الفصل السابع

ما التنمية؟ وعلام تعتمد؟

كيف تتحقق التنمية الاجتماعية الاقتصادية، وكيف يمكن أن تجعلنا سعداء

أفضل طريقة للتعامل مع الإرث المتواضع لليبرالية الجديدة هي أن نهرب إلى المستقبل.

الحقيقة أنه ليس من السهل أبدًا تغيير المسار في الاقتصاد، وهذا لا يعزى إلى أننا لا نعرف ما ينبغي فعله، بقدر ما يعزى إلى غياب الإرادة السياسية التي تمكِّن من استغلال هذه المعرفة لإجراء التغييرات الصحيحة. وفوق كل هذا، علينا أن نعرف كيفية إجراء تلك التغييرات، وذلك يعني إجابة السؤال التالي: ما معنى النمو والتنمية؟ وعلام يعتمدان؟ هذه مهمة شاقة؛ ربما تكون أكثر مشقة الآن من أي وقت مضى. من ناحية، نحن نعرف معلومات الآن أكثر مما كنا نعرف في الماضي. ومن ناحية أخرى، أصبحت عمليات إعادة الإنتاج — أي إعادة دورة الإنتاج الحالية — الآن أكثر تعقيدًا بكثير مما كانت عليه في الماضي نتيجة للعولمة وعواقبها في ضوء الترابط بين عمليات تجميع وتخصيص رأس المال، وبين الإنتاج والتوزيع على مستوى الدول.

تتيح المعرفة التي لدينا أن ننقل المدخرات من المستقبل إلى الحاضر من أجل تمويل التنمية، والطلبَ اللازم لاستثارة السوق بالسلع والخدمات التي يمكن تصنيعها وتقديمها بإمكاناتنا الحالية. لكن ما من أحد يمكنه أن ينقل — من المستقبل إلى الحاضر — المعرفة القائمة على الخبرة، والتعميمات النظرية القائمة على أساس هذه المعرفة؛ لذلك علينا أن نعتمد على المعرفة الوحيدة التي لدينا، والتي تأتي من الماضي لكي نشكِّل العمليات الاقتصادية في المستقبل. ويجب التحذير من خطر الوقوع في نفس الأخطاء مرارًا وتكرارًا، لأن المستقبل ليس كالماضي على الإطلاق. والديناميكية غير المسبوقة والتغيرات الجذرية التي يشهدها الحاضر جعلتا هذا صحيحًا أكثر من أي وقت مضى. وهذا سبب آخر لنكون في غاية الحذر عند تقديم اقتراحات، لأنه ما من سبب يُبقي على محددات التنمية والنمو الاجتماعي الاقتصادي في الماضي صحيحة في ظل ظروف تتغير باستمرار. وهناك حاجة إلى الوصول إلى فهم نظري عميق لآليات التنمية في الماضي، لكن أيضًا من الأهمية بمكان إعداد دراسات جادَّة متعددة التخصصات من أجل المستقبل، على مستويات الاقتصاد الجزئي والاقتصاد الكلي والاقتصاد الضخم.

المعرفة تعني الرغبة في التغيير، لأن الأمور لا تسير على ما يرام. فالتحرك إلى الأمام وإحراز التقدم الذي ينادي به معظم البشر يتطلب التغيير. بل سيكون من المستحيل الحفاظ على البيئة والاقتصاد والمجتمع في حالة توازن نسبي دون إحداث تغييرات كبرى. وهذه التغييرات تتطلب نموًّا اقتصاديًّا، حتى إذا لم يكن ذلك النمو بنفس ديناميكية التوسع الهائل الذي حدث في السنوات الأخيرة، أو إذا كان يختلف من حيث النوع.

إنه لأمر خطير أن نفكر في المستقبل في ضوء الاستقراء السطحي البسيط للاتجاهات السائدة في الماضي، أو في ضوء الاعتقاد أن الأمور لا بد أن تستمر في التحسن. والأخطر من ذلك محاولة تشكيل المستقبل على أساس كهذا. فالقواعد التي نعرفها من الماضي لن تستمر في التحكم في العمليات الاجتماعية المتمثلة في الإنتاج والتوزيع والاستهلاك إلا على نحو جزئي. وبالمثل، لن يتمكن الآخرون من اللحاق بركب الأمم الأكثر ثراءً إلا على نحو جزئي أيضًا. فأولئك الذين لم يغتنموا الفرصة لإثراء أنفسهم أثناء النمو السريع الذي استمر طويلًا في الماضي قد لا يحظون بفرص مواتية كهذه في المستقبل. لكن التطورات التي تحدث منافية للمعرفة التقليدية على نحو صادم ستكون حتمًا كثيرة في المستقبل.

من الواضح أنه لا يمكن أن يكون هناك نمو أو تنمية من دون رأس المال. هذا قول مبتذل تمامًا مثل التأكيد على أن رأس المال وحده ليس كافيًا لتحقيق التنمية. فالتاريخ حافل بأقاليم وبلدان وفترات تَسبَّب فيها عامل آخر غير عدم كفاية رأس المال في ركود الإنتاج. وفي كثير من الأحيان، كان السبب غياب المنطق السليم. هناك أمور أخرى — ظواهر وعمليات — لا بد أن تحدث على نحو متزامن من أجل استخدام رأس المال بطرق تضمن تحقيق مستويات إنتاج أعلى ومستويات معيشة أفضل. التنمية تغيير إلى الأفضل. وبما أنه لا يمكن أبدًا أن تتغير أوضاع الجميع إلى الأفضل، فيجب على الأقل أن تتغير أوضاع الأغلبية.

في السابق، عندما كان لي تأثير على القرارات المهمة المتعلقة بالسياسة الاقتصادية، دار نقاش بيني وبين واحد من أغنى الناس في واحدة من أكبر الدول التي تمر بمرحلة التحول إلى ما بعد الاشتراكية. كان يحاول أن يقنعني بألا أخصص مبلغ مليار زووتي من الميزانية القومية (وهي — إذا أردنا التبسيط — الأموال التي جاءت من الضرائب المفروضة على الأرباح التي تحققها التجارة) لزيادة مبالغ المعاشات إلى نحو عشرة ملايين شخص من المتقاعدين وذوي الإعاقة. كانت هذه الزيادة تبلغ ما متوسطه ٨٫٥٠ زووتي في الشهر. وكان الرجل الثري يرى أنه سيكون من الأفضل أن نخفض الضريبة على أصحاب المشاريع الحرة — مع أن سلسلة تخفيضات مماثلة كانت قائمة بالفعل — وأن نترك المال في أيديهم. وزعم أنه سيكون من الأفضل أن يستثمر هذا المال عدد قليل من الأثرياء من أجل الإنتاج في المستقبل، بدلًا من أن يستغله فقراء كثيرون من أجل شراء «بضعة لترات إضافية من الحليب». فرددت عليه بأن سألته ألن يكون الأفضل على الإطلاق من أجل تحقيق النمو إعطاء المليار زووتي بأكمله لأغنى واحد من المستثمرين دون أن يشاركه فيه أحد. أجاب بالموافقة وأن ذلك سيكون أفضل بالطبع. فمن وجهة نظره، كان السماح لذوي الثراء الفاحش بمضاعفة ثرواتهم الحالية (وهذا من شأنه أن يعود بفوائد مؤكدة على الأغنياء الآخرين) أفضل من إهدار المال على «كوب حليب إضافي لشخص متقاعد لم يعد يعمل بعد.» يمكن تأليف كتاب كامل على أساس هذا الحوار والاستنتاجات المنطقية التي يقودنا إليها. لكن بما أن لدينا الكثير من الموضوعات الأخرى التي سنتعرض لها، فنحن مقيَّدون بعرض موجز مختصر.

أولًا، يجب أن نكون واضحين حول ماهية المشكلة. فالمسألة لا تتعلق بأعداد كبيرة من الناس يتناولون كوبًا إضافيًّا من الحليب يوميًّا (رغم أن هذا أمر مهم أيضًا)، أو يمتلكون زيادة طفيفة في دخولهم تساعد في تغطية نفقاتهم. بل المهم كيفية تأثير كلٍّ من الخيارين على العمليات الاقتصادية في المستقبل، وكيف يمكن أن يحدثا تدفقات في الدخل. علينا أن نقرر هل المسألة تتعلق بتقسيم دخل متاح جرى اكتسابه (مع أخذ النمو في الدين العام في الحسبان أيضًا، لأنه في هذه الحالة هناك عجز في الميزانية، ومن ثم ستتعقد الأمور أكثر، لأن المسألة لن تكون توزيع دخل بقدر ما ستكون توزيع دين)، أم أنها تتعلق بفعل شيء ما يزيد الدخل في المستقبل.

هذه إذن معضلة ترتبط بالتوزيع النهائي للدخل القومي على كلٍّ من الاستهلاك والادخار. فهناك تعارض حقيقي؛ فما يخصَّص للاستهلاك لا يمكن أن يخصَّص للادخار (الاستثمار) في الوقت نفسه، والعكس صحيح. علاوة على ذلك، بما أن هذا الاستهلاك يجري من قبل جيل تخطَّى السن الإنتاجية، فهو لا يؤثر مباشرة على إنتاجية العمل. لكن ربما يكون له تأثير غير مباشر، لأن الأشخاص الذين يعملون حاليًّا هم المتقاعدون في المستقبل، وقد يعتبرون زيادة المعاشات الحالية علامة إيجابية على ملاءمة سياسة الدخل، ومن ثم تكون حافزًا على العمل مع تحقيق إنتاجية أعلى؛ وربما يلاحظون أيضًا أن المستوى الذي ستبدأ به معاشاتهم التقاعدية في المستقبل سيرتفع نتيجة الزيادات في المعاشات الشهرية التي تحدث قبل تقاعدهم.

وتبدو المعضلة مختلفة على المدى القصير وعلى المدى الطويل. ففي مجال الاقتصاد، يعرَّف المدى القصير بأنه الفترة الزمنية التي تظل خلالها عوامل الإنتاج (بما في ذلك التكنولوجيا ذات الصلة) ثابتة. ويمكن الاستفادة من هذه العوامل بدرجات متفاوتة. وزيادة درجة الاستفادة منها يؤدي مباشرة إلى زيادة الإنتاج (والعكس صحيح). وهذه هي التأثيرات الفورية التي قد تحدث مرة واحدة، أو تتكرر أكثر من مرة، لكن في إطار التقلبات الدورية للمناخ الاقتصادي التي يمكن أن تتحرك في أي من الاتجاهين. ويتحدد نطاق النمو وفقًا لحجم الاحتياطيات المتوافرة؛ أي الإمكانات التي لم تُستغل في الدورة السابقة.

والمدى الطويل هو نوع الاقتصاد الذي تتوسع فيه عوامل الإنتاج نتيجة لتراكم رأس المال والاستثمار، ومن ثم تبدأ عجلة نمو الإنتاج برمتها في التحرك. فالمصانع الجديدة التي غالبًا تكون قائمة على أحدث وسائل التكنولوجيا تنتج منتجات جديدة، وتقدم الشركات الجديدة مزيدًا من الخدمات، وتُصنع بضائع ذات جودة أفضل (وقيمة أعلى). ومن ثم يزداد الدخل، يستوي في ذلك الجزء الذي يمول النمو في مستوى الاستهلاك الحالي، والجزء الذي يُدخر جانبًا لكي يُستثمر فيما بعد، سواء أكان ذلك الاستثمار مباشرًا، أم من خلال هيئات الوساطة المالية مثل البنوك وأسواق رأس المال. نتيجة لذلك، فإننا بصدد عملية إعادة إنتاج موسعة، بمعنى أننا ننتج المزيد من فترة زمنية إلى أخرى.

من الواضح أن المواطنين المتقاعدين الذين سيحصلون على ٨٫٥ زووتي شهريًّا ليسوا هم من سيستثمرون الأموال في القدرة الإنتاجية الجديدة، وإنما رجال الأعمال الذين سيحققون أرباحًا أكبر. ومع ذلك من الواضح أيضًا أن المليار زووتي المضاف إلى الدخل في أيدي المستهلكين سيزيد الطلب الفعلي، ومن ثم — من وجهة نظر الفرص التجارية — يزيد المبيعات المحتملة أيضًا. باختصار؛ هذا أمر جيد فيما يخص للأعمال التجارية. وإذا كانت هناك قدرة إنتاجية غير مُستغَلة، فسيرتفع الإنتاج بما يعادل المليار زووتي. وإذا لم تكن هناك قدرة زائدة، فستُستورد سلع مماثلة من الخارج لسد الطلب مما يؤدي إلى زيادة الإنتاج في البلدان المصدرة، أو في أسوأ الأحوال سترتفع الأسعار لتخلص السوق من التدفق الزائد للطلب. وفي الحالة الثانية، لن يكون هناك تأثير إيجابي يتخذ شكل نمو في الإنتاج. بل الأسوأ من كل هذا أن تؤدي زيادة التضخم إلى إبطاء معدل النمو الاقتصادي نتيجة لتشوه الأسعار.

ويمكن أيضًا أن نفترض نظريًّا أن المتقاعدين وذوي الإعاقة سيودعون البنوك هذا المليار زووتي الإضافي الذي سيصل عندئذٍ إلى أسواق رأس المال في شكل ودائع وأرصدة ائتمانية، وسيجري استثمارها في نهاية المطاف. وبصرف النظر عن نوع الاستثمار، ستكون النتيجة مماثلة لتلك التي كانت ستنجم عن استثمار المبلغ نفسه من قِبل مجموعة صغيرة من رجال الأعمال. لكن من الناحية العملية، وبالنظر إلى مستوى الدخل الحقيقي للمتقاعدين، يمكننا أن نفترض أنهم سيخصصون مجمل دخلهم الإضافي المتواضع هذا في تمويل الزيادة في الاستهلاك، بدلًا من ادخاره (ويمكن أن ينطبق الافتراض نفسه على الفئات الاجتماعية الأخرى، كالمعلمين والعاملين بالتمريض). ويطلق الاقتصاديون على هذه المسألة اسم الميل الحدي للاستهلاك. ومن ثمَّ، إذا كان مجمل الدخل الإضافي سيذهب إلى تمويل الزيادة في الاستهلاك، فسيبلغ الميل الحدي للاستهلاك ١٠٠٪.

