعادل عدد سكان ألمانيا، أو تركيا، أو مصر. ويزداد عدد السكان بمعدلات تختلف تبعًا لاختلاف المكان. أسرع ارتفاع في عدد السكان في جنوب الصحراء الأفريقية، وفي منطقتي الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، بينما يتباطأ الارتفاع بعض الشيء في أمريكا اللاتينية، ويسجل أبطأ معدلاته في أوروبا وأمريكا الشمالية. وفي الوقت الحاضر، يعيش ٨٠٪ من البشر في البلدان الأقل نموًّا، وفي منتصف القرن سيشكل هؤلاء ٩٠٪.

وتتسم التغيرات في عدد السكان بأنها جوهرية. ففي عام ١٩٠٠ كان عدد سكان أوروبا يتجاوز عدد سكان أفريقيا ثلاث مرات، إذ كان عدد السكان في أوروبا ١٣٣ مليون نسمة وفي أفريقيا ٤٠٨ ملايين نسمة. لكن سوف ينعكس هذا الوضع في عام ٢٠٥٠، حيث سيبلغ عدد سكان أفريقيا ١٧٦٦ مليار نسمة، بينما سيبلغ عدد سكان أوروبا ٦٢٨ مليار نسمة. وبعد مائة سنة أخرى في المستقبل، سوف تصبح النسبة ٥ إلى واحد تقريبًا (٢٣٠٨ مليار نسمة في أفريقيا، و٥١٧ مليون نسمة في أوروبا)، وذلك على الرغم من أن المعدلات الحالية لهجرة الأفارقة إلى أوروبا تفوق على نحو هائل هجرة الأوروبيين إلى أفريقيا. وسوف تنخفض حصة «العالم القديم» و«العالم الجديد» من عدد سكان العالم من ٢٨٫٥٪ في عام ١٩٥٠ (٢١٫٧٪ في أوروبا و٦٫٨٪ في أمريكا الشمالية) إلى ٩٫٤٪ في ٢١٥٠ (٥٫٣٪ و٤٫١٪ لكلٍّ منهما على التوالي).

وتتوقع الأمم المتحدة أن يصل عدد البشر إلى سبعة مليارات نسمة بحلول عام ٢٠١٣ فحسب. ثم سننتظر ١٤ سنة أخرى ليصل العدد إلى ثمانية مليارات نسمة. كان عدد البشر قد بلغ ستة مليارات نسمة في عام ١٩٩٩، وسوف يبلغ عددهم ثمانية مليارات نسمة في عام ٢٠٢٧. واستنادًا إلى التوقعات، سيصل العدد إلى تسعة مليارات نسمة في حوالي عام ٢٠٥٠. ويرى البعض أن ذلك سيحدث في عام ٢٠٤٦، ويرى آخرون أن ذلك لن يحدث إلا في عام ٢٠٥٤، وهذا لا يشكل أي فرق، حينئذ ستكون الأمور مختلفة تمامًا.

ينبغي ألا ينمو عدد السكان في العالم خلال النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين وطوال القرن الثاني والعشرين إلا بمقدار واحد على عشرة فقط من سرعة نموه الحالية. فمن شأن هذا أن يحدث ثباتًا إذا لم تتعد نسبة النمو أكثر من ٦ إلى ٧ ملايين نسمة سنويًّا. ووفقًا لهذه التكهنات سوف نحتاج إلى ١٥٠ سنة ليزداد عددنا بمقدار مليار نسمة. وينبغي ألا يتجاوز عدد السكان في عام ٢٢٠٠ أكثر من ١٠ مليارات نسمة (إلا بالقليل)، ثم سيحدث ثبات في عدد البشر. منذ خمسة عشر عامًا، توقعت الأمم المتحدة أن يثبت العدد بعد عام ٢٢٠٠ عند حوالي ١١٫٦ مليار نسمة، لكن عدة أشياء حدثت منذ ذلك الحين. وسوف تحدث الكثير من الأشياء قبل حلول عام ٢٢٠٠، وستحدث غالبية هذه الأشياء في نفس الوقت.

لكن يلاحظ أن المعدل العام لنمو السكان في العالم آخذ في التناقص، وهذا خبر سار. صحيح أن عددنا هائل، لكنه ينمو بوتيرة أبطأ. فقد انخفض متوسط معدل النمو السنوي من ٢٫٢٪ خلال الستينيات، إلى ١٫٢٪ في عام ٢٠٠٥. وهذا أمر ممتاز، لأن استمرار النمو بمعدل ٢٫٢٪ كان من شأنه أن يضاعف عدد البشر كل ٣٢ سنة. لكنه أيضًا خبر سيئ للغاية، لأن عدد السكان سيتضاعف كل ٥٨ سنة بمعدل ١٫٢٪. ولا يمكن للأرض أن تتحمل هذا؛ لذلك من الضروري أن ينخفض هذا المعدل أكثر من ذلك. ولا بد أيضًا أن يتفاوت الانخفاض من منطقة لأخرى. وهذا تحد آخر غير مسبوق سيواجهنا خلال القرن الحادي والعشرين والقرون اللاحقة.

كان الازدياد في عدد البشر قد بدأ ينخفض في عام ١٩٨٩. وقبل ذلك الحين، كان النمو السنوي المطلق لعدد البشر يتزايد بثبات بمقدار ٨٧٫٧ مليون نسمة سنويًّا؛ وبعدها بدأ يتراجع قليلًا، وثبت منذ عام ٢٠٠٧ عند نحو ٧٧ مليون نسمة سنويًّا. ويتوقع مكتب الإحصاء الأمريكي حدوث ثبات تقريبي في الزيادة المطلقة في عدد سكان العالم حتى عام ٢٠١٥ تقريبًا، إذ ستتراوح الزيادة بين ٧٦ و٧٨ مليون نسمة سنويًّا. ثم سيبدأ الانخفاض على نحو تدريجي إلى نحو ٤٦ مليون نسمة سنويًّا في منتصف هذا القرن.

إذا نجم هذا المعدل عن انخفاض إقليمي مفيد من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية، فيمكننا حينئذ أن نتفاءل. لكن الحال ليست كذلك. فهناك أماكن يزداد فيها عدد السكان بسرعة مخيفة، بينما في أماكن أخرى بدأ عدد السكان في الانخفاض بمقدار كبير. هذه الاتجاهات المتباينة تتأثر بعدة متغيرات؛ أولها معدل المواليد، ثم معدل وفيات الرضع، ومتوسط العمر المتوقع، وهذه العمليات الديموغرافية تتأثر بدورها بالأحوال المعيشية وبتوقعات التغيير في المستقبل. وينبغي أيضًا أن تؤخذ الهجرة في الاعتبار. وتظهر كل هذه المعدلات اختلافات هائلة. أتوقع أن تسير الأمور على نفس المنوال في المستقبل.

الشيء المحزن حقًّا أن معظم المواليد يولدون في أقل البلدان نموًّا، حيث أقل قدر من الغذاء والسكن والتعليم، وهذه أنباء سيئة للغاية ومرتبطة بالأحوال الاجتماعية والثقافية، والعواقب الاقتصادية الناجمة عن ذلك تدعو للأسف. ويظهر انعدام التنمية من خلال انخفاض الدخل ونقص الغذاء والرعاية الصحية الأساسية. فبعض هؤلاء الأطفال يموتون في سن الرضاعة وآخرون يموتون قبل بلوغهم سن الخامسة، أما الذين يبقون على قيد الحياة، فتُكتب عليهم حياة بائسة.

أربعة من البلدان التي سجلت أعلى معدلات الولادة — أفغانستان والصومال وبوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية — تدخل أيضًا ضمن أفقر عشرة بلدان في العالم حيث يبلغ الدخل السنوي للفرد أقل من ٨٠٠ دولار وفقًا لتعادل القدرة الشرائية. علاوة على أن الصومال وثلاثة بلدان أخرى من أفقر بلدان العالم — مالي والنيجر وأنجولا — هي أيضًا من بين أسوأ عشرة بلدان من حيث معدلات وفيات الرضع. فقد سجلت أنجولا وسيراليون أسوأ معدلات وفيات الرضع على مستوى العالم، إذ بلغ في هذين البلدين على التوالي: ١٨٤٫٤ و١٥٨٫٣ حالة وفاة لكل ألف مولود حي. وتلد النساء في مالي والنيجر في المتوسط ٧٫٤ طفل، ويبلغ الرقم في أفغانستان ٦٫٦، وفي اليمن ٦٫٥، ويموت طفل واحد على الأقل في كلٍّ من هذه العائلات. ويلاحظ أن خمسة من أعلى البلدان من حيث معدلات الولادة، هي أيضًا من بين أعلى عشرة بلدان من حيث نسبة نمو السكان وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة للفترة بين عامي ٢٠٠٥–٢٠١٠، وهذه البلدان هي: بوروندي (٣٫٩٪)، وأفغانستان (٣٫٨٥٪) والنيجر (٣٫٤٩٪)، والكونغو (٣٫٢٢٪) ومالي (٣٫٠٢٪). ومؤخرًا، سجلت ليبيريا أعلى معدل للنمو السكاني بلغ ٤٫٥٪. هناك بلدان وأقاليم أخرى في قائمة أعلى البلدان من حيث النمو السكاني مثل: الصحراء الغربية، وتيمور الشرقية، وإريتريا، وفلسطين. ومن المثير للدهشة أن العديد من هذه البلدان كانت تمر مؤخرًا بنزاع مسلح، وأن سكانها كانوا إلى حد ما متأثرين بهذه الأوقات العصيبة.

إذا سافرت إلى هذه البلدان، يمكنك أن تشعر بالمناخ الاجتماعي السائد، وأن ترى بأم عينيك أنه إذا لم تنكسر هذه الحلقة المفرغة — المتمثلة في الفقر الذي يساهم في النمو المفرط في عدد السكان، الذي بدوره يخلد البؤس الذي يمكن أن يثير الصراعات المسلحة التي تذكي نارها الانقسامات العرقية — فلا أمل في التحرر من نير الركود الهائل، وفي المضي في طريق التنمية. فمنذ زمن ليس ببعيد، كانت الصين تعاني الفقر، ولولا اتخاذها أكثر التدابير قسوة فيما يتعلق بتحديد النسل (تلد المرأة الصينية في المتوسط ١٫٧٥ طفلًا؛ ومعدل النمو السكاني ٠٫٥٨٪)، لأصبحت الصين اليوم أكثر وديان البؤس اكتظاظًا بالسكان في العالم، لا أعظم قصة نجاح في مجال تطبيق سياسة التنمية.

في المقابل هناك بلدان لا تلد المرأة فيها سوى طفل واحد تقريبا في المتوسط، أو أكثر في حالات قليلة للغاية. أبرز هذه الحالات — من الدول التي ليس لها أهمية عالمية — هي: تايوان، وسنغافورة، وهونج كونج، إذ تبلغ معدلات المواليد فيها على التوالي: ١٫١٢، و١٫٠٧، و٠٫٩٨. أما الدول الكبرى التي تحتل نهاية هذه القائمة فتشمل: اليابان (١٫٢٣)، وأوكرانيا (١٫٢٤) وروسيا (١٫٣٩)، وألمانيا (١٫٤٠). وهناك قائمة دولية تضم ٢٢٢ بلدًا وإقليمًا، ويأتي في نهاية هذه القائمة ٩٦ بلدًا تقل فيها معدلات المواليد عن ٢٫١، وهكذا، يظل عدد السكان الحالي ثابتًا (إذا استثنينا إحصاء الزيادة الناجمة عن الهجرة).

ومن قبيل المصادفة، تأتي الولايات المتحدة في الجزء الأخير من هذه القائمة لتحتل المركز ١٢٦، بمعدل مواليد يبلغ ٢٫٠٩. وتأتي بولندا في المركز ٢٠٦ — هذا قريب جدًّا من آخر القائمة — بنسبة ١٫٢٦ مباشرة تحت إيطاليا وإسبانيا وكوريا الجنوبية وليتوانيا، ومباشرة فوق سلوفينيا ومولدوفا وأوكرانيا والبوسنة والهرسك. ومن اللافت للنظر، أن من بين ٢٠ بلدًا تتسم بمعدلات سلبية للنمو السكاني، هناك ١٦ بلدًا من البلدان الأوروبية في مرحلة ما بعد الاشتراكية، بما فيها روسيا وجورجيا وأرمينيا. أما الأربعة بلدان الأخرى فهي ألمانيا واليابان — حيث يستمر انخفاض المعدل — بالإضافة إلى البلدين الهامشيين من الناحية الإحصائية: الجمهورية الدومينيكية وجيانا. وهكذا، في الوقت الذي يزداد فيه السكان في بعض البلدان زيادة مفرطة، يتناقص عدد السكان في مناطق أخرى تناقصًا مفرطًا أيضًا. من الواضح أن هذا الاختلال في التوازن الديموغرافي لن يؤدي إلا إلى تكثيف حركة الهجرة التي هي قوية بالفعل حاليًّا.

وتشير التقديرات إلى أن عددًا أكبر من البلدان سوف يتراجع دون حاجز معدل استبدال السكان بحلول العام ٢٠٥٠. ومن الجدير بالذكر أن جميع بلدان الاتحاد الأوروبي السبعة والعشرين موجودة بالفعل ضمن هذه الفئة منذ الآن. ويذكر أن معدلات المواليد في هذه البلدان وقت تأسيس الاتحاد الحالي في عام ١٩٥٧ كانت تتجاوز ٢٫١. أما الآن فيتراوح المعدل ما بين ١٫٨٦ في أيرلندا إلى ١٫٢١ في ليتوانيا. وضمن هذا السياق، تشير التكهنات إلى أن عدد سكان أوروبا سينخفض عن المستوى الحالي الذي يبلغ ٧٣٠ مليون نسمة، لكن ليس هناك إجماع على الحد الذي سينخفض إليه.

ويتوقع البعض حدوث انخفاض لا يتجاوز ١٪ — أو حوالي ٧ ملايين نسمة — في حين يرى آخرون — ومن بينهم كبار خبراء الأمم المتحدة — أن قدر الانخفاض لن يقل عن ١٠٪، أو أكثر من ٧٠ مليون نسمة. وفي هذه الحالة، لن يشكل الأوروبيون ١١٪ من مجموع البشر كما هو الحال الآن، بل سيشكلون ٧٪ فقط نظرًا لأن السكان في قارات أخرى سيتزايد عددهم بسرعة. لكن سيظل المعدل في أمريكا الشمالية أقل من المتوسط العالمي، إلا أن عدد سكان الولايات المتحدة نفسها سيزداد بمقدار ١٠٠ مليون نسمة عن العدد الحالي الذي يبلغ ٣٠٢ مليون نسمة (ولا يشمل هذا العدد أكثر من ١٠ مليون مهاجر غير شرعي يُفضِّل ثلث من يتمتعون بإقامة شرعية ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية). مع ذلك، قد تجري الأمور على نحو مختلف في ضوء حركة الاسترداد (تسمية أطلقها المؤرخون الإسبان على مجموعة العمليات العسكرية التي نفذها الإسبان الكاثوليك المعارضون للوجود الإسلامي العربي في الأندلس منذ نهاية القرن الأول الهجري حتى نهاية القرن التاسع الهجري، وتُعَد حركة الاسترداد هذه عند الشعب الإسباني من أهم الأحداث الخالدة في تاريخهم القومي والديني). وزيادة موجات الهجرة من أمريكا الجنوبية والوسطى إلى ولايات كاليفورنيا ونيو مكسيكو وأريزونا ونيفادا وتكساس. لا شك أن لدى البعض على الأقل من هؤلاء المهاجرين بعض الدم الأمريكي الأصلي، لكن وقتئذ سيكون من المستحيل إفناؤهم أو احتجازهم في المحميات كما حدث من قبل.

على كل حال، تثير جميع التوقعات الديموغرافية شكوكًا وتحفظات عديدة، تفوق ما تثيره التوقعات الاقتصادية البحتة، ويبدأ كل واحد من هذه التوقعات بافتراض ما، ويتسع هامش الشك كلما طال الإطار الزمني، والتنبؤات السكانية طويلة الأجل بطبيعتها. ويمكن لأي نوع من الأشياء أن يحدث وقتما لا يمكن توقع حدوثه، أو حتى لا يمكن تصور حدوثه. إننا نعلم بفضل التجربة أن التنبؤ عمل محفوف بالمخاطر. لكن التوقعات الديموغرافية تحديدًا تقوم على أرض هشة فيما يتعلق بتوقع معدلات المواليد والوفيات في البلدان الأقل نموًّا، بالإضافة إلى توقع حصيلة نتائج الهجرات الكبيرة.

وعندما نرى التوقعات التي تتنبأ بأن عدد سكان روسيا سينخفض من المستوى الحالي البالغ ١٤٠ مليون نسمة إلى ١٠٤ مليون نسمة فقط في عام ٢٠٥٠، يجب أن نتساءل هل ذلك ممكن حقًّا، أم أننا أمام نوع من التهويل؟ إذا كنا أمام الخيار الثاني — كما أظن — فالسؤال هو هل هذا التهويل متعمدًا أم لا. ويبدو أنه من الخطأ استقراء المستقبل على مدى العقود المقبلة على أساس الانطلاق من اتجاهات السنوات السابقة، فعندما شهدت روسيا أزمة ديموغرافية حادة، كان جزء من هذه الأزمة أثر جانبي للمحاولة الفاشلة لتحويل النظام بحيث يتماشى مع نموذج الليبرالية الجديدة، وجزء آخر منها ناجم عن التلوث البيئي ونمط الحياة غير الصحي.

ويشير منطق عمليات التنمية إلى أنه سيحدث ارتفاع — وليس انخفاض — في عدد سكان روسيا في غضون الجيلين القادمين. فالناس سيقبلون على الهجرة إلى روسيا، لا على الهجرة منها. ويتوقع هذا السيناريو حدوث تحسن في الوضعين السياسي والاقتصادي لروسيا، على الرغم من أنه يجري في الغرب ترويج نقيض هذه الصورة، فهم يروجون لفكرة أن روسيا بلد لا يزال يفتقر إلى اقتصاد السوق النشط أو الديمقراطية الكاملة، لكنه حافل بالسكان المصابين برهاب الأجانب وكراهية الغرباء. ومع هذا، هاجر نحو ٥٠ ألف شخص من إسرائيل إلى روسيا في السنوات من ٢٠٠١ إلى ٢٠٠٣. ولا تزال الهجرات تتوالى. والهجرة ليست علاجًا للأزمة السكانية؛ فالعلاج هو تحقيق التقدم الملموس، والشعور بالتفاؤل إزاء المستقبل. وهذان الأمران مرتبطان أحدهما بالآخر.

إننا لا ندري هل روسيا ستكرر التقدم الذي حققته خلال القرن التاسع عشر أم لا، لكن توجد أمارات على ذلك. ففي غضون جيلين — منذ عام ١٨٦٠ وحتى النهاية «الحقيقية» للقرن التاسع عشر، أي في عام ١٩١٤ — ارتقت روسيا إلى مرتبة سادس أكبر قوة صناعية في العالم. وفي عام ٢٠٠٧، تجاوز إنتاج روسيا إنتاج إيطاليا، ثم تجاوز إنتاج فرنسا في عام ٢٠٠٨، وها هو ذا يقترب من إنتاج بريطانيا في عام ٢٠٠٩. ستعود روسيا مرة أخرى لتصبح سادس أكبر اقتصاد في العالم، مع فارق بسيط هو أن هذه المرة لن تتقدم فرنسا والمملكة المتحدة على روسيا في الترتيب الهرمي بل الصين والهند، بالإضافة إلى دول الولايات المتحدة وألمانيا واليابان.

بينما ستزداد بعض المجتمعات، ستتقلص بعض المجتمعات الأخرى. ويتوقع أن يرتفع عدد سكان السودان البالغ ٣٩٫٤ مليون نسمة في الوقت الحاضر إلى ٧٣ مليون نسمة في عام ٢٠٥٠، بينما سينخفض العدد في بولندا من ٣٨٫٥ إلى ما لا يزيد عن ٣٠٫٣ مليون نسمة فقط (نفس عدد سكانها في عام ١٩٦٢). وهكذا، ستتغير النسبة الحالية البالغة ١:١ وتصير ٢:٥. ويتوقع أن يزداد عدد الباكستانيين الحالي من ١٦٤٫٧ إلى ٢٩٢٫٢ مليون نسمة، بينما سينخفض عدد اليابانيين من ١٢٧ مليون نسمة حاليًّا إلى ١٠٢٫٥ مليون نسمة. ومن ثم، ستزداد النسبة الحالية (١٠:١٣) إلى أكثر من الضعف وتصبح (١٠:٢٨). يبلغ عدد الأستراليين حاليًّا ٢٠٫٤ مليون نسمة، وسيزداد عددهم في غضون جيلين إلى ٢٨ مليون نسمة. وعبر المحيط الهندي، هناك موزمبيق الفقيرة التي يبلغ عدد سكانها الآن نفس عدد سكان أستراليا الغنية، لكن عدد سكان موزمبيق سيزداد ويصل إلى ٣٩٫١ مليون نسمة في عام ٢٠٥٠. وهكذا ستزداد النسبة من ١:١ إلى ٥:٧.

هنا وهناك، وفي كل مكان، سوف يكبر عدد السكان مثلما يكبر الناس، لكن مع فارق واحد هو أن الزيادة السكانية لا تموت. ولهذا الأمر عواقب ثقافية وسياسية واجتماعية واقتصادية ومالية. فالزيادة السكانية لا تموت، لكن قد يبتعد بعض الأفراد بالهجرة من بلدهم الأم، وحينئذ لا قيمة لجميع التكهنات حول الزيادة السكانية. ربما سيكون الكثير من الأشخاص الذين سيعيشون في أستراليا في منتصف القرن الحالي هم الجيلان الأول والثاني من الأحفاد الذين تحدروا من أشخاص تعود أصولهم إلى شرق أفريقيا، أو سيكون لملايين اليابانيين جذور باكستانية، أو ربما سوف تصبح شوارع بولندا نابضة بالحياة والزحام أكثر مما هي عليه في الوقت الحاضر.

سوف تشيخ أغنى المجتمعات أسرع من غيرها، فعلى سبيل المثال، سيتجاوز نحو ٣٠٪ من سكان ألمانيا سن الخامسة والستين في عام ٢٠٣٠. وفي غضون ثلاثين عامًا سيتساوى عدد الأمريكيين الذين تجاوزوا سن الخامسة والثمانين مع عدد من هم أقل من سن الخامسة. ويمكن رؤية هذا الآن ليس فقط في الجداول الإحصائية، بل على شواطئ فلوريدا، وفي نابولي متوسط عمر «الصبايا» اللائي يستلقين لأخذ حمامات شمس سبعون عامًا. ويشيخ أيضًا سكان الدول التي تسير نحو التقدم، لأن زيادة متوسط العمر هي أحد آثار التقدم الاقتصادي.

لقد ارتفع متوسط عمر الإنسانية من ٢٣٫٥ إلى ٢٦٫٥ سنة خلال النصف الثاني فقط من القرن العشرين، ومن المتوقع أن تقفز الزيادة إلى ٣٧٫٨ سنة خلال النصف الأول من القرن الحادي والعشرين. وسوف يزداد عدد الأشخاص الذين تجاوزوا سن الستين من ١٠٪ إلى نحو ٢٢٪. والآن، خُمس السكان تقريبًا في الدول المتطورة تجاوزوا سن الستين، وفي عام ٢٠٥٠ ستصل هذه النسبة إلى نحو الثلث. وفي العالم ككل سيرتفع متوسط العمر المتوقع للفرد بمقدار عشر سنوات من ٦٦ إلى ٧٦ عامًا.

