الفصل الرابع

العولمة؛ وماذا بعد؟

أين نشأت العولمة، وكيفية النجاح في عصر الاعتماد المتبادل بين دول العالم

ليس للعولمة وجه إنساني، لكن يجدر أن نتخيل لها وجهًا.

هذه وسيلة للإعراب عن القناعة بأنه ينبغي لحسن أداء اقتصاد العالم وتوسعه أن يقترنا بحس اقتصادي سليم، وبحرص حقيقي على البعد الاجتماعي للإدارة. وينبغي أن ينظر إلى هذا الأمر بوصفه اتجاهًا ينبغي لنا أن نسلكه، وإشارة إلى ما ينبغي علينا أن نوليه اهتمامًا أكبر في المستقبل. وليس هناك ثمة شك في أن استمرار العولمة وفقًا للنموذج الحالي أمر مستحيل؛ لأنها سوف تقودنا، في مجال الاقتصاد، إلى البرية، التي ستكون بالغة الوحشية، أو ببساطة «لاإنسانية». وقد يضل أفراد، أو جماعات من الناس، أو أقاليم بأسرها — لكن ليس العالم بأسره — في هذه البرية.

قبل أن نسترسل أكثر من ذلك، ينبغي أن نقدم تعريفات واضحة لا لبس فيها للمفاهيم التي نستخدمها. فقليلة هي الكلمات التي كانت لها أهمية مساوية لكلمة «العولمة»، لا شك أنها المصطلح الأوسع انتشارًا في الوقت الحاضر لوصف أوسع بعد عالمي لواقع سريع التغير؛ ليس على صعيد الاقتصاد فحسب، بل على الأصعدة الثقافية، والاجتماعية، والسياسية أيضًا. وهذا في حد ذاته مصدر لمشكلات متعددة. ونظرًا لأن هذه العملية — فنحن نتحدث عن عملية — تؤثر على جوانب كثيرة من النشاط البشري العام، فهي تقع ضمن نطاق مجموعة من التخصصات تتنوع من التاريخ إلى العلوم السياسية، ومن علم الاجتماع إلى علم النفس، ومن علم الويب إلى علم الإدارة، وحتى علم البيئة وعلم الأديان، وقبل هذا كله، علم الاقتصاد بالطبع. ولذلك للعولمة أكثر من وجه واحد؛ فهي تختلف وفقًا للزاوية التي يُنظر من خلالها إليها، وهذا يوجب الحاجة إلى تناولها من المنظور متعدد التخصصات أكثر من أي وقت مضى لكي نصل إلى فهم كامل للعولمة.

أكثر أبعاد العولمة عرضة للالتباس هو البعد الاقتصادي. ففي مجال الاقتصاد يستخدم مفهوم العولمة استخدامًا فضفاضًا إلى حد ما، بل إنه يستعمل في غير موضعه أحيانًا. وأكثر ما يثير الانزعاج في هذا، تكرار استعمال عبارات مثل «عولمة الاقتصاد العالمي» أو «عولمة العالم»، حتى في الدراسات الأكاديمية. فاستخدام تعريف شيء ما لتعريفه هو محض حشو وتكرار للمعنى، ليس سوى كلمات جوفاء. فكلمة «العالم» بذاتها تعني دول العالم كلها، لهذا نطلق عليه: «العالم»، وهو لا يحتاج لأن يتعولم؛ فعبارة: «عولمة العالم» تؤدي نفس معنى: «أرضنة الأرض».

وبما أن اللغة الإنجليزية لا تحوي لفظة: «أرضنة»، فنحن نقول: «عولمة». وحتى وقت قريب لم تكن كلمة «عولمة» ومرادفاتها موجودة في لغات أخرى. وعلى الأرجح يعود استخدام كلمة «عولمة» في الإنجليزية (Globalization) لأول مرة في صحيفة الإيكونوميست إلى عام ١٩٥٩،1 ثم باتت موجودة بالفعل في قاموس وبستر عام ١٩٦١. لكن بعد مرور ٣٠ سنة، بعدما باتت الكلمة واسعة الانتشار، لا نراها تحظى بمكان في قاموس «الاقتصاد المعاصر» الذي وضعته كوكبة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.2 ولم يقدِّم أحد أي اقتراح حول منشأ مفهوم الكلمة من خارج الدول المتحدثة بالإنجليزية، حيث ثبت يقينًا ظهور هذه الكلمة فيها أولًا. وفي هذه الدول أيضًا ظهرت العمليات التي كانت ضرورية للعولمة، وظهر تشكل هذه العمليات التي أتاحت ملاحظة حدوث شيء مثل «العولمة».

في مطلع التسعينيات، كانت مفاهيم مثل «التدويل» و«عبر الدول» تفي بالغرض. وفي الجامعات البولندية، كانوا لا يزالون يدرسون مادة «العلاقات الاقتصادية الدولية»، كما احتوي الدليل الأمريكي للمقررات الدراسية على مادة «الاقتصاد الدولي». وفي وقت لاحق صار اسم هذه المادة «العولمة» أو شيئًا من هذا القبيل، على الرغم من أن عددًا من أعضاء هيئة التدريس ظلوا يستخدمون الاسم القديم، ولم يتغير شيء في المادة بعد الاسم الجديد سوى إجراء بعض التحديثات الطفيفة في المحاضرات. وهذا مصدر لسوء فهم تأويلي ولأخطاء منهجية، لا سيما عندما يظن أحدهم أن العولمة ليست سوى تدويل لكن على نطاق أوسع. لكن العولمة في الحقيقة شيء جديد تمامًا من الناحية النوعية. وإذا حاولت أن تبحث عن كلمة «عولمة» باستخدام محرك البحث جوجل، فستحصل على ١٣٫٩ مليون نتيجة بحث في غضون ٠٫١٧ من الثانية. لكن نسبة كبيرة من هذه النتائج بالطبع لا علاقة لها بالعولمة التي نعنيها.

في أغلب الأحيان، الحياة — الواقعية أو التخيلية — هي التي تخلق المفاهيم؛ فالأمر يكون جاريًا في الواقع بالفعل، أو على الأقل في داخل عقولنا، من قبل أن يتخذ اسمًا. وفي بعض الأحيان، يكون الأمر قد حدث منذ وقت طويل وتلاشى في أعماق التاريخ، قبل أن يجري وصفه وإدراكه وتسميته. وقد ثبت كذلك أن الإنسانية بأسرها، وفيها أفضل العقول — علماء الاقتصاد والمؤرخون أيضًا — عاشت عصورًا دون أن تعلم لهذه العصور اسمًا، أو بالأحرى لم تعرف الاسم الذي سوف يطلق على عصورهم تلك في يوم ما في المستقبل. فلم يكن لدى أفلاطون (٤٢٧–٣٤٧ قبل الميلاد) أدنى فكرة — رغم الكثير من الأفكار الأخرى التي كانت لديه — عن أنه يعيش في زمن قديم. ولم يخطر ببال جالوس أنونيموس أنه كان يؤرخ لتاريخ بولندا في العصور الوسطى. ولم يكن أي شخص على علم بأنه يعيش في عصر الإقطاع. كان الكونت هنري دي بولانفيير (١٦٥٨–١٧٢٢) هو أول من استخدم تعبير الإقطاعية بمعناها الحالي وبوصفها نظامًا اجتماعيًّا اقتصاديًّا في كتاباته عن البرلمان الفرنسي الصادرة في عام ١٧٢٧.

وفي حالة العولمة، التي لدى الكثير من معاصرينا آراء كثيرة ليقولوها حولها ويكتبوها عنها، سميت العملية قبل فهمها ووصفها وصفًا تامًّا، وهو الأمر الذي لا نزال بعيدين جدًّا عن تحقيقه. كما أننا لا نعلم حتى في أي عصر نحيا. لكن البعض يتمادى بالحديث عما يمكن أن يطلق عليه «عصر بيني»، حيث ثمة عصر سابق قد انتهى، وثمة عصر جديد لم يولد، أو على الأقل لم يتبلور بعد، ونعيش نحن بين العصرين. وفي يوم ما، سيطلق شخص ما على عصرنا هذا تسمية تلقى قبولًا عالميًّا. ولن تكون هذه التسمية هي «العولمة». فهذه الكلمة لا تشير إلى نظام اجتماعي اقتصادي، ولا إلى عصر، لكنها بالأحرى تشير إلى عملية، أو إلى أمر يمضي إلى مكان ما. نحن نعيش زمن العولمة، مثلما عاش أسلافنا زمن الغزو الاستعماري أو الثورة الصناعية. وهذان لم يكونا سوى عمليتين أسفرتا عن نظامين جديدين في نوعهما: الاستعمار في الحالة الأولى، والرأسمالية في الحالة الثانية.

وقد أدى نشوء الرأسمالية إلى ظهور قوى منتجة بالغة التطور وعلاقات إنتاج، مما جعل لينين منذ مائة عام تقريبًا يصوغ نظرية الإمبريالية، التي بين من خلالها عدة خصائص ميزت تلك الحقبة. وقد أبرز الخصائص التالية على وجه التحديد:
  • (١)

    ظهور الاحتكارات نتيجة للمركزية وتركز رأس المال.

  • (٢)

    ظهور الأوليغارشية (الحكومات التي تهيمن عليها قلة استغلالية لتحقيق منافع ذاتية)، ورأس المال التمويلي نتيجة لاندماج رأس المال المصرفي مع رأس المال الصناعي.

  • (٣)

    التوسع في نقل (تصدير) رأس المال.

  • (٤)

    إنشاء الشركات التي تتخطى الحدود الوطنية وتوزع نفوذها على السوق العالمية.

  • (٥)
    اكتمال تقسيم أراضي العالم بين أكبر القوى الرأسمالية.3

من الصعب إنكار صحة هذا التوصيف، أو صحة تحليلات واقع الزمن الذي أدى إليه. كما أنه من الواضح للغاية انطباق بعض هذه الخصائص على العصر الحالي. والفرق الهائل بين ذلك الزمان وزمننا الحالي، يكمن في أن الدول القومية — لا سيما أكثرها قوة وتلك التي كانت تحمل الطموحات والمصالح الاستعمارية — كانت منذ مائة عام تهيمن على مسرح الأحداث في العالم. ففي ذلك الحين، كثيرًا ما كان مُلاك الشركات العالمية والمستثمرون العالميون يُتركون في غرف انتظار مكاتب رجال السياسة لأوقات طويلة، على الرغم من أن نفوذهم كان يتعاظم في ذلك الوقت. إلا أن الأمور الآن آلت إلى العكس من ذلك تمامًا، فرأس المال الدولي في الوقت الراهن بات يملك حرية الاختيار، وهذا لم يحدث من قبلُ على مدى التاريخ كله. وحرية الاختيار هذه ليست هامشًا ضيقًا، كأن يُخيَّر رأس المال بين الاستثمار في نورماندي أو في مستعمرة الجزائر مثلًا، بل إنه حر في اختيار مكان الاستثمار في أي بقعة من العالم بأسره، وغالبًا لا يأخذ في حسبانه الدول أو حكوماتها، التي لا تملك سوى قدر يقل شيئًا فشيئًا من حرية الاختيار، ومن يملك حرية الاختيار تكون القوة من نصيبه.

غير أن لينين — وكثيرين ممن كانوا يتطلعون إلى القوة وإلى عالم أفضل — كان على خطأ حينما سمى الإمبريالية «أعلى مراحل الرأسمالية» وخلص إلى أن النهاية الحتمية للكيان الرأسمالي كانت قاب قوسين أو أدنى، لكن عنوان النص الروسي الأصلي لكتاب لينين كان: Imperializm kak novieyshaya stadiya kapitalizma ومن ثم، فصفة «أعلى مراحل» ليست صحيحة، والأصح أن تكون: «آخر مراحل». ووصفت الرأسمالية وقتئذ أيضًا بأنها «مرحلة منفصلة» (otdielnaya stadiya باللغة الروسية). لكن الحجج الموثوقة التي قُدمت، لا سيما بعد انتصار الثورة البلشفية، لتؤكد على أنها «آخر مراحل الرأسمالية» ضمنت ظهور الكتاب في كل مكان، أثناء حياة لينين وإلى الأبد بعد ذلك، وهو يحمل في عنوانه كلمة «آخر» ليؤكد بذلك على فرضية الكتاب الحقيقية. إن للكلمات معنى.

والحقيقة أن الرأسمالية مرت في وقت لاحق بمراحل صعبة، وخيبت آمال حتى أعظم أنصارها أثناء فترة الإفلاس والكساد ١٩٢٩–١٩٣٣، وفترة صعود الفاشية العدوانية، والنازية، والهيمنة العسكرية، وأثناء الحرب العالمية الثانية، وخلال سنوات التنافس الحاد حينما بدت الاشتراكية على مدى فترات طويلة وكأنها تغلبت عليها. لكن الرأسمالية في النهاية أفلحت في انتشال نفسها من براثن عقود الانتكاسات والإخفاقات، ثم عملت على تشكيل اقتصاد العالم في شكله الحالي. ولا يزال شكله هذا يتغير، نتيجة لتأثير العولمة تحديدًا.

لو كان لينين حيًّا اليوم، لجعل عنوان كتابه: «العولمة أعلى مراحل الإمبريالية»؛ فكل مبادئ واتجاهات لينين تشير إلى هذا الاتجاه. لكن النظم والكيانات الناشئة نتيجة لعملية العولمة ليست نهائية. بل ستواصل تطورها على المستويين النوعي والكمي أيضًا. في الماضي أيضًا كان البعض يعتقدون أن لينين كان مخطئًا. لكن بعد فترة وجيزة حينما حصلت غانا على استقلالها منذ خمسين عامًا، أصدر كوامي نكروما (الزعيم الثوري العظيم لهذا البلد) كتابًا بعنوان جدير بالانتباه هو «الاستعمار الجديد: آخر مراحل الإمبريالية».4 وعلى نفس منوال هذا الاتجاه الفكري، نشهد الآن إسهامات في هذا النقاش، تحمل عناوين من عينة «العولمة باعتبارها أعلى مراحل الاستعمار الجديد». ويومًا ما، سيصدر كتاب يحمل عنوانًا يقول إن «شيئًا ما» هو «أعلى مراحل العولمة». فماذا عساه يكون ذلك الشيء؟

يجب علينا أن نعي أن ثمة كيانات جديدة ستظهر خلال تطور عملية العولمة، وتنامي عدد البشر واقتصاد العالم. اليوم لا يمكننا التكهن بماهية هذه الكيانات. لكن ما ينبغي علينا التكهن به هو كم المشاكل الخطيرة التي سوف تجلبها العولمة حتمًا في أعقابها. فهي، مثل جميع عمليات التحول الاقتصادي المعقدة التي حدثت على مر تاريخ البشرية حتى الآن، ستحل بعض المشاكل لكنها ستخلق أخرى غيرها. وعندما يتجاوز عدد المشاكل التي تظهر، في أعقاب أي تحول، عدد تلك التي تُحل، ستتوقف العملية وينهار الاقتصاد ويتلاشى النظام. ويومًا ما سوف يتكرر الشيء نفسه مع العولمة. لكن في البداية، ستسير الأمور على خير ما يرام، نظرًا لأن العولمة لا تزال بعيدة كل البعد عن استنفاد قدرتها على التوسع.

فما هي العولمة إذن؟ وكيف يمكننا تعريفها على أساس اقتصادي؟ إن أهم شيئين يتعرضان للعولمة — لكنهما ليسا الوحيدين — هما الاقتصاد والسوق. والعولمة حركة ترمي إلى الحد من القيود المفروضة على التبادل الاقتصادي الدولي وإلغائها. وهذا يشمل التغلب على الحواجز الطبيعية والمادية، مما يقلل قدر الأشياء التي يمكن وصفها بأنها «بعيدة وعسيرة المنال»، ويزيد أكثر فأكثر قدر الأشياء التي تبدو في متناول اليد. ويلعب التقدم التقني دورًا عظيمًا في هذا الأمر؛ لكنه ليس كافيًا، إلا إذا توافر شرط ثان هو إلغاء الحواجز السياسية التي صنعها الإنسان. وهكذا تكون العولمة عملية تحرير عفوية وتاريخية، إلى جانب ما سيصاحبها من تكامل شامل سيؤدي إلى ظهور سوق عالمية واحدة ومترابطة للسلع ورأس المال والتكنولوجيا والمعلومات، ولاحقًا وعلى نطاق أضيق: العمالة، التي كانت في السابق أسواقًا معزولة أو محكومة بقيود وظيفية فضفاضة. ثلاث من هذه الكلمات ذات أهمية حاسمة: التحرير والتكامل والترابط أو الاعتماد المتبادل بين الدول. وثمة كلمتان مهمتان أخريان هما: تاريخية وعفوية.

في ضوء هذه التعريفات، يمكننا أن نلحظ على الفور أن العولمة ليست كاملة بعد. علاوة على أنها ليست متناسقة في داخلها، إلى درجة أن أقوى ممثل على مسرح الأحداث العالمي — أي رأس المال — طالب بتحرير بعيد الأثر لحركته، وتمكن من الفوز به، بينما لا تزال العمالة عالقة في سجن القيود والإجراءات القومية، وعاجزة عن التدفق بحرية إلى جميع أنحاء العالم. ولكي نظل على أرضية اقتصادية بحتة — باستخدام براهين اقتصادية بحتة وبتحري الدقة والأمانة عند تطبيقها — فلا بد أن نشير إلى أنه وفقًا لمذهب الليبرالية الجديدة، ينبغي أن تنال العمالة نفس حرية الحركة التي يحظى بها رأس المال؛ أي إن العمالة ينبغي أن تكون قادرة على التحرك أينما شاءت، ودون قيود. بل يمكن أن نقول إن هذا أحد حقوق الإنسان الأساسية التي وهبته إياها الطبيعة؛ فالبشر لديهم كل الحق في التجول في كافة الأنحاء! لكن بعد فترة ما من الزمن، شرع البعض في حظر قدوم الآخرين أو استقرارهم في أجزاء من الإقليم الذي ادعوا أنهم امتلكوه أولًا؛ وحدث هذا في بادئ الأمر على مستوى مساحات صغيرة من الأرض فحسب، لكن الآن، صار الأمر على مستوى قارات بأسرها. ستظل العولمة محدودة وناقصة ما دام تطبيق القيود، وما لم يسمح للناس بالعيش والسعي للعمل حيثما أرادوا ذلك. فالحرية تعني وجود حرية الاختيار في هذا الأمر أيضًا. ورأس المال يملك هذه الحرية، بينما لا تملك العمالة حتى أقل قدر منها.

يتطلب اكتمال العولمة المعاصرة إلغاء التمييز في هذا المجال، وفتح الحدود أمام الهجرة الحرة، والتوقف عن إقامة مزيد من الحواجز. لقد تمكننا من إسقاط حائط برلين، لكن لا يزال مزيد من الأسوار يبنى هنا وهناك، وبإصرار أكثر من ذي قبل، كالجدار الفاصل بين الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية. إن فتح الحدود أمام تدفق هجرات البشر — مثلما حدث مع رأس المال — سيغير وجه الأرض على نحو ملحوظ في غضون جيل أو جيلين. وستستوعب آلية السوق العالمية الملايين من أبناء أفقر المناطق، لا سيما أفريقيا وأمريكا الجنوبية والوسطى، الذين سيساهمون بدورهم في زيادة المعروض من العمالة في أمريكا الشمالية وأوروبا على نحو غير مسبوق، وستؤدي هذه الزيادة في المعروض من العمالة إلى انخفاض سعرها، أي انخفاض الأجور. وسيؤدي ذلك أيضًا إلى ارتفاع مستوى الأجر في المناطق التي تدفقت منها العمالة بأعداد كبيرة، لأن انخفاض المعروض من العمالة هناك سيرفع سعرها. وستكون نتيجة ذلك انخفاضًا ملموسًا في تفاوت مستويات الدخل بين هذه المناطق من العالم. وهذا ما حدث في القرن الثامن عشر، ثم حدث ثانية على نطاق أوسع في القرنين التاسع عشر والعشرين، أثناء الهجرة الكبرى من أوروبا إلى أمريكا الشمالية.

هل سيحدث هذا في وقت من الأوقات؟ إنه يحدث بالفعل. فاليوم يتبين لنا أنه من الصعب للغاية صد تدفق الهجرات كالشلال من أفريقيا إلى أوروبا، ومن أمريكا الجنوبية إلى أمريكا الشمالية. الأساليب الديمقراطية والسلمية لا تجدي نفعًا، وربما يكون الإجراء الفعال الوحيد لمنع هذه الهجرات هو تحسين نوعية الحياة في المناطق التي تكون فيها الحياة بائسة جدًّا إلى درجة تدفع أبناءها، لا سيما الشباب منهم، إلى الاستعداد لفعل أي شيء للخروج منها، حتى ولو خاطروا بحياتهم في سبيل ذلك. وهذا يتطلب اتباع نهج يختلف في جوهره لإحداث التنمية المستدامة طويلة الأجل؛ إذ سيكون علينا أن نتوصل إلى طريقة تضمن ارتفاع نسبة النمو على نحو ملموس في الدول الفقيرة، لا في الدول الغنية، ومن ثم، نضع هذه الطريقة موضع التنفيذ، بدلًا من مجرد الإعلان عنها في صحيفة وعدة مؤتمرات. هذا هو السبيل الوحيد لسد الفجوة على نحو مرئي وملموس. وإلا فلن يظل ضغط الهجرات قويًّا كما هو الآن فحسب، بل سيصبح أكثر قوة. ومع الأسف، هذا تحديدًا هو ما أحدثته العولمة على مدى ربع القرن الماضي.