وإذا افترضنا أنه بدلًا من حصول كل فرد من العشرة ملايين مواطن على زيادة سنوية قدرها ١٠٠ زووتي لينفقها على استهلاكه، انخفضت الضرائب التي يدفعها ١٠٠ مستثمر بواقع ١٠ ملايين زووتي سنويًّا لكل مستثمر بما يوفر دخلًا إضافيًّا يصل إلى مليار زووتي، ربما عندئذٍ يستثمرون تلك الأموال. وإذا استثمروها كلها، فسيبلغ ميلهم الحدي للادخار ١٠٠٪. لكننا نعيش في ظل اقتصاد عالمي، وربما تُحوَّل الأموال إلى الخارج وتُستثمر هناك. وعندئذٍ ستساهم هذه الأموال في إحداث نمو اقتصادي في مكان آخر في العالم. أو ربما لا تُستثمر هذه الأموال هنا ولا في أي مكان آخر، وتُنفق على الكماليات بدلًا من ذلك. وبما أننا ندرك محدودية قدرتنا على إنتاج الكماليات؛ سنفترض أنها ستُستورد من الخارج مما يزيد حجم المبيعات والإنتاج الحالي في مكان آخر، مثل مناجم الألماس في ياقوتيا، أو خطوط تجميع سيارات «بي إم دبليو» في بافاريا، أو الحظائر التي تُبنى فيها الطائرات الخاصة برجال الأعمال في كندا، أو أحواض بناء السفن حيث تُبنى اليخوت في الدنمارك.

هناك إذن العديد من الاحتمالات فيما يخص جانبي العرض والطلب في عملية إعادة الإنتاج. هل الطلب الإضافي هو الذي يعزز الإنتاج؟ وإذا كان الأمر كذلك ففي أي الظروف يكون هذا صحيحًا؟ ومتى تكون التأثيرات إيجابية متمثلة في شكل عرض؟ ومتى تكون سلبية متمثلة في شكل تضخم؟ الاسكتلنديون وحدهم قادرون على إحداث تدفق مستمر للطلب على شيء لا وجود له، أعني الوحش الأسطوري الذي يقال إنه يسكن بحيرة لوخ نيس. أم لعل القدرة الإنتاجية الإضافية التي تنشأ عن وجود استثمارات جديدة لا تزيد الإنتاج المحتمل فحسب، بل تزيد الإنتاج نفسه على نحو تلقائي أيضًا؟ هل يؤدي هذا إلى زيادة فورية في المبيعات؟ أم أنه يزيد المخزون السلعي؟ وإذا أدى ارتفاع الأرباح إلى زيادة الإنفاق على الاستهلاك بدلًا من زيادة تمويل الاستثمار، فهل يسهم هذا في زيادة الإنتاج؟ وفي ظل أي ظروف يكون هذا صحيحًا؟ واليوم في ظل عولمة متقدمة كهذه، هل ينبغي لنا أن ننظر في الزيادة المحتملة في الإنتاج وأيضًا في الزيادة الممكنة فعلًا على الصعيد المحلي أو العالمي؟ أخيرًا، من وجهة نظر التلاحم الاجتماعي وإرضاء المستهلك؛ هل الأفضل أن نعطي الكثير لعدد قليل من الأشخاص، أم نعطي القليل لعدد كبير منهم؟

ليست هذه سوى قلة من ردود الأفعال لهذه المعضلة التي تبدو في ظاهرها بسيطة، إضافة إلى المزيد من الأسئلة الأخرى التي تثيرها، بما أننا أمام سلسلة كاملة من المسببات تسفر عن نتائج مختلفة باختلاف الأطر الزمنية. وإذا تعمقنا في النظر إلى الأشياء، فسنرى أن دفع عجلة النمو المنشود — في حالة النمو الاقتصادي طويل الأجل وليس الاكتفاء بزيادة الطلب أو العرض مرة واحدة فقط — تتطلب تضافر عدة ظروف اقتصادية محددة. في الواقع، لا تقتصر هذه الظروف التي تتطلبها عملية النمو على الظروف الاقتصادية البحتة وحدها.

وقد يسأل القارئ الفضولي (أو اليقظ) كيف تمكنت من حل إشكالية «مليار زووتي لشخص واحد، أم مائة زووتي لأشخاص كثيرين»؟ بما أن أمرًا كهذا قد حدث فعلًا، وأمور مشابهة تحدث طوال الوقت. أولًا، في البداية طرحنا آمال كلا الطرفين — القطاع العريض من المستهلكين وقطاع النخبة من رجال الأعمال — على نحو عملي وفي ضوء الوضع الفعلي للميزانية؛ لأن مشكلة الدخل القومي مرتبطة دومًا بمشكلات تتعلق بكيفية توزيع هذا الدخل. بعد ذلك، أجرينا فحصًا شاملًا لترتيب العرض والطلب وقوتهما ضمن آليات النمو الحقيقي من جهة، مع أخذ الواقع الاجتماعي في الحسبان من جهة أخرى، فأمكن التوصل إلى حل وسط مبتكر. ونتيجة لما سبق، وُجِّهت النسبة الأكبر إلى السوق في شكل طلب إضافي على السلع الاستهلاكية المنزلية، ومع التنافسية العالية في السوق المحلي، أدى هذا إلى ارتفاع درجة الاستفادة من القدرة الإنتاجية الحالية، ونتج عن ذلك زيادة الإنتاج مرة واحدة بفضل الزيادة في إنتاج السلع الاستهلاكية. أما النسبة الأقل التي تأتي عبر تخفيض الضريبة، فقد وُجهت نحو سوق السلع الاستثمارية لتزيد القدرة الإنتاجية، وتسهم بدورها في تحقيق النمو على المدى الطويل. ومما لا شك فيه أيضًا أن نسبة خُصصت لواردات المستهلكين المتزايدة، لكنها كانت نسبة صغيرة.

يبين لنا هذا المثال مدى تعقيد العمليات الخاصة بنمو الإنتاج. لكن التنمية الاجتماعية الاقتصادية أكثر تعقيدًا من ذلك. ويبين لنا هذا المثال الذي طرحناه بإيجاز ضرورة توخي غاية الحذر من التعميمات المُغْوية، لأن الوقوع في شركها يمكن أن يؤدي بنا في كثير من الأحيان إلى الوقوع في فخ التبسيط المفرط، فعلى أي حال يعتمد نمو الإنتاج بالقدر نفسه (وفي الوقت ذاته) على عوامل العرض والطلب، وعلى حجم التحويلات الرأسمالية والاجتماعية وهيكلها، وعلى نفقات الأعمال التجارية والميزانية القومية، وعلى طبيعة تطلعات المستهلك والمستثمر، وعلى الطلب الداخلي والخارجي، وعلى الميل الحدي للاستهلاك والادخار ضمن مجموعة متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية وفئات الدخل، بالإضافة إلى عوامل أخرى عديدة اقتصادية وغير اقتصادية لم تظهر في هذا المثال الرمزي التوضيحي.

يتعين على رجال الأعمال والحكومة معًا أن يسعوا جاهدين لضمان توفير دائم للظروف الملائمة للإنتاج، أو لزيادة رأس المال وفيه رأس المال البشري. والفارق الجوهري بين الطرفين هو أن المنظور الزمني لرجال الأعمال أقصر من المنظور الزمني للدولة، والأفق الاجتماعي لهم أضيق من الأفق الاجتماعي للدولة. فرجال الأعمال يركزون على أمور مختلفة، ولديهم تفضيلات تمويلية مختلفة، ويتخذون قرارات تمويل مختلفة أيضًا. فعلى سبيل المثال: لا يولي رجال الأعمال اهتمامًا بدعم الأطفال، مع أنه في حال عدم وجود أطفال، فلن يجد رجال الأعمال من يوظفونه في شركاتهم عاجلًا أم آجلًا، وسيضطرون إلى إغلاق أبوابها، بينما تدعم الدولة الأطفال بطرق شتى وبدرجات متفاوتة. ومن الملاحظ أن النخبة الحاكمة عندما تكون أقرب إلى دائرة رجال الأعمال، تقلص حكومة الدولة منظورها الزمني، وتضيق أفقها الاجتماعي. وعندما تكون حكومة الدولة أقرب إلى القوى العاملة من الشعب، يطول منظورها الزمني ويتسع أفقها الاجتماعي.

إذا لم يكن النمو في الإنتاج مصحوبًا بتحسن في الأحوال المعيشية للناس، فمن الصعب أن نقول إننا أمام تنمية اقتصادية. وقد ظهرت دلالات واضحة على هذا النموذج في أواخر القرن العشرين في الولايات المتحدة، خصوصًا أثناء هيمنة وصفة الليبرالية الجديدة للنمو الاقتصادي. فقد أدى هذا في المقام الأول إلى ارتفاع الدخل غير الناتج عن الأجور، وكان معظم هذا الدخل في شكل أرباح وأنواع متعددة من الإيجارات والعائدات الناتجة عن الملكية أو امتلاك رأس المال، بينما لم يزد الدخل الناتج عن الأجور على الرغم من حدوث تحسن في الإنتاجية. وهناك كُتَّاب يرفضون أن يطلقوا على هذا النوع من توسع إعادة الإنتاج تنمية اقتصادية، لكن هذه مبالغة، فعلى أي حال لم ينْمُ الاقتصاد الأمريكي فحسب، بل تطور بسرعة هائلة أيضًا، وهو ما انعكس في إحراز تقدم غير مسبوق على الصعيدين العلمي والتكنولوجي وفي حدوث تغييرات هيكلية. إن عدم مشاركة جزء كبير من المجتمع في الاستفادة من ثمار هذه التنمية يعني أنها كانت ناقصة، لكن لا يعني أنها لم تحدث من الأساس.

ويرى البعض أن روسيا أيضًا شهدت في السنوات الأخيرة نموًّا دون تنمية، لأن مستوى استهلاك كثير من فئات الدخل لم يرتفع. على الرغم من أن المستوى الأساسي قد يكون مختلفًا (أقل)، وبنية الإنتاج مختلفة (تقليدية)، يمكن رصد ظواهر مماثلة في كثير من الاقتصادات الأقل نموًّا، حيث يكون من الصعب القول إننا أمام تنمية اجتماعية اقتصادية بالمعنى الذي تحمله الكلمة، بالرغم من النمو النوعي الذي ينعكس في إحصاءات الناتج المحلي الإجمالي. فعلى الرغم من ظهور زيادات في حجم الإنتاج ومعدل الاستهلاك في الإحصاءات، فقد لا تتحقق زيادة على مدى عدة سنوات للأغلبية الساحقة من السكان. فالبعض — القلَّة — يتمكنون من الإفلات من غياب التنمية ويتمتعون بمستوى معيشي يضعهم ضمن الطبقة المتوسطة في بلد غني، بينما يبقى الآخرون — الأغلبية — غارقين في الفقر.

وبمرور سنة تلو أخرى، وفي ظل اقتصاد اشتراكي محكوم بالتخطيط المركزي، شهدنا كثيرًا من العناصر التي تدل على حدوث نمو بلا تنمية. تحدث الناس وقتئذ عن «الإنتاج من أجل الإنتاج» الذي ميَّز النزوع نحو التوسع في الصناعات الثقيلة. عندما أجبر تزايد اختلال السلع الاستهلاكية في السوق الشبيه الذي تنظمه الدولة على إجراء تعديل آخر للأسعار، ظهرت نكات لاذعة حول ارتفاع سعر لحم الخنزير، بينما ظل سعر محركات القطارات رخيصًا. ولو كان هذا مصحوبًا على الأقل بتحسن في جودة الخدمات المقدمة للركاب، لكان بإمكاننا أن نقول إننا أمام تنمية، لكن هذا لم يكن يحدث دائمًا. وكان إهمال زيادة الإنتاج في قطاعي الزراعة والصناعات الخفيفة، في الوقت الذي حظيت فيه صناعة وسائل الإنتاج بالأولوية الأولى، أحد الأسباب الرئيسية التي تسببت في الانخفاض النسبي في معدل نمو الإنتاج والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، مقارنة بالتنمية التي كان من الممكن أن تحدثها موارد رأس المال الموجودة. أيضًا ارتفعت إنتاجية العمل وزاد الناتج الإجمالي بوجه عام خلال الفترات التي كان يُعد فيها الاستهلاك من جانب الأفراد منفذًا طبيعيًّا للإنتاج ودافعًا محركًا له، كان هذا النمو مصحوبًا بحدوث تنمية.

لكن فرص تحقيق التنمية تتبدد عندما يأتي النمو الاقتصادي من زيادة إنتاج الأسلحة، أو يتسبب في تدمير البيئة الطبيعية على نطاق يتجاوز الزيادة الكمية في الإنتاج. من الممكن إنتاج مزيد من المواد المطلوبة على نطاق واسع، لكنها تكون ضارة من الناحية الاجتماعية وتقلل جودة حياة الإنسان، كالسيارات التي تتسبب في الاختناق المروري في المدن. لا ينبغي لنا التهاون في مسألة ما إذا كانت الزيادة في إنتاج المخدرات والكحول والتبغ علامة حقًّا على التنمية، أم على العكس تمامًا.