دائمًا تطمس المتوسطات الحقائق وتبسط الأمور، فأي متوسط يمكن أن يعبر عن حالات وعمليات تختلف كل الاختلاف عن الواقع. إن متوسط العمر هو مقياس يتعين تناوله بحذر شديد، فمعدل وفيات الأطفال يؤثر عليه بالانخفاض الشديد. فمثلًا، إذا مات طفل في قرية أفريقية في سن الرابعة ثم استمرت أمه وعاشت حتى أتمت المتوسط العالمي للعمر البالغ ٦٦ عامًا، فإننا إذا حسبنا متوسط عمريهما معًا، فلن يتعدى ٣٥ عامًا. وهذا يفسر البيانات الإحصائية المروعة المتعلقة بطول العمر، أو بالأحرى قصر العمر في البلدان الفقيرة، لا سيما في أفريقيا. إن الآثار الاجتماعية والاقتصادية لهذا المتوسط تختلف تمامًا عن الحالة الأخرى عندما لا يعيش كلُّ من الأم والطفل أكثر من ٣٥ عامًا. وهذا أيضًا يمكن أن يحدث، لا سيما في البلدان التي أهلكها وباء فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، مثل سوازيلاند التي يبلغ متوسط عمر الفرد فيها ٣٢٫٢ عامًا، أو زامبيا حيث متوسط عمر الفرد ٣٨٫٤ عامًا.

ماذا ترى عندما تسافر إلى هذه البلدان؟ العديد من الأطفال والشباب، والقليل من كبار السن، لكن القليل جدًّا ممن هم في مقتبل العمر، وهذا بالضبط هو الجزء السكاني الذي يحدد مدى قوة النشاط الاقتصادي، ومن ثم، يحدد المستوى المعيشي. وسينخفض هذا المستوى بالضرورة عندما يقل عدد الأفراد القادرين على العمل والإنتاج، ويكثر عدد الذين يحتاجون الرعاية لأنهم لم يبلغوا سن العمل بعد، أو لم يعودوا قادرين على العمل. ومن المفارقات أن هذا بالضبط هو السبب وراء ضرورة وجود الكثير من الذرية: فمع أن تربية الأطفال تكلف الكثير، فإنه من الممكن الزج بهم إلى سوق العمل صغارًا باعتبارهم عمالة رخيصة. ثم بعد ذلك، إذا تمكن الوالدان من العيش تلك السنوات الستة والستين، فسيكون بإمكانهم دومًا العثور على شخص من بين الشباب الكثيرين لرعايتهم في كبرهم.

لهذه المجتمعات شكل يشبه شكل الساعة الرملية، عريضة عند القمة وعند القاع، وضيقة في المنتصف. ومن ثم فإن توسيع شريحة الوسط، وتضييق شريحة القاعدة في نفس الوقت، يجب أن تكون المهمة الأساسية لأي سياسة اجتماعية رامية إلى مكافحة الفقر. علاوة على أن الحملة ضد فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) أمر بالغ الأهمية أيضًا، لأن المرض يهلك الجزء النشط مهنيًّا من المجتمع أكثر من أي جزء آخر. وهذا يجب تغييره في المستقبل، وإلا ستصبح هناك مساحات شاسعة من الأرض يولد فيها الكثير من المواليد، ويموت فيها الكثير من الناس، ولا يعمل فيها إلا القليلون.

تستطيع أوروبا أيضًا أن تتوقع تغييرات جذرية في التركيبة العمرية لسكانها؛ إذ تتنبأ التوقعات بحدوث تراجع خطير في عدد السكان ممن هم في سن الالتحاق بالجامعة. وفي بعض الحالات — مثل حالة إيطاليا أو إسبانيا — سيحدث انهيار تام في عدد هذه الفئة. ومن المتوقع في عام ٢٠٤٥ تقريبًا أن ينخفض عدد الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين ٢٠ و٢٤ عامًا بنسبة تتجاوز ٤٠٪ في إيطاليا، وتقترب من ٥٠٪ في إسبانيا. ويتوقع حدوث انخفاض مماثل في فرنسا بنسبة تتجاوز ٨٪. ما الذي يمكن عمله لمواجهة هذا الأمر؟ كيف يجب أن تكون ردة فعلنا؟ ومن الذين سيجندهم الجيش إذن إذا اختفى الشباب؟ ربما إذا قل عدد جنود المشاة فسيقل عدد الحروب التي تدمر بلا طائل. لكن من الضروري أن نقلق بشأن رأس المال البشري على المدى المتوسط، وبشأن كيفية الاستعاضة عنه على المدى الطويل. لا يمكن أن تغلق الجامعات، كما أن استيراد طلاب من الصين والهند لن يحل المشكلة. والأهم من كل هذا أن هذه هي الفئة العمرية التي تتزوج غالبًا وتكون الأسر. قد لا يكون هناك الكثير من الأطفال يولدون الآن، لكن على الأقل يولد بعض الأطفال. وعندما لا يكون هناك آباء وأمهات؛ من أين سيأتي الأطفال إذن؟ فأسطورة طائر اللقلق المستوحاة من التراث الغربي للإجابة عن السؤال العسير الذي يطرحه الأطفال: «من أين جئتم بي؟» لن تحل هذه المشكلة، ولا حتى اليد الخفية للسوق.

ليس من السهل التحكم في معدل المواليد، لكن يجب تطبيق سياسة سكانية. هذه السياسة طويلة الأجل بطبيعتها، وبالتالي، تتطلب وسائل خاصة. لكن حتى عندما يكون هناك نجاح في التحكم في تشكيل التركيبة العمرية للسكان باستخدام التدابير الثقافية، وتدابير السياسة الاجتماعية في شكل مخصصات ميزانية خاصة، وإعانات للأسر، ورعاية مجانية للأطفال، وتوفير تعليم أساسي، وتخفيض للضرائب، فلن تظهر الآثار الإيجابية إلا بعد حدوث كل ذلك بوقت طويل.

ويمكن أن تكون الهجرة بمنزلة متنفس للاضطرابات المتزايدة — لا سيما في سوق العمل — التي تؤثر سلبًا على الأداء والنمو الاقتصاديين. ليس الهدف بالطبع أن نتخلص من كبار السن، بل أن يزداد عدد الشباب. وسيحدث تغير في التركيبتين العرقية والثقافية للسكان تبعًا لذلك، لكن هذه مسألة أخرى، ومشكلة أخرى. ولا شك أن المزيد والمزيد من هذا النوع من التغيرات سيحدث في المستقبل.

يعلمنا التاريخ دروسًا متنوعة، فاتجاه هجرة الشعوب لا يتغير على نحو جذري كما يحدث في الروايات الأدبية، وهو ليس بالضرورة شارعًا ذا اتجاه واحد يؤدي إلى أمريكا. ومن المفارقات العجيبة أنه خلال ربع قرن، في الفترة من ١٨٩٩ إلى ١٩٢٥، عاد ثلث المهاجرين البولنديين من أمريكا إلى ديارهم. كان أهم أسباب هذا عدم القدرة على التكيف، إذ لم يكن من السهل التأقلم مع متطلبات الثقافة الصناعية الأمريكية وما تنطوي عليه من منافسة حادة.

وفي فترة أخرى أكثر قربًا من الآن، من ١٩٩٦ إلى ١٩٩٧، كان عدد البولنديين العائدين إلى وطنهم أكثر من العدد الذي هاجر منهم، كان ذلك بعد أن تجاوز متوسط النمو السنوي لبولندا نسبة ٦٪ على مدى عدة سنوات. وهو الأمر الذي منحهم رؤية أكثر تفاؤلًا عن مستقبلهم في بولندا، وهذا هو العامل الحاسم؛ فالفرد لا يختار اتجاه هجرته بسبب الحالة الراهنة للأوضاع في المكان الذي يعيش فيه، بقدر ما يختاره بسبب رؤيته وتوقعاته لمستقبله في هذا المكان. ودائمًا تتأثر هذه التوقعات إلى حد ما بالحالة الراهنة، لكنها أيضًا تستمد من كيفية تصور المرء لمستقبله في موقعين مختلفين على الخريطة، فالهجرة تعني ترك مكان ما والوصول إلى مكان ما آخر.

يجب ألا نقتنع على الإطلاق بالوهم القائل إن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن الهجرات الكبرى، فهناك نحو ٢٠٠ مليون شخص يعيشون الآن بشكل دائم خارج بلدانهم التي ولدوا فيها، وسيرتفع هذا العدد ارتفاعًا كبيرًا. وهناك مناطق يشكل المهاجرون فيها غالبية السكان، على الرغم من أنهم حُرموا الجنسية ومُنعوا من ممارسة حقوق أساسية كثيرة، كما هي الحال في الدول العربية، التي تسعى إلى زيادة رخاء مواطنيها عن طريق استغلال احتياطياتها الوافرة من النفط والغاز، واستغلال الوفود الحاشدة من العمالة الرخيصة. فمثلًا، نصف عدد المقيمين في دولة الإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر والبحرين، الذين لا يتجاوز عددهم ٩ ملايين نسمة، من المهاجرين؛ معظم هؤلاء المهاجرين أتوا من بنجلاديش وباكستان والهند وسريلانكا والفلبين، وحديثًا من فيتنام. من بينهم أيضًا عدد لا يستهان به من المتخصصين المهرة من أوروبا وأمريكا الشمالية. يشكل المهاجرون ثلث سكان البحرين، وغالبية سكان قطر والكويت. ولا يمثل المواطنون سوى ٢٠٪ من مجموع سكان دولة الإمارات العربية المتحدة البالغ عددهم ٤٫٥ ملايين نسمة. وتعمل النخبة من مواطني هذه الدول على زيادة رخاء مستواها المعيشي عن طريق استغلال العمال المهاجرين على نحو لا يرحم ويقترب من درجة العبودية، وهم يتوهمون بأنهم سوف يتمكنون من التخلص بسهولة من هذا الكم الهائل من العمال الأجانب عندما لا تكون هناك حاجة لوجودهم. لكنهم لن يستطيعوا ذلك، فغالبية هؤلاء العمال سيبقون هناك، وكذلك أبناؤهم، مثلما فعل الملايين من الأفارقة ونسلهم عندما ظلوا في أمريكا بعد إلغاء العبودية، أو مثل الهندوس الذين استقروا في فيجي؛ وكانوا قد ذهبوا هناك في الأساس لكي يعملوا في مزارع إنتاج السكر بعقود عمل شبه طوعية كانت مدتها تصل عادة إلى خمس سنوات، وكانت شديدة الشبه بعبودية الإقطاع. كان من المفترض أن يعودوا لديارهم بعد انتهاء مدة عقودهم، لكن العديد منهم قرر البقاء. واليوم يمكننا أن نلاحظ أن نحو نصف سكان فيجي من أصول هندية. والعديد من المهاجرين إلى دول الشرق الأوسط المحرومين من حقوقهم اليوم سوف يفوزون بالجنسية وبامتيازات أخرى. بل إن البعض منهم يشعر — ولديه سبب وجيه للشعور بذلك — بالفعل وكأنه في وطنه الأم.

لقد حان الوقت لهجرة كبيرة أخرى. ومن الواضح أن مساراتها الرئيسية ستظل، كما كانت دومًا، من البلدان الفقيرة نحو البلدان الغنية. وسوف تزداد هذه العملية كثافة. وأي محاولة لوقفها بالقوة ما هي إلا مظهر من مظاهر الحماقة السياسية، فالسياسات الانتقائية التي احتجزت بعض الناس في المعسكرات ورحلتهم، وفي الوقت نفسه تدعو آخرين من بلدان أخرى للهجرة، هو دليل على إصابة البلدان الغنية بمرض الشك في الآخرين، فهم يرون أن أفراد الشعب الأول في الغالب أشخاص غير مؤهلين وهمج فقراء لا بد من إبقائهم خارج البوابات، في حين أن أفراد الشعب الآخر خبراء ومتعلمون في بلد آخر على حساب دافعي الضرائب في هذا البلد، ويفترض أن يؤدي وجودهم إلى توازن في سوق العمل المحلية عن طريق زيادة العرض.

في عام واحد — عام ٢٠٠٣ — منحت بريطانيا أكثر من ١٠ آلاف تأشيرة وتصريح عمل لأفراد من أفريقيا مؤهلين للعمل في مجال الخدمات الطبية والتمريض، بما في ذلك ٥٨٨٠ شخصًا من جنوب أفريقيا، و٢٨٢٥ من زيمبابوي، و١٥١٠ من نيجيريا، و٨٥ من غانا. وثلث الأطباء المقيمين في بريطانيا نالوا تعليمهم في البلدان التي هاجروا منها. ويقدر أن ٤١٪ من خريجي الجامعات في تنزانيا هاجروا وباتوا يعملون الآن في بلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بالغة التقدم. في أنجولا بلغت نسبة أبنائها المؤهلين الذين هاجروا للخارج ٥٧٪، وفي فيجي ٦٢٪. وفي هايتي، الأكثر فقرًا، تبلغ النسبة ٧٩٪، وفي جامايكا ٨١٪.

هذا بالضبط هو ما يعرف بهجرة الكفاءات أو استنزاف العقول، لكن ما هو أكثر من ذلك أن هذا الأمر ينطوي على شكل من أشكال الفصل العنصري. فبينما يجري التوسل للموظفين الذين تكون هناك حاجة ماسة إليهم من أجل أن يهاجروا إلى البلدان المتقدمة دون النظر إلى القدر الكبير من العجز الذي يسببه ذلك في صفوف الموظفين المؤهلين في بلدانهم الأصلية، يجري الإلقاء بموظفين آخرين من بلد المهجر خارجًا حتى بعد أن يكونوا قد تمكنوا من تثبيت أقدامهم في البلد الذي هاجروا إليه. أعتقد أن البلدان التي تعاني هجرة القوى العاملة المؤهلة ينبغي أن تُعَوَّض بسخاء وعلى نحو لا يقل عما يجب أن يدفع مقابل الخدمة التي توردها للبلدان الغنية. هذه ليست مسألة هجرة شخصية، لأن هذا النوع من تحويلات رأس المال البشري له عواقب داخلية بعيدة المدى على مجمل عملية إعادة الإنتاج في الاقتصاد الكلي. ومن نافلة القول أن نقول إن لهذا الأمر تأثيرًا متعدد الاتجاهات على القدرة التنافسية (ومن ثم على إمكانات التنمية) للبلدان التي تخسر العمال المؤهلين تأهيلًا عاليًا، والبلدان التي تكسبهم أيضًا.

وينبغي ألا يُنظر إلى الهجرة من وجهتي النظر النفعية والثقافية فحسب، ولا من خلال منظور عواقبها الاقتصادية فحسب. فمن العار أن الناس لا يزالون محرومين من حق حرية الهجرة في زمن العولمة المتقدم هذا، وفي الوقت الذي فُرض فيه على كل بلدان العالم، بما فيها أكثرها فقرًا، القبول بحرية انتقال السلع ورءوس الأموال، فعندما انتصبنا واقفين على قدمين وما عدنا نمشي على أربع حققنا الحق الأول من حقوق الإنسان: الحق في الحركة. والهجرة حركة. وستزداد سيادة هذا الحق في القرن الحادي والعشرين؛ إذ لا يمكن أن يظل هذا الحق يتعرض للقمع رهنًا بأوهن الذرائع. والحواجز والمتاريس والجدران والأسوار والأسلاك الشائكة كان ينبغي أن تكون قد صارت شيئًا من الماضي، لا أن تعاود ملاحقتنا في القرن العشرين. إن الخطب الرنانة التي تدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ما هي إلا نوع من الهزل عندما يكون الناس محرومين من حق الهجرة، فما الهدف من وجود العالم والحياة إذن إذا قُيدت الهجرة؟! هناك من يتعاملون مع جوازات السفر والتأشيرات باعتبارها وسائل لتقييد الناس بالأرض، وكأن ذلك نوع معاصر من الإلزام الإقطاعي أو الفصل العنصري، عدا أن الفارق هو أن القرية الآن قرية عالمية. ولا يمكن إلغاء التأشيرات تمامًا مثلما ألغيت إلزامات العمل الإقطاعي، لكن ينبغي الحد من قيودها على نحو جذري في المستقبل وعلى المدى الطويل، إذ سيشكل هذا نصرًا عظيمًا للتنمية على النطاق العالمي الكوني.

إن مواجهة التحدي الذي تفرضه الهجرة على الاقتصاد المعولم لا بد أن ترتكز على إجراء مركب وشامل من جانب أكثر أجزاء المجتمع العالمي ثراء. ويجب أن يعمل هذا كعامل حفاز للتنمية الاقتصادية لأفقر أجزاء هذا الاقتصاد من جهة، وأن يقيم أطرًا ثقافية ومؤسسية وسياسية رحبة لاستيعاب تيارات المهاجرين من جهة أخرى. وكلما سارعت البلدان الغنية بقبولها تخصيص جزء من ناتجها المحلي الإجمالي لدعم التنمية في البلدان الفقيرة على نحو رشيد، قل قدر الناتج المحلي الإجمالي الذي سيكون عليها تخصيصه ضمن ميزانياتها الوطنية للإنفاق على الحشود المتزايدة من الوافدين الجدد إليها من جميع أنحاء العالم؛ سواء المهاجرون الشرعيون أو غير الشرعيين.

وتجمع عوامل مثل انخفاض معدلات الولادة وزيادة طول العمر والهجرة الجماعية سيشكل ضغطًا غير مسبوق، بل لا يطاق على خدمات الرعاية الصحية ونظم التقاعد والخدمات الاجتماعية. وسيؤدي هذا على الأرجح إلى اندلاع الاحتجاجات والاعتصامات والثورات. وستتخذ هذه الاضطرابات شكلًا واحدًا في الدول الغنية ذات مؤسسات اقتصاد السوق الاجتماعي المتطورة، وستتخذ أشكالًا أخرى في البلدان التي لم تصبح غنية بعد، والتي لم تركز جيدًا على حتمية إرساء أسس مالية وتنظيمية ملائمة لمواجهة هذه التحديات، فالنرويج مثلًا، ستتمكن من مواجهة هذه التحديات، لكن هل ستتمكن البرتغال من ذلك؟ واليابان لديها فرصة للتعامل بنجاح مع هذه المشكلة، لكن ماذا عن فرنسا؟ والتعامل مع هذه المشكلة سيكون أسهل لإسبانيا من بولندا، لكن كلتا الدولتين ستواجهان مشاكل كبيرة، صحيح أنها لن تكون مستعصية كمشاكل المكسيك أو إندونيسيا، لكنها ستكون صعبة بما فيه الكفاية لإثارة الاضطرابات.

ولا يمكن ضمان السلام النسبي، بما في ذلك السيطرة على الهجرة البشرية، إلا بحدوث انخفاض كبير في معدل النمو السكاني في البلدان منخفضة الدخل. من الناحية الحسابية البحتة يؤدي كل انخفاض في معدل النمو السكاني نسبته ١ في الألف — أي عُشر في المائة — (مع افتراض أن كمية الإنتاج المطلقة تظل ثابتة) إلى حدوث نمو تلقائي في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنفس قدر هذا الواحد في الألف. ولو كان عدد سكان البرازيل زاد بنسبة ٠٫٥١٪ بدلًا من ١٫٠١٪، لكان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في عام ٢٠٠٧ نما بنسبة ٤٫١٪ — ما لم يتغير أي شيء آخر — بدلًا من ٣٫٦٪. وما هذا سوى تغير طفيف في سنة واحدة، لكن من شأن تكرار ذلك على مدار عشر سنوات أن يؤدي إلى حدوث زيادة في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة ٧٪، وإذا حسبنا الزيادة على مدى أكثر من ٢٠ عامًا ستصبح نسبة الزيادة في نصيب الفرد ٢٠٪. وهذه اختلافات كبيرة، من النوع الذي يمكنه أن يسفر عن تحسن نوعي في مجال التنمية؛ لذلك لا تقل محاولات الحد من النمو السكاني أهمية عن أهمية الجهود المبذولة لزيادة المستوى العام للنمو الاقتصادي؛ كلاهما أمر حيوي لتحسين الوضع المادي للسكان. لكن السؤال هو: كم عدد الذين يعنيهم بحق كيفية عيش البشر عمومًا؟

•••

ونعود لنواصل التطلع نحو المستقبل، ونصل إلى النقطة الثامنة التي تستحوذ على اهتمامنا على مؤشر البوصلة، والمتعلقة بالفقر والبؤس وغياب العدالة الاجتماعية. إن الكتابات المتخصصة التي تتناول «عدم المساواة والكفاح ضد الفقر» يمكن أن تملأ مكتبة ضخمة. وإذا أردت أن تكون سليطًا، يمكنك القول إنه كلما زاد عدد الخبراء الاقتصاديين الذين يكتبون عن عدم المساواة، زادت المعاناة من عدم المساواة. بالطبع، ليس هناك أي ارتباط بين هذا الأمر وذاك. ولكن يوجد ارتباط آخر: فبالنسبة لعدد لا بأس به من الخبراء ومنظمي العمل المجتمعي والصحفيين والسياسيين، ناهيك عن المسئولين، صارت الكتابة عن عدم المساواة والعواقب المترتبة على ذلك وسيلة جيدة لكسب الرزق. وصارت الأبحاث والاستشارات المتعلقة بمسألتي الفقر وعدم المساواة صناعة حرفية. وإذا أخذت في الاعتبار أموال المساعدات المخصصة لهذه المسألة، يمكنك أن تتأكد من أنها صناعة تبلغ استثماراتها عدة مليارات من الدولارات. وقد كتب بعض الكتاب في هذا السياق عن الاستعمار الجديد الذي تمارسه المنظمات الدولية عن طريق هذا المجال.17

إن رجل الدولة أو امرأة الدولة في المستقبل — ولا شك أن الأرض لا تزال قادرة على أن تجود ببعض السياسيين العظماء — قد يتساءل عما يجب أن يحتاط إليه، وكيف يمكن تشخيص الوضع، وما العلاج المناسب لتجنب اندلاع الثورة الكبيرة القادمة؟ يجب أن تكون الإجابة كما يأتي: إلى جانب التغيرات في البيئة الطبيعية والحركات السكانية، احذر من الفقر ومن عدم المساواة الاجتماعية وعواقبهما. لم تندلع أي ثورة في أي وقت مضى باسم عدم المساواة. ولن يطالب أي شخص عاقل على الإطلاق بالمساواة التامة التي قد تحتم أن نكون أكثر ظلمًا من بعض أشكال عدم المساواة. لكن الخطورة تكمن في عدم المساواة الناجم عن الظلم المفرط. يجب اتخاذ اللازم؛ قبل فوات الأوان.

أورخان باموق كاتب تركي، لا هو خبير اقتصادي ولا عالم اجتماع، لكنه الرجل الذي فاز بجائزة نوبل في الأدب عام ٢٠٠٦، ويقول في روايته «ثلج»: «لا يكفي أن تكون مظلومًا، بل يجب أيضًا أن تكون على حق! فمعظم المظلومين يكونون على خطأ إلى حد الحماقة تقريبًا.»18 وقد يرى شخص ماركسي أن الحياة، بصرف النظر عن مدى بؤسها، لم تنجح حتى الآن في تشكيل وعي الفقراء. صحيح أن كثيرًا من الفقراء سمحوا لأنفسهم بأن يُضلَّلوا، أو أن يُخدعوا إن شئت قول ذلك. بل إن الكثير منهم لا يعرفون حتى إنهم مضطهدون. لكن اليوم تنتشر الأخبار بسرعة، لا سيما الأخبار السيئة. ولن تلبث الترهات من عينة شعار: «ليس هناك خيار آخر» أن تصبح أخبارًا في صحف الأمس. ومعضلة المستقبل هي: هل ينبغي أن نعمل على تخفيض أعداد المقهورين، أم ننتظرهم حتى يتوقفوا عن السماح لآخرين بخداعهم ويبدءوا في تطوير وعيهم الثوري؟

تقترح فروع الاقتصاد الكلاسيكي، بما في ذلك الليبرالية الجديدة، سبلًا للحد من تفاوت مستوى الدخل. وهذا أمر يفترض أن يحدث نتيجة للتدفق الحر لرأس المال (لكن من المفهوم أن رأس المال البشري سيظل خاضعًا للقيود). وتفترض النظرية حدوث حركة شاملة لعوامل الإنتاج. وهذا الأمر ينبغي أن يؤدي إلى تخصيص رأس المال وتوجيهه إلى حيث يعود بأعلى ربح، ومن شأن تحويل رأس المال هذا إلى البلدان قليلة النمو نسبيًّا أن يحفز النمو فيها. ونحن جميعًا نعلم جيدًا أن هذه النظرية فشلت في الاختبار، ليس فقط لأننا نلاحظ زيادة تحويلات رأس المال التي تجري من بعض الدول الفقيرة إلى الدول الأكثر ثراء، بل الأهم من ذلك أن نظرية الليبرالية الجديدة الخاصة بالتقارب الاقتصادي لم تنجح عند التطبيق العملي. كان من المفترض أن تتطور البلدان الأكثر فقرًا تلقائيًّا بوتيرة أسرع من وتيرة تطور البلدان الغنية، لكن هذا ببساطة لم يحدث.