ثمة سبب آخر وراء عدم اكتمال العولمة، يكمن في أن تحرير قطاع الزراعة لا يزال بطيئًا جدًّا. فهو لا يزال مدعومًا بسخاء في أكثر الدول ثراء، التي تخصص قرابة ٤٠٠ مليار دولار سنويًّا لدعم الإنتاج الزراعي داخل حدودها. إن هذا المبلغ يفوق الناتج المحلي الإجمالي لبولندا بمقدار الخُمس، ويساوي تسعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للكونغو التي يبلغ عدد سكانها ٦٦ مليون نسمة. إن هذا يحدث لأن التحرير الكامل لقطاع الزراعة، وفتح أسواقه أمام المنافسة الشريفة من شأنه أن يؤدي سريعًا إلى تهميش الزراعة في أكثر الدول رخاءً، وإلى اختفائها تمامًا هناك في الحالات القصوى. إن هذه الدول لا تحافظ على قطاعاتها الزراعية (وعلى العاملين بهذه القطاعات، الذين يصوتون في الانتخابات) إلا من خلال الدعم، وهذا أيضًا لا بد أن يتغير، وهو يتغير بالفعل، من خلال تحرير تدريجي — لكنه بطيء — للسوق الزراعية، وتعديل السياسة الزراعية المشتركة والمضادة للإنتاجية للاتحاد الأوروبي، وهي سياسة مجحفة للغاية من المنظور العالمي. لكن لا يزال هناك الكثير لنقوم به في الولايات المتحدة واليابان وأوروبا أيضًا. فهذه الدول سيتعين عليها أن تمنع ما تدفعه للمزارعين الذين ينتجون القطن أو الأرز. إن السياسات التمييزية الحالية تحكم على الفلاحين الذين يجاهدون لسد نفقاتهم في البقاع الصغيرة في مالي أو في حقول الأرز في فيتنام بحياة الفقر.

وفي هذا السياق لا بد أن ندرك أن عدم اكتمال العولمة، الذي يتضح بصورة رئيسية في حالتي الأسواق الزراعية والعمالة — وهما ليستا الحالتين الوحيدتين — سوف يُحدث مشكلات سياسية أكبر على المستوى العالمي. هذه المشكلات كانت تلوح في الأفق سنوات، والشيء الوحيد الذي يمكن أن نتوقعه هو تصاعدها في المستقبل الذي يمكن التنبؤ به، وربما خروجها عن السيطرة أيضًا. إن الخروج بسلامة من التوترات المتراكمة سيتطلب اتخاذ إجراءات منسقة على المستويين الثنائي ومتعدد الأطراف. لكن القادة السياسيين لم يبدر منهم ما يشير إلى أنهم قادرون على إنجاز هذه المهمة بعد، كما تبدو الكثير من الأوساط الفكرية والأكاديمية عاجزة عن فهم عواقب هذه المشكلات فهمًا كاملًا. فهذه الأوساط تفضل مناقشة القضايا العامة بوجه عام، وليست مستعدة بجدية لتناول المشكلات الواقعية العملية. ومن السهل أن ندرك هذا — والإدراك ليس بنفس سهولة التغاضي — إذا اتخذنا بولندا مثلًا، فهنا في بولندا أيضًا تُدفع للمزارعين مبالغ مالية مباشرة تأتي من دافعي الضرائب من كل دول الاتحاد الأوروبي، ومن الضروري أن ينتهي هذا الأمر في أسرع وقت ممكن. لأنه يجعل منتجين من أجزاء أخرى من الاقتصاد العالمي أقل قدرة على المنافسة. ولا شيء أفضل من هذا يمكن أن يكشف النفاق المتمثل في ادعاء القلق بشأن الفقراء في الجانب الآخر خلف السياج العالمي. فالحقيقة هي أننا نهتم أكثر بالتحسن الملموس الذي يطرأ على نصيب القليلين من الطبقة الوسطى هنا، ولا نهتم بإحداث تحسن ولو طفيف في حياة كثير من الفقراء هناك.

•••

وهكذا فإننا ندرك أن السمات الأساسية للعولمة هي التحرير، والتكامل، والترابط بين الدول.

التحرير — الذي يقصد به توسيع وتعميق نطاق الحرية لمختلف الكيانات الاقتصادية كي تدخل في علاقات متبادلة على المستويات التكنولوجية والتنظيمية والإنتاجية والتجارية والمالية والاستثمارية — هو شرط مبدئي وضروري لتطوير روابط اقتصادية أعمق في المستقبل. ونظرًا لأن التحرير يرتبط مباشرة بالحرية والتحرر، ويعتمد عليهما أحيانًا، فلا بد من النظر إليه من خلال منظورات متعددة. أهم ما في التحرير أنه يتعلق بالحرية في مجال تحديد الأسعار — وهذا يشمل المستوى الدولي عبر البلدان أيضًا — الذي لا يمكن الاستغناء فيه عن آلية السوق الحرة. لكنه يتعلق أيضًا بحرية الدخول في علاقات متبادلة مع الشركاء، لا سيما من خلال اتفاقات بيع كل أنواع البضائع وشرائها، وهذا يشمل السلع والخدمات على حد سواء.5 ولا بد من النظر إلى هذه الاتفاقات من أوسع منظور ممكن، لأن أهدافها في الوقت الحالي قد لا تكون رءوس الأموال الخاصة بالبنية التحتية فحسب، بل رأس المال النقدي على تنوع أشكاله أيضًا. وأخيرًا، التحرير يعني ممارسة النشاط الاقتصادي ممارسة حرة لا تخضع للقيود، بعبارة أخرى، حرية الدخول في المعاملات التجارية والخروج منها (وهذا لا يعني أن يجري النشاط بطريقة غير منظمة)، بما في ذلك الحالات التي يتعذر فيها مواصلة النشاط التجاري (الإجراءات المنظمة للإفلاس).

التكامل هو عملية دمج الأسواق المجزأة في شكل سلع ورءوس أموال وعمالة — على نطاق أصغر — في سوق واحدة كبيرة. وهو يتعدى مسألة تجميع الأسواق المحلية والقومية والإقليمية وانفتاحها المتبادل فيما بينها بالمعنى الضيق للكلمة. بل يشمل التكامل أيضًا دعم هذه العملية بوضع قوانين سوق تناسب اللعبة الاقتصادية. وهذا يمكن الوصول إليه من خلال إنشاء كيانات تشجع عمليتي التحرير والتكامل، مثل منظمة التجارة العالمية أو منظمة العمل الدولية، إلى جانب بذل الجهود لتنسيق السياسات، على مستوى إن لم يكن عالميًّا؛ فدوليٌّ على الأقل.

سوق كهذه تكون مفتوحة للاختراق من قبل تياري العرض والطلب المتدفقين من قطاع عريض من أقسامها المجزأة. والسوق العالمية الكاملة والمثلى هي المكان الذي يتقاطع فيه المنحنى الذي يبين الطلب الكلي على كل منتج مع المنحنى الذي يبين العرض الكلي. وفي هذه السوق الموحدة بحق، سيحقق كلا هذين التيارين التوازن عند نقطة التعادل التي يشير إليها تقاطع هذين المنحنيين. وستحدد هذه النقطة سعرًا واحدًا من شأنه أن يفرغ السوق تمامًا، بحيث يباع كل ما كان معروضًا للبيع، ويورد كل ما كانت هناك حاجة إلى توريده. ولن تكون هناك أي مخزونات زائدة من فائض القدرة الإنتاجية؛ ولا عجز عن تلبية الطلب على البضائع، أو نوايا إنفاق لم يتسنى تحقيقها. إلا أن الأمور ليست كذلك في الواقع، ولن تكون كذلك أبدًا، فهذا محض خيال.

من الممكن أن تعمل أسواق المزارعين المحليين بهذه الطريقة، وكذلك المزادات المتنوعة التي تقدمها شركة إي-باي عبر الإنترنت، وهذا أثر من آثار العولمة، وهو أقرب شكل وصلنا إليه حتى الآن للسوق العالمية الواحدة والمتكاملة، التي تعمل على نحو مثالي، وتخلو من عدم التناسق أو تزييف الحقائق. فهي تشبه بالضبط شكل السوق الكلاسيكية السائد في كتب الاقتصاد الأكاديمية. ومع ذلك فهذه ليست الطريقة التي تعمل بها الأسواق العالمية في الواقع على صعيد الأغلبية الساحقة من المنتجات. لأن أسعارها تتحدد تحت تأثير الأوضاع المحلية للعرض وللطلب.

وإذا حدث واختل توازن أي جزء من أجزاء السوق العالمية نتيجة لزيادة حجم الطلب على حجم العرض (مع تجاهل الضغط المباشر لارتفاع السعر نتيجة للتضخم)، فستتدفق حينئذ السلع بسرعة من أجزاء أخرى من السوق الكبير نفسه. وهذا بالطبع يعتمد على افتراض وجود وفرة من السلع، أو طاقة إنتاجية لم تستغل على الوجه الأكمل في مكان ما، ويمكن حشدها على الفور بحيث يتوافر مزيد من السلع لسد حاجة السوق. فمثلًا، إذا هطلت الأمطار في شمال جزيرة نيوزيلندا، وصارت الأراضي موحلة للغاية، يمكن حينئذ لمصنع أحذية المطر المطاطية الموجود في أرميا في بولندا أن يزيد إنتاجه ليلبي الطلب على الأحذية، بأن يضيف وردية عمل ثانية، أو حتى ثالثة لو كان الأمر مجديًا. في هذه الحالة، يكون الطلب على البضاعة هناك في نيوزيلندا، ويكون العرض هنا في بولندا، إلا أن «هناك» و«هنا» أصبحا تقريبًا نفس المكان. وإذا كان هذا الطلب الكبير نسبيًّا أساسيًّا ودائمًا، ويميل إلى تجاوز ما توفره الطاقة الإنتاجية المحلية، فلن تتدفق السلع فحسب، بل سيشمل التدفق رأس المال والتكنولوجيا، وإذا دعت الحاجة، فستتدفق العمالة المؤهلة أيضًا، وستصنع المنتجات التي يتزايد عليها الطلب هناك، في مكان الطلب نفسه. وفي المثال الذي ذكرناه — إذا تبين أنه مربح بعد أخذ كلفة النقل في الحسبان — يمكن بناء مصنع أحذية المطر البولندي في أستراليا. وإذا لم يفعل البولنديون ذلك، فسيفعله آخرون، لأن أحذية المطر لا بد أن تتوافر هناك، نظرًا لوجود من يرغب في شرائها.

ولهذا بنت فولكس فاجن مصنعًا لتجميع سياراتها في البرازيل بدلًا من شحنها إلى هناك من ألمانيا، وأقيم مصنع للأثاث السويدي في إيطاليا بدلًا من شحن الأثاث إليها، وبدلًا من نقل زجاجات الجعة المكسيكية إلى الولايات المتحدة برًّا، وُضع حجر الأساس لإنشاء مصنع لتعبئة زجاجات الجعة هناك. وبطبيعة الحال، لم يغر هذا الاتجاه شركة بوينج الأمريكية ببدء إنتاج طائراتها في أوروبا، لكن هذا ليس راجعًا إلى عدم الرغبة في زيادة مرحلة إضافية لعملية الإنتاج، بل إنه يعكس الحرص على المصالح الخاصة، المحلية والقومية، بالإضافة إلى أنه يعزى إلى المنافسة الحامية وإلى القيود التي لا تزال سارية. إن العولمة لا تلغي المنافسة، لكنها بدلًا من ذلك تغير شكلها وتزيد من حدتها. هناك مزيد من اللاعبين في ملعب أكبر بكثير، والكل يلعب لتحقيق جوائز أكبر. وهكذا سيقل ارتباط هذه المنافسة بالمستوى «الدولي» شيئًا فشيئًا، ويزداد ارتباطها بالمستوى «العالمي» أكثر فأكثر، لأن رأس المال أيضًا صار يتخطى الحدود الوطنية على نحو متزايد، ولا يلقي بالًا لما يطلق عليها المصالح القومية، ولا حتى مصالح أكثر الأمم قوة. ومن آن لآخر سيتحدث حزب وطني أو رجل سياسة عن «المصالح القومية»، لكن هذا لن يكون في أغلب الأحيان نابعًا من حرص حقيقي على المصالح الوطنية، بقدر ما سيكون مرتبطًا بالفساد وحماية المصالح الخاصة.

وعلى نطاق أوسع، يرتبط اتخاذ القرارات التي تتعلق بجدوى إنشاء مرافق للتصنيع بالخارج بحساب الكلفة الإجمالية، التي تأخذ في الاعتبار تكاليف الأيدي العاملة المحلية وتكاليف النقل. ويكون انتقال رأس المال — لا سيما من خلال الاستثمار المباشر — مصحوبًا بانتقال الوسائل التكنولوجية، والظروف المحلية السياسية والمؤسسية وظروف البنية التحتية التي تتيح إنشاء خط إنتاج، وهي نفس العوامل التي دفعت الشركات اليابانية والأمريكية والأوروبية الغربية إلى افتتاح فروع لها في جنوب شرق آسيا والصين. ومن قبيل المفاجأة السارة التي لم تتوقعها هذه الشركات، أن هذه المناطق تبين فيما بعد أنها أيضًا أسرع أسواق السلع الاستهلاكية نموًّا، نتيجة لحدوث ازدهار اقتصادي غير مسبوق، واستمرار ازدياد السكان في ذلك الجزء من العالم.

وهكذا يتبين أن هناك موجتين متقاطعتين تجتاحان السوق العالمية التي يزداد تكاملها أكثر فأكثر؛ هما موجتا العرض والطلب، اللتان تأتيان من مختلف الاتجاهات وتتحدان لتشكلا مستوى ارتفاع المحيط وزيادته. إن إنتاج العالم ينمو بسرعة معقولة، وهذا النمو ناجم بدرجة كبيرة عن «التصدير». إنني أضع هذه الكلمة بين علامتي التنصيص لأن عملية تصدير إنتاج بلد ما، تعني «استيراد» بلد آخر لهذا الإنتاج، لذا سيكون من الدقة أن نسميه «التبادل التجاري»، لا سيما عندما يكون موضوع التحليل هو العالم بأسره، الذي يمكن وصفه بأنه المنطقة الاقتصادية الوحيدة المغلقة بحق. وكل ما عداه من مناطق — مثل الأقاليم والدول — مفتوحة إلى حد ما.

إن محيط السوق ليس هادئًا على الإطلاق؛ كما لم يكن المحيط الهادئ هادئًا عندما وصفه المستكشف الإسباني فاسكو نونيز دي بالبوا حين رآه لأول مرة من الشاطئ الغربي لبنما في عام ١٥١٣ وصاح في دهشة لرؤية هدوء صفحة مياه المحيط: «يا لهدوء المحيط!» إن تسمية المحيط الهادئ بهذا الاسم على مدى السنوات التالية قاد الناس إلى الخطأ، لأن الجزء الوحيد الهادئ من مياه هذا المحيط؛ كان فقط ذلك الجزء الذي رآه بالبوا من الشاطئ عبر الأفق. دائمًا تكون هناك احتكاكات وتحركات تعويضية، أو حتى عواصف هوجاء في بعض الأحيان، مع أن الأمواج المعتدلة الممتدة التي تبقي السوق المتكاملة في حالة توازن نسبي تكون هي المهيمنة. وهذه الأمواج كأمواج المحيط الهادئ لا تتجاوز حدودها. لكن هذا يحدث عندما يتبين أن الآليات التي تعمل على حفظ التوازن بين تيارات التغير في السوق غير كافية. وخلال المرحلة الحالية للعولمة، تعمل هذه الآليات بمستوى جيد نسبيًّا فيما يتعلق بالتداول العالمي للبضائع، الذي يشتمل على ما يطلق عليهما في علم الاقتصاد التقليدي: «التجارة الداخلية» و«التجارة الخارجية».

ومثلما يتعين علينا أن نتجنب الخلط بين التكامل والعولمة، يتعين علينا أيضًا أن نتذكر أن تقدم التكامل الاقتصادي بوصفه جزءًا أصيلًا من العولمة، ليس أكثر من تكاتف جماعي للأسواق نتيجة لانفتاح بعضها على بعض، ولإزالة الحواجز السياسية والاقتصادية (لا سيما الرسوم الجمركية)، واستحداث عملات قابلة للاستبدال، وخفض تكاليف الانتقالات والاتصالات. ويرتبط هذا أيضا بإنشاء مؤسسات دولية متكاملة. ولعل أفضل الأمثلة على هذا الأمر وأكثرها تطورًا في عالمنا المعاصر هو الاتحاد الأوروبي. لكنه في أفضل الأحوال يمثل ما يمكن أن نطلق عليه اسم «الأوربة» لا العولمة. علاوة على أنه لا يزال بعيدًا عن الاكتمال؛ إذ لا تزال اثنتا عشرة دولة أو أكثر من داخل أوروبا وعلى حدودها خارج الاتحاد الأوروبي، ولا تزال أمام الاتحاد الأوروبي مهام ينبغي القيام بها داخل الدول الأعضاء البالغ عددها ٢٧ دولة.

إن التكامل الأوروبي المعاصر لا يزال في منتصف الطريق الذي اتبع في أمريكا الشمالية، وهو نفس الطريق الذي لم يصل إلى غايته بعد في أمريكا الجنوبية (مع أن هذا قد يحدث يومًا ما). ففي حالة أمريكا الشمالية، تجمعت الولايات الثلاث عشرة الأساسية التي تتمتع بخصائص متنوعة إلى حد كبير، ثم زاد عددها فيما بعد إلى ٥٠ ولاية (بعضها كانت مستعمرات إنجليزية وفرنسية في السابق، والبعض الآخر تم الاستيلاء عليه بقوة السلاح وصودر من نسل الغزاة الإسبان، والبعض منها لا يزال وضعه غريبًا؛ مثل ألاسكا، التي كانت في السابق ملكًا لروسيا، أو جزيرة هاواي البولينيزية التي استعمرها الأمريكيون أنفسهم) وصارت الولايات المتحدة الأمريكية. وفي أقصى الشمال، ظهرت دولة كندا عندما شكلت تسع مقاطعات وثلاث ولايات وحدة متكاملة.

في حالة أمريكا الجنوبية، أدى تحرر المستعمرات التي كانت مملوكة لإسبانيا والبرتغال، إضافة إلى غويانا التي كانت مقسمة بين البريطانيين والفرنسيين والألمان، إلى ظهور اثنتي عشرة دولة مستقلة (لا تزال غويانا الفرنسية واحدة من أقاليم ما وراء البحار الفرنسية، أي مستعمرة)، لكن هذه الدول لم تندمج لتشكل كيانًا اقتصاديًّا قاريًّا واحدًا. صحيح أن هناك كيانات إقليمية ظهرت؛ أكبرها الميركوسور (التكتل الاقتصادي لدول أمريكا اللاتينية)؛ لكن هذه «السوق الجنوبية المشتركة» — بروابطها الواهية ومؤسساتها الضعيفة نسبيًّا — تضم الأرجنتين والبرازيل وباراجواي وأورجواي وفنزويلا، بينما لا تزال كلٌّ من الدول اللاتينية الباقية مثل بوليفيا وتشيلي والإكوادور وكولومبيا وبيرو أعضاءً منتسبين. ومع ذلك لا يزال جزء لا يستهان به من أمريكا الوسطى عدد سكانه ١٣٥ مليون نسمة خارج نطاق الميركوسور؛ وهذا راجع إلى مجموعة من الظروف، السياسية والثقافية بالأساس، لكنها صارت ظروفًا اقتصادية أيضًا فيما بعد.

وليس من الصعب أن نتخيل ترتيبًا مختلفًا للظروف التي كان من الممكن أن تؤدي إلى ظهور سوق أمريكية جنوبية موحدة مثلًا، وبقاء أمريكا الشمالية مجزأة لدويلات صغيرة؛ إذ كان من الممكن أن تقوم هذه السوق الموحدة في أمريكا الجنوبية اعتمادًا على عمق العلاقات الثقافية، وعلى عملة موحدة يمكننا أن نسميها «البوليفار» مثلًا، وعلى هيكل متين قائم على اقتصاد محلي لدولة واحدة، هي الولايات المتحدة لأمريكا الجنوبية والوسطى، وتمتد من تيرا ديل فيجو إلى ريو غراندي. وعلى الضفة البعيدة (أو ربما على الجانب الآخر من الجدار العازل) ستقبع ولايات تتحدث الإسبانية مثل تكساس وأريزونا وكاليفورنيا، وفلوريدا التي لا تبعد كثيرًا عن هذه الولايات، إلى جانب ولايات أخرى تتحدث الفرنسية مثل: لويزيانا وميسوري، وولايات تتحدث الإنجليزية في المنطقتين الشمالية والشرقية، وألاسكا التي تتحدث الروسية، وهاواي التي تتحدث البولينيزية. وربما يتبين أنه كان من الممكن حماية القبائل الأصلية من الانقراض، بحيث كنا سنجد ولاية ساوث داكوتا مستقلة، لا يزال يسكنها أبناء قبيلة السو ويتحدثون لغتهم الأم، أو ربما كنا سنرى الأوماها لا يزالون باقين في موطنهم بنبراسكا، التي لم تكن ستتحول إلى الولاية الأمريكية السابعة والثلاثين منذ ١٤٠ عامًا. وستكون لكلٍّ من هذه الولايات عملة ومؤسسات ومصالح خاصة بها. وستكون الاختلافات الثقافية فيما بينها أعمق بكثير من تلك الاختلافات الموجودة اليوم بين دول أمريكا اللاتينية، لأن «البوتقة» الأمريكية الشهيرة لصهر ودمج الأعراق والثقافات ما كانت لتوجد من الأصل. ونتيجة لهذا، ستكون هناك اختلافات إلى حد ما على صعيد السياسة الاقتصادية. ومما لا شك فيه أن تجمعات الأسهم والدخول والثروة القومية لهذه الولايات وتدفقاتها كانت ستقل عما هي عليه اليوم، نظرًا لأن الاقتصاد الأمريكي الموجود حاليًّا ناشئ عن اندماج كامل لأمريكا الشمالية، ويمكننا في هذه الحالة أن نطلق عليه اسم: «أمركة».

