الفصل الخامس

حال العالم الآن

كيف يتكيف الناس في مختلف أنحاء عالم متغير

لا يمكن أن يصبح عالمنا مثاليًّا، لكنه يستحق أن نواصل السعي لذلك.

كيف يبدو إذن عالمنا الرائع هذا؟ كان تعريف الكلمة الإنجليزية التي تعني «حصان» في أحد القواميس البولندية القديمة كما يلي: «هو ما يراه الجميع كذلك». هذا هو منظور البشر العاديين الذين يصعب عليهم التعبير بالكلمات. لكن هذه الطريقة نفسها قد تكون مفيدة بالنسبة لآخرين. فمثلًا، كان ألبرخت دورر (١٤٧١–١٥٢٨) — أبرز رموز عصر النهضة في ألمانيا — بارعًا في رسم كل ما وقعت عليه عيناه (رسم حيوان الكركدن أو وحيد القرن دون أن يراه أبدًا طيلة حياته، وساهمت رسوماته في إيضاح دروس علم الحيوان حتى عام ١٩٣٩). لقد علِم الفنانون الألمان كل شيء عن فن الرسم، وتمتعوا بخلفيات تقنية. وقد أشار ألبرخت دورر بعد زيارة إلى فينيسيا الإيطالية منذ خمسة قرون إلى أن الفنانين الإيطاليين كانوا يعرفون لماذا يرسمون. كانت لديهم نظرية.1 وبعد أربعة قرون، حذا حذوهم بابلو بيكاسو (١٨٨١–١٩٧٣). قال بيكاسو إنه لم يكن يرسم ما يراه، وإنما يرسم ما يعرفه. لكنْ كلٌّ منا يعرف أشياء مختلفة. تلك هي طبيعة الأمور، على الأقل في الفن، الذي يحق له أن يقدم لنا العالم الذي يريد تقديمه.

لكن ماذا عن العلم؟ إن لدى العلم التزامًا بألا يمثل لنا العالم فحسب، بل بأن يعكسه ويفسره أيضًا. ويتعين على العلم أن يعكس العالم بموضوعية، وليس حرفيًّا، كما المرآة. فحتى أفضل أنواع المرايا — ناهيك عن المرايا المنحنية المتمعجة — تعكس لنا صورًا، مع أنها قد لا تكون مشوهة؛ فإنها معكوسة. فعلى سبيل المثال: يصبح اليمين يسارًا واليسار يمينًا؛ وهو أمر بات مألوفًا في كل شيء خلال السنوات الأخيرة. على العلم أن يفسر الأشياء تفسيرًا صحيحًا، لا خاطئًا ولا انحيازيًّا، لأنه في حالتين كهاتين، تهرب منا المعرفة وتختفي.

إن رؤية الأشياء كما هي تمامًا ليس إنجازًا تافهًا. لكن أن تكون لديك نظرية، وأن تعرف السبب وراء كون الأشياء على النحو الذي تراها عليه، فهذا أمر أعظم بكثير. كيف يبدو هذا العالم إذن؟ من الصعب جدًّا أن نحيطه بالكامل بإدراكنا، لكننا نستطيع أن نشير إلى النقاط الحساسة فيه؛ ليس على نحو انطباعي، كما في الفن، وإنما على نحو منهجي يليق بالعلم. لكن حتى هذا يشبه فن الرسم قليلًا؛ فنحن لا نصف ما نراه، بقدر ما نصف ما ندركه. أو بالأحرى، نصف كيف نرى الأشياء، ونصف النظرية التي تدعم إدراكنا الشخصي. فلا جدوى من وصف ما يمكن أن يراه الآخرون بأنفسهم دون مساعدة من أحد.

إننا نحيا في زمن تحول كبير. وفي الجزء الأوروبي من العالم، عادة تُستخدم كلمة «تحول» في سياق الحديث عن تغيير معقد ونوعي وديناميكي في النظام. وهكذا أستخدمها أنا أيضًا في أعمالي عندما أتناول العبور من الشيوعية إلى الرأسمالية، أو — من وجهة نظر مختلفة قليلًا — العبور من الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق. لكن إذا نظرنا إلى العالم من أوسع بعد كوكبي، فسندرك أننا نعيش عصرًا يشهد تحولات عظيمة في الاقتصاد والسياسة والثقافة، وفي علم الاقتصاد أيضًا.

يترك الزمن علامات جلية في العالم المعاصر، ومن الغريب أن تلك العلامات تبدو متوافقة مع العقود المنصرمة. فقد شهدت الخمسينيات المعجزة الاقتصادية لأوروبا الغربية وسقوط الاستالينية. وأتت حقبة الستينيات بالسقوط المدوي للاستعمار وتنامي المشاعر المناهضة له. واتسم عقد السبعينيات بتفجر النزعة الاستهلاكية وانتشار الاشتراكية العالمية، حيث بدا وكأنها تفرد جناحيها على العالم بينما كانت في حقيقة الأمر على وشك طيهما إلى الأبد. وشهد العقد التالي — الثمانينيات — ذروة الحرب الباردة وتزايد الهيمنة الغربية تزايدًا ملحوظًا. ثم حلت سنوات التسعينيات، التي سادها التحول إلى مرحلة ما بعد الاشتراكية، وظهور «اقتصاد جديد» يعتمد في جميع أنحاء العالم على الكمبيوتر والترابط عبر شبكة الإنترنت. والعقد الحالي هو عصر العولمة والإرهاب الدولي. والعقد القادم سيتسم بصعود قوة الصين، صعودًا لا يقتصر على الناحيتين السكانية والاقتصادية. وستكون ثلاثينيات هذا القرن مميزة كذلك، وليس من المستبعد وقوع أزمة عالمية جديدة تعرقل مسار التوسع الاقتصادي الهائل، وتفرض توازنًا على تدفقات العرض والطلب التي يفيض بها الاقتصاد العالمي الآن على نحو جنوني. ومن المتوقع أن تحمل أربعينيات هذا القرن ثمرة تتمثل في إقامة نظام مؤسسي عالمي جديد ورشيد، من شأنه أن يجعل التنمية المتناغمة نسبيًّا أمرًا ممكنًا. وماذا ستكون العلامات التي سيتركها الزمن في خمسينيات هذا القرن يا ترى؟

للعالم المعاصر أبعاد كثيرة متباينة، وتمييزها أمر بالغ التعقيد. لكننا نستطيع إدراك سمتين أساسيتين للعالم الآن هما: التمايز من ناحية، والاعتماد المتبادل من ناحية أخرى. وربما يجدر أن نتناول التمايز أولًا، نظرًا لما له من تأثيرات ليست هينة أبدًا على المستقبل، والمستقبل يعنينا الآن أكثر مما يعنينا الماضي، الذي بتنا نعرف عنه الآن بعض الأمور.

أفضل ما يمكننا رؤية التمايز من خلاله هو مقارنة رخاء الأفراد والمجتمعات، أو تحديدًا، مقارنة ثراء البعض ببؤس البعض الآخر. يبلغ الإنتاج البشري (الناتج المحلي الإجمالي، أو بالأحرى الناتج العالمي الإجمالي) نحو ٦٧ تريليون دولار بحساب تعادل القدرة الشرائية. وبما أن عدد البشر الآن يقرب من ٦٫٧ مليارات نسمة، فمن السهل أن نتوصل إلى أن هذا يعني أن نصيب الفرد هو ١٠ آلاف دولار سنويًّا. ويجب أن نضيف أننا نتحدث هنا عن الدخل، ومن ثم عن مستوى تدفق زمني. في المقارنات العالمية، عادة تحسب تدفقات الدخل هذه على فترات سنوية، مع أن هذه الطريقة قد تكون مضللة في بعض الأحيان.

في عام ٢٠٠٦ بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في أيرلندا ٤٤٥٠٠ دولار متفوقة على أمريكا، حيث كان نصيب الفرد الأمريكي يبلغ ٤٤٠٠٠ دولار فقط. وقبل هذا بعدة أعوام تفوقت أيرلندا على المملكة المتحدة (حيث بلغ نصيب الفرد في عام ٢٠٠٦، نقلًا عن نفس المصدر، ٣١٨٠٠ دولار) وحظي هذا الحدث باحتفالية تجاوزت فرحة النصر في مباراة كرة قدم. غير أن كل ما يتطلبه الأمر هو أن تستقل الطائرة من لندن أو من نيويورك إلى دبلن لترى بنفسك أي تلك المدن أكثر ثراء. إن مستوى المعيشة، على كل حال، لا يقاس بتدفق الدخل الحالي فحسب، بل بأرصدة الاستهلاك المتراكم أيضًا. قد يتقاضى شخص ما راتبًا كبيرًا، لكنه يظل رغم ذلك يعيش في بيت بسيط، ويركب سيارة متواضعة، ويرتدي ملابس عادية. وهذا هو السبب في أهمية قراءة الإحصائيات حول الدخول (واختلافاتها) على النحو الصحيح، دون استنباط استنتاجات تؤثر على مدى صحة النتائج. في غينيا الاستوائية كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في عام ٢٠٠٧ لا يقل عن ٥٥٠٠٠ دولار، مما وضع البلاد في المرتبة الثانية على مستوى العالم. هذا المبلغ يساوي ثلاثة أضعاف مثيله في الأرجنتين أو في المجر، لكن مستوى المعيشة في هذين البلدين الأخيرين أعلى من مستواها في غينيا الاستوائية المدارية بثلاثة أضعاف. ومع ذلك عندما تظل تدفقات الدخل العالية تلك ثابتة على مدى عقود أو أجيال، فلا بد أن تتجاوز موارد البلد الذي يتفوق فيه مستوى الدخل موارد الدول التي تقل فيها مستويات الدخل. ومن ثم، من الأفضل، عند مقارنة مستويات الدخل — لا سيما الناتج المحلي الإجمالي — أن تكون المقارنة على مدى زمني أطول، وأن تحسب في الاتجاهين، رجوعًا إلى الماضي وتوقعًا للمستقبل على حد سواء.

يعكس متوسط مستويات الدخل الفروق الهائلة بين دول العالم، فلو أننا وضعنا أفقر البلدان وأغناها تحت الميكروسكوب، فسنجد أن نسبة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمال في أغنى الدول (لوكسمبورج، ٧١٤٠٠ دولار) إلى نصيب الفرد في أفقرها (الصومال، أقل من ٥٠٠ دولار) تساوي ١٢٠ إلى ١. ولو قارنا متوسط دخل أغنى واحد بالمائة من سكان الولايات المتحدة (ثلاثة ملايين شخص دخلهم السنوي يبلغ ٧٠٠٠٠٠ دولار)، بمتوسط دخل أفقر واحد بالمائة من سكان جمهورية الكونغو الديمقراطية (٦٥٠ ألف شخص متوسط دخلهم نحو ١٤٠ دولارًا)، فستكون النسبة بينهما تساوي ٥٠٠٠ إلى ١؛ أي إن دخل أحد أغنى الأمريكيين في أربعة أيام يعادل دخل أحد أفقر سكان الكونغو طوال عمره، مع العلم بأن أمد العمر المتوقع عند الولادة لمواطني الكونغو هو ٥٧ عامًا. وهذا التباين الشاسع ناتج عن أحداث التاريخ. فمنذ خمسة قرون، كانت مستويات المعيشة في الولايات المتحدة وفي أفريقيا بنفس درجة الفقر والبؤس. واليوم، يعادل متوسط الدخل في الولايات المتحدة عشرين ضعف متوسط الدخل في أفريقيا.

لكن التمايز المتزايد في المستوى المعيشي بين دول شرق آسيا، ودول جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى لم يتشكل إلا على مدى جيلين فقط. فقد قفز نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في دول المنطقة الأولى (بما فيها الصين بالطبع) إلى معدل مذهل بلغ ٣٤ ضعف قدره منذ عام ١٩٦٠، مما عزز جودة مستوى المعيشة لدول بأكملها، بينما في بلدان الصحراء الأفريقية لم يرتفع مستوى المعيشة إلا بنسبة بائسة بلغت ٢٥٪، بل ربما كانت صفرًا إذا ما قيست نسبة للمدى الزمني الطويل منذ عام ١٩٦٠ حتى الآن. ومنذ أقل من ٥٠ سنة، كانت كوريا الجنوبية وتايوان بنفس مستوى الفقر الذي كانت تعيشه كلٌّ من كينيا وغانا، ولا تزالان تعيشانه حتى الآن. والآن، يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في البلدين الأولين على التوالي ٢٥٠٠٠ دولار و٣٠٠٠٠ دولار؛ بينما يبلغ نصيب الفرد في البلدين الأخيرين على التوالي ١٢٠٠ دولار و٢٧٠٠ دولار. في عام ١٩٦٠ كانت تلك الدول الأربعة في أدنى المستويات على الصعيد الاقتصادي. وتبدو المقارنة مماثلة بين الكاميرون، التي لا تزال فقيرة للغاية، وماليزيا المتطورة تطورًا يثير الإعجاب. فقد حافظت ماليزيا على مدى أربعة عقود على نسبة نمو كانت تشهد تضاعفًا في قدر الإنتاج كل عشر سنوات، مما أدى إلى بلوغ نصيب الفرد من الناتج المحلي فيها ٥٨٠٠ دولار وفقًا لسعر صرف السوق، و١٣٧٠٠ دولار وفقًا لتعادل القدرة الشرائية. كانت نسبة نصيب الفرد من الناتج المحلي في الكاميرون في عام ١٩٦٠ مماثلة تقريبًا لنسبة ماليزيا (٥٠٠ دولار في الكاميرون، مقابل ٧٧٠ دولارًا في ماليزيا وفقًا لأسعار الصرف في السوق)؛ لكن نصيب الفرد في الكاميرون اليوم لم يرتفع كثيرًا، إذ بلغ نصيب الفرد ٩٢٠ دولارًا وفقًا لسعر صرف السوق، و٢٤٠٠ دولار وفقًا لتعادل القدرة الشرائية. والأسوأ أن مستوى دخل الفرد في الكاميرون انخفض انخفاضًا مطلقًا خلال العشرين سنة الأخيرة. والدول التي تماثل الكاميرون كثيرة، لا سيما في أفريقيا.

هذه الأمثلة تظهر وجهي عملة واحدة: الركود والتنمية. وبما أن البعض عالق في مكانه أو يزحف زحفًا، بينما البعض الآخر سابق نحو الأمام، فإن ما نشهده من تمايز متزايد بين مستويات الدخل ليس أمرًا مستغربًا على الإطلاق. ولا يمكن أيضًا أن نعتبر تزايد التمايز بين مختلف الدول أمرًا سيئًا، لأن هذا يكون في كثير من الأحيان ناتجًا عن تنمية سريعة تأتت بفضل الادخار وروح المبادرة التجارية، والسياسات الحكيمة والاستراتيجيات الفعالة. وكل ما يمكننا فعله هو أن نأسف لأن أمور بعض الدول لم تجر على ما يرام، وأن نحاول بحث الأسباب وراء ذلك.

تلعب حركة التجارة الدولية دورًا مميزًا في تنشيط التنمية، فأي بلد يستطيع أن يضاعف نطاق التصنيع فيه من خلال تصدير منتجاته خارج حدوده إلى الدول الأخرى، وهذا لن يفضي إلى إسراع دورة رأس المال فحسب، بل إلى خفض كلفة إنتاج الوحدة أيضًا. وبناء على ذلك، ستزداد الأرباح، التي يمكن استغلالها لتمويل إقامة طاقة إنتاجية جديدة. فيحصل مزيد من الأشخاص على وظائف، ويدفعون ضرائب، فتحصل الدولة على مزيد من رأس المال لسد نفقاتها، وهكذا تبدأ عجلة النمو في الدوران. إن أولئك الذين لديهم القدرة على التصدير، لديهم القدرة على تحقيق التنمية، وهذا يفسر إلى حد كبير أسباب النجاح الاقتصادي في دول جنوب شرق آسيا على مدى العقود الثلاثة الأخيرة. وهذا أيضًا هو السبب وراء غياب التنمية في مناطق أخرى من العالم — أفريقيا وآسيا الوسطى وأجزاء من أمريكا اللاتينية في الوقت الحاضر — وتآكل الأساس الاقتصادي للاقتصادات الاشتراكية الموجهة في الماضي.

لقد طالت يد التغيير الكثير من أمور العالم خلال العقود القليلة الأخيرة، فمجموعة الدول التي يطلق عليها صندوق النقد الدولي اسم «أسواق ناشئة أخرى، ودول نامية أخرى» — أي كل أجزاء العالم الواقعة خارج نطاق أعضاء منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، بالإضافة إلى الأسواق التي «نشأت» بالفعل في وقت سابق في هونج كونج، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، وتايوان — تسهم بنسبة الثلث من إجمالي دورة رأس المال في التجارة الدولية. منذ عشر سنوات، كانت هذه النسبة لا تتعدى نصف نسبتها الحالية؛ إذ كانت تبلغ ١٧٫٣٪ فقط. بينما انخفضت نسبة مساهمة أغنى الدول، وفيها الولايات المتحدة، من ١٣٪ في عام ١٩٩٦، إلى ما دون ١٠٪ حاليًّا. وقفزت أسهم الأسواق الناشئة والدول النامية من ٣٩٫٢٪ في عام ١٩٩٦، إلى ٤٨٪ عام ٢٠٠٦ بفضل التوسع التجاري الذي يشكل القوة الدافعة لاقتصادات هذه الدول نحو الأمام. كان عام ٢٠٠٨ عامًا تاريخيًّا؛ إذ تمكنت البلدان الفقيرة من اللحاق بالبلدان الغنية من حيث الناتج المحلي الإجمالي، حاليًّا، وفقًا لتعادل القدرة الشرائية فحسب، لكن ليس من حيث نصيب الفرد بعد. ومع ذلك فقد تشكل عالم جديد.

مرة أخرى، نحن نتحدث عن معدلات من شأنها أن تخفي نجاحات مذهلة وغير مسبوقة، لكنها تخفي أيضًا إخفاقات مثيرة للأسف، تراجعًا وكسادًا وركودًا، وواديًا حقيقيًّا من الدموع. عندما نتأمل العقود القليلة الماضية، تبدو لنا غالبية حالات الركود المزمن قابلة للتفسير من خلال أربعة عوامل أغلقت أبواب الوصول إلى التقدم الاقتصادي. تأتي الحروب والصراعات المسلحة في المقام الأول: فنحو ثلاثة أرباع الشعوب التي تعاني حياة الفقر تعيش في بلدان خاضت الحرب أو ما زالت في غمارها حتى الآن، ومن هذه البلدان: جمهورية الكونغو الديمقراطية، وفلسطين، وكولومبيا، وجواتيمالا. ثانيًا: إن أكثر من ربع حالات الركود والبؤس يمكن أن تعزى إلى عدم القدرة على الاستفادة من الموارد الطبيعية (في نيجيريا، والسودان، وليبيريا، وبوليفيا). ثالثًا: بعض البلدان تعجز عن كسر الحلقة المفرغة لانعدام الوسيلة إلى التنمية بسبب وقوعها في مواقع جغرافية سياسية سيئة، وصعوبة الوصول إليها من الناحية الجغرافية، أو وقوعها ضمن جيرة سيئة من البلدان (تشاد والنيجر وأرمينيا ونيبال). والعامل الرابع والأخير، الذي يؤثر سلبًا على البلدان تأثيرًا يفوق تأثير كل العوامل الثلاثة الأخرى مجتمعة، هو سوء الحكم وإدارة الاقتصاد الكلي إدارة خاطئة. والآن، أرجو منك عزيزي القارئ أن تملأ الفراغات الآتية باسم بلد من كل قارة يتحقق فيها هذا العامل:
  • —————————

  • —————————

  • —————————

  • —————————

  • —————————

وحينما تجتمع هذه الآفات الأربع، لا تقتصر النتيجة على الركود فحسب، بل التراجع المحقق أيضًا.

المصائب لا تأتي فرادى، بل تأتي أسرابًا في بعض الأحيان. وكما لو أنه ليس هناك ما يكفي من أسباب للفقر والبؤس، تؤدي الكوارث الطبيعية، التي تضرب بلدانًا بنيتها التحتية متهرئة وتفتقر إلى الموارد المادية والمالية اللازمة، إلى إلحاق أضرار بالبلدان الفقيرة تفوق تلك التي تلحق بالبلدان الغنية. فمثلًا لو أن زلزالًا ضرب كلًّا من اليابان وباكستان بنفس القوة، فسيسفر عن أضرار تختلف شدتها كل الاختلاف في كلٍّ من البلدين من حيث عدد الضحايا وحجم الخسائر. وبالمثل، إذا حدث فيضان بنفس القوة في كلٍّ من جمهورية التشيك وبنجلاديش، فسيختلف حجم الكارثة اختلافًا شاسعًا في كلٍّ من البلدين. وموجة الجفاف التي تصيب ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة تختلف عن تلك التي تصيب ولاية باخا كاليفورنيا بالمكسيك. وعندما تكون الكوارث الطبيعية بالغة الخطورة، فإنها تحدث أضرارًا جسيمة في المناطق المنكوبة في الدول النامية. ومن الممكن أن تتعرض البلدان الصغيرة للتدمير بالكامل، مما يسفر عن انتكاس مستويات الإنتاج فيها. وعندما تعود هذه المستويات، بعد عدة سنوات، إلى ما كانت عليه قبل حدوث الكارثة؛ يكون معدل نموها ضئيلًا جدًّا ويقارب الصفر. ففي عام ١٩٩٢ كبد إعصار آندرو الولايات المتحدة نسبة ٠٫٥٪ من ناتجها المحلي الإجمالي. وفي عام ١٩٩٨ كبد إعصار جيلبرت جامايكا ٢٨٪ من ناتجها المحلي الإجمالي. هذا الإعصار فقط أسفر عن ثبات نسبة النمو في جامايكا عند −٠٫٥٪ طوال اثني عشر عامًا بين ١٩٩٠ و٢٠٠١.

يأخذ التباين في مستويات الدخل — وما يترتب عليه من عواقب — عدة أشكال. ويمكن ملاحظته فيما بين الدول، والأقاليم، والمدن. ففي ريوي دي جانيرو، يبدو الشارع الفاصل بين حي فافيلا روسينها الفقير ومدينة جافيا الثرية كما لو كان حدًّا فاصلًا بين عالمين مختلفين كل الاختلاف، فمستويات الدخل في جافيا تفوق مثيلاتها في فافيلا بسبعة عشر ضعفًا، ونسبة البطالة في جافيا تنخفض عنها في فافيلا بمقدار التُّسع، مما يؤثر على أمد العمر المتوقع للفرد عند الولادة، إذ يزيد عمر ساكن جافيا عن عمر مثيله في فافيلا بثلاثة عشر سنة. ويمكن أن نجد أمثلة أخرى لا تقل إذهالًا عن هذا المثال حتى في أغنى مدن العالم مثل ملبورن وهونج كونج وجوهانسبرج وروما وشيكاغو. لكن في البلدان الفقيرة، تكون التفاوتات قاتلة بمعنى الكلمة للأشخاص القابعين في أسفل السلم الاجتماعي، نظرًا لانخفاض مستوى التنمية فيها بوجه عام.

معامل «جيني» هو معيار عالمي يستخدم لقياس تفاوتات الدخول. ويمكن استخدامه أيضًا لقياس تفاوتات الثروة (الأصول). وقد سمي بهذا الاسم نسبة لاسم عالم الديموغرافيا والإحصاء الإيطالي كوريدو جيني، الذي ابتكر هذا المقياس في عام ١٩١٢. ويعبر عن مقياس جيني بنسب مئوية تتراوح بين الصفر (عدالة تامة في توزيع الدخول) والرقم واحد (تفاوت تام في الدخول)، ويرتبط المقياس بمؤشر يعرف باسم «مؤشر جيني»، وهو عبارة عن معامل جيني مضروبًا في الرقم ١٠٠، وهكذا يمكن أن نرى كلا الشكلين، ففيما يخص بولندا مثلًا النسبتان كالتالي: إما ٠٫٣٤١ أو ٣٤٫١.

يعتمد شرح طريقة حساب معامل جيني وتفسير أرقامه على ما يعرف بمنحنى «لورنز»، الذي يمثل دالة التوزيع التراكمي لتشتت مستويات الدخل، ويتضح ذلك من خلال رسم بياني يوضح النسب المئوية لتوزيع الدخل والنسب المئوية لفئات المجتمع المختلفة التي تحصل على هذا الدخل. عندما يكون توزيع الدخل عادلًا، يظهر ذلك كخط مستقيم يرتفع بزاوية ٤٥ درجة عن المحور الأفقي. هذه هي العدالة، حينما يحصل كل فرد على نفس الدخل؛ حينما تحصل كل فئة من السكان على نفس النسبة المئوية من إجمالي الدخل، هذه مساواة كاملة. ومن ناحية أخرى، حينما يكون التوزيع بالغ التفاوت، يظهر منحنى لورنز مماسًا للمحور الأفقي والمحور العمودي، هذا يعني أن شخصًا واحدًا يستأثر بكل شيء بينما لا يحصل الباقون على أي شيء.

يقع مستوى الدخل حتمًا في موقع ما بين هذين النقيضين. وهذا معناه أن منحنى لورنز يأخذ دومًا شكلًا مقعرًا داخل نطاق الخط المرتفع عن المحور الأفقي بزاوية ٤٥ درجة. ويشكل الخط والمنحنى معًا شكل قوس ذي وتر مشدود ومقبض منحنٍ. وكلما زاد انحناؤه، زادت المساحة المحصورة بين منحنى لورنز والخط المرتفع بزاوية ٤٥ درجة عن المحور الأفقي الذي يعبر عن النسبة المثالية، ومن ثم معامل جيني هو الفرق بين تلك المساحة والمساحة الكلية للمثلث الذي يشكله الخط المثالي مع المحورين الرأسي والأفقي. ومن ثم، من الناحية النظرية يجب أن يقع منحنى لورنز عند نقطة ما بين الصفر (عدالة تامة) والرقم واحد (تفاوت تام). وفي الواقع، يقع المنحنى في كثير من الأحيان بين ٠٫٢ و٠٫٧.

لا رغبة لدي في تعقيد الأمور، لكنني أرغب في شرحها فحسب؛ ومع ذلك سيكون من غير المعقول أن نغفل اثنين من التحفظات المنهجية الواضحة في هذا الصدد. جزء من السبب وراء هذا هو أن معامل جيني كثيرًا ما يجري التلاعب به بعدة طرق، دون قصد أحيانًا، ولاعتبارات سياسية في أحيان أخرى، وهذا يتوقف على ما إذا كان الشخص الذي يستخدم هذا المقياس يحاول أن يثبت أن الأمور تتحسن أم تسوء. فهناك هامش كبير للغاية يسمح بالتلاعب في تفسير هذا المقياس، على عكس البيانات «المادية» القاطعة لمعدلي التضخم والبطالة.

الملاحظة الأولى تتعلق بالتأخير الزمني الواضح في تطبيق هذا المقياس. ففي بعض الأحيان، توضح المؤشرات نسب توزيع الدخل منذ عدة سنوات سابقة، قد تصل إلى عشر سنوات. وهذا يجب أخذه في الحسبان، على الرغم من أن التغيرات قصيرة الأجل تكون طفيفة في الأوقات العادية. والسؤال هو: هل الأوقات الحالية أوقات عادية؟ بالطبع لا، خصوصًا في الدول المارة بالتحول إلى ما بعد الاشتراكية، التي أدرجت عدالة توزيع الدخل ضمن التغييرات الهيكلية. فبينما الفرق في معامل جيني للسويد وبلجيكا بين عامي ١٩٩٢ و٢٠٠٧ في أدنى مستوياته، نجده فرقًا هائلًا في حالتي كازاخستان وسيبيريا.

الملاحظة الثانية تتعلق بفئات الدخل التي يغطيها معامل جيني، فمعامل جيني لبولندا الذي ذكرناه من قبل (٠٫٣٤١) يستند إلى تقديرات مستويات دخل الأسر، مستمدة من عمليات مسح استقصائية عشوائية، تجريها دائرة الإحصاء الرئيسية على نحو دوري. وهناك قيمة لاحقة لمؤشر جيني لبولندا، تظهر أن التفاوت في الأجور والرواتب بلغ نسبة ٠٫٣٤٥. هذا الفرق ضئيل، لكن من يمعن النظر في هذه النسبة قد «يستنتج» أن الموقف يزداد سوءًا (أو تحسنًا، حسب نوع التفاوت الذي يفضله).

الملاحظة الثالثة، هي أن معامل جيني يوضح الكثير فيما يتعلق بتفاوت مستويات الدخل، لكنه لا يوضح أي شيء فيما يتعلق بتفاوت توزيع الثروة. للتبسيط، يمكننا أن نفترض أن توزيع الثروة هو صورة طويلة الأمد من توزيع الدخل، أو بالتحديد للجزء الذي يُدخَر من الدخل. نظريًّا، هذا هو الحال، إذا لم تكن هناك دخول مالية أخرى تغفلها إحصاءات مستويات الدخل. وهذا هو السبب وراء إمكانية وجود تركز هائل للثروة (أو الأصول الثابتة) في أيادي عدد قليل من السكان، حتى في الدول التي تتمتع بعدالة نسبية في توزيع مستويات الدخل. ففي السويد مثلًا، يبلغ معامل جيني ٠٫٢٥ فقط (بيانات عام ٢٠٠٠)، ومع ذلك تقدر نسبة من يتحكمون في ما لا يقل عن ٧٧٪ من الثروة في السويد ﺑ ٥٪ فقط من أغنى سكانها. وهذا لا يوضح لنا أي شيء يمكن استخدامه لتقييم السويد، نظرًا لعدم وجود إحصاءات مقارنة لمعظم الدول الأخرى. وربما من الأفضل ألا نعلم شيئًا عن هذا.

تتضمن الملاحظة الرابعة مسألة جودة البيانات. إن أدنى فرق بين معامل جيني على أساس الدخل، أو على أساس الأجور والرواتب قد يشير إلى أن البيانات المستخدمة غير دقيقة. هذا لأن فئة «الدخل» تشمل عدة مكونات هامة أخرى (وفيها أرباح رأس المال وأرباح الأسهم، ومدفوعات المعاقين والمعاش التقاعدي، وأرباح الأنشطة غير المسجلة في نسب الناتج المحلي الإجمالي الرسمية، والتحويلات المالية من الخارج). هذا يفسر الفرق الذي يطرأ بين نسبتي معامل جيني عندما يحسب بناء على كلٍّ من هذين الأساسين.

تتعلق الملاحظة الخامسة بمصدر التقديرات، فعادة تكون النتائج متطابقة أو تكاد تتطابق، نظرًا لاستنادها إلى نفس البيانات التي تأتي عادة من مصادر إحصائية قومية، أو من الحسابات الموثوقة الخاصة بالمنظمات الدولية كالأمم المتحدة والبنك الدولي. لكن هناك تناقضات يصعب شرحها دون تحليل تفصيلي. على سبيل المثال: بلغ تقدير الأمم المتحدة لمعامل جيني في حالة أرمينيا ٠٫٣٣٨، بينما بلغ تقدير دائرة الاستخبارات الأمريكية لنفس البلد ٠٫٤١٣. ولا يمكن أن نعزو هذا التفاوت إلى أن التقدير الأول أجري في عام ٢٠٠٣ بينما التقدير الثاني أجري في عام ٢٠٠٤، فمن غير الممكن أن تكون هناك تغييرات جذرية قد حدثت خلال فترة بهذا القصر.

الملاحظة السادسة واضحة، لكنها جديرة بالذكر. نعلم أن معامل جيني يتعلق بحصة النفقات أو الدخول. عندما نتحدث عن الدخل، فهذا قد يتضمن إما الدخول التي تتخذ شكلًا نقديًّا، أو يمكن أيضًا أن نأخذ في الاعتبار قيمة السلع والخدمات التي يحصل عليها الفرد (كالعلاج المجاني، أو الرعاية الصحية، أو التعليم). وبناء على ذلك، نلاحظ أن معامل جيني يغفل جوانب هامة أخرى لا تتعلق بالاستهلاك فحسب، بل بالحصول على الخدمات الضرورية أيضًا.

إذا أردنا أن نجري مسحًا شاملًا للعالم كله، فستكون فكرة جيدة أن نطرح جانبًا الإحصائيات التي توضح توزيع الدخل داخل الدول. لكن سيكون من الخطأ أن نتعجل فعل ذلك؛ لأن هذا الاختلاف جزء أساسي من المشهد العالمي؛ إذ يظهر معامل جيني تمايزًا كبيرًا بحسب كل منطقة، يتراوح بين ٠٫٢٥ في أوروبا و٠٫٣٣ في جنوب أفريقيا وصولًا إلى ٠٫٥٧ في أمريكا اللاتينية وما لا يقل عن ٠٫٧ في بلدان جنوب الصحراء الأفريقية. وبالطبع تتضمن هذه الأطر درجة كبرى من التباين بحسب كل بلد. يمكننا توضيح هذا باستعراض ثلاث مجموعات فقط من البلدان:

أولًا، الدول ذات أدنى مستوى من تفاوت توزيع الدخل: منها دول ثرية تتسم باقتصاد سوق اجتماعي متطور وموقف اقتصادي نشط، بالإضافة إلى بعض من دول ما بعد الاشتراكية. طبقًا لبيانات الأمم المتحدة، تأتي أكثر عشرة مجتمعات على مستوى العالم تتحقق فيها عدالة توزيع الدخل كما يلي: أذربيجان (حيث يبلغ معامل جيني ٠٫١٩)، الدنمارك (٠٫٢٤٧)، اليابان (٠٫٢٤٩)، السويد (٠٫٢٥)، جمهورية التشيك (٠٫٢٥٤)، النرويج وسلوفاكيا (٠٫٢٥٨)، أوزباكستان (٠٫٢٦٨)، فنلندا (٠٫٢٦٩)، أوكرانيا (٠٫٢٨١). وتأتي ألمانيا بعد هذه الدول بفارق ضئيل بنسبة (٠٫٢٨٣)، ومعها غالبية دول ما بعد الاشتراكية في أوروبا.

المجموعة الثانية، على النقيض تمامًا من حيث توزيع الدخل، وتشتمل على بلدان بالغة الفقر. يقبع بعضها في حضيض الاقتصاد العالمي. أغلب هذه البلدان أفريقية، لكن ثلاثة منها تقع في أمريكا اللاتينية، وأحدها في منطقة الكاريبي. اثنان من أعلى معدلات معامل جيني على مستوى العالم في ناميبيا (٠٫٧٤٣)، وجارتها بتسوانا (٠٫٦٣)، حيث تمتلك النخبة البيضاء مزارع تدر أرباحًا، ومناجم ماس تشكل ما نسبته ٢٥٪ من إجمالي الناتج العالمي، بينما يقطن غالبية السكان صحراء كالاهاري. وجدير بالذكر أن ناميبيا وبتسوانا يحتلان المرتبتين الثالثة والرابعة ضمن قائمة أعلى نسبة لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في أفريقيا بعد كلٍّ من غينيا الاستوائية وجنوب أفريقيا الغنيتين بالثروة النفطية، إذ بلغ نصيب الفرد في كلٍّ من ناميبيا وبتسوانا على التوالي: ٧٦٠٠ دولار ١٣٣٠٠ دولار. وفي ليسوتو (٠٫٦٣٢) يزيد معامل جيني زيادة طفيفة عنه في بتسوانا، وبلدان أخرى ضمن هذه المجموعة تشمل سيراليون (٠٫٦٢٩)، وجمهورية أفريقيا الوسطى (٠٫٦١٣)، وسوازيلاند (٠٫٦٠٩)، وبوليفيا (٠٫٦٠١)، وهاييتي (٠٫٥٩٢)، وكولومبيا (٠٫٥٨٦)، وباراجواي (٠٫٥٧٨).

وتشمل المجموعة الثالثة الدول الخمس الباقية من مجموعة الدول الصناعية السبع الغنية، والدول السبع التي يمكن أن نطلق عليها دولًا خارج مجموعة السبع، التي تتسم بموقف عالمي استثنائي من الناحيتين السياسية والاقتصادية بسبب مواردها، وإمكاناتها الطبيعة والسكانية والعسكرية. وهكذا يبلغ معامل جيني للولايات المتحدة ٠٫٤٠٨، بينما يبلغ ٠٫٣٦ في كلٍّ من إيطاليا والمملكة المتحدة، و٠٫٣٢٧ في فرنسا وكندا. ويبلغ ٠٫٥٦٧ في البرازيل، و٠٫٤٤٧ في الصين، و٠٫٤٣٧ في نيجيريا، و٠٫٣٩٩ في روسيا، و٠٫٣٢٥ في الهند، و٠٫٣٤٣ في إندونيسيا، و٠٫٣٠٦ في باكستان.

هناك وسيلة أخرى لملاحظة نسب الدخل وتوزيعه، هي أن نقيس متوسط الدخل لفئات معينة من السكان، على أن تترتب بحسب مقدار الدخل بدءًا من الأعلى إلى الأدنى. على سبيل المثال، يمكن أن نقسم متوسط دخل أعلى واحد بالمائة من السكان الذين يتقاضون أعلى الرواتب على متوسط دخل أدنى واحد بالمائة من السكان، أو نقسم دخل النصف الأغنى من السكان على دخل النصف الأفقر منهم. يوجد مؤشران يُطبقان عادة في الإحصاءات المقارنة مثل: النسب العشرية (قسمة متوسط دخل أعلى ١٠٪ من السكان دخلًا على دخل أدنى ١٠٪ من السكان دخلًا)، أو النسب الخُمسية (قسمة خمس أعلى السكان دخلًا على خمس أدنى السكان دخلًا).