وحتى مع وجود أقصى حد من تحرير الاقتصاد، لن تتنقل عوامل الإنتاج من تلقاء نفسها ودون تدخل إلا إلى حيث يبدو مؤكدًا أنها ستؤتي ثمارها. وقد يتبين أن مجموعة كبيرة من أكثر الأماكن تعطشًا لرأس المال هي نفسها الأماكن التي لا يؤتي فيها الاستثمار ثمرته. ومن دون التدخل السليم على نطاق عابر للحدود أو حتى عالمي، يجب ألا نتوقع حدوث أي تغيير مهم. وبالتالي من غير المستغرب أبدًا أنه حتى عندما جرى إعادة تشكيل مساحات شاسعة من العالم وفقًا لنموذج الليبرالية الجديدة، لم تكن هناك أدنى إشارة إلى أن الفقراء والأغنياء — البلدان الأقل نموًّا والبلدان الأكثر نموًّا — يتقاربون بعضهم من بعض، فالفارق بين الدخل (التدفق) والثروة (مخزون الأصول) صار الآن أكبر مما كان عليه في أي وقت مضى.

السؤال الآن هو: هل سيستمر هذا الفارق في النمو؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما حدود التفاوت في مستويات المعيشة بين الأمم، وبين الفئات الاجتماعية في تلك الدول؟ أو يمكن أن نتساءل: هل اصطدم العالم بالفعل بحائط ووصل لطريق مسدود، وصار من الحتمي أن نضع على الفور حدًّا لتزايد التفاوت، ثم نمضي بعد ذلك لنعكس أثر الاتجاهات السلبية؟

دون الدخول في جدل حول أعشار نقطة مئوية، يبدو الحل المعقول لهذا إبطاء نمو التفاوت في الدخل وتسريع التنمية في البلدان الفقيرة، بالإضافة إلى مواجهة تحدي التفاوت الهائل جدًّا في بعض البلدان الغنية، وسيكون هذا في مصلحة الإنسانية والاقتصاد العالمي. وينطبق هذا على الناتج المحلي الإجمالي لبلدان بأكملها، وعلى دخول سكان تلك البلدان. نحن نعلم أن هذا سوف يتطلب حدوث تغير في القيم في المقام الأول، ثم حدوث تغير في الاستراتيجيات والسياسات التي ستنجم عن تلك القيم. لكننا نعلم جيدًا أيضًا أن هذا لن يحدث بالضرورة؛ لأنه يمكن بسهولة أن يتغلب الطمع والحماقة على الاعتدال والتدبر.

وقد لا يكون هناك قدر كاف من الاعتدال والتدبر لإنتاج سياسات تنمية قائمة على أساس البراجماتية الجديدة. وبالتالي ستظل السياسات تشي بعبق العقائد القديمة وبهيمنة المصالح الخاصة. وإذا كان الأمر كذلك فلن نلبث أن نواجه التوترات العدائية على نطاق عالمي. وهذا يعني أن التغلب على المشاكل سيجري على نحو عنيف، من خلال الثورات والصراعات، والهجرة الفوضوية وإعادة التوزيع غير المنظمة. وهذا سيسفر عن توقف نمو الدول الغنية، لكن في هذه الحالة سيكون توقف النمو أحد الآثار الجانبية للاضطرابات، وليس حلًّا استراتيجيًّا للقضاء عليها.

يحب الكثير من السياسيين وعدد قليل من الاقتصاديين أن يرددوا عبارة: «لا يمكن أن يستمر الحال على هذا المنوال». لكنه يمكن أن يستمر على هذا المنوال، فالتفاوتات الاستراتيجية، أعني ذلك النوع الذي يكرر نفسه من جيل إلى آخر، عوامل حاسمة، وستظل كذلك — كما يظهر بجلاء من خلال كل هذا التأويل للتاريخ وللعالم المعاصر — حتى مرحلة معينة من الزمن. وما من وسيلة في هذه اللحظة للتنبؤ بميعاد حلول هذه المرحلة، لكنها لن تكون بعيدة من الآن، بل على الأكثر ستحل في غضون جيل واحد. وحينئذ ستُختبر حدود صبر الإنسان وتسامحه الاجتماعي إزاء هذا القدر من عدم المساواة وما يستتبعه من استبعاد اجتماعي، بما في ذلك الفقر والبؤس. أما مسألة هل هذه الحدود ستُختبر حتى تصل إلى نقطة الانهيار، أو هل سيتدخل المنطق السليم لحل الأمر قبل فوات الأوان، فهذا شيء ليس أمامنا إلا أن ننتظره ونشهده. ونحن نعلم — لا بد أن شخصًا ما في مكان ما يعلم — ما ينبغي عمله لجعل الأمور أفضل، لكن لا أحد يدري هل سيجري عمل ما ينبغي عمله أم لا. والأسوأ من ذلك أن ثمة أسبابًا تجعلنا نظن أنه لن يجري عملُ ما ينبغي.

كما يقولون: طائر سنونو واحد لا يشكل سربًا. لكن عندما تغني طيور السنونو في كل مكان فقد حل الربيع إذن. والرئيس لولا دا سيلفا في البرازيل لم يلتفت لنصائح ملقني الليبرالية الجديدة. ولو كانت جميع المناطق الأقل نموًّا في العالم فعلت ما فعلته البرازيل في ظل رئاسته لكنا نجونا. أما الآن، فلا يسعنا إلا الانتظار لنرى إلى أين سيؤدي الطريق البرازيلي. هل هو توجه نحو تغيير هيكلي، أم ليس إلا تغييرًا عابرًا ومحدودًا؟

الحكومة البرازيلية تنتهج حاليًّا سياسة براجماتية غير تقليدية تختلف كل الاختلاف عن سياسة بلانو ريال التي سبقتها، ففي العقد السابق ركزت بلانو ريال على مكافحة التضخم، وكان هذا هو الإجراء الصحيح في ذلك الوقت. بيد أنه كان من السذاجة أن يتوقعوا أن هذا الإجراء وحده سيكون كافيًا لتحسين وضع الأعداد الغفيرة من الفقراء. فارتفع معامل جيني بجنون ووصل إلى ٠٫٥٩٦ في عام ٢٠٠١. وكان هذا أحد العوامل الحاسمة التي جاءت بحكومة لولا دا سيلفا اليسارية إلى السلطة من خلال انتخابات ديمقراطية.

وبفضل سياسة دا سيلفا الاجتماعية، جنبًا إلى جنب مع الانضباط المالي، انخفض معامل جيني إلى ٠٫٥٦٧ في عام ٢٠٠٥. ثم استمر في الانخفاض خلال ولاية الرئيس الثانية. كان هذا يحدث لأن التدخل الرشيد للدولة والسياسة الاقتصادية كانا يعملان على التنسيق بين مختلف محددات التنمية من أجل ضمان نمو أدنى الدخول بوتيرة أسرع من وتيرة نمو أعلاها. وعلى مدى السنوات الأربع من عام ٢٠٠٢ حتى عام ٢٠٠٦، زادت حصة الدخل التي يحصل عليها النصف الفقير من السكان من ٩٫٨ إلى ١١٫٩٪، وانخفضت حصة الدخل التي يحصل عليها أعلى عُشر السكان على سلم الدخل من ٤٩٫٥ إلى ٤٥٫٨٪. ولا يزال هذا تفاوتًا هائلًا يعرقل التنمية المتوازنة ويزيد من صعوبة تعويض الوقت الضائع، لكنه على الأقل يمثل انقلابًا ملموسًا في السياسات الكارثية التي كانت مطبقة من قبل. وإذا كان من الممكن الحفاظ على هذا الاتجاه فسيتحقق نجاح كبير. وستكون التوقعات بشأن مستقبل البرازيل جيدة.

ومن المهم أن نشيد بالبرنامج البرازيلي الناجح للقضاء على الجوع المسمى «لا جوع»، الذي يوفر إعانات من الميزانية توجه مباشرة للفقراء. وهي إعانات متواضعة تبلغ ٦٠ ريالًا (بما يعادل ٣١ دولارًا وفقًا لسعر الصرف، أو ٥٣ دولارًا وفقًا لتعادل القوة الشرائية) لأشد الأسر فقرًا، و١٢٠ ريالًا للأسر التي تعول أطفالًا دون سن الخامسة عشرة، شريطة أن يكون هؤلاء الأطفال في المدرسة. ويجب أيضًا أن يتلقى جميع المستفيدين لقاحات ضد الأمراض، ويجري توثيق هذه اللقاحات في كتيب خاص. وعلى الرغم من أن هذه تدابير بسيطة (مع ملاحظة أن الخدمات اللوجستية أبعد ما تكون عن البساطة، نظرًا للحالة المزرية للبنية التحتية ولقطاع الخدمات)، فإنها تستطيع أن تسهم في فعل الكثير من الخير.

هذا يكلف مالًا، لكن من أين يأتي المال؟ في الواقع، تكلفة هذا الأمر ما هي إلا جزء صغير مما تنفقه كثير من الدول على التسلح أو على الروتين الحكومي العقيم والمستفحل، ومن ثم من الممكن توفير بعض المدخرات لهذا الشأن. ويستطيع المجتمع الدولي أن يساعد بسهولة. فمثلًا، إذا منحت نسبة بسيطة لا تتجاوز الجزء من الألف — ٠٫١٪ — من الناتج المحلي الإجمالي لدول مجموعة السبع ودول الاتحاد الأوروبي إلى الدول الفقيرة لتمويل هذه الأغراض، فقد يصل مبلغ هذه النسبة إلى نحو ٣٣ مليار دولار، وهذا مبلغ من شأنه أن يغير وجه العالم. صحيح أنه لن يعطي العالم وجهًا إنسانيًّا بين عشية وضحاها، إلا أنه على الأقل سيعطيه وجهًا أكثر إشراقًا، لا يشوهه تجهم الجوع. ويمكن أن يسفر تنفيذ التدابير البرازيلية عن حث نصف مليار أسرة في جميع أنحاء العالم على إرسال أطفالها إلى المدارس وتحصينهم ضد مختلف الأمراض. فهل يمكن أن تكون هناك وصفة من أجل التنمية ومكافحة الفقر أفضل من محاولة إنتاج جيل أصغر سنًّا وأوفر صحة وتعليمًا؟

لا شك أن الأرقام الكبيرة المذكورة فيما سبق مثيرة للإعجاب، لكن الأرقام الصغيرة أيضًا تخبرنا بالكثير؛ إذ ما الذي يمكن أن يعنيه هذا الجزء من الألف من ميزانية أولئك الذين يتوقع أن يساهموا في ذلك؟ في الولايات المتحدة سيصل المبلغ إلى ٤ دولارات شهريًّا من ميزانية الشخص الواحد، وفي بولندا سيصل إلى نحو ٢٫٥ زووتي، أو أقل من دولار واحد. أي إن الأمر لا يتطلب إلا توافر إرادة، وأشخاص يتسمون بمواصفات رئيس البرازيل. ويتطلب أيضًا، على وجه الخصوص، مفهومًا نظريًّا، وإرادة سياسية، ومهارة حقيقية في حل المشاكل التنموية. وعندئذ يمكننا أن نكف عن قول: «لا يمكن أن يستمر الحال على هذا المنوال»، وأن نتوقع أنه لن يستمر فعلًا على هذا المنوال.

ومن المستغرب أنه لم يُنجز إلا القليل في هذا الصدد، على الرغم من:
  • الوعي الهائل باقتصاديات التنمية.

  • وفرة الخبرات الإيجابية في ميدان تذليل العقبات التي تحول دون حدوث النمو.

  • الإنجازات التي تحققت حتى الآن في مجال الحد من نطاق الفقر.

  • المستوى العام للثروة ولحجم تراكم رأس المال في بعض أجزاء العالم.

يجب أن يفهم الناس هذا الأمر، وأن يرغبوا في فعل شيء حياله، وأن تتوافر لديهم دوافع حقيقية للعمل. يجب أن يكون البعض على استعداد لدفع تلك الدولارات الأربعة أو اﻟ ٢٫٥ زووتي، ويجب أن يكون البعض الآخر على استعداد لتنظيم عملية تحويل الملايين والمليارات الناجمة عن دفع هذه المبالغ إلى البلدان الفقيرة. ويجب على المستفيدين من وراء هذه المبالغ أن يبذلوا جهدًا هائلًا للحيلولة دون إهدار هذه المساعدات. ويتطلب حل المشاكل وجود تنسيق بين القيم والمؤسسات والسياسات. وهنا يمكن أن يكون التطبيق البارع لنظرية المصادفة في مجال التنمية أمرًا لا يقدر بثمن، لكن في بعض الأحيان، وفي أمور صغيرة، يكون كل ما يتطلبه الأمر هو بعض المنطق السليم، والأمانة في المقام الأول، لأن غياب هذه الأشياء هو أكبر عقبة أمام الكفاح ضد الفقر وضد انعدام المساواة الذي يعوق التنمية.

•••

إن التقدم في مجال التعليم والأبحاث، وإنشاء نقاط انطلاق جديدة للاقتصاد والمجتمع القائمين على المعلومات، لهما أهمية كبيرة في تشكيل المستقبل. وهما يمثلان النقطة التاسعة لمؤشر البوصلة التي نستشرف من خلالها الأفق أمامنا، فتوسيع نطاق التعليم وتحريره من القيود سيثمر حصول المليارات من سكان الأرض على العلم والمعرفة اللذين يمثلان قيمتين عظيمتين في حد ذاتهما، وهما أيضًا أداتان لا تقدران بثمن لتحقيق التقدم الاقتصادي. وفي المستقبل سوف يعتمد النشاط الاقتصادي البشري بدرجة متزايدة على المعرفة، وهذا من شأنه أن يغير أسلوب عمل المجتمع.

لقد تعلمنا من هيجل وماركس أن الحياة تشكل الوعي، لكن العكس صحيح أيضًا، فتأثير الوعي — لا سيما ضمن الطبقة المثقفة — على الاقتصاد وتنميته، ومن ثم، على الأوضاع المادية للحياة، ليس هينًا على الإطلاق، لأن هناك آلية تغذية رجعية قوية قادرة حتى على أن تجعل هذه العلاقة السببية أكثر قوة في المستقبل، لأن دور المعرفة في عمليات الإنتاج يتزايد باستمرار. وقد جرى التعامل مع العلوم والبحوث والمعارف على مدى عقود على اعتبار أنها العوامل المباشرة في عملية الإنتاج، والتي يزداد وضوح أهميتها أكثر فأكثر. والمعرفة هي أحد العناصر الحيوية لتشكيل الوعي. إننا نقول: «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، وصحيح أيضًا أن نقول: «أنا أعلم، إذن أنا أستطيع».

تنظر بعض المناهج النظرية إلى المعرفة، جنبًا إلى جنب مع الأرض (الموارد الطبيعية) ورأس المال والأيدي العاملة، على أنها تستحق معاملة منفصلة باعتبارها إحدى المتغيرات التي تقرر زيادة الإنتاج. وهذا يعتمد على الكيفية التي ننظر بها إلى رأس المال؛ فإذا تعاملنا معه على نحو غير تقليدي ولكنه عصري، وعلى اعتبار أنه لا يقتصر فقط على رأس المال الحقيقي ورأس المال النقدي، بل يشمل أيضًا الإنسان ورأس المال الاجتماعي، فلا مبرر إذن للتعامل مع المعارف تعاملًا منفصلًا. ومن الأفضل والأكثر وضوحًا من الناحية المنهجية أن نتعامل مع المعرفة بمعناها الواسع، بوصفها عاملًا منفصلًا يؤدي إلى نمو الإنتاج وإلى التنمية الاجتماعية الاقتصادية، فهي متغير يجب أن يؤخذ في الاعتبار بوصفه فئة مستقلة في نماذج النمو الذي تسهم فيه عوامل متعددة. وهذه بالضبط هي الطريقة التي تتعامل بها نظرية المصادفة مع المعارف. أما فيما يخص المستقبل فيجب أن ندرك أن دور المعرفة — باعتبارها جزءًا حيويًّا من رأس المال البشري، وعلى الرغم من ازدياد وضوح أهميتها أكثر فأكثر — سيكون متباينًا بين حالة وأخرى.

شيء جيد أن يظل المرء متحفظًا تجاه كل هذه الثرثرة الدائرة حول بناء اقتصاد قائم على المعرفة. وقد يسأل سائل هذا السؤال البسيط: ما البديل العكسي لخيار الاقتصاد القائم على المعرفة؟ أهو الاقتصاد القائم على الجهل؟ فبصرف النظر عن قلة ما قد يعرفه الناس فهم على الأقل يعرفون شيئًا، أليس كذلك؟ لا يوجد شيء يعرف بالاقتصاد القائم على الجهل. وجميع الأعمال التجارية — شأنها في ذلك شأن أي حضارة — قائمة في أعمق أسسها على المعرفة. والفارق اليوم أن المعرفة صارت أكبر من أي وقت مضى، فالممتازون اليوم من طلبة المدارس الثانوية أو من طلبة الكليات يعرفون أكثر مما كان يعرفه بعض الفائزين بجوائز نوبل قبل قرن من الزمان. إنهم يعرفون، لكنهم لا يفهمون بالضرورة ما يعرفونه، وهنا يكمن الفارق. ولن يقتصر الأمر في المستقبل على استمرار زيادة المخزون المعرفي، وبمعدل هائل، بل سيزداد أيضًا شيوع فهم جوهر الأمور. ستزداد أهمية القدرة على الاستفادة على نحو خلاق من المخزونات الضخمة من المعرفة في مضاعفة القيم المادية والروحية على جميع مستويات الاقتصاد، بدءًا بالمستوى الجزئي في الشركات، ومرورًا بالمستوى الكلي في الاقتصادات الوطنية، ووصولًا إلى مستوى الاقتصاد الهائل على النطاق العالمي.

والمفهوم الذي نحن بصدده هنا غامض بطبيعته، وسيظل هكذا. وفي السياق النفعي يمكن أن نُعرِّف الاقتصاد القائم على المعرفة بأنه اقتصاد تترتب فيه عوامل الإنتاج بحيث يتزايد قدر مساهمة الأشخاص الذين يعرفون أكثر في عملية النمو. ولا يمكن أن يكون هناك شك في أن الاقتصاد، والمجتمع الذي يعمل الاقتصاد من خلاله، ستتحسن قدرتهما على استغلال المعرفة لتحقيق النمو شيئًا فشيئًا. نعم، يمكننا أن نطمح إلى هذا الحد. لكن رغم ذلك، سيظل علينا أن نزرع ونحصد، وأن نصطاد ونحرث، وأن نحمِل ونحمِّل، وأن نطحن وننقب بحثًا عن المعادن، وأن نقص ونحيك، وهلم جرًّا. ومع ذلك فستقل أعداد الناس الذين يفعلون هذه الأشياء، وستتضخم صفوف الناس الذين يقضون معظم وقتهم في التفكير. ومما لا شك فيه أن المثل القائل: «التفكير له مستقبل» ليس جديدًا. وقد أضاف أينشتاين صفة: «عظيم» فصار للتفكير مستقبل عظيم، لكن حتى هذا كان القدماء يعرفونه، فقد كان للتفكير مستقبل في تلك الأزمان، وسيكون له مستقبل أعظم في المستقبل.

يجب أن نحذر من الضغط الاستثنائي الذي يأتي من مختلف أنحاء المجتمع الأكاديمي، الذي يتعامل أفراده ببساطة مع فكرة وجود اقتصاد قائم على المعرفة بصفتها مبررًا للدعوة إلى تحسين أوضاعهم المادية. وأنا شخصيًّا ليس لدي أي اعتراض على زيادة رواتب الأساتذة. لكن ازدياد مكاسبهم، سواء المباشرة أو تلك التي تتأتى عن طريق المنح، لا يعني بالضرورة ازدياد إمكانية أن يكون لدينا اقتصاد قائم على المعرفة، إلا إذا ترجمت هذه الزيادة في رواتبهم تلقائيًّا إلى مَدد أكبر من المعرفة. وهذه العلاقة البسيطة ليست موجودة. ولكي تصبح حقيقة، لا بد من حدوث عدة أشياء أخرى في مجالات الثقافة، والقانون، والسياسة.

إن الأماكن التي يُخصص فيها قدر أكبر من التمويل العام للبحوث ليست بالضرورة هي نفس الأماكن التي يصبح الاقتصاد فيها أكثر اعتمادًا على المعرفة. ومع ذلك لا شك أن الاقتصاد سيكون كذلك حيث تركز الشركات على استخدام المعرفة لتحسين قدرتها التنافسية عن طريق إنتاج منتجات حديثة ومبتكرة، ومن خلال الإدارة البارعة، والتطوير المتواصل للأوضاع الوظيفية للعاملين فيها، والتمويل الجاد للبحوث، لا سيما البحوث التطبيقية. وسيظل جزء كبير من البحوث الأساسية يُموَّل تمويلًا عامًّا، على الرغم من أن انتشار نظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص سيصبح واعدًا. إلا أن أقوى الشركات العالمية فقط، إلى جانب بعض المؤسسات الثرية على نحو استثنائي، هي التي ستكون قادرة على تمويل البحوث الخاصة الأساسية.

إن حال البلدان الناجحة اقتصاديًّا يدل بوضوح على أن زيادة معدل التنمية يتحقق حيث يركز قطاع الصناعات على الابتكار التقني والتنظيمي. وللأسف لا يمكننا أن نتوقع أن نرى هذا في أكثر البلدان احتياجًا للنمو السريع؛ أعني البلدان الفقيرة، فالاقتصاد القائم على المعرفة نوع من الرفاهيات التي لا يمكن أن تتحمل نفقتها سوى الدول الغنية، حيث تمتلك الشركات وفرة من رأس المال، وحيث يمكن أن تتحمل الدولة كلفة المشاركة في تمويل البحث والتطبيق، وتكون لديها الرغبة في ذلك.

أما البلدان الفقيرة، فيجب أن تعمل تدريجيًّا على تحسين منظومتي الاقتصاد والإعلام. ولا ينبغي لأحد أن يركن للوهم بأن هذه البلدان يمكنها أن تتجاوز مراحل التنمية وتقفز للبدء في إنتاج أشياء كانت البلدان الغنية قد استغرقت وقتًا طويلًا لكي تبدأ في صنعها. صحيح أن البرازيل يمكنها تصنيع الطائرات المحلية لأنها تعلم كيفية فعل ذلك، وهذا يثير إعجاب بلدان أخرى، لكن الأشياء التي ينبغي أن تحاكيها هذه البلدان الأخرى من النموذج البرازيلي ليست الطائرات، بل برامج مثل برنامج القضاء على الجوع. ويمكن بناء الاقتصاد القائم على المعرفة حيثما حُلت المشاكل الهيكلية لرأس المال البشري بالقضاء على الأمية، وبتحقيق مستوى فعال من التطور التقني. لدى غالبية البلدان الكثير مما يلزم عمله في هذا الصدد.