لم يحدث أبدًا أن توحدت أمريكا الجنوبية بالكامل، على الرغم من أن البعض حلموا بهذا الأمر. ولا يزال هؤلاء يحلمون بذلك، لكن إذا أدت هذه الأحلام في أي وقت إلى أفعال، فربما يسفر ذلك عن أمر هام. منذ نحو قرنين، أراد بطل أمريكا الجنوبية العظيم سيمون بوليفار أن يؤسس دولة شاسعة، هي «كولومبيا العظمى»، تضم الأراضي التي تحررت من نير الاستعمار. لكن أساساتها انهارت كبيت مبني من أوراق اللعب، نتيجة للنزاعات والمؤامرات الداخلية. وبينما كان بوليفار يحتضر في عمر ٤٧ عامًا في عام ١٨٣٠، قال إن تأسيس كولومبيا العظمى، التي تتألف من المنطقة التي تشمل حاليًّا كلًّا من بنما وكولومبيا وفنزويلا والإكوادور وأجزاء من بيرو وبوليفيا كان أمرًا سهلًا، لكن الحفاظ على الوحدة كان أمرًا أصعب مما يمكن تصوره. ثم أضاف ساخرًا: «على مر التاريخ، كان هناك ثلاثة حمقى، عيسى المسيح، ودون كيشوت، وأنا.»

وهكذا، لم تجد الآثار الإيجابية للسوق الموحدة — وهياكلها ومؤسساتها وقوانينها ومقاصدها — فرصة للظهور. وإذا أخذنا في الاعتبار الظروف الثقافية وتفاوت مستوى الموارد الطبيعية، فسيفسر هذا السبب وراء الاختلافات الجوهرية في مستويات التنمية بين هذه المناطق من العالم؛ فأينما يوجد مزيد من التكامل، يتحقق مزيد من الرخاء. والاندماج الكامل يعني أكثر من مجرد سوق أكبر وما ينجم عنها من منافع تتمثل في حجم التصنيع الكبير، أو ما يطلق عليه وفورات الإنتاج الكبيرة؛ بل يعني أيضًا انخفاض تكاليف الصفقات التجارية، وزيادة القدرة على التنبؤ في مجالي الإنتاج والعلاقات التجارية. فالشركات في كاليفورنيا ليست مضطرة لأن تقلق بشأن التغيرات غير المواتية في سعر صرف العملة في نيويورك، نظرًا لأنهما يتداولان الدولار الأمريكي نفسه. لكن المصنعون في بتاجونيا يواجهون مشكلات تتعلق بالقدرة التنافسية لصادراتهم في حال انخفاض البيزو الأرجنتيني أمام الريال البرازيلي في ساو باولو، أو قد يحدث العكس، نظرًا لأن أسعار الصرف تتحرك صعودًا مثلما تتحرك هبوطًا أيضًا. وتعني السوق الموحدة أيضًا قلة المخاطر الناجمة عن النزاع حول قضايا اقتصادية. لكن إذا دعت الحاجة، يمكن لأي وسيط، ممثل في شكل حكومة اتحادية، أن يسوي النزاعات تسوية نزيهة وداعمة للنمو أيضًا، بشرط تلافي مخاطر الروتين والفساد وإيثار المصالح الشخصية على المصلحة العامة.

لقد كانت «أمركة» أمريكا الشمالية ناجحة تمامًا ضمن الأبعاد الثقافية والاجتماعية، والسياسية أيضًا. لكن عدد المشاكل الناجمة عن ذلك ليس بالقليل. ولا يمكننا أن ننسى أن هذا النجاح — من المنظور التاريخي — قام على حساب إقصاء سكان آخرين، إلى حد وصل إلى الإبادة الجماعية لأكثر من عشرة ملايين — وفقًا لبعض التقديرات — من سكان أمريكا الأصليين. لكن لو كان العالم اليوم لا يضم إلا أمريكا الشمالية وحدها، لقلنا إن العولمة قد اكتملت. والمثال الأمريكي هو أفضل السبل وأكثرها إيجازًا لتفسير معنى العملية؛ كما أنه أساس يوضح إلى أين يمكن أن تقودنا عملية عولمة افتراضية تاريخية تمتد قرونًا. لكن المثال الأمريكي لن يقودنا إلى الهدف المنشود؛ فقد فات أوان ذلك، لأنه لا يزال هناك الكثير من الاختلافات العدائية وغير القابلة للحل في ظل النظام الأمريكي الحالي، ولا يمكن حلها بالأسلوب الأمريكي. أو يمكننا أن نقول — من منظور مختلف — إن الوقت لا يزال مبكرًا بقرون كاملة حتى يتحقق هذا، لأن هذه الاختلافات لا تزال هائلة جدًّا.

لكن الزمن يمضي، وبسرعة. فمنذ مائة وستين سنة، أصدر ماركس وإنجلز «البيان الشيوعي».6 يبدأ البيان بكلمات أثارت في ذلك الوقت ذعر اليمين واليسار على حد سواء، لكنها أثارت ذعر اليمين على وجه التحديد: «هناك شبح يخيم على أوروبا، هو شبح الشيوعية.» لكن ماركس وإنجلز لم ينتابهما الذعر على الإطلاق، واختتما بيانهما بدعوة نصها: «يا عمال العالم، اتحدوا!» وعلى مدى عقود، تصدر هذا الشعار صفحات الصحافة اليسارية، لا سيما الصحافة الشيوعية والاشتراكية. وبينما لم تتمكن البروليتاريا العالمية أبدًا من التوحد بفعالية في مواجهة استغلال رأس المال الخاص، فإنها توحدت في السوق العالمية — على نحو تناقضي غريب — من خلال رأس المال الخاص هذا نفسه. صحيح أن البروليتاريا أُخضعت لخدمة مصالح أولئك الذين كان من المفترض أن تتوحد ضدهم، لكن هذه ليست المرة الأولى ولا الأخيرة على مر التاريخ التي تجري فيها الأمور على عكس المنشود. إن التقدم الحادث على صعيد تكامل اقتصاد العالم الآن أكبر من أي وقت مضى، وهذا ينطبق على سوق العمالة أيضًا. وبعد أن تبين أن العمال غير قادرين على أن يجتمعوا على النموذج الشيوعي، اجتمعوا في كل الدول (تقريبًا) من خلال اتحادات أخرى عديدة مترابطة. فالمعروض من العمالة، أو بعبارة أخرى، سعر العمالة (الأجور) — ومن ثم فرص العمل — يعتمد بدرجة متزايدة في أي جزء من العالم على ما يجري في الأجزاء الأخرى.

منذ زمن ماركس وإنجلز، تغيرت آليات الإنتاج وتكنولوجياته على نحو جذري في غضون ستة أجيال فقط، وتغيرت معها العلاقات الاجتماعية. تقول كلاسيكيات الماركسية إن القاعدة (القدرة الإنتاجية وما يترتب عليها من علاقات إنتاج) والبنية الفوقية (القيم السياسية، والمؤسسات، والعلاقات) مرت بتحول شامل. هذا التحول حدث على مدى أجيال، وأحدث في أعقابه تجديدًا شاملًا للبنية الاجتماعية لفئات الشعب العاملة وغير العاملة في المدن والريف. فقد حدث انخفاض ملحوظ في عدد العمال أو — بعبارة أعم — في عدد من يتقاضون الأجور، أو القوى العاملة المستخدمة، أو من يطلق عليهم الأُجَراء. واتسعت الطبقة المتوسطة من الناحيتين النسبية والمطلقة، وبات المنتمون إليها حاليًّا أكثر عددًا من كل البشرية التي كانت على قيد الحياة عندما قدم ماركس وإنجلز رؤيتهما بعيدة المدى لأوج «ربيع الأمم»، إذ كان تعداد سكان العالم وقتئذ مليارًا وربع المليار نسمة. أما الآن، فقد وصل عددنا إلى ستة مليارات ونصف المليار نسمة؛ أي أكثر من خمسة أضعاف عدد سكان العالم وقتئذ. وهكذا، على المستوى الجدلي، الذي لا يزال متصلًا بالموضوع، كان هناك تغير جذري في الكم والنوع على حد سواء. لكن أكثر الأمور إثارة للاهتمام في كل هذا هو أن احتمالية اندلاع ثورة ستزداد ثانية، وهي تزداد بالفعل؛ لأن الاتحاد الشيوعي الأصلي للعمال كان فاشلًا بوضوح، بينما الاتحاد الذي صُمم ليلائم نتائج العولمة يعاني خللًا واضحًا من الناحية الاجتماعية.

أخيرًا، السمة الثالثة للعولمة وهي الترابط أو الاعتماد الاقتصادي المتبادل، وهو عبارة عن مزيج من علاقات الأسباب بالمسببات وآليات التغذية الرجعية بين الظواهر والعمليات التي تحدث في مختلف الأماكن في العالم. الأمر الرائع هو أن الملاحظات حول هذه الأنواع من العلاقات تشكلت بالفعل على مدى الألفي سنة الماضية. فقد أكد المؤرخ اليوناني بوليبيوس من مدينة ميجالوبوليس بجنوب اليونان، الذي كتب عن تاريخ روما في الفترة من ٢٠٠ إلى ١١٨ قبل الميلاد، أن «الأحداث السابقة التي حدثت في العالم، لم تكن قط مترابطة فيما بينها، لكن كل الأحداث الآن جزء من الكل.»7 لقد ولدت حشود من البشر منذ الزمن الذي عاش فيه بوليبيوس وكان بالنسبة له: «الآن»، واتسع عالمنا من البحر الأبيض المتوسط إلى أقصى أنحاء الكوكب بأسره، على الرغم من أن البعض يرون أن الأرض لم تعد كروية. والبعض، كشعب الأنواك في غرب إثيوبيا، يعتقدون بشدة أن المرء إذا ارتحل بعيدًا بما فيه الكفاية، فسوف يصل إلى حافة العالم ومن الممكن أن يسقط في الهاوية؛ وآخرون، مثل الصحفي الأمريكي توماس إل فريدمان، يقولون في سخرية إن العالم آخذ في التسطح مرة أخرى.8 وبكل صراحة، يبدو العالم الآن مكتملًا، على الأقل حتى يأتي اليوم الذي نقيم فيه علاقات خارج نطاق كوكب الأرض، وهو أمر لن نتطرق إليه حاليًّا؛ فهذا هو العالم الوحيد المتاح لنا الآن.

في الوقت الحالي، الاعتماد المتبادل ليس سمة الأحداث الاقتصادية فحسب، بل سمة الأحداث الثقافية والسياسية أيضًا. فمثلًا، يمكن لكل البشرية تقريبًا أن تتابع مراسم افتتاح أولمبياد بكين، أو تشاهد البث الحي للهجمات الإرهابية على مركز التجارة العالمي. ويمكننا أن نتكهن من سيفوز بالأوسكار، أو نتقابل للدردشة عبر الفضاء الافتراضي من خلال شبكة الإنترنت. ويمكن أن نؤثر على الانتخابات في أوكرانيا (إذا سُئلت، فأنا أختار الديمقراطيين)، أو أن نمارس الضغط لإسقاط نظام موجابي في زيمبابوي. وفي الاقتصاد، تظهر سلسلة معقدة من العلاقات بين العرض والطلب وأسعار السلع والخدمات في الأجزاء المختلفة من السوق العالمية. وكلٌّ من هذه الفئات الأساسية — العرض والطلب والسعر — مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحيث يمكن أن تعتمد جزئيًّا على الأحداث التي يبدو أنها تجري في أماكن أخرى. أقول «يبدو» لأن «أماكن أخرى» صارت اليوم في كثير من الأحيان تعني «هنا»، وليس بعيدًا عنا جدًّا على الإطلاق. وعلى المدى الطويل، يُحدث التفاعل بين العرض والطلب والسعر تأثيرًا غير مباشر على التكنولوجيا والإنتاج واتجاهات البحث والتعليم ونماذج الاستهلاك والسلوك.

وأحيانًا يسلك الاعتماد المتبادل بين الدول مسارًا ملتفًّا للغاية. وفي عدة مناسبات، يجري تجاهل مسار الأحداث عند إجراء التحليلات، مما يجعله غير معروف إلى حد بعيد. فمثلًا، منذ قرنين أدت المناوشات الإمبريالية والحروب بين إنجلترا وفرنسا إلى ارتفاع سعر سكر القصب الذي كان يقطعه العبيد من مزارع منطقة الكاريبي، وهذا بدوره أدى إلى إلغاء العبودية. ففي مطلع القرن التاسع عشر، صار استخلاص السكر من البنجر الذي يزرع في أوروبا الشرقية أكثر ربحًا. وأدى انخفاض الطلب على قصب السكر إلى إضعاف نفوذ وسلطة ملاك مزارع القصب في منطقة الكاريبي. وفي الوقت نفسه، كانت حركة إلغاء العبودية تتنامى في منطقتي البحر الكاريبي والجزر البريطانية. وكما نعلم، أُلغيت العبودية في إنجلترا في عام ١٨٠٧. وخلال تلك المرحلة من العولمة، ساهمت أوروبا الشرقية من دون قصد في وضع نهاية لهذا النظام المخزي في جزر الهند الغربية. وفي التحليل النهائي للأمور، لم يكن لهذا علاقة بحقيقة أن الجنود البولنديين — الذين أرسلهم نابليون (١٧٦٩–١٨٢١) بالآلاف إلى هاييتي عام ١٨٠٣ — أدركوا أنهم لا يحاربون ولا يُقتلون هناك في سبيل الأفكار السامية للثورة الفرنسية، بل دفاعًا عن مصالح تجار بوردو. انضم البولنديون إلى صف الجنرال المتمرد توسان لوفرتور — الذي ولد عبدًا هو نفسه — لقتال المستعمرين. صحيح أن توسان كان ابنًا لرجل اختطف من السنغال واستعبد، وكان مجاهدًا عظيمًا ضد العبودية، لكن ما ساهم بنصيب أكبر في نهاية ذلك النظام كان ناجمًا عن علاقة العرض والطلب والربحية النسبية لكلٍّ من سكر القصب وسكر البنجر. لقد ازدهرت العبودية إثر التوسع عبر المحيط الأطلسي وازدياد التجارة العالمية، ثم بدأت تذوي نتيجة لمجموعة من الظروف، عندما حدثت أحداث معينة في وقت واحد. لقد أدى بنجر السكر البولندي دوره.

وبالعودة إلى الحاضر، سنجد أن سعر الوقود في محطة بنزين في فيينا يعتمد على ما هو أكثر من مجرد حجم المعروض من خام النفط في السوق في روتردام، وبالمثل، يعتمد سعر القهوة في أقرب متجر على ما هو أكثر من حجم المحصول في البرازيل. واليوم، تُحدد كمية الملابس الواردة من الصين حجم العمالة في مصانع النسيج بالمكسيك، وتحدد أعداد السيارات المنتجة من خطوط التجميع في اليابان أجور العاملين في صناعة السيارات بأمريكا، وتحدد خصخصة المناجم في ياقوتيا سعر الماس في متاجر المجوهرات في الجادة الخامسة بنيويورك. ونمو صناعات بأكملها في أي بلد مرهون بمستوى الطلب على منتجات هذا البلد في دول أخرى. وحجم البطالة في أوروبا يعتمد على حجم القوى العاملة في آسيا. وبحث سكان دبلن عن مكان ليستثمروا فيه أموالهم يشكل وقودًا يذكي ارتفاع أسعار الشقق في بولندا، وتدفق السكان من وارسو يرفع أسعار المساكن في لفيف بأوكرانيا. ومن ثم، يجتمع هذان السببان فيشكلان ضغطًا على الأسعار في سيبيريا الغربية. وقرارات الحكومة في بلد ما تؤثر على اقتصادات دول أخرى. والبنوك المركزية تؤثر في قيمة النقد من خلال المضاربة في أسعار الفائدة واحتياطياتها من سعر النقود، أي أسعار الصرف، في دول أخرى. وعلى الرغم من أن الاتحادات التجارية لعبت دورًا لا يستهان به في حدوث التحول وظهور اقتصادات السوق الرأسمالية في الجزء الخاص بنا من العالم، فإنه ما من شيء يمكن أن ينقذها من التهميش الناجم عن الضغوط التنافسية للأسواق الناشئة الأخرى، التي يمكن أن نلاحظها الآن أكثر من أي وقت مضى. وهناك أيضًا العمالة رخيصة الثمن — والتي تكون أرخص بكثير في بعض الأحيان — في تلك الأسواق، مما يجعل أسواق العمل هنا وهناك مترابطة ويعتمد بعضها على بعض. إننا جميعًا على متن القارب العالمي نفسه.

يظهر الترابط بين الأسواق العالمية تحديدًا في حالة الأسواق المالية المتقاربة.9 فتحرير هذه الأسواق وإلغاء القيود المفروضة عليها، وما أعقب ذلك من تكامل ناجم عن قابلية تحويل العملات الوطنية وعن الثورة المعلوماتية، أدى إلى سلسلة من ردود الأفعال. وباتت عمليات الادخار والاقتراض والاستثمار ضمن منظومة الترابط العالمي تجري بصفة متزايدة. هذه العمليات لا تجري الآن على مستوى الاقتصادات الوطنية فحسب، بل على مستوى اقتصاد العالم بأسره، الذي دائمًا يحظى في ظله أي ترابط اقتصادي باستثمارات لاحقة تساوي حجم الادخار؛ بمعنى أن كل ما ادخر في بلد ما، سيستثمر في بلد آخر. لكن عملية تحويل المدخرات إلى استثمارات أصبحت عالمية هي الأخرى. وهذا يعني عولمة الوكالات المالية الوسيطة المتمثلة في قطاعات مختلفة من سوق رأس المال المترابطة، كالمصارف والأسواق والصناديق الاستثمارية، ومجموعة متنوعة من المضاربين والمستثمرين.

إن الأزمة المالية التي حدثت في التسعينيات — وما نجم عنها من تأثيرات ضارة على العالم من حيث مستويات العمالة والإنتاج والاستهلاك في دول جنوب شرق آسيا أولًا، وفي مناطق أخرى أيضًا من العالم في وقت لاحق، نتيجة لاجتياح موجة تداعياتها — كانت إلى حد بعيد عرضًا واضحًا لعمل آلية تحدد مستوى الاستثمار اللاحق وفقًا لحجم المدخرات. وإذا نظرنا إلى الاختلال الذي تجسد تحديدًا في عجز الميزانية والعجز التجاري في الولايات المتحدة، فسيتبين أننا نواجه أزمة أكبر. ولم يعد هناك مجال لتلافي العواقب، ويكمن السبب تحديدًا في الصراع العدائي للمصالح المتضاربة، والارتباط المتبادل بين الظواهر والعمليات. وبما أننا نبحر جميعًا في المحيط نفسه، فالاتجاه الذي تأتي منه الأمواج لا يحدث فارقًا، وسواء أكانت موجة عاتية بفعل الريح أم تسونامي ناجم عن زلزال؛ فبطريقة ما أو بأخرى، الأمواج تتكسر وتتحطم وتصيب جميع أنحاء السوق المترابطة، وتجر في أعقابها كل العواقب الممكنة.

هذا لا يعني على الإطلاق أن كل الأشياء تعتمد على كل الأشياء الأخرى. فالأمر ليس كذلك. ولا يعفي أيضًا حكومات الدول وبنوكها المركزية من مسئوليتها الواضحة عن أخطائها، تمامًا مثلما لا يمكن لمجالس إدارات المؤسسات والشركات أن تستغل العولمة لتغطي عدم كفاءتها الإدارية، لا سيما فيما يتعلق بالفشل في التكيف مع الظروف الاقتصادية المتغيرة. فالإدارة في ظل ظروف يغلب عليها عدم اليقين تتطلب مهارة، وظاهرة الاعتماد المتبادل ترفع سقف الكفاءة على نحو مدهش. وإذا ساد الاعتقاد أن كل الأشياء تعتمد على كل الأشياء الأخرى، فسيكون من الممكن الادعاء بأن لا شيء يعتمد على ما نفعله نحن. لكننا ينبغي أن نحدد الأسباب التي تؤدي إلى الفشل أو النجاح، بدلًا من إلقاء اللوم على العولمة فيما نواجهه من عثرات نجمت عن أخطاء على المستوى المحلي.