وقد تدل التغييرات في بنية الإنتاج في بعض الأحيان على حدوث تنمية، وهذا يتحدد وفقًا لطبيعة التقدم التكنولوجي وما ينجم عنه من ابتكار قد يصاحب النمو الكمي، لكن ذلك قد لا يحدث بالضرورة. عندما يتوافر منتج جديد بنفس القيمة النفعية للمنتج القديم، لكنه أكثر كفاءة من حيث استهلاكه للطاقة، ويستهلك مواد خام أقل، أو يمكن إعادة تدويره بسهولة، يكون لدينا بالفعل ما يبرر الحديث عن وجود تنمية؛ فالكمية واحدة، لكن الجودة أعلى. وهذا يرفع مستوى التنمية.

وتصبح الأمور أكثر تعقيدًا عندما نتحدث عن الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي اللذين يتجاوزان حدود المكان والإقليم الذي نعيش فيه. فكل إنسان يعيش — ومن ثم يستهلك — ليس فقط في بلد محدد، وفي عنوان محدد، بل في العالم أيضًا. والعالم، كما نعلم، كبير جدًّا ومتنوع للغاية. لذا يتعين علينا أن نوسط الأشياء وأن نستخدم التعميمات؛ وهذا يعني التبسيط. وهذا ينطبق أيضًا على التفسير النظري لعملية النمو في كلٍّ من الإنتاج والاستهلاك، والتنمية الاجتماعية الاقتصادية. ربما يبدو لمن يراقب هذا الأمر مراقبة موضوعية أن النموذج النظري للنمو يعقد الأمور، فالكل يعلم أن الإنتاج يزيد بزيادة عمل الأفراد (أو بالإدارة الواعية للحكام). لكن في الواقع، حتى أكثر نماذج الرياضيات المتعلقة بالنمو تعقيدًا وإبهامًا سوف تبسط الأمور دائمًا إلى حد ما.

وإذا أردنا توضيح هذه المسألة بأبسط الطرق، نقول إن النمو الاقتصادي يساوي زيادة في قيمة الإنتاج — أي إجمالي السلع التي تُصنع والخدمات التي تقدم — بمرور الوقت. نحن نتحدث هنا عن النمو في مستوى الإنتاج الكلي، لأن إنتاج بعض المواد بعينها يرتفع باستمرار بينما ينخفض إنتاج سلع أخرى. وتذهب أكثر التعميمات شيوعًا إلى أن الإنتاج يزيد في حالتين؛ إما بزيادة عدد الموظفين، أو بزيادة إنتاجية الموظفين. في الحالة الأولى، نحن أمام نمو في الإنتاج على افتراض أن العمالة تتزايد على المدى الطويل بنفس معدل زيادة السكان، لكن ليس بنفس معدل زيادة قيمة إنتاجية الفرد الواحد. هذا نمو، وليس تنمية. وهذا النوع الشامل من النمو لا يؤدي إلى تحسن في مستويات المعيشة. ولكي يحدث هذا التحسن، نحن بحاجة إلى زيادة الإنتاجية التي تؤدي إلى حدوث نمو قوي. ولا يمكن أن يكون هناك تنمية أو تقدم حضاري من دون نمو الإنتاجية. وهذا هو السبب في أن نمو الإنتاجية هو مفتاح التغيير إلى الأفضل.

عند محاولة الإجابة عن سؤال: علام يعتمد النمو؟ يجب علينا أولًا إيجاد طريقة للإبقاء على فرص عمل تعادل مستوى النمو السكاني على الأقل. إذا حدث ذلك (وهذا لا يحدث في بعض الأماكن وفي بعض البلدان)، فسيؤدي إلى النمو في إنتاجية العمل.

ويمكننا أيضًا أن ننظر إلى هذه المسألة من منظور مختلف إلى حد ما، وهو استغلال رأس المال. فالنمو الاقتصادي يتطلب زيادة في رأس المال، وبالأخص، زيادة في إنتاجية رأس المال المستخدم. من لا يستثمر، لا يحقق تنمية، ومن يستثمر استثمارًا سيئًا لا يحقق تنمية أيضًا. مع ذلك، لا بد أن تنعكس الزيادة في إنتاجية رأس المال في شكل زيادة في إنتاجية العمل. وهذا هو لب الموضوع. إذا كان معدل النمو في الإنتاج وتحسن مستوى المعيشة يعتمدان على زيادة إنتاجية العمل، فعلام يعتمد النمو طويل الأجل في إنتاجية العمل؟

•••

التنمية — التي أحيانًا نضيف إليها صفة «الاجتماعية الاقتصادية» لكي ننتبه إلى الطبيعة المركبة لهذه العملية — هي حركة تصاعدية للنظام الاجتماعي الاقتصادي برمته. وهي تحدث من خلال تغيرات كمية ونوعية، ليس فقط على صعيد الإنتاج والتوزيع، والاستثمار والاستهلاك، لكن أيضًا على صعيد العوامل التالية:
  • تطبيق تقنيات الإنتاج ووسائله التكنولوجية.

  • أساليب الإدارة.

  • السياسة الاقتصادية المطبقة.

  • طبيعة ونوعية القوانين، أو قواعد اللعبة التي تحكم العملية الاقتصادية.

  • التفضيلات الثقافية والقيم المتبناة.

  • العلاقات الاجتماعية المتشكلة فيما يتعلق بمسار عمليات إعادة الإنتاج.

  • حالة البيئة الطبيعية.

إذن التنمية بحكم طبيعتها أكثر تعقيدًا بكثير من النمو. ونتيجة لذلك، فإننا نواجه مشكلات ليس فقط فيما يتعلق بقياسها، بل تزداد المشكلات فيما يتعلق بتحقيقها، وبوضع استراتيجية التنمية المثلى، وتنفيذ السياسات التي تعزز ذلك. في حالة النمو الاقتصادي، يعتبر أمرًا مبررًا ومقبولًا عالميًّا أن تقتصر مقاييس التنمية على التغيرات في قيمة الناتج المحلي الإجمالي أو مشتقاته، مثل الناتج القومي الصافي، والناتج القومي الإجمالي، أو على معايير أكثر محدودية، مثل قيمة مبيعات الصناعة أو كمية الصادرات. أما فيما يتعلق بقياس مستوى التنمية الاجتماعية الاقتصادية وديناميكية هذه العملية، فلا يوجد إجماع في الآراء. ولهذا الأمر تبعات نظرية وعملية بعيدة المدى.

لا تزال معضلات الاختيار هائلة، حتى لو افترضنا أن الفئة المراد الارتقاء بها إلى الحد الأقصى ليست الناتج المحلي الإجمالي (ولا ينبغي أن تكون كذلك)، وإنما رأس المال الاجتماعي الذي يقاس باستخدام مؤشر يدل على نمو رأس المال البشري؛ وهو مؤشر التنمية البشرية. للقرارات الاجتماعية والسياسية أهمية بالغة، ويمكنها أن تحدث فرقًا شاسعًا. لنأخذ بولندا مثالًا على ذلك؛ بولندا بلد يطمح إلى تحقيق أعلى درجات التنمية، ولديه فرصة لتحقيق هذه الطموحات في غضون جيل واحد. وهذا أمر ممكن، لكن ليس بالضرورة أن يحدث. فهذا يتوقف على أمور معينة.

وإذا افترضنا أن التنمية لا تقتصر على مستويات الإنتاج والتعليم والصحة مثلما ينعكس في مؤشر التنمية البشرية، فهذه الفئات الثلاث تعكس بصورة غير مباشرة جوانب هامة أخرى. ومن ثم، يمكننا معالجة قصور مؤشر التنمية البشرية، ورفع قيمته إلى الحد الأقصى الممكن، باعتباره محور نشاط التنمية. وعند وضع استراتيجية طويلة الأجل لبلد مثل بولندا — لنقل اثنتي عشرة سنة أو أكثر — يواجه العامة وصناع القرار أسئلة مثل: ما الذي ينبغي زيادته؟ وبأي نسبة؟ ووفقًا لأي ترتيب؟ فمن المستحيل تحقيق كل شيء دفعة واحدة. وبالطبع سيكون هناك سؤال يتعلق بكيفية تمويل ذلك.

بادئ ذي بدء، يبلغ مؤشر تنمية رأس المال البشري لدينا ٠٫٨٦٢. وهذه النسبة تستند إلى حقائق إحصائية مؤكَّدة وفقًا لمنهجية مقبولة تتمثل في أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي وفقًا لتعادل القدرة الشرائية بلغ ١٣٠٠٠ دولار (في عام ٢٠٠٥، وارتفع إلى أكثر من ١٧٠٠٠ دولار في عام ٢٠١٠)، وأن نسبة الالتحاق بالتعليم ٨٦٪ (هذا هو ثلث عنصر التعليم في مؤشر التنمية البشرية)، ونسبة الإلمام بالقراءة والكتابة ٩٩٪ (الثلثان الآخران من العنصر)، ومتوسط العمر المتوقع ٧٤٫٦ عامًا. العناصر الثلاثة هي: ٠٫٢٧٢ للناتج المحلي الإجمالي، و٠٫٣١٥ للتعليم، و٠٫٢٧٥ للصحة؛ ومن ثم يبلغ إجمالي مؤشر التنمية البشرية لبولندا ٠٫٨٦٢.

لنفترض أننا الآن نود رفع المؤشر إلى ٠٫٩٠٢. هذا يعني أننا يجب أن نحقق زيادة قدرها ٠٫٠٤٠، ونصل بمستوى حياة المواطنين إلى المستوى الذي يتمتع به مواطنو قبرص والبرتغال في الوقت الراهن. وهناك عدة طرق لتحقيق ذلك. سنعمل على دراسة ثلاثة بدائل افتراضية:
  • مضاعفة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من ١٣٠٠٠ إلى ٢٦٠٠٠ دولار، مع الإبقاء على مستوى التعليم والصحة على وضعهما الحالي.

  • زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة ٥٦٪ ليصل إلى ٢٠٣٠٠ دولار (مما سيحدث زيادة بنسبة ٠٫٠٢٤ في مؤشر التنمية البشرية، مع زيادة عدد الملتحقين بالتعليم من الشباب من نسبة ٨٦٪ الحالية إلى ١٠٠٪ (أي ضمان تخرج الجميع من المدرسة الثانوية)، مما سيرفع مؤشر التنمية البشرية بنسبة ٠٫٠١٦، مع الإبقاء على المستوى الحالي للصحة.

  • تحقيق تقدم في مجال الصحة العامة، مما سيزيد متوسط العمر المتوقع إلى ٨١٫٦ عامًا (وبهذا يرتفع مؤشر التنمية البشرية بنسبة ٠٫٠٤٠)، مع الإبقاء على مستوى الدخل والتعليم على وضعهما الحالي.

أي هذه البدائل نختار؟ قد يقول أحد الأشخاص: «نزيد الإنتاج إلى أقصى حد ممكن، لأن زيادة الناتج المحلي الإجمالي تعني خلق ثروة يمكن استغلالها بمرور الوقت لتحسين التعليم والصحة.» وقد يقول آخر: «نزيد نفقات التدريس والتعليم إلى الحد الأقصى؛ لأن المواطنين الذين حظوا بتعليم أفضل سيتمكنون بمرور الوقت من تحقيق زيادة في الناتج المحلي الإجمالي، ومن ثم سيتوافر المال اللازم للإنفاق على الرعاية الصحية.» لكن شخصًا آخر قد يقترح: «الصحة هي الأولوية المطلقة؛ لأننا إذا أصبحنا أصحَّاء، فسترتفع إنتاجية العمل، وسيزداد الناتج المحلي الإجمالي، وبمرور الوقت، سيتوافر لدينا المال لننفق على تحسين التعليم.» من الواضح أن أفضل شيء هو الاحتفاظ بالكعكة وتناولها في الوقت نفسه مع فقدان بعض الوزن أيضًا!

ثمة أشياء كثيرة وهامة ينبغي أن نأخذها في الاعتبار؛ إذ لا توجد أبدًا خيارات متطرفة كهذه في العمليات الاجتماعية والاقتصادية الواقعية. والخيارات الموجودة لدينا هي أمثلة غير واقعية، لأنها تأخذ زيادة التمويل لتنفقه على تطوير التعليم (أي يجب أن يرتفع الإنتاج لكي تتوفر زيادة التمويل)، بينما يؤدي الارتقاء بالتعليم أيضًا إلى زيادة الإنتاج. وينطبق نفس الشيء على مسألة الرعاية الصحية. أي إننا في جميع هذه الحالات يجب أن نخصص الأموال لدفع نفقات التحسينات التي تؤدي بدورها إلى تحقيق مزيد من الأموال. وهنا، تلعب آليات التغذية الراجعة دورًا قويًّا، على الرغم من أن العلاقات المتبادلة بين عناصر كل خيار تختلف من مجال لآخر. ومن الواضح أننا — على المدى القصير — نستطيع أن نحول إنفاق الأموال من أحد هذه التطبيقات إلى الآخر، أو نستطيع أن نحول نسب العجز في الميزانية لتمويل الخدمات العامة التي تدعم التنمية، لكن هذا ليس مسارًا لتحقيق التقدم على المدى الطويل.

دائمًا تكون الحلول العملية حلول وسط عادية، ولا يمكن أن تكون إلا كذلك. ومجموعة الحلول الوسط المتاحة الآن — بل وتلك التي تكون متاحة على الدوام — كثيرة بما يكفي لتغطية كافة الاحتمالات. وإذا سلكنا طريقًا وسطًا، نستطيع أن نطرح استراتيجية تنمية اجتماعية متوازنة من شأنها أن تسفر عن ارتفاع قدره ٠٫٠٤٠ في مؤشر التنمية البشرية على مدى زمني مفترض وعلى أساس نمو العوامل الثلاثة على النحو التالي:
  • تحقيق ارتفاع قدره ٠٫٠١٣ من خلال زيادة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من ٨٣٠٠ دولار إلى ٢١٣٠٠ دولار.