إن بناء اقتصاد قائم على المعرفة — أو ربما من الأفضل أن نقول اقتصاد يقوم بدرجة متزايدة على المعرفة — يتطلب التسلسل والتدرج الصحيحين، ففي أي اقتصاد هناك قطاعات بعينها تلعب دورًا رئيسيًّا، وقطاعات أخرى تنضم لها. وبمرور الوقت ستؤدي القيمة المتزايدة للنشاط التجاري إلى خلق قيمة مضافة تنمو أكثر فأكثر، عن طريق استغلال الموارد الفكرية البشرية لا الموارد المادية للأرض. بعض الدول في هذا العالم هي التي تتقدم الركب، والبعض الآخر يحاول اللحاق بها. ومع مرور الوقت ستظهر هذه الدول الأخيرة بوادر تبشر بالمزيد والمزيد من النمو الاقتصادي القائم على رأس المال البشري المحلي لا على رأس المال الحقيقي. ودائمًا سيظل رأس المال المالي مهمًّا، لا لسبب آخر سوى أنه ضروري للاستثمار في استنبات رأس المال البشري، لكن المعرفة تكلف مالًا.

ويمكن أن نقول إن الاقتصاد القائم على المعرفة يشبه قليلًا حال أي بركة عندما يقوم شخص ما برمي حجر فيها، إذ تسفر الطاقة الأولية التي دخلت إليها عن حلقات من التموجات تتسع أكثر فأكثر. وفي مجال الاقتصاد ينتشر تطبيق المعرفة في مكان واحد إلى جميع الأنحاء المجاورة، ومن ثم، إلى الشركات والصناعات والقطاعات الجديدة. وما دامت الدفعة الأولى قوية بما يكفي فستظل الموجات تتسع أكثر فأكثر بحيث تنضم البلدان والمناطق الأخرى، وذلك بفضل نشر المعرفة، لا سيما ما يتعلق منها بالبحث والتطبيق.

ما الذي يمكن أن يعنيه هذا من وجهة نظر ثروة الأمم؟ إن الدول التي تتربع على قمة الهرم العالمي سوف تقدم أكبر مساهمة في اقتصاد المعرفة من خلال الاختراعات. ثم ستليها في ذلك المجموعة كبيرة العدد من الدول ذات المستوى المتوسط للتنمية، التي سوف تسهم في الغالب بالابتكار. وأخيرًا تأتي أكبر المجموعات، وتتألف من دول فقيرة نسبيًّا تسعى إلى تحسين وضعها عن طريق التقليد في أغلب الأحيان. وسيقود هذا النموذج الثلاثي — الذي يتألف من الاختراع والابتكار والتقليد — الاقتصاد العالمي بأكمله إلى الأمام. سيعزز الفعالية على نحو شامل، وربما يساعد الدول الأقل نموًّا على تعويض ما ضاع من الوقت، على الرغم من أنها ليست بالضرورة في حاجة لفعل ذلك.

وستعتمد أمور كثيرة اعتمادًا على الحلول القانونية والمالية المتعلقة بالتراخيص وبراءات الاختراع والوصفات والتصميمات والعلامات التجارية وحقوق النشر. وإذا نظرنا إلى خريطة العالم التي تمثل توزيع حقوق الملكية الفكرية فسنرى كم هي أكثر كثافة من توزيع احتياطيات الطاقة. والآن باتت حقوق الملكية الفكرية أكثر قيمة منذ فترة ليست بالقصيرة؛ ففي عام ١٩٣٨-١٩٣٩ حصلت فرنسا مقابل فستان صممه أحد كبار مصممي الأزياء على نفس القدر الذي دفعته مقابل استيراد عشرة أطنان من الفحم، واستطاعت مبادلة لتر واحد من العطور الفرنسية بألف لتر من البنزين. وهنا لا تتعلق المسألة بالتكنولوجيا فحسب، بل أيضًا بالعلامات التجارية، التي يمكن أن تكلف في بعض الأحيان أكثر مما تكلفه المواد التي تدخل في صنع المنتج واليد العاملة فيه. ويميل أصحاب هذه الحقوق — شأنهم في ذلك شأن الأرباح التي تتأتى من ورائهم — إلى التمركز في الدول الغنية، ولا يعزى ذلك إلى مزاج الطبيعة — كما هي الحال في طريقة توزيع المواد الخام على الأرض — بل إلى وفرة إبداع العقل البشري في هذه الدول.

لو افترضنا أننا استطعنا، بطريقة أو بأخرى، رسم خريطة تبين توزيع المواهب على مستوى العالم، لرأينا أنها موزعة في جميع أنحاء العالم على نحو أكثر عدلًا من توزيع المواد الخام أو توزيع الملكية الفكرية. لكن الموهبة وحدها، من دون المعرفة والدعم المالي، لا تساوي إلا القليل. ولأسباب مفهومة ليست الدول الغنية حريصة بالضرورة على تقاسم معارفها ومهاراتها مع الدول الأخرى. إن الدول الغنية لا ترغب في أن تكون غنية فحسب، بل ترغب أيضًا في أن تظل أكثر ثراء من الآخرين. ولا شك أن الحفاظ على تفوقها العلمي والتقني هو أضمن وسيلة لتحقيق ذلك. وسيزداد التنافس في هذه المجالات خلال العقود والقرون المقبلة. إن التضارب في المصالح الذي كان يحتمل أن ينتج عن النزاعات قد نشأ الآن حول التكنولوجيات المرتبطة بالتسليح العسكري، بالإضافة إلى النزاعات حول مجموعة من المنتجات الأخرى كالأدوية. وهذا سيؤدي إلى الحروب التي لن تكون دموية لكنها ستكون حقيقية وصامتة عادة، لأن أجهزة المخابرات، لا الجيوش، هي التي ستقاتل.

من ناحية، كلما اتسعت المعرفة إلى ميادين جديدة اتسع نطاق النشاط الاقتصادي الذي يمكن وصفه بأنه قائم على المعرفة في كل بلد، بما في ذلك أكثر البلدان تطورًا. ومن ناحية أخرى سيزداد أيضًا عدد البلدان التي يجري فيها هذا النوع من النشاط. وسيزداد حجم الجزء الذي يعزى إلى الاقتصاد القائم على المعرفة من الناتج المحلي الإجمالي بسرعة في جميع أنحاء العالم، لكن ستتحقق أعلى زيادة له خلال العقود القليلة المقبلة في البلدان التي تبلغ الآن درجة عالية من التطور. وعندئذ سيقل ثقل الناتج المحلي الإجمالي. ربما يكون له ثقل، نظرًا لأن جزءًا منه متجسد في مختلف المنتجات التي لها ثقل. فعلى مدى العقدين الماضيين انخفض ثقل الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بنحو ٢٠٪. ويمكن أن نلاحظ نفس الظاهرة، لكن على نطاق أصغر، في البلدان الأقل تقدمًا من الناحية التكنولوجية.

وربما يستمر اتساع الفجوة التنموية التي تفصل الدول الغنية — ذات الناتج المحلي الإجمالي «الخفيف» نسبيًّا — عن الدول الفقيرة والأقل نموًّا، أو على الأقل عن تلك الأماكن التي يتحدد فيها اتساع هذه الفجوة بمدى العجز في التعليم وفي نوعية رأس المال البشري. لكن على المدى البعيد، بعد أن يوضع الأساس اللازم لدعم رأس المال البشري هذا دعمًا سريعًا — بالقضاء على الأمية، وتوفير تعليم ثانوي عام وتعليم جامعي لائق، وإرساء قاعدة للبحث والتنمية — سيصبح من الممكن تجاوز حلم إقامة اقتصاد قائم على المعرفة إلى مرحلة وجود هذا الاقتصاد على أرض الواقع بالفعل.

ما الأشياء الجديدة التي سيجلبها المستقبل؟ هل ستكون ببساطة أشياء تؤدي إلى قدر أقل من الكد والعرق وإلى مزيد من التفكير؟ لا، سيتعدى الأمر ذلك بكثير. إن المعرفة مثل جميع الموارد الأخرى: فالمهم، ليس أن تملك المعرفة فحسب، بل المهم أيضًا أن تعرف كيف تنتفع بها. وفي المستقبل لن يحالف النجاح سوى القطاعات والفئات المهنية والبلدان والمناطق التي يمكنها أن ترسي المعرفة، والأهم من ذلك التي تعرف كيفية استغلالها. فمثلًا، لا فائدة لمعارف مبرمجي الكمبيوتر الذين يتحدثون اللغة الإنجليزية من نيجيريا وكينيا، ولن تؤدي تلك المعارف لأي نتيجة نافعة ما داموا يستغلون معرفتهم هذه في القرصنة. وستستمر إساءة استغلال جميع المهارات المهنية للفيزيائيين من إيران ومن كوريا الشمالية إلى أن يأتي الوقت الذي تُسخر فيه هذه المهارات لخدمة سياسات رشيدة تضع التقدم العلمي والتقني في خدمة التنمية. وستفشل جميع المعارف الموجهة لإقامة نظام الدفاع الأمريكي الجديد المضاد للصواريخ، وكذلك تلك الموجهة لإقامة النظام الروسي المضاد للصواريخ، في تحسين مستوى الأمن الدولي، بل ستضر أيضًا بالتنمية، لأنها تشكل إهدارًا لرأسمال نفيس. إن معرفة المزيد ليست كافية لضمان الاقتصاد القائم على المعرفة. بل يجب أن نعرف كيفية الاستفادة بهذه المعرفة. وينبغي أيضًا أن يزداد اعتماد السياسة على المعرفة.

منذ أواخر القرن التاسع عشر كان التوجه نحو توسيع نطاق النشاط الاقتصادي نتيجة لثورة المعرفة — لا سيما المعرفة العلمية — توجهًا ظاهرًا. ونحن لا نزال نقول إن الحاجة أُم الاختراع. لكن في الواقع هذا يتغير، لأن الاختراعات دومًا تخلق حاجات جديدة، فإذا أمعنت النظر حولك، من أدوات المطبخ إلى الخدمات المصرفية ومن أجهزة الكمبيوتر إلى السيارات الناطقة، ستدرك أننا لم نخترع هذه الأشياء لأننا كنا بحاجة لها، بل إننا أصبحنا بحاجة لها (بعضها على الأقل) لأننا اخترعناها.

«الاقتصاد القائم على المعرفة» يزيد هذه الظاهرة. وفي الاقتصاد غير القائم على المعرفة ظهرت التجارب قبل النظريات. وتضمن التقدم الفكري خلق أداة أو وسيلة أو آلة، أو صيغة، أو تكنولوجيا أو منتج نهائي أفضل، لكن هذا لم يتحقق إلا عن طريق التجارب، وعن طريق التجربة والخطأ. والآن تظهر النظرية قبل التطبيق، فنحن أولًا نتوصل للسبب في عمل شيء ما أو في حدوثه، ثم لا يحدث هذا الشيء إلا لاحقًا.

من الصعب على الاقتصاديين ألا يسألوا عما إذا كان هذا ينطبق على تخصصهم أيضًا. وهو ينطبق — بدرجة متزايدة — على تخصصهم، لكن ليس على نحو كامل. ويرجع هذا لأسباب ذكرناها من قبل في بداية هذه الحكاية، فعندما تقل الأيديولوجية وتكثر البراجماتية، وعندما يصبح الاقتصاد علمًا، سيكون الأمر كذلك. وعندما تتزايد المشاكل أكثر وأكثر سنعرف أولًا كيف يحدث أمر ما (ومن ثم لماذا يحدث)، ثم يحدث هذا الأمر بعد ذلك. إن إحدى المفارقات في وقتنا الحاضر، وربما في المستقبل، أنه على الرغم من أننا نعيش عصر الاقتصاد القائم على المعرفة، فإن السياسة الاقتصادية لا تكون بالضرورة قائمة دائمًا على أساس المعرفة وعلى أساس الاكتشافات التي توصل لها علم الاقتصاد. وإلى أن يحدث ذلك لا نستطيع التحدث عن اقتصاد قائم على المعرفة بحق. ولا يزال هناك الكثير من العمل يتعين علينا إنجازه.

•••

سيكون هناك مزيد من التقدم العلمي والتقني في تخصصات أخرى بخلاف الاقتصاد. وتشير النقطة العاشرة في بوصلتنا لاستشراف المستقبل إلى طبيعة هذا التقدم وديناميكياته وعواقبه. ماذا يمكن أن نتوقع، ومم يجب أن نخاف؟ يقدم التاريخ درسًا مختلطًا؛ إننا نعلم تمام العلم بأن العقل البشري سُخِّر في كثير من الأحيان لخدمة الأهداف الشريرة. ومهمتنا الأولى في المستقبل هي ضمان أن تصبح العلوم والتكنولوجيا داعمتين للتقدم، لا مدمرتين له، فلدى العلم إمكانات كبيرة لتشكيل مستقبل خلاق ومتقدم وسلمي، لكن هذا لا يضمن أنه سيكون داعمًا للتقدم. ربما سيكون كذلك، لكن ليس بالضرورة. وإذا عمل ثالوث الثقافة والقانون والسياسة على نحو صحيح، فقد يصبح العلم في خدمة التقدم.

هل سيجلب لنا القرن الحادي والعشرون اختراعًا عظيمًا ثامنًا، ليلحق بالاختراعات العظيمة السبع بدءًا بالوقوف على قدمين لا أربع، والنار، والعجلة، والنقود، والطباعة، والكهرباء، وشبكة الإنترنت؟ أم سيكون علينا أن نواصل الانتظار؟ وماذا سيكون هذا الاختراع الثامن؟ لم يحدث من قبل على مر التاريخ أن كان لدينا كل هذا القدر الهائل من المعرفة المسبقة؛ فعندما طبع جوتنبرغ الكتاب المقدس لأول مرة عام ١٤٥٤، لم يكن ليحلم بأنه سيأتي يوم سيتمكن فيه الملايين من الناس من قراءة الكتاب المقدس على ضوء المصباح الكهربائي. وعندما ضغط إديسون مفتاح اللمبة الأولى عام ١٨٧٩، لم يكن أبدًا ليتصور أن استدعاء الكتاب المقدس عبر شبكة الإنترنت اللاسلكية بنقرة واحدة سيكون ممكنًا. ولم يكن أي شخص ليعلم ما سيحدث لولا ظهور شبكة الويب العالمية. وحتى حينئذ لم تكن الأمور واضحة منذ البداية. ففي عام ١٩٨٩، عندما قدم تيم بيرنرز لي — الذي صار اليوم سير تيموثي — مقترحًا لإنشاء موقع إلكتروني على شبكة الإنترنت في المنظمة الأوروبية للبحث النووي، أو المعمل الأوروبي لفيزياء الجسيمات، (المعروفة اختصارًا باسم «سيرن») في جنيف، التي أشرت إليها من قبل، كتب رئيسه معلقًا على هذا المقترح: «غامض لكنه مثير». وفي عام ١٩٩٤ كان هناك نحو عشرة آلاف موقع إلكتروني على شبكة الإنترنت. وفي عام ٢٠٠٧ صار هناك أكثر من مائة مليون موقع. وفي عام ٢٠١٠ أصبح هناك أكثر من ٢٠٠ مليون موقع. وسيتوقف الناس عن العد، لأن هذه المواقع ستكون ببساطة منفعة عامة عالمية. وهذا أكثر إثارة مما حلم به مؤسسو الإنترنت.

هل نعرف ماذا يمكن أن يكون الاختراع التاريخي المقبل، أو هل لدينا حتى فكرة عامة عما سيكون؟ لم يكن من الممكن ظهور أي اختراعات على مدى تاريخ البشرية إلا بتراكم كميات هائلة من المعارف ومن خلال إرساء الأساس النظري، إلا الاختراعات الخمسة العظيمة الأولى، فكل ما تطلبته هذه الاختراعات كان الفضول، والجرأة، وتكرار المحاولات، وعملية عفوية، وفكرة ذكية.

هناك مؤشرات عديدة تجعلنا ندرك ما هو قادم، فقد تغيرت الأمور، ومنذ أواخر القرن التاسع عشر بات من الضروري أن يكون للنظرية مكان، وأن تُجمع المعلومات اللازمة قبل أن يظهر أي اختراع عظيم. فالعلوم تتصور شيئًا ما يتحقق بعد ذلك في العالم الحقيقي، وجوهر الاختراع وآليته أمران باتا مفهومين تمامًا، أو تقريبًا. فالمفهوم النظري والتفسير العلمي يسبقان الخطوة التقنية الفعلية نحو الأمام، والتكنولوجيا تشكل ناقلًا للحركة بين الأفكار العلمية والممارسات الثقافية والاقتصادية. وهناك الكثير من الأمور تجري حاليًا، والشيء العظيم المقبل آت لا محالة عاجلًا أو آجلًا، ومن المرجح أنه سيأتي عاجلًا. ومن المرجح أيضًا أنه سيكون متعلقًا بالتحكم في المراحل المبكرة من الحياة وفي مسارها، بما في ذلك المرض وطول العمر. وهذا سيأتي ثمرة للتقدم في بحوث الفيزياء والكيمياء وعلم الوراثة وعلم الأحياء، وبمساعدة من الإمكانات الحسابية وإمكانات المحاكاة لأجهزة الكمبيوتر. لكن مرة أخرى، أرى أن أكثر الأمور إثارة للاهتمام هي تلك التي ستحدث في نقاط التواصل بين فروع العلم المختلفة. فالدراسات متعددة التخصصات لها مستقبل عظيم.

إننا نعرف، بالنظر إلى القرن العشرين، أن الفيزياء هي التخصص الذي أهدى الإنسانية اثنين من الإنجازات الضخمة، على الرغم من أن هناك بعض الذين يقولون إننا نميل إلى المبالغة عندما نقيم أهمية التكنولوجيا الجديدة.19 أول هذه الإنجازات كان قدرة عالية على التحكم في قوى الطبيعة. فقد تم تسخير بعضها، وإن لم يكن ذلك يجري دائمًا إلى الحد الذي يشجعنا على الاستغراق في نوم هانئ ليلًا، فقد عشنا أكثر من نصف قرن في ظل سحابة نووية. والإنجاز الثاني الذي يجعل القرن العشرين يختلف عن كل ما قبله وما بعده هو القدرة على نقل الناس والبضائع والمعلومات إلى كل الأنحاء من خلال منظومة جديدة تمامًا من حيث الكمية والسرعة والمسافة والراحة. لقد غيرت هذه الابتكارات — من السيارة والطائرة، إلى الكمبيوتر والإنترنت — وجه العالم للأبد.

واليوم، بالتطلع نحو المستقبل، لا نعرف، أو بالأحرى، لسنا على يقين من أن علم الأحياء سيلعب دورًا مماثلًا في القرن الحادي والعشرين. والآن يبدو وضع علم الأحياء مشابهًا لوضع الفيزياء منذ مائة سنة مضت، لا من حيث المشاكل المحددة التي يتعين حلها أو الابتكارات التي على وشك الظهور، بل من حيث الشعور بأن هذا التقدم يجب أن يؤدي إلى مستقبل رائع بقدر ما هو غامض. الفيزياء أيضًا كان ينظر إليها على نفس هذا النحو تمامًا.

سوف نعرف الأجوبة في غضون مائة سنة. وستصبح الأشياء المثيرة التي يلفها الغموض اليوم أشياء شائعة. والقفزات الكبيرة إلى الأمام لا يمكن أن تحدث إلا ضمن سياق طويل. فمثلًا، إذا تتبعنا التغيرات التي طرأت على السيارات خلال السنوات المائة الأخيرة، فسنرى أن التعديلات التي تجري من طراز عام إلى طراز العام الذي يليه تبدو تعديلات طفيفة. لكن إذا قارنا سيارة من طراز تي لشركة فورد بأحدث طرازات السيارة تويوتا بريوس، سنشعر كأننا في عالمين مختلفين. فكلا الطرازين له عجلات أربع وعجلة قيادة واحدة، لكن هذا فقط هو ما يجمعهما من تشابه. وهذا بالضبط هو شكل الفارق الذي يحدثه مرور مائة عام. فقبل انقضاء مائة عام ستكون التغييرات عديدة ومستمرة حتى إنه لا يبدو لمن يلاحظ أن هناك أشياء كثيرة تتغير، وأن هذه الأشياء تحدث ببطء. لكن في الواقع تتغير الكثير من الأمور وبسرعة. فالبشر مثلًا، لم يتغير شكلهم منذ مائة سنة مضت، لكنهم الآن يتلقون تعليمهم على نحو مختلف، ويعملون ويقضون الإجازات على نحو مختلف، ويتلقون العلاج الطبي بأساليب مختلفة، وسوف يموتون بطرق مختلفة.

أي التغييرات ينبغي أن نرحب بها، وأيها ينبغي أن نرفضه؟ هناك الكثير من الجدل في مجالات الطب، وعلم الوراثة وعلم الأحياء وحتى الفيزياء. وستزداد أيضًا أهمية مجالي الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية في العقود المقبلة. هذا أمر غير مؤكد، لكنه مرجح بقوة. والتجربة البريطانية في مجال الاستنساخ التي أنتجت دوللي، النعجة الأكثر شهرة في العالم عام ١٩٩٧ كانت بمنزلة افتتاح رمزي للحقبة الجديدة. وبالرغم من أن الحقبة الجديدة كانت قد بدأت في وقت سابق، فإن ذلك الحدث كان اللحظة التي وضعتنا على مسار جديد نحو المستقبل.

لقد أصبحت إجراءات بسيطة تجري في مجال الهندسة الوراثية أمورًا روتينية. والأمور التي كانت خيالًا علميًّا في مطلع تسعينيات القرن العشرين باتت الآن جزءًا من الواقع. وأولى براءات الاختراع أخذت بفضل تجارب أجريت على كائنات حية اصطناعية، أو بالأحرى كائنات حية جرى تخليقها بطريقة غير طبيعية في الظروف المختبرية. وفي الحقيقة لا يزال معظم الناس عاجزين عن أن يصدقوا أن هذه الأمور صارت ممكنة، أعني تخليق الكائنات والإجراءات القانونية التي تخضعها لحقوق الملكية الفكرية. لكنها في النهاية ستعود عليهم بالفائدة، لا سيما فيما يتعلق بالسبل التي يمكن أن تطيل أمد حياتهم. أو هكذا نأمل.

إن القضايا المطروحة في هذا الصدد ليست قضايا فكرية فقط؛ لأنها صارت تتضمن بعدًا أخلاقيًّا أكثر من أي وقت مضى. وهذه القضايا يجري عرقلتها أو اعتراض سبيلها في المقام الأول بفعل أدوات سياسة رسمية، ومحظورات إدارية، ورأي عام يتشكل بفعل جهود جماعات الضغط الخاصة، ودائرة واسعة من الجماعات الدينية والكنائس، ويليها في المقام التالي كما هي الحال دائمًا وسائل الإعلام الطيعة التي تكون مستعدة للقيام بواجبها دائمًا. هذه ليست محاكم تفتيش ولا هي أحكام حرق على الخازوق، لكنها مع ذلك تمثل محاولات غاشمة لعرقلة أو دحض الأمور التي بتنا اليوم نعدها حقائق واضحة، مثل حركة الأجرام السماوية أو تحدر الإنسان من فصيلة القرود؛ فنظرية كوبرنيكوس عن مركزية الشمس ونظرية داروين عن تطور الكائنات لم تحظيا بالقبول والاعتراف إلا بعد حدوث الكثير من الجلبة والاضطراب. واضطر بعض المخترعين والمكتشفين إلى تحمل التعذيب كي تحظى الحقيقة بالاعتراف. وهذا شيء ينبغي لنا ألا نغفله، فرد الفعل الوحيد الذي يمكن الثبات عليه من جانب المخترعين هو الإصرار على مناقشة مزايا القضية، وتقدير الحجج العقلانية، والمخاطر الحقيقية في ندوات علمية ومنتديات للرأي العام.