ولا يعني هذا أيضًا أننا من الممكن أن نجد السبب وراء ظاهرة ما في ظاهرة أخرى تحدث في الوقت نفسه. فالتفسيرات الخادعة للترابط والاعتماد المتبادل، والتي يمكن استخلاصها من هذا النوع من التفكير الخاطئ لا حصر لها. وهذه هي المغالطة المنطقية المألوفة التي تقول: «بما أن هذا الحدث أعقب ذاك، فهو لهذا ناتج عنه.» الآن يتعين علينا، أكثر من أي وقت مضى، أن نتجنب البحث عن الترابط المتبادل بين اقتصاد العالم المعاصر من جهة وشكل حركة العولمة دائم التغير من جهة أخرى، لأن مثل هذه التفسيرات الساذجة تبدو شائعة هذه الأيام.

أحيانًا يبدو لنا أن أكثر المهاترات صخبًا ووقاحة يجري التغاضي عنها. فعلى سبيل المثال: لا يمكن أن ننكر أن التذبذبات العادية في سعر صرف الزووتي البولندي التي تقدر ببضعة أعشار من المائة، ناجمة عن تقلبات المضاربة العادية في السوق، ومع ذلك تكون هذه التذبذبات موضوعًا للتعليق على نحو ما من قبل خبراء هذا المجال، نظرًا لأنه يتوقع منهم كل يوم أن يقدموا جرعات تغذية منتظمة — في حوالي العاشرة صباحًا، والرابعة عصرًا — يمكن (أو يجب) أن تقدم للأبرياء من القراء والمستمعين والمشاهدين. تسأل وسائل الإعلام، فيرد المحللون، وتتوالى الثرثرة، وينصاع وراء ذلك الصحف والأثير الإعلامي. ثم نستمع إلى تفسيرات متنوعة؛ كتلك التي وجدناها في التقارير الإخبارية البولندية في يوم عادي هو الثامن من مارس/آذار ٢٠٠٧: «صرح المحللون صباح اليوم الأربعاء بأن الزووتي قد انخفض … ويقول المحللون إن عملتنا من الممكن أن تشهد مزيدًا من الانخفاض … إن تراجع الزووتي وغيره من العملات الناشئة في منطقتنا ناجم عن النفور من المخاطر، وعن بحث المستثمرين عن استثمارات آمنة بعد ما وقع في الخليج الفارسي … بعد تقارير تفيد بأن زوارق إيرانية أطلقت النار على السفينة الأمريكية، بدأ الين الياباني في الصعود، مما أثر تأثيرًا فوريًّا على الأسواق الناشئة، التي بدأ المستثمرون في الانسحاب منها.» في ذلك الوقت، لم تصعد قيمة الين حقًّا، ولا تراجع الزووتي ولا أي عملة من عملات دول وسط أوروبا الشرقية بشكل ملموس. بعد ذلك بقليل، ارتفع الزووتي؛ فقد تبين لاحقًا أنه ما من سفينة إيرانية استهدفت أي سفينة أمريكية. إن هذا النوع من الأنباء ما هي إلا كلمات مدمرة تضللنا عن الحقيقة.

ومع ذلك هناك تيار مستمر من التعليقات السخيفة التي يدلي بها هؤلاء المحللون الماليون والاقتصاديون، علاوة على الصحفيين الذين يقومون بدور حيوي — كدور ناقل الحركة في السيارة — وهذا بات شائعًا الآن أكثر من أي وقت مضى لأنهم يتمكنون من نشر الأكاذيب ثم الإفلات دون عقاب، إضافة إلى ما نعلمه جميعًا جيدًا من أن الطلب على مثل هذه الثرثرة الفارغة بات كبيرًا الآن. ومثلما ينخدع الناس أحيانًا بشراء بضاعة فاسدة، فهم بالمثل ينساقون وراء الهراء في سوق الإعلام. ومن المثير للاهتمام أن أولئك الذين يروجون هذه الأنباء الضارة يبدو عددهم أحيانًا أكثر من عدد من هم بحاجة إلى الحماية منها؛ وهذا كله يحدث في ظل ظروف تسودها الحرية والديمقراطية. إن هذا يبدو كما لو كان عدد اللصوص يفوق عدد أفراد الشرطة؛ ولعل هذا صحيح بالفعل. يسفر كل هذا عن خرافات ومواقف سوء فهم بشأن ماذا يعتمد على ماذا، حتى عندما لا يكون ما يدعونه من ترابط متبادل ويريدون حشره في الرءوس موجودًا على أرض الواقع بالفعل.

إن العولمة تعني أيضًا أن النشاط الاقتصادي المترابط — الذي يجري على نطاق عالمي الآن — يُحدث مشكلات عالمية. وهذا ينطبق على العديد من الدول ويتعدى حدودها. فالمدى الشاسع لهذه المشكلات ومسبباتها، مثل آلياتها ونتائجها، يشير إلى أن الدول سواء أكانت منفردة أم مجتمعة تعجز عن حلها. وهذا ينطبق حتى على التكتلات القوية مثل الاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى، التي تضم — حسب أهمية إنتاج كلٍّ منها — الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وإنجلترا وفرنسا وإيطاليا وكندا. وقد دعيت روسيا للانضمام في منتصف التسعينيات لأسباب سياسية، وهذا يجعل اسم هذه المجموعة: مجموعة الثماني الكبار. ومع أن هذه الدول تسهم بما نسبته ٤٣٪ من إنتاج العالم (يبلغ إنتاج مجموعة السبع من دون روسيا: ٤١٪، ويبلغ إنتاج روسيا ٢٫٧٪)، فإنها عاجزة عن التصدي لبعض المشكلات على نحو فعال. وتشمل هذه المشكلات، على الصعيد السياسي، الإرهاب الدولي والجريمة المنظمة، وهي تسفر عن عواقب اقتصادية خاصة بها.

وعلى الصعيد الاقتصادي تتعلق المسألة في المقام الأول بعدم استقرار تدفق رأس مال المضاربة النقدي، وبالمخاطر ذات الصلة المتعلقة بإمكانية حدوث انتشار وبائي لأزمة مالية كبيرة. وقد مررنا بهذا في أواخر التسعينيات عندما اجتاحت العالم موجة الاضطرابات المالية التي بدأت في جنوب شرق آسيا، لا سيما إندونيسيا وتايلاند، وبعد روسيا والبرازيل جاء دور تركيا والأرجنتين. لقد أحدثت موجة الاضطرابات هذه صدى أثر في عدة دول أخرى في كل قارة، وفي اقتصاد العالم ككل.

وعلى المستوى الاجتماعي والإنساني تتزايد خطورة انتشار قدر كبير من الأمراض والأوبئة سريعة الانتشار، إضافة إلى أزمات عدد اللاجئين الكبير، وما تحدثه من تأثيرات مدمرة على المستويين البدني والنفسي، وانتشار الإباحية، لا سيما ما طال منها الأطفال والقُصَّر.

لكن أهم هذه المخاطر على الإطلاق هو تغير المناخ والاحترار العالمي. وهذا يعدو كونه ظاهرة اقتصادية، نظرًا لأن آثاره العديدة حاسمة في تحديد مصير بقاء الحضارة — على المدى الطويل — على الأرض. وهذه المشكلة لا يمكننا تحقيق النجاح المنشود فيها إلا بتدابير عالمية منسقة، ونحن ندرك هذا الأمر بالفعل، لكننا مع الأسف لا نتخذ التدابير المناسبة على الصعيد العالمي. ومع أن احترار المناخ في حد ذاته ليس ناتجًا عن العولمة — لأنه نتيجة عادية لتوسع أساليب إنتاجية معينة، لا سيما عمليتي التصنيع والميكنة على نطاق واسع — فإنه سوف يتطلب جهدًا مشتركًا من الإنسانية بأسرها للحد من وتيرة هذا الاتجاه الخطر وإيقافه. ومن الواضح أن الشعوب في مختلف أنحاء العالم عليها أن تتخذ أنواعًا مختلفة من التدابير. ومع أن العبء الأكبر يقع بصفة خاصة على دول مجموعة الثماني، وبقية دول الاتحاد الأوروبي، والصين والهند، فإن الجميع لا بد أن يسهموا في النضال من أجل ضمان بقائنا في المستقبل.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تعني العولمة انتشار النظام الرأسمالي على نطاق متزايد من مناطق العالم. والنتيجة الثانوية لهذا هي استمرار التكامل بين الاقتصادات المحلية والإقليمية داخل تشكيل عالمي واحد. فاقتصاد العالم يتألف من مائتي اقتصاد وطني تقريبًا يقل عددها شيئًا فشيئًا، نظرًا لأن تلك الاقتصادات يتزايد تكاملها مع بعضها. ونتيجة لذلك، يتعين علينا أن نتحدث عن الاقتصاد «هنا» أو الاقتصاد في «الأجزاء الأخرى من اقتصاد العالم»؛ بدلًا من التحدث عن الاقتصاد بصفته «محليًّا» أو «أجنبيًّا»؛ إذ يتزايد اصطباغ الاقتصاد العالمي بصفة «اقتصادنا» جميعًا، ويتزايد عملنا ضمن إطاره الشامل. لكن توصيف الاقتصاد بأنه «اقتصادنا» لا يعني على الإطلاق أننا نملكه. فرأس المال الذي يعمل في العالم الشاسع ويجري تدويره بسرعة البرق، غالبًا تملكه الآن — أكثر من أي وقت مضى — قوى هذا العالم المشترك، أو بالأحرى العالم المترابط المعتمد بعضه على بعض.

رغم كل هذا؛ فالعولمة ليست عملية جديدة. وفي ضوء تعريفنا، يبدو أن العولمة كانت تحدث طوال خمسة قرون على الأقل، لكن كانت تشوبها فقط بعض العوائق الثانوية والانتكاسات. وبعد أن ظهرت عولمة عصر الاكتشافات الجغرافية العظيمة الذي بدأ في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر، شهدنا موجة ثانية: عولمة عصر الاكتشافات والتطبيقات العلمية التكنولوجية العظيمة. ومرحلة العولمة هذه بلغت ذروتها من خلال تشكل منظومة الرأسمالية العالمية وظهور الاستعمار. وكانت الكيانات والمؤسسات الاقتصادية بمثابة قوانين تُحكم الروابط بين البلد المستَعمِر ومستعمراته، وبين التجارة الدولية وتدفق رأس المال الذي كانت سرعته في الماضي تساوي سرعة السفر بالسفن. لكن هذه المرحلة من العولمة واجهت اضطرابًا في عام ١٩١٣ — على نحوٍ مَثَّل صدمة للكثيرين — عشية الحرب العالمية الأولى. فقد كان من المفترض أن يكون كل شيء رائعًا وعلى ما يرام! وبدا أن الأوقات الطيبة ستستمر، وأن المشكلات العديدة يمكن حلها عن طريق التسويات، وأن اقتصاد العالم سيواصل نموه بسرعة؛ ويحقق الأرباح التي ستتراكم — طبعًا — في خزانات الدول الغنية. في تلك الأيام، لم تلق المناطق الأخرى ذات النمو الأقل، التي كانت وقتئذ أصغر نسبيًّا بكثير من اليوم، اهتمامًا كبيرًا، وفي تلك الأيام، ادعى قلة من رجال السياسة والشخصيات البارزة العامة — مثلما يفعل نظرائهم في الوقت الحاضر — أنهم يهتمون بمصير هذه الدول.

لكن الأوقات الصعبة — الحروب العالمية، والديكتاتورية، والكساد، والحمائية المتطرفة، ومنع حرية تبادل الأفكار والأشخاص والسلع — لم تدم طويلًا. وتلتها مرحلة العولمة الدائمة الحالية. ويذهب بعض المؤلفين إلى أنها بدأت فور انتهاء الحرب العالمية الثانية، أثناء الانفتاح المبدئي الشامل لأكثر الاقتصادات الرأسمالية نموًّا وتكاملها، وانضمام الاقتصادَين الياباني والألماني إلى زمرة هذه الاقتصادات، وقت قيامها بإصلاح الآثار المدمرة للحرب. بعد هذا بقليل، خلال الستينيات، انضمت اقتصادات الدول المستقلة المتحررة من نير الاستعمار — وإن لم تكن كلها — وفقًا لقواعد جديدة. وفي بعض الحالات، لم تسلك بلدان ما يسمى العالم الثالث المسار الرأسمالي لتحقيق التنمية، وأقامت مع الكتلة الاشتراكية علاقات ليست سياسية وعسكرية فحسب، بل اقتصادية أيضًا.

تدل تسمية «العالم الثالث» دلالة واضحة على وجود أكثر من «عالم» واحد. الأول كان ذلك الذي يخص الرأسمالية المتقدمة، والثاني كان ذلك الذي يخص الاشتراكية الحقيقية. وقد عاش عدد أكبر بكثير من الشعوب في العالم الثاني، ليس فقط بسبب ارتفاع مستوى النمو الطبيعي، بل بسبب ازدياد عدد الاقتصادات ذات التوجه الاشتراكي أيضًا. هذا أدى إلى زيادة حدة المنافسة بين «العالم الأول» و«العالم الثاني»، ليس لكسب القلوب والعقول فحسب، بل للسيطرة على العالم الثالث أيضًا. وبدأت الحرب الباردة، التي زادت تشرذم العالم واستقطاب اقتصاده بدلًا من توحيده. حتى بدا للبعض في منتصف السبعينيات أن العالم يتغير وفقًا لنموذجهم الخاص. فساد اعتقاد عند الحكام السوفييت واستخباراتهم أن «أمور العالم تجري وفقًا لطريقتنا»؛ حينما كانوا يخوضون حربهم الصامتة في العالم الثالث، تمامًا مثلما كان الغرب يفعل.10 لكن العالم أبى أن ينقسم إلى كتلتين إلى الأبد، وشرع في الائتلاف مرة أخرى ليشكل كتلة واحدة. وكما نعلم، فقد أُعلنت «نهاية التاريخ» قبل الأوان. لكن هذه عملية لا تزال بعيدة للغاية عنا، فالتاريخ لن ينتهي إلا بنهاية الحضارة الإنسانية. وهذا لن يحدث بالتأكيد في الألفية الحالية.
لم تكن الاقتصادات الاشتراكية منفتحة أبدًا أمام أي تواصل حر مع العالم الأول. بل كانت مغلقة في أغلب الأحوال. واليوم، يبدو مصطلح «التصنيع المضاد للاستيراد» قد عفا عليه الزمن، مع أنه ذات يوم كان من المفترض أن يكون القاطرة التي تقود نمو هذا الجزء من العالم. وبدا العالم على مدى الجيلين التاليين للحرب منقسمًا انقسامًا أكثر حدة من انقسامه خلال القرنين السابقين للحرب. فكيف كان يمكن لأي شخص أن يتحدث عن العولمة في مثل هذا الوضع؟ مع ذلك، فعلها الكثير من الكتاب، لا سيما في الغرب.11 منهم من كتب متحيزًا لتوجهه الخاص، أو في بعض الأحيان، كتبوا بغطرسة واضحة حينما قصروا تعريفهم لمفهوم «العالم» على الجزء الذي يعيشون فيه من هذا العالم؛ كما لو أن المنطقة الواقعة بين الألب والساحل الغربي للمحيط الهادئ لم تكن موجودة، أو أنها تنتمي لعالم آخر. (مثلما لا يزال الكثيرون من الأشخاص في الوقت الحاضر يقصرون رؤيتهم لأوروبا من الناحيتين الاقتصادية والثقافية، على الجزء الغربي منها فحسب.)

لذا فإن كل ما حدث في الجزء الرأسمالي من العالم في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية على صعيد التحرير والانفتاح وإلغاء القيود والتعاون أو التكامل، لم يكن عولمة، وما كان يمكن أن يكون كذلك؛ لأن جانبًا شاسعًا من العالم ومن الإنسانية جمعاء لم يشارك في تلك العمليات، بصرف النظر عن أهمية هذه العمليات ومدى اتساعها، أو تأثيراتها على المستقبل. ولم يكن من الممكن أن تبدأ المرحلة الثالثة الحالية من العولمة فعليًّا إلا بانضمام العالم الثالث، والأهم، انضمام «العالم الثاني» الاشتراكي السابق أيضًا إلى مسار عملية التنمية. لكن هذين العالمين سرعان ما تم توصيفهما بأنهما «سوقان ناشئتان»، لأن تلك كانت وجهة نظر السوق الرأسمالية بالغة التقدم، التي نشأت منذ وقت طويل سبق ظهور هذه الأسواق الناشئة. وقد بدأت هذه المرحلة منذ نهاية عقد الثمانينيات ومطلع التسعينيات. ومنذ ذلك الوقت، بتنا أمام العولمة الحقيقية، التي استؤنفت بعد انقطاع استمر ثلاثة أجيال، خلال ما يسمى «القرن العشرين المختصر» بين عامي ١٩١٤ إلى ١٩٨٩. وتفاوت مدى إقصاء بعض المناطق في مختلف أنحاء العالم عن العولمة النائمة التي كانت على وشك النهوض بهذا الزخم الهائل.

إن العمليات المرتبطة بتزايد تحرر المستعمرات السابقة بالكامل، وبالتحول العاصف القوي في دول ما بعد الشيوعية،12 كانت على رأس العمليات المؤثرة الأخرى التي أعطت المرحلة الثالثة المعاصرة للعولمة الدائمة طابعها الخاص. بعض من هذه السمات ظهر في المراحل السابقة أيضًا، بينما البعض الآخر جديد تمامًا. فالثورة العلمية التكنولوجية الحالية، وكل نتائجها الاقتصادية، تلعب دورًا بارزًا. وبمقدورنا أن نطلق على هذه العولمة اسم عولمة عصر الثورة الرقمية الكبرى. ويمكننا أن نبرز ست سمات حيوية وجوهرية للمرحلة الحالية من مراحل العولمة:
  • (١)

    نمو التجارة العالمية بسرعة تفوق سرعة نمو إنتاج العالم بمقدار الضعف.

  • (٢)

    تزايد حركة انتقال رأس المال العالمي على نحو مطرد بمعدل أكبر.

  • (٣)

    تزايد تيارات المهاجرين والنجاح في الإفلات من قيود الدول.

  • (٤)

    انتشار التكنولوجيا الجديدة بسرعة استثنائية، على نحو يغير طريقة ممارسة الأعمال ويخلق أنواعًا جديدة من الاعتماد المتبادل على نطاق عالمي.

  • (٥)

    زيادة سرعة عملية التحول الشامل لدول ما بعد الاشتراكية، مما أدى إلى انتقال نحو ١٫٨ مليار نسمة ينتمون إلى خمسة وثلاثين بلدًا للعيش في ظل اقتصاد عالمي حر.

  • (٦)

    بدء حدوث تغيرات ثقافية متعددة الاتجاهات، على نحو يتضمن تداخل مجموعة كبيرة من القيم.

آخر هذه النقاط يشمل تغيرات إيجابية وسلبية على حد سواء. وما من سبيل للوصول إلى إجماع حول هذه النقطة، نظرًا لأن ما يمكن أن يعتبره شخص ما تقدمًا يضيف قيمة، قد يراه آخر في نفس الوقت والمكان عكس ذلك. ويمكن رؤية هذا الأمر في الدول التي لديها خصوصية ثقافية تقليدية قوية، كالعالم العربي مثلًا. فبينما ينزعج البعض من العولمة أو من النموذج الأمريكي الاستهلاكي، قد يسعد البعض الآخر بإقامة مراكز التسوق على طراز تلك الموجودة في جنوب كاليفورنيا أو فلوريدا. بل قد يعتقد البعض أن أقصر طريق لتحقيق النجاح على غرار النمط الأمريكي لا يتأتى من خلال اتباع أسس الإنتاجية الأمريكية وآداب العمل الأمريكي، بل من خلال استعارة أسلوب الحياة الأمريكي، لا سيما النخبة المحلية. وعندما تقام فروع للجامعات الأمريكية — مثل تلك الموجودة في البحرين أو قطر — فهي تثير إعجاب مثل هذه الشعوب. لكن هذا لا يحدث بالضرورة عند اجتياح موجة مطاعم الوجبات السريعة في كل مكان. ومع ذلك ربما يكون الكويت هو البلد الوحيد في العالم الذي يمكنك فيه أن تشاهد سيارة فيراري في موقف سيارات ماكدونالدز. هل من الممكن مشاهدة ذلك في أي مكان في أمريكا؟

إن العولمة متطورة جدًّا، لكننا ينبغي ألا يأخذنا الانبهار بها. صحيح أن الكثير من الأمور التي كانت مستحيلة يومًا ما باتت ممكنة الآن، لكن دعونا لا نفقد المنظور الصحيح للأمور. فمن الأشكال الشائعة نسبيًّا للتكلف في الكتابات الاقتصادية — ليس في الصحافة فقط — الاستشهاد العشوائي بوجهات نظر قاصرة ومفرطة التبسيط دون إعمال العقل على نحو كاف. وتلعب الموضة أيضًا دورًا في هذا الأمر. فهناك قلة فقط من الأشخاص يستشهدون بما قاله ليستر ثورو الذي استبق الأحداث وقال: «للمرة الأولى في تاريخ البشرية، يمكن لأي شيء يصنع في أي مكان أن يباع في أي مكان آخر.»13 ويقول هذا شخص لم يزر كثيرًا من البلدان، أو بالأحرى زار عددًا قليلًا منها، لكنه لم يذهب بالتأكيد إلى كل مكان. لكن عند أي مرحلة بالضبط يصح أن نؤكد أن كل شيء يمكن تصنيعه في كل مكان؟ عندما تصير الجغرافيا تاريخًا؟ سيكون هذا الافتراض صحيحًا عندما تتمكن أي شركة من التالي:
  • أن تبيع دون قيود حيثما تحصل على أعلى سعر.