  • تحقيق ارتفاع مماثل في مجال التعليم من خلال زيادة معدل الالتحاق بالمدارس بمقدار ١٢ نقطة بحيث يصل إلى ٩٨٪.

  • تحقيق ارتفاع مماثل في مجال الصحة من خلال رفع متوسط العمر المتوقع بمقدار ٢٫٤ عامًا، بحيث يصل إلى ٧٧ عامًا.

إن اختيار مسار كهذا سيحقق نتائج بالغة الأهمية من النواحي العملية والسياسية والقانونية والاقتصادية والمالية والتنظيمية. علاوة على أنه سيستلزم تشريعًا خاصًّا. وهذا يتضمن سياسة معينة لكلٍّ من الضرائب والميزانية، وسيتعين اتخاذ مجموعة كبيرة من القرارات التنفيذية التقنية. أهم من هذا كله، ستكون هناك حاجة لاتباع نهج شامل قائم على نظرية اقتصادية متينة من جهة، وعلى توافق مجتمعي حول أهداف التنمية في مرحلة زمنية محددة من جهة أخرى. هل هذه هي نوعية الأمور التي يمكن أن تُناقش في البرلمان؟ وكم عدد البرلمانيين الذين سيتمكنون من الإلمام بالمعضلات السياسية الحقيقية — التي يجب إبرازها — على النحو الصحيح؟ أعني: هل يمكنهم الإلمام بهذه المعضلات؟ ليس من منطلق محاولة ضمان النجاح في الانتخابات البرلمانية التالية — فالكثير منهم قادرون على ذلك — بل من منطلق وجوب تقدير خيارات عدة متنافسة بغية تحديد أفضل هذه الخيارات على نحو حصيف؟ التنمية الاجتماعية الاقتصادية تتضمن دومًا أموالًا عامة نظرًا لأنها شأن عام. والتخصيص الأمثل لهذه الأموال أمر بالغ الأهمية فيما يتعلق بالتنمية. وهذه هي نوعية الأمور التي يُفترض أن يناقشها البرلمان ويتدارسها، لكن كم عضوًا من أعضاء البرلمان يفكر جاهدًا في هذه الأمور، لا في مصلحته السياسية الخاصة؟ وكم منهم يصل بعد نظره إلى التفكير في الجيل القادم، لا في الانتخابات القادمة؟ بإمكانهم أن يركزوا تفكيرهم على أمور جادة، لكن التنمية ترتبط بإطار زمني أطول من مدة الدورة البرلمانية الواحدة إذا أريد لها أن تكون متوازنة من النواحي الاجتماعية والبيئية والاقتصادية والمالية.

الواقع أكثر تشابكًا من هذا المثال المعقد من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وسيبقى السؤال حول كيفية تحقيق التنمية الاقتصادية، بل وكيفية قياسها، بلا إجابة محددة فترة طويلة. والأهم من ذلك أنه سيظل هكذا دائمًا. إن مستوى التنمية هو ما يجعل الاقتصاد «جميلًا»، لكن مقاييس الجمال مسألة محيرة. فإما أن نرى الشيء جميلًا أو غير جميل، لكننا نواجه مشكلات صعبة حين يُطلب منا تحديد السبب. هل ينبغي أن نقيس الثروة من الناحية الكمية وأن نقارنها بمقياس الفقر؟ هل طول العمر هو الأهم، أم ينبغي لنا أن نحاول قياس مدى الرضاء الاجتماعي؟ كيف يمكننا قياس جودة الحياة، أو سعادة الإنسان؟ هذه الأسئلة تتعدى حدود علم الاقتصاد، لكنها جديرة بالاهتمام، فأي علم يكون أكثر تشويقًا حين يبلغ التواصل مع العلوم الأخرى.

من المثير أن أحد أهم الإسهامات المبتكرة في النقاش حول جوهر التنمية وأهدافها لم يأت من أحد الأكاديميين والسياسيين من أبناء البلدان الأكثر تطورًا، بل أتى من الملك الشاب المبدع جيجمي سينجاي وانجتشوك — إذ كان شابًّا في ذلك الحين — الذي يحكم بوتان؛ ذلك البلد الجميل والفقير للغاية الذي يقع بين الصين والهند، والذي لا يكاد نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيه يتعدى ١٤٠٠ دولار. كان رد هذا الملك على انتقادات صحيفة «فاينانشيال تايمز» لمعدل النمو الضعيف للغاية في بوتان، وبنيتها الاجتماعية التقليدية الخانقة، وعزلتها عن العالم الغربي، أن اقترح مؤشر إجمالي السعادة القومية.

يمثل مؤشر إجمالي السعادة القومية خطوة نحو الأمام، وإن كان يبدو من بعض النواحي وكأنه أيضًا خطوة على جانب الطريق. فهو يشدد على أهمية المجتمع القانع والحياة المُرضية، وهذا الرضاء لا يكون عن مستوى الإنتاج فقط، بل أيضًا عن مستوى التقاليد الثقافية (التقاليد البوذية ملحوظة هنا)، وعن حالة البيئة الطبيعية. وفي الوقت الذي تركز فيه النماذج الكلاسيكية للنمو على الجوانب الكمية للتوسع الاقتصادي، يركز مؤشر إجمالي السعادة القومية على التضافر وآليات التغذية الراجعة الإيجابية للجانبين المادي والروحي للتنمية. وهكذا، يعتمد مؤشر إجمالي السعادة القومية على أربع ركائز هي:
  • تنمية اجتماعية اقتصادية (بالمعنى التقليدي) عادلة ومستدامة.

  • الاهتمام بالقيم الثقافية وحمايتها.

  • المحافظة على البيئة الطبيعية.

  • إدارة وحوكمة رشيدة للاقتصاد والشئون العامة.

سكان مملكة بوتان سعداء، كما يتضح من البحث على صعيدي علم النفس والاقتصاد. وقد وُضعت أول خريطة عالمية للسعادة في جامعة «ليستر» في بريطانيا، وهي تقوم على مجموعة غنية من البيانات المقارنة التي لا تقتصر فقط على بيانات الثروة (الدخل ورأس المال)، بل تشمل أيضًا بيانات تتعلق بمستوى الصحة والتعليم. علاوة على ذلك، أُجري بحث استقصائي على نحو ٨٠ ألف شخص من ١٧٨ بلدًا حول شعورهم بالرفاهة والرضا عن حياتهم. ثم استُخدمت هذه النتائج في تشكيل مؤشر مركب يعبر عن الشعور بالرضا عن الحياة، وهو مؤشر الشعور الذاتي بالرفاهة الذي يصنف الدول على مقياس يتدرج من ١٠٠ حتى ٣٠٠.1

بلغ مؤشر الشعور الذاتي بالرفاهة لسكان بوتان الفقيرة ٢٥٣، وهو نفس النسبة التي حصلت عليها أيرلندا وكندا ولوكسمبورج، ومن المذهل أن بوتان تتساوى مع هذه الدول في احتلال المركز الثامن. ولا تتفوق على هذا المركز سوى أكثر البلدان ازدهارًا في العالم. وتتساوى سويسرا والدنمارك في المركز الأول عند ٢٧٣ نقطة، تليهما النمسا وأيسلندا (٢٦٠)، ثم فنلندا والسويد وجزر البهاما (٢٥٧). أما الصين والهند — جارتا بوتان — فجاءتا في المركزين ٨٢ و١٢٥ بعدد نقاط ٢١٠ و١٨٠ نقطة على التوالي. وتأتي الولايات المتحدة في المرتبة ٢٢ بمقدار ٢٤٧ نقطة، في حين أن روسيا تقبع بعيدًا في المركز ١٦٧ بمقدار ١٤٣ نقطة. وتأتي بولندا في المركز ٩٨ بمقدار ١٩٧ نقطة. أما التعساء الذين جاءوا في نهاية الترتيب فهم سكان جمهورية الكونغو الديمقراطية وزيمبابوي وبوروندي بمقدار ١٠٠ نقطة يسبقهم في الترتيب بفارق قليل سكان دول ما بعد الاشتراكية؛ مولدوفا (١١٧) وأوكرانيا (١٢٠). أعلى بلدان ما بعد الاشتراكية هي: منغوليا في المركز ٥٩ بمقدار ٢٢٣ نقطة، وتتعادل قيرغيزستان وسلوفينيا في احتلال المركز ٦١ مع ثمانية بلدان أخرى بمقدار (٢٢٠ نقطة).

في هذا السياق، من المحير أن تأتي بوتان في نهاية مؤشر التنمية البشرية؛ في المركز ١٣٥ بحصولها على ٠٫٥٣٨. والفرق هو أن مؤشر التنمية البشرية يأخذ في الاعتبار التعليم والصحة علاوة على الناتج المحلي الإجمالي، بينما يعتمد مؤشر إجمالي السعادة القومية على الناتج المحلي الإجمالي والثقافة والبيئة. لكن أيًّا من المؤشرين لا يأخذ في الاعتبار توزيع الدخل. وحتمًا سيأتي الوقت الذي يكون لدينا فيه مؤشر تركيبي يجمع بين عناصر مؤشر التنمية البشرية، ومؤشر إجمالي السعادة القومية ومعامل «جيني».

ولا مشكلة في الجمع بينهما، لكن المشكلة هي الاتفاق على كيفية تقدير العوامل المختلفة. فهذه علاقة معقدة، وهذا يتضح عندما يحاول المرء بمفرده أن يتوصل إلى صيغة لتجميع فئات لا يمكن جمعها معًا، مثل: الدخل الشخصي، والتعليم، والصحة، وطول العمر، ووقت الفراغ (من النوع الجيد، الذي يكون خارج ساعات العمل إذا كنت موظفًا)، والمشاعر الذاتية، بما فيها الشعور بأن الآخرين أكثر ثراء أو أكثر فقرًا، وحالة البيئتين الطبيعية والثقافية من حولنا، ومدى الرضا أو عدم الرضا عن أداء حكومتك، وضوابط الديمقراطية.

سأقترح نظامًا مكونًا من أربع مجموعات: الأُولى الإنتاج، أي نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي؛ والثانية نطاق المشاعر الذاتية، وترتبط أيضًا بصحة الفرد، ومدى الرضا عن مراحل الحياة التي عشناها حتى الآن، وتجري تقديرًا واقعيًّا لعدد السنوات الباقية، ومستوى التعليم، وجودة الحياة المجتمعية (الحكومة والديمقراطية). المجموعة الثالثة تتناول حالة البيئة الطبيعية التي ندركها بحواسنا (أي تأثيرها على مشاعرنا الذاتية، وصحتنا، وظروف معيشتنا، وعملنا). والمجموعة الرابعة هي تقييم لوقت الفراغ وللقيم الثقافية التي يمكن أن تملأ هذا الفراغ. بالطبع، أهم عنصر هو الناتج المحلي الإجمالي بوصفه الأساس المادي للحياة؛ لذا أقترح أن يحظى بخُمسي المجموع الإجمالي لجميع العناصر. أما المجموعات الثلاث الأخرى، فستشكل كلٌّ منها نسبة الخُمس. ويمكن تجميع العناصر الأربعة لتصل إلى الرقم ١٠٠ باعتباره حدًّا أقصى، وتتضمن هذه المائة ٤٠٪ حدًّا أقصى للناتج المحلي الإجمالي و٢٠٪ لكلٍّ من العناصر الثلاثة الأخرى. وبما أن الناتج المحلى الإجمالي وصل إلى مثل هذه المستويات في أيامنا هذه، أقترح مبلغ ٥٠٠٠٠ دولار أو أكثر للمستوى الذي يسجل ٤٠ نقطة، وكذلك ٥٠٠ دولار حدًّا أدنى للمستوى الذي يسجل صفرًا. وسأترك مسألة تقدير نقاط الفئات الفرعية في المجموعات الثلاث الأخرى لعلماء السياسة وعلماء البيئة والاقتصاديين، وعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيا، والمحامين والأطباء، إلى جانب الباحثين الآخرين الذين يبحثون في مختلف التخصصات المفيدة في أي وقت من الأوقات. إذا نجحوا في ذلك، كما ينبغي أن يحدث، سيكون لدينا مؤشر جديد هو مؤشر النجاح المتكامل، وستكون هناك خريطة أخرى لتوزيع النقاط.

مصطلح «النجاح» ليس أفضل من مصطلح «الإنتاج» أو (مستوى) التنمية فقط، وإنما أفضل أيضًا من كلمتي الرخاء أو السعادة. فمفهوم النجاح أشمل من السعادة، لأن فئة النجاح تتضمن أيضًا تأثير النشاط الاقتصادي المدروس، وتضع يدنا على ما نحاول تحقيقه في مجال التنمية المتوازنة من جميع جوانبها. ومن اللافت للانتباه أن البولنديين لا يقولون «حظًّا سعيدًا» بعضهم لبعض في السياق السياسي أو التجاري، بل يتمنون «النجاح» بعضهم لبعض. أعتقد أن هذا يتعدى مجرد ارتباطه بمسألة دلالات الألفاظ؛ فكلمة «النجاح» توحي بالتفاعل والإيجابية، على عكس «الحظ» التي تدل على موقف أكثر سلبية، ولا شك أن التفاعل أفضل. ومن الواضح أن التنمية ينبغي أن تدل على أقصى قدر ممكن من التوازن في الجوانب:
  • المالية.

  • الاقتصادية.

  • البيئية.

  • الاجتماعية.

  • المؤسسية.

  • السياسية.