من ناحية لا مناص من وجود بعض التحفظات على أمور في مجال حديث مثل مجال الهندسة الوراثية نظرًا لقلة الخبرة وعدم ثبوت الآليات التنظيمية. وهناك الكثير من الأمور لا بد أن نقلق بشأنها. فقد صار من الممكن استخراج حمض نووي من كائن حي وإدخاله إلى كائن حي آخر. وهذا يحطم الحدود العتيقة الراسخة بين الأفراد، وحتى بين الأنواع. ومع أن التعديل الوراثي في حد ذاته ليس شيئًا جديدًا في الطبيعة، فإن الكثيرين يعتبرونه ممارسة ضارة بالطبيعة، أو تنتهك القانون الإلهي.

ومن ناحية أخرى هذه المناورات المعرقلة ما هي إلا عقبات مؤقتة، فإذا كان هناك شيء يمكن خلقه فسيخلق. ويوما مًا في المستقبل البعيد سيبدو كل هذا طبيعيًّا، مثلما يبدو طبيعيًّا الآن قول البعض إن الإنسان قد تطور، ولم يُخلق إنسانًا، أو أن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس. لا شك في أن هذه الأمور ستصبح اعتيادية، على الرغم من أن ذلك قد لا يحدث قريبًا حتى في زمن أحفاد أحفادنا. ولا أشك أيضًا في أن بعض أشكال التقدم المحتملة سيكون من الواجب حبسها بالقفل والمفتاح، تمامًا كما يفعل البشر حاليًّا مع أشياء معينة أنتجها العقل البشري كالأسلحة النووية والبيولوجية والكيماوية.

هكذا ستكون الحال. ولن نخوض مخاطرة نسيان العديد من مهارات القدماء وإنجازاتهم — مثلما حدث للبشرية منذ خمسة عشر قرنًا — ونضطر إلى انتظار ألف سنة حتى يظهر بعض منها (كالطباعة الصينية مثلًا) ثم يعاد تطويرها من جديد أثناء عصر النهضة. هذا المصير لا يهددنا لأسباب كثيرة. ففي السابق لم يكن يتمتع بمهارات التطور إلا دائرة ضيقة من العلماء والفنانين والحرفيين، أما الآن فقد باتت أعداد هائلة من الناس تملك هذه المهارات. وعلى الرغم من أن أكثر المعارف تطورًا تتركز في بقاع بعينها في العالم، فإن هذه البقاع المضيئة كثيرة جدًّا على الخريطة، وسيزداد عددها أكثر فأكثر.

كتب فوكوياما يقول: «إن السؤال الجوهري الذي تطرحه التكنولوجيا الحيوية هو: ماذا سيحدث للحقوق السياسية فور أن نصبح قادرين بالفعل على تخليق بعض الناس بسروج على ظهورهم، وتخليق آخرين بأحذية ذات مهاميز؟»20 لكن أليست تلك هي الحال بالفعل الآن؟ إن بعض الناس يولدون في حظائر على رمال صحراء كالاهاري في بتسوانا أو في المزارع الجماعية في القفار المهجورة في سهول روسيا، في حين يولد آخرون في أسر المتعلمين البيروقراطيين في جابورون أو أسر الأثرياء الجدد من رجال الأعمال في موسكو. وينتمي آباء بعض الناس لمؤسسة من المؤسسات المالية في باريس، وينتمي آباء آخرون للمهاجرين الذين يجري إيواؤهم في ضواحي البونيليو البائسة. أليس صحيحًا أن بعض الأطفال (الكثير منهم) يقضون طفولتهم في بؤس الأحياء الفقيرة في مومباي، ويقضي أطفال آخرون طفولتهم في حجر النخبة من رجال الأعمال في المدينة نفسها؟ لا شك أن الأطفال في الحالة الأولى قد ولدوا فعلًا «بسروج على ظهورهم»، وأن الأطفال في الحالة الثانية ولدوا «بأحذية ذات مهاميز».

إن بعض التكهنات المستقبلية التي تكاد تكون نوعًا من الخيال العلمي لا تأخذ في الحسبان أننا ربما جبلنا بالفعل على هذا النحو عند دخولنا إلى العالم لقضاء حياتنا طالت أو قصرت، فنحن نتشكل منذ الميلاد نتيجة للعلاقات الاقتصادية والهياكل الاجتماعية، والتحالفات السياسية السائدة. وسيظل الناس يولدون إما بسروج أو بمهاميز، ليس بسبب التلاعب الجيني غير المرغوب فيه، بل بسبب غياب التعامل المنشود على المستويين الاقتصادي والسياسي.

هناك تخصصات أكاديمية جديدة آخذة في الظهور نتيجة لارتفاع مستوى التقدم في المجالين العلمي والتقني، ونتيجة لتنامي الاتجاه متعدد التخصصات. وسيثمر إحراز تقدم في مجال البحث والابتكار مزيدًا من التخصصات، وستصبح بعض المواد النظرية والتطبيقية ذات الأهمية البالغة للتنمية تخصصات مستقلة. والاتجاهات الرئيسية الناجمة عن تقاطع الطبيعة مع المجتمع مع التكنولوجيا مع الاقتصاد تشير إلى أن المواقع الإلكترونية للجامعات ستظهر أقسامًا جديدة، مثلما سبق أن أضيفت من قبل أقسام علم البيئة، والتكنولوجيا الحيوية، والهندسة الوراثية، وتكنولوجيا النانو، وعلوم الفضاء، والبيولوجيا الجزيئية. وستصبح الدراسات العالمية حقلًا جديدًا ومستقلًا يركز على الترابط بين البيئة والثقافة والسياسة والاقتصاد ضمن سياق المنظومة العالمية. ومن الملائم تمامًا أن يطلق على هذا الفرع العلمي: الدراسات التطبيقية للكوكب، نظرًا لأنه العلم الذي سيختص بشئون كوكب الأرض.

لا شك أن الحاجة ستظل أم الاختراع في بعض المناطق التي ستحرز تقدمًا عظيمًا، لا سيما فيما يتعلق بالتقنيات الجديدة التي تستهلك الطاقة بكثافة، فالموارد غير المتجددة ستنفد وستزداد حدة أزمة الطاقة. وسيحدث الكثير في مجال هندسة المواد وتكنولوجيا النانو، وهو فرع علمي لا يزال حديثًا إلى درجة أن العديد من برامج الكمبيوتر التي تصحح الإملاء لا تزال تبرزه بخط أحمر باعتباره خطأ إملائيًّا. وسيستمر ظهور مصطلحات جديدة لوصف أشكال التقدم في التكنولوجيا والتنظيم.

والإدارة كلمة يجب أن توضع في الاعتبار، نظرًا لأن إدارة التدفقات والأصول — البشرية والحقيقية والمالية والمعلوماتية — أمر عظيم الأهمية، لا سيما في البلدان التي تعاني تراجعًا. ويمكن لهذه البلدان أن تقطع أشواطًا كبيرة للأمام في عمليتي تنظيم عمليات الإنتاج والتوزيع، وإدارة الأفراد والشركات. وهذا ما كان يشار إليه في السابق باسم التقدم غير القائم على الاستثمار، مما أعطى انطباعًا مضللًا يشير إلى أنه يمكن تحسين الوضع من دون أي تكلفة. ومع ذلك يمكن لهذه الأنواع من التغييرات أن تعزز الكفاءة بتكلفة أقل من التكلفة اللازمة لإقامة طاقة إنتاجية جديدة أو لتنفيذ تكنولوجيا حديثة.

فعندما تظل لساعات أو لأيام في انتظار حافلة أو شاحنة متهالكة في بنين أو إريتريا، تجد نفسك على وشك الانفجار غيظًا رغبة منك في تحسين إدارة منظومة النقل، التي تشكل حجر زاوية للتوسع الاقتصادي، وتنسى في بعض الأحيان أن عدم وجود إدارة هو في حد ذاته شكل من أشكال الإدارة. فالناس هناك لا يزالون بحاجة إلى إدراك قيمة الوقت. ففي أكثر المجتمعات تقدمًا من الناحية التقنية، تتفوق قيمة الوقت على قيمة المال. والآن يلوح في الأفق تحدٍّ جديد للإدارة يتمثل في كيفية الاستفادة من الموارد المتزايدة لوقت الفراغ، الذي يمكن قضاؤه — أو تضييعه — في الاستهلاك، أو في التعلم واكتساب الثقافة، أو في التسلية والترفيه، أو في الرياضة.

ستحدث أشياء كثيرة في مجال الإلكترونيات، فبعض الابتكارات سيحسن نوعية الحياة، والبعض الآخر لن يكون إلا أدوات لا طائل من ورائها. ويمكن لأي مشغل إم بي ثري أو جهاز آي بود — أو أيًّا ما سيكون اسمه من توابع هذه الأجهزة — ذي ذاكرة كافية أن يصلح لتخزين مزيد من الموسيقى، وبقدر أكبر مما يمكن لأي شخص أن يستمع إليه طيلة حياته. وستستقبل أجهزة بنفس حجم الآي بود مئات القنوات التليفزيونية، على الرغم من أن أحدًا لا يستطيع أن يقول لنا ماذا يمكن أن يكون الغرض من وراء هذا. وفي غضون ربع قرن ستكون أجهزة الكمبيوتر الموجودة في المنازل أو المكاتب قادرة على محاكاة أداء الحواسيب العملاقة اليوم. لكن هذا التقدم لا يزال ناقصًا، ما دام لا يوجد احتمال لوجود أرصفة متحركة تقل التلاميذ إلى مدرستي القديمة.

•••

سوف توجد شبكة الإنترنت في كل مكان، في جميع أنحاء الكوكب وأبعد من ذلك. وشبكة الإنترنت هي النقطة الحادية عشرة التي يشير إليها مؤشر البوصلة. بل هي أيضا أكثر الأدوات التي اخترعت على مر التاريخ مثالية لمراقبة كوكب الأرض، والأشياء التي تحدث، والسبب في وقوعها، بالمعنى المجازي وبالمعنى الحرفي، وبدرجة متزايدة.

شبكة الإنترنت ستمكننا قريبًا من رؤية الجميع، أو على الأقل من معرفة أماكن وجودهم. مثال ذلك برنامج سكايب، حيث يمكننا تتبع كل شخص يضبط صفحته بحيث تكون مرئية للآخرين. وبينما أكتب هذه الكلمات، يوجد ٢١٫٤ مليون مستخدم للإنترنت. وفي غضون ثلاثين عامًا لن يستغرق الأمر سوى نقرة واحدة فقط بالفأرة لتحديد موقع كل فرد، وإقامة اتصال لاسلكي مع أي شخص تقريبًا. بالطبع كان العالم لاسلكيًّا عبر تاريخه كله تقريبًا؛ فقد كان بمقدورك الاتصال بأي شخص ما دمت موجودًا في نطاق الصوت المسموع.

كان يشار إلى ثورة الكمبيوتر التي قامت في أواخر القرن العشرين — لسبب وجيه — بعصر المعلومات. وعلى الرغم من أن الكثيرين ما زالوا لا يملكون المفتاح ولا حتى الباب الذي من المفترض أن يفتحه، فليس هناك شك في أن هذه الثورة قد زادت إلى حد بعيد ثروة أجزاء شاسعة من العالم. وهي تركز على استخدام التكنولوجيا الرقمية — استخدام الرموز العددية للنص والصور والصوت — وعلى السهولة غير المسبوقة لتخزين ومعالجة واستخدام جميع أنواع المعلومات في مجالات التعليم والعلوم والتكنولوجيا والثقافة والاقتصاد.

ستشهد العقود القادمة الثورة اللاسلكية، استمرارًا لثورة المعلومات لكن في مرحلة جديدة. فنقل البيانات اللاسلكية سيمكننا من الوصول إلى المعلومات الرقمية حول كل الأمور تقريبًا وبتكاليف منخفضة للغاية بحيث ستكون تكاليف رمزية تقريبًا.

وهناك أوجه تشابه بين تقديم ونشر التكنولوجيا اللاسلكية حاليًّا وتقديمها ونشرها في المستقبل، وبين الاستخدام واسع النطاق للمحركات الكهربائية في الأجهزة بدءًا من مطحنة القهوة وآلات الخياطة والمصاعد في النصف الأول من القرن العشرين، إلى استخدام أجهزة الكمبيوتر على نطاق واسع في الأجهزة بدءًا من أجهزة الراديو إلى مصابيح الشوارع والطائرات في النصف الثاني من هذا القرن.21 وتشكل أوجه التشابه هذه مرشدًا؛ فمعرفة ما حدث من قبل يخبرنا الكثير عما سيحدث في المستقبل.

ماذا ستكون عواقب هذه التغيرات المستقبلية؟ معظم هذه العواقب سيكون مفيدًا، وبعضها سيكون مروعًا، وجميعها سيكون صدمة في البداية. في بولندا مثلًا لم يكن لدينا في الماضي سوى كشك هاتف واحد لخدمة مشروع سكني بأكمله، وفوق هذا كانت الأسلاك تنقطع في بعض الأحيان؛ قارن ذلك بالانتشار العالمي للهواتف المحمولة في كل بيت اليوم، وبانعدام القلق بشأن مسألة الأسلاك (على الرغم من احتمال وجود مشاكل بين الحين والآخر في تغطية الهاتف المحمول). ولا تزال ثمة أجزاء من العالم لا تحتوي العديد من المنازل فيها حتى على هاتف محمول، لكن حتى في تلك الأجزاء من العالم حيث لا تزال الاتصالات اللاسلكية أمرًا حديثًا؛ تظهر خدمات جديدة، لا سيما فيما يتعلق بالتمويل الشخصي، ففي أفريقيا تساهم الهواتف المحمولة في تعويض قصور النظام المصرفي. وهناك شبه خدمات مصرفية متاحة عن طريق الهاتف المحمول في جنوب أفريقيا، وحتى في الكونغو؛ إذ يمكن للمشتركين أن يدخلوا معلومات حاسوبية بإرسال رسائل نصية قصيرة تمكنهم من اختيار حساباتهم، وفتح حسابات جديدة، وإجراء التحويلات، ودفع بعض الفواتير. وفي كينيا لا يملك حسابات مصرفية سوى نحو ثلاثة ملايين شخص، لكن هناك مليون شخص يستفيدون من خدمة تحويل الأموال عبر الهاتف المحمول. وفي بتسوانا ١٧٪ من الناس الذين لا يملكون حسابات مصرفية لديهم هواتف محمولة. ويمكن للتكنولوجيا اللاسلكية أن تلعب دورًا متزايدًا في التغلب على أوجه القصور في البنية التحتية المادية، وعلى عدم توافر الخدمات التقليدية. هذا سيؤثر تأثيرًا إيجابيًّا على الكفاءة الاقتصادية والأحوال المعيشية.

هذه «الثورات» القادمة ستتنوع نتائجها تبعًا للفائدة التي ستعود من وراء نقل البيانات اللاسلكية على كلٍّ من الإنتاج والتوزيع والاستهلاك. وعمومًا ستساعد التحسينات في مستوى الإدارة على رفع الكفاءة عن طريق جعل العمليات أقل استهلاكًا للمواد الخام وللطاقة، وفي الوقت نفسه، عن طريق تنظيم انسيابية إدارة المخزون وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد البشرية. وستحقق قطاعات الاقتصاد التي تتطلع إلى سمة الاستناد إلى المعرفة تقدمًا سريعًا. مع ذلك سيكون هناك أيضًا الكثير مما ينبغي أن نتعلمه. وبقدر ما هو من الممكن أن نتعثر في أكوام من الورق الذي يحتوي على معلومات زائدة عن الحاجة، سيكون من الممكن أيضًا — ومن الأسهل بكثير — أن نجد أنفسنا غارقين في قدر كبير من الكلمات والأرقام واستجابات الكمبيوتر، والصور غير الضرورية لكن في شكل رقمي. هذه الفكرة ستظل تظهر في الأفلام الكوميدية، وعام ٢٠٣٦ سيضحك الناس بنفس القدر الذي ضحكوا به عندما كانوا يشاهدون فيلم «العصور الحديثة» لشابلن عام ١٩٣٦، حتى إذا لم يكن المخرج هو شابلن، فالأرض ستظل تجود بصناع أفلام عظماء في كل حين.

بعض أجهزة الاتصال ستتواصل بعضها مع بعض باستمرار وستتبادل المعلومات لتحسين أدائها. ولن نضطر إلى حمل المستندات من مكان لآخر، لأنها سوف تذهب معنا أينما ذهبنا. وسنظل مضطرين للسير إلى المدرسة، لكن حقيبة الكتب ستكون أخف وزنًا، أو ستنتقل لاسلكيًّا إلى حيث نذهب. وبينما نتسوق، سترد لنا المعلومات من ثلاجة المنزل لتخبرنا عما نحن في حاجة لشرائه، وستقدم رفوف المتاجر أوامر طلبيات لتجار الجملة، الذين سيخبرون المصنعين بالمنتجات التي تحظى بالطلب. وسيعرف الأطباء إجابة سؤالهم المألوف: «كيف حالك؟» قبل أن ندخل إلى عياداتهم، أما هل سيشعر المرضى بأي تحسن فيما بعد أم لا؟ فتلك مسألة أخرى. وسيمتلك كثير من الناس أجهزة ليست متاحة الآن إلا لأفضل الجيوش تجهيزًا، وستسمح لهم بمراقبة الأحداث والتواصل. ولن يضل أي من القطط أو الكلاب التي نربيها في منازلنا، لأننا سنعرف مكانها دائمًا.

وسيكون من الصعب أيضًا أن يضل الناس طريقهم، وهذا سيكون مصدر راحة للبعض، ومصدر إزعاج للبعض الآخر. وسيغير انفجار ثورة نقل البيانات اللاسلكية بجميع أنواعها موقفنا تجاه المآزق الأخلاقية. ولن تبقى الحميمية والخصوصية، وحماية المعلومات الشخصية على أحوالها الراهنة. فحتى اليوم، عندما توقف الشرطة سائقًا في حالة سكر على الطريق السريع بين هلسنكي وتوركو، يمكنها أن تكتشف على الفور ليس فقط كمية الكحول في دمه، بل يمكنها أيضًا باتصال لاسلكي، معرفة مقدار ما يكسبه. ويستخدم جهاز محمول هذه القياسات ليصدر إيصالًا بالمخالفة على الفور يعكس مدى خطورة المخالفة ومدى قدرة السائق الخبيث على دفع الغرامة. وهذا يسلط ضوءًا جديدًا على ثلاثة كيانات مألوفة هي: قانون المرور، وشرطي المرور، وإيصال المخالفة. الآن، يقرر الناس، في وجود أشخاص آخرين، أن يقدموا معلومات عن أنفسهم وأن يعالجوا تلك المعلومات ويستخدموها. فماذا سيحدث عندما تتصل الأجهزة بعضها مع بعض متخلية عن دور الوسيط البشري؟ من الذي سيراقب أجهزة المراقبة؟ أجهزة أخرى؟ يمكننا هنا أن نرى حجم ما ينبغي إنجازه في مجالي التكنولوجيا والخدمات اللوجستية، وكذلك في مجالي القوانين والسياسات.

ومثل النار يعتبر جوجل أيضًا أداة قوية أعطيت للبشرية دون مقابل، فهو أكثر بكثير من مجرد محرك بحث. لأنه يجمع بين الصور الفوتوغرافية الفضائية ونظم الملاحة الفضائية ليمكننا من تحديد موقع كل شارع وحارة في المدن الكبيرة، وقريبًا، في النجوع والجبال الجليدية أيضًا. وقريبًا أيضًا، سنكون قادرين على مراقبة من يقفون في الفناء الخلفي لديارهم، مثلما كان سكان القرى يحاولون اكتشاف صاحب المدخنة التي ينبعث منها الدخان. وهناك برامج خاصة تستعين بصور الأقمار الصناعية لتعقب الجروف الجليدية لمراقبة تأثير أبعادها على ظاهرة الاحتباس الحراري. ويمكننا رصد مخيمات اللاجئين في دارفور، أو المخيمات على الحدود بين تشاد والسودان، وهو أمر مهم لتشكيل ضغط شعبي وسياسي للتأثير على المجتمع الدولي لإجبار الحكومة في الخرطوم على أن تفعل شيئًا حيال تلك الأزمة الإنسانية.

إننا نستفيد حاليًّا من التطبيقات المفيدة التي أطلق عليها جوجل اسم «الأدوات». ولا تزال أدوات جديدة تضاف إليها باستمرار، وتظهر بعض أسماء هذه الأدوات كم هي مذهلة. ومنذ وقت ليس ببعيد كانت هذه الأدوات تعد من قبيل الخرافة. ففي الماضي كان الناس يجوبون الأفق المرئي ببصرهم محاولين توقع أحوال الطقس. أما الآن فيخبرنا برنامج التنبؤ بالطقس بأحوال الطقس الراهنة، بل بتوقعات الطقس للأيام القليلة المقبلة. هذا مفيد لكثير من المسافرين. وهناك أيضًا الساعة العالمية التي تخبرنا بالأماكن التي حل فيها الليل والأماكن التي أشرقت فيها الشمس، والأماكن التي لم تغرب الشمس فيها بعد. وبالجلوس أمام الكمبيوتر يمكننا بلمحة أن نرى أحوال الطقس في الحرم الجامعي في آرهوس، وبلمحة أخرى يمكننا أن نتحقق هل ارتفعت الشمس في سماء نيوزيلندا بعد أم لا، وهل بالإمكان إرسال بريد إلكتروني إلى أحد الأشخاص هناك، أم أن الوقت لا يزال مبكرًا.

في الأيام الخوالي كان الناس يخرجون إلى الشرفة الأمامية لإلقاء نظرة على الجوار من حولهم، والآن، المزيد من الناس يفعلون الشيء نفسه لكن وهم جالسون أمام أجهزة الكمبيوتر ويتصفحون الإنترنت. وهذا ليس بديلًا عن السفر الحقيقي والاحتكاك بصعوبات مكان ما، لكنه يختلف كل الاختلاف عن تحريك إصبعك على الخريطة، وهو أقصى ما كان يمكن لمعظم الناس القيام به في القرون الغابرة. ومن المفارقات — وبفضل اتساع نطاق التطور — أن الشباب في بعض أجزاء العالم، التي يتسم التعليم فيها بمحدودية الإمكانات، درسوا من خلال رؤية الخريطة على الكمبيوتر، لكنهم لم يشاهدوا خريطة حقيقية. وإن ما سأذكره صعب التصديق، وهو أن ما يقدر بنحو ٢٥٪ من البشر على وجه الأرض لا يزالون لا يعرفون كيف يبدو كوكبهم، لأنهم لم يسبق لهم رؤية الخريطة ولا رؤية العالم.

الشيء المدهش حقًّا ليس معدل التطبيقات الجديدة التي توفرها شبكة الإنترنت، بل السرعة التي يخبو بها انبهارنا بهذه التطبيقات واعتبارنا إياها أمورًا عادية. لكن لا يزال من الصعب على الكثيرين منا أن يتصور أنه في الوقت الذي سيجلس طلاب الجيل القادم في قاعة محاضرات، سيكون لديهم كل معرفة العالم عند أطراف أصابعهم، بفضل الأجهزة اللاسلكية. وفي غضون بضعة عقود سيعتاد الجميع على هذا ويعتبرونه أمرًا طبيعيًّا، فالأمور التي كانت مستحيلة على نطاق واسع منذ سنوات قليلة باتت الآن اعتيادية، وهي أشياء بسيطة مثل مشاهدة الأفلام على موقع يوتيوب أو تحميل الأغاني على آي تيونز. ويعود الفضل في ذلك لابتكارات الإنترنت المرخصة وغير المرخصة على حد سواء. فالآن هناك برامج مثل إيميول أو مورفيوس، تتيح للمستخدمين تحميل أي مواد يمكن أن تكون «مسروقة»: موسيقى وأفلام وبرامج تليفزيونية وبرامج كمبيوتر وألعاب. لقد صارت شبكة الإنترنت الآن مصدر الخصب والوفرة.