ينتمي كل واحد منا إلى شريحة عشرية ما في بلده وعلى مستوى العالم، وفي مكان عمله وفي مكان سكنه. لكن قلة من الأشخاص فقط هم من يعلمون إلى أي شريحة ينتمون، لأن هذا الأمر لم يخطر على الإطلاق ببال الكثيرين. لكن يجدر بنا أن نحاول معرفة ذلك. كما ذكرت في السابق، بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم في عام ٢٠٠٧ نحو ١٠٠٠٠ دولار. من الممكن أن يعرف كل واحد منا موقعه تحديدًا مقارنة بهذا الرقم، مع الأخذ في الاعتبار أنه لا يقتصر على الدخل النقدي فحسب، بل بالجزء من الناتج المحلي الإجمالي الذي يكون من نصيب كلٍّ منا في النهاية. لكن صعوبة تجميع البيانات تزيد الأمور تعقيدًا عند حساب دخل فئات مئوية معينة.

كيف تبدو النسب العشرية في أماكن مختلفة حول العالم؟ وهل يمكن أن تكون خريطة مرسومة بناء على هذه النسب مشابهة لخريطة مرسومة بناء على معاملات جيني؟ نعم، إن الخريطتين متشابهتان. يظهر التفاوت طفيفًا في أوروبا وآسيا، ومرتفعًا في أفريقيا وأمريكا اللاتينية. وتبرز حالة إثيوبيا ضمن مجموعة من عشرين بلدًا هي الأدنى من حيث النسب العشرية. فنسبة إثيوبيا هي ٦٫٥ (حيث يستحوذ أعلى ١٠٪ من السكان دخلًا على ٢٥٫٥٪ من إجمالي الدخل، بينما لا يحصل العُشر الأفقر من السكان إلا على ٣٫٩٪ فقط من الدخل). هذا الوضع الاستثنائي المثير لإثيوبيا ناتج عن الإرث الشائن، في كل شيء آخر، والذي خلفه نظام حكومة الدرج العسكرية شبه الاشتراكية، التي فرضت سياسة عدالة متطرفة في الفترة بين عامي ١٩٧٤ و١٩٨٧.

ومع الأسف، غالبية الدول الأفريقية الأخرى تتسم بتفاوت هائل. ومن المثير للاهتمام أن دول أمريكا اللاتينية تبدو أسوأ حالًا عند استخدام النسب العشرية، لا معامل جيني للوقوف على طبيعة الوضع فيها؛ إذ تتضمن قائمة أعلى عشرين بلدًا من حيث النسب العشرية ما لا يقل عن ثلاثة عشر بلدًا من أمريكا اللاتينية. وتأتي أعلى عشر دول من حيث ارتفاع نسب التفاوت في الدخل كما يلي: بوليفيا (١٥٧٫٣)، ناميبيا (١٢٩)، ليسوتو (٩٦٫٦)، بتسوانا (٨٠٫٩)، باراجواي (٧٥٫٧)، جمهورية أفريقيا الوسطى (٦٨٫١)، هاييتي (٦٨٫١)، كولومبيا (٦٧٫٠)، البرازيل (٥٧٫٣)، السلفادور (٥٥٫٤).

وتظهر اتجاهات التساوي في توزيع الدخل في نفس مجموعة دول ما بعد الاشتراكية، ودول اقتصادات السوق الاجتماعي المتطورة، تمامًا مثلما كان الحال عند استخدام معامل جيني، لكن النسبة في بنجلاديش (٦٫٨) وفي باكستان (٦٫٦). وتوجد عشر دول تبلغ نسبها العشرية الرقم ٦ أو أدنى من ذلك هي: النرويج (٦٫٠)، سلوفينيا (٥٫٩)، أوكرانيا (٥٫٩)، ألبانيا (٥٫٩)، فنلندا (٥٫٧)، المجر (٥٫٦)، البوسنة والهرسك (٥٫٥)، جمهورية التشيك (٥٫٢)، اليابان (٤٫٥)، أذربيجان (٣٫٣). وعدالة التوزيع المدهشة في اليابان المتطورة للغاية ناتجة عن الأوضاع الثقافية فيها، وعن السياسة طويلة الأمد التي انتهجتها الدولة حينما ارتأت أن التوزيع المتوازن للدخل وسيلة مهمة للحفاظ على نمو اقتصادي مرتفع. حالة أذربيجان مدهشة هي الأخرى، ويجب أن تفسر في ضوء مزيج فريد يتمثل في قياداتها الحكومية، وتركيبتها الثقافية، وظروفها الطبيعية. هذه الجمهورية السوفييتية السابقة التي حولت مسارها الاقتصادي بعد زوال الاشتراكية هي بلد مسلم أيضًا حبته الطبيعة بموارد نفطية وافرة.

دعونا نفكر فيما تعنيه هذه الحالات المتناقضة. في أذربيجان يحصل أعلى عشرة بالمائة من السكان دخلًا على ١٨٪ من إجمالي الدخل، ويحصل أقل عشرة بالمائة من السكان دخلًا على ٥٫٤٪ من إجمالي الدخل. وفي بوليفيا، يحصل أعلى عشرة بالمائة من السكان دخلًا على ٤٧٫٢٪ من إجمالي الدخل، بينما يحصل العشرة بالمائة القابعين في أسفل السلم الاجتماعي على ٠٫٤٪ فقط من إجمالي دخل البلد. ربما يعتقد البعض أن هذه التناقضات تشير إلى مجموعات سكانية صغيرة العدد ولا تمثل كل السكان؛ وأن عدد أفقر عشرة بالمائة من السكان في بوليفيا لا يتجاوز ٩١٠ آلاف نسمة. لكن المشكلة هي أن مئات الآلاف هذه تصير مئات من الملايين إذا ما قيس الأمر على نطاق العالم كله. فهناك ما لا يقل عن ١٫٣ مليار إنسان يعيشون بأقل من دولار في اليوم، وهذا وضع لا يمكن استمراره.

تظهر الدراسات التي أجرتها منظمة لاتينو باروميتر — وهي منظمة في تشيلي متخصصة في بحوث الرأي العام — على فترات منتظمة أن صبر هذه المجتمعات الفقيرة آخذ في النفاد. فقلق الناس البالغ في أمريكا اللاتينية بأسرها من البطالة والفقر، يفوق قلقهم من الإرهاب. فقد رأى ٧١٪ من الأشخاص الذين استطلعت آراؤهم مؤخرًا أن دولهم تدار لصالح منفعة مجموعة صغيرة من المصالح القوية، لا لصالح الشعب كله. وفي الواقع، إن تصويت العديد من سكان دول أمريكا اللاتينية في الانتخابات الديمقراطية لصالح الأحزاب اليسارية والقادة اليساريين، وفيهم انتخاب إيفو موراليس رئيسًا لبوليفيا التي تعاني تفاوتًا شديدًا في توزيع الدخل بين السكان، لم يكن ناجمًا عن انخفاض الدخل بوجه عام، بل عن شدة تفاوت مستويات الدخول في تلك الدول. وقد يستغرب البعض أن الأمر قد استغرق كل هذا الوقت ليحدث في بوليفيا، بينما يستغرب البعض الآخر أن هذا لم يحدث حتى الآن في عدد أكبر من الدول التي تعاني هي الأخرى من سوء توزيع الدخل.

وبالإضافة إلى الجانبين الأخلاقي والسياسي لمثل هذا التفاوت الصارخ في مستويات الدخل، ما من شك في أنه يؤثر سلبًا على النمو الاقتصادي. إن الفقر لا يسبب مثل هذا التفاوت الواضح في توزيع الدخل؛ إن التوزيع غير العادل للدخل هو بالأحرى ما يسفر عن شيوع الفقر. ولا يوجد حدّ ثابت معين لعدم المساواة على مستوى العالم يمكن أن نقول إن معدل النمو يتباطأ إذا تجاوزناه (أو العكس، يتسارع معدل النمو إذا بقينا دونه)؛ فهذا يعتمد أيضًا على السياقين التاريخي والثقافي. وهناك دول حينما يتجاوز معامل جيني فيها نحو ٠٫٣٥ يسفر هذا عن إعاقة نموها، وفي دول أخرى لا يتأثر النمو الاقتصادي إلا حينما يبلغ معامل جيني ٠٫٤٥. إذن، ما من حد واضح فاصل وثابت. لكن المهم هو تأثير تفاوت الدخل على مدى التلاحم الاجتماعي، فهذا هو العنصر الذي من شأنه أن يعزز الاتجاهات التنموية أو يعيقها. وهذا كان أحد الأسباب التي جعلت التلاحم الاجتماعي أمرًا ضروريًّا في استراتيجية الاتحاد الأوروبي التنموية، وهذا هو عين الصواب.

•••

يمكننا الآن أن ننظر إلى تفاوت توزيع الدخل على مستوى العالم، لا ضمن دول بعينها، وهنا تطرأ مشكلات منهجية كبرى، لذا ينبغي أن نوجه اهتمامنا نحو أكثرها خطورة. توجد طريقتان أساسيتان لتحليل تفاوت توزيع الدخل: أولاهما أن نقارن متوسط مستويات الدخل في بلد منفرد بالمتوسط في الدول الأخرى، ثم نستخدم هذه المستويات باعتبارها أساسًا لمعامل جيني. والثانية هي أن نتعامل مع سكان العالم بأسره باعتبارهم مجموعة واحدة، ثم نحسب معامل جيني لسكان العالم ككل؛ كما لو كانوا يعيشون تحت مظلة اقتصاد عالمي واحد، لا تحت مجموعة من الاقتصادات الوطنية المتعددة. في هذه الحالة، تختلف النتائج اختلافًا ملحوظًا، وأكثر من ذلك أن النتائج قد تتغير في بعض الأحيان. وهذا هو السبب في إمكانية التوصل إلى مؤشرات متناقضة، تشير إلى أن تفاوت مستويات الدخل في العالم مرتفع ومنخفض في الوقت نفسه.

ولا بد من شرح هذا بوضوح وبالتفصيل. دعونا نفترض أن العالم ليس مقسمًا إلى أكثر من مائتي بلد، بل إلى بلدين فقط: الشمال، والجنوب. كل واحد من هذين البلدين يضم شخصين؛ بذلك يكون عدد سكان العالم ٤ أشخاص. ثم دعونا نقارن دخول هؤلاء الأربعة، ليكن دخل كلٍّ من الفردَين الساكنَين في الشمال على التوالي ٤ و٦، ودخل كلٍّ من الفردَين الساكنَين في الجنوب على التوالي ٣ و٧. فما هي درجة التفاوت على مستوى العالم؟ إذا اتبعنا الطريقة الأولى، فسنحسب متوسط الدخل في كل واحدٍ من البلدين. لاحظ أن الناتج المحلي الإجمالي في كلتا الحالتين = ١٠؛ مما يعني أن نصيب الفرد الواحد = ٥. وهكذا، لا يوجد تفاوت في توزيع الدخل في هذا العالم، بل مساواة مطلقة في كلا البلدين. سيكون معامل جيني للعالم في هذه الحالة = صفرًا. ومع ذلك هناك تفاوت داخل كل بلد من هذين البلدين؛ ففي الشمال ستكون نسبة أعلى ٥٠٪ من السكان دخلًا إلى نسبة أدنى ٥٠٪ من السكان دخلًا = ١٫٥ (٦ إلى ٤). وفي الجنوب ستكون = ٢٫٣٣ (٧ إلى ٣). والآن دعونا نستعرض معامل جيني للعالم ككل، حيث الناتج الإجمالي المحلي للعالم كله = ٢٠، ويتوزع كالتالي ٣ ثم ٤ ثم ٦ ثم ٧. عندما نحسب معامل جيني طبقًا لهذه الأرقام نجد أنه = ٠٫١٧٥. ومن ثم فلا عدالة في توزيع الدخل في هذا العالم، بل تفاوت في توزيع الدخل. إذن أي نتيجة من هاتين النتيجتين صحيحة؟ كلتاهما صحيحة؛ تمامًا كما في البيانات الحقيقية للعالم.

والآن دعونا نفترض أن تشتت الدخل تغير في كلا البلدين، واتجه نحو تفاوت أكبر في كلٍّ منهما. ففي الشمال نسبة الدخل الآن = ٢ إلى ٨، وفي الجنوب = ١ إلى ٩. إذا قارنا الآن بين كلا البلدين على أساس متوسط الدخل، فسنرى أنه يصل إلى ٥ في كليهما، ومن ثم، كأن شيئًا لم يتغير في العالم. فالدخل يتوزع بالطريقة السابقة نفسها، رغم اختلاف النسب هذه المرة، وإذا نظرنا إلى سكان العالم كلهم، بحيث تتوزع دخولهم كالتالي: ١ ثم ٢ ثم ٨ ثم ٩، فسيقفز معامل جيني إلى الرقم ٠٫٣٧٥. وبذلك يكون تفاوت التوزيع العالمي أسوأ بكثير. فأي النتيجتين صحيح إذن؟ كلتاهما صحيحة!

عند النظر إلى الإحصائيات، من الضروري ألا ندرك كيفية استخدامها فحسب، بل ندرك أيضًا ما ننظر إليه، فمن الضروري أن تكون لدينا نظرية.

بلغ معامل جيني للعالم، عندما جرى حسابه على أساس المقارنة بين بلد وآخر فيما يتعلق بمتوسط الدخول في دول معينة (استنادًا إلى البيانات المتوافرة عن ١٥٦ بلدًا، تضم ٩٦٪ من إجمالي سكان العالم) ٠٫٥٤٩ في عام ٢٠٠٠، وبلغ ٠٫٥٤٥٣ في عام ٢٠٠١. وعندما جرى حسابه بالطريقة الثانية، مع أخذ تمايز الدخول داخل الدول في الحسبان — وليس فقط التمايز بينها — بلغ معامل جيني ٠٫٦١٩ في عام ٢٠٠٥ (استنادًا إلى البيانات المقارنة المتوافرة عن ١٢٦ بلدًا تضم ٩٣٪ من إجمالي سكان العالم).

هذا المؤشر الأخير يمكن مضاهاته بالحسابات القديمة التي قيست كل عشر سنوات. فقد بلغ معامل جيني في الأعوام ١٩٨٠، ١٩٩٠، ٢٠٠٠: ٠٫٦٦٧، ٠٫٦٥٠، ٠٫٦٢٧ على التوالي. ويؤكد الرقم الخاص بعام ٢٠٠٥ استمرار انخفاض تفاوت الدخل خلال الربع الأخير من القرن الماضي. بالإضافة إلى ذلك، تشير البيانات التي تغطي الفترات القصيرة ابتداء من العقد الحالي إلى أن التفاوت مستمر في التراجع. وهذا يدعم الفرضية التي تقول إن تفاوت توزيع الدخل على مستوى العالم ليس ناجمًا — بحسب الاعتقاد السائد — عن تفاوت الدخول بين الدول بقدر ما هو ناجم بدرجة كبيرة عن تفاوت الدخول داخل كل بلد.2

بطبيعة الحال، ستزداد الاختلافات التي تسفر عنها الطريقتان السابقتان ازديادًا كبيرًا عندما تشمل المقارنة فئات عشرية أكثر. وهذا هو السبب في أننا، في هذه الحالات، لا نقارن معدلات دخل قومية، بل نقارن توزيع الدخول داخل الدول، وفي ذلك النقيضين الأعلى والأدنى للدخل. وتشمل الفئة العشرية العليا أعلى ١٠٪ من سكان العالم دخلًا، وتشمل الفئة العشرية الدنيا أدنى ١٠٪ من سكان العالم دخلًا. وليس من المستغرب أبدًا ألا تقل النسبة العشرية الناتجة عن الحساب بتلك الطريقة عن ٦١٫٤، في حين تبلغ النسبة الناتجة عن الحساب على أساس المقارنة بين بلد وآخر ٣٤٫٣. أضف إلى ذلك أنك إذا أردت مقارنة بلد ما بالعالم ككل، فيجب عليك أن تستخدم النسبة الأولى العليا. هذا يعني أن تفاوت توزيع الدخل على مستوى العالم أقرب إلى الرقم الخاص بجنوب الصحراء الأفريقية، لا إلى الرقم الخاص بأوروبا.

عندما نستخدم طريقة مقارنة بلد بآخر، نلاحظ أن دخل النصف الأغنى من سكان العالم في عام ٢٠٠٥ كان أعلى من دخل النصف الفقير منه بمقدار ٤٫٩٧ مرة؛ وكأن متوسط دخل أغنى خمس عائلات من جيراننا يفوق متوسط دخل أفقر خمس عائلات منهم بمقدار ٤٫٩٧ مرة. إذا نظرنا إلى نفس هذا الوضع لكن على نطاق دولي، ونحينا جانبًا منظور مقارنة بلد بآخر، تكون النسبة ٨٫٦٣ (وكأن متوسط دخل أغنى ٢٠٪ من جيراننا يفوق متوسط دخل أفقر ٢٠٪ منهم بمقدار ٨٫٦٣ مرة).

وفي حالة استخدام طريقة نسبة الخُمس، تكون الأرقام كالتالي: ١٦٫٣٩ فيما يخص مقارنة بلد بآخر، و٢٩٫٩٥ على المستوى الدولي (وكأن متوسط دخل أغنى عائلتين من جيراننا يفوق متوسط دخل أفقر عائلتين بمقدار ١٦٫٣٩ مرة، بينما متوسط دخل أعلى ٨ أشخاص يفوق متوسط دخل أدنى ٨ أشخاص بما لا يقل عن ٢٩٫٩٥ مرة). وقد يفترض البعض أن الاختلاف بين أغنى واحد بالمائة وأفقر واحد بالمائة سيكون أكثر وضوحًا؛ إذ يفوق دخل أغنى واحد بالمائة من البشر دخل أفقر واحد بالمائة منهم بمقدار ٦٠٫٦ مرة، عندما نقارن المعدلات القومية لفئة دخل محددة، لكن هذا الرقم يقفز إلى ٤٤٣ عندما تشمل المقارنة أبناء البشرية كلهم.

وراء هذه المؤشرات المادية، هناك الأشخاص الحقيقيون ومصائرهم. ففي ٦١ بلدًا من بلدان العالم البالغ عددها ٢٢٢ بلدًا يقل العمر المتوقع للفرد عند الولادة عن ٦٥ عامًا. في حين هذا هو سن التقاعد في الدول المتقدمة، بحيث من يصل إلى تلك السن هناك يتوقع له أن يعيش بعدها ما يقرب من ٢٠ سنة في المتوسط. على مستوى العالم، ٢٣٪ من عدد الإناث (٧٦٠ مليون) و١٨٪ من الذكور (٦٠٠ مليون) ضمن الفئة العمرية التي تبدأ من سن ١٥ عامًا فما فوق لا يستطيعون القراءة والكتابة، و٩٣٪ من الإناث اللاتي يعشن خارج حدود العاصمة في النيجر أميات، وفي كولومبيا أربعة أخماس السكان لا يحصلون على المياه الجارية النظيفة، وفي أوغندا ٥٪ فقط من السكان لديهم تيار كهربي. إنه واد من الدموع في حقيقة الأمر.

في السنوات الأخيرة، ظهر اختلاف الأحوال المادية والمعيشية من خلال جانب جديد كليًّا، يعرف باسم «الفجوة الرقمية»، التي توضح الفجوة بين البلدان، وبين الأقاليم، وبين الفئات الاجتماعية من حيث قدر توافر معدات وبرمجيات الكمبيوتر، ومدى حصول السكان على خدمة الإنترنت. تتسم الفجوة الرقمية بتفاوت بالغ، وتتشابه على نحو مثير في بعض الجوانب بتفاوت توزيع الدخل. ففي عام ٢٠٠٦، استخدم أكثر من مليار شخص شبكة الإنترنت. وهذا تطور حضاري هائل، خاصة لو عدنا بالذاكرة خمسة عشر عامًا حينما لم تكن هناك شبكة إنترنت. لكن بينما يستخدم أكثر من ٧٠٪ من سكان أمريكا الشمالية شبكة الإنترنت، لا يستخدم الإنترنت سوى ١١٪ فقط من سكان آسيا، و٤٪ فقط من سكان أفريقيا.

يصنف منتدى دافوس الاقتصادي العالمي الشهير — المعروف بالاجتماعات الشتوية لرجال الأعمال والساسة والعلماء وصناع الرأي — ما يعرف باسم «مؤشر الاستعداد الشبكي» الذي يقيم قدرة الاقتصادات والمجتمعات على الاستفادة من تكنولوجيا المعلومات وثورة الاتصالات، باعتباره وسيلة لتعزيز التنافسية والتنمية. يشمل هذا المؤشر ثلاثة مكونات يصل مجموع نقاطها إلى ست نقاط بحد أقصى كما يلي:
  • البنية التحتية والبيئة القانونية في أي بلد أو أي إقليم (ولاية، منطقة، مقاطعة، إقليم، بلدة، حي … إلخ).

  • مدى استعداد الأطراف الفاعلة (الأفراد والأسر والشركات والمنظمات المحلية والحكومات الوطنية) لاستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات السلكية واللاسلكية.

  • مدى استفادة هذه الأطراف من التكنولوجيا المتاحة.

تأتي دول شمال أوروبا والدول الناطقة بالإنجليزية على رأس قائمة الدول من حيث الاستفادة من التكنولوجيا، وتشمل الدول العشر الأولى في التصنيف كلًّا من: الدنمارك (٥٫٧١ نقاط)، السويد (٥٫٦٦ نقاط)، سنغافورة (٥٫٦٠ نقاط)، فنلندا (٥٫٥٩ نقاط)، سويسرا (٥٫٥٨ نقاط)، هولندا (٥٫٥٤ نقاط)، الولايات المتحدة (٥٫٥٤ نقاط)، أيسلندا (٥٫٥٠ نقاط)، المملكة المتحدة (٥٫٤٥ نقاط)، النرويج (٥٫٤٢ نقاط). وتحتل بولندا الترتيب الثامن والخمسين (٣٫٦٩ نقاط)، تليها الأردن (٣٫٧٤ نقاط)، متقدمة على الصين (٣٫٦٨ نقاط). وعلى رأس دول ما بعد الاشتراكية تأتي: إستونيا (٥٫٠٢) التي تحتل المرتبة العشرين، بينما تأتي ألبانيا (٢٫٨٧) في ذيل قائمة هذه الدول وتحتل المرتبة السابعة بعد المائة.

معظم البلدان التي تأتي في ذيل القائمة من أفريقيا، لكن يوجد بلد واحد من كلٍّ من آسيا وأمريكا الجنوبية. وهذه البلدان هي: الكاميرون (٢٫٧٤) في المرتبة ١١٣، تليها باراجواي (٢٫٦٩)، وموزمبيق (٢٫٦٤)، وليسوتو (٢٫٦١)، وزيمبابوي (٢٫٦٠)، وبنجلاديش (٢٫٥٥) وإثيوبيا (٢٫٥٥)، وأنجولا (٢٫٤٢)، وبوروندي (٢٫٤٠)، وتشاد (٢٫١٦).

إلام يشير هذا الانخفاض في مؤشر الاستعداد الشبكي؟ لقد سافرت إلى معظم هذه البلدان، وأعلم أنه يمكنك أن تجد مقهى إنترنت في كل مكان تقريبًا تتوافر فيه خطوط هواتف أرضية، وتتسنى عدة ساعات من التيار الكهربي يوميًّا. يمكنك أن تقرأ محتوى بريدك الإلكتروني وترسل رسائل منه، لكن هذا بالكاد كل ما يمكنك أن تفعله. تحول ظروف العمل في الهيئات والجامعات دون استخدام الإنترنت على أي نحو مرض، وهذا يعزى إلى عدم كفاءة أجهزة الكمبيوتر بحيث لا يمكن الاعتماد عليها، وبطء الاتصالات، ومحدودية نطاق التردد الذي يمكن استقبال خدمة الإنترنت من خلاله. إن امتلاك كمبيوتر محمول في بوجمبورا على ضفاف بحيرة تنجانيقا (هذا إن كان من الممكن امتلاك واحد هناك من الأساس) يختلف كل الاختلاف عن امتلاك واحد حينما تكون على ضفاف بحيرة ميتشجن. ففي الحالة الأولى، تغطية الإنترنت محدودة، وأجهزة الكمبيوتر المتصلة بالخدمة قليلة، لكن على الأقل هناك أجهزة كمبيوتر. وتفتقر المكتبات هناك إلى الكتب الدراسية الجيدة، لكن يمكنك محاولة الوصول إلى الكتب من خلال شبكة الإنترنت. وأرصفة المشاة غير ممهدة، لكن توجد هواتف لاسلكية ومحمولة. ولا يوجد هناك ما يؤكل، لكن يوجد ما يمكن مشاهدته. وتلك ظاهرة تطورية؛ فعندما كانت الدول الغنية عند هذا المستوى المتدني، لم تكن توجد أجهزة كمبيوتر لأنها ببساطة لم تكن قد اخترعت بعد، وحتى في البلدان التي تتمتع بمعدل تنمية معقول اليوم، كان مؤشر الاستعداد الشبكي لها منذ عدة سنوات أقل منه في تشاد اليوم. تقاس الاختلافات بين البلدان من حيث الناتج المحلي الإجمالي بالقرون، لكنها تقاس من حيث مؤشر الاستعداد الشبكي بالسنوات. وهذا له تأثيرات على التنمية.

لا يفتأ عدد لا يحصى من الساسة والخبراء والمحللين والصحفيين يرثي لحال خُمس سكان العالم الذين يعيشون بأقل من دولار واحد في اليوم، وهذا هو الحد المتعارف عليه للفقر المدقع. إن نصف سكان الدول التي يطلق عليها نامية — ٢٫٦ مليار نسمة — يعيشون على أقل من دولارين في اليوم، وهذا يعتبر حد الفقر. على مدى أكثر من عشر سنوات، كانت الوكالات التابعة للأمم المتحدة والبنك الدولي تمطرنا بوابل من البيانات والتحليلات في هذا الصدد. وفي عام ٢٠٠٤ أحرز البنك الدولي نجاحًا هائلًا؛ فلأول مرة خلال كل السنوات التي كان يستعين فيها بذلك المقياس المبسط والمألوف لوسائل الإعلام، انخفض عدد الأشخاص الذين يعيشون على أقل من دولار في اليوم عن مليار نسمة، ووصل إلى ٩٨٦ مليون نسمة، وهذا الرقم لا يشكل إلا ١٨٫٤٪ فقط من سكان الدول النامية.

ويتشدق القادة السياسيون للدول الغنية، والمنظمات الاقتصادية المالية العالمية، وتحالف من اقتصاديي التنمية بأن هذا الإنجاز ناتج عن مساعداتهم، وأنه ثمرة العمل بمشورتهم. لكن هذا غير صحيح على الإطلاق؛ إذ كان ينبغي لهم إرجاع الفضل في هذا كله إلى الصين وإلى الأسلوب غير التقليدي الذي تنتهجه؛ فالصين التي لم تعر انتباهًا لتعاليم الليبرالية الجديدة هي صاحبة الفضل في هذا الإنجاز الذي أسفر عن انطباعات جيدة لدى البنك الدولي وصندوق النقد، والخبراء الاقتصاديين في جنيف ونيويورك، فعلى مدى الخمسة عشر عامًا بين عامي ١٩٩٠ وحتى ٢٠٠٤، انخفض عدد فقراء الصين الذين يسدون نفقاتهم بالكاد ويعيشون على أقل من ٣٠ دولارًا في الشهر (وفقًا للقوة الشرائية) من ٣٧٤ مليون نسمة إلى ١٢٨ مليون نسمة؛ أي إن نسبتهم انخفضت من ٣٣٪ إلى ٩٫٩٪. ولا يزال هذا الرقم آخذًا في الانخفاض. وعلى النقيض من هذا لم ينخفض عدد الفقراء في بلدان الصحراء الأفريقية إلا بنسبة ضئيلة — من ٤٥٫٧ إلى ٤١٫١٪ من عدد السكان — ومن الناحية الواقعية المطلقة تزايد عدد الفقراء هناك من ٢٤٠ مليون نسمة إلى ٢٩٨ مليون نسمة، وبينما كان عدد من يعيشون في فقر مدقع في الصين يبلغ قدر عدد فقراء بلدان الصحراء الأفريقية مرة ونصف في عام ١٩٩٠؛ بات عدد فقراء الصين في عام ٢٠٠٨ لا يشكل سوى ثلث عدد الفقراء الذين يعيشون في بلدان الصحراء الأفريقية.

غالبًا نسمع الشكاوى من مدى صعوبة العيش بأقل من دولار في اليوم أثناء المؤتمرات التي تعقد في الفنادق والمنتجعات الفخمة، ومن أشخاص يجلسون على مقاعد درجة رجال الأعمال على متن الطائرات، وسددت نفقات حضورهم لهذه المؤتمرات. أو يمكن أن تسمع هذه الشكاوى من أفواه عدة خبراء ومستشارين من الحكومات، ومن بنوك التنمية الإقليمية، والمنظمات الاقتصادية المالية الدولية. فهم يتكبدون مشقة السفر من العواصم الغربية إلى عواصم البلدان الفقيرة، حيث يقيمون بالقطع في فنادق فخمة يصل سعر الليلة فيها إلى ٥٠٠ أو ١٠٠٠ دولار، ويتقاضون بدل مشقة يصل إلى ١٠٠ أو ٢٠٠ دولار عن كل يوم.

إن الاستعانة بالخبرات لحل مشكلة الفقر يكلف مالًا، لكن الكثير من هذه الأموال يذهب أدراج الرياح. فقد نشهد أشخاصًا يعتصرون أياديهم من فرط التأثر — لحال الفقراء — في المؤتمرات، وداخل المكاتب المكيفة لكبار الموظفين الحكوميين، وأحيانًا في بعض الحلقات الدراسية. وقد نقرأ عن الفقر في الصحف، ونشاهد حوارات مصورة مصحوبة بصور مثيرة للشفقة، بينما نحن مرتاحون على مقاعدنا الوثيرة، منتعلون شباشبنا المنزلية. ومع ذلك لا أحد منزعج حقًّا من هذا الفقر. وهذا لا يقتصر على جمهور المشاهدين فحسب، بل يشمل كل المتحدثين المفوهين في الصحف، وكتاب الأعمدة الصحفية الذين يكتبون عن العيش بأقل من دولار في اليوم، لأن القليلين فقط هم من جربوا هذه الحياة. ترى كيف تبدو الحياة بمثل هذه الميزانية الضئيلة؟

هذا يعتمد على المكان، لكنها قطعًا ليست حياة بالمرة. نستطيع أن نشهد ملامحها إما في الأحياء الفقيرة المكتظة بالسكان في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، أو في العشوائيات المتاخمة للأحياء الحضرية، حيث الحياة صاخبة، قذرة، عبوسة، ومحفوفة بالمخاطر في كثير من الأحيان، أو في الريف حيث يتلو الموسم الآخر بينما الفلاحون يجاهدون لجعل مساحات الطبيعة الشاسعة تغل ما يغطي بالكاد نفقات معيشتهم. يمضي سكان الأحياء الفقيرة معظم أوقاتهم فيها، مع أن بعضهم يتمكن من الذهاب إلى المدينة ويتقاضى قروشًا زهيدة لقاء القيام ببعض الأعمال المؤقتة. أما في القرى أو الأدغال، فيتمكن الأشخاص في بعض الأحيان من صيد حيوان ما أو اقتناصه، لكن هذا لم يعد يحدث كثيرًا مثلما كان الحال في السابق. ونادرًا ما ترى مدرسة أو أي شخص يقدم خدمة الرعاية الصحية لسكان هذه المناطق. ولا توجد مياه نقية جارية ولا صرف صحي ولا تيار كهربي، أو أي جهاز يعمل بالطاقة الكهربية. وفي العشوائيات الحضرية، يعاني الكثيرون الجوع، ويصيبهم المرض على نحو أكثر شيوعًا مما يحدث في الريف. وهكذا يعتمد بقاء الإنسان إلى درجة كبيرة على ظروف الطقس وهبات الطبيعة، لا سيما في قرى الريف، حيث يحدد هذان العاملان، بدرجة تفوق دور النقود، مصير البقاء. لا يوجد هناك نقود تقريبًا، نظرًا لأن البلدان الزراعية المتخلفة، يعتمد تداولها التجاري أساسًا على اقتصاد المقايضة الطبيعي.

يزداد العالم ازدحامًا، خصوصًا في أفقر أجزائه. فمنذ مائة عام، كان ٧٠٪ من الناس يعيشون في البلدان الفقيرة. وكان عددهم يزيد قليلًا عن ١٫٢ مليار إنسان. واليوم يعيش نفس العدد تقريبًا في فقر مطلق، ويعيش ٨٠٪ من البشر (٥٫٣ مليارات إنسان) في البلدان الفقيرة، أغلبهم في القرى، مع أن عدد سكان الأحياء الفقيرة في الحضر والريف في العالم المعاصر يكاد يكون متساويًا. لكن أسوأ حياة هي تلك التي يعيشها سكان المدن القذرة المكتظة بالسكان، التي تفتقر إلى البنية التحتية اللازمة، وترتفع فيها نسبتا البطالة والجريمة، ويصل تلوث البيئة فيها إلى حد التسمم. في الغالب يطمح غالبية شباب هذه البقاع إلى الهرب والهجرة منها؛ لأنهم يدركون، أكثر من أي شخص آخر، استحالة الحياة في بلدانهم على المدى الطويل. قليل منهم يستطيع الصمود، لكنهم بمرور الوقت، إما يضطرون إلى الهجرة أو يموتون.

وأولئك الذين لا يموتون يبقون على قيد الحياة بطريقة أو بأخرى. وتتنوع هذه الطرق بين العيش في البؤس والفقر، مرورًا بالعيش ضمن مستوى الطبقة المتوسطة والمستوى المتيسر إلى حد ما، وانتهاء بالعيش في مستوى الثراء والرفاهية. وهكذا يعيش البعض على هامش الحياة، بينما يعيش البعض الآخر حياة الشبع والرغد التام. وللأسف يموت عشرات الآلاف من الأشخاص يوميًّا جراء الجوع وسوء التغذية. بينما يتحير آخرون كل يوم في كيفية تبديد أموالهم، أو في كيفية استثمارها. وللأسف يفوق عدد أفراد الفريق الأول عدد أفراد الفريق الآخر بكثير. فبينما يعيش قلة من البشر بين مشروع ومشروع، وصفقة وأخرى، ويتنقلون من حدث سياسي إلى احتفال اجتماعي، يعيش عدد أكبر بكثير في كفاح ليصلوا الصباح بالمساء. ولا يزال الكثيرون أيضًا يعيشون بين راتب شهري وآخر، أو بين حصاد وحصاد تال.

تبلغ مساحة منطقة النيجر ضعف مساحة ولاية تكساس، أو أربعة أضعاف مساحة بولندا. ويقع جزء من النيجر في الصحراء الكبرى، وجزء آخر في منطقة الساحل على الحدود بين رمال الصحراء وأراضي أخرى تقع في الجنوب وأكثر خصوبة إلى حد ما. ويقدر عدد السكان هناك بثلاثة عشر مليون نسمة. ويبلغ متوسط الدخل السنوي لأفقر ١٠٪ منهم ١٠٧٠٠ وحدة من العملة المحلية (الفرنك الأفريقي). وهذا يعادل نحو ٢٢ دولارًا للفرد وفقًا لسعر الصرف الرسمي، أو ٧٦ دولارًا وفقًا لتعادل القدرة الشرائية. ومن بين أكثر من مليون شخص يعيشون على هذا الدخل؛ تعيش عائلة ساني باري المكونة من ثمانية أفراد، يبلغ دخلهم السنوي بالكامل — وفقًا لنتائج التحليل الإحصائي ونتيجة لعملهم المضني — ٦٠٠ دولار أمريكي وفقًا للقوة الشرائية، وهو مصطلح لا يفهمه أي شخص هنا، ولماذا يفهمونه؟ هذا يعني أن نصيبهم يبلغ ٨٦٠٠٠ فرنك أفريقي سنويًّا، أو ٢٣٥ فرنكًا أفريقيًّا يوميًّا للأسرة كلها. وهم نادرًا ما يرون النقود، لكن هذا يعزى إلى أن اقتصاد المقايضة الطبيعي هو السائد في قريتهم. غير أن العلاقة مؤخرًا بين السلع والنقود ازدهرت هناك. فقد وصلت رياح العولمة إلى هنا في صورة احتياجات تنشأ في بلدان بعيدة. فالبلدان البعيدة في حاجة إلى الأيدي العاملة التي تنتج منتجات مطلوبة في أماكن أخرى.