أقول «أقصى قدر ممكن» نظرًا لأن تحقيق التوازن المثالي أمر مستحيل، وأي آمال من هذا القبيل تعد ضربًا من ضروب التمني. فالنجاح — شأنه شأن الحظ — يشمل جوانب ثقافية وروحية، ويتعلق بالحالة الذهنية، والعواطف، ومشاعرنا الذاتية تجاه أنفسنا. وكثير من هذه الجوانب يقع خارج نطاق علم الاقتصاد التقليدي، وهذا هو المطلوب. فالخروج من قيد العادات والتقاليد أمر مثمر من الناحية الفكرية.

في كل اللغات تقريبًا، خصوصًا في لغات مثل البولندية مرورًا بالإنجليزية وحتى لغة زونكا — إحدى لغات التبت المستخدمة في بوتان — تستخدم الكلمات الدالة على السعادة، والحظ السعيد، والنجاح بطرق يتداخل بعضها مع بعض أحيانًا، مما يؤدي إلى عدم وضوح المجالات الدلالية لهذه الكلمات.

وإذا عدنا إلى نموذج بوتان المذهل ذي الدلالة البالغة، يجب أن نلاحظ أن الأوضاع قد تحسنت هناك منذ أن اهتم الملك بمسألة السعادة. ولعل انخفاض معامل «جيني» إلى ٠٫٣٦٥ له علاقة بذلك. يمكنك أن تقول إن الفقر هناك موزع على نحو أكثر عدالة إلى حد ما، والسكان يقدرون هذا. لكن الاقتصاد، في أبسط معانيه المطلقة، هو التنمية، وإذا تسلقنا منحدرات جبال الهيمالايا، فسنصل إما إلى القرى الصغيرة حيث يبلغ معامل «جيني» ٠٫٤١٨، أو إلى أقاليم جغرافية حكومية تضم عدة قرى، يبلغ معامل جيني فيها رقمًا يقل عن المعدل القومي العام. وإذا تحدثنا من حيث الكيف، فسنلاحظ أن مؤشر التنمية البشرية ارتفع خلال جيل واحد؛ إذ كان يساوي ٠٫٣٢٥ في عام ١٩٨٤ — وهي نسبة ارتفاع ضئيلة حتى إذا ما قورنت بمعايير البلدان الأشد فقرًا — إلى موقعها الحالي في أدنى فئة بين مجموعة الدول متوسطة الطبقة على مستوى العالم. إلا أن هذه الطفرة لافتة للنظر على المستوى العالمي.

وبعيدًا عن هذا السياق؛ ما دلالة الجذور الشرقية التي يعزى إليها مؤشري التنمية البشرية والسعادة القومية؟ اشترك اقتصادي من الهند وآخر من باكستان مع الاقتصادي أمارتيا سِن في تطوير مؤشر التنمية البشرية. ويعود الفضل في ابتكار مؤشر السعادة القومية إلى ملك بوتان. من الملاحظ أنهم جميعًا عملوا في ظل تأثير قوي للثقافة الشرقية ودياناتها. ومن الجدير بالذكر أيضًا أن ملك بوتان تلقى تعليمه في إحدى أرقى المدارس الداخلية الإنجليزية قبل أن يتوج ملكًا على بوتان في سن السابعة عشرة في عام ١٩٧٢. وبالمثل، تخرج مبتكرو مؤشر التنمية البشرية من جامعات بريطانية مرموقة مثل كامبريدج وأكسفورد، وكلية لندن للاقتصاد، ودرَّسوا فيها أيضًا. لقد نبعت أفكارهم من التقاء القيم الشرقية مع الغربية؛ لأن أكثر الأفكار تشويقًا هي التي لا تنشأ من نقاط التواصل بين فروع علمية مختلفة فحسب، بل التي تنشأ نتيجة لالتقاء ثقافات مختلفة أيضًا. حتمًا سيكون للتعددية الثقافية مستقبل باهر.

في تحليل إحصائي أكثر تعمقًا، يتبين لنا أن أقوى ارتباط لمستوى السعادة في مختلف البلدان يكون مع المستوى الصحي (إذ بلغت نسبة هذا الارتباط بين السعادة والصحة ٠٫٦٢)، وبين السعادة والثراء (٠٫٥٢)، وبين السعادة ومستوى التعليم (٠٫٥٣).2 وهذا قد يفسر السبب في أن نتائج الاستطلاع الذي أجرته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» جاءت مفاجأة لخبراء الاقتصاد الذين يفكرون على نحو تقليدي. فقد شعر ما لا يقل عن ٨١٪ من الأشخاص الذين استُطلعت آراؤهم أن الحكومة ينبغي أن تركز على محاولة إسعاد الأفراد أكثر من تركيزها على إثرائهم. وهذا يعتمد على نوع الحكومة، لكن عمومًا، من الجيد أن تبقى الحكومات بعيدًا عن محاولة إسعادنا؛ فمن المؤكد أن لديها أشياء أخرى لتضطلع بها. مع ذلك، ينبغي أن تولي الحكومة اهتمامًا بحال البلاد فيما يتعلق بمسألة مؤشر السعادة، وأن تستنبط الحلول السليمة. فالمال وحده لا يشتري السعادة. الصحة والمعرفة والجاذبية الشخصية أهم بكثير، لكن اكتساب كل هذه الأمور — كما نعلم — يكلف المال، وفي ذلك المال العام الذي تنفقه الحكومة.

لسوء الحظ، لم يُحدث مؤشر إجمالي السعادة القومية تأثيرًا كبيرًا بعد، مع أنه أثار بعض الحراك الفكري والعلمي على نطاق عالمي، وانعكس هذا في شكل تيار من المقالات ومؤتمر واحد بهذا الشأن. لكن مؤشر التنمية البشرية — بالرغم من كل عيوبه — يُستخدم على نحو أكثر انتشارًا في المقارنات الدولية. يكمن عيبه الرئيسي في أنه يخلط بين المعلومات حول الإنتاج والصحة والتعليم، لكنها خطوة إلى الأمام على الطريق الصحيح. وهو أيضًا لا يعكس عدالة توزيع الدخل ولا تأثير وقت الفراغ على مستوى الرفاهة الاجتماعية، ومن ثمَّ يشوه على سبيل المثال العلاقة الحقيقية لمفهوم الرفاهة على جانبي الأطلنطي.

تجري الأمور على ما يرام على نحو نسبي في السواحل المطلة على شمال المحيط الأطلنطي، حيث الثراء أكثر والفقر أقل. لكن في البلدان التي تطل سواحلها على جنوب المحيط الأطلنطي تركز السياسة على قضايا أخرى — مثلما هو الحال في المناطق الفقيرة الأخرى في العالم — لا سيما على النقص الهائل في التنمية مقارنة بالعالم الثري.

وفي هذا السياق، احتفلت الأمم المتحدة في مطلع الألفية الثالثة بإعلان «الأهداف التنموية للألفية»، استجابة لضغوط من الدول الفقيرة، ومن جماعات ضغط الاقتصاديين الذين يتعاملون مع قضايا التنمية، وينمو نفوذهم على نحو متزايد (كما ينبغي)، ومن عدد كبير ومتزايد من المنظمات غير الحكومية النشطة. وانضمت البلدان الغنية إلى هذه الخطة. كانت بعض هذه الدول مهتمة بالموضوع، مثل الدول الاسكندنافية ودول البينيلوكس (بلجيكا وهولندا ولوكسمبورج)، وكندا، في حين كان اهتمام دول أخرى مثل البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية، واليابان، وإيطاليا أقل.

أرست «الأهداف التنموية للألفية» معايير لتلبية الاحتياجات الاجتماعية الأساسية التي ينبغي تحقيقها بحلول عام ٢٠١٥. لا تعد هذه الأهداف تنموية في حد ذاتها فحسب، بل إنها تشكل أيضًا ظروفًا لازمة لمواصلة التنمية في المستقبل. وقد وضعت أساسًا للتركيز على بلدان الجنوب الفقيرة، علاوة على أنها — للأسف — تنطبق على بعض دول ما بعد الاشتراكية التي أضيرت بفعل ركود التحول الاقتصادي الشاق خلال التسعينيات، مما أدى إلى تدهور ملحوظ لظروف معيشة جزء كبير من سكانها.

تتسم «الأهداف التنموية للألفية» ببنية شاملة مكونة من الغايات والأهداف والمؤشرات. كانت الفكرة تقوم على تجنب التعميمات فيما يتعلق باتجاهات ضرورة تحسين الأحوال المعيشية، أو تجنب الرأي الذي يذهب إلى أن الأمور لا يمكن أن تستمر على هذا الحال (لأن هذا ممكن). وتحدد الأهداف ثماني مناطق ينبغي حدوث تحسينات ملموسة فيها على مدى ١٥ عامًا، وهذا يتأتى في المقام الأول من خلال سياسة تنموية طموحة بالتنسيق مع الجهود المشتركة للمجتمع الدولي بأسره وبدعم منها في ظل رعاية الأمم المتحدة.

والأهداف الرئيسية الثمانية هي:
  • (١)

    استئصال شأفة الفقر المدقع والجوع.

  • (٢)

    تحقيق تعليم أساسي للجميع.

  • (٣)

    تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة من حقوقها الأساسية.

  • (٤)

    تخفيض وفيات الأطفال.

  • (٥)

    تحسين صحة الأم.

  • (٦)

    مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، والملاريا، والأمراض الرئيسية الأخرى.

  • (٧)

    تعزيز استدامة البيئة.

  • (٨)

    تكوين شراكة عالمية من أجل التنمية.

وجرى وضع نظام لرصد تغيرات العملية كلها، وتدشين موقع إلكتروني خاص بالأمم المتحدة على شبكة الإنترنت (http://mdgs.un.org/unsd/mdg/Default.aspx) يجري تحديثه دوريًّا. ينقسم كل واحد من هذه الأهداف إلى مهام أكثر تحديدًا. هناك ١٨ هدفًا، حُددت لكل واحد من هذه الأهداف مؤشرات لرصد التقدم الكمي.
الهدف الأول على سبيل المثال — استئصال شأفة الفقر المدقع والجوع — يعتمد على تحقق هدفين هما:
  • خفض نسبة الأفراد الذين يقل دخلهم عن دولار واحد في اليوم إلى النصف خلال الفترة من ١٩٩٠ إلى ٢٠١٥.

  • خفض عدد الأفراد الذين يعانون الجوع إلى النصف خلال الفترة من ١٩٩٠ إلى ٢٠١٥.

ويقاس التقدم في أول هذه الأهداف (تخفيض عدد الأفراد الذين يقل دخلهم عن دولار واحد في اليوم إلى النصف) بثلاثة مؤشرات:
  • نسبة السكان الذين يعيشون بأقل من دولار واحد في اليوم الواحد (وفقًا لتعادل القدرة الشرائية).

  • نسبة فجوة الفقر، وهي معيار إحصائي مركب يعبر عن حجم الفقر في شكل نسبة مئوية للدخل الذي يساوي حد الفقر؛ وهذا يحسب من خلال نسبة الأفراد الذين يعيشون تحت خط الفقر مضروبة في الفرق بين خط الفقر ومتوسط دخل الأفراد الذين يعيشون تحت خط الفقر (للأسف، ما من طريقة أبسط لشرح هذا).3
  • النسبة المئوية لحصة خمس السكان الأشد فقرًا من مجمل الاستهلاك الوطني.

ويفترض أن يقاس التقدم الذي يتحقق نحو الهدف الثاني على أساس مؤشرين:
  • معدل انتشار نقص الوزن الحاد بين الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ٥ سنوات.

  • نسبة الأفراد الذين لا يحصلون على الحد الأدنى من استهلاك الطاقة الغذائية.

انقضى بالفعل ثلثا الفترة الزمنية المخصصة لتحقيق «الأهداف التنموية للألفية»، والنتائج مختلطة. وتُحدَّث كافة المؤشرات المطبقة على نحو سنوي، ويمكن الاطلاع عليها عبر الإنترنت.4 لكن نظرة سريعة تكفي ليتبين لنا أن كثيرًا من الأهداف لن تتحقق، وأن الوضع يمكن حتى أن يزداد سوءًا في الحالات القصوى. ويعزى ذلك جزئيًّا إلى أن الأهداف ليست واقعية، وتعسفية إلى حد ما (على سبيل المثال: لماذا ينبغي بالضرورة أن يكون حجم انخفاض الجوع بنسبة النصف تحديدًا؟) الأهم من ذلك أن هذا يعزى إلى عدم وجود استراتيجية تنموية صحيحة. وأخيرًا، يجب التأكيد مرة أخرى على أن التقدم الذي أحرز في الصين — ومؤخرًا في الهند أيضًا — كان له تأثير إيجابي هائل على المعدلات العالمية.