ومن خلال شبكة الإنترنت ستدعو المنظمات غير الحكومية والمنظمات الحكومية رفيعة المستوى إلى إجراءات سياسية محددة. وهذا النوع من الضغوط سيتصاعد، ويصل إلى موقف قوي يقترب من موقف الحكومات. ولأن الإنترنت لا تخضع لسيطرة الحكومات أو الأحزاب أو رأس المال، فسوف تدعو إلى حكومات وشركات على نطاق عالمي، مثلما كانت ردة فعل الدول في القرن الماضي إزاء الدعوات إلى ثورة الشعوب. ولو تصورنا أن فيكتور هوجو نشر روايته «البؤساء» بعد ٢٠٠ سنة من تاريخ نشرها الفعلي، أي في عام ٢٠٦٢، لتضمنت ذكر الإنترنت مثلما تضمنت ذكر المتاريس في الشوارع. وبما أن هوجو لن يكون موجودًا في ذلك الوقت فسيكون على شخص آخر أن يؤلف هذا العمل. ولا شك أن الأرض ستظل تجود بمؤلفين عظماء في كل حين.

سيكون هناك الكثير من الكتب، لكن لن تطغى عليها شبكة الإنترنت وتزيحها من السوق مثلما طغى التليفزيون على السينما، أو طغت السينما على المسرح. لكن سيقل الوقت الذي يقضيه الناس في القراءة لأنهم سوف يقضون وقتًا أكثر أمام مواقع شبكة الإنترنت، لا سيما في الدول الأكثر تطورًا، حيث سيبلغ خطر الغرق في لجة المعلومات الرقمية أقصى درجاته. وستزداد الكلمات، لكن سيكون للصور تأثير أكبر نسبيًّا. وستزدهر القراءة في المجتمعات الصاعدة، بما فيها تلك التي تتحرر من سجن الأمية وتتغلب على الفقر. وسيحظى الكتاب بولادة جديدة، وستساعد شبكة الإنترنت في ذلك، ولن تعوقه.

لقد غيرت شبكة الإنترنت بالفعل حياة الملايين، إلى الحد الذي جعل الكثيرين لا يتخيلون الحياة بدونها. والبعض صاروا أسرى لسيطرتها سواء تغيرت حياتهم للأفضل أو للأسوأ، حتى إنهم لا يستطيعون رؤية العالم خارج نطاقها. أو بالأحرى هم يرون العالم حصريًّا من خلال الشبكة، التي تماثل حاجتهم لها حاجتهم إلى الطعام أو الهواء. أو ربما الحاجة إلى المخدرات، على الرغم من أن الإنترنت ليست أسوأ شيء يمكن أن يدمنه المرء.

وعلى مدى العقود القليلة القادمة قد تغير شبكة الإنترنت حياة المليارات، وليس الملايين، من البشر. وإذا صار حلم الكمبيوتر الذي يتكلف مائة دولار حقيقة فستتمكن أعداد واسعة من الحصول عليه، لا سيما الشباب في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وسيذهب الطلاب إلى المدارس والجامعات عبر الإنترنت، وسيتبعهم آخرون. والأهم من ذلك أن شبكة الإنترنت ستعني زيادة عدد الطلاب، نظرًا لأنها ستكون أداة تعليمية قوية في البلدان التي سوف تستحق حينئذ أن توصف بأنها «نامية».

إذا كانت الأوساط السياسية في الدول الغنية والبيروقراطيون الرجعيون وخبراء المنظمات الدولية يظنون بأن زيادة حجم المساعدات للدول الفقيرة إهدارًا للمال، فهناك طريقة واحدة أخيرة لإثبات خطئهم؛ فدعم تطوير الإنترنت في البلدان قليلة النمو يمثل تحديًا كبيرًا، وفي الوقت نفسه فرصة عظيمة. لأن ذلك سيرفع الطلب على الأجهزة والبرمجيات، التي يأتي معظمها من الدول الأكثر تقدمًا، وزيادة المبيعات من شأنها أن تحفز زيادة النمو في هذه الدول المتقدمة. إن هذا المشروع يستحق نسبة واحد بالألف أخرى، أي عُشر آخر في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الخاص بالدول المتقدمة. وهذا لن يكلف أكثر من ثمانية دولارات شهريًّا من كل شخص، وهو ليس بالمبلغ الكبير، لكنه سيعود بفائدة عظيمة.

ومع الأسف لا تزال شبكة الإنترنت ملعبًا للقراصنة والعابثين الذين يستغلونها استغلالًا سيئًا. ويشمل الاعتداء أحيانًا سرقة بيانات خاصة، أو ببساطة، تدميرًا غاشمًا لهذه البيانات. ويمكن لاقتحام واحد أن يسفر عن سرقة قدر هائل من البيانات، كما حدث في موقع البحث عن الوظائف مونستر Monster.com. فكل مستخدم هو فريسة لمحاولات مستمرة للقرصنة عن طريق البرمجيات الخبيثة المنتشرة على الشبكة العالمية. فمثلًا في هذه اللحظة تحديدًا تلقيت رسالة بريد إلكتروني مع مرفق يبدو خبيثًا من يوهان بروكس، الذي لا أعرف عنه سوى أنه قد يكون جالسًا في نيروبي أو في نيجني نوفجورود، أو حتى في وارسو. مكتوب في سطر الموضوع: «ما حدث الليلة الماضية.» بالنسبة لي، ما حدث أنني قضيت الليلة الماضية أكتب عن الإنترنت.

إن أزمات الإنترنت تحدث على نطاق واسع، وتهدد أداء نظم المعلومات والشحن والشركات وحتى الدول بأكملها. وهذا جانب جديد تمامًا للأمن ستزداد أهميته بزيادة اعتمادنا على شبكة الإنترنت. وستزداد الهجمات الكبرى القادرة على شل الشبكة شيوعًا، مما سيزيد كلفة تأمين الوقاية منها. وسيتحول بعض الإرهاب الصريح إلى إرهاب برمجي يهاجم عبر شبكة الإنترنت. وفي الواقع لقد حدث ذلك بالفعل.

وسيتعين علينا أن نتعلم كيفية التعامل مع هذه الاعتداءات، وأن ندفع ثمن ذلك. وهذا مثال آخر على ما يحدث عندما لا تُغرس المعرفة في التربة الثقافية والقانونية والسياسية المناسبة. فلا شك أن هذا الشخص يتمتع بقدر من المعرفة ليتمكن من صنع البرمجيات الخبيثة بهدف تهديد المستخدمين الآخرين، وتنصيب نفسه بصفته قرصانًا، أو إرهابيًّا على شبكة الإنترنت. بعض المحترفين يقضي طيلة الليل في محاولة معرفة كيفية التعامل مع التهديدات الجديدة، والبعض الآخر يقضي ليلته في توليف فيروسات جديدة لمهاجمة الآخرين. وتشير تقديرات شركة أمن الإنترنت «سوفوس» إلى أن ما يزيد على ثمانية آلاف حصان طروادة جديد يظهر كل شهر. وهذا مثال على كيفية تسخير المعارف والمهارات العملية لخدمة غايات شريرة. سنضطر جميعًا إلى تعلم أشكال جديدة من النظافة الشخصية على الإنترنت إذا كنا نريد أن تبقى أجهزتنا نظيفة وآمنة وسليمة.

إن شبكة الإنترنت شيء رائع، لكنها ليست علاجًا سحريًّا أبدًا لجميع أمراضنا في هذا العالم المتقلب. وقد كان لينين مخطئًا عندما قال إن الشيوعية هي القوة السوفييتية مضافًا إليها إمداد البلاد كلها بالكهرباء. والمتحمسون لاتجاه «الاقتصاد الجديد» مخطئون بنفس القدر إذا كانوا يعتقدون أن تحرير السوق بالإضافة إلى قوة الإنترنت يساويان معًا رأسمالية كاملة تخلو من أي عيب، وهذا شيء لا وجود له، ولن يكون له وجود على الإطلاق.

•••

يمكن لكلمات مثل الصراع والأمن أو الحرب والسلام أن تصف تاريخ البشرية بأكمله. لم تمر سنة في أي بقعة من البقاع من دون نشوب الصراعات والمعارك — على الأقل على المستوى الفردي أو المحلي — التي أضرمت الحروب. وكانت هناك أيضًا فترات طويلة أكثر سلمًا، قل خلالها القتال وزاد الأمن. واستنادًا إلى وجهة النظر هذه؛ أعتقد أننا — الأغلبية الساحقة من الذين قدموا إلى هذا العالم في منتصف القرن العشرين أو بعده — محظوظون. لكن ماذا عن المستقبل؟ هذه هي النقطة الثانية عشرة والأخيرة التي يشير إليها مؤشر البوصلة ضمن القضايا الكبرى الاثنتي عشرة المتعلقة بالمستقبل.

لقد نجحنا على مدى السنوات الستين الماضية، وأكثر، في تجنب اندلاع حرب نووية شاملة، حتى من دون وجود الحكومة العالمية التي قال أينشتاين إننا بحاجة لها، وكان مخطئًا في ذلك. وأكثر ما يثير الدهشة أن احتمال اندلاع نزاع نووي خلال فترة رئاسة رونالد ريجان كان مرجحًا أكثر من احتمال انهيار الاتحاد السوفييتي، ففي الثمانينيات لم تكن هناك أي دراسة علمية جادة تتناول العواقب الاقتصادية المترتبة على سقوط الاتحاد السوفييتي، لكن واشنطن استخدمت أموال دافعي الضرائب لتمويل البحوث متعددة التخصصات التي تتناول العواقب الاقتصادية للحرب النووية. ونتيجة لذلك لدينا الآن بعض الأعمال الرائعة22 التي تبحث التنمية الاقتصادية التي تبدأ من الصفر.

وحقيقة أننا تمكنا من هذا حتى الآن لا تضمن على الإطلاق أن الحظ سيظل يحالفنا. ومع ذلك تكاد تكون احتمالات حدوث ذلك لا تذكر، فالناس ليسوا بهذا القدر من الغباء. لكن إذا تمكن إرهابيون من الحصول على أسلحة نووية فإنهم سيستخدمونها. وهكذا يمكن أن يكون الناس على قدر كبير من الغباء.

هذا هو الخطر الأكبر على مدى المستقبل المنظور، وهو خطر قائم ما دام هناك إرهابيون وما دامت الأسلحة النووية والبيولوجية والكيماوية وأسلحة الدمار الشامل. وستظل هذه الأسلحة موجودة إلى الأبد، وبالتالي فإن السؤال هو: إلى متى سيظل هناك إرهابيون؟ ليس إلى الأبد، كما نأمل، لكنهم لن يتركونا وشأننا خلال حياتنا، وربما لعدة أجيال لم تأت بعد. ولن يلبث عددهم يوشك على الانحسار، حتى يظهر المزيد منهم. وهناك الآن بالفعل عدد أكبر بكثير منهم عمن كانوا موجودين في عام ٢٠٠١، على الرغم من أن أحدًا لا يعرف العدد بالضبط.

كنت في نيويورك في أعقاب الأحداث المأساوية في ١١ سبتمبر ٢٠٠١. في ذلك الحين لم يكن أحد ليدرك عواقب الهجوم على مركز التجارة العالمي على المدى البعيد. ولم يكن أحد ليظن أن رد الفعل الأمريكي الخاطئ تجاه هذه الجريمة الهائلة من شأنه أن يؤدي إلى تكثيف التهديد الإرهابي، فالنجاح في حماية أراضي ومواطني الولايات المتحدة من هذه الوحشية لم يضمن نفس القدر من الحماية والسلم في نقاط أخرى منتشرة في كل أنحاء العالم. وإذا كان هذا ما كان يرمي إليه الجناة فقد نجحوا إذن في تحقيق غايتهم.

فعلاوة على شيوع الذعر بين الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم، ارتفعت تكاليف تشغيل العديد من المشاريع، وتقديم العديد من الخدمات، وحكم البلدان. هذه التكاليف تكون في بعض الأحيان غير مرئية، لكنها صادمة. وقد فعل السياسيون والصحفيون — الذين يتصرفون أحيانًا في إطار سعيهم للحصول على الإثارة كما لو كانوا ناطقين على نحو غير مقصود بلسان الجناة — أكثر مما فعله الإرهابيون أنفسهم لإبقاء مجتمعات بأكملها في حالة من الذعر، فهم يهددون الناس ويبتزون شعورهم، مما يدفعهم إلى سلوكيات غير عقلانية. ولكل هذا أثر سلبي على العمل، وبذلك يحقق الإرهابيون هدفًا آخر من أهداف الإرهاب.

يجب أن تعتمد مواجهة الإرهاب في المقام الأول على إجراء شامل طويل الأجل ومنسق على الصعيد العالمي لإزالة مسببات الإرهاب، بدلًا من القتال المسلح ضد أعراضه وآثاره. وهناك حاجة أيضًا إلى إجراء لمواجهة الآثار، لكنه لن يكون قادرًا على حل المشكلة، حتى لو كان هذا الإجراء أكثر براعة بكثير مما يبدو في الواقع.

في عام ٢٠٠٥، في الذكرى السنوية للهجوم على محطة مترو الأنفاق أتوتشا بالعاصمة الإسبانية مدريد، دعت الرابطة الدولية لنادي مدريد إلى عقد مؤتمر حول الديمقراطية من أجل عالم أكثر أمنًا. وترأس خوان كارلوس ملك إسبانيا قائمة من الخبراء ورؤساء الحكومات. قالت لي مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية في إدارة الرئيس بل كلينتون، إنه مما لا شك فيه أن رد فعل الولايات المتحدة تجاه التهديد جعل الإرهاب في العالم أكثر سوءًا. وهذا هو نفس رأي زبيجنيو بريجنسكي في مناسبة أخرى. وقد عمل كلاهما، في الواقع، في خدمة رئيسين ديمقراطيين، في حين أن من أعلن «الحرب على الإرهاب» كان رئيسًا من الحزب الجمهوري، لكن غالبية المحللين السياسيين الكبار والخبراء الأكاديميين المستقلين يشاركونهما وجهة نظرهما.

لكن بعض علماء السياسية المتحيزين للحزب الجمهوري تحيزًا ملحوظًا أبدوا قدرًا كبيرًا من العناد في حملتهم الرامية لإدراج فقرة في الإعلان الصادر عن جمعيتهم القوية مفادها أن الفقر ليس ضمن العوامل التي تشجع الإرهاب الدولي. واستغرق الأمر بذل جهود متضافرة لمنع هذا التأكيد الصريح من الظهور في بداية القسم الاقتصادي من الإعلان. وهذه الواقعة تخبرنا بالكثير.

لم يأت أحد حتى الآن بأي شكل من أشكال الإجراءات الوقائية أفضل من الإجراء الذي يتضمن تحقيق تنمية اقتصادية متوازنة على نطاق عالمي، فهذا الإجراء إذا لم يضعف عزيمة الإرهابيين أنفسهم فإنه على الأقل سيحد من الدعم الاجتماعي لهم؛ إذ لا شك أن نقص التنمية هو أحد أقوى محفزات الإرهاب الدولي. وزيادة عدالة اقتسام مكاسب النمو، والحد من التهميش الاجتماعي، وزيادة تحرير الهجرة، والاستيعاب الثقافي للأقليات العرقية، وإقامة العلاقات الدولية على أساس الشراكة؛ جميعها أمور بالغة الأهمية لمكافحة الإرهاب الدولي.

قد لا يكون هذا علاجًا فعالًا تمامًا لأمراض الأصولية الدينية والتعصب القومي، لكنه سيقطع شوطًا طويلًا على طريق تقويض المواقف الاجتماعية والسياسية ذات الصلة، التي تشجع الإرهاب المنظم. لقد أصبح الإرهاب نفسه إقليميًّا، وربما حتى عالميًّا، فهو يستفيد من العلم ومن شبكة الإنترنت. ولا يمكن هزيمة الإرهاب بالقوة، لأن الموقف الآن يختلف في الحجم عن حالتي عصابة بادر ماينهوف اليسارية المسلحة بألمانيا الغربية بعد الحرب، ومنظمة الألوية الحمراء الإيطالية الإرهابية في الماضي، أو حالات القوة المتراجعة لكيانات مثل منظمة الدرب المضيء المسلحة في بيرو، والجيش الجمهوري الإيرلندي، ومنظمة إيتا الانفصالية في إسبانيا؛ لذلك يجب أن نقاتل ضده بأساليب تتطلب منا أن نفهم أن الفقر هو العدو رقم واحد للبشرية، بما فيها الجزء الثري. ينبغي أن نعلن الحرب على الفقر في جميع أنحاء العالم، من أجل تجنب حرب عالمية أخرى.

ما من شك في أن أكبر تهديد مؤسسي ورثناه من القرن الماضي هو خصخصة الحرب. لقد أفلت المارد من قيد سيطرة الدولة. وتمامًا كما هو من الصعب دائمًا محاولة إعادة الجني مرة أخرى إلى المصباح، ظللنا نتساءل حول ما يمكن عمله حيال هذه المشكلة التي هي أكثر مشاكلنا خطورة على الإطلاق. لكن هذه المشكلة لا تحدث في الدول المتقدمة ذات المؤسسات القوية والثقافات الناضجة، ففي تلك الدول تُبقي الدولة الجيش تحت السيطرة وتنفق عليه من عائدات الضرائب؛ لذلك من النادر أن تقفز الجيوش لتتولى السلطة وتقيم أنظمة غير ديمقراطية، مثلما حدث مرارًا منذ وقت ليس ببعيد جدًّا في الدول الأقل نموًّا في أفريقيا وأمريكا اللاتينية.

كوستاريكا هي أحد أكثر الأماكن ازدهارًا في أمريكا الوسطى اليوم. لقد ألغى هذا البلد جيشه، ومع ذلك لا يشعر الناس هناك بغياب الأمان. وفي بورما، أحد أقل البلدان ازدهارًا في جنوب شرق آسيا، تسيطر الديكتاتورية العسكرية على الدولة وعلى الاقتصاد، ومع ذلك لا تشعر بورما بالأمان. لكن الأمور تكون أسوأ إذا كانت مؤسسة الدولة نفسها في حالة من الفوضى أو الانهيار، مثلما كان الحال في أفغانستان حتى وقت قريب، وفي نيبال لبعض الوقت، وفي الصومال على الدوام، فالشعور بالأمان يتطلب دولة قوية، والأهم من هذا مؤسسات قوية. سيكون من الضروري تخصيص الكثير من الجهد لتعزيز الدولة ومؤسساتها في العديد من الدول.

ولا يقتصر التأثير السلبي للصراعات شبه الإقليمية على تأثيرها في الأمن الإقليمي فحسب، بل يشمل أيضًا احتمال انتشارها مثل السرطان في جسم العالم بأسره. وقد تظل الأمور تحت السيطرة عندما تكون البلدان المتصارعة صغيرة نسبيًّا، لكن إذا كانت هذه البلدان أكبر، مثل باكستان أو نيجيريا، تكون العواقب المؤثرة على السلام العالمي أكثر فداحة. وهنا نرى الترابط — الذي يشكل إحدى السمات الرئيسية للعولمة — بين ما يحدث في مكان وتأثيره على أماكن أخرى من العالم. ولكي نتجنب نشوب حروب كبيرة يجب علينا أن نمنع باستمرار نشوب حتى الحروب الصغيرة.

وما يزيد صعوبة الأمور هي حقيقة أنه على خلفية من نشوة الليبرالية الجديدة لتحرير التجارة، تحررت تجارة السلاح بدرجة غير عقلانية. وقد يكون تفكيك احتكار الدولة إجراء غير عقلاني، لكنه كان إجراءً مربحًا لجماعات الضغط التي استفادت من ورائه. فقد خُصخص إنتاج المعدات العسكرية والذخيرة وكذلك المتاجرة فيهما أيضًا. ولا شك أن إزالة مؤسسات الدولة التي تشرف على هذه المسائل يشكل عائقًا أمام اتخاذ إجراءات دولية منسقة. ولا تزال تجارة الأسلحة غير المشروعة آخذة في الازدهار، على الرغم من أن صنع الدبابات والأسلحة المضادة للدبابات، والمدافع الرشاشة لا يجري بنفس القدر الذي يجري به تقليد وتهريب حقائب جوتشي، أو أحذية نايك، أو ربطات عنق لانفين.

ومن المفارقات أن الخطورة في ظل ازدهار الديمقراطية تفوق الخطورة في ظل تقييد الديمقراطية، فبدلًا من حرب باردة واحدة تديرها دولة، نكون أمام مجموعة كبيرة من الحروب الصغيرة المنفردة. وعندئذ تزداد صعوبة معالجة هذا الوضع نتيجة لكثرة الأطراف الفاعلة في المشهد، وقلة وضوح خطوط الصراع، وقلة شفافية الأمور. وبالتالي ليس من المستغرب أن روسيا القوية عسكريًّا تجد نفسها غير قادرة على التعامل مع الشيشان، وأن التجمع القوي لحلف الناتو الذي يضم الولايات المتحدة فائقة الثراء في طليعته لا يمكنه الإجهاز على طالبان في أفغانستان التي تطحنها رحى الفقر.

وكلما أسرعنا في تحويل نسبة النفقات على التسلح والحروب (بما في ذلك طبعا العدد الهائل من بعثات حفظ السلام) إلى الاعتمادات الموجهة للمشاركة في تمويل التنمية في البلدان الفقيرة، بدأت الأسباب الجذرية وراء هذه النزاعات المسلحة المشتعلة في الزوال على نحو أسرع. لن يكون هذا سهلًا، لكنه ممكن. ويمكننا أن نعثر على الأمثلة على ذلك في أمريكا الوسطى والهند الصينية.

إن التحرر من الأوهام أمر جيد، فالمجمع الصناعي العسكري القوي واللوبي السياسي المرتبط به (ناهيك، مرة أخرى، عن وسائل الإعلام التي تحظى بتمويل سخي) ليست أشياء يختلقها دعاة السلام والشعوبيون، بل حقائق ثابتة. والمصالح الخاصة بهذا القطاع حقيقة ثابتة أيضًا. لكن ماذا سيحدث لو شاع السلام؟ كل ما في الأمر أنه إذا لم تكن هناك تهديدات ونزاعات فلن يكون هناك طلب ومبيعات، وبالتالي لن يكون هناك دخل ولا ربح. إننا بحاجة لأن نظل على علم تام بالاقتصاد السياسي للحروب المحتملة والقائمة على حد سواء، فالحروب للمجتمعات البشرية بمنزلة كابوس، أما لتجار الموت فهي صفقات تجارية. الكابوس هنا تجارة. ولا يمكن التخلص بالكامل من هذه المعضلة في غضون جيل واحد أو خمسة أجيال، أو من المحتمل ألا نتمكن من التخلص منها أبدًا. والاعتقاد بعكس ذلك يعد نوعًا من الخيال الواهم. ومع ذلك يمكن التخفيف من أضرار هذه المعضلة، ويجب أن نعمل بكل جهد على تحقيق ذلك في العقود والقرون المقبلة.