يبلغ ساني من العمر ٣٥ عامًا، وتبلغ زوجته فاطمة ٣٤ عامًا. أنجبت فاطمة سبعة أطفال، مات أحدهم عند ولادته، ومات آخر قبل أن يتم الخامسة من عمره. وتقوم الأسرة على رعاية والدة فاطمة التي تقيم معهم؛ وهي تبلغ من العمر ٥٠ عامًا، وتعاني مشكلة في الحركة. ولا يبدو أنه تبقى لها الكثير في هذه الحياة، فقليلون هم الذين يعمرون هنا إلى ما بعد هذه السن. وهي الفرد الوحيد في العائلة الذي يستطيع القراءة قليلًا، لكن ما من شيء هنا يمكن أن يقرأه أحد. ولا أحد من أفراد العائلة يستطيع الكتابة، لكنهم يستطيعون الرسم، لا سيما الأطفال؛ الذين يمكنهم رسم وحيد القرن الذي لم يره أي شخص هنا أبدًا من قبل.

قد يبدو للناظر أنه يوجد الكثير من الأطفال هنا، لكن هذا ليس صحيحًا. وهذا أفضل، إذ ستكون هناك دائمًا حاجة إلى من يقوم على رعاية الوالدين في شيخوختهم، تمامًا كما تفعل فاطمة مع والدتها الآن. فسن الشيخوخة هنا منخفضة جدًّا.

تعيش هذه الأسرة في قرية أوكيديدي الواقعة في جبال آير، وهي عبارة عن سلسلة من الجبال البازلتية الجميلة وهضبة تغطي مساحة كبيرة تعادل مساحة سويسرا. في الأفق، تبدو الصحراء الشاسعة بلا نهاية. يحيط بمسكنهم جدار حجري قائم على الرمال، يضفي مظهرًا من الحماية ضد الرياح العاتية المتكررة التي تذر الرمال في أعين الناس. هنا، ربما كان منشأ المثل الشعبي البولندي الذي يقول إن الريح تلفح دومًا وجوه الفقراء.

يعيش في إحدى زوايا الفناء سرب صغير من ثمان دجاجات، وفي الزاوية المقابلة ثلاث عنزات تحت سقف يرتكز على العصي. ويوجد كلب عجيب الشكل، هزيل لكنه مرح، يلعب وسط مجموعة الأطفال. فعلى عكس البشر، يمكن أن تكون الكلاب دائمًا مرحة، حتى عندما يطحن الفقر عظامها طوال حياتها. يقبع المسكن المكون من غرفة واحدة إلى اليمين في الجزء الخلفي من الفناء. جدرانه من الحجر، مع خليط من النباتات الصحراوية، وطين محشو في الشقوق تصدع بفعل الشمس. والسقف عبارة عن لوح من ألياف الأسمنت، لكن هناك بيوتًا في الجوار لها سقوف مبنية من سيقان حشائش السافانا المتوافرة بكثرة هنا.

يكاد المنزل يخلو من الأثاث عدا خزانة بلاستيكية متهالكة، ومرآة مخدوشة، وبعض السنانير معلق عليها زوجان من أواني الطبخ وبعض الملابس. أما وسائل الراحة الحديثة — كما يسمونها في البلدان الأخرى — فغائبة تمامًا، إلا إن اعتبرنا الأرجوحة الشبكية، والمصباح الزيتي الذي يطلق الدخان على نحو فظيع ضمن هذه الوسائل. وعلى الحائط تقويم قديم مصفر للخطوط الجوية الفرنسية، يعود إلى عام ٢٠٠٠، ويصور برج إيفل. والطريف أننا لو افترضنا أنك كدست كل منازل القرية إضافة إلى منازل أقرب ثلاث قرى مجاورة بعضها فوق بعض، فلن يبلغ ارتفاعها قمة إيفل. في فناء المنزل ثمة سريران مصنوعان من الألواح، كلاهما مغطى ببطاطين عمرها يفوق عمر أي فرد من أفراد الأسرة، لكنهما بلا مراتب. الموقد موجود بالخارج، أمام المنزل. والركن الرابع من الفناء خاو من أي شيء. وبينما تمسك فاطمة بابنها الأصغر، وتحاول عبثًا أن ترضعه من ثديها المتهدل، يمكنها أن تدنو من جدار المنزل لتثرثر مع إحدى الجارات أثناء عودتها من الصحراء حاملة مجموعة من الأعواد الجافة على ظهرها.

نصف سكان القرية تحت سن الخامسة عشرة، ولا أحد منهم تجاوز الستين. ولا شيء آخر هنا بخلاف منازل المزرعة سوى مسجد صغير وجذاب، جرى تجديده وطلاؤه بالأخضر الربيعي الباهت، وله مئذنة جميلة، تعلو فوق منازل القرية قليلًا. ويوجد مسجد أكبر من هذا يبعد اثني عشر كيلومترًا أو أكثر، ملحق به مدرسة لتحفيظ القرآن. فهذا أمر مهم للسكان هنا، إذ ينسخ الأطفال آيات من القرآن في ألواحهم، ويتعلمون الكتابة باللغة العربية، لكنهم يلتقطون لغة الهوسا — اللغة القومية للنيجر — التي يعدها الناس هنا أكثر أهمية من اللغة الفرنسية. فهي اللغة التي يمكنك استخدامها للتفاهم مع الناس هنا في كل الأسواق. بُني المسجد والمدرسة بمساعدة مالية من المملكة العربية السعودية.

هناك أيضًا المتجر، وهو عبارة عن أحد المنازل يطل بنافذة على الطريق، معلق على واجهته كل ما يمكن أن يخطر ببالك من أنواع البضائع، ويظل مفتوحًا من الفجر حتى حلول الليل. هناك، ستجد علب الثقاب والشموع وعلب الفاصوليا المحفوظة والسردين المعلب والفول السوداني وعقودًا من الفلفل الحار المجفف. الشاي والسكر متوافران دومًا. ويوجد نوع من أنواع الشراب الحلو الملون معبأ في عبوات بلاستيكية، وهناك كوكاكولا أيضًا. باختصار، توجد كل السلع التي تتحمل الحفظ في درجة حرارة الغرفة، وبما أننا هنا في منطقة جبلية فدرجة الحرارة لا تتعدى ٨٥ درجة فهرنهايت (٢٩٫٤ مئوية). في الحقيقة لا يوجد الكثير من البضائع هنا، لكن غدًا في سوق الخميس وعلى بعد ثمانية كيلومترات من هنا سيكون هناك كل أنواع البضائع؛ الطماطم والبازلاء والدجاج ولحم الماعز والمواد الخام والمناشف والدلاء البلاستيكية وأباريق الشاي المصنوعة من القصدير، والمانجو والتين الحلو والزيوت والصابون وأصابع الطباشير والدفاتر. تباع هناك أيضًا المصابيح الكاشفة المصنوعة في الصين.

هنا نستيقظ مع بزوغ الفجر، مثل الدجاج؛ إذ يشرع ديكان من ديوك القرية في الصياح مع أول خيط من خيوط الفجر؛ فيستيقظ كل مَن لديه القدرة على ذلك. ولا أحد يتكاسل هنا، فالنهار قصير على مدار العام عند خط العرض هذا، ولا تتعدى ساعات النهار ساعات الليل على مدار العام إلا بمقدار ساعتين. ولكي تبقى على قيد الحياة، عليك أن تكافح، وهو صراع بطيء الوتيرة. كل يمضي في سبيله، دون مشاعر. تتجول الدجاجات حيثما شاءت؛ وكذلك الماعز، لكنها فكرة جيدة أن تقوم بهش الدجاجات إلى حيث يمكن أن تجد شيئًا لالتقاطه من الأرض. والساحل هنا ليس مثل مروج جبال الألب. والماعز تجعل الحياة ممكنة؛ فهي ترعى نفسها وتأكل كل شيء تقريبًا؛ وتدر الحليب. وحالما تعجز عن ذلك، تشكل مصدرًا للقليل من اللحم مرة أسبوعيًّا على مدار نصف العام. وتعد الماعز وسيلة تسلية للأطفال، خصوصًا أولئك الذين كبروا بما يكفي ليتوقفوا عن التشبث بالتنورة الوحيدة التي تملكها والدة أي منهم. فهم لا يذهبون إلى المدرسة، ولديهم الكثير من الوقت من الصباح وحتى حلول الظلام. وعند حلول الليل لن تجد شيئًا تفعله سوى أن تنام. إنك تجد نفسك هنا تنام وقتًا أطول نظرًا لقصر الأمسيات في ظل انعدام الإضاءة، إلى جانب أنك تكون متعبًا؛ وكيف لا تكون كذلك؟

الناس هنا لا يتناولون وجبة إفطار عند بزوغ الفجر، بل ينال كل طفل من الأطفال قطعة من الخبز الجاف، ويتقاسمون حبة طماطم. ثم تلف فاطمة أصغر بناتها (ليلات) في وشاح (مستورد من الصين) وتعلقها على ظهرها. تبدو ليلات هزيلة للغاية. ثم تضع فاطمة على رأسها غطاءً بلون النبيذ مصنوعًا من جلد الماعز (منتج محلي)، وإناء بلاستيكيًّا (مصنوع محليًّا)، وتتجه لإحضار الماء. البئر ليست قريبة؛ هذا لأن كل الآبار القريبة قد جفت هذا العام، ومن ثم، سيكون على النسوة أن يقطعن ثلاثة كيلومترات كل مرة لإحضار الماء. وتتجه النساء الأخريات أيضًا إلى إحضار الماء لمنازلهن، ويمضين في التسامر والدردشة طوال طريقهن، جاعلات مهمتهن تلك مبهجة ومرحة ومسلية. ثم يعدن في غضون ساعتين، بعد أن تكون الساعة قد تعدت الثامنة، حيث لا يكون قيظ الشمس قد اشتد بعد. حينئذ، يحين موعد تناول النسوة وأطفالهن وجبة الصباح المتواضعة.

تذهب نساء أخريات إلى الحقول التي ليست كبيرة جدًّا، بل أقرب ما تكون إلى المزارع الصغيرة، ويزلن الحجارة من أنحائها. قد يكون هذا شيئًا جيدًا، لأن الكبير من هذه الحجارة مفيد في تعلية الجدران والمنازل المنخفضة، ويتعين على النسوة حمل هذه الحجارة نظرًا لعدم توافر ما يكفي من عربات اليد لنقلها.

الحقول هنا مثل غيرها في أي مكان، ويعمل فيها الرجال والنساء. يزرع ساني البصل، ويزرع آخرون الجزر، أو القليل من الطماطم، لكنهم في الأغلب يزرعون الذرة البيضاء، ولا شيء أكثر من هذا. فالحياة تستحيل من دون الذرة البيضاء. والبصل! يقولون إنهم في حاجة إلى البصل، حتى إن المرشدين الزراعيين يأتون إلى هنا في سياراتهم لتوجيه الناس حول كيفية زراعة وتطهير هذين المحصولين من الأعشاب الضارة. وفي الحقيقة، لا يوجد هنا الكثير من الأعشاب الضارة، إذ لا تنمو الكثير من النباتات أساسًا. هنا ينمو أفضل أنواع البصل في العالم؛ البصل الأحمر. لكنهم لا يحتفظون بأي منه لاستهلاكهم، بل يصدرونه كله. وغالبًا يأخذون القليل من البصل لعرضه في السوق، لكن هذا أيضًا مصيره التصدير. وقد يحدث أن ترى من آن لآخر بضع رجال يركبون البغال، بل إن بعضهم — الأغنياء منهم — يمكن أن يركبوا حتى الجمال، يحملون البصل في أجولة ويتجهون نحو الطريق لتحميله في سيارات النقل الكبيرة التي تنقل البصل مسافات أبعد. لا أحد في القرية يدرك أن المكان الأبعد يعني العاصمة نيامي، وأن الطائرات تشحن هذا البصل من نيامي إلى فرنسا، أو إلى بلدان أبعد من ذلك. فهذا البصل من نوعية بالغة الجودة، بحيث يرقى للعرض في أسواق الدول المتقدمة، لكن أحدًا هنا لا يعلم إلى أين يشحن هذا البصل، كل ما يعلمونه هو أنه يذهب إلى ما وراء الصحراء، لكن الصحراء بلا نهاية! أو ربما تناهى إلى سمعهم أن البصل يذهب إلى ما وراء المياه العظمى (البحر)، لكن كيف يمكن أن تكون المياه عظمى؟

طالما لا يوجد جفاف أو فيضان جراء العواصف المطيرة العاتية، فالأمور على ما يرام. والحياة في الموسم الجاف أفضل منها في الموسم المطير، الذي يتضمن القليل من العمل والكثير من الوقت، فما الذي يمكن أن يفعله الناس بينما تهطل الأمطار بغزارة، فهم لا يمكنهم الذهاب إلى أي مكان، فيكتظ المنزل بسكانه لأنهم جميعًا يحتمون من المطر. وأسوأ ما يمكن حدوثه هو هجوم جحافل الجراد، مثلما حدث في العام الماضي، فالجراد يأكل كل شيء، كالماعز تمامًا، عدا أن الماعز لن تأكل إنسانًا، إذ يمكنك أن تدفع الماعز بعيدًا، لكنك لن تتمكن من ذلك مع الجراد.

غير أن الأسوأ على الإطلاق يحدث عند اندلاع الحروب المحلية والصراعات الحدودية. ففي هذه الحالات، يفوق عدد الأشخاص الذين يموتون عدد من يولدون، إنه كابوس. لكن من حسن الحظ أن الحدود تبعد عن القرية، فهنا، كل الحدود تشكل مصدرًا للخطر. وأسوأ الحدود مع مالي والجزائر، لكن الحدود مع بنين وليبيا لا تقل سوءًا، قد لا تكون النيجر متفاهمة مع أي من جيرانها بشأن مسألة الحدود باستثناء الكاميرون. كان الفرنسيون والإنجليز هم الذين رسموا تلك الحدود إبان فترات الاستعمار.

وكل العمل الذي يمارس هنا في الحقول عمل يدوي، إذ لا توجد ماكينات. وعلى الرغم من توافر معدات للري، فإنها لا تعمل بسبب عدم توافر المال لشراء الوقود اللازم لتشغيلها. وعلى الفلاحين أن يستعملوا المعزقة لعزق الأرض. تمتلئ الوهاد بمياه الأمطار، ثم يجري ضخها يدويًّا. لكنها غير صالحة للشرب، بل فقط لسقي النباتات. وهي تضخ في أحواض خشبية، تنساب منها في مزالق بارعة تحملها إلى اليمين وإلى اليسار في قنوات السقي بين صفوف المحاصيل، تمامًا مثلما كان الري يمارس منذ ألف سنة.

تأتي فاطمة إلى الحقل عند الساعة الحادية عشرة. بعد أن تكون قد أمنت ما يكفي لأربعة وعشرين ساعة من مياه الشرب في المنزل. هذه الكمية تكفي الجميع؛ فهم لا يستهلكون الكثير من الماء؛ إذ لا يكثرون من الاستحمام هنا؛ بل يغتسلون بالقليل من الماء. وبعد أن أعدت فاطمة لأطفالها ووالدتها الوجبة اليومية الأولى، ها هي تأخذ حصة زوجها ليتناولها في الحقل. يحتوي الإناء البلاستيكي الذي تحمله على نوع من أنواع اليخنة الأفريقية، مكونة من الذرة البيضاء المغمورة في ماء مخلوط بحليب الماعز. هذه هي الوجبة الأفريقية المشابهة لرقائق الإفطار (الكورن فليكس)! يضاف السكر إلى خليط هذه اليخنة لتصير مغذية، وتمد من يتناولها بالطاقة اللازمة. ومن السهل أن تتناول هذه اليخنة طالما لا تتناول أي طعام آخر سواها، ستعتاد على طعمها تدريجيًّا.

يظل ساني في الحقل بجوار بصله حتى وقت متأخر بعد الظهيرة، وتعود فاطمة إلى المنزل. وسرعان ما ستبلغ الساعة الثانية بعد الظهر، ويزداد قيظ الحر، من الضروري حينئذ الاحتماء بالظل، ولا يوجد الكثير من الظل هنا، لكن لحسن الحظ توجد شجرة أكاسيا بالقرب من الطريق تلقي بظلالها على الفناء في هذا الوقت من اليوم. هناك تجلس فاطمة مع إحدى صديقاتها لتتناول وجبة الغداء المكونة من القليل من الفول السوداني والشاي المحلى بالسكر.

حان وقت تنظيف الفناء، فمع وجود الدجاج والماعز، يتسخ الفناء دائمًا. لكن فاطمة تبقيه نظيفًا طوال الوقت، نظيفًا بحق، يخلو من أي قشة تبن. ليس هناك الكثير لتفعله في الغرفة، عدا الكنس والترتيب، ورعاية الوالدة المريضة. ولا يوجد حمام هنا، لكن الناس لا بد أن يفعلوا ما ليس منه بد. البعض يهرع إلى البقاع البعيدة جدًّا عن القرية لقضاء حاجته، إلا أن العجائز لا قدرة لديهم على ذلك. فهم يحتاجون مساعدة من يقودهم إلى خارج المنزل، أو من ينظف فضلاتهم.

يمكث الأطفال مع الماعز والكلب في الأفنية الأخرى، وهم يملئون المكان، الكبار منهم في الحقل، ينجزون بعض الأعمال، بينما يمضي الأطفال متوسطو العمر أوقاتهم في التجوال في أنحاء القرية، يجمعون الفروع الجافة التي ألقتها الرياح لكي يحضروا ما يكفي منها لإشعال النار اللازمة لطبخ الوجبة المسائية. يجدر أن تتفقد النافذة؛ أي المتجر من آن لآخر، فقد توجد سلع جديدة. أحيانًا توجد سلع جديدة، كدبابيس الشعر والقداحات والمرايا والعبوات البلاستيكية. وعلى الرغم من أنه لا يبدو أن أحدًا يشتري أي شيء من المتجر، إلا أنه مفتوح دائمًا.

يميل الطقس الآن إلى البرودة، فالظلام يخيم. يتوقف ساني في طريق عودته من الحقل عند المسجد، فيركع ويسجد ملامسًا جبهته للأرض نحو الشرق، نحو مكة المكرمة. إنها صلاته الرابعة هذا اليوم. ثم يدعو لابنته ليلات ولأسرته ولقريته، ولجبال الآير، يدعو الله بالخير للجميع. بعد غد هو يوم الجمعة، وسيتوافد الكثير من الناس إلى المسجد. إنه يوم مقدس، وسيكون بإمكانه أن يدعو بالخير للجميع مرة أخرى.

تمتلئ القرية طنينًا، فالفلاحون قد عادوا من الحقول، والماعز داخل المنازل أيضًا. لا يتضح أي من الاثنين قاد الآخر نحو المنزل، لكن ربما الأطفال هم من قادوا الماعز إلى المنزل، لأن الماعز قد شبعت، بينما الأطفال جائعون ويتعجلون الوصول إلى المنزل لتناول الطعام. لقد هضموا ما تناولوه صباحًا من يخنة الذرة، وحان الوقت لتناول المزيد من يخنة الكسكسي، الذي يعجن من الذرة البيضاء، ويقدم مع الجزر ويطهى في قدر فوق الموقد. يضاف إليه القليل من فلفل البابريكا لإضفاء نكهة طيبة. وقد تتمكن فاطمة في بعض الأحيان من إضافة بيضة إلى هذا المزيج، لكن ليس اليوم؛ فغدًا هو يوم السوق، لذا ستوفر عدة بيضات لتبيعها في الغد، لتحصل على بعض الفرنكات الأفريقية القليلة في يدها لتتمكن من شراء البطاريات للمصباح المصنوع في الصين، الذي لم يعد يعمل منذ يومين. كما أنها ستحتاج مزيدًا من السكر والبازلاء، وربما تحتاج لشراء بعض الملابس المستعملة لأطفالها.

إنه المساء، يجتمع الناس للثرثرة والمزاح. فيوجد الكثير جدًّا ليتحدثوا بشأنه! يجلسون على الرمال بالقرب من النار. لا أحد منهم يشرب الكحول، لكن القليل منهم يدخنون. جميع البالغين يشربون شايًا ثقيلًا محلى في أكواب زجاجية صغيرة. يتحدث الرجال عن العمل، عن البصل تحديدًا. عن تعنت التجار الذين يركبون البغال، والذين لا يريدون دفع المزيد. يمكنك أن تلمح أعين الرجال تتألق التماعًا حين يقولون إن التجار الذين يركبون البغال سيكونون أكثر استعدادًا للمساومة إذا ما علموا أن مشترين آخرين يمكنهم دفع المزيد ثمنًا للبصل، وهم يقصدون بذلك التجار الذين يركبون الجمال.

إنهم يفكرون أنه إذا لم يكن هناك طلب على ما يزرعونه، فلن يستطيعوا بيعه بعد الآن، أو على الأقل لن يستطيعوا بيعه بسعر أعلى. لا بد أن ازدياد الطلب على سلعهم المحلية — الموارد الطبيعية والمهارات البشرية — يحفز المعروض منها. ألا تجري الأمور كذلك؟ ولن يأتي أحد للشراء، لا التجار الذين يركبون البغال، ولا الذين يركبون الجمال، إلا إذا توافر ما يكفي من محصول البصل. ومن ثم، لا بد أن يزيد الطلب على المعروض من السلع المحلية ومن الخدمات، ألا تجري الأمور كذلك؟

حسنًا، لو كان لديهم من النقود ما يزيد عما بحوزتهم الآن، ولو بقليل، لكان القرار قرارهم: هل يشترون عربة تُجر يدويًّا، أم عربة يجرها حيوان لنقل محصولهم إلى السوق؟

لا يستمر المساء طويلًا، فالظلام دامس، وينبغي أن يقتصدوا في استخدام أخشاب إشعال النار المتوافرة لديهم؛ إذ لا يوجد منها سوى القليل هنا. حان وقت النوم على الأسرة الموجودة خارج المنزل أو على الأرض. لا أحد ينام داخل المنزل سوى السيدة العجوز التي تنام على أرجوحة من الشبك، بينما ينام اثنان من الأطفال على تراب الأرض، وعندما يخبو آخر شعاع للنار، يمكنك أن ترى النجوم التي لا تعد ولا تحصى تتألق في السماء، لا يمكنك أن ترى مثل هذا الكم من النجوم سوى هنا في الساحل، وبأقل من دولار في اليوم. لا بد أن هذا الظلام دامس، ليس في قريتنا فقط، بل ضمن دائرة نصف قطرها عشرات الكيلومترات، هذا إلى جانب الصمت التام. هكذا هي الحال.

مر يوم آخر، من حسن الحظ. من دون موجة جفاف، ولا جحافل من الجراد تحلق في الأجواء. لكن مع الأسف، تأتي أيام قليلة مثقلة بالعمل الشاق، والكفاح من أجل البقاء، وانعدام أي أمل يتعدى الأمل البسيط في إنجاب المزيد من الأطفال، فهم الشيء الوحيد الذي يستجد على الحياة هنا. وتأتي أيضًا أيام سيئة، لا يتمكن الناس فيها من مجابهة الصعاب، فمن الممكن أن تظل حيًّا داخل نفس المنطقة طوال حياتك، لكن لا يمكنك أن تقتات على لا شيء. وهناك أيام تأتي بالمتاعب والمصائب، وبما لا يكفي لسد القوت الضروري وإقامة أود الإنسان، وبالمرض. المهم هو أنه ما من أحد في القرية مرض اليوم، وما من أحد مات. لكن «ليلات» الصغيرة ستموت يوم الأحد!

في ذلك اليوم تمكنت عائلة باري من الحصول على دخل كبير بلغ ١٫٦ دولار وأنفقته. بل لقد تمكنوا أيضًا من ادخار القليل من المال، تمثل في بيضتي دجاج سيشترون بثمنهما البطاريات الصينية. فقد ترك لهم ضيف كان قد حل عليهم من بلاد بعيدة مبلغ ١٠٠٠٠ فرنك أفريقي لقاء هذه الضيافة الكريمة، واليخنة الأفريقية والكسكسي، وحصيرة في الفناء، ولقاء مشاهدة الجمال ونيران منزلهم. بالنسبة له، لا يتجاوز هذا المبلغ ٦٠ زووتي بولندي، أو ما يعادل نحو ٢٠ دولارًا أمريكيًّا، لكن بالنسبة لهم، يغطي هذا المبلغ نفقاتهم لهذا اليوم وبقية الشهر. ويكفي لشراء مصباح جديد، وما يكفي من الزيت لإضاءته مدة ثلاثة أشهر.

إنهم يتمكنون من سداد نفقاتهم بشق الأنفس من يوم لآخر، ومن يوم سوق لآخر، وبين زيارة للتجار الذين يركبون البغال وأخرى، وبين موسم مطير وآخر جاف، وهكذا دواليك. وهم ينفقون كثيرًا؛ إذ يبلغ الميل الحدي نحو الإنفاق هنا ١٠٠٪، ويبلغ الميل الحدي نحو الادخار صفر. فهم لا يدخرون شيئًا، ولا يستثمرون شيئًا، ويأكلون كل شيء، وعاقبة عدم الاستثمار هي الركود.

لا تزال في انتظارهم أيام كثيرة كهذا اليوم ليعيشوها. وهذا أفضل ما يمكن حدوثه لهم. ومتوسط عمر الفرد المتوقع في النيجر لا يقل عن ٤٤ سنة.

كيف إذن يمكن أن تكون حياة المرء عندما يبلغ نصيبه من الدخل أكثر من ٢٠٠٠ دولار في اليوم؟ نحن لا نتحدث عن أصحاب المليارات، بل عن الملايين والملايين من الناس. إن كل هؤلاء الملايين مجتمعين ينفقون مليارًا أو ملياري دولار في اليوم. وهم يعانون مشكلات جسيمة، لأنه من المستحيل أن يظل الفرد ينفق بنفس هذا المستوى طوال الوقت، أي إن عليهم أن يدخروا. وبما أن هذه المدخرات سرعان ما تتحول إلى رءوس أموال ضخمة، يجد هؤلاء أنفسهم مضطرين إلى الاستثمار. وهذا دومًا أمر يجلب التوتر. مع ذلك، مهما كان المبلغ الذي تنفقه، فلديك المزيد دائمًا. هل يكون هذا أصل المثل القديم الذي يقول إنك لا تستطيع شراء السعادة؟

سويسرا بلد صغير تقل مساحته الجبلية قليلًا عن ضعف مساحة ولاية نيوجيرسي، أو تعادل ١٣٪ فقط من مساحة بولندا. ويبلغ عدد سكانها ٧٫٥ مليون نسمة، ويبلغ متوسط الدخل السنوي للفرد فيها ٣٥٠٠٠ دولار سنويًّا. ومن بين إجمالي عدد سكانها، هناك ٧٥٠ ألف نسمة يصل دخلهم السنوي إلى ١٦٠٠٠٠ فرنك سويسري، أو ما يعادل ١٣٣٠٠٠ دولار أمريكي. هذا يعني ٤٤٠ فرنكًا سويسريًّا أو ٣٦٥ دولارًا أمريكيًّا في اليوم الواحد. وضمن نفس هذه الفئة، توجد مجموعة فرعية مكونة من ٥٠ ألف نسمة يتعدى دخلهم السنوي ٨٥٠٠٠٠ فرنك سويسري، أو ٧٣٣٠٠٠ دولار أمريكي. هذا يعني أكثر من ٢٤٠٠ فرنك سويسري أو ٢٠٠٠ دولار أمريكي في اليوم الواحد. يوجد أيضًا عدة آلاف من الأشخاص يصل دخلهم السنوي إلى ٨٫٥ مليون فرنك سويسري أو ٧٣٠٠٠٠٠ دولار أمريكي، وهذا يعني ٢٤٠٠٠ فرنك سويسري، أو ٢٠٠٠٠ دولار أمريكي في ٢٤ ساعة، واستخدمت الحساب بالساعة هنا لأن عند هذا المستوى من الثراء، تزداد الأموال على مدار الساعة.

يعيش فرانز ليندينبوم وأسرته في منزل مكون من ١٦ غرفة، ذي إطلالة رائعة على منطقة سيفيلد الفخمة الواقعة في زيورخ. يبلغ فرانز من العمر ٤٦ عامًا، وتبلغ زوجته روث ٤٢ عامًا. ترتاد ابنتاهما أرقى المدارس الثانوية الخاصة. لدى هذه الأسرة عدة خدم: مربية إنجليزية من أكسفورد تحرص على إتقان البنتين للهجة الإنجليزية البريطانية السليمة، وتوصلهما للمدرسة، وطباخ فرنسي من مقاطعة بروفينس، وسائق ألماني، تماشيًا مع سيارتهم المايباخ! وبستاني من زيورخ، واثنان من الحراس الشخصيين من صقلية بإيطاليا.

يستيقظ فرانز في السادسة صباحًا، وبعد أن يسبح مائة دورة في حوض السباحة بمنزله؛ يتناول إفطاره المكون من: حبوب الإفطار الممزوجة مع اللبن منزوع الدسم — هذه هي اليخنة الأوروبية، لكن من دون سكر، فهذا صحي أكثر — وشريحة من الخبز المحمص. وعلى المائدة، يتبادل فرانز محادثة راقية مع روث — وهي طبيبة عيون ناجحة ولديها عيادة خاصة — والبنتين: كيف الأمور في المدرسة؟ وتجيبان بالإنجليزية: «ممتازة». كلتاهما تحب طرح الأسئلة الصعبة على معلماتهما. ما الجديد في أمور العيادة؟ هناك الكثير من المرضى، جميعهم يرغبون في معرفة ما يحدث في العالم من حولهم.

حان وقت الذهاب إلى العمل. في السيارة يستمع فرانز إلى أخبار الصباح عبر إذاعة شفايتزر ويتصفح جريدة «زيوريخ الجديدة». يعتقد فرانز أن هذا الوقت القصير الذي يقتطعه من اليوم للجريدة كافيًا جدًّا، لأن القراءة أكثر من ذلك ستشغل البال وتربك الذهن. وقد يلقي نظرة على مجلة ما من آن لآخر في المنزل. يصل فرانز إلى مكتبه في الثامنة إلا الربع تقريبًا. وهو مكتب أنيق مؤثث على أحدث طراز، ويطل على منظر خلاب. وبعد أن يلقي على أسماع سكرتيرته بعض التوجيهات، يفعل مثل ذلك مع مساعدته الخاصة. كلتا المرأتين سويسرية من الرأس إلى أخمص القدمين. توجد الكثير من التفاصيل الفنية ليناقشها اليوم، وكل هذه التفاصيل هامة. تبدأ الاجتماعات في الساعة التاسعة، في الاجتماع الأول، استدعى فرانز محللي السوق، ورؤساء الأقسام، والمدير المالي، العمل على خير ما يرام. فرانز هو المدير وأكبر مساهم في هذه الشركة التي تستخدم تكنولوجيا عالية المستوى، أو، بدقة أكثر، أعلى مستويات التكنولوجيا على الإطلاق لإنتاج وصيانة المعدات المصنوعة حسب الطلب لتخصيب اليورانيوم. على الصعيد العالمي، ليس لهذه الشركة منافس في مجال تصنيع اليورانيوم من رواسب الطمي والفوسفات الموجودة في النيجر. وتقدم هذه الشركة أيضًا خدمات استشارية متطورة، مما يدفع فرانز في كثير من الأحيان إلى السفر إلى بلدان مختلفة. فهو لا يسافر فقط إلى واشنطن وموسكو وباريس وفيينا ولندن، بل إلى بكين وحتى الشرق الأوسط وأفريقيا، لكن الرحلة المتكررة أكثر من غيرها تكون إلى نيامي في النيجر.

في بعض الأحيان يضطر فرانز إلى البقاء خارج البلاد حتى أثناء عطلة نهاية الأسبوع، وهذا ما سيفعله بعد عدة أيام. سيستأجر طائرة هليكوبتر من شركة فرنسية تأخذه في طلعة جوية واحدة على الأقل إلى جبال الآير الشاهقة في النيجر، التي تختلف كثيرًا عن جبال الألب التي اعتاد رؤيتها كل يوم. إنه يستأجر الهليكوبتر مدة يومين، ويحجز ليلتين في أحد فنادق أغاديز، ويستأجر سيارة جيب ومرشدًا وجمالًا ومؤنًا وما إلى ذلك من لوازم الرحلة التي تتكلف في المجمل ٤٥٠٠ فرنك أفريقي، وهو مبلغ زهيد جدًّا مقارنة بالمتعة الجمة التي سيلقاها من تلك الرحلة، ومشاهدة أغاديز، المكان الذي يموت فيه جاك نيكلسون في فندق صغير في فيلم «المسافر» للمخرج مايكل أنجلو أنتونيوني. في هذا الفيلم أرادوا أن يعلموا لماذا كان حريصًا على معرفة من الذي كان يبيع الأسلحة لمتمردي الطوارق، الأمر الذي لم يكن من شأنه على الإطلاق.

فرانز حاصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء النووية من جامعة زيورخ المرموقة. أما روث فهي حاصلة على درجة الماجستير من جامعة باسيل، وتتقاضى نصف مليون فرنك سويسري سنويًّا، لكن هذا من عملها الخاص. عليها أن تشتري لنفسها سيارة جديدة كل عدة أعوام، وسيارتها الحالية جاجوار إكس جيه. مجرد فكة بالنسبة لها. تحتل زيورخ قمة كل استطلاعات الرأي الخاصة بالنخبة من رجال الأعمال حول أفضل الأماكن للعيش في العالم.

وهي أيضًا أعلى المناطق أسعارًا، على الأقل بالنسبة لأسعار اللوازم النسائية كالملابس والمجوهرات ومستحضرات التجميل. حتى إن بيفرلي هيلز أرخص أسعارًا منها. لكن حتى في زيورخ، عليك أن تذهب للتسوق؛ لا لأن أسعارها رخيصة، بل لأن تلك طريقة جيدة لتلتقي الأصدقاء صدفة. إن امرأة راقية مثل روث يمكنها أن تنفق عدة آلاف من الفرنكات في يوم واحد على شراء الملابس والعطور. ومن حسن الحظ أنها لا تفعل ذلك كل يوم.

تستغرق المكالمات الهاتفية ورسائل البريد الإلكتروني، ومؤتمرات الفيديو مع الشركاء بقية وقت فرانز طوال فترة الصباح. في عمله هذا تُسوَّى المسائل الكبرى أو الأكثر أهمية وجهًا لوجه مع العملاء. ويتعين عليه أن يسافر، وأن يستقبل الزوار. اليوم لديه ثلاثة منهم. إنهم من بلد آخر، وهم مهمون جدًّا. إذا كان هناك طلب على سلع وخدمات الشركة فيجب أن يكون هناك عرض. ألا تجري الأمور كذلك؟ أو هل يمكن أن نقول إن المعروض الرائع يعني عدم حدوث نقص أبدًا في الطلب؟ ألا تجري الأمور كذلك؟

حان وقت الغداء: اليوم يتناول فرانز غداءه مع صديق من كلية الهندسة التكنولوجية حريص على أن يظل على دراية بما يجري في المجال ويحب إطلاع فرانز على ما لديه. إنه عالم فيزياء، لكنه نظري. فهو يبدد موهبته في الحقل الأكاديمي، لذا يحب أن يبقى دومًا على صلة بالحقل العملي، وأن يتباهى بعلمه في دنيا رجال الأعمال. يتناول الصديقان الغداء في مطعم هاوس زوم رودن. كل نادل يعمل هنا من أصل سويسري، فحتى مواطني إمارة ليختنشتاين المجاورة يعتبرهم الناس هنا عمالة وافدة. يتناولان غداءً خفيفًا، طبقهما المفضل هو الطبق الفرنسي «الفوا جرا» أي: كبد الإوز الذي يقدم مع حلقات البصل الأحمر اللذيذة بشكل غير معقول، من أين يأتي هذا البصل؟ يقول الطاهي إن هذا البصل الطازج شُحن من فرنسا، وإن فرنسا تستورده من النيجر. إنه أفضل أنواع البصل في العالم.

الغداء على حساب فرانز، وهذا يعني أنه يدفع لأنه صاحب الشركة. النبيذ أيضًا كان فاخرًا وباهظ الثمن كالبصل، كان إجمالي قيمة الفاتورة بالإضافة إلى الإكرامية ٢٠٠ فرنك سويسري. وإذا حسبنا كم يساوي هذا المبلغ بعملة البلد الذي يأتي منه البصل فسيساوي ٨١٠٠٠ فرنك أفريقي. في هذا المطعم ثمن البصلة الواحدة مقطعة إلى شرائح ومقدمة على طبق يساوي الثمن الذي يتقاضاه ساني لقاء بيع عشرة أجولة مملوءة بالبصل. إن التجار الذين يشترون البصل من ساني مباشرة يحققون هامش ربح معقول، والذين يصدرونه إلى أوروبا يحققون عائدًا سنويًّا يبلغ ٣٠٠٪ من أصل رأس مالهم في هذا المجال. هذا مثل ما كان يحدث في شركة الهند الشرقية إبان القرن السابع عشر. وعلى أي حال «التجارة، لا المساعدات» هي أساس التنمية، أليس كذلك؟

كلفت وجبة الغداء هذه ثمنًا يعادل دخل عائلة باري خلال عام كامل، ولا فكرة لدى فرانز أساسًا عن وجود شخص مثل باري على وجه الأرض، وحتى لو علم بوجوده، فماذا سيحدث؟ لقد كانت سويسرا دولة فقيرة أيضًا في يوم ما، ثم نجحت في تحقيق تنمية هائلة بفضل العمل الشاق ودون مساعدة أحد، بالضبط مثلما يعمل فرانز بجد الآن في شركته، وفي استثمار أمواله، ويعزى نجاحه كله إلى الشراكة والأمانة وتبادل الخبرات والمصالح والتحرر. إنه يدفع الضرائب المستحقة عليه للدولة، وتخصص سويسرا من هذه الضرائب ١٫٧ مليار دولار أمريكي — ما لا يقل عن ٠٫٤٣٪ من ناتجها المحلي الإجمالي — للمساعدات الخارجية، بعض من هذه المساعدات تكون على شكل خدمات تقدمها شركته لحكومات بعض الدول النامية في مجال الاستخدامات السلمية للتكنولوجيا النووية.