مع أن «الأهداف التنموية للألفية» كانت قد صيغت في عام ٢٠٠٠، فإنها تقاس بأثر رجعي على امتداد فترة بدأت منذ عام ١٩٩٠. ومن ثم، لا يمكن إجراء المقارنات القائمة على أي مستوى يوضح أي شيء إلا فيما يخص النصف الأول من الفترة الزمنية المحددة لتحقيق هذه الأهداف، وهي الفترة بين سنة ١٩٩٠ حتى سنة ٢٠٠٢. دعونا نلقي نظرة على أربعة من المؤشرات الخمسة المذكورة سلفًا، التي تنطبق على الهدفين الأول والثاني من أهداف الألفية، وهي قطعًا أهم الأهداف؛ إذ بالرغم من كل ما تحقق، فإنه من العار على البشرية جمعاء أننا لا نزال نشهد مثل هذا المستوى من معاناة الفقر والجوع التي شهدها عام ٢٠٠٨ (تجاوز متوسط نصيب الفرد من الدخل في العالم كله ١٠٠٠٠ دولار)، أم هل كُتب على سدس سكان العالم أن يعيشوا على أقل من واحد على ثلاثين من متوسط الدخل العالمي؟ هل كُتب عليهم ذلك حقًّا؟

دعونا ننظر إلى بعض الأمثلة المحدودة من خلال العدسة المكبرة. فيما يتعلق بتخفيض عدد الأفراد الذين يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم، كان أكبر تقدم هو الذي أحرز في شرق آسيا، حيث هبطت النسبة من ٣٣٪ في عام ١٩٩٠ إلى ١٤٫١٪ في عام ٢٠٠٢. وكانت أسوأ الحالات هي الصحراء الجنوبية الكبرى بأفريقيا، حيث لم تنخفض النسبة الصادمة إلا بنسبة غير محسوسة من ٤٤٫٦٪ إلى ٤٤٫٠٪. وفي بلدان ما بعد الاشتراكية الواقعة في وسط أوروبا الشرقية قفزت النسبة من ٠٫٤٪ إلى ١٫٨٪، وفي دول الكومنولث المستقلة التي نشأت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ارتفعت النسبة ارتفاعًا هائلًا من ٠٫٤٪ إلى ٢٫٥٪. أما في المناطق التي تعرفها الأمم المتحدة بوصفها مناطق نامية، فقد انخفضت النسبة عمومًا من ٢٧٫٩٪ إلى ١٩٫٤٪؛ وهكذا، لا يزال أمامنا طريق طويل قبل بلوغ الهدف المنشود بتخفيض عدد الفقراء إلى النصف.

فيما يتعلق بفجوة الفقر، فهي لا تكاد تتصاغر إلا بمقادير قليلة في جنوب الصحراء الكبرى بأفريقيا؛ إذ انخفضت من ١٩٫٥٪ إلى ١٨٫٧٪. من ناحية أخرى، ربما لن يكون من المستغرب أن النسبة انخفضت انخفاضًا حادًّا في شرق آسيا من ٨٫٩٪ إلى ٣٫١٪. بينما ارتفعت في مجموعتي بلدان ما بعد الاشتراكية المذكورتين سابقًا، حيث ارتفعت النسبة لكلٍّ منهما على التوالي من ٠٫٣٪ إلى ٠٫٥٪، ومن ٠٫٢٪ إلى ٠٫٦٪.

وإذا نظرنا إلى المؤشر الثالث — نسبة الأطفال الصغار الذين يعانون نقصًا حادًّا في الوزن — فسنرى أنه قد انخفض من ٣٣٪ إلى ٢٨٪ من العدد الإجمالي لسكان المناطق النامية. وانخفضت النسبة أيضًا في شرق آسيا من ١٩٪ إلى ٨٪، لكنها لم تنخفض إلا بمقدار قليل في جنوب آسيا من ٥٣٪ إلى ٤٧٪ فقط، وانخفضت في جنوب الصحراء الكبرى بأفريقيا من ٣٢٪ إلى ٣٠٪ فقط.

يتناول المؤشر الرابع ما يحصل عليه الفرد من سعرات حرارية تقل عن الرقم الذي يعتبره خبراء التغذية ضروريًّا. من عام ١٩٩٠ حتى عام ٢٠٠٢، انخفضت النسبة بوجه عام من ٢٠٪ إلى ١٧٪. وفي جنوب الصحراء الكبرى بأفريقيا — حيث الأمور أسوأ ولا يزال نقص التغذية يؤثر على نحو نصف السكان — انخفضت النسبة من ٣٣٪ إلى ٣١٪. لكن الأمور تحسنت في معظم مناطق شرق آسيا، حيث انخفضت النسبة من ١٦٪ إلى ١٢٪، وفي جنوب آسيا أيضًا، حيث انخفضت النسبة من ١٨٪ إلى ١٢٪.

ومما لا شك فيه أن الأمر سوف يستغرق مدى زمنيًّا يتجاوز عام ٢٠١٥ لكي نحقق هذه الأهداف، وغيرها من أهداف التنمية الطموحة. وسيظل الحال على ذلك حتى إذا انتهينا من تحقيق «الأهداف التنموية للألفية»؛ لأن الغاية ليست الحد من هذه البلايا العالمية فقط، بل القضاء عليها تمامًا. لسوء الحظ، تحقيق ذلك أمر مستحيل حتى على المدى البعيد. لكن من الممكن أن نحقق تحسنًا كبيرًا وعلى نطاق أوسع من تلك الأهداف التي حُددت في عام ٢٠٠٠. فكلما ارتفع معدل النمو الاقتصادي، زادت فرصة تحقيق النجاح.

في الوقت الراهن، يزداد تعقد الوضع فيما يختص بشروط وآليات وآفاق كلٍّ من النمو والتنمية، وهذا أولًا بسبب الاصطدام بحواجز جديدة تعوق النمو الاقتصادي. فكثيرًا ما سمعنا تحذيرات من أن النمو في الإنتاج سينتهي حتمًا. ذلك لأنه صار من المستحيل إطعام كل هؤلاء السكان الذين يتزايد عددهم باستمرار، على حد ما قاله عالم الاقتصاد البريطاني توماس مالتوس (١٧٦٦–١٨٣٤) قبل قرنين من الزمان، عندما قرر أنه في الوقت الذي يزداد فيه عدد السكان زيادة أسية، لا يمكن أن يزيد إنتاج الغذاء إلا بمعدل خطي فقط. وهناك سبب آخر هو استنفاد الموارد الطبيعية غير المتجددة، وهو الأمر الذي ظلت التقارير الواردة من «نادي روما» تحذر منه بإلحاح منذ عام ١٩٧٠.

وقد تبين أن أول هذه التحذيرات مبالغ فيه — على الأقل على مدى المائتي سنة الماضية — لكن الثاني آخذ في التحول إلى حقيقة على نحو متزايد. مع ذلك، لا يمكن رفض قانون مالتوس للسكان دون تمحيص. فتحذيره لم يتحقق في العالم ككل بسبب التقدم التقني في مجال الزراعة وما يعرف بالثورة الخضراء. لكن، يبدو للأسف أن تحذيره صحيح فيما يخص أقل المناطق نموًّا في العالم، حيث لم يتمكن إنتاج المواد الغذائية بالفعل من مواكبة النمو السكاني. وهذا أدى إلى مجاعة مزمنة، ومن ثم إلى الحد من النمو السكاني في تلك المناطق.

فيما يتعلق بالتحذير الثاني — استنفاد الموارد الطبيعية غير المتجددة والضرورية لاستمرار عمليات زيادة الإنتاج والنمط الحالي للحياة — ليست هناك أي مبالغة. فالعالم يواجه مشكلة حقيقية غير مسبوقة فيما يتعلق بالموارد الطبيعية، وكل ما يتعين علينا فعله هو أن نذكر أنفسنا بأن السيناريو الذي يتضمن وصول العالم بأسره إلى نفس مستوى إنتاج واستهلاك أمريكا الشمالية — بكل ما يشكله ذلك من استنفاد للموارد — سيتطلب حشد ثلاثة أضعاف مجمل احتياطيات كوكب الأرض من الموارد، فمن أين لنا أن نعثر على كوكبي أرض آخرين لكي نغطي هذا الأمر؟ بالطبع لن نجد؛ لذلك لن يتحقق هذا السيناريو أبدًا. ولن يكون بإمكان البشر — حتى إذا ظل عدد السكان عند حده الحالي البالغ ٦٫٨ مليار نسمة — أن يحققوا مستويات إنتاج الولايات المتحدة. فمستقبل العالم لا ولن يستطيع أن يقدم لنا أي نموذج آخر كالولايات المتحدة أو أوروبا الغربية. لكن يمكن أن ينظر إلى هذه الاقتصادات باعتبارها نموذجًا، أو نقطة مرجعية تطمح إليها بعض البلدان — ليس العالم بأسره — مثل تشيلي أو بولندا أو ماليزيا، وتحقق درجات تقترب من هذا النجاح.

ونتيجة لمشكلة الموارد الحالية التي تزداد وضوحًا يومًا بعد يوم، وعلى الرغم من التقدم التكنولوجي الذي يستمر في تقليل كثافة استهلاك وسائل الإنتاج للموارد وللطاقة، ظهرت دعوات متكررة تنادي بإبطاء النمو أو بوقفه تمامًا «النمو الصفري». كانت هذه توصية تقرير «نادي روما». وقد انقضى أكثر من جيل واحد منذ صدور ذلك التقرير، وتضاعف إنتاج العالم في غضون ذلك مرة أخرى، مما يعني أن بعض ذلك حدث على حساب استهلاك كميات هائلة من الموارد، ولا تزال الدعوات التي تنادي بتسريع النمو تطغى على تلك التي تنادي بإبطائه. كيف يمكننا حل هذا التناقض؟ هل ينمو الاقتصاد العالمي بوتيرة أسرع أم أبطأ من اللازم؟ هل يوجد ما يبرر طموحات أوروبا الشرقية الرامية إلى التفوق على مستوى إنتاج أوروبا الغربية، أم أنها مجرد وهم آخر؟ هل انتقال أفريقيا وخروجها من الحضيض بعد أن مرت بسنوات عديدة من الركود شيء جيد أم سيئ؟ هل ينبغي لنا أن نبتهج للنمو الهائل لإنتاج جنوب شرق آسيا، أم نقلق منه؟

دعونا نتوقف لنعيد النظر لحظة، ونطرح السؤال بشكل مختلف: هل يمكن أو ينبغي أن يستمر الإنتاج في النمو على نفس النطاق وبنفس النسب التي كان ينمو بها على مدى السنوات العشرين الماضية مثلًا؟ الجواب: هذا ليس ممكنًا ولا مرغوبًا فيه. لهذه العبارة نتائج بعيدة المدى، لأن معدل نمو الإنتاج على مدى العقدين الماضيين كان نادرًا ما يقال عنه إنه مفرط، بل غالبًا كان يوصف بأنه غير كاف. والحقيقة هي أنه لم يكن كافيًا فعلًا للغالبية العظمى من البشر، ولا يزال كذلك، وليس فقط من حيث تلبية المتطلبات الأساسية للحياة. لكن في الوقت نفسه، يمكن أن يوصف بأنه مفرط عندما نتحدث عن أغنى البلدان. المسألة ليست مسألة احتياجات، لقد صارت تلبية الاحتياجات الآن أصعب مما كانت في الماضي — عندما كانت الرفاهيات أقل — وستظل هذه الصعوبة ما ظلت حاجات المستهلكين تزداد على نحو يفوق زيادة الإمكانية الفعلية لتلبيتها. إن المسألة تتعلق بضرورة توافر الموارد اللازمة للنمو في الإنتاج والاستهلاك.

•••

في الوقت الحالي، لا بد أن يُنظر إلى مسألتي نمو الإنتاج والتنمية الاجتماعية الاقتصادية باعتبارهما جزءًا من الشكل العالمي. لكن للأسف، غالبية المفاهيم والنماذج النظرية — ناهيك عن السياسات والاستراتيجيات التنموية — لا تفعل ذلك، لأنها لا تزال محكومة بالتفكير من زاوية قومية قاصرة. وهناك نهجان شائعان لهذا: الأول ينطلق من الدول المنفتحة المتقدمة اقتصاديًّا والمتطورة مؤسسيًّا، التي تنتهج الأنظمة الرأسمالية القوية وما يتصل بها من أنظمة قيم. والثاني ينطلق من أقل البلدان نموًّا، تلك التي يشار إليها عادة بأنها «نامية»، حتى إذا كان هذا النمو في بعض الأحيان لا يحدث بتاتًا. وتتسم هذه البلدان بالفقر والعجز الهيكلي والضعف المؤسسي.

هذا التقسيم المبسط لدول العالم إلى نوعين يبين الحاجة إلى مواصلة البحث عن إجابة لما يبدو أنه سؤال واحد هو: كيف يمكن زيادة الإنتاج والاستهلاك ضمن إطار اقتصاد وطني؟ بعبارة أخرى، كيف نصل إلى الحد الأقصى من الناتج المحلي الإجمالي الذي بحسب تعريفه ينطبق على اقتصاد قومي محلي واحد فقط؟ وبما أن الظروف المبدئية لكل نوع من هذين النوعين من الدول مختلفة للغاية، وفي بعض الأحيان تكون حادة الاختلاف، فلا يمكن أن نطبق الوصفة نفسها على كلا النوعين. وسيجاب عن السؤال حول كيفية زيادة الإنتاج وفقًا للسرعة التي تتيحها الظروف بإجابتين مختلفتين.

لكن الحقيقة هي أن هذا السؤال ليس السؤال الصحيح. فالعالم لم يعد كما كان مؤلفًا من مجموعة من مختلف الدول المتنافسة كثيرة أو قليلة التقدم، أو من مجموعة اقتصادات وطنية. فقد بات العالم الآن مؤلفًا من دول وأقاليم مترابطة اقتصاديًّا. وهي أكثر انفتاحًا وتكاملًا الآن من أي وقت مضى. إن استمرار تقسيم العالم إلى اقتصاديات وطنية داخل دول يعكس ضغوطًا سياسية غير عقلانية، أو محدودية قدراتنا الإحصائية، أكثر مما يعكس منطقًا اقتصاديًّا سليمًا. ومن النواحي الاقتصادية المنطقية البحتة، من المدهش رؤية إلى أي مدى تقوض القوميتين السياسية والثقافية ما تبذله الشعوب من جهود شاقة من أجل تحسين نصيبها من الحياة. وقد استمدت الشركات متعددة الجنسيات الاستنتاجات الصحيحة من هذه الحقيقة، واتبعت وسائل فعالة لزيادة الإنتاج. فهذه الشركات تزيد الحد الأقصى من أهدافها العالمية لا الوطنية. لكن لا يزال أمامنا وقت — قدر كبير من الوقت — قبل أن تكتسب الدول والمجتمعات وحكوماتها مهارات مماثلة لمهارة تلك الشركات.