  • أن تحصل على رأس المال أينما كان متوافرًا.

  • أن تشتري المواد الخام من أكثر المناطق التي تدر عائدًا.

  • أن تقيم مصانع الإنتاج في أكثر الأماكن ملائمة.

ومن المخزي أن الحال ليست كذلك. صحيح أن الكمبيوتر «الأمريكي» يمكن «صنعه» (أو بالأحرى تجميعه) في ماليزيا، وأن بعض طرازات تويوتا «اليابانية» تجمع في تركيا، وأن برنامج سكايب يمكنه أن يوفر خدمات الإنترنت من إستونيا، لكن الحقيقة هي أنه لا يزال من غير الممكن تصنيع أجهزة الكمبيوتر في دول الشرق الأوسط، ولا يمكن تشغيل خطوط إنتاج تويوتا في أفريقيا الوسطى، ولا يمكن تشغيل خدمات سكايب من كازاخستان. وهذا يعني أن هناك تقنيات بالغة التقدم، إلى درجة أن الجغرافيا لا تزال تلعب دورًا كبيرًا، وأن هناك قدرًا كبيرًا من التباين بين مختلف مناطق العالم من حيث الإمكانات الإنتاجية: كالتكنولوجيا المتطورة، والنضج المؤسسي، والقوى العاملة المؤهلة.

وفوق ذلك، يزداد الاقتصاد المعاصر اعتمادًا على الخدمات أكثر فأكثر، ويقل اعتماده على إنتاج السلع المادية. ولن يكون من الممكن أبدًا صنع الخدمات وبيعها في «كل مكان» لا سيما التقليدية منها، التي لا يمكن فصلها عن المكان الذي تقدم إليه في أغلب الحالات. وبطبيعة الحال، لا بد أن تقدم هذه الخدمات عادة حيث يوجد الزبائن؛ فالعرض يكون حيث يوجد الطلب عليه. إلا أن شبكة الإنترنت والثورة الرقمية جعلتا نقل خدمات بعينها ممكنًا، لا سيما المعلومات وبعض أشكال التثقيف والتسلية والخدمات المالية، لكن هذا لا يسري على غسل سيارتك بمركز خدمة السيارات أو قص شعرك عند الحلاق، أو تناولك العشاء في مطعم جيد. فمن غير الممكن إجراء عملية جراحية أو تقديم خدمة رعاية الأطفال عبر الإنترنت. هذه الخدمات وزبائنها لا بد أن يكونا معًا، في المكان نفسه، وفي الوقت نفسه. أما من يرغب في الحصول على الخدمات عبر الإنترنت، فيمكنه مشاهدة المواد الإباحية، إلا أنه لن يتمكن من ممارسة الجنس هناك. لقد نجح العالم في أن يقلص نفسه إلى ما يبدو أنه نقطة وحيدة في فضاء الإنترنت الافتراضي، لكن ذلك عبر الإنترنت فقط. وفي مجالات أخرى، تبين أنه من الممكن تقليل المسافات وتقليص المساحة التي تجري خلالها صفقات البيع والشراء بشدة. لكن طالما كانت هناك مسافة، فستكون هناك تكاليف نقل، وهذا يعني بقاء تأثير العامل الجغرافي.

وهكذا، لا يزال أمامنا طريق طويل قبل أن نتمكن من إنتاج «كل شيء» في «كل مكان»، لكننا أقرب إلى ذلك من أي وقت مضى. وهذا تعبير عن مدى تقدم العولمة على الصعيد الاقتصادي. ويمكن أن نقول إنه كلما قل دور العامل الجغرافي في العمليات الاقتصادية مثل التجميع والتصنيع والتوزيع والاستهلاك؛ ازداد تقدم عملية العولمة، والعكس صحيح.

ومن الجدير أيضًا أن نبين عفوية العولمة. فحتى هذه المرحلة، كانت العفوية جزءًا من طبيعتها ومحركًا أساسيًّا لها؛ وانطلاقًا من هذا، من الممكن للعولمة أن تذوي وتنهار بفعل ثقلها في حالة غياب التنظيم اللازم على مستوى عالمي. وإذا كان من المفترض أن نفهم أن العولمة هي انتشار المبادئ الفعالة للسوق الحرة عبر الاقتصاد العالمي بأسره تقريبًا، فيمكننا تلخيص جوهرها في السيطرة الكلية للرأسمالية. ومن وجهة النظر هذه، يكون أولئك الذين يربطون العولمة بالانتصار الساحق للرأسمالية العالمية على حق، على الأقل في المرحلة الحالية من تطور الحضارة، فقد ثبتت استحالة جعل العالم ينسجم مع النموذج الاشتراكي أو الشيوعي، على الرغم من أن الكثيرين لم يحلموا بهذا فحسب، بل فعلوا الكثير من أجل أن يتحقق. على أي حال لقد انهار النظام الاشتراكي الدولي انهيارًا تامًّا في نهاية القرن العشرين، واندمجت اقتصادات السوق التي نشأت عنه في التيار الاقتصادي العالمي بثلاث طرق شديدة التباين.

والآن تتكامل اقتصادات ما بعد الاشتراكية مع بقية العالم في هذه المرحلة التاريخية لتطور الرأسمالية، في الوقت الذي تسود فيه رؤية الليبرالية الجديدة. والأولوية المطلقة فيها لأهمية الدور الذي تلعبه القوى الذاتية للسوق، بينما تتضاءل أهمية الدور الذي تلعبه الدولة وسياستها الفاعلة. ونتيجة لهذا، فإن اقتصادات ما بعد الاشتراكية — والبلدان الأخرى ذات مستويات النمو المنخفضة أو المتوسطة، وذات المؤسسات الرأسمالية الضعيفة التي تنفتح على العالم الخارجي — تمر بمرحلة تحول عاصف بفعل مبادئ الليبرالية الجديدة. وهذه السيطرة من جانب الليبرالية الجديدة عالمية تمامًا، وهائلة على مستوى علاقات الاقتصاد الدولي.

على مر التاريخ تباين توازن القوى بين القوى الذاتية من جهة والقوى الناشئة من إجراءات الدولة من جهة أخرى، حتى عندما تجلت الأهمية القصوى لدور الدولة على المستوى القومي أكثر مما هي الحال الآن، ليس فقط في الديمقراطيات الاجتماعية في الدول الاسكندنافية وفي أوروبا الغربية، بل أيضًا في الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا. وفي مسار العولمة، لعبت القوى الذاتية الدور الحاسم. لا أحد اخترع العولمة، ولا أقامها أي شخص. فما من أحد كتب سيناريو لأداء العولمة، وما من أحد يخرجه، على الرغم من وجود العديد من الممثلين على مسرح الأحداث. ومن ثم، فهي حدث أكثر من كونها دراما من ثلاثة فصول، تظهر فيها بندقية في الفصل الأول، لا بد لها أن تطلق النار في الفصل الثالث. ومن الواضح أن الممثلين الذين يقومون بأدوار البطولة على مسرح العولمة — الدول وحكوماتها، والشركات متعددة الجنسيات، والمستثمرين العالميين، والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية أيضًا، وتكتلات وسائل الإعلام العالمية، والمنظمات الإجرامية — كانوا يحاولون فترة من الوقت أن يحشدوا أكبر قدر ممكن من المكاسب لأنفسهم. وبعضهم يبلي أفضل من غيره في هذا المضمار؛ فكل لعبة فيها الرابحون والخاسرون.

إن الأسئلة الجوهرية التي تشغل الإنسانية تتمحور حول نتيجة هذه اللعبة. هل من الممكن أن نلعبها بحيث إذا لم يتمكن الجميع من الفوز — وهذا غير ممكن وفقًا لجوهر الرأسمالية السائدة عالميًّا الآن — فعلى الأقل يزداد عدد الفائزين أكثر فأكثر ويقل عدد الخاسرين شيئًا فشيئًا؟ هذا ممكن، لكنه ليس مؤكدًا على الإطلاق. فسيكون لا بد من حدوث الكثير جدًّا من الأمور في نفس الوقت، لكنها لا تحدث. وهذا إما ناجم عن أن مصالح بالغة القوة للاعبين بعينهم في هذه اللعبة — تحديدًا أكبر الدول، وأضخم المؤسسات العالمية — لا تتيح لهذه الأمور أن تحدث، وإما بسبب غياب الفهم الكامل للعملية التي تحدث الآن. وكلا هذين العائقين يثير التخوف، ولا بد من التغلب عليهما بمختلف الطرق. في الحالة الأولى، سيكون من الضروري فضح جماعة المصالح المشتركة الحقيقية، وتنظيم قوى قادرة على معادلة تأثيرها بفعالية. وفي الحالة الثانية، سيكون من الضروري أن نواصل النضال لكسب القلوب والعقول، وأن نشرح للمجتمع الدولي أن المرحلة الحالية للعولمة قائمة بالفعل، مما يجعلها عملية لا يمكن الرجوع عنها في المستقبل القريب، وهذا يوجب تنظيم هذا الجمهور الدولي، أو ببساطة تنظيم الإنسانية على نحو جديد.

الغلبة الآن للعولمة، لكن هذا لا يعني أن مؤيديها ينبغي أن يشعروا بالارتياح. بل يتعين عليهم العمل على زيادة الجوانب الإيجابية إلى الحد الأقصى، وتقليل الجوانب السلبية إلى الحد الأدنى، أو القضاء عليها إن أمكنهم ذلك، لكي نحمي عملية العولمة من مخاطرها الذاتية. فالعولمة تنطوي على الكثير من الجوانب السلبية والجوانب الإيجابية على حد سواء. والكثيرون يتحدثون عن الجوانب الإيجابية للعولمة وكيف تنشط الاقتصاد، وترفع الأجور، وتزيد حركة التجارة. لكن البراهين الإحصائية التي يقدمونها عادة تمثل منجزات اقتصادات قومية أو منجزات الدول ككل، وتكون في شكل بيانات مجمعة أو معدلات. وهذا لا يمثل الكثير، ويخفي انقسامات عديدة. فمن الضروري أن ننظر إلى الفقراء في الولايات المتحدة مقابل الأغنياء الجدد في روسيا، والبؤس في بلغاريا مقابل مستويات الاستهلاك الباذخة للنخبة في نيجيريا، والازدهار الصيني المذهل مقابل الركود المستمر طوال نصف قرن في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وسهولة الحصول على خدمة الإنترنت في جميع المناطق الواقعة حول البحيرات العظمى في أمريكا الشمالية مقابل شبه استحالة هذا الأمر تقريبًا في منطقة البحيرات الكبرى في أفريقيا.

لكن الناس يتذمرون من العولمة في البلدان الفقيرة والبلدان الغنية على حد سواء، دون النظر إلى أي من هذه الأمور الإيجابية. وهذا يسري على سوق التجارة وسوق العمالة، ومن ثم على فرص العثور على وظيفة وعلى مبالغ الأجور. فالناس في البلدان الفقيرة يتهمون البلدان الغنية بأنها لا تسمح بالوصول الحر فعلًا إلى المنتجات التنافسية التي تأتي من البلدان ذات الأيدي العاملة رخيصة الثمن، وتحرمهم بهذا من فرصة العمل والحصول على الدخل. والناس في الدول الغنية بدورهم يكرهون البلدان الفقيرة لأن الطلب المتزايد على العمالة لا يتوجه إلى حيث تكون القوة العاملة مؤهلة، بل إلى حيث تكون منخفضة الكلفة، أو بعبارة أخرى إلى البلدان الفقيرة. لكن في ظل العولمة المنفتحة، هل حقًّا تستحوذ الاقتصادات الأقل نموًّا على فرص العمل من الاقتصادات المتقدمة؟ وهل يحق لأمريكا الشمالية وأوروبا الغربية من ثم أن تلقيا باللائمة على ما يطلق عليها الأسواق الناشئة — لا سيما تلك الموجودة في أمريكا الجنوبية وشرق آسيا، مع أن الأسواق الأخرى الموجودة في أوروبا الشرقية، لا يجري التغاضي عنها هي الأخرى — لامتصاصها جزءًا من الطلب على أسواق العمالة فيهما؟

هذا صحيح إلى حد ما، لكن في الوقت نفسه تسهم العمليات الأساسية التي تصنع العولمة — حرية تبادل السلع ورءوس الأموال، وتدفق المعرفة والتكنولوجيا — في رفع مستوى الإنتاجية العام في الدول الغنية. ونتيجة لهذا، تكون الأجور الفعلية ومستويات المعيشة فيها أعلى نسبيًّا. بالتالي، نحن أمام عمليتين متزامنتين، إحداهما تسبب انخفاضًا في حصة الأجور من الدخل، والأخرى تؤدي إلى نمو في المستوى المطلق للدخل. ومحصلة هذا أن العمال الذين يتمكنون من إيجاد فرصة عمل يحصلون على شريحة أقل من فطيرة أكبر حجمًا، ومن ثم تكون استفادتهم من هذا كله أقل. لنوضح هذا بالقيم المادية، سنقول: إن الأجور الفعلية في أغنى ١٨ بلدًا تزايدت على مدى العقدين الأخيرين بمعدل أسرع بلغ ٠٫٢٤٪ سنويًّا بفضل تأثير هذه العمليات.14 وهذا سوف يضيف على مدى ٢٠ سنة معدل نمو إضافي يبلغ ٤٫٩٪. وهذا ليس كثيرًا في ضوء التصريحات الرنانة بشأن الآثار الإيجابية للعولمة. كما أنه ليس من المستغرب على الإطلاق أن يترتب على ذلك عدم الرضا والإحباط المتنامي واندلاع الاحتجاجات. ومع ذلك لا يجب أن تتحمل العولمة اللائمة على نحو رئيسي في هذه الحالة.

من الثابت أن حصة الأجور من الدخل قد انخفضت بشكل ملحوظ في الدول الغنية خلال الربع الأخير من القرن. كان أكبر انخفاض في اليابان، حيث بلغ نحو ١٠ نقاط مئوية بين عامي ١٩٨٠ و٢٠٠٤، في حين بلغ الانخفاض في الولايات المتحدة وبريطانيا ٣ إلى ٤ نقاط مئوية. نحن نعني هنا حصة الأجور للعمالة الموظفة من حيث القيمة المضافة. هذا الانخفاض يعزى — كما هو الحال دومًا — إلى مجموعة من العوامل، أحدها عولمة سوق العمالة. وتشمل العوامل الأخرى بالدرجة الأولى التطورات التكنولوجية، التي تتسبب في كثير من الأحوال في تسريح أشخاص كثيرين من وظائفهم، ونقل جزء من أي قيمة مضافة تتولد إلى المبدعين في مضمار التطور هذا والمستثمرين فيه. وتشكل التغييرات المؤسسية غير الداعمة لحقوق العاملين عاملًا آخر، هذا العامل هو ما يطلق عليه صندوق النقد الدولي: «سياسات سوق العمل»، التي يظهر أنها تقلل من تأثير دوره السلبي في هذا الأمر.

وتمشيًّا مع تفضيلات ومبادئ الليبرالية الجديدة، ينطوي تنفيذ التغيير في المقام الأول على ما يطلق عليه زيادة مرونة أسواق العمالة، التي ترمي بالأساس إلى إضعاف الموقف التفاوضي للعاملين في مواجهة رأس المال. ومن ثم، ليس من المستغرب أن مثل هذه السياسة الهيكلية تحول هذه الزيادة في الدخل إلى زيادة في الأرباح لا زيادة في الأجور. وهذا هو السبب الجوهري وراء انخفاض حصة الدخل المخصصة للعاملين، ووراء الزيادة، المترتبة على ذلك، في الحصة التي تذهب لرأس المال. هذه العملية طبيعية جدًّا، وتتواءم مع مبادئ أي اقتصاد رأسمالي؛ والعولمة تساعد على دعم هذا الأمر. وفي الوقت الحالي، لم يعد هذا التحول يحدث على مستوى محلي أو وطني، بل على مستويين دولي وعالمي. وهذا بدوره يُصعب السيطرة على الصعيد القومي. لكن العولمة في حد ذاتها ليست مسئولة عن هذا التحول الحادث في هيكل الدخل، الذي لا يصب في مصلحة العاملين، بل إن المسئولية عن هذا تقع على الضغط الناجم عن تعظيم رأس المال لهدفه الوظيفي، أي: الأرباح. وفي ظل ظروف رأسمالية عالمية تشكلت وفقًا لتوجهات الليبرالية الجديدة، يحرص رأس المال على مصلحته حرصًا فائقًا، ويتفوق في ذلك على النقابات العمالية أو الدولة، التي يفترض أنها تقف — على الأقل وفقًا لتصريحاتها — إلى جانب العاملين وحقوقهم.

•••

نظرًا لأن العولمة يفترض أن تتغلب على التحديات المتتالية التي يفرضها الزمن، فلا بد لها أن ترتقي إلى معيار وظيفي جديد تمامًا. وقد اقترح بعض الكتاب، من بينهم جوزيف إي ستيجلتز، الذي اشتهر سابقًا بانتقاده الحاد لأوجه قصور العولمة،15 مجموعة من التحركات التنظيمية والمؤسسية التي — من وجهة نظرهم — من شأنها أن تحسن أداء العولمة. وهذا عبارة عن نهج معياري نموذجي، يقدمون من خلاله النصح بشأن الحال التي يجب أن تكون عليها الأمور، إلا أن البعض منهم يبدو أنه ينسى بحث السبب وراء كون الأمور على الحال التي هي عليه الآن.

يجب أن تصبح العولمة أقل عفوية وفوضوية، وأكثر تنسيقًا ورشدًا. فاستمرار العولمة في توجهها العشوائي لن يسفر إلا عن تفاقم التفاوتات الحالية الهائلة في الوضع المادي — الدخل والثروة — بين المناطق والدول والفئات المهنية والأفراد. وهذه التفاوتات تتجاوز حدود الطاقتين الاجتماعية والاقتصادية. ونتيجة لهذا، بدأ اتساع ما يطلق عليه هامش الإقصاء الاجتماعي يفت في عضد الفعالية الاقتصادية ويؤثر عليها سلبًا. أقول «ما يطلق عليه»؛ لأنه لم يعد هامشًا، أو — من منظور آخر — مجرد مرض اجتماعي، بل بات سمة هيكلية بالغة الوضوح تسببت في إقصاء الكثير من الناس إلى هامش الحياة الاجتماعية الاقتصادية، وحرمانهم من أي إمكانية للاستفادة من ثمارها.

وحالما نتجاوز درجة معينة — نقترب نحوها الآن أكثر فأكثر — فلا يمكن إلا أن تتزايد احتمالية اندلاع تمرد وثورة جديدة، وهذا بدوره من شأنه أن يُرجع العالم إلى ضلال البرية المجهول. قد يكون وقع هذا مشوقًا للرحالة، لكنه ليس كذلك للإنسانية. فالموجة المتصاعدة للهجرة، والإرهاب الدولي، ونفور مزيد من الدول — لا سيما في أمريكا اللاتينية — من المنحى الأمريكي الليبرالي الجديد، جميعها تشكل بعضًا من مظاهر الإحباط المتنامي وتصاعد ما يمكن أن يسفر عن انفجار وشيك. والتهاون في إصلاح القصور في مسار العولمة الحالي سيجعل حدوث هذا الانفجار أمرًا حتميًّا. إن الخيار الوحيد هو إعادة إضفاء الطابع المؤسسي على العولمة. ويجب أن يعمل نظام السوق الرأسمالية العالمية في إطار من التنظيم، ويوجه نحو مصالح تنمية الاقتصاد والمجتمع. لا بد من التوصل لوسيلة تمكننا من السيطرة على المصالح الخاصة للاعبين العالميين الكبار في هذه اللعبة، فحتى هذه اللحظة، لا يزال هؤلاء خارج نطاق السيطرة.

ثمة عمليتان سلبيتان تؤكدان ضرورة وجود تنظيم وسياسة تنسيق على نطاق عالمي، ألا وهما: الاحترار العالمي والإرهاب الدولي. فهما يبرزان عفوية العولمة بوضوح. ولولا هذه العفوية وما يصاحبها من عجز التنظيم، لما كانت بلايا العالم المعاصر هذه لتتمكن من الانتشار على هذا النطاق. إن المصالح الخاصة، وجشع رأس المال، وانتشار روح الاستهلاك، دون إيلاء اهتمام كاف لمواجهة الآثار السلبية الناجمة عن التوسع في أنواع معينة من التصنيع والاستهلاك قد تسببت بالفعل في تلوث البيئة وتدهورها على نحو يصعب إصلاحه. كما أدى إضعاف دور الدولة، وفقًا لتعاليم الليبراليين الجدد، وتحرير التجارة في قطاعات معينة — منها الأسلحة — إلى خصخصة النزاعات المسلحة والحروب الإقليمية. والإرهاب العالمي ليس سوى أثر آخر من آثار جنون الخصخصة. فإذا كان علينا خصخصة كل شيء، فسوف نعمل أيضًا على خصخصة الكفاح في سبيل مختلف «الدوافع المشروعة» التي يكون الإرهابيون على استعداد تام لقتل الآخرين وأنفسهم أيضًا في سبيلها.