بعد الغداء يحين موعد اللقاء مع ممثل عن مجموعة من البنوك تمول مشروعًا سريًّا، هذا لا يدخل ضمن نطاق العمل الذي يمكن الإعلان عن كنهه. بالطبع لا بد أن تتواصل مع وسائل الإعلام، لكن من الأفضل في هذه الحالة ألا تعلم هذه الوسائل الشيء الكثير عن هذا الأمر. ويفضل فرانز أن يتحاشى الإعلان عن هذه النوعية من المشاريع، لأن التعليقات المتسرعة تسبب إزعاجًا يفوق قيمتها. مع ذلك، قد تكون هناك حاجة إلى الانتفاع من بعض وسائل الإعلام.

بعد سلسلة أخرى من المقابلات والمحادثات المهنية مع الموظفين بشأن القضايا التكنولوجية المعقدة، حان الوقت ليعود إلى المنزل. بعد القليل من الدردشة عبر الإنترنت يغادر مكتبه، ويتوقف في طريق عودته لشراء بذلة من متجر زينه الشهير لقاء ٢٣٠٠ فرنك سويسري، ثم يلقي نظرة على مقر وكيل سيارات مازيراتي، فقد حان الوقت ليقرر نوع السيارة الجديدة التي سيشتريها: مازيراتي أم لامبورغيني؟

عند باب المنزل يستقبله كلبه المتحمس دائمًا، إنه من نوع دوبرمان. والكلاب مرحة دائمًا، حتى عندما تعيش حياة الثراء. يسأل فرانز: كيف حال البنات في المدرسة؟

تتناول الأسرة عشاءها في المنزل. إنه يوم الأربعاء، هذا هو اليوم المخصص لاستقبال أي زائر. هذه المرة، تستقبل الأسرة صديقًا لروث من برلين؛ إنها ليست زيارة رسمية، لكن روث تحرص على الاهتمام بالضيوف وعلى قضائهم وقتًا طيبًا في منزلها.

العشاء جاهز الآن، غرفة الطعام واسعة، تطل على بحيرة زيورخ. في إحدى زوايا الغرفة يوجد بيانو ماركة بيشتاين، فربما أرادت إحدى البنتين أن تصبح كعازفة البيانو الشهيرة مارثا آرجريش، لكن البنتين لديهما خطط أخرى. وعلى الجدار لوحة أصلية من أعمال الفنان الأمريكي آندي وارهول، ويظهر للناظر عدة مشغولات زجاجية ماركة تيفاني الشهيرة الغالية. وفي الزاوية المقابلة مكبران للصوت ماركة بانج وأولفسن، تنساب منهما مقطوعة «المدينة» للموسيقار فانجيليس. طاولة الشراب إلى اليمين، عامرة بأفخر الماركات؛ إذ يوجد آرمانياك، وشراب شعير دالمور. وفي الجهة اليسرى، هناك مجلس مكون من مجموعة كراسٍ ماركة نيكوليتي، وأريكة، وطاولة عليها عدة مطبوعات، مثل: «ناشيونال جيوجرافيك»، و«ذا نيويوركر»، و«العالم الأمريكي»، و«ذا إيكونوميست»، و«أغنية الإرسالية» للمؤلف جون لي كار، و«لمحة تاريخية عن الزمن» للمؤلف هوكينج.

في وقت متأخر من المساء يجلس فرانز وحيدًا إلى الكمبيوتر في بحثه ومع أفكاره، ويظل كذلك حتى منتصف الليل. إنه على الأرجح يفكر في أمور مثل: الشركة، المنافسة، الجوانب السياسية، المجازفة، مصادر التمويل، التطورات التكنولوجية، شئون موظفيه. ليس لديه سوى القليل من الوقت ليخصصه لنفسه ولأسرته.

ثم يلقي نظرة أخيرة على الأسواق؛ فسوق أوساكا للأوراق المالية تفتح تعاملاتها في نفس وقت إغلاق سوق نيويورك. أما ما يحدث في زيورخ فيعلمه الجميع دون الحاجة إلى بذل أي جهد. إن الجزء الذي لا يعيد استثماره من أرباحه في شركته، يعيد استثماره في البورصة، وهو لا يذهب إلى البورصة بنفسه، بل لديه من يقومون عنه بهذه المهمة، كل ما عليه أن يفعله هو أن يظل على علم بما يحدث لحظة بلحظة، ولو بدافع الفضول. وهو يرفض استثمار أمواله — من حيث المبدأ — في شركات تعمل في نفس مجاله، وإلا لكان عليه أن يدعو لكي تنتعش أحوال الشركات الأخرى، أو أن ترتفع أرباحها! فليدع بذلك آخرون. فهو يدعو لنفسه ولعائلته ولشركته، ولخير زيورخ وسويسرا بوجه عام. وسرعان ما سيحل يوم الأحد، وعندئذ سيقفون جميعًا للدعاء لأنفسهم، سيكون ذلك كما لو كانوا يدعون بالخير للجميع.

من يستطيع أن يحسب إجمالي نفقات فرانز يوميًّا؟ حسنًا، إذا جمعت كل النفقات اليومية المعتادة وغير المعتادة، فسيقترب الإجمالي من ١٠٠٠٠ فرنك سويسري، أي أكثر من ألفي دولار أمريكي لكل فرد من أفراد الأسرة. وهذا يوم عادي، حقق آل فرانز خلاله إجمالي دخل يبلغ نحو ٢٠٠٠٠ دولار أمريكي. غير أن الناس هنا يحسبون نفقاتهم — على نحو استراتيجي — على مدى طويل يصل إلى عدة سنوات.

وهم ينفقون القليل، لأن ميلهم الحدي نحو الإنفاق يبلغ ٤٠٪ فقط، مما يجعل ميلهم الحدي نحو الادخار هو ٦٠٪. وهكذا، هم يدخرون أكثر مما ينفقون، ويستثمرون الكثير، ولا يستهلكون سوى القليل من ثروتهم. وأولئك الذين يستثمرون ينمون ويتطورون.

لا تزال في انتظارهم أيام كثيرة كهذا اليوم ليعيشوها، وهذا أفضل ما يمكن حدوثه لهم. ويبلغ متوسط عمر الفرد المتوقع في سويسرا ٨١ عامًا فقط.

هذه هي الصورة إذن، البعض — الكثير — يحيا حياة الفقر المدقع، لكن هذا لا يعني أنهم بالضرورة يشعرون بالتعاسة دومًا. والبعض — القليل — الآخر يرفل في النعيم والرفاهية، وهذا أيضًا لا يعني أن هؤلاء يشعرون بالسعادة دومًا. هناك أمر مهم وسط كل هذا، هو أن مستويات الدخل قد ارتفعت ارتفاعًا ملحوظًا خلال العقود القليلة الأخيرة، لكن من العار أن هذا الأمر لم يحدث لكل البشر. فهذه الزيادة تظهر في الأغلب ضمن مختلف نطاقات الطبقة الوسطى، وتختلف هذه النطاقات نظرًا لأن تصنيف الطبقة الوسطى أمر نسبي، يختلف من مجتمع لآخر؛ فالطبقة الوسطى في النيجر، تختلف عنها في سويسرا، وتختلف كذلك عنها في بولندا ذات مستوى التنمية المتوسط.

هناك شيء آخر لا بد من أخذه في الاعتبار؛ هو أن التفاوت الموجود الآن بين مستويات البشر المعيشية — على مستوى العالم — أقل مما كان عليه منذ ربع قرن، وأن متوسط أمد الحياة المتوقع للفرد منذ الولادة في الوقت الحاضر قد ارتفع بمقدار ٢٠ سنة عما كان عليه منذ نصف قرن. فمثلًا، عندما ولدت أنا، لم تتوقع الإحصاءات الرسمية لي — بصفتي مواطنًا يعيش في العالم — سوى ٤٦ عامًا، هذا مثل عمر الفرد المتوقع في النيجر الآن. لكنني تمكنت من تجاوز هذا الرقم، كما أنني عازم على الاستمرار في الحياة أكثر وأكثر. والذين يولدون اليوم يتوقع لهم أن يعيشوا ٦٦ عامًا، أي إنهم في المتوسط سوف يكونون على قيد الحياة في عام ٢٠٧٦. وبعض المواليد — وفيهم كثير من المواليد الذين يولدون اليوم في سويسرا — سيعيش ليرى القرن الثاني والعشرين.

•••

تحفز كل هذه التأملات نظرة أوسع وأشمل للمجتمع العالمي، فالناتج الإجمالي مقياس عالمي، وهو أكثر المقاييس شيوعًا لأنه مفيد ويسهل حسابه إلى حد ما، وعلم الاقتصاد يميل إلى تبسيط الأمور، أما علم الإحصاء فيميل إلى إيجاد المعدلات. وكلاهما يميل إلى تقديم افتراضات لتسهيل الحسابات. إن الإحصاءات كما تقول النكتة القديمة: كلباس السباحة، تكشف عن أشياء مثيرة، لكنها تخفي أشياءً حاسمة …

لكن الناتج المحلي الإجمالي بوصفه مقياسًا لمستوى نمو الاقتصادات الوطنية يعاني عيوبًا كثيرة. فهو لا يبين لنا إلا جانبًا واحدًا من تأثيرات نشاط الاقتصاد الكلي، ويغفل بعض التكاليف المصاحبة له. وعلى الرغم من أن هذه التكاليف يطلق عليها أحيانًا «العناصر الخارجية»، فإنها يمكن أن تكون بالغة الأهمية. وهذا هو السبب وراء ضرورة أخذ تشتت نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الحسبان، جنبًا إلى جنب مع غيره من المعلومات التي تبين مستوى التنمية الاجتماعية والاقتصادية ونوعية الحياة. ومقياس التحليل الإحصائي الذي يحقق هذا الغرض هو: مؤشر التنمية البشرية،3 الذي يأخذ في الاعتبار العوامل الثلاثة التالية:
  • الوضع الصحي.

  • المستوى المعرفي.

  • المستوى المعيشي.

هذه العوامل ليست سهلة القياس، ومن ثم سنتقبل الافتراضات ثم نحاول تبسيطها قليلًا. فمثلًا، الافتراض الذي يتعلق بتقدير المستوى الصحي يرى أنه كلما تمتع الأفراد بصحة أوفر، عاشوا فترات أطول.

يُنظر إلى المستوى المعرفي من منظور التعليم الدراسي والقدرة على القراءة والكتابة. ويجري تقسيم مقياس المستوى المعرفي إلى ثلاثة أثلاث، تُحدد نسبة الثلث الأول من خلال حساب نسبة إجمالي عدد الملتحقين بالمدارس والجامعات، هذا عن طريق إيجاد مجموع الأطفال والشباب الملتحقين بالتعليم الابتدائي والثانوي والجامعي ثم قسمته على إجمالي عدد السكان البالغين سن التعليم، وتحسب نسبة الثلثين الآخرين على أساس نسبة الأشخاص الذين يستطيعون القراءة والكتابة من البالغين (من سن ١٥ فما فوق).

ويعتبر المستوى المعيشي مرتبطًا بالإنتاج والاستهلاك. ويقاس بإيجاد اللوغاريتم الطبيعي لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي مقاسًا بالدولار، ووفقًا لتعادل القوة الشرائية.

ويحسب رقم مؤشر التنمية البشرية عن طريق جمع نسب المقاييس الثلاثة، وهي بدورها تحسب بالتفصيل استنادًا إلى معادلات حسابية تبين نسبية الفرق الحقيقي الذي يفصل مستوى البلد الذي حُسبَ مؤشر التنمية البشرية له، عن مستوى بلد تخيلي نفترض أنه «كامل التطور». هذا البلد الافتراضي يمثل نموذجًا مثاليًّا للدولة المتطورة، يقاس عليه مدى تطور البلدان الأخرى، حيث تكون نسب الدولة المثالية هذه كما يلي:
  • متوسط أمد الحياة المتوقع عند الولادة لسكانها هو ٨٥ سنة.

  • نسبة إجمالي عدد الأطفال والشباب الملتحقين بالتعليم هي ١٠٠٪، والأمية معدومة بين البالغين.

  • نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي هو ٤٠٠٠٠ دولار سنويًّا (حسب تعادل القدرة الشرائية).

وفي الدولة التي تمثل النموذج المثالي، يكون إجمالي رقم مؤشر التنمية البشرية مساويًا للواحد الصحيح، وهذا حصيلة جمع نسب العوامل الثلاثة التي ذكرناها من قبل، بحيث تكون نسبة كل من هذه العوامل = ٠٫٣٣٣ أو ٠٫٣. وإذا كانت دولة ما تعاني انخفاضًا في المستويين البشري والمجتمعي، فسيكون رقم مؤشر التنمية البشرية لها نسبةً مئوية ضئيلة ليس إلا. فعلى كل حال، يعيش أي فرد في المتوسط عددًا من السنوات، ويحصل على دخل سنوي أيًّا كان شكله، مهما كانت النسبة منخفضة. من الناحية النظرية، يمكن أن يكون جميع السكان في مكان ما من الأميين. لكن من الناحية العملية، لا توجد حالات كهذه على مستوى بلدان بأكملها في العالم، طالما قسمنا العالم إلى بلدان وأقاليم. لكن للأسف يوجد هذا المشهد على مستوى بعض المناطق والمحليات، وداخل بعض الأسر. وتوجد مجتمعات محلية يبلغ مؤشر التنمية البشرية فيها الواحد الصحيح، لكن توجد أيضًا مقاطعات يبلغ مؤشر التنمية البشرية فيها ٠٫١ فقط. فمثلًا، يبلغ مؤشر التنمية البشرية لأدنى خمس من السكان دخلًا في بوركينا فاسو (أدنى ٢٠٪ من السكان من حيث مؤشر التنمية البشرية) ٠٫١٤٠ فقط.

هل من الممكن أن يحيا الإنسان في مستوى أدنى من هذا؟ نعم. فالمعيار الذي يطبقه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لتقدير مؤشر التنمية البشرية يضع حدًّا أدنى للدخل يبلغ ١٠٠ دولار وفقًا لتعادل القدرة الشرائية. وقد رأيت العديد من الأماكن التي يقل فيها الدخل عن ذلك المبلغ. فمثلًا في مالي، على الحدود مع توجو، يبلغ مؤشر التنمية البشرية نسبة مئوية ضئيلة. وينطبق الشيء نفسه على المناطق الحدودية بين موزمبيق ومالاوي. ويبلغ مؤشر التنمية البشرية لأسرة باري التي تسكن قرية أوكيديدي في النيجر ٠٫٠٦١، ولن ترتفع هذه النسبة إلا في حال تمكن أفراد هذه الأسرة من العيش حياة أطول من المتوسط. لكن في تلك الحالة، سيتعين على شخص ما أن يعيش حياة أقصر. إن المعدلات عديمة الرحمة، ومضللة بالقدر نفسه.

يبلغ مؤشر التنمية البشرية لعائلة لاندنبوم السويسرية ٠٫٩٧٨، هذا إذا افترضنا أن كل أفراد هذه الأسرة سيعيشون كل سنوات أمد العمر المتوقع للمواطن السويسري (٨١ عامًا). وفي ضوء حياتهم الرغدة تلك، يمكنهم بسهولة أن يتخطوا هذه السن ويصلوا حتى إلى سن الخامسة والثمانين. وفي تلك الحالة، سيبلغ مؤشر التنمية البشرية لهذه الأسرة النسبة القصوى. هنا، تبلغ النسبة الواحد الصحيح، بينما هناك، في النيجر، يبلغ المؤشر ٠٫٠٦١. هكذا حال الدنيا!

يشكل الوضع الصحي، الذي يقاس في ضوء أمد العمر المتوقع، ثلث مؤشر التنمية البشرية. ومن ثم، ينخفض المؤشر تلقائيًّا بزيادة عدد الوفيات في سن صغيرة. وبالإضافة إلى الحروب، غالبًا يموت الناس في سن أصغر حيثما ترتفع معدلات إنجاب الأطفال الذين لا يستطيع من ينجبونهم أن يوفروا لهم التغذية الكافية، وحيثما ترتفع نسبة الإصابة بالأمراض. وعلى الرغم من أن بلدانًا أخرى تشهد نسبًا سيئة على صعيد الوضع الصحي، لكن للمرة الثانية، أفريقيا هي الأسوأ على مستوى العالم. وتتعاون منظمة الصحة العالمية مع المؤسسات الوطنية في رصد الأخطار التي تهدد صحة البشر، وتتخذ التدابير الوقائية أو المباشرة في الحالات الخطرة. فقد حددت منظمة الصحة العالمية في الفترة من ٢٠٠٣ إلى ٢٠٠٦، خلال ثلاث سنوات فقط ٦٨٥ نوعًا من الأخطار التي تهدد صحة البشر على مستوى العالم. وكان ما لا يقل عن ٢٨٨ منها في أفريقيا، و٧٨ في أوروبا، و٤١ فقط في الأمريكتين. أما جنوب شرق آسيا (٨١)، والشرق الأوسط (٨٩) فقد كانا أسوأ بقليل جدًّا من أوروبا.

أحد تناقضات الحضارة الحديثة هو أن الأمور تزداد سوءًا. هذا ما يمكن أن يتراءى لنا إذا نظرنا من منظور الجيل الحالي، لا من منظور القرون السابقة (فالناس ما عادوا يموتون بأعداد هائلة ويتساقطون كالذباب جراء الأوبئة التي كانت تجتاح العالم في القرون السابقة). وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن الأمور الآن أسوأ من أي وقت مضى، نظرًا لظهور أنواع جديدة من الأمراض كل يوم بمعدل سنوي غير مسبوق، هذه الأمراض تظهر لكنها لا تختفي، فقد ظهر ٣٩ مرضًا جديدًا منذ سبعينيات القرن العشرين.

وتحذر منظمة الصحة العالمية في تقريرها سكان العالم من أخطار الأوبئة، وتصرح بهذا مباشرة فتقول:4 ستكون ذروة السذاجة أن نفترض أنه لن تظهر أمراض جديدة مميتة بنفس خطورة أمراض مثل الإيدز أو سارس. فهذا سيحدث، عاجلًا أو آجلًا. فوباء الإنفلونزا من الممكن أن يصيب ما يزيد عن مليون إنسان ونصف، أي واحدًا من كل أربعة أشخاص.

عندما يسافر ٢٫١ مليار إنسان جوًّا كل عام، تنتشر الفيروسات وناقلات الأمراض الأخرى بسهولة وبسرعة بالغتين، فتصل إلى بقاع أبعد من العالم. وهذا ملمح آخر يجعل العالم اليوم يختلف عنه في الماضي. ليس فقط من حيث مدى التطور وانتشار سبل التكنولوجيا، بل من حيث سرعة انتشار المرض والموت أيضًا. ويشير عدد المسافرين جوًّا إلى أن كل شخص على وجه الأرض يسافر في المتوسط مرة كل ثلاث سنوات. لكن الأشخاص الذين يسافرون بكثرة هم من يشكلون النسبة الكبرى من هذا العدد. وأنا واحد من هؤلاء، فأنا أسافر أكثر من مائة مرة في العام، ومن ثم، يرد اسمي مائة مرة ضمن قائمة اﻟ ٢٫١ مليار مسافر كل عام. لكن غالبية البشر لم يسبق لهم رؤية مطار عن قرب من قبل، وعدد كبير جدًّا منهم لم يحظ برؤيته حتى من بعيد. لكن أنواع العدوى التي تنتشر في جميع أنحاء العالم في غضون ٢٤ ساعة في اليوم عن طريق الأشخاص الذين يسافرون بكثرة يمكن اكتشافها بسهولة، فقد عرف عن الطائرات أنها تحط كل مرة حاملة معها شيئًا جديدًا تمامًا، كإنفلونزا الطيور أو فيروس الإيبولا. إننا في حاجة إلى معرفة كلمات مثل «ماربورج» أو «نيباه»؛ وهما ليستا ماركتي سيارتين جديدتين، بل اسمين لنوعين قاتلين من الفيروسات سنسمع عنهما أكثر خلال الأعوام القادمة.

ومع الأسف، تستيقظ الأشباح القديمة من سباتها من آن لآخر مطالبة بضحايا جدد. فالكوليرا تعاود الظهور، والحمى الصفراء متربصة. وقد أدرجت منظمة الصحة العالمية في الفترة بين عامي ٢٠٠٢ وحتى ٢٠٠٦، ألفًا ومائة نوع من الأوبئة — منها الكوليرا وشلل الأطفال — كان يبدو أنه تم القضاء عليها إلى الأبد في الدول الغربية في النصف الثاني من القرن العشرين. لكن عدوى التهاب السحايا الناجمة عن الفيروسات المكورة السحائية (النيسرية السحائية) لا تزال تواصل انتشارها. وهناك نوع من البكتيريا يعرف باسم المايكوبكتيريا يسبب مرض السل، وهو يطور مقاومته للمضادات الحيوية باستمرار. لقد صرع مرض السل الكثير من البشر في مقتبل أعمارهم في أوروبا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وها هو ذا يعاود الظهور في بعض بلدان العالم، لا سيما في أفريقيا. يقضي هذا المرض على مليوني شخص تقريبًا كل عام، وقد يتضاعف هذا الرقم عشر مرات في المراحل المتقدمة من انتشار الوباء.

يسقط الناس مرضى ويموتون، وتدمر حياتهم وتقصر أعمارهم، فتهوي المؤشرات الإحصائية، إما مباشرة مثلما يحدث في مؤشر التنمية البشرية — لأنه مرتبط بالوضع الصحي — أو على نحو غير مباشر، مثلما هي الحال في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. لكن علاج الأمراض والوقاية منها أمران يتطلبان كلفة مادية. فعندما اجتاح فيروس سارس دول آسيا في عام ٢٠٠٣، خسرت هذه البلدان ٣٠ مليار دولار، وتحملت الصين الجزء الأكبر من هذه الخسارة نظرًا لانتشار المرض فيها على نطاق أوسع من أي بلد آخر في آسيا. ومن الممكن أن تتحمل الدول الغنية أو الدول الكبرى، مثل الصين، التكاليف الباهظة الناجمة عن مثل تلك الضربات، لكن انتشار الأوبئة في الدول الفقيرة يدمرها، ويطلق العنان للاضطراب والذعر، ويصيب نوعية حياة سكانها في مقتل، فينهار مؤشر الناتج المحلي الإجمالي تبعًا لذلك.

وفوق كل هذا؛ لدينا مصالح خاصة وسياسات؛ وهل يمكن أن تكون الحال غير ذلك؟ أفضل طريقة لرؤية حال العالم هي الإكثار من السفر إلى مختلف أنحاء العالم، لكن عليك أن تتوخى أقصى درجات الحذر حين تسافر إلى البلدان التي تنتشر فيها الأمراض الفتاكة. هذا قد يجعل الأمر صعبًا، لكنه ليس مستحيلًا، فهي فرصة جديرة بالمخاطرة، لأن السفر تجربة تثقيفية. ومن الضروري أيضًا أن تقرأ، أن تقرأ كثيرًا. وينبغي ألا تقتصر قراءاتك على التقارير المهنية الخاصة بالأمم المتحدة أو منظمة الصحة العالمية، والمعاهدات النظرية حول مسائل تتنوع بين الاقتصاد والجغرافيا السياسية وصولًا إلى علم النفس والطب، بل ينبغي أن تتضمن قراءاتك الكتب الروائية الجيدة. تعتبر رواية الكاتب جون لي كار، «البستاني الوفي»، وصفًا روائيًّا ساخرًا لقسوة شركات الأدوية الكبرى ووحشيتها واستهانتها بحياة البشر. فهي تحقق أرباحًا هائلةً من تصنيع العقاقير التي تختبر آثارها على سكان حي كيبيرا — وهو أحد الأحياء الفقيرة الكبيرة في نيروبي — وكأنهم فئران تجارب، في محاولة لتحسين هذه الأدوية بهدف تحقيق مزيد من الأرباح. لكن لا يكفي أن تشاهد الفيلم السينمائي المأخوذ عن تلك الرواية لترى كيف يعيش الناس (وكيف يموتون) هناك، بل ينبغي أن ترى ذلك بأم عينيك. إن الحياة هناك قاسية، والموت يأتي في غاية السهولة. حياة البشر رخيصة؛ لأن الدواء غالٍ.

هل هذا محض خيال؟ يقول المثل: لا دخان بلا نار. ويمكن أيضًا أن نزعم أن كاتبًا من نوعية لي كار لا يمكن أن يكتب تصورًا روائيًّا لا يستند إلى حقائق. فقد تختلف الرواية عن الواقع فيما يخص اسم الحي الفقير، واسم العقار، واسم شركة الأدوية، لكن المعضلة الرئيسية حقيقية. ولا يزال الصراع من أجل التوصل إلى دواء رخيص يخفف معاناة مرضى فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز مستمرًا بين الفقراء ومن يدافعون عن حقوقهم من جهة — لا سيما في أفريقيا حيث ينتشر هذا المرض أكثر من أي مكان آخر في العالم — وبين شركات الأدوية القوية متعددة الجنسيات ومن يدافعون عنها من جهة أخرى، ويمكن العثور على أنصار الطرف الثاني في الصراع ضمن موظفي حكومات بلدان معينة تقع مصانع الأدوية الخاصة بهم فيها، وحتى ضمن أفراد ينتمون إلى بعض منظمات المساعدات الدولية، وفيها منظمة الصحة العالمية.

إن البلدان الفقيرة لا تملك أن تدفع الثمن لمنتجي اللقاحات، التي يكلف إنتاجها الكثير، خصوصًا في مرحلة الاختبار والتجريب قبل أن تُنْتَج على نطاق واسع. فالأمر يستغرق من ١٥ إلى ٢٠ سنة لتباع هذه العقاقير في الأسواق بأسعار معقولة. ونتيجة لذلك؛ يموت ثلاثة ملايين إنسان، نصفهم من الأطفال، سنة تلو الأخرى جراء الأمراض التي كان من الممكن الوقاية منها باللقاحات. وهم لا يموتون نتيجة لانعدام اللقاحات، بل نتيجة لارتفاع ثمنها، ونتيجة للارتفاع الهائل لهامش الربح الذي يضاف إلى أسعارها. فصناعة الأدوية هي إحدى أكثر الصناعات ربحية في العالم.

رفضت إندونيسيا إمداد منظمة الصحة العالمية بعينات من فيروس H5N1 الذي تسبب في انتشار العدوى الخطيرة لإنفلونزا الطيور، لأنها خشيت من أن تتسرب هذه العينات إلى شركات تصنيع الأدوية، فتصنع منها لقاحًا فعَّالًا ضد المرض، وتضطر إندونيسيا بعد ذلك إلى شرائه لقاء أثمان باهظة. ولم تقدم الصين للمنظمة أولى عينات هذا الفيروس إلا بحلول صيف عام ٢٠٠٧. هذا يشير إلى أن الأمور لا تجري على ما يرام على المستويين السياسي والاقتصادي، ويبين مدى كثرة المشكلات التي نواجهها؛ والتي لا تقتصر على المشكلات الطبية والدوائية فحسب. ولا يمكن الوصول إلى حل ناجع لهذه المشكلات إلا إذا كرست الأطراف الفاعلة على المستويات القومية والدولية والسياسية العالمية جهودها لتنسيق أوجه التعاون في مجالي التجارة وخدمات الرعاية الصحية. هناك حاجة متزايدة في العالم المعاصر إلى التنسيق العالمي لسياستي الوقاية والعلاج في مواجهة تهديد الأوبئة.

احتلت النرويج سنوات المرتبة الأولى في قائمة ترتيب مؤشر التنمية البشرية، التي شملت مائة وخمسة وسبعين بلدًا (بما فيها السلطة الفلسطينية وهونج كونج) بنسبة بلغت ٠٫٩٦٥. يبلغ المتوسط العالمي ٠٫٧٤١. وكانت الفروق ضئيلة للغاية بين نسب العشرين بلدًا الأولى، التي تشمل أغنى دول العالم؛ إذ يبلغ مؤشر التنمية البشرية في هذه الدول مجتمعة ٠٫٩٣٦ أو أكثر. ودول السوق الاقتصادي الاجتماعي تجري أمورها على خير ما يرام. والدول العشر التي تلي النرويج في القائمة هي أيسلندا (٠٫٩٦٠)، أستراليا (٠٫٩٥٧)، أيرلندا (٠٫٩٥٧)، السويد (٠٫٩٥١)، كندا (٠٫٩٥٠)، اليابان (٠٫٩٤٩)، الولايات المتحدة (٠٫٩٤٨)، سويسرا (٠٫٩٤٧)، هولندا (٠٫٩٤٧)، فنلندا (٠٫٩٤٧).

تأتي سلوفينيا (٠٫٩١٠) — البلد الصغير الاشتراكي سابقًا — في المرتبة السابعة والعشرين، بين كلٍّ من كوريا الجنوبية (٠٫٩١٢) والبرتغال (٠٫٩٠٤). وهذه هي الحالة الأولى التي تتفوق فيها إحدى الدول المنضمة حديثًا إلى الاتحاد الأوروبي على بلد آخر من الدول التي انضمت منذ وقت طويل. وتأتي جمهورية التشيك بعد قبرص بفارق ضئيل، والمجر على وشك أن تتجاوز مالطا. وتُظهر الدول الأخرى المتحولة من الاشتراكية نجاحًا باهرًا. وتتسم جميعها بارتفاع المراتب التي تحتلها في ترتيب مؤشر التنمية البشرية عن المراتب التي تحتلها في قائمة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ويعزى هذا إلى التأثير الإيجابي الذي ورثته هذه الدول عن النظام الاشتراكي السابق، فقد قضى على الأمية تمامًا، ووفر التعليم الابتدائي لعموم الشعب، ووسع نطاق الالتحاق بالتعليم الثانوي والجامعي، ووفر خدمات الرعاية الصحية العامة، الأمر الذي أسفر عن قفزة في أمد الحياة المتوقع للفرد. كان لمعدلات النمو المرتفعة في ظل النظام القديم دورًا في هذا. فمتوسط مؤشر التنمية البشرية لدول ما بعد الاشتراكية الثمانية والعشرين في أوروبا الشرقية والوسطى والاتحاد السوفييتي السابق هو ٠٫٨٠٢، بينما متوسط نفس المؤشر لدول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، التي تتفوق عليها كثيرًا في مستويات الإنتاج، هو ٠٫٩٢٣ (وتضم منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية خمس دول من دول ما بعد الاشتراكية هي: جمهورية التشيك والمجر وبولندا وسلوفاكيا وسلوفينيا، لكن هذه الدول لا تقلل رقم متوسط الإنتاج لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إلا بدرجة ضئيلة).

حالة كوبا استثنائية على نحو مذهل، إذ يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها ٤٠٠٠ دولار، مما يجعلها تشغل المرتبة ١٢٣ بين بلدان العالم، لكن مؤشر التنمية البشرية فيها هو ٠٫٨٢٦، مما يجعلها تشغل المرتبة الخمسين عالميًّا، أي إنها ضمن أفضل بلدان العالم من هذه الناحية. هذا يعكس حرصًا على توفير التعليم والرعاية الصحية، وتهيئة الظروف الآدمية بوجه عام، ويعزى هذا إلى القيم الاشتراكية لهذا البلد، ويرتفع مؤشر التنمية البشرية فيها ارتفاعًا ملحوظًا عن بلدان أخرى ترتفع فيها مستويات الدخل ارتفاعًا كبيرًا. ومن المثير أن البلدين اللذين يليان كوبا عالميًّا في قائمة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي — سوريا وإندونيسيا — متراجعان عنها كثيرًا في قائمة مؤشر التنمية البشرية، إذ يحتلان المركزين ١٠٧ و١٠٨ على التوالي (ويبلغ مؤشر التنمية البشرية لكلٍّ منهما ٠٫٧١٦ و٠٫٧١١).

هذا يبين لنا مدى أهمية اتباع استراتيجية للتنمية الاقتصادية، وأهمية نوعية الحياة الناتجة عن الاستثمار في رأس المال الاجتماعي والتعليم والمجال العلمي والمجال الثقافي والمجال الرياضي والرعاية الصحية. ويبرز أيضًا أهمية نوع منظومة القيم التي تحرك بلدًا ما. وقد يبدو هذا أمرًا تافهًا، أو نوعًا من الوعظ لا ينبغي الالتفات إليه، لكن الحقائق تؤكد هذا الافتراض، وهو حقيقة علمية لا بد من الدفاع عنها، لا سيما أن الأكاذيب التافهة من الممكن أن يعتبرها البعض تصريحات هامة. فالأمر يتعدى كون الناس على خطأ حينما ينكرون دور السياسات الاجتماعية المتبعة أثناء التحولات الاقتصادية المالية، الرامية إلى الأخذ بيد الأشخاص المهمشين اجتماعيًّا، وأنها تسفر عن تحقيق مستويات أعلى من التنمية.

الحقيقة أن تثبيت تفاوت توزيع الدخل عند حدود معينة، إلى جانب ما يصاحب هذا من إعادة توزيع للميزانية — من خلال فرض الضرائب التصاعدية على الدخول المرتفعة نسبيًّا، مع ضمان استغلال هذه الضرائب في تمويل الاستثمارات العامة في مجال رأس المال الاجتماعي — يسفر عن مكاسب إيجابية سريعة للمجتمع. وهذا ينطبق على الدول الغنية الاسكندنافية، مثلما ينطبق على الدول الاشتراكية سابقًا، ذات مستويات التنمية المتوسطة. وحتى في الدول الأفقر والأقل نموًّا، يؤدي توزيع الدخل على نحو يحقق العدالة الاجتماعية إلى تعزيز رأس المال الاجتماعي وتقوية شعور الأشخاص بالرضا عن أعمالهم وحياتهم.

تأتي عشرة بلدان من منطقة الصحراء الأفريقية في المراتب العشرة الأخيرة في قائمة مؤشر التنمية البشرية، وهذه البلدان هي: موزمبيق (٠٫٣٩٠)، وبوروندي (٠٫٣٨٤) وإثيوبيا (٠٫٣٧١)، وتشاد (٠٫٣٦٨)، وجمهورية أفريقيا الوسطى (٠٫٣٥٣)، وغينيا بيساو (٠٫٣٤٩)، وبوركينا فاسو (٠٫٣٤٢)، ومالي (٠٫٣٣٨)، وسيراليون (٠٫٣٣٥)، وتأتي النيجر (٠٫٣١١) في أسفل القائمة. هناك، الأوضاع في غاية التدهور من ناحية مستوى المعيشة، ونوعية رأس المال البشري، على نحو يفوق التدهور في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. هذه البلدان أسوأ حالًا بكثير من أفقر بلدان آسيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي. ولا يوجد سوى بلدين فقط من خارج أفريقيا — هاييتي واليمن — من بين المجموعة التي تشمل ٣١ بلدًا هي الأدنى من حيث مؤشر التنمية البشرية، هل تلك هي «الفردوس الأفريقي»؟

عند هذا المستوى المتدني جدًّا، ربما لن تؤدي آلية تغيير توزيع الدخل وحدها إلى ارتفاع فوري في الناتج المحلي الإجمالي — ينطبق هذا على البلدان التي تشغل المراتب المتقدمة أيضًا — لكنها يمكن أن تؤدي إلى تحسن أحوال السكان إلى حد ما. لكنني لن أتخذ دولة كوبا مثلًا على ما أقول مرة أخرى، فأنا لا أريد أن أسبب الضيق بكلامي هذا لأي أحد، ويمكن أن نأخذ ساموا مثلًا، وهي بالمناسبة أنظف بلد في العالم (للعلم؛ السلفادور هي الأقذر على مستوى العالم). ففي ساموا ينخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، إلى حد أنه يصل إلى ٢١٠٠ دولار للفرد، محتلة بذلك المرتبة ١٦٨ على مستوى العالم، ودعونا لا ننسى أننا أشرنا سابقًا إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لا يعد معيارًا لقياس مستوى التنمية الاجتماعية، لأن ساموا رغم ذلك تحقق مستوى أعلى من الرضا الاجتماعي، وتحظى برأس مال بشري جيد؛ إذ يبلغ مؤشر التنمية البشرية فيها ٠٫٧٧٨، محتلة بذلك المرتبة الخامسة والسبعين على مستوى العالم. إن تحسن رأس المال البشري ليس هدفًا من أهداف التنمية فحسب، بل شرط لتحقيقها أيضًا. وإذا استعرضنا حالات بلدان أخرى، فسيتبين لنا أن العكس صحيح أيضًا، إذ تنهار التنمية بانهيار رأس المال البشري في أي بلد. فمثلًا، يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في أنجولا ٤٤٠٠ دولار، وهذا يفوق نصيب الفرد في كوبا بمقدار ١٠٪، ويساوي أكثر من ضعف نصيب الفرد في ساموا. إلا أن مؤشر التنمية البشرية في أنجولا يبلغ ٠٫٤٣٩، وهذا أكثر من نصف الرقم الخاص بكوبا بقليل.