وبالرغم من هذه الملاحظات وما يترتب عليها من نتائج فيما يختص بالتفكير في المستقبل — هنا وهناك، من أفقر البلدان إلى أغناها — لا نزال نشهد إغراء العودة إلى الوراء لمفهوم سياسة الحِمائية، والتفكير من منطلق أن الدولة القومية فوق كل شيء. لكن الخيار الاقتصادي التجاري بالعودة إلى التقيد بالحدود الوطنية وقصر النشاط الاقتصادي على ما يمكن تنفيذه بالموارد المحلية سيكون محض هراء. فاليوم، لا يعتمد معدل نمو الإنتاج على امتلاك بلد ما لموارد طبيعية وطنية، بل الوصول إليها. ويعتمد ذلك الوصول بدوره على مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية الأخرى، لا سيما الاحتياطيات المالية. ويمكن أن ينعكس الموقف، وهذا سيحدث في وقت ما في المستقبل، عندما يصبح أكثر من يهنئون براحة البال والطمأنينة هم أولئك الذين يملكون موارد طبيعية خاصة، أو على الأقل الذين يضمنون تمامًا الوصول إليها في مناطق أخرى من العالم. لحسن الحظ، يزداد الوعي بهذه الحقيقة أكثر فأكثر، ويلقي بظلاله على اتجاهات السياسية الجغرافية. نحن فقط بحاجة إلى رسم مسار لتطوير العلاقات السياسية والاقتصادية بين الصين وأفريقيا، أو روسيا وألمانيا، علاوة على الولايات المتحدة والشرق الأوسط.

وهكذا، سيعود عامل الموارد — الذي لعب دورًا جوهريًّا في عملية النمو الاقتصادي على مدى التاريخ — إلى الصدارة من جديد. وكلما قل المعروض من الموارد عن الطلب عليها، زادت أهميتها، لا من حيث زيادة سعرها في السوق فحسب، بل أيضًا من حيث زيادة حرص أولئك الذين يسيطرون على هذه الموارد. وعجلة التاريخ مستمرة في الدوران. فقد كانت أهمية الموارد الطبيعية قليلة نسبيًّا خلال القرون السابقة، لكنها ستكون أكبر خلال القرون القادمة. هذا يظهر الآن في أوضح صوره في حالة موارد المياه، حتى إن البعض يتمادى إلى حد القول إن الحروب القادمة لن تكون في سبيل الفوز بموارد الطاقة، بل بموارد المياه. وهذا يحدث الآن بالفعل على مستويات قد تصغر أو تكبر، على سبيل المثال: في الموقف الذي يبدو أنه ميئوس منه في دارفور، على الحدود بين السودان وتشاد، أقول «يبدو» لأن اكتشاف احتياطيات المياه الجوفية من شأنه أن يوفر سبيلًا للخروج من هذا الكابوس.

لن نضطر إلى الانتظار عدة قرون لكي نعرف هل سيندلع القتال من أجل الحصول على المياه بدلًا من الذهب والمجال الحيوي وموارد الطاقة؛ لأننا سوف نشعر بالضغوط المتزايدة لهذا التحدي خلال العقود القليلة المقبلة. ومع ذلك لن تكون الأهمية للموارد الطبيعية، بل للعوامل الحيوية الأخرى التي من شأنها أن تحدث الفرق في معدلات النمو خلال هذا الإطار الزمني، وستتفوق الموارد البشرية من حيث الأهمية على ذلك كله.

ونظرًا لأن الإنتاج العالمي ومحددات نموه الآن قائمان في ظل ظروف تتسم بترابط الاقتصاد العالمي المعاصر، فسيكون أكثر أنواع النمو منطقية — أي المفضل من حيث العقلانية الاجتماعية والاقتصادية الشاملة — هو ذلك الذي يتميز بالتوازن العام على المستويين العالمي والإقليمي من ناحية، وبالانسجام بين جميع عمليات التنمية من ناحية أخرى، بحيث يؤدي ذلك إلى معدل نمو إنتاج أعلى في البلدان الفقيرة وأقل في البلدان الغنية.

يتوقف الجزء الأول من هذه المعادلة — التوازن — على توازن النمو من حيث:
  • البيئة الطبيعية.

  • الادخار والاستثمار وتدفق رأس المال.

  • القدرة الإنتاجية والحاجة إلى الاستفادة منها.

  • حجم المعروض من السلع والخدمات، وحجم الطلب عليها.

  • البعد الاجتماعي لتوزيع الدخل، ولنموه.

المهم أن يكون هذا النمو متوازنًا نسبيًّا في النماذج الاقتصادية، لأن تحقيق التوازن المثالي أمر ليس ممكنًا أبدًا إلا حيثما تقتضي الضرورة ذلك. لكن لا بد أن نسعى جاهدين لتحقيق التوازن بالقدر الذي تتيحه لنا معرفتنا، وتسمح به الظروف السياسية المحيطة. وقد شهدنا مثالًا على هذه الظروف السياسية عندما تمكن آل جور — نائب الرئيس السابق للولايات المتحدة — من تنظيم سلسلة من الحفلات الموسيقية تحت شعار (الأرض الحية)، تجولت بين سيدني وطوكيو ووريو دي جانيرو وانتهت في واشنطن بهدف حشد الاهتمام بالبيئة، ودعوة الإنسانية جمعاء إلى نمو متوازن بيئيًّا، في حين كان رئيس الولايات المتحدة في ذلك الوقت (الذي خسر آل جور الانتخابات أمامه عام ٢٠٠٠ عندما صوَّت الكثيرون لصالحه) يعوق ببراعة مجموعة من المبادرات الرامية إلى هذا النوع من النمو.

الحالة الثانية معقدة أيضًا، أو ربما أكثر تعقيدًا، على الرغم من أنها تبدو أسهل بكثير من الناحية النظرية. ففي بعض الأحيان تُصعِّب الاعتبارات السياسية إنجاز الأشياء التي يفترض أنها — وفقًا للنظرية أو النموذج — في غاية السهولة، بل يمكن أن تحيلها إلى أمور مستحيلة. في هذه الحالة، الحل هو الإبطاء المتعمد لمتوسط معدل النمو في البلدان الأغنى، وفي نفس الوقت العمل على تسريع معدل النمو في البلدان الأكثر فقرًا. ولا نحتاج لأي شيء لإنجاز ذلك سوى تغيير التوزيع الحالي للتراكم على نطاق عالمي، لا سيما من خلال تحويل جزء من المدخرات والاستثمارات من البلدان الأغنى إلى البلدان الأكثر فقرًا. هذا في غاية البساطة! ولكي نحققه، لا بد أن تتوافر لدينا الأدوات اللازمة بما فيها الأدوات المالية والأدوات المتعلقة بها. لكن المرحلة الحالية من العولمة لم تنتج مثل هذه الأدوات بعد، ويجب ألا نتوهم أن المشكلة سوف تحل نفسها من خلال التنقل العالمي لرأس المال الخاص (مع أن الفكر الكلاسيكي الجديد والليبرالية الجديدة يتضمنان أوهامًا من هذا القبيل).

وهذه المسألة تحديدًا تتعلق بتعديل مؤشرات النمو وضبطها بحيث يتحسن الوضع الاقتصادي للغالبية المطلقة من البشر على نحو ملموس، بينما لا يتحسن الموقف الاقتصادي لمن يعيشون في البلدان الغنية إلا بقدر قليل. ومن الجدير بالذكر هنا أن ارتفاعًا نسبته ١٪ في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في أغنى البلدان يساوي نحو ٤٠٠ دولار بالقيم الرقمية؛ وفي أفقر البلدان، يشكل مبلغ ٤٠٠ دولار ارتفاعًا للدخل نسبته ٥٠٪. أو بدلًا من ذلك، إذا نقلنا ما يعادل زيادة سنوية واحدة في الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة إلى أفريقيا، سيعادل هذا ٣٠٠ دولار إضافية، أو ١٠٪ زيادة في دخل كل مَن يقيم في تلك القارة الفقيرة. لكن ليست هناك آليات لمثل هذه التحويلات. ومع ذلك من الضروري أن نهدف إلى هذا النوع من تحويل نمو الدخل إذا استلزم مستقبل العالم ضرورة تحقيق التوازن الاجتماعي العالمي وأُخِذَ هذا الأمر على محمل الجد. وهذا تحدٍّ يمتد إلى ما بعد القرن الحالي.

لكن من الواضح أن هناك قدرًا كبيرًا من تفاوت الدخل داخل الدول الغنية أيضًا، وأن هذا الأمر في ازدياد؛ لذا ينبغي أن ينمو دخل الفقراء في هذه الدول بوتيرة أسرع من تلك التي ينمو بها دخل الأغنياء. في هذه الحالة، سنتحرك في طريق النمو بينما نحد من التفاوت المفرط في الدخول في الدول (التي فيها تفاوت)، وفي منظومة الاقتصاد العالمي وبين أفراد البشرية جمعاء.

ولو كان العالم يقتصر على الصين والولايات المتحدة وحدهما، لقلنا إن هذا هو بالضبط الطريق الذي يسير فيه العالم، لكن من منظور دولي فحسب. خلال الجيل السابق، كان معدل الإنتاج في الصين — وهي أكثر فقرًا من أمريكا — يتزايد بسرعة ملحوظة تفوق المعدل في الولايات المتحدة الأكثر ثراءً. لكن في كلا البلدين، وفي الوقت نفسه، كان دخل أغنى الطبقات من السكان ينمو على نحو متزايد وبسرعة أكبر من تلك التي ينمو بها دخل السكان الأكثر فقرًا. ولا يمكن وصف العملية الأولى — نمو معدل إنتاج الصين — سوى بأنها عملية إيجابية، بينما العملية الثانية أكثر تعقيدًا. وبصرف النظر عن مسألة التوزيع العادل للدخل، سنجد أعراضًا أخرى واضحة ومتزايدة تظهر توترًا اجتماعيًّا، وبوادر تدل على تباطؤ النمو، نتيجة للاختلاف الهائل بين الدخل والأصول. لكن المشكلة في المقام الأول هي أن العالم الآن أكثر تعقيدًا بكثير من هذا النظام الافتراضي الذي يتألف من بلدين فقط هما أمريكا والصين.

•••

ومن ثمَّ، يُطرح سؤال حول مدى إمكانية تحقق مثل هذا النوع من نموذج النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية الاقتصادية؛ أعني النموذج الذي يقدم فرصة لتحقيق تنمية مركبة ومتوازنة للاقتصاد العالمي بأسره، وفي الوقت نفسه يقدم لنا أيضًا علاقات لنمو الإنتاج تقلل التفاوت في مستويات التنمية، وتؤدي إلى الحصول على القدر المناسب من المخزون المتضائل للموارد غير المتجددة. بعبارة أخرى، عندما نسأل عن ظروف وفرص لنموذج معقول من النمو الاقتصادي، لا سيما فيما يتعلق بالمعدل المناسب للنمو، يتعين علينا أن نحاول الإجابة عن سؤالين في الوقت نفسه:
  • أولًا، إلى أي درجة ينبغي أن ينمو إنتاج العالم ككل؟

  • ثانيًا، كيف ينبغي توزيع تأثيرات هذا النمو على مختلف مناطق العالم؟

في عام ٢٠٠٧، نما إنتاج العالم كله بنحو ٥٪. وهذا يساوي — من حيث القيمة المادية — نحو ٣٫٣ تريليون دولار (لغرض المقارنة، هذا الرقم يقارب مجموع الناتج المحلي الإجمالي لروسيا والبرازيل معًا). ومن ثمَّ:
  • هل يمكن استمرار البشر بهذه النسبة من النمو على المدى الطويل؟

  • من وجهة النظر التي تتبنى ضرورة الحفاظ على قدرة الاقتصاد العالمي لتحقيق تنمية طويلة الأجل، ما أفضل طريقة لتقسيم تأثيرات هذا النمو على الأقاليم والبلدان … إلخ؟

إجابة هذين السؤالين ليست تقليدية. فبينما كان النمو على المستوى العالمي ينمو بسرعة هائلة، وبمعدل لا يمكن الحفاظ عليه، كان ينمو ببطء شديد لدى الأغلبية العظمى، أي نحو ثلثي البشر. ومن ثمَّ، على الرغم من أن هذا المعدل يجب أن يتباطأ إجمالًا، فإنه لا بد أن يتسارع في حوالي ثلثي بلدان العالم. ومن الناحية الحسابية، هذا يتضمن ضرورة إبطاء وتيرة النمو في الدول الغنية. ستكون النتائج الناجمة عن هذا الحل في منتهى الأهمية، ويتعين علينا حينئذ أن نتأقلم معها، وكلما كان ذلك أسرع، كان أفضل.

إن حتمية توجيه معدل النمو على نحو مختلف تبعًا لاختلاف مناطق العالم — أي ضرورة إبطائه في بعض المناطق والإسراع منه في مناطق أخرى — أمر جديد على المستويين النظري والعملي في الاقتصاد، على الرغم من أن مسألة مصدر النمو الاقتصادي وسبل تحفيزه ظلت تشغل الأذهان على مدى قرون. ويعلق الجدال حول هذا الموضوع درجات متفاوتة من الأهمية على مختلف العوامل التي تتضمنها عملية النمو. وهذا ينجم عن مدى تغير أهمية هذه العوامل على مدار تاريخ التنمية، أو عن الاختلافات في التفسير. هناك مؤلفات هائلة العدد حول هذا الموضوع حتى إنه يكاد يكون أغنى فروع علم الاقتصاد بالمؤلفات. باختصار، لدينا نظريات ونماذج للنمو الاقتصادي تؤكد أهمية ما يلي:
  • التنمية القائمة على المواد الخام.

  • استراتيجيات تطوير الصناعات الثقيلة.