بتنا الآن نعلم بالفعل أن لا أحد بمفرده — ولا حتى أقوى الدول مثل الولايات المتحدة، أو مجموعات من الدول، كمجموعة الدول الصناعية السبع أو الاتحاد الأوروبي — قادر على التغلب على الاحتباس الحراري، أو الإرهاب الدولي، أو أي من الأمراض العالمية الأخرى التي تفسد علينا حياتنا. فهذه جبهات حرب تتطلب العمل الجماعي وتنسيق السياسات، وترتيبات مشتركة، ووضع قواعد جديدة للعبة العولمة والعمل الاقتصادي على نطاق عالمي، وهذا يعني إقامة مؤسسات جديدة. فالعفوية قد تكون أمرًا رائعًا في سوق الطماطم المحلي مثلًا، لكنها ليست كذلك فيما يخص السوق العالمية على الإطلاق. وغياب القوانين في ظل شعار «الحرية الاقتصادية» المغري يعني في الواقع تغليب الاهتمام بالمصالح الخاصة للأقلية على حساب الأغلبية، وقادت الإنسانية إلى النمو على الصعيد الاقتصادي، لكن المهم هو أنه من الممكن الوصول إلى ما هو أبعد، وتحقيق ما هو أكثر بتكلفة أقل.

لذا، وفقًا لمبادئ العقلانية الاقتصادية، نحن بحاجة إلى العمل، وعلى نطاق عالمي. ولن يقتصر العمل على هذا القرن والقرن القادم فحسب — حيث سيكون بعضنا لا يزال على قيد الحياة — بل يجب أن يمتد على المدى البعيد، فمستقبل العولمة سيعتمد على قدرة الجنس البشري على إدراك قدره وصناعة مصيره بيده. ولا معنى لأن نترك الأمور لأي أيادٍ أخرى، لا سيما الأيدي الخفية. وهناك الكثير جدًّا من المناطق التي لا يمكن فيها رؤية تلك الأيدي الخفية، لأنها ليست موجودة أصلًا، غير أنها موجودة في مجالات أخرى، لكن حتى في هذه المجالات، لا تتصرف الأيدي الخفية على النحو المنشود، بل تُحدث مشكلات أكثر من تلك التي تحلها. إن زيادة عقلانية العولمة هي مفتاح المستقبل، وهذا سيتطلب إضفاء طابع مؤسسي جديد على اقتصاد العالم وجميع أشكال الاعتماد المتبادل. وإذا تمكننا من تنفيذ هذا خلال القرن الحالي — فهو مشروع ينفذ على مدى قرون — فسوف ننجح في إنقاذ العولمة من تدمير نفسها.

العولمة عملية زمنية، فطابعها التاريخي يعني أن لها بداية، وأنها جارية، وأنها ستنتهي عند نقطة معينة. ومن ثم لا بد أنها تقود من مكان لآخر. وهو طريق طويل نشأ في عدة تكوينات اجتماعية اقتصادية؛ كالإقطاعية الأوروبية والآسيوية، والإمبراطوريات القديمة التي كانت قائمة في أمريكا الجنوبية قبل مجيء كولومبوس، والمجتمعات البدائية المبعثرة في جميع أنحاء العالم. وقد بدأت في عالم مقسم بفعل حواجز جغرافية وتقنية وسياسية كانت مستعصية على التجاوز في ذلك الوقت. ومن هناك وصلت إلى المدن العالمية والقرى التي نعيش فيها الآن جنبًا إلى جنب. فنصف البشرية يعيش في الحضر الآن، ونصفها الآخر في الريف. وهناك حشود من البشر تجول هنا وهناك. والاعتماد العالمي المتبادل يجمعنا معًا برابطة أقوى من أي وقت مضى. وربما لهذا السبب سيكون من الأفضل ألا نتحدث عن المدينة أو القرية العالمية فحسب، بل عن الوطن العالمي.

ومع أننا ربما كنا نعلم إلى حد ما من أين أتينا، فإننا لا نعلم بوضوح إلى أين نحن ذاهبون. ولا شك أننا جميعًا راغبون في أن نكون متجهين نحو مستقبل أفضل. لكن هذه مسألة اعتقاد إيماني ونوع خاص من التدين، أكثر من كونها مسألة تأكيد علمي أو معرفة. لكن المستقبل سوف يحمل ما هو أفضل للبعض، وما هو أسوأ للبعض الآخر، وفيما يخص الكثيرين لا يزال المستقبل مجهولًا. فالإنسانية تواجه مشكلات وتحديات، بعضها تفرضه العولمة، لكن من السذاجة والغرور أن يعلن جيلنا أن العولمة هي آخر العمليات الحضارية العظيمة؛ فسوف تكون هناك عمليات حضارية أخرى، وسوف تغير ثورة خضراء وجه الأرض مرة ثانية، عندما يدرك الناس حقًّا أن فرصتنا الوحيدة للبقاء هي تغيير أسلوب حياتنا الحالي إلى أسلوب حياة يقوم على التوازن البيئي، وأن نتحول إلى تنمية ذاتية الاستدامة بحق. من الناحية الزمنية؛ نحن على أعتاب تلك الثورة.

وهكذا فإن العولمة عملية مفتوحة النهاية، لكنها ليست لانهائية. وأهم من هذا، أنها مستمرة. وهي مرنة بطبيعتها، فلا يجب بالضرورة أن تكون عولمة على الطراز الليبرالي الجديد. ولا يجب بالضرورة أن تخدم في المقام الأول المصالح الأمريكية، أو مصالح أقوى المؤسسات وشركات التمويل. في هذه اللحظة، نحن لا ندري بالتحديد ما يخبئه لنا المستقبل القريب أو ما ينتظرنا وراء الأفق، على الرغم من أن الأفق قد اتسع نتيجة للتوسع المتواصل في وجهة نظرنا ولتعمق معرفتنا. كل ما يمكن أن نقوله اليوم هو أن العولمة أدت إلى ظهور اقتصاد سوق نشط، بكل ما يحمله من السمات الثقافية والاجتماعية والسياسية، التي تبقى رغم ذلك متشابكة ضمن التناقضات الداخلية التي لا تحصى للرأسمالية العالمية، أو — لنقل هذا بطريقة أخرى — متشابكة داخل اعتماد متبادل على نطاق عالمي. إن العولمة كائن حي نابض. هناك الكثير من الأحداث سوف يحدث، مثلما حدث الكثير من الأحداث على مدى النصف الأخير من القرن الماضي. فقد سقط النظام الاستعماري، وانهارت الاشتراكية، وبدأت الثورة العلمية التكنولوجية لعصر رحلات الفضاء، وظهرت أجهزة الكمبيوتر وشبكة الإنترنت والتكنولوجيا الحيوية. فما الذي يمكن أن يحدث في المستقبل؟

ستظل العولمة ضرورية باعتبارها فئة ناشئة في الاقتصاد والعلوم الاجتماعية والسياسية، وأي محاولة للتدخل في هذه العملية لن تعرقلها أو تعكس اتجاهها. بل يمكن على الأكثر تعديل الخسائر والمنافع عبر إعادة تشكيل حركتي التدفقات والموارد اللتين تحددان هيكل وديناميكيات النمو الاجتماعي الاقتصادي. كل هذا سيكون مهمًّا، لكنه سيكون تغيرًا كميًّا وليس نوعيًّا. فالتغير النوعي سيتطلب إعادة تقييم شامل وإجراءً منسقًا من جانب الإنسانية جمعاء، وعلى نطاق غير مسبوق في التاريخ. إن التحول بعيدًا عن العولمة باعتبارها وسيلة من وسائل التنمية سيتناقض مع جوهرها، وسيتضمن إما تراجعًا للوضع السابق؛ أو قفزة جديدة نحو المستقبل.

في الحالة الأولى — على الرغم من أن العولمة تبدو كأنها موجة كاسحة لا يمكن صدها — ينبغي ألا نبالغ في مدى اتساع تأثير العولمة. فقد هبت رياح مختلفة الاتجاهات عبر التاريخ، وليس هناك ما يضمن أن اتجاهاتها لن تتحول ثانية. وإذا نظرنا حولنا بتمعن، على المدى القريب والمدى البعيد، فلن نرى حدًّا للتخلف وضيق الأفق وكره الأجانب والانعزالية والعصبية القومية والعنصرية والحنين للحمائية والبيروقراطية المتطرفة، وتدخل الدولة الرجعية. وأكرر ثانية: كل ما يتطلبه الأمر هو تزامن حدوث ظواهر واتجاهات معينة على صعيد الاقتصاد والثقافة والسياسة عبر مسار التاريخ لكي يحدث التحول بعيدًا عن تيار العولمة السائد حتى الآن، تمامًا كما حدث في عام ١٩١٣ عندما فشلت الرأسمالية العالمية تمامًا.16 فمنذ مائة عام، كان الظاهر من الطريقة التي ازدهرت بها العولمة الحالية أنها موجة لا تقهر؛ لكن في غضون سنوات قليلة، تراجعت فجأة وتحولت إلى ركام فترة امتدت عقودًا. وكان من حسن الطالع أن تمكنت العولمة من استجماع قوتها مرة ثانية خلال العقود اللاحقة.
في الحالة الثانية — القفزة نحو الأمام — لا بد أن يحدث تحول نوعي نحو وحدة عالمية جديدة وكاملة، واقتصاد عالمي على مستوى عال من التحضر — ناهيك عما يمكن أن يسفر عنه هذا من لقاءات مع كائنات من خارج الأرض، وهو احتمال لا يزال ضربًا من الخيال في الوقت الحاضر (لكن هذا أيضًا سوف يحدث، فقمة الغطرسة الكونية أن نعتقد أن الحياة الذكية الوحيدة على مستوى الكون كله حكر علينا). لكن بالعودة للأرض؛ ما الذي يمكن أن يُحدث هذه القفزة نحو المستقبل؟ هذا سيتطلب موقفًا دوليًّا ووحدة عالمية. وهذه المرة، لن يقوم هذا الموقف على مبدأ الهيمنة والقهر وإخضاع بعض الأشخاص لأشخاص آخرين بالقوة. فقد حدث هذا بالفعل خلال عصور الإمبراطوريات سواء التي دامت زمنًا طويلًا أو قصيرًا، والتي استعمرت عوالم أصغر منها؛ مثل إمبراطورية الإسكندر الأكبر (٣٥٦–٣٢٣ قبل الميلاد)، والإمبراطورية الرومانية، وإمبراطورية جنكيز خان،17 والإمبراطورية الإسبانية في زمن فيليب الثاني (١٥٥٦–١٥٩٨) التي ربما لم تغب عنها الشمس أبدًا بالفعل، ولكنها سقطت قبل الهيمنة المطلقة على العالم أجمع، تمامًا كما حدث مع الإمبراطورية البريطانية في وقت لاحق. كانت أحلام القوة العظمى تراود مؤسسي إمبراطورية «رايخ الألف عام»، لكن من حسن حظ البشرية أن الرايخ الثالث — وكل العواقب الرهيبة التي تسبب فيها — لم يدم إلا اثني عشر عامًا فقط. ومن غير المستبعد أن يكون ماو تسي تونغ قد ظن أن الشيوعية التي نظمت وفق أفكاره يمكنها أن تهيمن على العالم. هذا ما يقوله لنا متخصصون ذوو شأن في هذا المجال.18 واليوم، بعد مرور أربعة عقود على دعوة ماو إلى «الثورة الثقافية» الشائنة، ينبغي أن نضيف أن صعود الصين، التي صارت رأسمالية حتى النخاع، وتحولها إلى قوة عالمية، لم يكن هو ما فكر فيه الرئيس ماو بأي حال.

في هذا الوقت، على الإنسانية — التي لا تزال مترابطة بروابط واهية على الرغم من الاعتماد العالمي المتبادل الذي نشهده حاليًّا — أن تتحول من ممارسة مجاملات عالمية إلى دولة عالمية بحق. يجب أن يتكامل اقتصاد العالم تمامًا. وعلى هذين الأساسين، اللذين يمثلان ركيزتين صلبتين، يجب أن يبنى صرح عالمي يشبه الدولة كي ينظم عمل الإنسانية جمعاء، على الصعيدين الاقتصادي والثقافي، لمصلحة كل البشر في العالم كله. يبدو هذا ضربًا من الخيال، فالإنسانية لا تزال عاجزة عن بلوغ مثل هذا المسعى المنسق الرشيد، لكنه سيحدث قريبًا.

يمكننا أن نشعر بالإعجاب بالمنجزات العظيمة للتحرير الاقتصادي على صعيد إطلاق إمكانات الطاقة البشرية والإبداعية. ويمكننا أن نندهش من سرعة التطور التكنولوجي التي حطمت الرقم القياسي، ومن انتشار التكنولوجيات الحديثة. بل يمكن حتى أن يداعب خيالنا حلم العودة إلى الديمقراطية المباشرة على الطراز الأثيني، مصحوبًا بخلفية التكنولوجيا الحديثة، والتعليم والمجتمع، عدا وجود اختلاف طفيف، هو أنها ستكون ديمقراطية غير مباشرة، تمارس عبر الإنترنت ووسائل الاتصال اللاسلكية، لكنها ستكون حقيقية على الأقل. فمنذ زمن طويل جدًّا، كان اجتماع الرجال البالغين (مجلس أبيلا الذي كان حكرًا على المواطنين) في الميدان في إسبرطة أعلى سلطة في الدولة اليونانية. وقتها أطلق مواطنو إسبرطة على أنفسهم اسم «السواسية»، على الرغم من تحيزهم الصارخ ضد المرأة. ومع ذلك تمتعت المرأة الإسبرطية بحرية أوسع بكثير من حرية مثيلاتها في مناطق أخرى من العالم، بما في ذلك أثينا.

لكن رأس المال والطبقة السياسية لن يسمحا بحدوث شيء من هذا القبيل. وسيستخدمان حججًا مثل افتقار الناخبين إلى المعرفة والمعلومات والنضج والمسئولية. فممثلو الشعب المنتخبون — وليس الشعب نفسه — يعرفون كيف ينبغي أن تكون الأمور. وفي أحسن الأحوال، ربما سيكون هناك زيادة قليلة في عدد الاستفتاءات، أكثر مما هو الحال الآن؛ ولكن فقط في الإطار الكافي ليظل ممثلونا قادرين على تقرير مصيرنا.

في يوم ما، منذ مائة أو مائتي سنة، وفي هذا الجزء الخاص بنا من العالم منذ عشرين عامًا فقط، كانت عشرة في المائة فقط من المجتمع تبت في مائة في المائة من قضاياه. واليوم مائة في المائة من المجتمع تبت في عشرة في المائة فقط من قضاياه، نظرًا لأن معظم نسبة التسعين بالمائة الباقية خاضعة للسوق والقوى التي تحكمه. في الواقع، يُتخذ القرار في العديد من المسائل المهمة جدًّا للغالبية العظمى من الناس دون استشارتهم، ودون حتى أن يعرف الناس شيئًا عنها أو يدركوا وجودها. وقد لا تخدم هذه القرارات بالضرورة المصالح الحقيقية للشعب. ومع ذلك فكلها «ديمقراطية». إن الطريق أمامنا لا يزال طويلًا قبل أن نصل وصولًا كاملًا إلى ديمقراطية حقيقية، لا مجرد ديمقراطية شكلية. وسوف يسود مبدأ القرن الحادي والعشرين القائل: فرق تسد، وفي بعض الأحيان، سيتسبب ذلك في الكثير من الاضطرابات بحيث لن يكون الحكم سهلًا.

ينبغي ألا نسمح لأنفسنا بأن يذهلنا «الخيال العلمي» أو «الخيال غير العلمي» التكنولوجي والاقتصادي، وإن كنت تفضل، على الأقل من منظور الوقت الراهن: لنحلم حلمًا جميلًا بدولة عالمية عظمى فعالة ومتناغمة، ومجتمع عالمي مترابط تخدمه التكنولوجيا بفعالية، وبيئة طبيعية مطواعة لا تستنفد مواردها أبدًا.

من المثير للاهتمام أن الفنانين — المخرجين والمؤلفين والرسامين — عندما يتخيلون المستقبل البعيد (بخلاف الجانب المتعلق بالفضاء الخارجي)، يكونون أكثر ميلًا لتخيل كوكب القرود، والأرض المقفرة الخالية من السكان، والكوارث الطبيعية والحروب المفنية، لكنهم أبدًا لا يتخيلون كرة أرضية شاعرية. لكن ما يتخيلونه ليس هو ما ينتظرنا في المستقبل.

إن القيام بقفزة هائلة نحو المستقبل — وهذا يتضمن طرح أعباء العولمة الحالية من ألم ومرض، والإبقاء على جوانبها الإيجابية — سوف يتطلب الوفاء بعدة شروط. على وجه الخصوص، سوف تكون هناك حاجة إلى آلية تنسيق عالمية ملائمة. أنا لا أتحدث هنا عن نوع من شبه حكومة عالمية، فهذا ليس ضروريًّا ولا مجديًا. فالمهارة هي أن نقدم آلية قادرة على صياغة أهداف مشتركة للإنسانية، وبناء أدوات سياسية لتحقيقها. وينبغي أن يكون هناك حوار عالمي وديمقراطي، لا صراعات عالمية. ويجب أن يوضع نظام مؤسسي عالمي جديد، بدلًا من الفوضى المؤسسية القائمة. وبدلًا من المنافسة الشرسة الدائمة، أو حتى الصراع، يجب أن يكون هناك عمل قائم على تعاون سياسي خلاق وتنسيق على مستوى عالمي؛ إن لم يكن على نفس مستوى التكامل الذي يميز الولايات المتحدة، فليكن على الأقل على مستوى نموذج الاتحاد الأوروبي الحالي الناجح.

ويجب أن يتم إنجاز كل شيء مع توجيه اهتمام كافٍ لتوفير قدر وافٍ من المنافع العالمية العامة ذات الجودة المقبولة. وكلمة «المنافع» هنا مضللة إلى حد ما، لأنها ربما تشير إلى سلع مادية، لكن في هذه الحالة، نحن نقصد الخدمات، التي لا تتضمن السلع المادية على الإطلاق. إن الدولة توفر الخدمات العامة التقليدية وتدفع كلفتها في إطار نظام التمويل العام (من خلال إدارات محلية أو مركزية). وإحدى سمات مثل هذه السلع هي أن الحصول عليها يكون عادة غير مشروط. وهذه هي السلع التي نطلق عليها منافع عامة خالصة، ومن أمثلتها: الأمن القومي، أو النظام القضائي، أو المنظومة الدبلوماسية أو الإدارية. ينتفع الشعب كله بهذه الخدمات، كما يمكن إضافة منتفعين جدد بهذه الخدمات من دون حرمان المنتفعين الأصليين منها، ومن دون تكبيدهم أي تكاليف إضافية لقاء توفير هذه السلع والخدمات.

إذا تلقى جميع الأطفال اللقاحات المجانية ضد الجدري، أو إذا وفرت الدولة الخيِّرة لهم ملعقة من زيت كبد الحوت مرة واحدة في الأسبوع، فهذا أيضًا منفعة عامة، على الرغم من أن هذه المنافع تؤدى أداءً يختلف عن الأداء الحمائي لإدارة الدولة أو أداء الدبلوماسية البارعة. وكذلك الحال مع العديد من خدمات البلدية، حتى التي تصل إلى مستوى جمع قمامة المساكن أو استخدام الطرق العامة. فالمنارة الموجودة عند مدخل الميناء، ليست سوى خدمة عامة، فهي تضيء للجميع، سواء دفعوا أم لم يدفعوا مقابل ذلك. وتلعب أنظمة تحديد المواقع والأنظمة العالمية الملاحية المماثلة في الوقت الراهن دورًا مشابهًا؛ إذ يدفع المستخدمون مباشرة مقابل استخدام المعدات التقنية اللازمة لاستقبال الإشارات، لكنهم لا يدفعون مقابل الخدمة العامة المتمثلة في انبعاث الإشارة. وينطبق الشيء نفسه على الراديو أو البث التليفزيوني المجاني (فيما عدا الحالات التي يدفع فيها رسوم للترخيص). وهكذا الحال اليوم في حالة الاستخدام المتزايد لخدمة الإنترنت على نطاق واسع. قريبًا، سوف تصبح هذه الخدمة عامة ومجانية هي الأخرى، وستصبح منفعة عامة خالصة.

الأساس الاقتصادي للخدمات العامة ينطوي على الاعتبارات التالية:
  • إذا كانت هذه الخدمات متوافرة، فلا ينبغي من حيث المبدأ أن يحرم منها أي شخص، كما هي الحال مع بث الراديو مثلًا.

  • قدر استهلاك أي شخص لهذه الخدمات لا يقلل قدر استهلاك الآخرين لها، مثل المارة الذين يستفيدون بفوائد إنارة الشوارع دون مصادرة هذه الفوائد لأنفسهم وحرمان الآخرين منها.

  • زيادة مستخدمين جدد لا يزيد من تكلفة توفير الخدمة، كما في حالة مشاهدة عدد أكبر من الناس لشاشة التليفزيون في وقت معين للاستماع إلى تقرير عن حالة الطقس في اليوم التالي، فذلك لا يؤدي إلى زيادة تكلفة إعداد تقرير الحالة الجوية.