ويعتمد كل هذا على القيم والتفضيلات في كل بلد، وعلى المفهوم السائد للتنمية الاقتصادية فيه، واتجاه التأثيرات الخارجية عليه. ويعتمد كذلك على حالة الحرب أو السلم، كما هي الحال دائمًا. إن أصغر الاستثمارات في مجال رأس المال البشري — الممولة بمنحة من الخارج كليًّا — من شأنها أن تغير أوضاع أي بلد. فعشرة دولارات فقط من شأنها أن توفر ناموسية لأسرة كاملة في موزمبيق، وهذا يعني إنقاذ أفراد هذه الأسرة من العواقب الوخيمة لمرض الملاريا. وعشرة آلاف دولار من شأنها أن تبني مدرسة جديدة لتعليم أطفال قرية بأسرها في بوروندي؛ وهذه تعتبر طفرة تعادل طفرة توفير التعليم المجاني لأطفال قرى أوروبا الوسطى بعد الحرب. وعشرة ملايين دولار من شأنها أن تمول تجديدًا شاملًا للبنية التحتية في غينيا بيساو، وهذا سيؤدي بدوره إلى دفع عجلة الإنتاج وازدهار التجارة والسياحة. وقطعًا ستتحسن نوعية الحياة في أي بلد بانخفاض عدد الوفيات ولو انخفاضًا طفيفًا، وبزيادة نسبة محو الأمية ولو على نطاق عدة عشرات من الأشخاص فقط، وبزيادة عدة آلاف من الوظائف الجديدة، وهو ما سينعكس على مؤشر التنمية البشرية في شكل عدة نقاط تزيد الرقم وترفع ترتيب البلد على السلم الاجتماعي العالمي. إن القيم السائدة في بلد ما إلى جانب سياسته أمران حاسمان؛ فهما يطلقان الدافع الإيجابي للعمل، وهذا بدوره يحدد ما سوف يحققه الناس، وما لن يحققوه.

ويحتوي مؤشر رأس المال البشري على معلومات أكثر بكثير من تلك التي يحتوي عليها الناتج المحلي الإجمالي، لكنه لا يأخذ تفاوت الدخل في الحسبان. هناك علاقات معينة بين توزيع الدخل ومدى توافر التعليم والرعاية الصحية للسكان. ولتكتمل الصورة، ينبغي مقارنة مؤشر التنمية البشرية بمعامل جيني. حينئذ سنرى أنه من الممكن أن يكون هذان المؤشران مرتفعين نسبيًّا في نفس البلد. وهذا يحمل خبرًا سارًّا وخبرًا سيئًا. فالارتفاع الكبير في معامل جيني في جنوب أفريقيا وناميبيا على سبيل المثال يمثل خبرًا سيئًا، لكن الخبر السار يتمثل في أن مؤشر التنمية البشرية مرتفع إلى حد ما لكلا البلدين ويساوي ٠٫٦٥٣ و٠٫٦٢٦ على التوالي. ومن ناحية أخرى، ينخفض معامل جيني في أذربيجان على نحو استثنائي، ويبلغ مؤشر التنمية البشرية ٠٫٧٣٦ فقط، وهو أحد أقل المؤشرات بين بلدان ما بعد الاشتراكية. والأخبار السارة والأخبار السيئة، المتناقضة في تأثيراتها، تأتي من جنوب أفريقيا ومن وسط آسيا.

وكالعادة، تختلف صورة العالم عندما نأخذ مسألة الحدود في الحسبان عنها إذا نظرنا إليه ككل. فالتجربة التي أجريناها من قبل لحساب عامل توزيع الدخل تبين مدى التناقض بين النتائج التي نحصل عليها عند مقارنة بلد بآخر، وتلك التي نحصل عليها عند مقارنة مجموعات من البشر باعتبارهم كيانًا واحدًا. يسري هذا أيضًا على نتائج حساب الناتج المحلي الإجمالي. ويمكن أيضًا حساب مؤشر التنمية البشرية من خلال المعدلات القومية أو من خلال أخذ معدلات مجموعات مختلفة من سكان العالم بصرف النظر عن الحدود الوطنية بين البلدان. حينئذ تكون النتائج مثيرة للغاية.

إذا وضعنا قيمتي مؤشر التنمية البشرية لأعلى خُمس السكان دخلًا في نيكاراجوا وأدنى خُمس السكان دخلًا فيها على القائمة العالمية للبلدان، سنلاحظ أن هناك ٨٧ مرتبة تفصل القيمتين عن بعضهما. وإذا طبقنا نفس التجربة على جمهورية جنوب أفريقيا؛ فلن يقل الفارق بين القيمتين عن ١٠١ مرتبة. ويتساوى مؤشر التنمية البشرية بالنسبة لأعلى خُمس السكان دخلًا في إندونيسيا مع مثيله في جمهورية التشيك (٠٫٨٨٥)، بينما يتساوى مؤشر التنمية البشرية لأدنى السكان دخلًا في إندونيسيا مع مثيله في كمبوديا (٠٫٥٨٣). وسيحتل أعلى خُمس السكان دخلًا في كلٍّ من أمريكا أو فنلندا رأس القائمة العالمية بلا منازع، إذ تقترب قيمتاهما بشدة من الواحد الصحيح، بينما سيحتل أدنى خمس السكان الأمريكيين دخلًا المرتبة الخمسين فقط على القائمة العالمية، متعادلة في ذلك مع كوبا. هذا يعني أن خمس الأمريكيين فقط يعيشون في نفس المستوى الذي يعيش فيه غالبية سكان كوبا، البلد الذي تعرض للمقاطعة والاضطهاد على مدى خمسين عامًا.

دعونا نلقِ نظرة على أعلى خُمس السكان دخلًا في بوليفيا المنكوبة بالفقر، والتي يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها ٣١٠٠ دولار. يتساوى مؤشر التنمية البشرية لهذا الخُمس مع رقم المؤشر لسكان بولندا بأكملهم، حيث يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ١٤٢٠٠ دولار. ويتساوى مؤشر التنمية البشرية لأدنى خُمس السكان دخلًا في بولندا مع مثيله لسكان باكستان بأكملهم، حيث يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها ٢٦٠٠ دولار. وهكذا، إذا حسبنا مؤشر التنمية البشرية بطريقة مقارنة بلد بآخر؛ فيما يخص العشرين بالمائة من سكان بوليفيا الذين يتقاضون أعلى دخل في بلدهم، ونفس المؤشر للعشرين بالمائة من سكان بولندا الذين يتقاضون أقل دخل في بلدهم فستفصل بينهما ٩٧ مرتبة في القائمة العالمية — وفقًا لطريقة مقارنة بلد بآخر — بحيث ستحتل بولندا المرتبة ٣٧، وستحتل باكستان المرتبة ١٣٤.

ولكي نرى العالم من منظور توزيع مؤشر رأس المال البشري، علينا أن نلون الخريطة بطريقة أخرى. وستكون المقارنة أسهل هذه المرة. فكل ما نحتاج إليه هو أصابع من الطباشير بألوان كالتي تميز إشارات المرور في الشوارع: الأخضر للبلدان ذات مؤشر التنمية البشرية المرتفع: ٠٫٨ أو أكثر (البلدان المتقدمة)، والأصفر للبلدان المتوسطة التي تتراوح مؤشراتها بين ٠٫٥٠١ و٠٫٧٩٩ (البلدان النامية)، والأحمر للبلدان ذات أدنى مؤشر تنمية بشرية، ويتراوح بين ٠٫٥ أو أقل (البلدان الأقل نموًّا). لن تبدو الخريطة مرقعة. فأوروبا وأمريكا الشمالية واليابان وأستراليا والأوقيانوس ستكون باللون الأخضر، وكذلك الأرجنتين وتشيلي (اللتان تتساويان مع بولندا في المركز ٣٧ على القائمة العالمية بنسبة تبلغ ٠٫٨٦٢) والمخروط الجنوبي لأمريكا اللاتينية ودولة الإمارات الواقعة في زاوية شبه الجزيرة العربية، وكوريا الجنوبية وماليزيا في آسيا. أما كل ما تبقى من آسيا وأمريكا الجنوبية فباللون الأصفر، وكذلك الدول العربية الواقعة في شمال أفريقيا، وجنوب أفريقيا وناميبيا في الجزء الجنوبي من القارة. بقية بلدان أفريقيا ستكون باللون الأحمر. يبلغ متوسط مؤشر التنمية البشرية للبلدان الملونة باللون الأخضر ٠٫٩٢٣، و٠٫٧١٠ للبلدان باللون الأصفر، و٠٫٤٢٧ للبلدان باللون الأحمر.

أي العالمين أفضل؟ أهو العالم ذو الناتج المحلي الإجمالي المنخفض إلى حد ما ومؤشر التنمية البشرية المرتفع إلى حد ما، أم العالم الذي يحقق فقط الحد الأقصى لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي؟ بالطبع يجب أن نأخذ في الحسبان أن ثلث مؤشر التنمية البشرية يدل على الناتج المحلي الإجمالي، لكنه الثلث فقط. هذه أبسط إجابة عن السؤال السابق. وربما أفضل شيء يمكن أن نفعله هو أن نسأل الناس: أي العالمين يفضلون؟ وحتى لو كنا نعلم إجاباتهم مسبقًا، يجب أن نتوخى الحرص بألا نستنبط النتائج من تلقاء أنفسنا دون سؤالهم. فنحن نعلم أن الناس قد يجيبون على نفس السؤال بإجابات متباينة، اعتمادًا على ما إذا كانوا يقيمون الأمر من ناحية القيمة المادية، أم من الناحية الاستراتيجية، فمثلًا، إذا سألنا مواطنًا من إندونيسيا — بصرف النظر عن وضعه الثقافي — هل يود الهجرة إلى كوبا، حيث يرتفع مؤشر التنمية البشرية عن إندونيسيا ويتساوى نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها مع إندونيسيا؛ فيمكن أن نتوقع أنه ربما يعتبر هذا السؤال مسألة تتعلق بالقيمة المادية، وأن يقول: نعم. لكن إذا قلنا له: حسنًا هيا نذهب إلى هناك، فلن نتفاجأ على الإطلاق إذا كانت إجابته: «فلتذهب أنت، أنا باق هنا.» وهناك عدة أسباب وراء ذلك، أحدها أن المنظور الشامل لمؤشر التنمية البشرية يعجز عن أخذ عدة اعتبارات هامة في الحسبان.

•••

يوجد تفسير مرن — أو يمكن أن نصفه بأنه مطاط — قد يؤكد أن مؤشر التنمية البشرية يحتوي ضمنيًّا على معلومات حول مستوى الديمقراطية. فبعض علماء الاجتماع وعلماء السياسة، إلى جانب عدد لا بأس به من علماء الاقتصاد يشعرون بوجود تناسب طردي بين مستوى التنمية ودرجة الديمقراطية. بعبارة أخرى؛ يمكننا أن نتوقع أن نرى ديمقراطية أكثر تطورًا في البلدان التي يرتفع فيها نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، والعكس صحيح. وإذا طرحنا افتراضات إضافية للتبسيط، فسنجد أن هذا هو الحال بوجه عام على مستوى العالم، خصوصًا على المدى الطويل. لكن في العالم الواقعي، هناك أيضًا بلدان ترتفع فيها مستويات الدخل نسبيًّا، بينما تنخفض مستويات الديمقراطية (مثل بيلاروسيا وإيران)، وهناك أيضًا البلدان ذات الاقتصادات الأقل نموًّا التي يرتفع فيها سقف الديمقراطية نسبيًّا (مثل بنين وسورينام).

سيكون من الجيد أن تدخل الديمقراطية ضمن معادلة حساب مؤشر التنمية البشرية، لكن هذا غير وارد. وقد أثَرتُ هذا الأمر في إحدى المرات في حديث لي مع أمارتيا سن، عالم الاقتصاد الهندي الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد عام ١٩٩٨. كان سن ينتقد قلة المعلومات التي تقدمها مقاييس التنمية، وعيوب معامل جيني، واقترح مقاربة أشمل. لقد ساهم في وضع مؤشر التنمية البشرية — الذي لم يطبق استخدامه إلا منذ عام ١٩٩٠ — وهو يستحق بجدارة أن يحمل هذا المؤشر اسمه، على الرغم من أن هذا لم يحدث حتى الآن. كان جيني أوفر حظًّا منه. ويعلق سن أهمية قصوى على دور الديمقراطية في عملية التنمية. ويحمل أحد آخر مؤلفاته عنوان: «التنمية بوصفها حرية».5 مع ذلك يوجد سببان على الأقل يبرران لما هذه الفكرة لن تلق رواجًا:

من ناحية، هذه مسألة أكثر تعقيدًا بكثير من مجرد تأثير التعليم أو أمد الحياة المتوقع على الإنتاج. كيف يمكن أن نعتبر أن الصحافة الحرة أو القضاء المستقل عاملان يؤثران على وفرة المحاصيل أو السلع الصناعية مثلًا؟ ومن ناحية أخرى، يعتبر مؤشر التنمية البشرية معلومات شبه رسمية، ومنظمة دولية كبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي يجمع هذه المعلومات. ومن ثم، سيكون من الخطأ سياسيًّا الإعلان رسميًّا عن تصنيف البلدان على أساس تمتعها بديمقراطية من عدمه. لكن المنظمات غير الحكومية تفعل ذلك بنشاط، على الرغم من وجود أسباب تدفع إلى التشكيك في نزاهة وشفافية التصنيف الذي تقدمه هذه المنظمات. فعدد كبير من هذه التصنيفات يستند إلى تقديرات تصدر عن مؤسسة التراث البحثية ومؤسسة فريدوم هاوس، الموجودتين في الولايات المتحدة وتمولهما الحكومة الأمريكية، وكذلك الحال فيما يخص بعض المنظمات غير الحكومية الأخرى.

تصدر مؤسسة فريدوم هاوس كل عام قائمة طويلة بالبلدان التي جرى تقييم درجة الحرية والديمقراطية فيها. وتستعين المؤسسة بمجموعات من المراقبين والخبراء لرصد الساحة السياسية في كل بلد، ومراقبة الهيئات التمثيلية فيها، ومدى حرية التعبير ونزاهة الانتخابات، وشفافية وسائل الإعلام ودرجة استقلال القضاء. وتثير نتائج هذا التصنيف قدرًا كبيرًا من الانتقادات، لأنها تقوم إلى حد كبير على التقييم الذاتي من قبل المشاركين فيها، وعلى تعميمات الخبراء القائمين على المراقبة، الذين قد يكون لديهم قدر من الانحياز ناجم عن ميول سياسية خاصة بهم. ويجري تصنيف البلدان وفقًا لمقياس يتدرج من ١ إلى ٧. فالبلدان التي يتراوح تصنيفها ما بين ١ و٢٫٥ بلدان حرة؛ ومن ٣ إلى ٥٫٥ حرة جزئيًّا، ومن ٦ إلى ٧ بلدان غير حرة.

من بين ١٩٣ بلدًا أُدرجت ضمن هذه القائمة، صُنف ٩٠ بلدًا بوصفها بلدانًا حرة.6 هذا ليس سيئًا على الإطلاق، بل أفضل إجمالًا مما كان عليه الحال منذ ربع قرن. وحصل ٦١ بلدًا على الدرجة النهائية في هذا التصنيف وهي الواحد الصحيح، وحصل ٢٩ بلدًا على درجة ٢٫٥ أو درجة أفضل. تشمل هذه البلدان:
  • جميع بلدان الاتحاد الأوروبي (وأندورا وليختنشتاين وموناكو وسان مارينو، التي تقع داخل الاتحاد الأوروبي) وكرواتيا، وصربيا.

  • جميع أعضاء منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية باستثناء تركيا.

  • مجموعة كبيرة تضم ١٥ دولة جزيرة من منطقة الكاريبي ومن جميع المحيطات الثلاثة (وأكبر عدد منها يقع في المحيط الهادئ)، ويمكن أن يعزى ذلك جزئيًّا إلى وجود مزيج خاص من الظروف الثقافية والطبيعية (فكلها تضم مجتمعات قبلية أو محلية قوية، ذات تقاليد ديمقراطية مباشرة، وتتفق جميعها على حتمية بذل جهود جماعية للتغلب على قوى الطبيعة)، فضلًا عما تتعرض له هذه البلدان من ضغوط سياسية خارجية (تشترط على هذه البلدان إقامة مؤسسات ديمقراطية لقاء الحصول على المساعدات الخارجية).

  • بخلاف المكسيك باعتبارها عضوًا في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، دولًا من أمريكا الجنوبية والوسطى مثل: الأرجنتين وبليز والبرازيل وشيلي وغويانا وكوستاريكا وبنما والسلفادور وسورينام وأورجواي.

  • من أفريقيا: بنين وبتسوانا وغانا وليسوتو ومالي وناميبيا وجنوب أفريقيا والسنغال.

  • من آسيا، باستثناء اليابان وكوريا الجنوبية العضوين في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، هناك الهند وإندونيسيا وإسرائيل، ومنغوليا، وتايوان (التي حظيت بصفة «الدولة» في هذا التصنيف).

تشمل المجموعة الثانية (البلدان الحرة جزئيًّا) ٥٨ بلدًا تتنوع من سنغافورة الغنية إلى هايتي الفقيرة. وتنتهي القائمة ﺑ ٤٥ بلدًا، ترى فريدوم هاوس أنها ليست بلدانًا حرة (لا تتمتع بالديمقراطية). وكانت أسوأ المراتب في هذه القائمة، وهي البلدان التي حصلت على درجة ٧، من نصيب: المملكة العربية السعودية، وبورما، وكوبا، وليبيا، وكوريا الشمالية، والسودان، وسوريا، وتركمانستان. وقد أدرجت فريدوم هاوس بلدانًا كالصين وروسيا ضمن هذه المجموعة.

يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في المملكة العربية السعودية الاستبدادية (٧ درجات) ١٣٦٠٠ دولار وفقًا لتعادل القوة الشرائية. ويبلغ نصيب الفرد في توفالو التي تتمتع بديمقراطية كاملة (درجة واحدة) ١٦٠٠ دولار فقط. وهناك ما لا يقل عن ١٢ بلدًا يوصف بأنه ديمقراطي، مع أن هذه البلدان من أفقر المجتمعات على وجه الأرض، ويقل نصيب الفرد فيها عن ٤٠٠٠ دولار. ومن بين هذه البلدان الديمقراطية عشرة من دول الجزر الصغيرة. وهذا أمر يثير الدهشة من ناحيتين، من حيث نجاح هذه البلدان الفقيرة في الحفاظ على الديمقراطية بالرغم من هذا البؤس، ومن حيث الانخفاض الحاد في مستوى التنمية على الرغم من ارتفاع سقف الديمقراطية. ولكي نحظى برؤية أوضح تجعلنا ندرك السبب وراء هذه الإشكالية، يجب أن ننظر بمزيد من التفصيل في آليات التغذية الرجعية في مجال العمل في هذه البلدان، لأن هذا الأمر لا يخضع فقط للعلاقة البسيطة بين المسبب والنتيجة. ويجب أيضًا أن نضع المسألة برمتها في السياق الصحيح المتعلق بالظروف الأخرى التي تساعد في تحديد النتيجة.

أكثر الحقائق أهمية هي أن حال العالم يتحسن بمرور السنين، وهذا ينطبق بالتأكيد على صعيدي الحرية السياسية والديمقراطية. وعلى الرغم من كل أوجه القصور، رصدت فريدوم هاوس هذا التحسن. ففي عام ١٩٩٥ صنفت ٧٦ بلدًا بوصفها حرة؛ وبحلول عام ٢٠٠٠، زاد هذا الرقم بمقدار عشرة بلدان. ثم بحلول عام ٢٠٠٥ زاد الرقم ١٣ بلدًا آخر، ثم أضيفت أربعة بلدان أخرى في عام ٢٠٠٧، ليصل المجموع الآن إلى ٩٣ بلدًا. ويقترب هذا الرقم من نصف عدد بلاد العالم، لكن هذه البلدان لا يسكنها سوى ربع سكان العالم فقط. ولا يزال الطريق أمامنا طويلًا.

وهنا تطرح بعض الملاحظات العامة نفسها. إن الديمقراطية تشبه الصحة؛ فهي، كما يقول المثل: لا نشعر بأهميتها إلا إذا فقدناها. في المجتمعات الغنية، الديمقراطية أمر واضح وبديهي للغاية، حتى إنها تعتبر كما لو كانت هبة من هبات الطبيعة، لا جائزة لم يتسن الوصول إليها إلا عبر صراع تاريخي طويل. وعندما نحظى بنصيب وافر من الديمقراطية، نتعجب من أن بلدانًا أخرى لا تحظ إلا بالقليل منها. لكن هذه البلدان الأخرى لا تشعر بنفس هذا القدر من التعجب، لأنهم ببساطة لا فكرة لديهم عما يفتقدونه.

في البلدان الغنية، توارثت الأجيال الديمقراطية جيلًا بعد جيل؛ لذا لا يتوقف الناس هناك للتفكير في مدى أهمية الديمقراطية إلا حين تتعرض للتقييد، مثلما يحدث في بعض البلدان، بحجة مكافحة الإرهاب على سبيل المثال. وفي البلدان التي ظفرت بالديمقراطية مؤخرًا؛ يُنظر إلى الديمقراطية على أنها شيء عادي، ويتساءل الناس متعجبين: لماذا استغرق الأمر كل هذا الوقت ليحصلوا على الديمقراطية؟ أما في البلدان التي لا تحظى بأي ديمقراطية، فلا يمضي الناس وقتًا طويلًا في التفكير بشأنها، على اعتبار أنها تقع ضمن نطاق المسائل التي قد تشغل بال النخبة السياسية وصفوة المفكرين. إن الكثير من أبناء بعض البلدان الفقيرة لا يقدرون الديمقراطية حق قدرها، لأنهم لم يعلموا عنها شيئًا أبدًا. فهم لا يدركون أهميتها لأنهم لا يملكونها. وهذا سبب لتوخي الحذر عند تصدير الديمقراطية، مثلما كان يجدر توخي الحذر من قبل عند تصدير الثورة. فقد لا تنجح.

يجب أن تكون عملية التحول إلى الديمقراطية تدريجية، تسري من القاع إلى القمة، لا تفرض فرضًا سريعًا من أعلى. فالديمقراطية في البلدان الفقيرة لا تعتمد على توزيع القمصان المجانية مقابل التصويت بطريقة صحيحة في انتخابات تخضع لرقابة وفود من البلدان الغنية؛ فهذه التوليفة أثبتت عدم فعاليتها. أهم شيء هو الحرص على التوافق بين عمليتي نشر الديمقراطية السياسية والتحرر الاقتصادي، وهذا يتحقق من خلال أساليب عملية براجماتية، لا من خلال أساليب جامدة. لا بد أن تتواءم هاتان العمليتان الضروريتان للجزء الأفقر «الناشئ» من العالم المعاصر. فإذا لم تسفرا عن تحقيق النمو الاقتصادي، فسيفقد الناس شهيتهم للحرية الحماسية التي تمثلها الديمقراطية. الحرية اختيار، ويجب أن يمتد هذا الاختيار إلى ما هو أبعد من مجرد اختيار أسماء المرشحين في ورقة الاقتراع.

ثمة مصدر آخر يتردد ذكره بكثرة وهو مؤسسة التراث، التي تقع في واشنطن؛ وأين عساها أن تقع إلا في واشنطن؟ ومثل فريدوم هاوس، تتسم مؤسسة التراث بميولها الليبرالية الجديدة. وفي الحقيقة، بخلاف المصالح الخاصة، لا يوجد شيء أشد تقليلًا لموضوعية جهة ما مثل الأيديولوجية. فمؤسسة التراث تتعمد الترويج للمشاريع التجارية الحرة، والحد من دور الحكومة، والحرية الشخصية، وما يطلق عليها اسم القيم الأمريكية التقليدية.

والمشكلة في هذا أن العديد من البلدان لديها قيمها التقليدية الخاصة بها، التي قد تختلف عن القيم الأمريكية، وهي تختلف عنها فعلًا في كثير من الأحيان. فالقيم في الصين والهند تتمتع بجذور ثقافية أعمق من جذور القيم الأمريكية، وهما أيضًا حريصتان على تصدير قيمهما تلك إلى أنحاء العالم. ويمكن ملاحظة هذا من انتشار المطاعم الصينية والمتاجر الهندية في أماكن شتى من العالم. وليس لدى روسيا أي عقد في هذا الشأن لأنها تملك حسًّا بعمق جذور قيمها التقليدية الموروثة. والقليل فقط من القيم الروسية هو ما يصلح للتصدير، لكن — رغبة في التوازن — لا تميل روسيا نفسها كثيرًا إلى استيراد أي قيم من الخارج. والتقاليد القديمة الممتدة قرونًا لدى الشعوب التي تعيش في جبال الإنديز تختلف عن التقاليد الأحدث لبوتقة الانصهار الأمريكية للشعوب التي تعيش في جبال روكي. وحتى على سهول باتاجونيا، تختلف القيم التقليدية عن القيم الموجودة في السهول التي كانت تعرف من قبل بالبراري الغربية لأمريكا الشمالية.

تستخدم مؤسسة التراث في تصنيفها لما تطلق عليه الحريات الاقتصادية عشرة معايير. وتختص تلك المعايير بالضوابط التي لا غنى عنها لتحسين الأداء الاقتصادي وتعزيز تنافسيته، التي تؤثر بقوة على النمو الاقتصادي. هذه «الحريات» العشر تتعلق بما يلي:
  • (١)

    حقوق الملكية.

  • (٢)

    حرية ممارسة الأعمال.

  • (٣)

    حرية التجارة.

  • (٤)

    الحرية المالية.

  • (٥)

    حجم دور الدولة في الاقتصاد.

  • (٦)

    الحرية النقدية.

  • (٧)

    حرية الاستثمار.

  • (٨)

    حرية التمويل.

  • (٩)

    التحرر من الفساد.

  • (١٠)

    حرية العمالة.

تمنح النقاط من ١ إلى ١٠٠ لكل معيار من المعايير السابقة، ثم تُجمع النقاط لنحصل على إجمالي رقم «مؤشر الحرية الاقتصادية». ومع كل عيوب هذا المؤشر، فإنه يوفر معلومات قيمة. فماذا يبين هذا المؤشر؟

في المقام الأول، يبين أن البلدان ذات أكبر قدر من الحرية الاقتصادية هي أيضًا أغنى البلدان. فجميع البلدان العشرة التي تأتي على رأس لائحة مؤسسة التراث ضمن العشرين بلدًا التي يحصل المواطن فيها على أعلى نصيب من الناتج المحلي الإجمالي (باستثناء عدة دويلات وأقاليم). وترتيب هذه البلدان والدرجات الممنوحة لها في مسابقة ملكة جمال الاقتصاد كما يلي: هونج كونج (٨٩٫٣)، سنغافورة (٨٥٫٧)، أستراليا (٨٥٫٧)، الولايات المتحدة (٨٢٫٠)، نيوزيلندا (٨١٫٦)، المملكة المتحدة (٨١٫٦)، أيرلندا (٨١٫٣)، لوكسمبورج (٧٩٫٣) سويسرا (٧٩٫١)، كندا (٧٨٫٧). في هذا الترتيب، حازت سنغافورة أعلى النقاط فيما يتعلق بحرية لوائح العمل (٩٩٫٣)، وأدنى النقاط فيما يتعلق بلوائح القطاع المالي (٥٠٫٠). ومن المثير للاهتمام أن روح الأخوة العالية التي تربط مؤسسة فريدوم هاوس بمؤسسة التراث جعلت الأولى تمنح سنغافورة درجة متوسطة (٤٫٥) فيما يتعلق بالحرية الديمقراطية (أو غيابها)، محيلة بذلك هذا البلد إلى موضع قريب من الموضع الذي تحتله كلٌّ من نيبال وأوغندا في القائمة العالمية.

ثانيًا: عندما نتناول مسألة الحرية الاقتصادية وطريقة اختلاف الاقتصادات الوطنية في هذا الصدد؛ علينا أن نظل نذكر أنفسنا بأن نتائج مؤسسة التراث تمثل متوسط عشرة معايير مختلفة. والنتائج المتطابقة لبلدين لا تعني أنهما متماثلان في كل الظروف؛ إذ يتطابق رقم كلٍّ من بريطانيا ونيوزيلندا — أحد بلدان الكومنولث — ويبلغ كلاهما ٨١٫٦، لكن الاختلافات الداخلية بينهما تشمل معايير مثل: التحرر من الفساد (٩٦ و٧٦ نقطة على التوالي)، وحرية الاستثمار (٩٠ و٧٠ نقطة).

ثالثًا: تأتي البلدان التي تفرض قيودًا سياسية أو بيروقراطية على حرية ممارسة الأعمال في ذيل اللائحة. هذه البلدان العشرة القابعة في الحضيض هي: غينيا بيساو (٤٥٫٧)، أنجولا (٤٣٫٥)، وإيران (٤٣٫١)، وجمهورية الكونغو الديمقراطية (٤٣) — على الرغم من اسمها — وتركمانستان (٤٢٫٥)، وبورما (٤٠٫١)، وزيمبابوي (٣٥٫٨)، وليبيا (٣٤٫٥)، وكوبا (٢٩٫٧)، وكوريا الشمالية (٣٫٠)، التي دائمًا تشغل فئة قائمة بذاتها في مثل هذه التصنيفات. ومن الجدير بالذكر أيضًا أن البلدان العشرة التي تسبق هذه البلدان مباشرة في اللائحة السابقة تشمل ثلاثة بلدان أخرى من بلدان ما بعد الاشتراكية، هي: بيلاروسيا، ولاوس وفيتنام.7

رابعًا: البلدان التي تتميز بمستوى متوسط من النشاط الاقتصادي — ويتراوح نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها من ١٠٠٠٠ دولار إلى ٢٠٠٠٠ دولار — في مواقع تتوسط هذا التصنيف، على الرغم من أن المراتب التي تشغلها فيما يتعلق بالحرية متباعدة تباعدًا شاسعًا، يفوق تباعد قيم إجمالي إنتاجها.

في بعض الحالات، يصعب تجنب الانطباع بأن تقييم بلدان بعينها مغلوط وغير صحيح. هذا ناتج عن عدة أسباب، مع أنه من النادر أن ينجم الخطأ عن اعتبارات شكلية بحتة، إلا إذا افترضنا أن الأخطاء العادية الناجمة عن الإهمال في اتباع الخطوات الصحيحة للحساب يمكن أن يفسر بعض التقييمات.

إذا نظرنا إلى ترتيب يشمل ١٥٧ بلدًا من بلدان العالم، كيف لنا أن نفسر ظهور إيطاليا في المرتبة السابعة والستين بنقاط تبلغ ٦٣٫٤ تجعلها تقع بين أوغندا ونيكاراجوا، وتتراجع عن سلطنة عمان (٦٣٫٩) وبليز (٦٣٫٧) والكويت (٦٣٫٧)؟ ربما يكره البعض الإيطاليين، لكن إلى هذا الحد؟ وهل يمكن أن تتساوى الحرية الاقتصادية في فرنسا معها في جامايكا، لأنهما فقط حصلتا على نفس الدرجة (٦٦٫١)؟ ولماذا تقع بولندا (٥٨٫٨) في المرتبة الرابعة والتسعين، خلف السنغال والمملكة العربية السعودية مباشرة، وقبل باكستان والرأس الأخضر مباشرة؟ وما مدى مصداقية وضع الصين وروسيا، اللتين تتساوى درجتهما (٥٤) في المرتبتين ١٢٦ و١٢٧، خلف ليسوتو وقبل اليمن؟ ولماذا تأتي أوكرانيا (٥٣٫٥) مباشرة قبل النيجر (٥٣٫٥)؟ وفيتنام، البلد الذي أظهر نموًّا اقتصاديًّا سريعًا خلال الثلاثين سنة الأخيرة، حصلت على ٥٠ نقطة، متساوية بذلك تقريبًا مع جمهورية أفريقيا الوسطى (٥٠٫٣) التي تعاني ركودًا اقتصاديًّا واضحًا. ثم هناك إيران التي تقع قبل نهاية القائمة بثماني مراتب؛ إنه بلد آخر لا يحبه البعض.

يجدر أن نتحلى بالتوازن والجدية. ويجب أن نتناول كل التصنيفات التي يجريها كل هذا العدد الوافر من المنظمات والجمعيات والمنتديات — بما فيها منتدى دافوس الاقتصادي العالمي — بالقدر اللازم من التحقق والتشكك، حتى إذا نبعت هذه التصنيفات من حسن النوايا الأيديولوجية والسياسية. ومن الجدير أن ندرك ما يكمن وراء نتائج هذه التصنيفات إضافة إلى الرغبة الأكيدة في اكتشاف الحقيقة. وما هي المبادئ والقيم والمصالح التي دفعت شخصًا ما للتكليف بإجراء التقييم، ودفعت شخصًا آخر إلى الاضطلاع بإجرائه؟ إن إعلان النتائج وجعلها ذائعة ليس بالإنجاز العظيم، لأن هذا أمر تتهافت عليه وسائل الإعلام، فهي أخبار من النوع الذي تحب أن تغطيه.

من ناحية، لا يمكن تجاهل مثل هذه التصنيفات؛ بل يجب إخضاعها للتحليل النقدي؛ فهي تساهم في تكوين الرأي العام، وتؤثر على توقعات الكيانات الاقتصادية، وتدفع الساسة والبيروقراطيين العصبيين إلى تحفيز العمليات الاقتصادية الحقيقية. ومن ناحية أخرى، من الضروري ألا نفزع من هذه القوائم ومن تغطية وسائل الإعلام لها. لكن جماعات المصالح تستغل هذه التصنيفات لتمارس الاستغلال السياسي وتشكل الرأي العام. ومن ثم، ليس من المستغرب أن تستخدم جماعات الضغط تصنيفات البلدان فيما يتعلق بالديمقراطية في تنفيذ أجندات لا تكون بالضرورة ديمقراطية.

ما هي الاستنتاجات العامة؟ في الوقت الراهن، هناك ثلاثة استنتاجات، كلها ناتجة عن دراسة متأنية لخرائط متنوعة للعالم، وملونة بألوان ذات دلالة معينة توضح التغيرات الجارية على مستوى الزمان والمكان. ولكم هو مدهش هذا الكم الكبير من خرائط العالم إضافة إلى الخرائط الطبيعية والسياسية والمناخية والجيولوجية التي كنا نراها في المدرسة (هذا على فرض أنه كانت لدينا مدارس نذهب إليها).

الاستنتاج الأول هو أن مستوى التنمية لبلد ما، مقاسًا بنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، يوضح تناسبًا طرديًّا — يعمل من خلال آلية التغذية الرجعية، لا من خلال علاقة النتيجة بالمسبب — بين تطور التحرر الاقتصادي والحرية السياسية. لكن توجد استثناءات.

الاستنتاج الثاني هو أن معدل نمو الإنتاج، والتحسينات — الأكثر وضوحًا — في تنمية رأس المال البشري، لا توضح هذه العلاقة الواضحة. فالموقف مختلف بسبب وجود عوامل أخرى هامة — أحيانًا تكون فائقة الأهمية — تساعد على تحديد مدى التحسن في كلٍّ من الناتج المحلي الإجمالي ومؤشر التنمية البشرية. لكن توجد استثناءات.

الاستنتاج الثالث هو أن الاختلافات والتفاوتات في توزيع الدخل والممتلكات لا تعبر عن مستوى التنمية، بل عن نوع القيم السائدة في بلد ما على مدى زمني طويل، واختيارات السياسة الاجتماعية الاقتصادية التي تُتخذ على أساس هذه القيم، واللوائح الرسمية التي تعمل على تنفيذ هذه الاختيارات. لكن توجد استثناءات.

الاستثناءات تثبت القاعدة.

إليك قاعدة عامة: ينبغي ألا تسمح لنفسك بأن تغريك القوالب النمطية، أو الحقائق المتعارف عليها، أو الحكمة التقليدية. خذ مثلًا على ذلك القول بأنه: لا تنمية اقتصادية من دون ديمقراطية. ليس عليك إلا أن تقارن بين الصين والمكسيك لتتحقق من مدى صحة هذه المقولة. أو الرأي القائل: لا يمكنك نيل الحرية الاقتصادية من دون الحرية السياسية، أو، لا يمكنك نيل الحرية السياسية من دون الحرية الاقتصادية. قارن بين الأرجنتين والمكسيك. أو: لا يمكنك أن تصبح غنيًّا إلا إذا كان لديك موارد طبيعية، لكن طالما لديك هذه الموارد؛ فأنت غني. قارن بين ألمانيا ونيجيريا لتتأكد من مدى صحة هذا. أو: إن زيادة عدالة توزيع الدخل تثبط النمو الاقتصادي، وزيادة التفاوت في توزيع الدخل تشجع النمو الاقتصادي. قارن بين اليابان وكولومبيا في هذا الصدد.