لذا لدينا مبررات لنشعر بالخوف، إلا أننا لا ينبغي أن نتمادى في ذلك إلى حد الجنون. لكن هل سنظل نخلع أحذيتنا عند نقاط التفتيش في المطار إلى الأبد؟ إذا كتبت كلمة «إرهاب» في خانة البحث في جوجل فستحصل على ٨٧ مليون نتيجة. جرب أيضًا أن تكتب في نفس الخانة كلمة «سلام»، ستحصل على ١٨٩ مليون نتيجة. جرب نفس الشيء مع كلمة «حرب»، ستحصل على ٥٣٢ مليون نتيجة. من المثير للاهتمام، والمحزن إلى حد ما، أن نعرف أننا استحدثنا عددًا كبيرًا من المرادفات في كل لغاتنا على مر القرون لكلمة الحرب، وعددًا قليلًا من المرادفات لكلمة السلام. وسيكون من المثير أن نحاول ملاحظة أيًّا من هاتين الكلمتين؛ «الحرب» أم «السلام» ستكون أكثر اتساعًا من حيث المشتقات المعجمية الجديدة خلال القرن المقبل. في رأيي ستكون كلمة سلام هي الأوسع اشتقاقًا في نهاية المطاف، وسوف تلعب التنمية الاقتصادية دورًا حاسمًا، لكن ستظل معضلة الحرب والسلام مرتبطة بعرى لا تنفصم مع معضلة الركود والتنمية.

•••

يمكن رؤية كل هذا، بوضوح أو على نحو ضبابي، في أفق المستقبل. يكمن الجوهر في حقيقة أننا نرى شيئًا جديدًا، شيئًا مختلفًا في كل يوم ونحن ماضون قدمًا عبر الزمن. وهكذا سيظل وجه هذا العالم يتراءى لنا على نحو مختلف مع كل خطوة جديدة. وستتغير أيضًا الطريقة التي نعيش بها، لكن ليس بالسرعة التي كانت تتغير بها في عصرنا. كم كنا محظوظين! لقد كانت التغيرات في نمط الحياة على مدى جيلين فقط مصيرية ومذهلة وأسفرت عن زيادة في طول العمر، وتضاعف في عدد السكان وفي مستوى التحضر، وانتشار السفر بالطائرة، وظهور السيارة والتليفزيون والهاتف والكمبيوتر، وفوق هذا كله الانفجار المعرفي لشبكة الإنترنت. لم يحدث من قبل أن تغير كل هذا القدر الهائل من الأمور في مثل هذا الوقت القصير. وربما لن يحدث هذا مرة أخرى، على الأقل ليس على هذا النطاق الواسع، وهذه العالمية والقوة التي نشعر بها مع بزوغ كل يوم جديد.

وبعد مائة سنة من الآن ستبدو الخريطة السياسية للعالم إلى حد بعيد بنفس صورتها اليوم، فالأشياء التي كان من الممكن أن تتغير — للجزء الأكبر من الخريطة السياسية — قد تغيرت بالفعل. لن تكون هناك أي خلافة، أي دولة إسلامية موحدة. فما هذا إلا شكل آخر من الأحلام الخيالية. وستتفتت بعض الدول؛ أقربها إلى ذلك العراق، تليها قلة من الدول في أفريقيا وجنوب آسيا. وربما تغير دول أخرى حدودها، معظمها في أفريقيا؛ باعتبار ذلك وسيلة لتصحيح التراث السياسي الذي خلفه الاستعمار ومعالجة أكثر عقلانية لتشتت المجموعات العرقية، بدلًا من الاستمرار في الالتزام بحدود الإمبريالية القديمة التي قسمت الأرض وكأنها كعكة. وسيجري التعامل مع معظم هذه التعديلات عن طريق التفاوض وأسلوب التعويض بالأرض.

وسيندمج عدد قليل من الدول في كيانات جديدة. وقد يحدث هذا في بعض أجزاء من الشرق الأوسط، حيث تشكل قصة نجاح دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجًا رائعًا، وربما بين بعض الدول الأفريقية التي تشعر بأنها مرتبطة بقوة معًا من الناحية الثقافية. وستكون هناك اتحادات جديدة — وستصبح مجموعات التكامل الإقليمي أقوى بكثير مما هي عليه في الوقت الحاضر — لا سيما التي ستتكون في المجتمع الاقتصادي الآسيوي، كما سيظهر بديل أمريكي جنوبي لاتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا). ومن المتوقع أن تنجذب أستراليا ونيوزيلندا — اللتان تنظران إلى الماضي بحنين وقتما كانتا تشكلان النصف النائي من الكرة الأرضية، ثم أصبحتا فيما بعد حليفتين للولايات المتحدة ومواليتين للغرب — إلى المدار الآسيوي، وتحديدًا إلى الصين واليابان، اللتين ستواصلان تنافسهما السلمي. وستظل الولايات المتحدة قوة عظمى، تحاول الصمود واللحاق بالانطلاقة السباقة للصين وأوروبا.

وستستمر الهجرة البشرية على نطاق واسع. وسيستقر الكثير من الآسيويين الآتين من جنوب القارة وشرقها في أراضي الشرق الروسي الأقصى، في بريمورسكي كراي (التي سكنها منذ ألفي سنة أضعاف عدد سكانها الحالي)، وبالطبع في سيبيريا التي ستصبح الحياة فيها ممكنة على نحو متزايد. عندما سألت رئيس الجامعة في بيروبيجان — عاصمة منطقة الحكم الذاتي اليهودية (أوبلاست) التي تقع في الشرق الروسي الأقصى — عما إذا كان قسم اللغة الإنجليزية في جامعته يحظى بشعبية، أجاب بأن هناك لغتين مختلفتين تحظيان على وجه خاص بطلب مرتفع هما: العبرية التي يحرص عليها أولئك الذين عقدوا العزم على الهجرة، والصينية التي يحرص عليها أولئك الذين عقدوا العزم على البقاء.

وبدلًا من التسبب في اندلاع الحروب ستكون الهجرة — مثل الهجرة الهائلة من أفريقيا والشرق الأوسط إلى أوروبا — وسيلة رئيسية لتجنبها. وستتضمن حركات الهجرة الأوروبيين أيضًا، الذين سيتجهون إلى كل صوب يخطر ببال؛ حتى إنهم سيذهبون إلى سيبيريا طوعًا، على سبيل التغيير. وسيهاجر الملايين إلى أفريقيا — على الرغم من أنها لن تكون الفردوس المنشود — خصوصًا إلى أجزائها التي تتمتع بطبيعة خلابة، مثلما ينتقل سكان المدينة اليوم للعيش في الريف نتيجة لتحسن الخدمات اللوجستية فيه، ولأن وظائفهم لم تعد تقيدهم بالمدينة وتجعلهم يتحملون أعباء الحياة الحضرية.

وسيزداد انسجام الثقافات. ونتيجة لذلك سيكون قدر أكبر بكثير من التسامح تجاه قيم هذا العدد الهائل من الأشخاص الذين يتنقلون بين جميع أنحاء العالم. وسيعزز التواصل الشخصي هذا التسامح، وستساهم في ذلك أيضًا وسائل الإعلام. وسيشكل التواصل الشخصي وسيلة للتقدم الثقافي والاقتصادي، وعاملًا من العوامل التي تقلل التباين بين التقاليد الثقافية. ويمكننا أن نرى هذا اليوم، عندما نرى العديد من الثقافات المحلية — التي يطلق عليها «القومية» غالبًا — تنحسر ببطء طي النسيان، أو يُعيد استثمارها جماعات الهواة باعتبارها معالم سياحية. هذا ما حصل مع هايلاندرز في اسكتلندا، ومع قوافل الغجر في أوروبا الوسطى، ومع القرى التركية وفى إقليم التبت. وسيحدث مثل ذلك في كل مكان في المستقبل.

وسيزداد العالم إشراقًا، خاصة في الليل؛ إذ سيكون هناك المزيد من الضوء، ولو أن المشهد لن يكون بالضرورة مثل المشهد في قصيدة «مزيد من الضوء» التي نظمها جوته على فراش الموت. سيعم الضوء تقريبًا كل مكان، وستزداد كثافة استهلاك الكهرباء في المناطق المكتظة بالسكان. وستطول الأمسيات لفترة أطول في الأماكن التي تنتهي أمسياتها اليوم مع غروب الشمس. إذا كنت ممن يكثرون السفر، فأكثر الأشياء التي يمكن أن تصيبك بالدهشة هو شدة الإضاءة الكهربائية في أمريكا الشمالية، مقابل انعدامها تمامًا في أفريقيا. فعندما تقترب الطائرة من مطار لوس انجلوس، ترى المدينة مغمورة بالأضواء. إن هذا التجمع الحضري الذي تراه من الطائرة يستهلك طاقة كهربائية تعادل قدر استهلاك بلد مكتظ بالسكان مثل إثيوبيا، التي يبدو فيها مطار بولي غارقًا في ظلام شبه كامل. وستقل الأماكن التي يمكنك التمتع فيها بظلام دامس ولو للحظة وجيزة. إن الغالبية العظمى من الناس الذين يعيشون في البلدان الغنية لم يجربوا هذا الظلام الدامس، ولن يجربوه أبدًا ما لم يذهبوا إلى الصحراء الأفريقية الشاسعة أو إلى المناطق الأسترالية النائية، أو إلى السهول المنغولية، أو سهل التندرا في سيبيريا، أو وسط المحيط الهادئ، حيث الأماكن التي لا تحتوي على لمبة إضاءة واحدة أو حتى قبس واحد من النار على بعد مئات الكيلومترات أو أكثر، وحيث تبقى جميع أجهزة الكمبيوتر المحمولة والهواتف التي تعمل بالأقمار الصناعية مغلقة.

على مدار سنوات استُخدم مقياس مدى إظلام السماء المسمى «بورتل دارك سكاي» تدريجًا يتراوح بين ١ إلى ٩ لقياس مدى تغلب الإضاءة الاصطناعية وانعكاساتها على الظلام.23 لقد كان من الممكن أن يتأمل كوبرنيكوس ومعاصروه في جميع أنحاء العالم سماءً لا يتعدى قياس الإضاءة فيها درجة واحدة، كما هي حال أسرة باري في النيجر اليوم. وسكان نيويورك يتمتعون الآن بسماء يبلغ قياس الإضاءة فيها ٩ درجات. وفي ليلة صافية في مانهاتن، لا يمكنك أن ترى سوى أقل من ١٪ مما رآه هنود الوابنجر الحمر هناك منذ ٤٠٠ سنة تقريبًا، قبل أن يبيعوا جزيرة مانهاتن بأكملها للهولنديين مقابل ٦٠ جلدر. وبخلاف الأجزاء النائية من ألاسكا؛ لا تقل إضاءة السماء في أي مكان في الولايات المتحدة عن درجتين. حتى في المروج الجبلية النائية في بولندا، يبلغ مقياس الضوء ٣ درجات أو أكثر نتيجة لانعكاس أضواء المدن، والوهج فوق البلدات الصغيرة، أو الضوء الصادر من مساكن القرى.

بعد مائة سنة من الآن لن يرى ٩٥٪ من البشر ما كان يراه أسلافنا كل يوم، أو بالأحرى كل ليلة، وهو ما لا يزال بعض الناس محظوظين بما فيه الكفاية لأنهم يتمكنون من رؤيته اليوم، ولو أنهم قد لا يدركون أنه من الممكن ألا يرى المرء «ما يراه الجميع». وعلى الرغم من أن مساحات شاسعة من الأرض بعد مئات السنين من الآن لن تكون مضيئة بنفس قدر إضاءة الولايات المتحدة اليوم، فإن مقياس الإضاءة للغالبية العظمى من مساحة الأرض المأهولة سيتراوح بين ٥ و٩ درجات، ولن تبلغ إضاءة السماء ٢ إلى ٤ درجات إلا فيما ندر، وستنظم الرحلات إلى البقاع النادرة التي تبلغ الإضاءة فيها درجة واحدة، والتي ستصنف ضمن أعلى مناطق الجذب السياحي.

ولا يقتصر الأمر المهم هنا على ضياع الفرصة لرؤية شيء جميل للغاية فحسب، بل يتعلق أيضًا بالعواقب النفسية والفسيولوجية الناجمة عن العبث بالإيقاع البيولوجي للحياة الطبيعية. جرب أن تطفئ الأضواء في غرفتك، ماذا سترى؟ إنها ليست مظلمة تمامًا، حتى وأنت نائم ليلًا، والبشر ينامون نومًا أفضل بكثير عندما يكون الجو في ظلام دامس.

وبعد مائة سنة من الآن ستكون بعض أنواع الحيوانات والنباتات قد اختفت، وستختفي أيضًا بعض الجماعات العرقية وبعض اللغات. وسيكون اختفاء اللغات سريعًا على نحو استثنائي. ربما يتعمد اللغويون المبالغة حينما يقولون إن الإنسانية تفقد لغتين شهريًّا، وأنه لن يتبق من اللغات الحالية في المستقبل سوى الانجليزية والصينية والإسبانية والعربية،24 محاولين استغلال ذلك وسيلة لجعل الناس يشعرون بالمشكلة. ومع ذلك هناك بعض اللغات واللهجات المحلية التي لم يعد يتحدثها الآن سوى حفنة من الناس.

هناك مفارقة تاريخية يحكيها المسافرون تروي أن المستكشف الألماني ألكساندر فون هامبولت كان يتجول عبر غابات أمريكا الجنوبية عندما وصل إلى قرية مايبورس على ضفاف نهر أورينوكو. وهناك تناهى إلى سمعه كلمات لغة لم يعرفها، ثم تبين فيما بعد أن ما سمعه لم يكن سوى ثرثرة ببغاء يقف بعيدًا. سأل هامبولت الهنود مستفسرًا عما كانت تلك اللغة، فأجابوه بأنها لغة تدعى أتورس، لا يتحدثها سوى الطيور؛ فقد مات آخر أجيال المجموعة العرقية التي تتحدث تلك اللغة قبل عدة أعوام من وصول هامبولت عام ١٨٠٠.

واليوم لم يبق سوى ١٥٠٠ شخص من أبناء شعب الكارو يعيشون على ضفاف نهر أومو في جنوب غرب إثيوبيا. وقريبًا ستتردد آخر كلمات لغة الكيريك على بحر بيرنج في تشوكوتكا في روسيا، لأنه لن يبقى ممن يتحدثونها سوى أقل من ٣٠ شخصًا على قيد الحياة. وهناك قرى في بابوا غينيا الجديدة يمكنك ألا تجد فيها سوى عشرة أو أكثر من العجائز يتجاذبون أطراف الحديث بلغتهم الأم حول نار صغيرة. وينطبق الشيء نفسه على المرتفعات الواقعة على طول الحدود بين لاوس وفيتنام، أو في أدغال بورنيو. ويقال إن ثلاثة من السكان الأصليين الذين يتحدثون لغة كيه ماتي لا زالوا على قيد الحياة ويعيشون على الساحل الشمالي لأستراليا. وقريبًا، مثل آخر شجرة في موريشيوس، سيموت آخر ابن من أبناء قبيلة أخرى، ولن يكون هناك أي ببغاء للنجدة.

لقد تخيل لودفيك زامنهوف (١٨٥٩–١٩١٧) مدينة فاضلة جميلة يتفاهم فيها الجميع بلغة موحدة بسيطة أسماها الإسبرانتو. وهذا الحلم لن يتحقق أبدًا، لكن ها هو عدد اللغات التي نتحدثها آخذ في التضاؤل. وفي الوقت نفسه، يزداد عدد من يتحدثون اللغة الإنجليزية أكثر فأكثر، على الرغم من أن هذه اللغة لن تصبح اللغة العالمية الموحدة التي يخشى هيمنتها بعض الناس. لكنها ستغدو أكثر هيمنة، لا سيما وقد انتصرت أخيرًا في حربها الطويلة مع اللغة الفرنسية واستحقت أن تكون اللغة المشتركة للكوكب. لكن الأهم أنها صارت لغة التجارة والتكنولوجيا والعلوم، بما فيها علم الاقتصاد. وسيظل الملايين من الناس يتحدثون لغتهم الأم، إلا أنهم أيضًا سيعتبرون الإنجليزية لغتهم الخاصة، تمامًا كما يعتبرون العالم ملكًا لهم.

سيقل عدد اللغات لكن ستزداد الكلمات. وسيؤدي تداخل الثقافات، والأهم من ذلك، التقدم في العلوم والتكنولوجيا إلى إثراء اللغة. في عصر النهضة، كان الباعث الأساسي وراء ذلك هو الأدب متمثلًا في لغتي الشعر والدراما اللتين أنجبتا كلمات جديدة (ويعزى الفضل لشكسبير وحده في استحداث أكثر من ألفي مفردة جديدة في اللغة الإنجليزية). أما الآن، فهذا دور العلم. وستدخل كلمات جديدة تقدر بالآلاف، ولا يمكن اليوم العثور عليها بعد في أي قاموس مستخدم حاليًّا. وفيما يخص الاقتصاد سيتعلق معظم هذه الكلمات بالتمويل والإدارة. هذه الكلمات لا وجود لها حتى الآن، لأن الظواهر والعمليات التي ستصفها لم تظهر بعد، أو ليست معروفة بعد.

ستظل البيانات الأساسية والتحليلات تُصنَّف حسب كل بلد، لكن ستزداد البيانات التي تدل على السمات الجديدة التي تشير إلى تراجع الوطنية التقليدية. وستؤكد التدابير الجديدة الناجمة عن التقدم الاقتصادي والازدهار الاجتماعي على القيم غير المادية والقيمة المتزايدة للبيئة الطبيعية.

وستصنف بعض الدول ضمن أكثر الدول تطورًا حتى من دون أن تحرز نموًّا في الإنتاج أو الهجرة، بل نتيجة لنجاحها في الحفاظ على بيئة نظيفة، وهو شيء لا يمكن نقله وتحويله كما هو الحال مع السلع المادية وبعض الخدمات. وستصبح هذه الدول ثرية من دون أن تضطر للانسياق وراء إغراء أنشطة التصنيع المدمر للبيئة، أو تضطر لبناء الاقتصاد القائم على المعرفة بالمعنى الحالي للمفهوم، وهو الأمر الذي يتعدى قدرات هذه البلدان. وبدلًا من ذلك ستتمثل أصولها في جاذبيتها السياحية. هناك ثلاثيات من هذه البلدان هي: الإكوادور وبيرو وبوليفيا، ناميبيا وبتسوانا وزامبيا، لاوس وكمبوديا وبورما. وستصبح منغوليا أيضًا دولة غنية. وستكون هذه هي أول دولة في التاريخ تصبح في مجملها حديقة عامة، أو ربما حديقة للبشرية جمعاء.

وعلى الرغم من أن قيمة الناتج العالمي ستتضاعف عدة مرات، فإن وزنه سيخف بالمعنى الحرفي شيئًا فشيئًا. وكذلك الحال اليوم، فالناتج العالمي اليوم يقل وزنه عما كان عليه منذ بضعة عقود، خاصة إذا ما قورن بوزنه على مستوى الإنتاج الكوني. أحد أسباب ذلك هو انخفاض كثافة مواد الإنتاج وازدياد الحصة التي تشكلها الخدمات من الناتج المحلي الإجمالي، لكن الأهم من ذلك، أن الثقل بات يقاس الآن بقيمة المعرفة الكامنة في المنتجات، لا بقيمة المواد الداخلة في صنعها. فمثلًا جهاز آي بود الذي يزن ١٣٦ جرامًا تساوي قيمته أكثر من خمسة أطنان من الفحم. وجهاز ماك بوك برو الذي يزن ٢٫٥ كيلوجرام يعادل ٢٥ ألف طن من الأسمنت؛ لذلك، كلما زاد «ثقل» المعرفة خف وزن الناتج الإجمالي العالمي، وارتفع مؤشر إجمالي السعادة القومية، ومؤشر إجمالي السعادة العالمية بقدر ينعكس، على الأقل، على مستوى التعليم ودرجة التحصيل الثقافي.

وسيزداد عدد مناطق العملة الموحدة. هناك الآن بالفعل أربعة مناطق، اثنتان في أفريقيا، وواحدة في أوروبا، وواحدة في أمريكا. لكن بعد قرن من الآن قد يكون هناك أكثر من اثنتي عشرة منطقة، في عدة أماكن في العالم مثل أمريكا الوسطى والجنوبية اللتين تستخدمان الدولار. وستصبح العملة الأمريكية في المرتبة الثالثة عالميًّا. وسيصبح اليوان العملة الرئيسية لاحتياطيات النقد، وسيعم تداوله أيضًا العديد من الدول الأخرى في آسيا وأفريقيا. وستصبح عملة اليورو في المرتبة الثانية، ولن يستمر صمودها طوال القرن القادم فحسب، بل سيعم تداولها أكثر من ٥٠ دولة في أوروبا وآسيا وأفريقيا أيضًا. لكن العملة العالمية التي نطمح إليها ستظل على قائمة الآمال، لأن الاقتصاد العالمي لن يكون راشدًا وناضجًا بعد بما فيه الكفاية ليتمكن من تحقيق هذا الأمل. وقد لا يتحقق هذا الأمل أبدًا، لنفس السبب الذي كان وراء عدم شيوع لغة الإسبرانتو.

سيصبح الاقتصاد العالمي أكثر تكاملًا بكثير مما هو عليه الآن، لكنه لن يشكل كيانًا موحدًا تمامًا على غرار النموذج الموجود في الاقتصادات الوطنية التقليدية. ومع ذلك سيزداد حجم الأعمال عبر الحدود الوطنية التي ستتوارى أهميتها إلى درجة أن الناس لن يشعروا بعبورهم لها لشدة سهولته، على نحو يفوق سهولة عبور الحدود بالسيارة من بلجيكا إلى هولندا في الوقت الحالي. لكن ستظل الحدود المحاطة بالأسلاك الشائكة وأبراج الحراسة المسلحة التي يقف فيها الحراس للمراقبة موجودة.

وسيختلف النظام المؤسسي العالمي، لكنه سيظل بعيدًا عن الكمال؛ إذ سنظل نتذمر بشأن كيفية عجزه عن تلبية «تحديات العالم المعاصر». لكن سيكون العالم أكثر توازنًا من وجهة نظر القوى السياسية والاقتصادية، ومن حيث التأثير الذي تحدثه الدول أو مجموعات من الدول على مسار الأحداث.

وستعتمد المنظمات الجديدة الأكثر فعالية، التي ستنشأ بعد تصفية البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، على اقتصاديات تنمية أكثر ديمقراطية وأكثر براجماتية، بدلًا من أن تستخدم الشعارات الرنانة في الوقت الذي يكون الغرض الحقيقي هو خدمة المصالح السياسية للدول الغنية. وسيكون المقر الجديد لهذه الكيانات هو آسيا، أولًا، لأن هذا هو المكان الذي سيضم واحدة من بؤر الفكر الاقتصادي، لا سيما فيما يتعلق بنظريات النمو والتنمية التي ستعتبر التيار السائد في ذلك الوقت. وستستخدم الصين جزءًا من احتياطياتها كنواة رأس مال، وحافزًا للآخرين يشجعهم على الانضمام إلى المنظمات الجديدة.

وستكون أهمية الرأي العالمي العام أكبر من أهميتها الآن بكثير، ولن يوافق هذا بالضرورة هوى السياسيين الوطنيين الذين يطنطنون بحبهم للديمقراطية. لكن قوة المنظمات غير الحكومية والقدرات التقنية للشبكة اللاسلكية ستعمل على تيسير سؤال الناس مباشرة عن رأيهم الحقيقي. ولن يصبح من الممكن بعد ذلك تجاهل صوت الناس، مثلما يتجاهله بعض حكام اليوم. لكن سيظل أمامنا طريق طويل للوصول إلى ديمقراطية حقيقية على مستوى الكوكب، تقوم على مبدأ إنسان واحد، واقتراع واحد، لأن تلك الاقتراعات ستظل تخضع للجدولة والتصنيف — على الأقل بصورة غير رسمية — في سياق الحالة الواقعية. أما على الصعيد العالمي فسنكون أقرب من أي وقت مضى إلى نموذج الاقتراع العالمي، لكننا لن نكون قد وصلنا بعد.