  • ولهذه الأسباب نفسها، استثناء شخص من الاستفادة بالخدمات العامة لا يقلل تكلفة توفيرها لبقية الناس. فعلى سبيل المثال: منع شخص ما من حضور المناقشات البرلمانية لا يقلل من تكاليف إدارة البرلمان.

  • تمول الخدمات العامة من الاعتمادات العامة، أي مما يطلق عليه صناديق الاستهلاك الاجتماعي، وهذا يعني أنه في حين يجري استهلاكها من قبل كل فرد، يجري أيضًا سداد ثمن الخدمة على نحو منظم من الخزانة العامة.

في هذا المجال، تضيف العولمة العديد من العوامل الجديدة وتجعل الأمور أكثر تعقيدًا. فثمة أنواع جديدة من النشاط تظهر بالفعل، وذلك يجعل سلاسة الاقتصاد العالمي — والمجتمع الدولي — تتطلب توفير خدمات عامة على نطاق عالمي. وهذا يعكس ضرورة حدوث العديد من التغييرات التنظيمية والمؤسسية، بما في ذلك تغييرات في أساليب التمويل والتوزيع. لكن تحقيق هذا الأمر على صعيد عالمي أكثر صعوبة من تحقيقه على نطاق وطني، وذلك نتيجة لغياب نظام عالمي لجمع الأموال وتخصيصها للاستخدام التنافسي العام من ناحية؛ ومن ناحية أخرى، هذه مسألة ملحة لأن العديد من المشاكل التي تظهر الآن تتعدى نطاق سيطرة الصعيد الوطني، وتتطلب اتخاذ الإجراءات اللازمة على مستوى عالمي. وهذا ينطبق تحديدًا على الخدمات المتعلقة بحماية البيئة البشرية، وتوفير الأمن؛ وتشييد البنية التحتية التي تتيح الحركة المتدفقة والحرة نسبيًّا للمعلومات والأشخاص والبضائع؛ وتشكل نهجًا إداريًّا فعالًا وبارعًا لمواجهة المشاكل المشتركة على نطاق عالمي؛ وربما، تكفل الحد الأدنى من الأمن أو حتى من الرعاية الاجتماعية. لكن في غضون الموجة الحالية للعولمة، لم ينشأ حتى الآن أي كيان عالمي قادر على تقديم هذه الخدمات على نحو مرض — ربما بسبب الدرجة العالية من عفوية العولمة — عن طريق تنظيم عرض هذه الخدمات وتمويلها وتوزيعها في جميع أنحاء العالم.

صحيح أنه، على الرغم من كل هذا، أُنجز الكثير في مجالات معينة، حتى قبل دراسة هذه المسألة وتصنيفها ووصفها في مؤلفات تندرج تحت فئة الخدمات العامة على الصعيد العالمي. لكن هذا أمكن حدوثه نتيجة للتضافر والتفاعل بين مختلف المبادرات والمقترحات، مما اضطر — أخيرًا — أكثر اللاعبين على المسرح الدولي قوة إلى اعتماد نهج الشراكة والتفاوض للوصول إلى حل وسط فعال. ثم أجبر الأمر الواقع أضعف اللاعبين على المشاركة في وقت لاحق. وهكذا نشأت مؤسسات النظام العالمي أو مكوناته. ونحن لا نفكر في ذلك الأمر اليوم، لكن تاريخيًّا، كانت تلك هي الطريقة التي نظمت طريقة سير العمل في الخدمة البريدية على مستوى مؤسسي، حتى إن وصول رسالة من نيكاراجوا إلى سريلانكا قد يستغرق أحيانًا زمنًا يقل عن زمن وصول رسالة أخرى من منطقة وولا في وارسو إلى ضاحية أورسينو الموجودة في وارسو أيضًا. لقد شق البشر العديد من طرق المواصلات بين المناطق، وعلى الرغم من أن بعض الناس يقودون مركباتهم على الجهة اليسرى من الطريق في بعض الدول والبعض الآخر في دول أخرى يقودون على الجهة اليمنى منه، فإنه لم تعد هناك أي بلد يقود سكانها حسب أهوائهم وفي أي جهة يشاءون، وذلك لأن مبادئ قواعد الطريق وضعت على نطاق عالمي. لكن الأمر ليس بالمثل بالنسبة للتقويم، لكن حتى أولئك الذين يفضلون إعلاء التقاليد الخاصة يمكنهم استخدام التقويم الميلادي، الذي لا يُسقط إلا يومًا واحدًا كل ثلاثة آلاف عام. ويمكن العثور على أمثلة كثيرة أخرى، المهم أن هناك اتفاقيات وتنظيمات لكل هذه الأمور، على المستوى المحلي ثم الدولي، وأخيرًا سوف يكون هذا التنظيم على مستوى الكوكب.

يحدث أحيانًا أن تنشأ منظمة عالمية تقدم خدمة عامة عالمية، نتيجة لمبادرة محلية، مثل الصليب الأحمر الذي يعود إنشاؤه إلى عام ١٨٦٣. وتتعدد الدوافع وراء هذه المنظمات على نحو شديد التنوع، وتشمل الحرص النبيل والمجرد من أي غرض سوى سلام الإنسانية. وهكذا أقيم قبو سفالبارد العالمي للبذور؛ الذي بدأ باعتباره مبادرة من العلماء، ثم أصبح مهمة تقوم عليها مؤسسة أقيمت خصوصًا لهذا الغرض (الصندوق العالمي لتنوع المحاصيل)، وبات الآن منظمة تدعمها منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو). يقع مستودع التخزين هذا في سبيتسبيرجين بالقطب الشمالي، على شكل أسطوانة مخبوءة في أعماق الأرض لكنها مرتفعة بما يكفي بحيث تبقى فوق مستوى سطح البحر لحمايتها تحسبًا لحدوث ارتفاع في مستوى الجذر نتيجة للاحترار العالمي. هناك جمعت عشرات الآلاف من بذور النباتات التي يعتمد عليها بقاء الإنسان، وخزنت تحسبًا لحدوث أي كارثة تهدد بفناء العالم أو أي كارثة طبيعية أقل وطأة. هذا المأوى الفريد من نوعه يقدم خدمة عامة عالمية. وقد قام هذا المشروع بنية أن يكون عامًّا لكل البشر، وليس تجاريًّا أو مرتبطًا بأي مصالح خاصة. وهو مثال رائع على الطابع المؤسسي الرشيد، وعلى تنفيذ السياسات وتنسيقها على نطاق عالمي.

هناك أيضًا حالات سابقة حدث فيها تفاهم أسفر عن توجه نحو الاتفاق على عرف عالمي. فمثلًا، باستثناء الدول الناطقة باللغة الإنجليزية، التي خرجت عن المسار الذي اختارته بقية دول العالم (وهذا ليس موقفًا انعزاليًّا على الإطلاق)، يعرف جميع سكان العالم تقريبًا وحدات القياس: المتر والكيلوجرام واللتر والهكتار ودرجة الحرارة المئوية، ويمكنهم أن يستخدموا هذه الوحدات ضمن تواصلهم المتبادل فيما بينهم. ويمكنهم أيضًا أن يصلوا إلى تفاهم ما مع أحفاد الأنجلو ساكسونيين (الدول الناطقة بالإنجليزية) إذا ما حولوا مقاييسهم تلك إلى وحدات قياس الأنجلو ساكسونيين العريقة كالقدم والرطل والجالون والأكر ودرجة الحرارة الفهرنهايتية. ويمكنهم حتى أن يبتدعوا وحدات خاصة لتسيير عمليات الاتصال والبيع والتداول فيما بينهم. بعبارة أخرى، يستطيع الناس في جميع أنحاء العالم مضاهاة وحدات القياس وممارسة عملية التبادل، وهذا هو حجر الزاوية في عملية التجارة. لم يعد هناك تقريبًا سوى مناطق قليلة مثل مالاوي وجامبيا حيث لا يزال الناس يبيعون الطماطم بالكومة، التي يرصونها بحيث يضعون خمس حبات في الطبقة الأولى، ثم ثلاث حبات فوقها ثم حبة واحدة على قمة الكومة. ولا ضير من أن يحدث هذا في الأسواق المحلية البلدية للغاية، حيث يمكن أن نقيس السلع بالمسافة مثلًا «من هنا وحتى السور». لكن عندما نرغب في إقامة عملية بيع على نطاق سوق أوسع، لا بد أن تكون وحدات القياس معروفة ومتفق عليها.

•••

ومع ذلك نحن لا نزال في حاجة إلى بعض المقاييس العالمية. فحتى الآن لا يوجد عملة عالمية واحدة. إننا متخلفون جدًّا في هذا الصدد، حتى عن المرحلة السابقة من العولمة، التي بدأت أواخر القرن التاسع عشر واستمرت حتى أوائل القرن العشرين. ففي تلك الأيام، كان هناك عدد أقل بكثير من العملات المحلية على مستوى العالم، ولعب معيار الذهب دور العملة العالمية في ذلك الوقت. أما الآن فيوجد عدد من العملات المختلفة أكثر من عددها منذ عقدين، بسبب تفكك الاتحاد السوفييتي السابق ويوغوسلافيا، مما أسفر عن استحداث عشرين عملة محلية مختلفة، بعد أن كانت عملتين فقط في السابق. وتعدد العملات هذا ما زال قائمًا على الرغم من ظهور عدة مناطق تستخدم دولها عملة موحدة، ويستخدم مواطنوها نفس العملة. أولى هذه العملات كان الفرنك الأفريقي،19 الذي ظهر في عام ١٩٤٥. كانت عدة دول قد انضمت لاستخدامه في عدة نقاط أثناء السنوات اللاحقة، ثم انسحبت بعض الدول في وقت لاحق. ثم ظهر الدولار الكاريبي20 في عام ١٩٦٥. وأحدث العملات الموحدة ظهورًا هو اليورو21 الذي بدأ تداوله في عام ١٩٩٩. إن استحداث عملة عالمية موحدة — يمكننا أن نطلق عليها «الجلوبال» مثلًا — سوف يسهم إسهامًا ممتازًا في زيادة فعالية الاقتصاد العالمي عن طريق خفض تكاليف المعاملات، والقضاء إلى الأبد على مخاطر أزمات العملة وكل ما يترتب عليها من عواقب مالية، أو أزمات تظهر في الاقتصاد الواقعي.

ربما ستظهر عملة عالمية موحدة، فالعالم قد بدأ في الانكماش بالفعل من هذه الناحية. فإذا وقفت على الجانب المقابل من المحيط الهادئ حيث وقف بالبوا على الشاطئ الشرقي لجزيرة واليس الصغيرة الواقعة بين جزيرتي فيجي وساموا، فأنت بذلك تنظر إلى الأمس، لأنك ستكون قريبًا جدًّا من خط التاريخ الدولي (وهو خط وهمي يبدأ اليومُ وينتهي عنده، وهو يقسم المحيط الهادئ إلى نصفين شرقي وغربي، ويلزم كل مسافر يعبر هذا الخط شرقًا أو غربًا تعديل تاريخ اليوم). عند هذه البقعة يتغير التاريخ، لكن لا يتغير سعر الصرف بين العملة المحلية والعملات العالمية الأخرى. فعندما تكون ممسكًا بألف فرنك من العملة المحلية هناك، ستكون بالضبط كما لو كنت تملك في جيبك ١٦٫٣٩ ليف بلغاري إذا كنت تقف على الجانب الآخر من الكرة الأرضية على أحد شواطئ البحر الأسود في بلغاريا. وذلك لأن تصاريف الاقتصاد ربطت بين هذين المكانين اللذين لا يبدو بينهما أي شيء مشترك، سوى أن عملتيهما مرتبطتان بنفس المكان. هذا المكان هو فرانكفورت، مقر البنك المركزي الأوروبي، الذي يصدر اليورو. وهناك، يساوى الألف فرنك الكاريبي واﻟ ١٦٫٣٩ ليف بلغاري ٨٫٣٨ يورو بالضبط.

ومن الجدير بالذكر هنا أن نشير إلى عمليات الارتباط المبتكرة التي نشأت عن مثل هذه الأحداث المعقدة، فعلى الرغم من أنها اتخذت مسارات متباينة للغاية، فإنها الآن تتضافر على نحو مذهل في ذروة العمليات المرتبطة بالعولمة. فلا أحد تقريبًا في باماكو عاصمة مالي يدرك أن عملتها — الفرنك الأفريقي — مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بعملة الكورون الإستونية؛ وفي المقابل، لا أحد في تالين (عاصمة إستونيا) يعلم بالعلاقة الراسخة بين عملة إستونيا والفرنك الأفريقي الذي يتداول في المستعمرة البرتغالية السابقة غينيا بيساو. ويتغير سعر صرف الفرنك الباسيفيكي الذي يتداول في نيو كاليدونيا، وبولينيزيا الفرنسية، واتحاد جزيرتي واليس وفوتونا وفقًا لتغير كل العملات الأوروبية المتداولة خارج دول اليورو، تمامًا كما هي الحال مع الليتا الليتوانية أو المارك البوسني. ومن ثم، تبدو هذه الدول والأقاليم وكأن لها عملة موحدة، وتتذبذب أسعار صرفها باستمرار في مقابل الدولار، والين، والروبل.

بناء على هذه الحقائق التاريخية المختلفة — الاستعمار، وعلاقات دول ما بعد الاستعمار بفرنسا والفرنك الفرنسي، أو الإرث السوفييتي، ونبذ تداول الروبل، وتحول دول ما بعد الاشتراكية المتوجهة نحو الاندماج الكامل مع الاتحاد الأوروبي — أصبحت دول الفرنك الأفريقي ودول ما بعد الاشتراكية التي ربطت عملاتها مع اليورو هي في واقع الأمر أعضاء في نفس منطقة العملة الموحدة. ومع أن هذا قد يبدو غريبًا، فإن عملة توجو أو النيجر — وهي إحدى أفقر دول العالم — أقرب اليوم إلى اليورو من الزووتي البولندي أو الفورينت المجري، مع أنهما عملتا اثنتين من الدول التي كانت رائدة في تطبيق الإصلاحات الداعمة للسوق سنوات عديدة.

ربما في يوم ما سوف يتحرك العالم على نحو أكثر جرأة في اتجاه إصدار عملة عالمية واحدة. نقطة البدء في ذلك ستكون تثبيت أسعار صرف الدولار الأمريكي واليورو والين، على الرغم من أن هذا لن يكون كافيًا في الوقت الحالي، نظرًا لأننا لا يمكننا تجاهل صعود الصين وروسيا والهند. ربما يصبح اليورو متداولًا في جزر بولينيزيا ويصبح الدولار الأمريكي متداولًا في منطقة البحر الكاريبي. ومع أن هذا شيء مثير للإعجاب، فإنه لا يغير شيئًا على نطاق الاقتصاد العالمي. فطالما لم تندمج هاتان العملتان الرئيسيتان: الدولار واليورو، ولم يثبت سعر صرفهما أمام الين واليوان والروبل والروبية، فنحن لا نزال بعيدين عن إصدار عملة عالمية. هناك أيضًا عملات قائمة بذاتها كالجنيه الاسترليني والفرنك السويسري، اللذين لا يتعجلان الانضمام إلى منطقة اليورو، ناهيك عن أي نوع آخر من العملات العالمية. كما لا يمكننا أن نغفل العملات الأخرى، التي تمثل مصدر فخر واعتزاز في موطنها بقدر الفخر والاعتزاز اللذين يحظى بهما فريقها القومي لكرة القدم، فهذه الدول لا يمكن أن تتصور نفسها من دون عملة محلية خاصة بها. مع ذلك، إذا كانت أكبر الاقتصادات في العالم ستتحرك نحو العملة المشتركة — وهذا للأسف مستبعد جدًّا، على الأقل على مدى نصف قرن آخر — فستسارع دول أخرى كثيرة للانضمام إليها. إن المجال متسع للكثير من فرق كرة القدم، وفي ذلك الوطنية منها، ولكن كلما قلت العملات، كان ذلك أفضل.

هذا طبعًا ليس خيارًا بسيطًا يمكن اختياره أو نبذه؛ فهناك مبررات جادة تؤيد الإبقاء على وجود عدة عملات؛ لأن هذا قد يتضمن بعض المزايا، لكن من الضروري معرفة كيفية الاستفادة منها وتجنب الخلط بين غايات السياسة الاقتصادية (الازدهار) ووسائلها (العملة المستقرة). فالعملات الوطنية يمكنها أن تسهم في التخفيف من حدة الانهيارات الاقتصادية (الأزمات) التي تنجم عن تزايد تباين حجم الإنتاجية بين الدول. وفي مثل هذا الوقت، خفض قيمة العملة — خفض سعر صرف العملة مرة واحدة (إضعافها) — من شأنه أن يمنح على الأقل هدنة مؤقتة للاقتصاد، تتيح زيادة القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني. وهذا الإجراء يمنع منتجات الدول المتعثرة من أن تصبح باهظة التكلفة في الأسواق الأجنبية، لأن المنتجات باهظة الثمن على نحو مفرط تتلاشى سريعًا من أي سوق. وإذا جرى تسعير المنتجات من دون وضع الأسواق الأجنبية في الحسبان، فسينهار كلٌّ من الإنتاج والعمالة. وإذا لم يكن هناك تعدد عملات، فلا سبيل إلى اللجوء لتخفيض سعر صرف العملة لمواجهة ضعف القدرة التنافسية. لكن هذا بالتأكيد لا يعني أن اعتماد الولايات المتحدة لعملة واحدة (الدولار) كان أمرًا سيئًا، أو أن الصين قد تستفيد إذا استعاضت عن اليوان بمجموعة من العملات الإقليمية. يجب على أي بلد — إلى جانب امتلاك عملة واحدة، وإقليم كبير ومتباين من حيث الإنتاجية والقدرة التنافسية للشركات، كما هي الحال في الاقتصادات الوطنية الضخمة — أن يلجأ إلى الأساليب الأخرى التي قد تكون أحيانًا أكثر إيلامًا على المستوى المحلي من تخفيض قيمة العملة الوطنية (مثل ارتفاع مستوى البطالة أو التعرض لموجة من عمليات الإفلاس لسبب معين).

في أحد أيام مارس من عام ٢٠٠٠ تعادل سعر صرف الدولار أمام اليورو. في هذا اليوم، كان من المفترض أن يلقي البروفيسور روبرت موندل — الذي كان قد فاز بجائزة نوبل لتوه — محاضرة في جامعة كوزمينكي في وارسو. كان موندل قد تلقى هذا التكريم العلمي الكبير عن أبحاثه حول أفضل المناطق التي طبقت نظام العملة الموحدة، وهو المفهوم النظري الذي شكل الأساس للعملية الفعلية لإنشاء منطقة اليورو.22 يعرف موندل عالميًّا بأنه الأب الروحي لليورو. وقد دافع موندل خلال محاضرته عن أهمية وجود عملة عالمية موحدة. وفي أولى الخطوات، اقترح تثبيت سعر الصرف على نحو دائم بين العملتين الرئيسيتين على اعتبار هذه وسيلة لتحويلهما — في واقع الأمر — إلى عملة واحدة. وأضاف أنه سيكون من الضروري للين أن يكون بمثابة السنت، نظرًا لأن سعر صرف ١٠٠ ين تقريبًا يساوي دولارًا أو يورو واحدًا.23 في ذلك اليوم تحديدًا — كما تبين فيما بعد — كان سعر الزووتي البولندي مقابل كل من الدولار واليورو يساوي ٠٫٢٥ بالضبط. قلت مازحًا إننا نستطيع اعتماد مثل هذا النظام فورًا، ونطلق على الزووتي «الربع». ولتسجيل ذكرى هذه المناسبة، قدمت لموندل عملة زووتي. لكن الأمور جرت على نحو مختلف، فقد تعثرنا جميعًا نتيجة لنظام عملة عالمي مختل، يرفع كلفة نشاط الاقتصاد العالمي، ويبطئ معدل نموه النسبي، وسوف يعرضنا هذا النظام لأكثر من أزمة في المستقبل. لكن حجة مونديل لا تزال قائمة. كما أنه لا يزال يحتفظ بالزووتي الذي أعطيته إياه، والذي بات يقدر بأكثر من ٧٠٪ من قيمته خلال السنوات السبع اللاحقة، إذ ارتفعت قيمته بنسبة ٠٫١٨ دولار.

دعونا نتخيل لحظة أن الأمور جرت على نحو مختلف عام ٢٠٠٠ بحيث ظلت عملة اليورو الوليدة مربوطة دومًا بالدولار وبالين، وأن الزووتي أيضًا أضيف إلى مجموعة العملات ذات سعر الفائدة الثابت. ماذا كان سيحدث؟ كانت الكثير من الدول الأخرى — من أمريكا اللاتينية مرورًا بأفريقيا ووصولًا إلى آسيا الوسطى — ستنضم إلى هذا الاتجاه. لكن من كان سيستفيد جراء هذا؟ كان وسطاء سوق تداول العملات الأجنبية سيعانون خسائر فادحة، نظرًا لأن أحدًا لن يكون في حاجة لمعظم خدماتهم. وكان المضاربون (الذين يشار إليهم عادة بالمستثمرين) الذين يتكسبون فقط من تذبذبات أسعار الصرف سيمتنعون عن دخول السوق الرأسمالية العالمية، لأن تلك التقلبات ستصبح أقل بكثير. وستختفي المضاربة في التوقعات بشأن توجه التغيرات وكثافتها بالنسبة للكيانات الاقتصادية وعلاقة ذلك بتقلب العملة، مثلما لا يوجد الآن مثل هذه المضاربات بين ألمانيا وفرنسا، على عكس ما كانت عليه الحال عندما كان المارك والفرنك لا يزالان موجودين. وبناءً على هذا، ستتخذ القرارات بشأن الادخار والاستثمار على أرض الواقع — لا بناء على مستوى التوقعات والمضاربات — في ظل ظروف أفضل بكثير من حيث احتمالات المخاطرة. وهذا سوف يسهم في اتخاذ قرارات أكثر دقة. وسيقل عدد الاستثمارات المضللة، وستكون القرارات التنفيذية أكثر فعالية، وسيتحسن أسلوب إدارة الشركات.