إن الأمور أكثر تعقيدًا بكثير من الآراء الناجمة عن حب الإنسان للراحة. فمن الناحية الفكرية، هذه الآراء تجسد الاستسهال والتبسيط، فهي آراء مضللة، وفي بعض الأحيان تكون متحيزة، أو ناجمة عن سوء تفسير للحقائق، أو عن محاولة إقحام الواقع العملي في الإطار النظري الضيق على نحو يخدم مصالح معينة. وهذا شيء ضار. ومن الصعب أن تحدد ما إذا كانت مثل هذه الآراء أكثر شيوعًا في المناظرات الاقتصادية أم في المجادلات حول البيئة، فالتباعد بين آراء الخبراء بشأن هذه المسائل شاسع جدًّا إلى درجة أنه لا يترك للساسة ووسائل الإعلام مساحة كبيرة للتلاعب والمناورة. والأمر أكثر وضوحًا بسبب كثرة عدد الذين يحاولون تضليل الجمهور على نحو متعمد. إن هؤلاء ليسوا على خطأ، بل إنهم يكذبون. والأمثلة على ذلك كثيرة.

خذ — على سبيل المثال — هذا السلوك المدهش لاثنين من المراكز البحثية للفكر الليبرالي الجديد، هما: معهد كاتو ومعهد أمريكان إنتربرايز، بعد صدور كتاب «مناصرو حماية البيئة المتشككون»8 في عام ٢٠٠١، الذي شكك تشكيكًا انحيازيًّا في آراء العلماء بشأن خطورة التلوث، وخطورة استنفاد الموارد الطبيعية؛ وافق هذا التشكيك هوى بعض جماعات المصالح، لا سيما الذين يعملون في قطاعات الطاقة، وما يرتبط بها من مجالات سياسية. وعمل هذان المركزان البحثيان على نشر علماء في حلبة النزاع والجدال، وتكفلت وسائل الإعلام بالباقي. كان بعض من ظهروا في وسائل الإعلام مأجورين، أما البقية فتبعت غريزة القطيع.

لو وُجد علماء حينما كانت الديناصورات تنقرض، وكانت لديهم القدرة على التوصل إلى سبب تلك الكارثة، ولو وُجدت وسائل إعلام في ذلك الزمن البعيد لتغطي هذا الحدث، لكانت الغلبة للانحياز الذي تتخذه وسائل الإعلام في تغطيتها لهذا الحدث، أيا كان نوع ذلك الانحياز، ولظهرت العديد من الاستنتاجات، بحيث لو كان أحدها صحيحًا لما حظي بالفرصة للطفو على السطح والتميز عن البقية الخاطئة. ولو كانت بقيت فرصة ما لإنقاذ الديناصورات، لكانت ضاعت، لا بسبب نقص المعرفة أو هشاشة المنطق العلمي؛ بل بسبب زيادة تأثير السياسة، وتضخم قوة وسائل الإعلام. ما علاقة هذا بالعالم اليوم؟ لا شيء سوى أنه على الرغم من الجدل العلمي الحقيقي الدائر الآن، فإنه توجد مواقف سياسية مناهضة، وسيرك من وسائل الإعلام فيما يتعلق بمسائل البيئة الطبيعية، وهذا كله يحدث بينما تنقرض أنواع المخلوقات بلا رجعة، وبينما يجري تبديد الموارد غير المتجددة.

بالنسبة إلى حالة البيئة الطبيعية، ألَا يستطيع كلٌّ منا أن يرى ما آلت إليه؟ بالكاد؛ وهذا ما يجعل الأمر صعبًا. فالأمور في عالم الاقتصاد — بعد وضع جميع الأشياء في الاعتبار — تتحسن نحو الأفضل؛ أما فيما يتعلق بالمحيط الحيوي، والبيئة والموارد الطبيعية، فتتدهور أشياء كثيرة إلى الأسوأ. وسيكون لهذا التعارض عواقب متزايدة الخطورة على أداء الاقتصاد العالمي ونموه، وعلى موقف الناس تجاه الأشياء.

في عام ٢٠٠٧ أُجري حصر شامل لأعداد الدلافين، وقتها لم يتمكن علماء الحيوان من العثور ولو على دولفين واحد من دلافين المياه العذبة التي تعيش في نهر اليانجتسي. قبل هذا بعشر سنوات، تمكن العلماء من حصر ١٣ دولفينًا في هذا النهر. لقد اختفت تلك الدلافين إلى الأبد.

لكن لا تزال عدة عشرات من الدلافين من أنواع محدودة تعيش في الأراضي الرطبة الخلابة المعروفة باسم سي فان على ضفاف نهر ميكونج في لاوس. يطلق السكان المحليون على هذه الدلافين اسم «باخا». عندما حظيت بمشاهدة مذهلة لهذه الدلافين عن كثب، سألت خبيرًا يعمل في أشهر بنوك العالم هل سبق له رؤية تلك الحيوانات الرائعة. فسألني بدوره هل هذه الدلافين تختلف في أي شيء عن مثيلاتها التي تعيش في مياه البحار. فإن لم تكن تختلف عنها في شيء، فما المشكلة إذن في انقراضها من الأنهار؟ من الواضح أن أول اختفاء لنوع من الثدييات الكبيرة من على كوكبنا خلال عقود لا يعد أمرًا يثير ضيق بعض الناس. في السابق، نحو عام ١٩٥٠، اختفى حيوان الثيلاسين إلى الأبد (يشبه هذا الحيوان نمر تسمانيا، أو الذئب، وهو نوع من الجرابيات ذو صلة وثيقة بفصيلة حيوان الكنغر، ولكنه يشبه الكلاب). ويبلغ عدد سكان العالم اليوم مرتين ونصف قدر عددهم في ذلك الوقت، ونحن لا نزال على قيد الحياة. دعونا لا نغفل عن هذه الأمور.

ومن سوء الحظ أن أولئك الذين يحذرون من أن البيئة الطبيعية آخذة في التدهور بمعدلات مثيرة للقلق لا يدفعهم قلقهم حيال هذا الأمر إلى ما هو أكثر من التحذير. وإذا قارنا عالمنا اليوم بحاله منذ الحقب البعيدة التي عرفناها من خلال التنقيب وما عثرنا عليه من حفريات، فسنرى أن الكائنات الحية من عالمي النباتات والحيوانات تنقرض الآن بسرعة تفوق سرعة انقراضها آنذاك بنحو مائة إلى ألف ضعف. فأنواع النباتات والحيوانات تنقرض نتيجة للاستغلال الجائر لموارد الأرض العضوية وغير العضوية. والعالم الآن يفتقر إلى الكائنات الحية أكثر من أي وقت مضى، على الرغم من زيادة عددنا نحن — الكائنات الحية المفكرة، مع أننا لا نفكر بعقلانية دائمًا — أكثر من أي وقت مضى.

لقد أجريت دراسة مقارنة تحت رعاية الأمم المتحدة لحالة البيئة الطبيعية واستغلالها على نطاق لم يسبق له مثيل، وأقيم برنامج «تقييم النظام البيئي للألفية»،9 وانتهت النتائج إلى أن الخمسين عامًا الأخيرة شهدت أكبر اضطرابات في النظام البيئي على مدى تاريخ الأرض. فقد تغيرت خصائص أكثر من نصف الكتلة الحيوية النباتية للعالم (بنسبة ٢٠٪ إلى ٥٠٪) لتتناسب مع الاستخدام البشري. وتحدث معظم هذه التغييرات السريعة في الغابات الاستوائية وشبه الاستوائية التي تتقلص مساحتها يومًا بعد يوم، فقد تلاشى نحو ٣٥٪ من مساحة غابات المنجروف، لكن من يريد أن يرى واحدة من هذه الغابات ينبغي أن يسارع إلى الأماكن القليلة المتبقية التي لا تزال تنمو فيها، مثل جنوب السنغال أو شبكة مستنقعات إيفرجليدز في ولاية فلوريدا. كما اختفى أيضًا نحو ٢٠٪ من الشعاب المرجانية، وينبغي لمن يريد الغوص لمشاهدة هذه المناطق الخيالية أن يسرع إلى الأماكن القليلة المتبقية؛ حيث لا يزال يمكن العثور عليها، مثل جزر المالديف أو الحاجز المرجاني العظيم.

إن ثُلث أعداد البرمائيات، وخُمس أنواع الثدييات، وثُمن أنواع الطيور معرض لخطر الانقراض. وتشير التقديرات إلى اختفاء نحو ٩٠٪ من الأسماك المفترسة الكبيرة من المحيطات منذ بدء الإنسان عملية الصيد على نطاق صناعي. هذا بالنسبة للفقاريات، لكن توجد أنواع أخرى من الحيوانات يتضاءل عددها أيضًا.

وتتناقص أعداد الحيوانات المفترسة على نحو كارثي، حتى في المناطق التي نظن أن هذه الحيوانات آمنة فيها. فمنذ قرن، كان يعيش مائة ألف نمر في أراضي الهند؛ أما الآن، فلم يتبق منها سوى ١٥٠٠ نمر تقريبًا. وقد قدرت نتائج الإحصاء الذي أجري في عام ٢٠٠٢ أن عدد هذه الحيوانات الرائعة يبلغ ٣٦٤٢ نمرًا. وفقدت كينيا أكثر من ثلث حيواناتها المفترسة خلال العشرين سنة الأخيرة، وكذلك الحال في جنوب أفريقيا. وكل مَن يريد أن يجرب رحلة سفاري إلى المناطق التي لا يزال عدد الحيوانات فيها يفوق عدد السياح، عليه أن يسارع إلى منتزه «إيتوشا» الوطني في ناميبيا، و«نجورونجورو» في جمهورية تنزانيا، لأن أراضي متنزه «ماساي مارا» الكيني ومتنزه «كروجر» الوطني في جنوب أفريقيا تبدو جرداء.

كيف سيكون شعورنا إزاء رؤية آخر نبتة على وجه الأرض؟ وكيف سيكون شعورنا حيال رؤية آخر زوج من الحيوانات في أي بلد؟ سيكون شعورًا رهيبًا، كما لو كنا على وشك أن نفقد جزءًا من أنفسنا.

على ضفاف نهر زامبيزي — على الجانب الزامبي — رأيت آخر زوج تبقى من حيوان وحيد القرن الأسود في هذا البلد، كانا أكثر جمالًا من صور دورر التي كانت تعرض للطلبة في المدارس على مدى عدة قرون. قبل فترة قصيرة، كان يوجد خمسة من هذه الحيوانات، لكن الصيادين قتلوا أحدها، لأن هناك طلبًا كبيرًا في بلدان بعيدة على جرعة من شراب يصنع من قرن هذا الحيوان المهيب ويعتقد أن له قوى سحرية شفائية. ثاني هذه الحيوانات الخمسة جرفته مياه النهر إلى شلالات فيكتوريا ومات غرقًا. أما الثالث، فقد مات لأسباب طبيعية. لو كان مصير العالم يتوقف على هذا الزوج، كما كان الحال مع آدم وحواء؛ لما كنا هنا الآن. ومن حسن الحظ أن هذا لا يحدث، ومن حسن الحظ أن العالم أكبر من هذا الفردوس. تعيش حيوانات وحيد القرن الأسود في بلدان أخرى بالمنطقة، لذا فإن نوعها سيبقى، على الرغم من أنها تتعرض لتهديد خطير.

يقع أرخبيل جالاباجوس على بعد أكثر من عشرة آلاف كيلومتر نحو الغرب، وسط مياه المحيط الهادئ الهادئة عند خط الاستواء بالضبط. هنا يعيش جورج وحيدًا، وهو ذكر سلحفاة يبلغ من العمر نحو ٩٠ عامًا. وقد عثر عليه في جزيرة البنتا في عام ١٩٧١ وسمي بهذا الاسم لأنه الوحيد من نوعه، ومن ثم، الأخير من سلالته. فقد باءت بالفشل جميع الجهود لحمله على مغازلة الإناث التي تنتمي لأصناف ذات صلة وثيقة بسلالته. وعندما يموت جورج، لن يكون لسلالته وجود بعد ذلك. وعندما وصل تشارلز داروين إلى جزر جالاباجوس في عام ١٨٣١، كان في استقباله نحو ربع مليون من السلاحف البحرية من الأنواع الرمادية من سلالة جيوشيلون، التي جرى تصنيفها بعد ذلك إلى ١٥ نوعًا. والآن، لا يتعدى عددها ١٥ ألفًا تنتمي إلى إحدى عشرة سلالة فقط، وسرعان ما سيصبح عدد هذه السلالات عشرًا فقط.

على بعد عدة آلاف من الكيلومترات نحو الجنوب، يقع المكان الأكثر عزلة بين جميع الأماكن المأهولة على وجه الأرض، هذا هو المكان الذي أطلق عليه المستعمرون في وقت لاحق اسم جزيرة الفصح، ويسمى باللغة المحلية رابا نوي. يصور فيلم «رابا نوي»، الذي أنتج عام ١٩٩٤، مشاهد مروعة حدثت منذ عدة مئات من السنين، تصور قطع آخر شجرة كانت تنمو على سطح الجزيرة. هذا هو ما حدث بالفعل، قبل وصول الأوروبيين، لا سيما الهولنديين، الذين لم يصلوا إلى الجزيرة إلا في عام ١٧٢٢. أما الأشجار التي يمكن رؤيتها هناك اليوم — معظمها من نوع الأوكالبتوس (الكينا) — فقد زُرعت حديثًا. وبينما تتجول بين تماثيل «المواي» العجيبة — التي نحتها أبناء حضارة مفقودة من الصخور البركانية — يمكنك أن تطلق العنان للخيال لتتصور هذه الناحية الغامضة من كوكب الأرض؛ التي تشابكت فيها أغصان أشجار النخيل والسراخس؛ هنا دمر السكان بيئتهم الطبيعية بتعريضها لضغوط تفوق ما يمكن أن تتحمله الطبيعة. فتحولت الطبيعة للانتقام السريع، وحرمتهم من الظروف البيولوجية الملائمة للعيش.

وإذا أبحرنا غربًا عبر المحيط الهادئ، وعلى امتداد مياه المحيط الهندي كله تقريبًا، فسنرسو عند جزر موريشيوس. وهنا أيضًا يمكننا أن نهتف: «يا لهدوء صفحة المياه!» وهنا تنمو آخر شجرة من نوعها في العالم، وهذا يعني آخر شجرة منها في الكون؛ هذا حقيقي، وليس فيلمًا من أفلام السينما. في وسط الجزيرة تقع بلدة كوريبيب الصغيرة، التي يحيط بها سور منخفض، تقف نخلة ارتفاعها عشرة أمتار من نوع «هوفورب أمريكوليس». ويكاد هذا النوع من النخيل ينقرض. عمر هذه النخلة ٥٠ عامًا، ولم يتبق في حياتها إلا بضع سنوات. سوف تموت، ولا يمكنها أن تتكاثر؛ بسبب اختلاف وقت تفتح زهور إناثها عن وقت تفتح زهور ذكورها، وقد باءت جميع محاولات تطعيمها واستنساخها بالفشل، وحتى لو أشطأت هذه النخلة ونبتت منها براعم جديدة بدأت في النمو، فسوف تموت هذه البراعم إذا جرى غرسها لتنبت نخلة جديدة. هذا هو الانقراض.

خلفت حضارة الخمير الحمر أحد أروع الآثار في تاريخ البشرية، إن لم يكن الأروع على الإطلاق؛ إنه معبد «أنجكور». وقد ازدهرت هذه الحضارة بين القرنين التاسع والرابع عشر على نطاق لا مثيل له في ذلك الزمان، وأبدعت معابد مبنية بمختلف الأساليب المعمارية، لا تزال أطلالها تثير الانبهار. فقد شيد أبناء هذه الحضارة ما لا يقل عن ٧٤ معبدًا على مساحة ثلاثة آلاف كيلومتر مربع، لا يزال ٤٠ معبدًا منها قائمًا حتى اليوم، بحالات معمارية متباينة. للأسف بعضها خرب، لكن لحسن الحظ، لا يزال البعض الآخر في حالة جيدة، بما في ذلك الصرح الأروع في العالم؛ مجمع معابد أنجكور وات. لم يُبدع أثر بهذه الروعة من قبل؛ سواء أفي العصور القديمة أم في أوروبا قبل الثورة الصناعية، ولا في الصين أو اليابان، أو في بلاد العرب أو حضارة الأزتيك. فهنا على وجه التحديد، منذ ألف سنة، تضافرت الظروف الثقافية والبيئية لتبدع مجدًا بهذه الضخامة. وعاش نصف مليون إنسان ذروة حضارتهم، على أرض خصبة وطبقوا نظام ري بارعًا. لكن عند مرحلة معينة، بات واضحًا أن هذا العدد من الناس أكثر مما يمكن أن تحتمله الأرض. فالزيادة السكانية، والاستغلال الجائر للأراضي الزراعية، وتآكل التربة، وإزالة الغابات تكفلت جميعها بالقضاء على هذه الحضارة. لقد دُمرت البيئة بسبب الضغط الزائد على قوى الطبيعة، وكان قطع الأشجار بمنزلة قطع لجذور الحضارة، التي انهارت في زمن أقل بكثير من الذي كانت قد نشأت فيه. واختفى مجتمع كبير قوامه نصف مليون إنسان. لكن ظل المناخ على هذه الأرض مناسبًا لبقاء الغابة، وها هي تأثيراته تزحف الآن على المعابد، جاعلة إياه يبدو كصرح من العالم الآخر. المعابد هي كل ما تبقى من هذا الشعب، وستبقى كذلك على مدى قرون كاملة، حتى إذا تلاشت ذكراهم وطواها النسيان.

شغلت مدينة تيكال التي لا مثيل لها (مركز حضارة المايا التي كانت موجودة في الأرض التي يطلق عليها اليوم اسم جواتيمالا)، مساحة تفوق مساحة أنجكور بعشرين أو بثلاثين مرة، وازدهرت هذه الحضارة على الجانب الآخر من العالم في نفس الوقت تقريبًا. لكن سقوطها حدث في وقت سابق لسقوط أنجكور، إثر كارثة بيئية أيضًا. لا تزال الأهرامات الجميلة والنصب والتماثيل صامدة، لكن الشعب لم يصمد.

في ثلاث مناطق في العالم، متباعدة تباعدًا جغرافيًّا شاسعًا، ما كان الجغرافيون أنفسهم ليتمكنوا من وضعها في مواقع أفضل مما كانت فيه؛ ظهرت ثلاث حضارات عظيمة، وحدثت ثلاث كوارث كبرى ناجمة عن السبب نفسه: إخلال البشر بتوازن بيئتهم الطبيعية.

لقد تسبب الدمار البيئي في سقوط تلك الحضارات. لكن ماذا عن منطقتنا، التي يعيش فيها سكان أكثر بكثير، وتقل مواردها الطبيعية كثيرًا عن تلك الحضارات؟ هل سنرتكب نفس الأخطاء؟ لا، لكن من الممكن أن نرتكب ما هو أسوأ منها بكثير. فبقدر ما كانت هذه الكوارث مروعة ومثيرة؛ بقدر ما تبقى كوارث محلية محدودة، لا تؤثر إلا على بقاع صغيرة فقط من كوكب الأرض، وعلى نسبة صغيرة من سكانها، لكن الخطر المحدق الآن لا يتمثل في أننا سنخل بالتوازن، فقد ارتكبنا هذا بالفعل، بل الخطر هو أننا سنفقد السيطرة تمامًا على البيئة من حولنا.

تتسع أبعاد هذا التهديد نتيجة لزيادة انبعاث الغازات الضارة، التي تلوث الهواء وتسبب زيادة درجة حرارة الغلاف الجوي. والأسوأ من ذلك، أن هذا يحدث بوتيرة متسارعة. يكفي أن نعلم أن ١١ عامًا من بين أدفأ ١٢ عامًا منذ عام ١٨٥٠ حتى الآن كانت بين عامي ١٩٩٥ و٢٠٠٦. لكننا يمكن أن نلاحظ شيئًا إيجابيًّا وواعدًا، إن لم يكن ذلك الشيء في أمريكا الشمالية، فهو على الأقل في بلدان الاتحاد الأوروبي (وذلك بفضل الجهود التي تبذلها ألمانيا والمملكة المتحدة وهولندا وفنلندا)، فقد بدأت انبعاثات غازات الدفيئة في الانخفاض. انخفضت هذه الانبعاثات بنسبة ٠٫٧٪ في عام ٢٠٠٥ مقارنة بالسنة التي سبقتها، واستمر هذا الانخفاض في السنوات التالية. ويتجه التفكير الآن نحو الحفاظ على استمرار هذا الاتجاه لعقد من الزمن في هذا الجزء من العالم دون جعل الأمور أسوأ في أماكن أخرى. ستكون هذه خطوة إيجابية، على سبيل التغيير.

تكشف دراسة أعدتها الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم أنه بينما كانت هذه الانبعاثات تزداد في المتوسط بمقدار ١٫١٪ سنويًّا خلال فترة التسعينيات، زادت هذه النسبة إلى أكثر من ٣٪ خلال السنوات الخمس الأولى من العقد التالي. ويؤكد التقرير أن هذا الأمر أسوأ تشاؤمًا حتى من أكثر التوقعات السابقة؛ التي توقعها الفريق الحكومي الدولي للأمم المتحدة المعني بتغير المناخ، وقد فازت هذه الهيئة بجائزة نوبل للسلام بالاشتراك مع آل جور في عام ٢٠٠٧. انعقدت هذه الهيئة خصيصًا لإعداد استعراض مستقل ورسمي لحالة المناخ والطريقة التي تتطور بها، بهدف تعزيز مناقشة أقل خضوعًا للسياسة حول هذا الموضوع.

مع ذلك، يمكننا في هذا الموقف أن نرى مثالًا واضحًا على مدى سهولة استغلال البيانات على الفور. فعند نشر هذه النتائج، زعمت بعض الأصوات أن الوضع آخذ في التحسن لأن الانبعاثات كانت تنمو ببطء أقل من نمو الناتج الاقتصادي العالمي، إلا أن الناتج الاقتصادي في الحقيقة كان ينمو في ذلك الوقت بنسبة حقيقية تبلغ في المتوسط نحو ٣٫٨٪ سنويًّا. وهناك أصوات أخرى وصفت الموقف بأنه يتدهور، فعند تعديل نمو الاقتصاد العالمي بحيث يأخذ النمو السكاني في الحسبان، تبين أن النمو السكاني يقل عن النمو الذي يحدث في قدر الانبعاثات كل عام. كان مقدار الزيادة السنوية في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي للعالم في هذه السنوات الخمس أعلى من ٢٪ بقليل. ووفقًا لهذه النسبة، لم يكن العالم يستهلك مزيدًا من الطاقة فحسب، بل كان يزداد تلويثًا. ونظرًا لأن الغالبية العظمى من الناس ليس لديهم أي وسيلة لتحليل هذا النوع من المعلومات، ناهيك عن مقارنتها وتأويلها، كان عليهم أن يعتمدوا على ما يقرءونه ويرونه ويسمعونه، مما سمح للمتلاعبين بالرأي العام بالسيطرة عليهم. عندما يوجد الكثير من المعلومات حول موضوع معين، توجد عدة صور للعالم.

ولا يزال تدمير الطبيعة مستمرًا، وينطبق هذا أيضًا على عالم الكائنات غير الحية، من خلال استخراج المواد الخام وتصنيعها، بما فيها تلك التي تحرق لتوليد الطاقة. والمشكلة الكبرى هنا ليست أن ما يحدث هو نتيجة ثانوية للنشاط الاقتصادي البشري فحسب، بل أيضًا يعوق بدرجة متزايدة تحقيق مزيد من التطوير. إن أولئك العاجزين عن التفكير في فئات مخلوقات الكوكب بأسره، أو الذين لا يشعرون بالقلق إزاء السرعة التي يجري بها استنفاد احتياطياتنا من الموارد، ينبغي ألا تقتصر رؤيتهم على حدود مناطقهم الخاصة فحسب. توجد الآن مشاريع إسكانية حيث كانت توجد مروج خضراء في السابق. وتوجد الآن مياه صرف صحي حيث كان الناس يومًا يمارسون الصيد في السابق. واليوم، لم يعد ينمو أي شيء حيث كان الفطر ينمو في السابق حتى من دون مياه الأمطار، فالحشائش لا تنمو إلا حيث توجد الغابات.

وعلى الرغم من اختلاف الصورة في أوروبا الوسطى عنها في أمريكا الجنوبية، تعكس كلتاهما واقعًا كئيبًا، فبينما يشتكي البعض من أنهم لم يعودوا يتمكنون من قضاء عطلاتهم في المناطق الريفية مثلما كانوا يفعلون في السابق (لأن المناطق الريفية آخذة في التناقص)، لا يجد آخرون مكانًا لزراعة المحاصيل. إن تآكل التربة وإزالة الغابات والتصحر، وتسمم الأنهار والبحيرات لا يشير فقط إلى فقدان أماكن اعتاد الناس قضاء إجازات نهاية الأسبوع أو العطلات فيها يومًا ما، بل يمكن أن تشير أيضًا إلى فقدان أساس الوجود. والكوارث الطبيعية تحدث خسائر أفدح بكثير في الأراضي المنكوبة. ونتيجة لذلك، يعاني الفقراء، لا سيما في البلدان الفقيرة، بالقدر ذاته ودون تمييز كما لو لم يكن لديهم ما يكفي من المشاكل بالفعل. حتى المدن الكبيرة الموجودة في البلدان الغنية يشعر سكانها أيضًا أن نوعية الحياة آخذة في الانخفاض. فالإجهاد والأمراض لا يجعلان الناس يشعرون بأن الحياة أسوأ فحسب، بل إنهما يقللان من قدرتهم على العمل، وهذا له عواقب سيئة على المدى الطويل. فهناك آلية تغذية رجعية قائمة بين العالم الطبيعي ومصائر البشر. يعود النظام البيئي بفوائد تنعكس على الناس، لكن استغلالهم الجائر يضعف هذه الفوائد. والناس الذين يعيشون في المناطق الزراعية يعتمدون في حياتهم على الطبيعة بالذات، لذا ينجم عن تدهور المحيط الحيوي تدهور سريع أيضًا في أحوالهم.

ثمة عناصر مجهولة كثيرة، ومجادلات شتى حول هذا الأمر، على الرغم من بروز اتجاهات بعينها على نحو لا لبس فيه. فلا بد من إعادة رسم الخريطة المناخية لكوكب الأرض. فالحد الأقصى لرقعة جليد الصيف في المنطقة القطبية الشمالية يتقلص بنحو ٧٪ في كل عقد. وقوة الرياح الغربية تزايدت على مدى نصف القرن الأخير. وصارت موجات الجفاف أكثر حدة وأطول استمرارًا على مدى السبعين سنة الأخيرة. وازداد انتشار الفيضانات وما تسببه من أمطار غزيرة. وتزايدت معدلات الرطوبة في شمال أوروبا والأمريكتين، بينما يزداد الجفاف في منطقتي البحر المتوسط وجنوب أفريقيا.

هل هذه بداية النهاية، نهاية التاريخ الحقيقية؟ ليس بعد. وليس فقط لأن الأخبار التي نسمعها ليست نهائية وغير قابلة للتحسن، بل أيضًا لأن البشر يتخذون تدابير هامة لمواجهة هذه التغيرات.

فيما يخص الأخبار الجيدة، يجب دائمًا تقديرها من خلال مقارنتها بالأخبار السيئة، لا سيما إذا كانت هذه الأخبار الجيدة من باب الترضية أو الطمأنة. يختلف تأثير الأخبار الجيدة عن تأثير الأخبار السيئة، فقد يُسر شخص لسماع تفاصيل تبدو تافهة عن اكتشاف عائلة من القنافذ تعيش في الفناء الخلفي لمنزل يقع بإحدى ضواحي وارسو، هذا ليس فقط لأن القنفذ حيوان لطيف، بل لأن هذا الحيوان ذكي بما يكفي لأن يختار العيش في مكان غير ملوث. وفي الجانب الأقصى من الأرض، قد يُسر شخص آخر لعثوره على مخلوق شوكي آخر في الغابات الاستوائية لبوبا في غينيا الجديدة. فقد عثر هنا على نوع من حيوان آكل النمل الشوكي كان العلماء يظنون أنه انقرض.

يمكن أيضًا أن يُسر شخص آخر سرورًا أكبر لدى سماعه أنباء عن الحملة التي توجهت في ربيع عام ٢٠٠٧ لاستكشاف مساحة كيلومتر مربع واحد فقط من الغابة، واكتشفت ستة أنواع من الحيوانات التي كانت غير معروفة من قبل تعيش هناك. وربما لا يشكل نوع من الخفافيش، وجرذ واحد، واثنان من حيوان الزبابة (وهو حيوان ثديي يشبه السنجاب ويسكن الشجر) — على الرغم من أن كل هذه الحيوانات من الثدييات — تعويضًا عن انقراض دولفين نهر اليانجتسي الذي أشرنا إليه من قبل، ولكن العثور على هذه الحيوانات يعد حدثًا هامًّا، كما عثر أيضًا على نوعين جديدين من الضفادع هناك.

ثمة تعليق ضروري هنا: إن التغيرات التي تطرأ على العالم متعددة الاتجاهات، وتختلف في الزمان والمكان. فبينما ينقرض نوع من حيوان الدولفين في الصين، تُكتشف أربع ثدييات صغيرة ونوعان من الضفادع في الكونغو. ومع أن هذه الحيوانات كانت موجودة بالفعل — بالطبع — فإننا لم نكن على علم بذلك. وربما كان العثور على نوع جديد من الجرابيات يشبه الفئران في العام الماضي في غابات بورنيو، يمنح بعض الفرح الذي قد يعوض عن الانقراض النهائي لنوع آخر أكبر من الجرابيات التي تشبه الكلاب في تسمانيا.

قد يكون نطاق الأخبار الجيدة في كثير من الأحيان واسعًا، أو حتى مذهلًا. فمن الأخبار السارة جدًّا وجود ٥ آلاف إلى ١١ ألفًا من النمور المخططة الرائعة تعيش في غابات بورنيو النائية. هذا عدد كبير من النمور، علاوة على وجود ٣ آلاف إلى ٧ آلاف منها أيضًا في جزيرة سومطرة. وكمثال على الأخبار التي تخفف حدة الأخبار الكئيبة بشأن انقراض الدلافين النهرية؛ تواردت أخبار رائعة في خريف عام ٢٠٠٧ بأن البعض رأى لأول مرة منذ عام ١٩٦٤ نمورًا من نوع صيني في إقليم شانسي، بعد ما كان يعتقد أنها انقرضت، فقد كان عددها في أوائل الخمسينيات يقدر بأربعة آلاف نمر.

وقد تظهر أخبار مدهشة إلى درجة تجبرنا على التفكير ثانية هل الموقف بالسوء الذي يصفه الخبراء (لأنهم يرونه كذلك)، أو هل هو حقًّا أقل سوءًا إذا توافر لدينا مزيد من المعلومات. فقد كان من المذهل أن تصدر أخبار عن منظمة كبرى هي جمعية الحفاظ على الحياة البرية تفيد العثور على ١٫٣ مليون حيوان من الظباء والغزلان والفيلة وأنواع أخرى من الحيوانات كبيرة الحجم في مناطق لم يتوقعها أحد. هذه الحيوانات ليست أنواعًا جديدة، بل معروفة منذ القدم، مثل ٨٠٠ ألف ظبي رشيق أبيض الأذنين، متوسط الحجم، هذه ليست «حديقة ديناصورات»، لكنها تحوي أكثر من مجرد الضفادع والجرذان؛ فنحن نتحدث عن أفيال وظباء. في عام ٢٠٠٧ أشار إعلان جمعية الحفاظ على الحياة البرية إلى أن هذا الاكتشاف نتج عن أول مسح جوي يتم إجراؤه منذ ٢٥ عامًا للمنطقة الحدودية لجنوب السودان، التي كانت مغلقة بسبب الحروب المحلية. كانت المنطقة مغلقة أمام الغرباء، لكن ليس أمام القبائل المحلية المتحاربة أو أمام القطعان الحاشدة من الحيوانات، وهذه أهم نقطة في هذا الإعلان. وكما يقول المثل: رب ضارة نافعة، فقد نجت الحيوانات التي تجوب غابات السافانا الشاسعة في سيرنجيتي بفضل الحرب، فقد كان الناس مشغولين بقتل بعضهم بعضًا وتقليص أعداد بعضهم بعضًا عن قتل حيوانات المنطقة وتقليص أعدادها.

في بعض الأحيان الأخرى، يمكن أن تعزى الأخبار السارة إلى حكمة البشر، لا سيما أن سياسات التنمية بدأت تأخذ مسألة التوازن البيئي في الاعتبار. وفي السنوات الأخيرة، منذ انتخاب الرئيس لويز إيناسيو لولا دا سيلفا في عام ٢٠٠٢ رئيسًا للبرازيل، انخفض معدل تدمير الغابات المطيرة في الأمازون بنسبة ٢٥٪. هذا يدل على إمكانية إبطاء الممارسات الضارة بالبيئة على الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة، في البلدان الفقيرة والغنية على حد سواء، ويمكن أيضًا عكس اتجاه هذه الممارسات بحيث تصبح مفيدة للبيئة، من خلال بذل المزيد من الجهد ورفع مستوى التنسيق الدولي للسياسة البيئية. وسيكون مستقبلنا فيما يتعلق بهذا الجانب تحديًا صعبًا وأمرًا مثيرًا. والأمور الصعبة لا تكون مملة أبدًا.

•••

ثمة سمة أساسية ثانية للعالم المعاصر — بالإضافة إلى سمة التمايز متعدد الطبقات — هي ترابط الأحداث والعمليات. يتضح هذا في نواح عديدة، فمن الممكن ملاحظته في حالة البيئة الطبيعية، وتطورها وعلاقة هذين الأمرين بالأشياء التي تحدث على صعيد الاقتصاد، على نحو يماثل آلية التغذية الرجعية. فالطريقة التي تحدث بها الأمور تتعلق بالبيئة، لأن أشياء كثيرة تحدث في الوقت نفسه، سواء أداخل البيئة نفسها أم على النطاق المتعلق بالنشاط الاقتصادي البشري.

وتتضح خاصية الاعتماد المتبادل في الاقتصاد العالمي كثيرًا في مجال التمويل الدولي، بالارتباط مع التجارة وتدفق رأس المال. فالعالم يبتعد بشدة عن الاتجاه الرأسي في هذا الصدد، مما يصعب الحركة. ما وضع (انعدام) التوازن التجاري والمالي إذن، وما الفرص والمخاطر الناجمة عن ذلك؟ في الحقيقة، هناك فرص ومخاطر أيضًا، فبينما تمثل حالة اختلال التوازن الاقتصادي تهديدًا للبعض، تمثل للبعض الآخر وسيلة ممتازة لكسب الكثير من المال، وتقدم فرصًا مستقبلية واعدة. وهذا أحد الأسباب الرئيسية وراء بقاء الاختلال.

أولئك الذين يربحون من اختلال التوازن لهم مصلحة في الإبقاء عليه. وكما هي الحال في كثير من الأحيان، أكثر الرابحين ربحًا؛ هم أنفسهم الذين يخطبون الخطب الرنانة زاعمين ضرورة القضاء على هذا الاختلال. دعونا نحاول تخيل وزير مالية بلد ما مثقل بالديون يحاول بشق النفس أن يقضي على عجز الميزانية في بلاده بسرعة وعلى نحو جذري، حينئذ سيكون تمويل هذا العجز وما يصاحبه من ديون عامة فريسة ممتازة لرأس مال المضاربة، وسيستغل المضاربون أي ذريعة للتخلص من ذلك الوزير — هذه الذرائع موجودة بوفرة يستوي في ذلك البلدان الديمقراطية والاستبدادية — قبل أن يتمكن من حرمانهم من مصدر أعمالهم المربح. فهم يربحون من المتاجرة في الديون.

هذا يظهر صورة غير متناسقة للعالم. فبينما تحقق بعض البلدان فائض حساب جار، تعاني بلدان أخرى من عجوزات. ويجب التأكيد على أن هذا الأمر ينطبق على البلدان الغنية والبلدان الأقل تطورًا اقتصاديًّا على حد سواء. إن أرباح فائض الحساب الجاري هي أحد الفوائد التراكمية التي يحققها أي بلد من التوازن الإيجابي للتجارة الخارجية. ويتشكل هذه الفائض بالأساس من زيادة الدخل الناتج عن الصادرات على النفقات التي تُنفق على الواردات. وفي حالة العجز، يكون الأمر معكوسًا. لكن بخلاف تبادل السلع مع الخارج، ثمة عوامل أخرى مهمة، تشمل مختلف أشكال التحويلات المالية مثل: الفائدة على الودائع والقروض، وحصص الأرباح، وأرباح الأسهم، والتحويلات النقدية، والتحويلات الناتجة عن التجارة الخارجية، ورصيد تحويلات رأس المال.

ويشمل الرصيد المالي الكلي جميع المعاملات المالية، في كلا القطاعين الحكومي والخاص. وتعادل قيمة العجز في الحساب الجاري قيمة الفائض في حساب رأس المال، والعكس صحيح. من الناحية الحسابية، الاثنان لهما نفس القيمة، لكن العلامة تختلف، فيكون الرقم سالبًا أو موجبًا. ويحدد كلاهما ميزان المدفوعات. ففي أحد طرفي المعادلة، لدينا قيمة الصادرات والدخل بالإضافة إلى تدفق رأس المال الأجنبي من الخارج. وفي الطرف الآخر، لدينا قيمة الواردات والمدفوعات الخارجية وتدفق رءوس الأموال إلى الخارج. ويتوازن الجانبان وفقًا للتغيرات في احتياطيات النقد الأجنبي. ومن ناحية أخرى، يكون صافي قيمة الأصول والديون الخارجية، أو ما يسمى صافي وضع الاستثمار الدولي نتيجة لحالة ميزان المدفوعات. وهذا يعني أنه إذا كان لدى بلد ما فائض في الحساب الجاري (عجز في حساب رأس المال)، فهذا البلد إذن مُصدِّر صاف لرأس المال، وأن رأس المال هذا هو مصدر لتمويل بلدان أخرى. وتكون الأمور على العكس من ذلك عندما يكون لدى بلد ما عجز في الحساب الجاري (فائض في حساب رأس المال)، لأنه في هذه الحالة يكون مستوردًا صافيًا لرأس المال، ومن ثم يمول من قبل بلدان أخرى.