وسيواصل العالم النجاح الذي حققه في القرن العشرين من حيث ازدياد أمد العمر الأمريكي، الذي نقل مؤشرات العمر المتوقع في أمريكا من ٤٨٫٣ سنة للرجال و٤٦٫٣ سنة للنساء في عام ١٩٠٠ إلى ٧٤٫٢ و٧٩٫٩ سنة على التوالي في عام ٢٠٠٠. ويتوقع أن يصل متوسط العمر المتوقع على مستوى العالم إلى نحو ٨٠ سنة، وفي الدول الغنية سيتعدى ٩٠ سنة. لكن هل ستزداد السعادة الشخصية والجماعية بنفس القدر؟

ستتحول المجاملة الشائعة: «عقبال ١٠٠ سنة» من أمنية تقليدية صادقة في بعض الدول إلى احتمال واقعي قصير الأمد. وسيزيد عدد المتقاعدين الذين يعيشون مرحلة ما بعد الإنتاج على عدد الأطفال والشباب في مرحلة ما قبل الإنتاج. دعونا نأخذ ألمانيا مثلًا: إذا ظلت كل ثلاث نساء ألمانيات تلدن أربعة أطفال فقط، فلن تتمكن ألمانيا من الحفاظ على مستوى عدد سكانها إلا بالاعتماد على زيادة الهجرة إليها، خاصة الهجرة من الدول الإسلامية التي يميل أبناؤها إلى الإنجاب بكثرة. وسيكون لذلك آثار بعيدة المدى على نماذج سلوك المستهلك من ناحية، وعلى التمويل العام وسوق الادخار من ناحية أخرى. كلنا نعلم أن سويسرا ربما تحظر بناء المآذن بين المناظر الطبيعية في جبال الألب لأنها تعتبر هذه المآذن قبيحة المنظر، لكن سويسرا لا تستطيع خفض معدل الإنجاب العالي للمسلمين عن طريق التصويت. وسينتهي الأمر بالقبول بوجود مساجد ذات مآذن متنكرة تبدو كأنها أبراج كنائس.

وسنعالج السرطان بالأقراص وسننظر إليه كما ننظر اليوم لمرض السل. فيما مضى، كان تشخيص إصابة شخص ما بالسل بمنزلة حكم بالإعدام. وسيلقى الإيدز نفس المصير الذي لقيه مرض الزهري في الوقت الحالي، مع أن هذا الزهري أفنى في الماضي شعوبًا بأكملها. وعندما سنصاب بالبرد سيظل العلاج يتضمن تناول الأسبرين والراحة لمدة أسبوع في الفراش. وسيصبح العلاج باهظ التكلفة؛ مما سيجعل نمط الحياة الصحي — العلاج الوقائي، وجميع أنماط السياحة النشطة، والترفيه والرياضة، ناهيك عن الغذاء الصحي — أحد أهم الاهتمامات على قائمة مخصصات الميزانيات المحلية في البلدان الغنية.

لكن للأسف، ستظهر أمراض جديدة، وستكون هذه الأمراض رهيبة؛ حتى إننا لا يمكننا أن نتصور كيف ستهاجمنا أو متى سيحدث ذلك. وسيكلفنا التأهب لمواجهة الأوبئة نفس القدر الذي ننفقه اليوم لحفظ السلام، لكن هذه المسألة ستستحق ما سيدفع فيها من ثمن، لأنها ستكون مسألة حياة أو موت.

وسنعمل على مدار أربعة أيام فقط في الأسبوع، على الرغم من أن البعض سيحاول أن يعمل طوال الأيام السبعة للأسبوع رغبة منه في ذلك. وسيستغرق الوصول إلى مكان العمل ضعف الوقت الذي يستغرقه اليوم. وسيخف عدد الناس الذين ينتقلون إلى مكان العمل ذهابًا وإيابًا، لأن غالبية العمل سيكون من المنزل. وستعود جودة خدمة النقل الجماعي في المدن والضواحي. وسيقل وقت الفراغ في أيام العمل، لكنه سيكون أكثر على مستوى الأسبوع ككل. ونظرًا لأن وقت الفراغ هو وقت الاستهلاك، سيكون من الجيد أن يملك الناس المزيد من المال لينفقوه في هذا الوقت؛ إذ سنتقاضى أربعة أضعاف ما نكسبه اليوم. يكفي أن يطرأ ارتفاع في متوسط الأجر السنوي نسبته ١٫٤٪ ليتحقق ذلك، أو ارتفاع نسبته ١٠٪ كل سبع سنوات ليتحقق الأمر نفسه في غضون مائة سنة.

ومع ذلك سنظل عاجزين عن تلبية احتياجاتنا التي ستتجاوز ما نتقاضاه من دخل؛ لذلك ينبغي لأي استراتيجية تنمية طويلة الأجل ألا تُعنى فقط بخلق الظروف الملائمة لتحقيق ارتفاع مطرد في مستوى الإنتاج، بل أن تأخذ في الاعتبار أيضًا التقييم الواقعي لميول المستهلكين. يجب أن يأتي الوقت الذي تكف فيه تلك الميول عن التصاعد. ولا شك أن الأثرياء وحتى أفراد الطبقة المتوسطة سيعدون أموالهم على نحو مختلف — أعني سيقيِّمونها على نحوٍ مختلف — فور أن يتعلموا إدراج عامل القيمة النقدية ضمن عوامل تقدير قيمة وقت الفراغ. من الصعب اليوم الحصول على إجابة شافية عندما تسأل كم تساوي ساعة حرة، أي لا تنقضي في العمل أو في الانتقال إلى مكان العمل. وفي المستقبل سيعرف الجميع إجابة هذا السؤال.

وبعد مائة سنة سيكون رد فعل المرء لدى رؤية فاتورة المياه هو نفس رد فعله اليوم لدى رؤية فواتير الكهرباء الباهظة، لأن تكلفة الماء سترتفع أكثر وأكثر. وستتحول الضرائب المفروضة للحفاظ على البيئة من مبالغ رمزية إلى مبالغ ذات قيمة، وستشكل هذه المبالغ مصدرًا هامًّا لدخل المحليات التي ستوفر العشب الأخضر والمياه النظيفة. وسوف ينظر إلى الضرائب التي تدفع للمنافع العامة على نحو صحيح، باعتبارها نفقات تدفع مقابل خدمات ضرورية لا يستطيع القطاع الخاص أن يوفرها. وسيؤدي الوعي بضرورة هذه الخدمات، إلى جانب زيادة قبول الطريقة التي يجري بها دفع ثمنها إلى زيادة كبيرة في الضرائب. وسيظل الساسة والمحللون ينظرون إلى النظام الضريبي بوصفه نظامًا مفيدًا، على الأقل لهم.

وسيظل جزء هائل من ميزانيات الأسر يهدر على تغطية تكاليف الإعلانات، التي تشكل جزءًا من سعر كل ما نشتريه. وعلى مستوى الاقتصاد الكلي سيكون هناك جدل حول ما إذا كان ينبغي أن تحسب كلفة الإعلان ضمن تكلفة الإنتاج، أو أن يعتبر الإعلان جزءًا من المنتج. ربما ينبغي أن يخصم جزء من هذه النفقات (ما دامت مهدرة بالفعل) من الأموال المخصصة للرفاه، إذا لم تخصم من الناتج المحلي الإجمالي. وسندفع المزيد أيضًا بسبب الدراسات التحليلية التي تعدها الشركات التي تراقب الدعاية بغية المساعدة في إنقاذ المستهلكين من سيل التسويق القوي. وكما هي حال الإعلانات؛ ستصبح حماية المستهلك مجال عمل كبير وقوة سياسية قوية. وبعد مائة سنة من الآن سيتعجب الناس لكم المكاسب الذي كانت وكالات الإعلانات تنجح في تحقيقها، تمامًا كما نهز رءوسنا الآن استهجانًا إزاء معرفة كم المال الذي كان يدفعه المؤمنون في العصور الوسطى مقابل غفران خطاياهم.

ولن تخلو السياسة الاقتصادية من نزعة قومية، على الرغم من أن الوطنية ستنطوي على قدر أكبر نسبيًّا من الشعور بالانتماء العالمي يفوق قدر الشعور بضرورة تطبيق الحمائية. وستتفوق القيم الاجتماعية وقيمة «وطن الأبناء» المستقبلي على قيمة «الوطن الأم». بعبارة أخرى، سيتفوق الاهتمام بالجيل الصاعد على الحنين إلى الماضي. وستعلو قيمة الاستثمار في التعليم بوصفه أكثر أهمية من توفير الرعاية الاجتماعية للمسنين الذين سيتعين عليهم الاعتناء بأنفسهم عن طريق نظام تأمين خاص بالغ التطور. أما الشباب فسيتعين عليهم ادخار المزيد من المال لفترة شيخوختهم الطويلة، وادخار القليل لقضاء سلسلة عطلاتهم الوجيزة. وسيكون لديهم المزيد من الوقت للعمل، لأن متوسط سن التقاعد في الدول المتقدمة سوف يكون أقرب إلى السبعين منه إلى الستين. لكن ستكون سنوات التقاعد أكثر، وبصحة أوفر، وبالتالي بسعادة أكبر مما تنطوي عليه سنوات التقاعد اليوم.

وسيجري تحديث البيانات السنوية الإحصائية وكتب الاقتصاد لاسلكيًّا كلما دعت الحاجة لذلك، ولن يكون من الضروري أن يشعر المرء بالضيق من طيلة جلوسه على كرسي واحد ليقرأ التعريفات ويتحقق منها عبر شبكة الإنترنت، أو ليبحث عن شيء ما في الأطلس، أو ليقارن الإحصاءات الواردة في الكتاب مع مصدر أصلي أحدث. وسيكون الوصول إلى جميع المعلومات من كل بقعة على وجه الأرض متاحًا من الناحية التقنية.

ومثلما هي الحال مع الأفراد والمجتمعات سيختلف موقف البشر اختلافًا نوعيًّا تجاه مسألة التلوث وتدمير البيئة. سيتفق الجميع على ضرورة تنظيف البيئة، وسيكون هناك أيضًا ضغط قوي وجماعي لاتخاذ إجراء لتحقيق ذلك، فقد تغيرت النظرة للمدخنين بسرعة في غضون بضعة عقود فقط، وكذلك ستتغير النظرة في المستقبل إلى مسألة التلوث. ويمكننا أن نلاحظ الآن بدء حدوث عدة أمور في هذا الصدد، وقريبًا، ستجري تغييرات تاريخية. فاليوم يستنكر معظمنا إلقاء النفايات في أفنيتنا الخلفية، أو حتى أمام الجدار المشترك مع الجيران. وبمرور الوقت ستتغير نظرة المزيد من الأفراد والأمم بحيث يصبح تلويث البيئة في أي مكان، وبأي شكل من الأشكال، أمرًا مستهجنًا أيضًا. هذا هو التغيير الثقافي الذي سيكون له تأثيرات ثقافية واقتصادية واسعة النطاق.

وسيساعد إبقاء حالة المناخ تحت السيطرة إلى حد ما على درء خطر الكوارث الطبيعية، لكن ستكون أشد المناطق فقرًا، لا سيما في الصحراء الأفريقية الكبرى، أكثر عرضة مما هي عليه الآن لنقص المياه بسبب الاضطرابات المناخية. وستكون آثار تغير المناخ التي بدأنا نشعر بها حاليًّا تحت سيطرة جزئية. لكن من الطريف أن التغيرات الناجمة عن الاحتباس الحراري ستتيح استغلال الموارد التي كان يتعذر الوصول إليها سابقًا، وهو الأمر الذي سيرضي البعض. فمثلًا، سيؤدي تفكك الغطاء الجليدي في القطب الشمالي إلى إتاحة الإمكانية — والربح أيضًا — لاستخراج الموارد من بحر القطب الشمالي. وتشير تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن ما يصل إلى ربع احتياطيات الطاقة غير المكتشفة في الكرة الأرضية تقع هناك.

روسيا مثلًا لم تنفذ عمليتها الجريئة، التي خلت من الأخطاء من الناحية التقنية، عندما أطلقت مركبتي مير الغاطستين (في اللغة الروسية كلمة مير تعني «السلام»، وتعني أيضًا «العالم») إلى قاع المحيط على عمق بلغ ٤٢٠٠ متر تحت القطب الشمالي إلا لتؤمن مستقبلها، وغرست في القطب الشمالي علمها الوطني المصنوع من التيتانيوم، تمامًا كما وضع الأمريكيون علمهم على القمر عام ١٩٦٩. لكن الفارق هو أن أحدًا لن يتمكن من جلب أي مواد خام من القمر حتى بعد مائة سنة من الآن، لأنه لا يوجد هناك ما يكفي من المواد الخام ذات الجدوى الاقتصادية، والسبب الأهم أن ذلك سيكون لا يزال أمرًا مستحيلًا من الناحية التقنية.

وسوف تستغرق رحلة الطيران من موسكو إلى سان فرانسيسكو ساعة ونصف. وسيستغرق دخول المطار والمرور بإجراءات الأمن وقتًا أطول مما تستغرقه الرحلة بين قارتين وعبور المحيط الذي يفصلهما، أي إن الرحلة ستستغرق في مجملها خمس ساعات إلى ست، لن يتجاوز نصيب الطيران منها ٩٠ دقيقة. وبدلًا من بطاقات الائتمان أو جوازات السفر (التي لا تزال موجودة، وهي الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى)، لن نكون بحاجة إلا للمسة إصبع على شاشة، أو نظرة بعمق إلى واحدة من العيون الإلكترونية التي تتبعنا أينما ذهبنا. وسيقوم بمهمة تفتيشنا أشخاص يرتدون الزي الرسمي، بالإضافة إلى كلاب مدربة خاصة على تشمم البشر. وستكون هناك كلاب إلكترونية أيضًا. ربما ستؤدي هذه الكلاب مهمة التشمم على نحو أفضل، لكن لن تكون أفضل في أي شيء عدا ذلك.

ولن يكون من الضروري أن نكتب الرسائل النصية أو الإلكترونية؛ إذ لن يتطلب الأمر سوى أن نقول ما نفكر فيه، فتصل الرسالة إلى الشخص المراد، الذي سيسمعنا أو سيرانا على الفور. وفي المنزل ستتاح لنا مشاهدة كل الأفلام التي ظهرت منذ بدء صناعة السينما، والاستماع إلى جميع المعزوفات الموسيقية التي يمكن أن تتبادر إلى أذهاننا، فور اختيار ما نود مشاهدته أو سماعه من قائمة على لوحة رقمية. ولن نضطر إلى لمس أي شيء إذا لم نرغب في ذلك، إذ لن يتطلب الأمر سوى نطق كلمات قليلة بصوت مسموع؛ كأن تقول: «مقطوعة «الخلق» لهايدن بأداء الفرقة الإنجليزية لعازفي الباروك بقيادة جون إليوت جاردنر» فلا تلبث أن تجد نفسك تسمعها، أو تقول: «فيلم «الصحراء الحمراء» لأنتونيوني» فتجد نفسك تشاهد الفيلم، أو تقول: «أغنية «الجدار» لفرقة بينك فلويد» فتجد نفسك تراها وتسمعها. وستخصم تكلفة هذا أوتوماتيكيًّا من حسابك البنكي عبر الإنترنت، أو يمكنك أن تكتفي بتخيل تلك الأشياء، فهذا لن يكلفك أي شيء.

لكن لن يتمتع بكل هذا سوى البعض. وسيعيش الباقون في فقر. وحتى لو بدت حياة الفقراء في بعض الأماكن، مثل حياة أفراد الطبقة الوسطى اليوم، فسيظلون فقراء. وسيظل كثير من الناس يعيشون في بؤس الفقر المدقع ولن تتعدى سنوات عمرهم نصف متوسط عمر من يعيشون في أغنى الدول، على الرغم من الانخفاض الكبير الذي سيطرأ على وفيات الأطفال والرضع. ولن يحمي هؤلاء الفقراء أي شبكة تأمين إذا لم يتمكنوا من العثور على وظيفة، أو مرضوا، أو كبرت سنهم. وسيظل الأقارب والجيران الكرماء يتحملون هذا العبء. ولن يتخلص العالم لا من الجوع ولا من الأوبئة ولا من الأمية. ولن تتمكن أعداد كبيرة من التحدث باللغة الإنجليزية، أو اللغة الإقليمية المشتركة، التي ستكون ضرورية دائمًا للأعمال والتجارة تحديدًا، مثلما هي الحال للغة السواحلية في شرق أفريقيا، ولغة الهوسا في نيجيريا والبلدان المجاورة، واللغة الفرنسية في منطقة الساحل الأفريقي، أو اللغة الهندية في شبه القارة الهندية. بل لن يتمكن بعض الناس حتى من القراءة بلغتهم الأم.

ولن يتغير أسلوب الحياة ومستواها على الإطلاق لقطاعات كبيرة من البشر، أو قد يتغيران لكن إلى حد ما فقط، وبالحد الأدنى غير المحسوس، إذ سيرتبط حدوث هذا التغير وفقًا لنوع إعادة الإنتاج: بسيط أو موسع. ستظل الحال في المستقبل كما كانت من قبل. إن الكثير من الناس اليوم يرتبطون بأسلافهم بنفس القدر الذي ارتبط به الناس بأسلافهم قبل عدة أجيال. صحيح أن عقارب الساعتين الفيزيائية والبيولوجية تجري، لكن عقارب الساعتين الثقافية والاقتصادية ثابتة لا تتحرك.

ولن يكون قطاع كبير من البشرية في حاجة إلى الوصول إلى المعلومات المتوافرة، أو لن تتوفر لديه المصادر المالية اللازمة لذلك؛ إذ لا بد أولًا من تحفيز تلك الحاجة، ومن خلق تلك المصادر المالية. ومن ثم ستزداد المسافة التي تفصل هؤلاء عن أكثر المجتمعات تطورًا اتساعًا عما هي عليه الآن، على الرغم من كل التقدم الذي ينتظر البشرية في المستقبل. فجهاز الكمبيوتر الذي لا يتكلف سوى ١٠٠ دولار سيكون موجودًا، بقدرته الهائلة على أن يحدث تغييرًا نوعيًّا هائلًا في أشد البلدان فقرًا، لكنه لا يستطيع التغلب على عدم وجود الطرق أو خطوط الطاقة، أو قصور التعليم أو تراجع البيئة النظيفة الصحية.

وبينما تختفي بعض الأحياء الفقيرة تظهر أخرى. وستزدهر بعض العواصم الكبرى وستتدهور أخرى. وسيتغير وجه هذا العالم بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وستزداد أجزاؤه الأكثر تطورًا — «الشمال» — حيوية وتألقًا. وستبدو الكثير من المدن الكبرى شبيهة بلوس أنجلوس، وهي مدينة ضخمة يشكل «الملونون» نصف عدد سكانها. وهذا التمازج العرقي سيثري المشهد الثقافي ويدعم النسيج الاجتماعي (مع أنه يمكن أيضًا أن يؤدي إلى الخصومة والعداء). وهذا هو أكثر الأشياء غموضًا: ما الطريقة التي سيختارها هذا المزيج من البشر للتعايش بعضهم مع بعض؟ هل ستكون الحال كما كانت في منطقة أوديسا الأوكرانية منذ قرن ونصف من الزمان، قبل صدمة وعار أول مجزرة بشرية جماعية، أم مثل حالة المدن الغربية الحديثة مثل أمستردام أو كوبنهاجن؟ أم أن الأمر برمته سيكون مصدر رزق ومادة جديدة يعلق عليها مؤيدو نظرية «صدام الحضارات»؟ في الواقع يبدو نموذج التمازج الثقافي الأمريكي واعدًا أكثر من غيره. وعلى الرغم من أن هذا النموذج تشوبه بعض التشوهات، التي ظهرت في الاضطرابات الأخيرة في لوس أنجلوس، فإن هذا النموذج لديه قدر كبير من الدروس التي يمكن الاستفادة منها في بقية العالم، بما في ذلك أوروبا. ولا شك أن أعظم هذه الدروس المستفادة من النموذج الأمريكي هو درس التفاهم المتبادل والتسامح، حيث تنصهر هناك الأقليات في تيار الثقافة السائدة في نفس الوقت الذي تثري فيه بثقافاتها هذا التيار السائد.

وسنتمكن من تفادي الحرب الكبرى، التي كان من الممكن أن تقتل ٣٠٠ مليون شخص في يوم واحد؛ أي نفس عدد البشر جميعًا منذ ألف سنة مضت. لكن ستندلع الحروب الصغيرة هنا وهناك كل بضع سنوات، وفي جميع القارات، ولو أن الأمور ستسوء إلى أقصى حد، لا سيما في الأماكن التي ستعاني فقرًا من حيث الإنتاج، وهي تمتلك ثروة تتمثل في الموارد الطبيعية، فرغم كل شيء، لا بد من العثور على فائدة للأسلحة التي تنتجها البلدان الغنية، ولا فائدة أفضل من بيعها واختبارها من آن لآخر في البلدان الفقيرة، التي ستكون قادرة على تحمل هذه التكاليف الغبية على مدى القرن المقبل، والقرون التالية.

وحتى إذا تحقق كل هذا الذي ذكرت، فمن منا اليوم يعنيه كيف سيكون العالم بعد مائة سنة، ما دمنا لن نكون على قيد الحياة؟ ومن كان يعنيه منذ مائة سنة كيف سيكون العالم بعد مائة سنة من زمنه، أي اليوم؟ أعتقد أنهم قليلون، هذا إن وجد من يهتم بهذا الأمر أساسًا. لكن كل الأمور تحدث بسرعة كبيرة. و«الحاضر» المقبل يأتي بأسرع من لقطة في فيلم سينمائي. هذا هو الواقع النابض لحياتنا. ويوجد أناس من بيننا يتذكرون أجدادهم الذين ولدوا منذ ١٥٠ عامًا. وأحفاد أصغر الناس سنًّا اليوم سيقرءون هذه الكلمات بعد ١٥٠ سنة من الآن. تلك ثلاثة قرون كاملة! عليك فقط أن تركز رؤيتك وأفكارك في الاتجاهين لتتمكن من رؤية الصورة الشاملة. هذا أشبه بأن تجثو على أربع مجددًا لترى كيف يبدو الأمر — وتلك وضعية مستقرة لكنها مضجرة للغاية — ثم تعاود الوقوف بعد ذلك لتمعن النظر جيدًا في الأفق من حولك. ستجد أن هناك الكثير حقًّا لتراه.

دائمًا تكون الرؤية أفضل من عدم الرؤية. وفهم المزيد أفضل من فهم القليل. وتخيل الأشياء بدقة أفضل من عدم تخيلها على الإطلاق. ويمكن تجنب الكثير من الأخطاء التي ستقع في المستقبل، تمامًا مثلما كان من الممكن أن يوفر علينا أسلافنا مواجهة الكثير من المتاعب التي نشهدها اليوم. لكنهم لم يكونوا مؤهلين لذلك، ولم يفعلوه، لذلك كان علينا دفع الثمن. فهم لم يفكروا بطريقة شاملة وطويلة الأجل، ولم يعقدوا مقارنات، ولم يتنقلوا في الزمان والمكان بما فيه الكفاية. ولو كانوا أكثر قدرة على فعل ذلك، لكنا الآن أفضل حالًا. وإذا أحسنا اليوم فعل ذلك فستكون الأجيال القادمة أفضل حالًا، ولن يكون هناك الكثير ليتذمروا منه. لن يكون من المهم أن يقيموا لنا النصب التذكارية، لكن سيكون من الجميل ألا تكون لديهم أسباب لصب لعناتهم علينا.

وعندئذ سيقل الروث، وستكون الزهور أكثر بكثير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