وعلى أرض الواقع، سيضطر الاقتصاد الأمريكي إلى إجراء الإصلاحات الهيكلية وعمليات التعديل التي تأجلت فترة طويلة. فالولايات المتحدة لا تزال تعيش بأكثر مما تتيحه إمكاناتها، توفر القليل وتمول حصة الأسد من نموها من مدخرات الآخرين، فتتراكم الديون الفعلية عليها بسرعة كبيرة. ومع الأسف، حدث هذا نتيجة للجوء إلى آلية فريدة تتمثل في تمويل العجز الهائل المزدوج في كلٍّ من الميزانية والتجارة عن طريق الإفراط في طباعة الدولار باعتباره احتياطي العملة العالمية، الذي لا يزال الكثيرون — على الأقل حتى الآن — يميلون إلى ادخاره؛ إذ لا يزال نحو ٦٥٪ من احتياطي العملة العالمي بالدولار (و٢٥٪ منه باليورو، والعشرة بالمائة الباقية تتوزع بين الجنيه الإسترليني، والفرنك السويسري، والين، والوون الكوري الجنوبي). ومن قبيل المفارقة أن العجز الأمريكي مُول (مرة أخرى، وحتى الآن) من قبل بلدان أفقر، والتي تسجل فائضًا تجاريًّا هيكليًّا مع الولايات المتحدة، لا سيما الصين والدول المصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط. وقد بلغ التوتر الناجم عن تراكم هذه التفاوتات على مدى سنوات حدود الخطر الاقتصادي. وكانت هناك فرص للتخفيف من هذا التوتر إلى حد ما، لكن ذلك كان يعني تباطؤ النمو في الاقتصاد الأمريكي خلال السنوات الأخيرة، في الوقت الذي يتسارع فيه النمو في الإنتاج والاستهلاك في الاتحاد الأوروبي. أما في حالتنا الافتراضية، التي تتضمن ربط اليورو والدولار؛ فسيعني هذا انضمام المزيد من الدول — ربما حتى المملكة المتحدة — إلى منطقة اليورو. وحينها لن يكون الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي على حق في إبداء آراء من عينة: «نحن لم نستحدث اليورو كي نصبح غير قادرين على إنتاج طائرة واحدة في أوروبا. هذا عبث.» في الحقيقة لم يكن هناك أي عبث في استحداث اليورو، بل كان استحداثه انتصارًا للمنطق السليم وعلامة على وجود القدرة على العمل على المدى الطويل، فوق كل مصلحة وطنية خاصة. لكن العبثية كانت في السماح لأسعار الصرف في دول الأطلسي بالتشكل في ظل الهيمنة الخادعة لأيديولوجية الليبرالية الجديدة.

إن تباطؤ معدل النمو في الولايات المتحدة سيأتي في المقام الأول على حساب من حققوا أكبر قدر من الثراء في ظل موجة العولمة على مدى ربع القرن الأخير. وعلى الرغم من حملات الدعاية المؤيدة لليبرالية الجديدة، فإنها لم تقنع سوى شريحة ضيقة إلى حد ما من الرأي الأمريكي العام، نظرًا لأن الأجور الفعلية للغالبية الساحقة من السكان لم تشهد أي نمو منذ عام ١٩٨١، بينما ارتفعت الأرباح — لا سيما أرباح المضاربة — على نحو مذهل. في مثالنا الافتراضي الذي طرحناه سابقًا، سينمو الاقتصاد العالمي بأسره بوتيرة أسرع نظرًا لانخفاض تكاليف المعاملات وانخفاض احتمالات المخاطر المالية. وسيكون الدولار أقوى مما هو عليه الآن، لكن الاقتصاد الأمريكي سيكون أضعف. وسيكون اليورو أضعف، لكن دول منطقة اليورو ستكون أقوى. وستقل تفاوتات الدخل والثروة داخل هذه الدول وفيما بينها. وأخيرًا، وباختصار، سيؤدي تأثير إعادة التوزيع إلى ارتفاع مستويات إنتاج العالم عما هي عليه الآن، وستتوزع ثمار ذلك على نحو أقل إجحافًا. باختصار، سيكون هذا أكثر فعالية، وأكثر عدالة أيضًا.

وفيما يخص بولندا، كان يتعين على هذا المثال الافتراضي أن يستبعد حدوث الارتفاع الهائل للزووتي بين عامي ٢٠٠١ و٢٠٠٧، وهو الأمر الذي أضعف تنافسية منتجات الاقتصاد المحلي. فقد أدت الواردات الرخيصة — التي توفر وظائف للناس، وأرباحًا للمستثمرين، وضرائب للحكومة في مناطق أخرى من اقتصاد العالم — إلى إقصاء الشركات البولندية إلى خارج السوق. وفي الوقت نفسه، أدى عدم ربحية الصادرات إلى القضاء على العديد من الشركات التي كانت ستتكيف على نحو رائع في حال ارتفع سعر صرف الزووتي. وارتضاء هذا الوضع أو تأييده الواضح من جانب البنك المركزي المستقل (عن الحكومة) لم يؤد إلى تصدير السلع، بل إلى تصدير الأيدي العاملة؛ لأن الناس يسعون وراء العمل بالخارج، وأبقى أيضًا على اختلال التوازن التجاري، وسمح بتنامي الديون الخارجية مرة أخرى إلى حد خطير. كان من الممكن أن يكثُر الإنتاج والاستهلاك، وأن تنشأ قيمة أعلى بكثير، وأن يرتفع المستوى المعيشي أكثر على نحو ملموس. لكن اللاعبين الكبار خارج البلاد حصدوا حصة الأسد من ثمار النمو في الإنتاجية المحلية. هذه السياسة الخاطئة بالأساس هي دليل على انعدام تام للقدرة على الاستفادة من العولمة بما يخدم مصلحة الاقتصاد الوطني. ومع ذلك نجد وسائل الإعلام والخبراء الزائفين، ناهيك عن الجناح الليبرالي الجديد للمشهد السياسي، يتحدثون عن الليبرالية الجديدة باعتبارها شيئًا جديرًا بالثناء.

كيف يمكن أن يكون كل هذا ممكنًا؟ وإذا كان من الممكن أن تتحسن الأمور، فلماذا لا تتحسن؟ ولماذا لم نختر المسار الصحيح، الذي لا يؤدي إلى تفاقم عدم المساواة والتوتر؟ لماذا يشغل مناصب صناع القرار أولئك الذين لا يستطيعون — أو لا يرغبون — في اتخاذ القرارات الصائبة التي من شأنها تحسين الاستراتيجيات بعيدة المدى لتحقيق تنمية متوازنة؟ وإذا تحدثنا عن الموقف الآن، وبعيدًا عن السيناريو الافتراضي الذي طرحناه، لماذا لم يربط الزووتي باليورو أولًا، قبل التحول إلى اليورو في عام ٢٠٠٧، كما حدث في سلوفاكيا؟

جرت الأمور على النحو الذي جرت عليه لعدة أسباب بتنا ندركها تمامًا الآن. وما حدث لم يكن بسبب غياب الفهم العلمي للأساسيات، بل بسبب سيطرة التفكير القاصر واتخاذ القرارات بما يخدم المصالح القومية الخاصة للفئات والمجموعات. ولا يمكن كذلك تجاهل الدور الذي لعبه الغباء والتشاحن الأيديولوجي. علاوة على أن كل مَن يعلمون ويفهمون قد لا يصلحون للعمل بالسياسة وصنع القرار، بينما الذين يتوقون إلى السلطة ويتهافتون على اعتلاء المناصب قد لا يفهمون الأمور أو يكونون غير قادرين على اتخاذ القرارات السليمة. لكن العامل الحاسم هنا هو المصالح الخاصة وضعف الآلية السياسية التي يمكن أن تتوصل إلى الحلول المثلى لمواجهة الصراع بين تلك المصالح على الصعيد الوطني والإقليمي والعالمي. هناك ثمن باهظ لكل هذا، لكننا لم نسدد إلا جزءًا قليلًا منه. وسندفع الباقي قريبًا. ومن العار أن أولئك الذين سيتعين عليهم سداد الثمن عاجزون عن الانخراط في التفاعلات العالمية بحيث يتمكنون من تغريم الآخرين أكثر.

وإذا حاولنا صياغة سيناريو افتراضي أفضل للسنوات السبع الماضية — كان يمكن من خلاله أن تصير سبع سنوات من الرخاء — فمن الضروري أن نؤكد على الحاجة إلى منظور زمني أطول لصياغة حسابات الاقتصاد الكلي على الصعيد العالمي، ونؤكد أيضًا على الحاجة إلى إجراء إصلاحات هيكلية شاقة من شأنها أن تقلص هوامش ربح الشركات متعددة الجنسيات وتقضي إلى حد ما على المضاربين الماليين الأقوياء كالبنوك الاستثمارية والصناديق الوقائية. وبعبارة أخرى، ستصل عوائد الإصلاح كما يحدث عادة إلى جيوب الأغنياء، لا الفقراء. وهذا التغير الشامل، الذي سيحدث من خلال عملية إعادة التوزيع، من شأنه أن يعيد تشكيل شبكة المستفيدين الكبار والصغار من المنافسة الاقتصادية الدولية والرابحين والخاسرين فيها. وهذا سيتطلب إجماعًا سياسيًّا، لكن صراع المصالح سيجعل هذا الإجماع أمرًا مستحيلًا، وهكذا ستستمر اللعبة وفقًا للقواعد القديمة. إن سياسات الولايات المتحدة تفضل أن يظل الدولار ضعيفًا بدلًا من أن تحد من استهلاكها المفرط (ومن ثم يجب أن تظل أسعار الصرف عائمة)، على اعتبار أن هذه وسيلة لتعزيز تنافسية السلع المصنوعة في الولايات المتحدة على حساب إزاحة السلع المصنوعة في الاتحاد الأوروبي (وغيره) من السوق العالمية. ونتيجة لهذا، لا يزال مستوى الإنتاج على الشاطئ الغربي للمحيط الأطلنطي يرتفع بوتيرة أسرع (حتى الآن، مرة ثانية)، ولا تزال مستويات البطالة هناك أقل، بينما الحراك الاقتصادي على الشاطئ الشرقي للمحيط الأطلنطي أضعف، ومن ثم، مستويات البطالة أعلى. وهكذا لم تتخذ الخطوات اللازمة للحد من تفاقم بعض المشاكل في الاقتصاد العالمي، على الرغم من أن تلك الخطوات كانت ستعود بأعظم فائدة.

لكن من ناحية أخرى، نجح المجتمع الدولي في حل الكثير من المشكلات المعقدة الأخرى على الصعيد العالمي، بما فيها المشكلات اللوجستية. والطيران مثال بارز على هذا، فبصرف النظر عن سوء الوضع في القرن الأفريقي، تذهب بعض رحلات شركات الطيران إلى هناك. وبصرف النظر عن عزلة النظام الشيوعي في منغوليا يومًا ما، كانت رحلات الخطوط الجوية الأجنبية تحلق فوقها. وبرغم حدة الخلاف الذي كان قائمًا بين إيران والمملكة المتحدة في عام ٢٠٠٧ وفي خضم أزمة العلاقات بينهما، حطت رحلات الخطوط الجوية البريطانية كل ليلة في مطار الإمام الخميني وأقلعت منه.

في الوقت الحاضر، نشهد تطبيع تطور شبكة الإنترنت على نطاق عالمي. وبالإضافة إلى ذلك، على الرغم من أن هذا قد لا يكون عفويًّا تمامًا، فإنه يحدث عادةً دون مشاركة حكومية. وهو يحدث مدعومًا بروح المبادرة الذكية للعمل الحر، وتوافق الآراء بين المهنيين، وإجماع المليارات من المستخدمين على قرارات بشأن القواعد والبروتوكولات، حتى عند استخدام محركات البحث مثل جوجل أو ياهو. تقوم شبكة الإنترنت على التنظيم والمؤسسية، إذ يجب أن يكون هناك دائمًا من يعمل على التنظيم وإضفاء الطابع المؤسسي؛ لذا كانت شبكة الإنترنت قائمة على توحيد المعايير، سواء أكان ذلك فيما يخص الاختيار القديم الذي كان يتعلق باختيار الشكل النهائي لتسجيل الصور التليفزيونية، أم الأسس الحالية التي تتعلق بتوزيع الموسيقى الرقمية. إن التوحيد الحالي على أعلى مستوى تكنولوجي، وما يصاحب ذلك من نزاعات قضائية على النشاط التجاري للمنظمات، مثل نزاع نابستر وأي تيونز، سينتهي بنفس الطريقة التي انتهت بها في وقت سابق المنافسة بين أنظمة تسجيل الفيديو؛ إلا أن الفرق هو أننا نعيش الآن في عالم واحد يتوحد من خلال شبكة الإنترنت. وهذا هو السبب الذي يجعل الأمر يختلف عن الأزمة التي واجهها الناس في الماضي عندما احتاروا في تقرير هل عليهم أن يلتزموا بوحدات قياسهم: الذراع والكوارت والمورج، أم يستسلموا للأجانب ويتحولوا لاستخدام وحداتهم: المتر واللتر والهكتار.

أدى تبادل السلع والخدمات إلى توافق أسفر مع مرور الوقت عن وحدة داخلية على صعيدي التقنيات والقواعد، وهذا هو السبب في أننا الآن علينا أن نستمع قبل إقلاع أي طائرة، وللمرة الألف، إلى نفس موجز تعليمات ربط حزام الأمان، وكيفية وضع أقنعة الأوكسجين في حالة الحاجة إليها. ومع أن هذه التعليمات تتلى بمختلف اللغات، فإنها تتضمن نفس المحتوى حتى لو ارتدت فتيات طاقم الطائرة التنورات القصيرة في بعض المناطق، أو غطاء الرأس الأسود في مناطق أخرى. وبمجرد هبوط الطائرة بسلام، لا أحد يهتم باختلاف قوة التيار الكهربائي من بلد إلى آخر، واختلاف شكل المقابس، واختلاف مداخل موصلات الكمبيوتر، فمن السهل استخدام المحولات والوصلات اللازمة للتغلب على هذه الاختلافات. فهذا الكتاب مثلًا يمكن كتابته في أي عدد من البقاع المتباعدة حول العالم، بفضل توافق نظم المعلومات والاتصالات، وهذه ثمرة أخرى للعولمة.

في جميع هذه الحالات كانت المصلحة المشتركة والحاجة إلى التواصل قويتين جدًّا حتى إنها اضطرتنا إلى التغلب على الاختلافات الاصطلاحية والتقنية والتنظيمية والثقافية والسياسية. ومع ذلك فالعالم المعاصر، واقتصاده معقدان جدًّا، نتيجة لترابط شبكة الاعتماد المتبادل بين دول العالم، فالعديد من المشاكل، بما في ذلك المشاكل بالغة الأهمية المتعلقة بمصير الإنسانية، لن تحل نفسها بنفسها. والتعامل معها الآن على نحو فعال يتطلب اتخاذ تدابير جماعية على نطاق عالمي وحكمة تتعدى وتتجاوز الحدود الراسخة للثقافة والسياسة. وهذا، بدوره يتطلب التنسيق البارع لسياسات الدول ومجموعات الدول، واستراتيجيات الشركات والمؤسسات متعددة الجنسيات. ومن الضروري أيضًا أن نضم إلى هذه اللعبة لاعبين عالميين آخرين، لا سيما المنظمات غير الربحية، لأنها ليست حكومية ولم تفسدها رءوس الأموال الكبيرة. وأخيرًا، سيكون من الضروري ألا تتوقف حربنا ضد القطاع الرابع. أول ثلاثة قطاعات هي قطاع الأعمال الخاص، والدولة، والمنظمات غير الحكومية، أما القطاع الرابع فهو التكاثر المرضي للجريمة المنظمة والإرهاب. وهذا الجانب يتحسن تنظيمه باستمرار، ويأخذ العديد من الأشكال، بما في ذلك الشكل الرقمي غير الدموي.

وبناءً على هذه الخلفية المعقدة، سيكون من المثالية الساذجة أن ننظر إلى العولمة على أنها بوق الرخاء المعاصر، ومع ذلك فالمدافعون عن العولمة يرغبون في رؤيتها على أنها:24 نظام عالمي لا تسوده المنافسة، بل يسوده التعاون السلمي والتوزيع العادل لثماره المتزايدة على نحو دائم. إن سراب العولمة المنزهة من كل عيب موجود تقريبًا في كل السيناريوهات متعددة البدائل فيما يتعلق بالمستقبل، وهذا ناتج عن أسلوبين مختلفين.

في الحالة الأولى — وهي جديرة بالثناء — ثمة سراب تفكير حالم يبرز الحاجة لاقتناص الفرصة لخلق مستقبل أفضل إلى أقصى حد ممكن. ويتحدث بعض أنصار الحتمية عن ضرورة أو حتمية هذا الأسلوب؛ كما يقول المثاليون. ويمكن أن نربط هذا المذهب مع مذهب اليوتوبيا الشيوعية التي تتصور عالمًا رائعًا يخلو من الطبقية، حيث يتم توزيع السلع وفقًا للحاجة، أو وفقًا للرؤية البابوية المثالية لما يسمى «حضارة المحبة».

وفي الحالة الثانية — وهي مذمومة — تنشأ يوتوبيا العولمة القائمة على أساس المشاركة — على نحو مثير للسخرية — ضمن إطار سياسة الليبرالية الجديدة والعلوم الاجتماعية الخاضعة لها. وعلى الرغم من أن بعض أنصار هذه المدرسة الفكرية يؤمنون بها — وهم بذلك يؤمنون بما لا يمكنهم حقًّا معرفته، ولا التدليل عليه — فإن آخرين يتعاملون معها باعتبارها أداة يستخدمونها في لعبتهم. ومعنى هذا أنهم يكذبون لأنهم يعلمون أن المفهوم الذي يروجون له ليس خيارًا حقيقيًّا، ومع ذلك يواصلون الضغط لكي يحققوا رؤيتهم للعالم، من أجل تحقيق مصالحهم الخاصة في المقام الأول.

نظرًا للتنوع الهائل الذي يميز العالم والظروف الاقتصادية لسكانه، فضلًا عن صراعات المصالح الشرسة التي تواجه الاقتصاد العالمي، لا يبدو مناسبًا أن نستمر في رسم مجتمعات فاضلة (يوتوبيا)، حتى لو كان هناك أشخاص يضخمون فوائد مثل هذه الممارسات الفكرية في سبيل تشكيل المستقبل بفعالية. قد يكون هذا مقبولًا في الأدب، وبالنسبة للمؤلفين الذين يفضلون أن يلهمونا الرؤى التي تقترب من تصوير الفردوس ولا يحبون ترهيبنا من وقوع كوارث مرعبة. ففي كتاب الجمهورية لأفلاطون — الذي ألفه حوالي عام ٣٦٠ قبل الميلاد — طرح أفلاطون الرؤية المثالية لدولة متوسطية مستقلة ذات سيادة، يحكمها حكام فلاسفة يسترشدون بأفكار الحق والخير والجمال في تصور لمجتمع متناغم يجمعه التوافق الجماعي. ومنذ نحو خمسمائة عام مضت، كتب توماس مور في إنجلترا كتابه «المدينة الفاضلة» في عام ١٥١٦؛ في نفس الوقت الذي كان فيه الإسبان الذين اتبعوا مسار المستكشف فاسكو بالبوا في النصف الآخر من الأرض — التي بات معروفًا بالفعل في ذلك الحين أنها كروية — يركبون سفنهم على شواطئ بنما ليبحروا — باسم قيمهم السامية المزعومة — قاصدين أراضي الإنكا؛ حيث كانوا سيدمرون حضارة عظيمة هناك.

ينبغي أن نعلم على أي حال أن «المدينة الفاضلة» يمكن أن تعني «مكانًا طيبًا»، لكنها يمكن أن تعني أيضًا «مكانًا لا وجود له». ولا يسع المدن الفاضلة أيضًا تجنب السياسة، حتى إذا كانت الأمور تسير على أفضل ما يكون عندما تكون هذه السياسة واقعية وعملية. وهكذا، فإن العالم الذي نحلم به حتى لو أذهل البعض باعتباره ممكنًا من الناحية النظرية، وقابلًا للتحقق من الناحية التكنولوجية، فإنه للأسف غير واقعي ولا يمكن الوصول إليه من الناحية السياسية العملية. ومع ذلك يمكننا، ويجب علينا، أن نواصل التطلع إلى المدينة الفاضلة، كما ينبغي علينا الاستمرار في محاولة بلوغ الأفق، لأن هذا هو ما سيعتمد عليه الجوهر العميق للتقدم خلال الأجيال القادمة.

يكمن معنى التقدم الاقتصادي في حقيقة أنه منطقي؛ في كل زمان وفي كل مكان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