ويمكن أن ينمو احتياطي النقد الأجنبي أو يتراجع في أي من الحالتين، نظرًا لأن كلتيهما تعتمد على عوامل أخرى، لا سيما التغيرات في أسعار الصرف والفائدة. وهذا يعتمد بدرجة كبيرة على الوضع في سوق الديون، حيث يجري تداول الأوراق الحكومية (الأوراق المالية الحكومية وسندات الخزانة). فإذا كان البنك المركزي لبلد ما يثبت أسعار الفائدة عند مستوى أعلى نسبيًّا مما هي عليه في بلدان أخرى ذات معدلات تضخم تماثل معدلات التضخم في بلده، فإن سياسة نقدية كهذه من شأنها أن تجتذب رءوس الأموال الأجنبية المضاربة، فثمة أرباح سريعة وسهلة. وعندما يرغب المستثمرون الأجانب في شراء ديون بلد ما، يشترون عملة ذلك البلد أولًا. ونظرًا لأن الطلب على عملتها ينمو، فإن سعرها يرتفع. تصبح العملة أقوى، على الرغم من أن الاقتصاد قد يصبح أضعف. وتطرح الوسائل الخارجية للسداد في السوق، ويشتريها البنك المركزي الآن ويضعها ضمن الاحتياطيات التي يديرها. وهكذا تزداد الأموال أكثر في الخزانة بما يكفي لتمويل النفقات، وتوفر الأوراق دخلًا للمستثمرين الأجانب. وتدفع الخزانة (على حساب دافعي الضرائب) الفائدة للمستثمرين الأجانب. وهكذا، تزداد ديون الحكومة (والجمهور أيضًا)، بينما تزداد احتياطيات البنك المركزي.

ينبغي أن نضيف أن احتياطيات النقد الأجنبي التي يحتفظ بها بلد ما — سواء كان احتفاظه هذا مبررًا أو غير مبرر — مصدر سهل وغني على نحو استثنائي لزيادة دخل البنوك وصناديق الاستثمار في بلدان أخرى، وأنها تستخدم لتمويل حالات العجز في ميزانيات البلدان الغنية. ولا يُحتفظ بهذه الاحتياطيات في شكل نقود سائلة في خزائن البنوك المركزية (باستثناء احتياطي الذهب، الذي يلعب دورًا هامشيًّا في الوقت الحالي)، لكن في شكل سندات منخفضة الفائدة وآمنة جدًّا تصدرها بلدان أخرى (مثلًا، في شكل سندات أمريكية، أو ألمانية، أو يابانية)، أو في شكل ودائع في البنوك الغربية المرموقة.

ولا يعد خارجًا عن المألوف أن يدير ذلك البنك نفسه بيد ودائع احتياطيات بلد ويراكم ما يصل إلى مليار دولار مثلًا، يدفع عليها فائدة تبلغ ٣٪ فائدة سنوية، وباليد الأخرى يشتري سندات هذا البلد نفسه، التي يدفع هذا البلد بدوره عليها فائدة تبلغ ٥٪ سنويًّا. نعم، ما يحدث في هذه الحالة هو أن البنك يستخدم الاحتياطي لشراء سندات. نعم، يحصل على ٢٠ مليون دولار في السنة ربحًا صافيًا من دون أي عناء. نعم، هذا المال هو نفس المال الذي يدفعه مواطنو هذا البلد في شكل ضرائب مفروضة عليهم. وعندما تقترب قيمة كلٍّ من الاحتياطيات والديون من ٥٠ مليار دولار، يقول الممولون إن صافي الدين يساوي صفرًا، لكن أرباح الوسطاء الماليين الأجانب (إضافة إلى العمولات التي يقدمونها لأنصارهم من أبناء البلد) أبعد ما تكون عن الصفر؛ فهم يخرجون من هذا بمليارات الدولارات. أما الضرائب، فسترتفع بنفس القدر هي الأخرى لكن بالعملة المحلية.

لهذه الاعتبارات تحديدًا تتعامل البنوك المركزية مع الأمور التي تتعلق بإدارة احتياطياتها من العملات الأجنبية باعتبارها طقوسًا محاطة بالسرية، مع أن الحكومات تسعى جاهدة لتأمين تدفقات حصيلة الميزانية تاركة الباب مفتوحًا على مصراعيه، تحت نيران انتقادات الجمهور ورقابة البرلمانات المنتخبة ديمقراطيًّا على أداء الحكومة. وعندما يروج الممولون الدوليون وأبواق وسائل الإعلام الموالية لهم لما يسمونه استقلال البنوك المركزية، لا يقل هذا العامل أهمية عن الحجج العقلانية بشأن تجنب الضغوط السياسية لطباعة المزيد من النقود، التي تزيد نسبة التضخم.

ترتكب البنوك المركزية في الوقت الحاضر الكثير من الأخطاء في عملية إدارة احتياطيات النقد الأجنبي الخاضعة لسيطرتها أكثر مما ترتكبه من أخطاء في إدارة مخزون النقود. وهذا يفسر لنا سبب تردد هذا الكم الكبير من الأحاديث حول مسائل ثانوية الأهمية، بما في ذلك التلاعب في أسعار الفائدة بمقدار كسور من المائة. صحيح أن التذبذب في أسعار الفائدة أمر بالغ الأهمية ولا يمكن تجاهله، لكن يجب ألا نبالغ في أهميته. فهذه الثرثرة تطغى على نداءات أخرى أقل ذيوعًا تدعو إلى ترشيد سياسة إدارة احتياطي النقد الأجنبي، بما يخدم المصلحة العامة وينهض بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية. إن الحلول المؤسسية الصحيحة المتعلقة بإدارة احتياطيات النقد الأجنبي ستجعل الإصلاح الاقتصادي الأساسي أمرًا ضروريًّا.

عادة عندما يواجه بلد ما عجزًا تجاريًّا، فهو يواجه أيضًا عجزًا في حسابه الجاري، والعكس صحيح. مع ذلك، لا شيء يمنع أن يواجه بلد ما عجزًا تجاريًّا، لكنه مع ذلك يحقق فائضًا في الحساب الجاري في الوقت نفسه، أو العكس. فقد ظلت بريطانيا سنوات عديدة تستورد أكثر بكثير مما تصدر، ومن ثم كان لديها عجز تجاري، لكنها كانت تعوض هذا العجز من فائض التحويلات الناجمة عن وفرة من العمليات الخارجية، التي تتضمن بالدرجة الأولى الدخل الناتج من المحافظ الاستثمارية (في الأوراق المالية) ومن الاستثمار المباشر (في رأس المال الحقيقي). لكن الوضع عكس ذلك تمامًا في جمهورية التشيك، التي تحقق فائضًا تجاريًّا يبلغ ٢٫٩ مليار دولار، لكنها تواجه عجزًا في الحساب الجاري يبلغ ٥٫٣ مليار دولار، أو ٤٫١٪ من الناتج المحلي الإجمالي.

وهناك بعض البلدان الفقيرة التي تستورد أكثر مما تصدر، لكن مع ذلك يعمل الكثير من مواطنيها بالخارج، بحيث تساعد الأموال التي يرسلونها (تحويلات المهاجرين المالية) في الحفاظ على التوازن العام. هذه هي الحال في مولدوفا، حيث لا تبلغ عائدات التصدير سوى ٤٥٫٧٪ فقط من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تشكل مدفوعات الواردات ٩٣٫٣٪ من الناتج المحلي الإجمالي (٢٠٠٦)، وتبلغ تحويلات العاملين في الخارج مستوى قياسيًّا يشكل ٣٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي. ومع ذلك بلغ عجز الحساب الجاري للبلاد ١٢٪. يجري سد هذه الفجوة عن طريق المنح (التبرعات المباشرة التي تأتي من المساعدات الخارجية)، والاستثمار الأجنبي المباشر، والتمويل الذي يقدمه كلٌّ من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

إذن، عجز الميزان التجاري في حد ذاته ليس بالأمر الجيد ولا السيئ، وهذا ينطبق أيضًا على عجز الحساب الجاري. فالأمر يعتمد على طريقة تغطية العجز، وهناك طرق مختلفة لتغطيته. لكن أن تعتمد في التمويل على رأس مال المضاربة قصير الأجل؛ فهذا أكثر الممارسات مجازفة. وفي كل يوم، يسمع ويقرأ ملايين الأشخاص مبلبلي الذهن عن المستثمرين الذين يسيطرون على رأس مال المضاربة ذلك، وكيف يفترض أنهم يعملون على تحسين الأمور من خلال دعم التوازن والتنمية في اقتصادات بلدانهم. قد تُوجد أوقات يُسدي فيها هؤلاء بعض النفع إلى هذه البلدان فعلًا، لكن توجد أيضًا أوقات أخرى يتسببون فيها في الضرر البالغ.

الاستثمار المباشر من الخارج هو أفضل الطرق لسد حالات العجز. هذه الطريقة تقلل خطورة العجز، ويمكن أن تكون علامة إيجابية، لأنها تشير إلى ثقة المستثمرين الأجانب في اقتصاد البلاد. فهؤلاء المستثمرون لا يثقون في بلد إلا إذا كانت لديهم أسباب مقنعة لذلك، وهذا يعطي آخرين مبررًا ليتوقعوا خيرًا في المستقبل، ويُحسِّن مُناخ الاستثمار. وعادة تتميز القدرة الإنتاجية والخدمية الجديدة الممولة باستثمار مباشر بالتكنولوجيا الفائقة والإدارة الجيدة، وهذا بدوره يسهم في تحقيق النمو الاقتصادي في كثير من الأحيان عن طريق التوسع في الإنتاج بهدف التصدير، الذي ينشط على نحو فعال من خلال الاستثمار الأجنبي تحديدًا. لهذه الأسباب، يجسد العالم المعاصر ملامح منافسة حامية بين البلدان والأقاليم رغبة في استيعاب أكبر جرعة ممكنة من هذا النوع من رأس المال الأجنبي، لأنه يجعل الاستثمار ممكنًا دون ادخار، والجميع يحب ذلك.

هناك فائدة أخرى تتأتى من الاستثمار المباشر هي حقيقة أن آثاره المادية التي تتمثل في مصانع جديدة وشركات إنشاء، وفنادق ومراكز تسوق، لا تستطيع الهروب بهروب المستثمرين. صحيح أن الملاك الأجانب لهذه المشروعات موجودون في مكان ما من العالم، لكن الطاقة الإنتاجية والخدمية للمشاريع التي أقاموها موجودة هنا داخل البلاد، وتعود بفوائد عديدة كخلق فرص عمل وتوفير دخل لميزانية البلد. وحتى إذا قرر المستثمرون سحب رءوس أموالهم، فسيتعين عليهم حينئذ بيع أصول هذه المشاريع المتمثلة في المنشآت والماكينات والبنى التحتية. يمكنهم أن يسحبوا أموالهم خارج البلاد، لكن هذا يسري على أموال المحافظ الاستثمارية فقط، وكل ما يمكنهم أن يسحبوه في هذه الحالة الأموال فحسب. فهم لا يستطيعون سحب مصنع للفولاذ، لأن المصنع أكثر من مجرد أموال. وربما يهرب المستثمرون، لكن الممتلكات الفعلية تظل موجودة بعد هروبهم وتبقى قائمة فترات طويلة، وهذا لا يحدث في حالة رأس المال الذي يُستثمر في المضاربة قصيرة الأجل.

في بعض البلدان، قد تهدد حالات العجز الاستقرار المالي والنمو الاقتصادي. وفي بلدان أخرى، قد تشكل حالات الفائض مبالغ غير معقولة من ناحية العقلانية الاقتصادية. هذا لا ينطبق على النرويج؛ ذلك البلد فاحش الثراء الذي تصل نسبة الفائض فيه إلى ١٤٫٤٪ من الناتج المحلي الإجمالي، والسبب في هذا لا يعزى فقط إلى الثمن الباهظ للنفط الذي تصدره البلاد، بل يعزى إلى الطريقة التي يستغل بها النرويجيون هذا الثمن. فهم يضعون أغلب الفائض التراكمي في صندوق وطني مخصص للأجيال القادمة، لتستفيد منه حال استنفاد مخزون النفط. لكن الحال ليست كذلك في سويسرا، التي تصل نسبة الفائض فيها إلى ١٦٫١٪، والتي يبدو واضحًا عدم درايتها بكيفية استثمار هذه الأموال بحكمة في اقتصادها، كما يتضح من حقيقة أن نصيب الفرد السويسري من الناتج المحلي الإجمالي الذي بلغ ٣٥٠٠٠ دولار وفقًا لتعادل القوة الشرائية في عام ٢٠٠٧ أقل كثيرًا من نصيب الفرد النرويجي الذي بلغ ٤٨٠٠٠ دولار. تحقق هولندا أيضًا نسبة فائض تصل إلى ٧٫٧٪. ولدى سنغافورة فائض هيكلي داخلي عملاق وصل إلى ٢٥٫٦٪ من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تتمكن في الوقت نفسه من إدارة دين عام بلغت نسبته ١٠٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي.

وهناك نسب فائض غير معقولة في كثير من بلدان الشرق الأوسط المصدرة للنفط، لا سيما المملكة العربية السعودية، التي ينبغي أن نأخذ في الحسبان أن فائضها الذي نسبته ٢٥٫٨٪ تحقق بفضل مناخ الأعمال الحالي فيها، أي إنه مستمر طالما استمرت أسعار النفط مرتفعة ومواتية لهذا البلد أحادي الاقتصاد. وعلى الرغم من افتقار هذه البلدان إلى التنمية بوجه عام، فإنها لا تعرف ما يمكن أن تفعله برءوس أموالها الوافرة. ومن ثم فإنها تستثمرها. ففي الآونة الأخيرة، وجد أمير سعودي — كان في السابق سفيرًا لبلاده لدى الولايات المتحدة — صعوبة في العثور على مشتر لمقر إقامته في كولورادو بقيمة ١٣٥ مليون دولار، الذي كان أحد استثماراته السابقة. ما شكل هذا القصر؟ يمكن لأي شخص أن يشاهده في الفيلم الرائع «الأب الروحي» (١٩٧٢) للمخرج فرانسيز فورد كوبولا، بطولة الممثل الراحل مارلون براندو. في زيمبابوي، يبلغ عدد السكان ١٢ مليون نسمة، وهذا هو نفس الرقم الذي تملكه من احتياطيات النقد الأجنبي. وفي المملكة العربية السعودية، يمثل هذا الرقم حصة الناتج المحلي الإجمالي التي تكون من نصيب عشرة آلاف شخص فقط من مواطني المملكة، أو من نصيب كل واحد منهم على مدى عشرة آلاف سنة. مع ذلك، أكثر من ٣٠٪ من عدد الإناث السعوديات البالغات لا يستطعن القراءة والكتابة. كم يا ترى عدد الأطفال الذين يمكن تعليمهم القراءة والكتابة بمبلغ ١٣٥ مليون دولار؛ ثمن القصر الذي يملكه الأمير السعودي؟ لكن بعض البلدان المجاورة للمملكة تدير أموالها بحكمة أكثر، فبلدان مثل قطر والإمارات العربية المتحدة تحاول تنويع هيكل اقتصادها، واستثمار جزء من احتياطياتها في صناديق مماثلة لتلك الصناديق النرويجية، واضعين مصلحة أجيال المستقبل نصب أعينهم.

يبلغ فائض الحساب الجاري لروسيا ٦٫٨٪ من ناتجها المحلي الإجمالي، وهي مثال آخر على البلدان التي تحتفظ باحتياطيات ضخمة دون مبرر. فمن ناحية، تملك هذه البلاد مقومات كثيرة لتحقيق التنمية، وهذا يتطلب استثمارات كبرى في مجالي التكنولوجيا الحديثة ورأس المال الاجتماعي. ومن ناحية أخرى؛ تحتفظ روسيا بقدر ضخم من الاحتياطيات غير المنتجة — دون سبب معقول — يبلغ ٤٠٠ مليار دولار، بعضها تحتفظ به في صندوق موازنة خاص لتلجأ إليه في حال انخفاض أسعار النفط. ولا يمكن أن يكون الحذر وحده مبررًا للاحتفاظ بهذا القدر المفرط من الاحتياطيات. صحيح أن روسيا خصصت نسبة متواضعة إلى حد ما من هذه المبالغ للأغراض التنموية، لكن هذا لم يحدث إلا في السنوات الأخيرة، إبان ولاية الرئيس بوتين الثانية وأثناء فترة رئاسة ميدفيديف. وكان من الحكمة أيضًا أن سددت روسيا جزءًا كبيرًا من ديونها الخارجية، بما في ذلك الكثير من الديون التي لم يحن موعد سدادها بعد.

ومع الأسف، لا جوائز تمنح للتخمين بأن هذه التحركات تثير انتقادات واسعة النطاق من جانب الليبراليين الجدد المحليين والأجانب على حد سواء، الذين أشاروا بالإبقاء على نسب العجز، وأن البلدان يمكن أن تثقل بالديون، وتكدس في الوقت نفسه احتياطيات النقد الأجنبي. فهذا يعود بالفائدة على الأعمال التجارية. تكمن الخدعة الذكية في تجنب التمادي في هذا الاتجاه بحيث لا يصل البلد غير المتوازن إلى حد فقدان توازنه بالكامل وانهياره. كانت روسيا تجارة مربحة حينما كان الرئيس يلتسين في السلطة، حتى انهار السقف تمامًا أثناء الأزمة المالية في صيف عام ١٩٩٨. وكانت روسيا تجارة خاسرة في عهد بوتين، فقد بدأت تحسين سياستها المالية من خلال ضبط الميزانية والتعاون من جانب الحكومة، بمساعدة السياسات النقدية للبنك المركزي.

ويصعب تفسير الوضع في الصين؛ إذ يتجاوز احتياطيها الضخم من النقد التريليون دولار بكثير، ناهيك عن نحو ١٤٠ مليار دولار في هونج كونج، و١١ مليار دولار في ماكاو، و٢٧٠ مليار دولار في تايوان، ينبغي أخذها في الحسبان على المدى الطويل. ولا تزال الصين تحقق فائضًا تجاريًّا، وفائضًا في الحساب الجاري يقرب من ١٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي. وفي كل عام تضاف لاحتياطيها من النقد الأجنبي دفعة هائلة تبلغ ١٫٤ تريليون دولار، وهذا يساوي مجموع الفوائض التي تحققها اليابان وبلدان الاتحاد الأوروبي كلها. في عام ٢٠٠٨ امتلكت الصين ربع احتياطي العالم من النقد، أو ٣٠٪ من الاحتياطي العالمي إذا أضفنا ما تملكه هونج كونج وماكاو وتايوان إلى هذه الحسبة. السؤال هو: لماذا؟ وهل هذا منطقي؟

تلعب الصين في دوري خاص بها وحدها، مستفيدة من التوسع غير المسبوق لاقتصادها ومشكلات الاختلال الاقتصادي في البلدان الأخرى، وتلعب بمستوى عال لإحراز أعلى الجوائز على الإطلاق. فعندما تحين الفرصة المواتية، ستستعين الصين بهذه الاحتياطيات للهيمنة على العالم الاقتصادي، كما أنها تنشئ مرافئ اقتصادية هيكلية قوية في أكثر البلدان ثراء في الوقت الحالي — بدءًا بالولايات المتحدة — بهدف تحقيق مزيد من التوسع. باختصار، يمكن أن نقول إن الصين، التي تستثمر بالفعل كميات هائلة من الأموال في اقتصادها الداخلي، سوف تستثمر جزءًا كبيرًا من فائضها الضخم هذا خارج حدودها. ولن يكون هذا الاستثمار بنفس الطيش الذي يستثمر به أمراء الشرق الأوسط المبذرون أموالهم، وإن كان سيأتي وقت نرى فيه قصورًا فاخرة للأثرياء الصينيين في الولايات المتحدة وأماكن أخرى. علاوة على ذلك، ستصبح العملة الصينية — اليوان — إحدى عملات الاحتياطي النقدي الرئيسية في العالم. ولا أرى أنه من السابق لأوانه البدء في الاستعداد لذلك من الآن. فبعد زمن ليس بالطويل، لن تستثمر الصين احتياطياتها في بلدان أخرى فحسب، بل ستحتفظ بلدان أخرى أيضًا بجزء من احتياطياتها في الصين.

في أغلب الأحوال، لم تتدهور ظروف هذه البلدان كثيرًا، على الرغم من اختلاف الوضع بين بلد وآخر؛ إذ يمكن لعجز بمستوى يتراوح بين ٢ إلى ٣٪ من الناتج المحلي الإجمالي أن يكون كافيًا ليشكل خطرًا على توازن الاقتصاد، وعلى سهولة عملية نمو الاقتصاد الكلي. هذا يتمثل في إيطاليا المثقلة بالديون بنسبة سالب ٢٫٣٪، أو كولومبيا، التي تعاني صراعات داخلية، بنسبة سالب ٣٫٢٪. مع ذلك، يمكن أيضًا أن يظل وضع البلد مستقرًا إلى حد ما بالرغم من وجود عجز في حدود من ٥ إلى ١٠٪، مثلما يتضح في حالة أستراليا، حيث تبلغ النسبة سالب ٥٫٤٪، وحالة إسبانيا حيث تبلغ النسبة سالب ٨٫٨٪. لكن في حالة المجر، يعتبر العجز الذي يبلغ ٥٫٢٪ مرتفعًا جدًّا. وينطبق الشيء نفسه على اليونان حيث تبلغ نسبة العجز ٨٫٤٪، وذلك يعود إلى أن مستوى الدين العام قد وصل إلى ١٠٥٪ من الناتج المحلي الإجمالي، بينما الحد المسموح الذي حددته معايير معاهدة ماستريخت يجب ألا يتجاوز ٦٠٪ بحد أقصى. هنا يصبح الوضع خطيرًا، لا سيما إذا أضيفت إلى هذا الخلل الاقتصادي بعض العوامل السلبية غير المتوقعة، كموجة حرائق الغابات الكارثية التي حدثت في اليونان عام ٢٠٠٧.

إزاء مثل هذه الحالات من الاختلال الاقتصادي البالغ في بعض البلدان الأوروبية، يبرز توازن الوضع الاقتصادي العام في منطقة اليورو على نحو مميز للغاية. فنسبة العجز في الميزانية (محسوبة على أساس مجموع نسب العجز في جميع بلدان الاتحاد) تصل إلى ٠٫٧٪ فقط من مجموع الناتج المحلي الإجمالي، ويبلغ الحد الأدنى من فائض الحساب الجاري ٠٫١٪. ينبغي أن نتذكر هذا عندما نقارن بين الوضعين الاقتصاديين على جانبي المحيط الأطلسي (أوروبا وأمريكا).

إن مراكمة الاحتياطيات على نحو مفرط أمر مكلف للمجتمع والاقتصاد. تحتفظ بولندا مثلًا باحتياطي قدره نحو ٥٥ مليار دولار، هذا أعلى ثلاث مرات من احتياطيات إسبانيا، وهي بلد تماثل بولندا من حيث عدد السكان ومعدل التضخم (نحو ٢٫٥٪). لكن واردات إسبانيا تفوق واردات بولندا بمرتين ونصف (تبلغ واردات إسبانيا ٢٦٥ مليار يورو، بينما تبلغ واردات بولندا ١٠٠ مليار يورو فقط). ووفقًا لقواعد علم الاقتصاد؛ يشكل هذا مبررًا لإسبانيا لمحاولة زيادة احتياطياتها من النقد الأجنبي. لكن احتياطيات بولندا كبيرة إلى حد أنها تساوي مجموع احتياطيات أستراليا وبلجيكا وفنلندا وإسبانيا والبرتغال.

إن تكديس احتياطي النقد الأجنبي هو أقل الطرق فعالية لاستثمار فائض رأس المال في أي بلد. يجدر أن نعرف هذا ونتذكره جيدًا. هذه هي أقل الاستثمارات فعالية فيما يخص مالك الاحتياطيات — أي الدولة والمجتمع — لكنها استثمارات مربحة للغاية للوسطاء الماليين الذين يتاجرون بها. غير أن كل الانتقادات البناءة لهذه السياسة غير العقلانية تجابه فورًا بالحجج المتعلقة بقدسية استقلال البنك المركزي، وبحملة شرسة من رجال السياسة وأنصار الليبرالية الجديدة، إلى جانب وسائل الإعلام التي يستغلها هؤلاء لنشر أفكارهم من خلال التلاعب بالرأي العام. في هذه الحالة، يتحول علم الاقتصاد — لا سيما الفرع الذي يعرف باسم التمويل الدولي — إلى سياسة بحتة.

الاقتصاد الوحيد الذي يمكن وصفه بأنه مغلق بحق هو اقتصاد العالم ككل؛ ولا يتجلى هذا بوضوح في أي حالة أخرى بقدر ما يتجلى بوضوح في حالة التجارة والتمويل الدوليين. ويجب على أي نموذج للنمو العالمي وأي نموذج للاقتصاد العالمي أن يأخذ ذلك في الحسبان. فوجود فائض في بلد ما يعني تلقائيًّا وجود عجز في بلد آخر. وخسارة بلد ما هي إلا أرباح لبلد آخر. وديون بلد ما تشكل رصيدًا لبلد آخر. وإذا وُجد بلد ما لديه الكثير جدًّا، فهذا يشير إلى وجود بلد آخر ليس لديه سوى القليل جدًّا. وهكذا؛ لا يوجد عجز ولا يوجد أي فائض على نطاق العالم ككل، وستظل الأمور كذلك حتى يأتي الوقت الذي نبدأ فيه في تداول القروض بين الكواكب، وهذا ليس من المرجح أن يحدث خلال الجيل الحالي.

صحيح أن «كتاب حقائق العالم» الذي تصدره وكالة المخابرات المركزية الأمريكية10 — ويعد مصدرًا بالغ الأهمية للمعلومات — يفيد بأن العالم مدين بمبلغ ٤٤٫٦ تريليون دولار (هذا الرقم يقرب من قيمة الناتج العالمي البالغ ٤٦٫٨ تريليون دولار وفقًا لسعر الصرف). لكن حتى وكالة المخابرات المركزية تخطئ أحيانًا؛ فالعالم ليس مدينًا بهذا المبلغ، الذي هو ببساطة مجموع الديون القومية لبلدان العالم، وهذا يساوي مجموع أرصدة بلدان العالم كافة. أو — إذا ارتأينا أن نتبع طريقة تفكير وكالة المخابرات المركزية — يمكن أن نقول إن العالم مدين بهذا المبلغ لنفسه. وعلى الرغم من أننا نبدو وكأننا بلغنا نقطة التعادل في مسألة الدين، فإنه توجد مشكلة كبيرة تكمن هنا؛ فبالرغم مما حققه العالم من تكامل، فإنه بعيد عن شكل الأسرة الواحدة الكبيرة السعيدة التي يحتفظ جميع أفرادها بكل أموالهم في نفس الحساب المشترك للأسرة؛ وكم من أسرة أصابها الانقسام بسبب مسائل مثل هذه.

تشكل مديونية العالم الحالية مسألة هامة إذا فكرنا في الأجيال المقبلة. إن الاستهلاك الحالي لجزء من الأصول — الحقيقية والمالية على حد سواء — سوف يثقل كاهل الأجيال المستقبلية. وهذه المشكلة ليست تافهة على الإطلاق، ليس فقط لأشد البلدان فقرًا، بل أيضًا للبلدان الغنية المثقلة بالديون. والمفارقة الكبرى هي أن البلدان الفقيرة هي التي تمول البلدان الغنية بالأرصدة، وفي بعض الأحيان لا تمول البلدان الفقيرة البلدان الغنية بالأرصدة فحسب، بل تدعمها وتعيلها من خلال آليات احتياطي النقد الأجنبي. فبنجلاديش والبرازيل لا تحتفظان باحتياطيات النقد الأجنبي بعملة مصر أو نيجيريا مثلًا؛ لكنهما بدلًا من ذلك تفعلان كالعديد من البلدان الأخرى؛ وتودعان هذه الاحتياطيات في أغنى البلدان في العالم، لأن بنوكها هي الأقوى في العالم، ودعونا نعترف صراحة بأن البنوك في هذه البلدان هي أكثر البنوك موثوقية. علاوة على أن الأوراق المالية لحكوماتها هي الأكثر صلابة واستقرارًا، أليس كذلك؟ بلى، إنها كذلك؛ في الوقت الراهن على الأقل.

بالأساس، ليست هناك بلدان غير مدينة في العالم. جميع البلدان مدينة بمبلغ من المال لبلد ما، ولمجتمعات هذه البلدان نفسها في المقام الأول لأنها تحملت سنوات من الديون وحاولت تغطية حالات العجز في الميزانية من خلال خدمتها. فالبلدان أيضًا تقترض من البنوك المحلية والأجنبية. إن شبكة تدفق رأس المال معقدة للغاية بسبب كل ما تحويه من تيارات متقاطعة من المال والأوراق المالية والديون والأصول والخصوم، والأرصدة والديون. وإذا طرحنا كل هذا على خارطة العالم بهدف التوضيح؛ فهذا من شأنه أن يؤدي إلى تشابك عويص يستعصي على الفهم، ولن تحمل هذه الخارطة إلا القليل من الشبه مع الخرائط الأخرى للعالم.

أَوضح أجزاء هذه الخارطة ستكون النقاط الصغيرة المتناثرة عبر جميع المحيطات. فبخلاف ليختنشتاين، التي ليس لديها ديون على الإطلاق، فإن أقل ٢٠ بلدًا من حيث المديونية كلها بلدان جزر صغيرة للغاية، والسبب في قلة ديونها لا يعزى إلى عدم رغبة هذه البلدان في الاقتراض بقدر ما يعزى إلى عدم رغبة أحد في إقراضها. هذه البلدان صغيرة جدًّا بحيث يكون من المنطقي أكثر أن تمنحها البلدان الأخرى المال، لا أن تقرضها إياه، ثم تقلق بشأن كيفية استرداد ديونها منها. ومنح الإعانات لهذه البلدان لا يكلف كثيرًا من الناحية المادية، لكنه يؤتي ثماره من الناحية السياسية. وأكبر البلدان مديونية في هذه المجموعة هي مالطة، البالغ عدد سكانها ٤٠٢ ألف نسمة، ويبلغ دينها نحو ١٩٠ مليون دولار. أما أصغر البلدان مديونية فهي بالاو، التي تقع في المحيط الهادئ، ويسكنها ٢١ ألف نسمة وتبلغ ديونها صفرًا. هذه ليست سوى نقاط على الخارطة.

ستكون اللطخات المظللة الكبيرة في أماكن أخرى على الخارطة. وإذا كانت الخارطة باللونين الأبيض والأسود، فسيسود اللونان الرمادي الداكن والأسود، وستتلطخ أغنى البلدان بأحلك الألوان. ووفقًا للأرقام المطلقة، الولايات المتحدة هي الزعيم في هذا المجال، إذ تتجاوز ديونها حاجز ١٠ تريليونات دولار، وهذا تقريبًا هو ربع مجموع الديون الوطنية في العالم بأسره. والأربعة بلدان التالية على قائمة البلدان المدينة تنتمي كلها إلى قائمة بلدان مجموعة السبع الغنية: بريطانيا العظمى مدينة ﺑ ٨٫٣ تريليونات دولار، وألمانيا ٣٫٩ تريليونات دولار، وفرنسا ٣٫٥ تريليونات دولار، وإيطاليا ٢ تريليون دولار. ولا تختلف مديونيتا العضوين الآخرين في مجموعة السبع (اليابان وكندا) كثيرًا عن الأرقام السابقة، إذ تبلغ مديونية اليابان ١٫٥ تريليون دولار وتبلغ مديونية كندا ٧٠٠ مليار دولار، وهما يشغلان الترتيبين الثامن والثاني عشر على قائمة الديون. وتقترب هولندا وإسبانيا من أعلى عشرة بلدان مديونية، حيث تحتل هولندا الترتيب السادس برصيد ديون ١٫٩ تريليون دولار، وتحتل إسبانيا الترتيب السابع برصيد ١٫٦ تريليون دولار، وتأتي أيرلندا في الترتيب التاسع برصيد ديون ١٫٤ تريليون دولار.

لدى الصين وروسيا أيضًا ديون كبيرة، تبلغ ٣٠٦ مليارات دولار و٢٨٧ مليار دولار على التوالي. لكن في حالة الصين، تساهم ضخامة احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي في تصغير حجم دينها. وهناك بلدان في أمريكا اللاتينية تعاني ديونًا كبيرة، منها: المكسيك (١٧٨ مليار دولار)، والبرازيل (١٧٧ مليار دولار)، والأرجنتين (١٠٩ مليارات دولار). وتبلغ ديون تركيا ١٩٤ مليار دولار، وإندونيسيا ١٣٠ مليار دولار، تمثل كل هذه الديون مشكلات كبيرة. وأكبر الديون من حيث القيمة المطلقة في أفريقيا يوجد في جنوب أفريقيا الغنية بالموارد (٥٦ مليار دولار)، والسودان (٣٠ مليار دولار). وتشغل بولندا الترتيب ٢٨ على قائمة أكبر الديون الخارجية في العالم، إذ يبلغ دينها نحو ١٥٠ مليار دولار. وهي تحتل المرتبة الواقعة بين البرازيل والهند، التي تصل ديونها إلى ١٣٥ مليار دولار.

ينبغي أن نتناول هذه المبالغ من منظور نسبي. فعادة يُقارن هذا المخزون — فالدين يعتبر مخزونًا — بحجم الصادرات، أو بالناتج المحلي الإجمالي باعتباره أشمل المعايير في هذا الصدد. ويُحسب وفقًا لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لأغراض المقارنة. تنطوي هذه الطريقة على التعميم، لأن البيانات تحتوي على مزيد من المعلومات، وتُستخدم لتقييم حالة الاقتصادات الوطنية المختلفة والفرص المستقبلية المتاحة أمامها. ووفقًا لهذه الطريقة، يمكن أن نرى أن بولندا، التي تبلغ ديون الفرد الواحد فيها ٣٨٦٠ دولارًا؛ أكثر مديونية من روسيا، التي تبلغ ديون الفرد الواحد فيها ٢٠٣٠ دولارًا. إلا أننا إذا مثلنا الدين على شكل نسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، فستصبح البلدان أكثر تقاربًا فيما بينها، لأن نسبتيهما على التوالي ستكونان: ٤٣٫٦٪ و٣٩٫١٪. وإذا مثلنا الدين على شكل نسبة مئوية من حجم الصادرات، فستكون الأرقام كما يلي: ١٣٣٪ و٩٠٪. فأحوال روسيا الاقتصادية أفضل من بولندا، لأن روسيا تبيع النفط والغاز للبلدان الأخرى — بما فيها بولندا — بأثمان مرتفعة للغاية. ونحن نستخدم سعر صرف عملة السوق لكل هذه الحسابات، لأن أسعار الصرف هذه هي التي يُستدان بها الدين ويسدد.

لدى الولايات المتحدة مديونية هائلة، لكن الأصول الخارجية للبلاد تتجاوز هذه المديونية بكثير. وتتركز هذه المديونية في نطاقي الأسر والحكومة الفيدرالية، لكن القطاع الخاص أيضًا مثقل بعبء هائل من الديون. ويبلغ إجمالي الديون الخارجية (دون احتساب احتياطي العملات الأجنبية) لأكبر قوة عسكرية وسياسية واقتصادية في العالم ٧٦٪ من ناتجها المحلي الإجمالي. مما يشير إلى أن نصيب الفرد من الدين هو: ٣٣٣٣٠ دولارًا، وهذا المبلغ يتجاوز قليلًا ثلثي نصيب الفرد في ألمانيا والذي يقدر ﺑ ٤٧٣٠٠، لكنه يعادل نصيب الفرد الروسي ١٦ مرة. وتشكل المديونية الأمريكية ١٠١٦٪ من حجم صادرات أمريكا السنوية. هذا قد يبدو صادمًا للبعض، لكنها الحقائق. فبينما يفوق حجم صادرات روسيا ديونها الخارجية كل عام بمقدار الثلث، لا تشكل صادرات أمريكا سوى نسبة العشر من حجم ديونها الخارجية. وإذا فرضنا أن كلا البلدين أوقف كل عمليات الاستيراد، فستتمكن روسيا من سداد ديونها الخارجية في غضون نحو عشرة أشهر؛ بينما سيستغرق الأمر نفسه من الولايات المتحدة عشر سنوات. لا عجب إذن من أن الاستثمارات الأمريكية والمصارف التجارية والشركات الخاصة، والحكومة نفسها تبدي كل هذا القلق إزاء حجم الديون الخارجية والقدرة على سدادها. إن أي مشاكل تواجهها أمريكا في سداد ديونها تمثل معضلة كبرى في الولايات المتحدة، التي لديها الكثير من الأمور التي ينبغي أن تهتم بها.

لقد حدثت عدة أمور عززت إمكانية نزع فتيل أزمة ديون عالمية وشيكة، كالتعديلات الاقتصادية الجذرية التي طبقتها بلدان أمريكا اللاتينية، والقضاء على العواقب المباشرة للأزمة المالية التي حدثت في التسعينيات في جنوب شرق آسيا وروسيا وتركيا، وتعزيز النمو الاقتصادي في البلدان الأوروبية المارة بالتحول إلى ما بعد الاشتراكية (بما في ذلك خفض الديون البولندية بمقدار النصف)، وشطب معظم ديون أكثر البلدان فقرًا في العالم. وقد كانت إزالة أعباء ديون أقل البلدان نموًّا عملًا إنسانيًّا غير مسبوق، مع أن ذلك لا يشكل مسألة ذات أهمية كبرى للنظام المالي العالمي. فالبلدان الفقيرة لم تكن لتتمكن أبدًا من سداد هذه الديون، لكن الأمر استغرق عشر سنوات من الضغط الشعبي المستمر كي توافق مجموعة السبع (إضافة إلى الدول الدائنة الأخرى) ويوافق البنك الدولي على شطب هذه الديون في عام ٢٠٠٦.

تناولت مبادرة تخفيض ديون البلدان الفقيرة المثقلة بالديون ٤٣ بلدًا فقيرًا مثقلًا بالديون، منها ٣٣ بلدًا من أفريقيا، وخمسة بلدان من آسيا، وخمسة بلدان من أمريكا الجنوبية والوسطى؛ هذه البلدان هي: أفغانستان وأنجولا وبنين وبوليفيا وبوركينا فاسو وبورما وبوروندي والكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والكونغو (برازافيل) والكونغو (الديمقراطية)، وإثيوبيا وجامبيا وغانا وغينيا وغينيا بيساو وغويانا وهايتي وهندوراس وساحل العاج وكينيا ولاوس وليبيريا ومدغشقر وملاوي ومالي وموريتانيا وموزمبيق ونيكاراجوا والنيجر ورواندا وساو تومي وبرنسيبي والسنغال وسيراليون والصومال والسودان وتنزانيا وتوجو وأوغندا وفيتنام واليمن وزامبيا. وحظي ٣٥ بلدًا منها حتى الآن بإعفاء كلي أو جزئي بهدف تخفيف عبء الديون. كانت الكثير من هذه البلدان توجه إنفاقها لخدمة ديونها، مما كان يقوض قدرتها على الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية لسكانها. هذه المبادرة تتيح لها الفرصة للخروج من أزمة الركود الهيكلي.

ومع ذلك سوف تعاود هذه المشكلة الظهور، ربما على نحو أكثر خطورة، إذا وجدت بلدان أضعف من الناحية الاقتصادية — كإندونيسيا والبرازيل وبولندا ومصر وتركيا — نفسها غير قادرة على الحفاظ على حجم صادرات يحقق معدل نمو عال بما فيه الكفاية. هذا الموقف لا يتعلق بمشكلة في التوازن الهيكلي، لكنه أيضًا لا ينطوي على اقتراب من حافة الهاوية. لكن الوضع للأسف أقرب إلى الحالة الثانية من الحالة الأولى.

هذه الخلفية تجعل اتجاه تدفقات رأس المال في مختلف أنحاء العالم مثيرة للاهتمام أكثر من السابق. وينبغي التأكيد على عدم قدرة الشخص العادي، بل وحتى الخبير المؤهل تأهيلًا كاملًا، على الإدلاء بتصريحات مسلم بها على نحو يقيني حول هذا الموضوع. وربما يكون أداء الهواة أفضل من الخبراء فيما يتعلق بهذا الموضوع؛ إذ لا تزال ظروف جديدة ومفاجئة تواصل الظهور، بعضها أحداث تحدث مرة واحدة أو تدوم لأجل قصير. وحال استقرار الأمور وعودتها إلى طبيعتها، سيتمكن الخبراء الماليون، ومحللو البنوك — في المقام الأول — من إخبارنا بما حدث بالضبط. لكنهم عندما يحاولون تقدير الموقف؛ غالبًا يفعلون ذلك بأكثر الطرق غموضًا، تمامًا مثل هيئات الأرصاد الجوية عندما تحاول تجنب الصراحة، ولا تقول لنا هل المطر سيهطل أم لا.

حاليًّا، توجد تحويلات هائلة من البلدان النامية إلى البلدان الغنية، لا سيما تلك التي تستغل الأوراق المالية الحكومية لتمويل العجز في ميزانياتها، كما تسدد البلدان الفقيرة أقساطًا من ديونها إلى البلدان الغنية الدائنة وإلى المنظمات الأخرى مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وعلى مدى السنوات الأربع من عام ٢٠٠٣ إلى عام ٢٠٠٦، سددت البلدان الفقيرة إجمالي ١٨٥ مليار دولار، وهذا يفوق دخل هذه البلدان. لكنها ملزمة بسداد ديونها، بالإضافة إلى الفائدة على هذه الديون. إلا أن تدفق رأس المال الخاص — الذي تتزايد أهميته في هذه الحالة — يتجاوز تأثيره مجرد تعويض هذه المدفوعات. فقد بلغ تدفق رءوس الأموال الخاصة إلى هذه البلدان الفقيرة ١٫٩ تريليون دولار خلال تلك السنوات الأربع. وارتفع الفائض من ١٦٩ مليار دولار في عام ٢٠٠٢ إلى ٦٤٧ مليار دولار في عام ٢٠٠٦. وهذا يوضح الفرق بين ما استثمره ممولو البلدان المتقدمة في بقية العالم، وما حققوه من أرباح من وراء أزمات بقية بلدان العالم. تقدم الدَّفعة الآتية من الخارج دعمًا كبيرًا للمدخرات المحلية ورأس المال الوطني باعتبارهما وسيلتين رئيسيتين لتمويل التنمية في أي بلد. وتتخذ غالبية رءوس الأموال الخارجية هذه شكل الاستثمار المباشر من قبل شركات متعددة الجنسيات. ويلي هاتين الوسيلتين من حيث الأهمية: شراء الأوراق المالية الحكومية (تمويل الديون)، ثم أخيرًا يأتي الاستثمار في أسواق رأس المال، بما في ذلك أسواق تداول الأوراق المالية.

أعظم تدفقات رأس المال هي التي تجري بين أغنى البلدان، ومعظمها في شكل استثمار مباشر وعمليات اندماج واستحواذ بين الشركات. وهذا لا يزيد حجم رأس المال على المدى القصير، لكنه يحسن استغلاله عن طريق إرساله لاستثماره حيث سيحقق أعلى الأرباح للمساهمين. ومن ثم يؤدي إلى زيادة رأس المال على المدى الطويل. ففي عام ٢٠٠٦ فقط، استثمر أعضاء منظمة التعاون والتنمية استثمارات مباشرة بقيمة ١٫١ تريليون دولار خارج بلدانهم، بزيادة قدرها ٢٩٪ مقارنة بالعام السابق. وخلال السنوات العشر بين عام ١٩٩٧ حتى عام ٢٠٠٦، تجاوز مجموع استثماراتهم ٨ تريليونات دولار، بلغت قيمة الاستثمارات الأمريكية منها ١٫٦ تريليون دولار. ومن المثير للاهتمام حلول بلجيكا ولوكسمبورج معًا في المرتبة الثانية بمبلغ استثمارات يصل إلى نحو ١٫٢ تريليون دولار، وهذا لا يعزى إلى أن مواطني هذين البلدين يدخرون قدرًا وفيرًا من رأس المال بهدف الاستثمار، بل لأنهما يوفران مناخًا ملائمًا لمختلف الشركات القابضة التي تأسست لتنفيذ عمليات استثمار خاصة، لمرة واحدة في أغلب الأحيان. وحلت المملكة المتحدة في المرتبة التالية، إذ تجاوز استثمارها المباشر مبلغ ١ تريليون دولار بقليل، ثم تلتها فرنسا بمبلغ استثمارات ٠٫٩ تريليون دولار.

يذهب فكر الاقتصاد الكلاسيكي الجديد إلى أن فائض مدخرات البلدان المتقدمة ينبغي نقله إلى البلدان النامية واستثماره فيها، والعكس يمكن أن يكون صحيحًا أيضًا. لكن الاستثناء الأكثر راديكالية لهذه القاعدة هو الحال بين الصين والولايات المتحدة. فالصين بما لديها من تجارة كبيرة وفائض في الحساب الجاري، تقدم رصيدًا للاقتصاد الأمريكي الأكثر ثراء، لكن هذا الاقتصاد الأمريكي بدوره غارق في عجز هيكلي مزدوج متمثل في التجارة والميزانية.

يكمن جوهر المسألة في أن الصين — شأنها في ذلك شأن العديد من البلدان الأخرى في جنوب شرق آسيا — تتعمد خفض سعر صرف عملتها. وهذا يشجع الصادرات، باعتبارها القوة الدافعة لنمو الإنتاج، وزيادة فرص العمل، وعائدات الحكومة. يُخفض سعر صرف عملة ما عندما يمكن لوحدة واحدة من العملات الأجنبية، الدولار مثلًا، أن تشتري مزيدًا من الوحدات من العملة المحلية. وبانخفاض العملة المحلية، تزداد ربحية طرح المنتجات المحلية في السوق العالمية (بما في ذلك الجزء الذي لا يزال أكبر أجزاء السوق وأكثرها ثراء، أي الولايات المتحدة). فأنت في هذه الحالة تحصل على مقدار من العملة المحلية مقابل كل دولار جرى الحصول عليه من خلال التصدير، أكثر مما كنت ستحصل عليه لو كانت العملة المحلية أقوى، أي، لو كان سعر صرف العملة المحلية أعلى. وعندما تكون العملة المحلية أقوى، كما هي الحال في بولندا على سبيل المثال، يقل حفزها للنمو الاقتصادي.

وحينما لا يستفاد من الدخل الناتج عن الصادرات على الوجه الأكمل، ينشأ فائض رأس المال. والنظام الاقتصادي الحكومي المركزي يفضل استثمار هذا الفائض في الأوراق المالية الصادرة في الخارج لتمويل حالات العجز، لا سيما عجز البلدان الغنية. ويمكن استثماره أيضًا في الاستثمار المباشر في البلدان الأخرى، وهذا الاتجاه ينتشر على نحو متزايد. وهذا يكون ممكنًا لأن البلدان الأكثر فقرًا لديها فائض مدخرات (أعلى من مستوى استثمارات البلدان الغنية المرتفع بالفعل)، ويعزى ذلك إلى تخلف أسواقها وأدواتها المالية؛ لذا تكون مضطرة للدفع بفوائض رءوس أموالها إلى أجزاء أخرى أكثر تطورًا من الاقتصاد العالمي، فتفضل الدفع برءوس أموالها هذه إلى البلدان الغنية التي تعاني عجزي التجارة والميزانية.

إن الارتفاع الكبير في مستوى الادخار المحلي في بلدان جنوب شرق آسيا، يعزى بدرجة كبيرة إلى أن هذه البلدان ليست متأكدة من أنها ستتمكن من اقتراض المال إذا واجهت أوقاتًا عصيبة في المستقبل. وهذا يضطرها إلى الادخار منذ الآن، ونظرًا لعدم وجود ما يصلح لأن تُستثمر فيه المدخرات على المستوى المحلي، فهي تستثمر في الخارج. وإذا استثنينا الاستثمار المباشر في القدرات الجديدة الإنتاجية والخدمية، فمن الأسهل لبلدان كالصين أو ماليزيا أو كوريا الجنوبية أو سنغافورة أو تايوان، وكذلك البلدان المصدرة للنفط بما فيها روسيا، أن تستثمر رءوس أموالها في الأصول الثابتة كناطحات السحاب الجديدة أو غيرها من أنواع العقارات، لا أن تستثمر في الأوراق المالية المحلية التي قد تكون أكثر أو أقل تطورًا. وقد لا يتوافر ما يكفي من هذه الأوراق المالية المحلية للاستثمار، أو قد لا تكون محل ثقة. أما في الخارج، فالوضع أكثر أمانًا، حيث تتمتع الودائع المالية بحماية أفضل من تلك التي كانت ستنالها لو استثمرت محليًّا.

وإذا كان هذا هو أساس اختلال التوازن الاقتصادي في العالم، فلن يكون من الممكن تصحيح هذا الوضع بسرعة، ليس فقط لأن تصفية العجز المزدوج في الولايات المتحدة والحد من العجز في الميزانية في بعض البلدان الأخرى بالغة التقدم، مثل فرنسا وإيطاليا؛ سوف يستغرق وقتًا طويلًا، بل أيضًا لأن النظم المالية في البلدان التي لديها فوائض رأس مال تحتاج وقتًا أطول لتصل إلى مرحلة النضج، أكثر مما تحتاجه الاقتصادات الحقيقية. وكثير من هذه البلدان على نفس المستوى التكنولوجي والاقتصادي مع البلدان الغنية، مع أن أنظمتها المالية متخلفة عن البلدان الغنية. فمثلًا، نحن نشتري أجهزة آي بود أو شاشات البلازما المصنعة في كوريا أو تايوان دون أدنى تفكير، لكن عندما يتعلق الأمر بالخبرات الائتمانية أو الأسهم، فنحن بالطبع نشتري الأمريكية أو البريطانية. وربما كان نشوب معارك بالأيدي أحيانًا في برلمانات بلدان مثل كوريا وتايوان حتى الآن، في حين أن مثل هذه المعارك أصبحت مجرد طرائف تاريخية يعقب عليها المرشدون السياحيون في البلدان الغنية، له علاقة بهذا الأمر.

إن موقف أمريكا المتميز في الاقتصاد العالمي يجعلها تتمتع بعدة مزايا. فالتدفق المالي الآتي من الخارج يرفع سعر السوق للأصول الأمريكية، وفي الوقت ذاته يتيح الإبقاء على انخفاض نسبي في أسعار الفائدة. وأسعار الفائدة هي سعر رأس المال، ورأس المال وفير جدًّا إلى حد أنه لا حاجة إلى رفع أسعار الفائدة. هذان العاملان يزيدان سهولة تمويل النفقات المحلية. على المستوى الخارجي؛ تتعدى الأصول الأمريكية الخارجية حجم الديون، علاوة على أن الدخل الناتج من تلك الأصول أكبر من تكلفة خدمة الدين.

ويشكل ضَعف الدولار — وهو أمر تشجعه سياسة الولايات المتحدة الحكيمة — مصدر ربح كبير للبلاد. إليكم كيف تستفيد أمريكا من هذه الآلية: تُسعر العائدات التي يربحها الأجانب من خلال الاستثمار في الولايات المتحدة بالدولار، بينما يكون دخل أمريكا من استثماراتها المباشرة وأسهمها في الأسواق الأجنبية، بالإضافة إلى الدفعات التي تسددها على القروض للبلدان الأخرى، مسعرًا بالعملات الأجنبية. ومن ثم فإن انخفاض سعر صرف الدولار في السنوات الأخيرة يعني زيادة قيمة الأصول الخارجية للولايات المتحدة من حيث القيمة الدولارية. وعلى نفس المنوال، ينخفض صافي الدين المستحق للأجانب (إجمالي الدين ناقص الأصول الخارجية) من حيث القيمة الدولارية. ونتيجة لذلك، تجاوز الدخل الذي حققته أمريكا من أصولها الخارجية الأموال التي دفعتها لأصحاب الأصول الخارجية داخل أمريكا حتى نهاية عام ٢٠٠٥.

إليك مثال: لنفترض أن المستثمرين في وول ستريت اشتروا محفظة بقيمة مليار دولار من سندات الحكومة البولندية عندما كان سعر الصرف يساوي ٤ زووتي مقابل دولار واحد. ولأغراض المعاملات، حول هؤلاء المستثمرون مبلغ المليار دولار هذا إلى عملة الزووتي لأنهم ملزمون بإتمام الشراء بالعملة البولندية، ثم في نهاية المطاف، وجد مبلغ المليار دولار هذا طريقه إلى البنك المركزي البولندي، أي البنك البولندي الوطني. وأصبح هذا المليار دولار جزءًا من احتياطي النقد الأجنبي البولندي الذي يملكه البنك المركزي البولندي، وهو، حتى الآن، لا يزال يعادل ٤ مليارات زووتي. بعد ذلك، اشترى البنك الوطني البولندي بهذا المليار أوراقًا مالية أمريكية. ودعونا نفترض أن كلًّا من السندات البولندية والأمريكية تدفع ٥٪ فائدة سنوية، مع أن السندات البولندية في واقع الأمر تدفع فائدة أكبر. ثم بدأ الدولار يضعف، وبدأ الزووتي يزداد قوة. في هذه الحالة، لا تزال الأربعة مليارات زووتي التي يملكها الأمريكيون لديهم في الخارج، إلا أن سعر الصرف الآن هو ٢٫٥ زووتي مقابل الدولار الواحد. بهذا يكون البنك الوطني البولندي قد خسر ١٫٥ مليار زووتي من أموال دافعي الضرائب. وعندما تُدفع أرباح الأسهم، يُدخل كل بلد قيمتي الإنفاق والدخل إلى ميزان مدفوعاته. فيما يخص الجانب الأمريكي، تكون النفقة السنوية قدرها ٥٠ مليون دولار، ويكون دخل الجانب البولندي السنوي قدره ٥٠ مليون دولار أيضًا، إلا أن هذا المبلغ الآن تبلغ قيمته ١٢٥ مليون زووتي فقط وفقًا لسعر الصرف في هذا الوقت. وفي الوقت نفسه، يربح الأمريكيون ملياري زووتي، هي الفائدة على استثماراتهم بقيمة مليار دولار في السندات البولندية، ودفعة الفائدة هذه تعادل ٨٠ مليون دولار بسعر الصرف في هذا الوقت، وهذا هو المبلغ الذي يصب في خانة الدخل في ميزان المدفوعات الأمريكي. نتيجة لهذا التغير في سعر الصرف، حققت أمريكا ٣٠ مليون دولار إضافية — أي ما لا يقل عن ٣٪ من قيمة استثمارها الأصلي — لأن هذا هو الفرق بين ما دفعته وما أخذته. وذلك كله بفضل آلية تخفيض سعر الصرف — إضعاف الدولار، وازدياد قوة الزووتي — التي عادت بالربح على الأمريكيين، وكبدت بولندا كلفة باهظة. وبالإضافة إلى ربح الفائدة، حققت أمريكا عائدًا قدره ٦٠٪ من خلال إقراض العملة البولندية في بولندا (فالعملة البولندية كانت متوافرة لديهم). لقد بدأت أمريكا كل هذا بمبلغ مليار دولار، والآن لديها سندات بقيمة ١٫٦ مليار دولار. بينما خسرت بولندا ٣٧٫٥٪ لأنها بدأت بمبلغ ٤ مليارات زووتي، وتبقى لها ٢٫٥ مليار فقط. يجري اللعب بالكثير من مليارات الدولارات في معاملات مماثلة في جميع أنحاء العالم.

لم يكن هذا سوى مثال بسيط، لكنه يستند بدرجة كبيرة إلى أسس واقعية. وهو يوضح لنا مدى سهولة استغلال السيطرة الذكية على سعر الصرف بغرض التأثير على رصيد الحساب الجاري وتشكيل ميزان المدفوعات على نحو يواتي مصلحة دافعي الضرائب والاقتصاد الوطني. ويضاف إلى ذلك أن انخفاض سعر صرف العملة يؤدي إلى نمو في الإيرادات — بالعملة المحلية — التي تأتي من البضائع المصدرة إلى الخارج. فالولايات المتحدة تحصل على ١٠٠ دولار من بيع بضائع قيمتها ٢٥٠ زووتي في بولندا، في السابق عندما كان الدولار أقوى، كانت قيمة مبلغ ٢٥٠ زووتي نفسه يأتي من كمية أقل من الصادرات تساوي ٦٢٫٥٠ دولارًا فقط، أو ٣٧٫٥٪ أقل من القيمة الأولى. إن إضعاف الدولار له تأثير إيجابي على نمو الصادرات، ومن ثم يمتد هذا التأثير إلى الناتج المحلي، والعمالة، وإيرادات الميزانية في الولايات المتحدة. والعكس صحيح أيضًا. فالانخفاض في قيمة الدولار (الذي يقابله ازدياد في قيمة الزووتي) يحسن مناخ الأعمال في الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه يعرقل عملية توسع الاقتصاد البولندي. فضعف الدولار يعزز ميزان المدفوعات الأمريكي، وكلما كان الزووتي أقوى، أثر ذلك بالسلب على توازن الاقتصاد البولندي. إذن فضعف الدولار هو خبر سار للعمال والمستهلكين ودافعي الضرائب الأمريكيين. بينما قوة الزووتي خبر سيئ للعمال، والمستهلكين، ودافعي الضرائب البولنديين.

والفائدة الوحيدة من وراء قوة الزووتي — بخلاف قضاء الإجازات في الخارج بتكلفة أقل — هي أن هذا يقلل كلفة خدمة الديون الخارجية، فهذه الخدمة تكون بالعملة المحلية، ونحن في بولندا لا ندفع سوى ٢٫٥٠ زووتي مقابل كل دولار لازم لسداد مدفوعات أصل الدين والفائدة عليه، علاوة على أن السلع المستوردة تكون أرخص نسبيًّا في هذه الحالة؛ لأنها تكلفنا عملة محلية أقل. الواردات التي قيمتها ١٠٠ دولار الآن تكلفنا ٢٥٠ زووتي (وفقًا لسعر الصرف: ٢٫٥ زووتي للدولار)، وليس ٤٠٠ زووتي كما حدث في وقت سابق عندما كان سعر الصرف ٤ زووتي للدولار. ونسبة التضخم تكون أقل نسبيًّا إذا كان الزووتي قويًّا نسبيًّا بالمقارنة بفرضية بقاء الزووتي ضعيفًا، وإن كانت عوامل أخرى في الواقع أدت إلى ارتفاع الأسعار وتسببت في حدوث التضخم. والعكس صحيح أيضًا. ترتفع كلفة البضائع المستوردة في البلد الذي تنخفض (تتراجع) عملته (لا أقصد تُخفض، إذ إن تخفيض قيمة العملة هو تغيير لمرة واحدة في سعر الصرف الرسمي)، نظرًا لأن شراء البضائع المستوردة يتطلب دفع أموال أكثر بالعملة المحلية، بما يعادل قيمة هذه البضائع بالعملات الأجنبية. في أمريكا تتكلف الواردات التي قيمتها ١٠٠ زووتي الآن ٤٠ دولارًا وفقًا لسعر الصرف الحالي: ٢٫٥ زووتي للدولار، بدلًا من ٢٥ دولارًا في السابق عندما كان سعر الصرف: ٤ زووتي للدولار. إن نسبة التضخم في الولايات المتحدة أعلى نسبيًّا، وقضاء العطلات في الخارج أكثر كلفة للأمريكيين. هذا يفسر لماذا بات قضاء الأمريكيين عطلاتهم في الخارج أمرًا أقل شيوعًا في السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى سبب آخر هو الخوف من الإرهابيين.

ما الذي يمكن عمله في مثل هذه الحالة؟ هناك كثير من الحالات المماثلة، وذلك لأنها متكررة، ولأنها تعني الكثير، فالولايات المتحدة لديها سياسة مدروسة لكنها متكتمة؛ تهدف إلى إضعاف الدولار. وجزء من هذه السياسة أن تشير على البلدان الأخرى بفعل العكس. والمبدأ الأمريكي القائل: «افعل ما أقوله لك، لا ما أفعله أنا.» يُطبق بصرامة، لكن الشيء المدهش هو خضوع الكثيرين لهذا المبدأ، لكن ليس الجميع.

كيف تستطيع البلدان الدفاع عن نفسها؟ نظريًّا، قد تكون أفضل طريقة هي ألا يكون هناك عجز ولا دين، وهكذا نتجنب التعرض للعبة المضاربة في الدين. لكن لا توجد بلدان بلا ديون سوى ليختنشتاين وبالاو؛ مثلما أشرنا سابقًا. فقد قررت كل البلدان الأخرى — لأسباب متعددة — أن تكون مدينة. أكثر الحلول حكمة هو تخفيض حجم الدين الخارجي، واحتياطيات النقد الأجنبي في نفس الوقت. هذا ما تفعله كلٌّ من الصين والهند، وروسيا والبرازيل، على نحو جزئي على الأقل. وهذا الإجراء يتطلب تنسيقًا بين سياستي الحكومة والبنك المركزي. ومع أن هذا الحل يبدو عقلانيًّا، يجده كثير من البلدان مستحيلًا في مواجهة استقلالية بنوكها المركزية.

مؤخرًا؛ تجاوزت الديون الخارجية للدولة في بولندا مستوى احتياطيات النقد الأجنبي بقليل. ففي عام ٢٠٠٦ كانت الديون الخارجية تساوي ٥٨٫٩ مليار دولار، ثم ارتفع الرقم في السنة التالية وصار ٦٠ مليار دولار، هذا يساوي ٤٠٪ من الدين العام، بينما كانت بقية الديون مستحقة على القطاع الخاص وعامة الشعب. وفي بداية عام ٢٠٠٨ بلغت الاحتياطيات ١٤٥ مليار زووتي، وكان هذا أعلى من مستوى الدين بقليل، إذ كان الدين يساوي ١٤٢ مليار زووتي (٦١٫٣ مليار دولار).11 قد يكون ممكنًا أن نأخذ نصف قدر الاحتياطيات ونستغلها لسداد نصف الدين، دون أن نسبب أي ضرر للأمن المالي للبلاد، مع الاستفادة بتخفيف جزء من عبء تكلفة خدمة الدين العام عن كاهل الميزانية ودافعي الضرائب. ولما كان متوسط الفائدة على الديون الخارجية يبلغ نحو ٥٫٣٪، والفائدة على الاحتياطيات تبلغ ٣٫٢٪، يؤدي هذا إلى تحقيق صافي مدخرات في حدود ١٫٦ مليار زووتي (٢٫١٪، أو الفرق في أسعار الفائدة الناتج عن انخفاض قدره نحو ٣٠ مليار دولار، محوَّلة إلى دولارات بسعر السوق). وستضاف هذه الزيادة الكبيرة في رصيد الأموال إلى ميزانية الدولة. من ناحية، ستتلقى الحكومة قدرًا أقل من أرباح البنك المركزي، التي ستنخفض جدًّا نتيجة للانخفاض في الاحتياطيات، فالحكومة تتلقى نحو ٩٥٪ من هذه الأرباح. ومن ناحية أخرى، ستقل مدفوعات الفائدة الخارجية كثيرًا نتيجة لانخفاض حجم الدين. وهكذا تشكل المدخرات التي تبلغ قيمتها ١٫٦ مليار زووتي الفرق بين هذين الرقمين. سيكون هذا مكسبًا واضحًا.

تستطيع البلدان التي لديها ديون خارجية أن تحد من تحركات المضاربة في رأس المال، التي تمارس ضغطًا يدفعها لتقوية العملة. ويمكن استخدام أدوات مالية خاصة تعوق عمليات المضاربة. وقد اقترح جيمس توبين — الحاصل على جائزة نوبل عام ١٩٨١ — شيئًا من هذا القبيل منذ فترة طويلة تعود إلى السبعينيات. فقد اقترح فرض ضريبة معاملات عالمية تتراوح قيمتها بين ٠٫١ إلى ٠٫٢٥٪ على كل عمليات تحويل العملات التي تجري على مستوى دولي، وتعرف هذه الضريبة باسم ضريبة توبين. هذه الضريبة الصغيرة على المعاملات من شأنها أن تكون كافية تمامًا لإخماد حركة المضاربات، التي تنطوي على العديد من الصفقات الصغيرة بالعملات، وتجري على نطاق واسع. فلكي تظل المضاربة تؤتي ثمارها، ينبغي أن تؤتي كل عملية تبادل بعائد يفوق مقدار الضريبة. ولو كانت آلية كهذه فُرضت — ضريبة قدرها ٠٫٢٥٪ — في بولندا حينما كان سعر الصرف ٤٫٣ زووتي مقابل اليورو (هذا السعر أكثر إفادة للاقتصاد والجمهور مما لو كان الزووتي أقوى)، لكان من غير المنطقي أن تجري المضاربات في التذبذبات بأقل من ٠٫٠١٠٧٥ زووتي. فعندما يُتاجَر بالمليارات في تكهنات بنسب صغيره كهذه، أو حتى أقل، تكون الأرباح بالملايين. ومن الجدير أن نعرف كيف تحدث الأشياء، وأن نعرف من يستفيد، ومن يخسر.

على الرغم من أن تشيلي طبقت بنجاح آلية مماثلة بعض الوقت خلال فترة التسعينيات، كان هناك صمت بشأن اقتراح توبين هذا على مدى ربع قرن. ثم دفعت به أزمة جنوب شرق آسيا مرة أخرى إلى الصدارة في عام ١٩٩٧. وقد ناقشت هذه المسألة مع توبين حينما كنت ألقي محاضرة في جامعة ييل في العام التالي، ولم يكن واهمًا حول حقيقة أن هذه الأداة المنطقية لم تُحظر بسبب حجج موضوعية، بل بسبب المصالح الخاصة لممولي وول ستريت، وأنصارهم ومستشاريهم حول العالم. إن الأدبيات حول هذا الموضوع تعكس تلك النقاشات إلى جانب خطوات نشطة معينة في السياسة الاقتصادية.12

نجحت بعض البلدان في انتهاج سياسة سعر صرف نشطة تجعل تفشي المضاربات أمرًا مستحيلًا. والموقف الحالي للبنك الوطني البولندي يجعل المضاربة في بولندا مستحيلة في الوقت الحالي. لكن هذا الموقف ضروري أكثر من السابق لأنه توجد عوامل أخرى تشجع الارتفاع المفرط في قيمة العملة بمقادير تتعدى هدف الاستفادة من اختلاف أسعار الفائدة لجذب رءوس الأموال قصيرة الأجل. في الدول الأعضاء الجدد في الاتحاد الأوروبي، لم تتجاوز الفائدة حد الفوائد التي حددها البنك المركزي الأوروبي بالقدر القليل. ومن ثم، يلعب هذا العامل دورًا صغيرًا نسبيًّا. من ناحية أخرى، تتدفق رءوس الأموال من الخارج لسببين؛ أولهما معدلات العائد المتوقعة على الاستثمار (الربح)، وثانيهما تقييم المخاطر. لكن ارتفاع قيمة العملة هو ما يجعل هذه الأرباح جذابة بحق. من ثم؛ يكون ارتفاع قيمة العملة نتيجة لتدفق رأس المال إلى الداخل، وسببًا في الوقت نفسه. وهذا سبب آخر يجعل البنك المركزي يشارك بهمة في تشكيل قيمة سعر الصرف لعملة البلاد، وتوجيه آليات التحويل بين العملات، والتدخل بكل الوسائل المتاحة لمنع التذبذبات. إن الفشل في القيام بذلك يكلف دافعي الضرائب أموالًا، ويبطئ معدلات النمو على المدى الطويل، وينم عن خطأ جوهري في السياسة النقدية.

بلدان أخرى تستخدم ما يسمى مجلس العملة، وتجعل سعر الصرف صارمًا تمامًا من خلال ربط العملة المحلية بعملة أجنبية ما. فعملة هونج كونج مربوطة بالدولار الأمريكي وعملات إستونيا وليتوانيا، وبلغاريا مربوطة باليورو، وهناك عملات عدة مناطق مربوطة بالجنيه الاسترليني. بلدان أخرى تستخدم أساليب أقل تطرفًا، تتضمن تدابير إدارية وتدخلات من البنك المركزي. الصين والهند وروسيا وأكثر من اثني عشر بلدًا من أفريقيا والبحر الكاريبي، وبعض البلدان في الشرق الأوسط تحافظ على استقرار سعر الصرف الاسمي. لكن، نتيجة للتضخم، يؤدي استقرار سعر الصرف الاسمي إلى انخفاض حقيقي في قيمة العملة بسبب التضخم، وهذا بدوره يزيد القدرة التنافسية لصادرات البلاد. وهناك فائدة مزدوجة هي منع المضاربة في رأس المال الأجنبي من التربح على حساب دافعي الضرائب في البلاد، وتحسن أوضاع الشركات المحلية والعاملين في قطاع التصدير.

إن الأزمة المالية والاقتصادية الكبرى التي تهدد الولايات المتحدة ستزداد قوة على المدى البعيد. ومع ذلك ليس من الضروري أن تحدث هذه الأزمة بالسرعة التي يتوقعها بعض المتشككين. ففي حالة كهذه، قد يدوم الخلل الهيكلي فترة من الوقت، لكنه لن يستمر وقتًا طويلًا جدًّا، فلكل شيء نهاية. ومن الأشياء التي لا بد أن تنتهي حتمًا، ذلك التناقض المتمثل في إمداد الفقراء الأغنياء بالأرصدة؛ إذ تؤكد توقعات صندوق النقد الدولي متوسطة المدى أن الاختلال الهائل في الحسابات الجارية سوف يظل ما لم تحدث تغييرات في أسعار الصرف الحقيقية. يقصد بذلك عملتي اليوان والين. فاستمرار الأوضاع الحالية سيؤدي إلى تراكم متزايد على نحو مرعب لأصول الصين واليابان، وإلى ديون هائلة لأمريكا يصعب سدادها. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع حاد في الالتزامات الخارجية للولايات المتحدة بنسبة تتراوح بين ٢٦٪ إلى ٥١٪ من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي في عام ٢٠١١.

هذا التوقع يثير السؤال التالي: إلى متى سيظل المستثمرون الأجانب ينظرون إلى الاستثمارات الأمريكية باعتبارها آمنة، فمن المؤكد أنها لم تعد آمنة. وقد تكون الولايات المتحدة الآن في نفس موقف الكثير من البلدان الأكثر فقرًا التي جرى استدراجها إلى فخ الديون في الماضي، ولكي تجذب الولايات المتحدة رأس المال الأجنبي اللازم لتمويل عجزها المزدوج، ستضطر إلى زيادة جاذبية الاستثمارات في السوق الأمريكية. هذا أمر مكلف، لأنه سيكون من خلال رفع أسعار الفائدة، وهذا لا يمكن تأجيله إلى الأبد حتى في الولايات المتحدة. يجب اتخاذ إجراء منذ الآن، فقد فات الأوان لسحب الأصول الأمريكية من الخارج، لأن هذه الأصول أكثر ربحًا خارج البلاد من داخلها. حان الوقت لسياسة شد الحزام. يتعين على أمريكا الآن أن تتجرع نفس العلاج الذي كانت تجبر الآخرين على تجرعه سنوات.

سيكون من الأفضل لجميع الأطراف المعنية تسريع وقوع الأزمة المالية الأمريكية، والأزمة العالمية؛ لأنه ما من مخرج آخر في الأفق سيكون أكثر إبداعًا أو معقولية من هذا الحل للخروج من حالة الخلل العميق هذه. ويجب أن يشمل ذلك تخفيضات كبيرة في الميزانية (لا سيما الميزانية العسكرية للولايات المتحدة)، وفرض المزيد من الضرائب، خصوصًا الضرائب البيئية؛ لأنها توفر الفرصة لضرب عصفورين بحجر واحد. ويجب إبطاء وتيرة النمو الاقتصادي، وسيكون من الضروري الحد من المستوى المطلق للدخل. وهذا بدوره يعني الحد من الاستهلاك، لا سيما من قبل أفضل الجماعات حالًا في أمريكا. لكن لا يبدو أن هناك أي احتمال لإجراء تعديلات جذرية قبل وقوع هذه الأزمة. ولذلك، ينبغي علينا أن نساعد في وقوعها، لكي تضطر الولايات المتحدة إلى إجراء التغييرات اللازمة.

ليس هذا بالنبأ السار، لكنها الحقيقة. فما من آلية واحدة في الاقتصاد العالمي من شأنها استعادة التوازن المالي. التدخل مطلوب، ليس على النطاق الوطني فحسب، وإنما على نطاق عالمي. فقد تبين على مدى الاثني عشر عامًا الماضية أو نحو ذلك أنه من الممكن الإبقاء على قدر أكبر من الاختلال في الحسابات الجارية خلافًا للاعتقاد الذي كان سائدًا في السابق. وقد استخدمت هذه الحقيقة استخدامًا جيدًا وسيئًا على حد سواء، وظهرت أدوات مالية جديدة. كل هذا لا يمكننا فقط من مواجهة المخاطر — الموجودة دائمًا في الأسواق الرأسمالية والمالية — بل يمكننا أيضًا من حفز مجازفات أكبر حجمًا، المهم ألا نتمادى أكثر من اللازم.

كيف يتغير الموقف على كوكب الأرض إذن؟ ما هو الوضع الاقتصادي للبشرية؟ هل يتغير الاقتصاد العالمي إلى الأفضل أم إلى الأسوأ؟ إن العالم يتحول إلى عالم مختلف، ويستطيع الجميع أن يرى كيف يبدو العالم، غير أن كلًّا منا يرى شيئًا مختلفًا؛ لذا فالأمر يستحق منا بذل الجهد لفهم العالم فهمًا أفضل، ومعرفة كيف يبدو حقًّا.

يرى كلٌّ منا العالم بالشكل الذي يستطيع أن يفهمه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