  • التصنيع السريع.

  • الاستعاضة عن الاستيراد (بتنشيط الإنتاج المضاد للاستيراد).

  • التوسع في الإنتاج الذي يؤدي إلى تنشيط التصدير.

  • التنمية المتوازنة لمختلف الفروع والقطاعات (وسائل الإنتاج والاستهلاك في الصناعة والزراعة).

  • الاقتصاد القائم على المعرفة ومجتمع المعلومات.

أكثر الدول التي تنطبق عليها نماذج النمو هذه في الوقت الحالي هي الدول المتطورة. وقد حان الوقت لبدء صفحة جديدة في البحوث الاقتصادية التي تحاول تقديم إجابات (أعني إجابات تعزز التنمية الاجتماعية الاقتصادية، لا تعرقلها) للأسئلة المتعلقة بإيجاد طرق معقولة لإبطاء معدل نمو الإنتاج في هذه الدول. وقد ظهرت لمحات وأشكال مختلفة من هذه النظريات والنماذج في البلدان الأقل نموًّا في أوقات مختلفة. ومنذ عدة عقود، قُدم نصح لهذه البلدان بأن تسعى لتحقيق تنمية قائمة على المواد الخام المستمدة من مواردها الطبيعية الخاصة، إن كان لديها موارد طبيعية أساسًا. وفي أحيان أخرى، أشير على هذه البلدان بتطوير الصناعات الثقيلة. وشهدت الآونة الأخيرة انتشار دعم توسع الإنتاج الذي يؤدي إلى تنشيط التصدير، مع الحفاظ على توازن تنمية الفروع والقطاعات، لا سيما التنمية القائمة على الزراعة والصناعة الخفيفة.

البعض يحلم بهذا، لكن لا وجود لهذه النماذج الآن، وهناك وجهة نظر وفرضية مرتبطة بها تذهب إلى أن تسريع النمو الاقتصادي والشروع في تحقيق التنمية يمكن إنجازهما من خلال زيادة التفعيل المهني للمرأة. وهناك رأي مهم في هذا الصدد؛ إذ يرى المتحمسون من أنصار المرأة أن أكبر الأسواق في العالم ليست أمريكا، بل سوق المرأة، وأن عدد النساء الأمريكيات أكبر من السوق الياباني برمته. ويوضح خبراء الاقتصاد المهرة مدى الارتباط بين مستويات النشاط الاقتصادي والاجتماعي السياسي للمرأة بمستوى التنمية ككل. ففي العالم بأسره، تعيل المرأة وحدها نحو ٢٥٪ من الأسر، علاوة على أنها تشكل المصدر الرئيسي للدعم المادي لنحو ٢٥٪ أخرى من مجمل الأسر في العالم.

وهناك اتفاق عام في أوساط الاقتصاديين المتخصصين في مجال العمل على أن المرأة في جميع الدول تتقاضى أجرًا يقل عن أجر الرجل نظير أداء نفس العمل. وكلما قل نمو البلد، زاد الفرق، والعكس بالعكس. وبصرف النظر عن السمة التمييزية الواضحة لهذا الأمر، ربما يعزز هذا التوزيع غير العادل بالفعل احتمالات تجميع رأس المال من جانب النساء العاملات، لكنه أيضًا يقلل القدرة الشرائية للأسر، ومن ثمَّ، يحرم المنتجين من جزء من الطلب الذي كان يمكن أن تحظى به منتجاتهم.

ومع ذلك إذا أردنا لتفعيل المرأة المهني أن يتحقق دون أن يكون ذلك على حساب الرجل، فسيتطلب توظيف المرأة تهيئة الظروف المناسبة، وتوفير الوظائف الملائمة لها في المقام الأول. وهذا يكلف مالًا، ويعود بنا تارة أخرى إلى الأسئلة المثارة حول سبل زيادة التوظيف ومصادر رأس المال لنتمكن من خلق هذه الوظائف اللازمة لتحقيق هذا الأمر. والجدل المثار حول فعالية زيادة فرص العمل للنساء في النمو الاقتصادي تبين أنه مطابق للجدل حول رفع مستوى التنمية عمومًا. والأمر الذي يستحق أن نحاول تحقيقه هو المساواة بين الجنسين؛ إذ لا يزال هناك الكثير مما يتعين القيام به في هذا الصدد، وكلما قل مستوى التنمية، زادت الأمور التي يتعين القيام بها. ولذا، يجب النظر إلى مسألة التفعيل المهني للمرأة باعتبار ذلك بالأساس أداة لتحقيق المساواة في الحقوق، لا باعتباره وسيلة لتحقيق النمو الاقتصادي. فهذه قضية مهمة في حد ذاتها.

وقد أثبت علماء النفس والاجتماع أن لدى المرأة — فيما يتعلق بالكثير من القضايا — منظومة قيم تختلف عن مثيلتها لدى الرجل. وحتى من دون علماء نفس واجتماع، يكفي أن ننظر حولنا لنتأكد من صحة ذلك. فالبشر هم البشر، لكن تختلف تفضيلاتهم. وبوجه عام، المرأة أكثر حساسية للجوانب الاجتماعية؛ فهي تولي اهتمامًا أكثر لسلامة وظروف بيئة العمل، وتنادي بتوزيع أكثر عدلًا للدخل، وتبدي اهتمامًا أكثر بمصالح مستهلكي السلع والخدمات التي يقدمها مكان عملها، وتولي أهمية أكبر لمراعاة المعايير الأخلاقية في الأعمال التجارية. أما في الحياة العامة خارج العمل، وعلى نطاق أوسع، فيتوجه انتباه المرأة نحو المساواة الاجتماعية، والاهتمام بحقوق الجوار، وبالبيئة الطبيعية. وتولي أهمية كبيرة للتعليم (ليس لأطفالها فحسب). فالمرأة بكل تأكيد أكثر التزامًا تجاه ظروف الحياة الأسرية من كل الذكور المنافقين الذين يرطنون بعصبية شديدة في الميدان السياسي مدعين حرصهم على ترسيخ القيم الأسرية.

وأي تحليل مقارن سطحي يظهر بدرجة مذهلة أن النساء أكثر انخراطًا في الحياة الاقتصادية والسياسية، ومن ثمَّ نحن أقرب إلى نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي؛ إذ بينما تشغل النساء في السويد ٤٥٪ (فقط؟) من المناصب الحكومية رفيعة المستوى، تنخفض النسبة إلى ١٤٪ في الولايات المتحدة الأمريكية. أما في المملكة العربية السعودية فالنسبة هي صفر. وهذا يلقي الضوء إلى حد بعيد على حجم التفاوت في توزيع الدخل، والمسافة التي تفصل هذه الدول وغيرها عن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي.

واستطرادًا في القول؛ حينما كنت أشغل منصب نائب رئيس الوزراء ووزير المالية، استعنت بعشرة نساء أو أكثر على رأس فريق الحكومة الاقتصادي، فيما بعد، شغلت سبعة منهن مناصب قيادية بدرجة وكيل وزارة. وتقدمت اثنتان منهن في وقت لاحق ووصلتا إلى منصبين في المجلس الوزاري للحكومة، وصارت إحداهما فيما بعد مفوضة للاتحاد الأوروبي. وكلهن بالطبع كن مؤهلات تأهيلًا رفيعًا، وحاصلات على درجة الدكتوراه أو مؤهلات أكاديمية أخرى. ومع ذلك فقد اخترتهن أساسًا لأني تبعت قناعاتي بأن أداء المرأة يكون أفضل في بعض الأمور التي تكون بالغة الأهمية في مجال السياسة. فالمرأة أكثر صبرًا وأقل تآمرًا، كما أنها أكثر براجماتية وأقل ديماجوجية. علاوة على ذلك، المرأة تتمتع بحساسية اجتماعية أكثر من الرجل، بيد أنها أقل تأثرًا بالضغوط الشعبية. ربما يعزى هذا إلى أنها مسئولة عن منزلها أيضًا، وتملك حسًّا أفضل يمكنها من إدراك السبب في كون أمر ما عديم الأهمية تمامًا. وسأترك للمتخصصين في الاقتصاد القياسي مهمة تحديد مدى مساهمة عمل هؤلاء النساء في نجاح الإصلاحات الهيكلية التي قدمناها على نحو ناجح، وفي ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي لبولندا بمقدار الثلث.

علام إذن يعتمد النمو الاقتصادي؟ والأهم من ذلك؛ علام سيعتمد في المستقبل الذي نتنبأ به ونتخيله؟ التنبؤ بشيء ما يختلف عن تخيله. لهذا وجب علينا أن نؤكد على تطور عوامل التنمية. فالأشياء التي كانت مهمة منذ مائتي سنة ليست نفس الأشياء التي كانت مهمة منذ نصف قرن. وبعض الأشياء ضرورية في الوقت الحاضر، لكن محركات النمو الاقتصادي ستكون مختلفة بعد مرور خمسين أو مائة عام. إننا في الواقع لن نستطيع رؤية هذا الزمن، لكننا نستطيع أن نبحث عن إجابات من منظور الجيل المقبل، وينبغي علينا أن نفعل ذلك. علام سيعتمد نمو الإنتاج في المستقبل؟ هل سيعتمد على:
  • الموارد الطبيعية والثروات؟

  • وفرة الأيدي العاملة الرخيصة؟

  • التعديل الصحيح لثوابت الاقتصاد الكلي؟

  • سياسة الحكومة الاقتصادية؟

  • جودة إدارة الشركة؟

  • المحددات الثقافية؟

  • المساعدات الخارجية؟

  • الموقع الجغرافي؟

  • المناخ وحالة الطقس السائدة؟

  • مزيج ملائم من الظروف؟

وضع الأسئلة يبين أن الإجابات التي نسعى إليها تأتي على مستويات متعددة؛ في الإطارين الواقعي والتنظيمي، من حيث رأس المال البشري الحقيقي، وفي الموارد الطبيعية ومؤهلات القوى العاملة وضمن الاقتصادات الوطنية وخارجها، وفي العوامل الاقتصادية التقليدية والتكيف الثقافي غير الاقتصادي، وفي الأحوال الطبيعية والموقع الجغرافي على الخريطة. ولا مجال للاستغراب من أن الإجابات تتضمن كل هذه المجالات. فهذا هو السبب في أننا مررنا بعدة مدارس ونظريات اقتصادية للنمو على مدى القرون القليلة السابقة. هذه الرحلة الطويلة لم تنته بعد؛ لأن تفسيرات جديدة ستظهر، مثلما ظهر المفهوم الراهن للاقتصاد الذي يقوم على المعرفة بوصفها عنصرًا من عناصر النمو والتنمية.

طوال عدة سنوات كانت الرغبة الطبيعية لخبراء الاقتصاد هي إدراك جوهر العمليات التي يدرسونها، والإلمام بهذا الجوهر ضمن نطاق القواعد والتعميمات التي يمكن أن تتحول إلى قوانين موضوعية. لكن موضوع البحث دائمًا يتغير، وهذا يعني أن التعميمات تتغير بالضرورة هي الأخرى. فمن المستحيل أن تظل في نفس المكان عندما يكون كل شيء من حولك في حركة دائمة. حتى النظرية الاقتصادية نفسها تتطور. وهذا ينطبق بشدة على نظريات النمو الاقتصادي التي كانت كثيرة جدًّا، والتي أضافت كلٌّ منها شيئًا جديدًا، وظل بعضها مهمًّا بدرجة قد تزيد أو تقل، مما سهل علينا تفسير ما يحدث من حولنا، أو ما يمكن أن يحدث.

وقد قدم الفكر الاقتصادي على مر قرون التاريخ، وعلى أساس الدراسات النظرية والتجريبية، نماذج كثيرة للنمو والتنمية. والتاريخ الاقتصادي — الذي يصف تشكل الظواهر والعمليات الاجتماعية الاقتصادية على أساس الخلفية السياسية على مر التاريخ — أمر مذهل. وتاريخ الفكر الاقتصادي لا يقل إذهالًا عنه، فقد وصف البحث عن إجابات للسؤال الخاص بمحددات التنمية. فهذا البحث مستمر، كالتنمية نفسها. ودراسة التنمية موضوع تاريخي. إن الظروف والنماذج التي كانت تعد تفسيرية في السابق؛ باتت شيئًا زائلًا من الماضي، تمامًا مثلما سيأتي يوم لا تكون للقواعد الاقتصادية التي تحظى الآن بالتقدير فيه وجود، إلا في متاحف الفكر الاقتصادي في المستقبل.

تتسم النماذج التي تنطوي على نظرة طويلة المدى بأنها مثيرة للاهتمام على نحو خاص. لكن نمو الإنتاج والتنمية بطبيعتهما ليسا من العمليات قصيرة الأجل. هناك نماذج كينزية (نسبة إلى الاقتصادي الإنجليزي جون ماينارد كينز) أو كينزية جديدة تؤكد على أهمية نمو الطلب المستقل، خصوصًا الطلب على الاستثمار. وهناك أيضًا نماذج أقدم هي النماذج الكلاسيكية والكلاسيكية الجديدة. ومنذ أيام آدم سميث — مؤسس علم الاقتصاد الكلاسيكي — كان من المتعارف عليه أن الإنتاج هو دالة ذات متغيرات ثلاثة هي: العمالة، ورأس المال، والأرض. وعندما حل زمن آخر لم تعد الأراضي متوفرة فيه، أعيد النظر في المتغير الثالث على نحو أشمل باعتباره يتضمن — من بين أمور أخرى — الموارد الطبيعية غير المتجددة، واحتل هذا المتغير مكانة أكثر أهمية بكثير من مكانته في الماضي، حينما كان يُعتقد أن النفع الأساسي للأرض هو أنها مرعى للخراف، وحقول تغل المحاصيل، وملكيات خاصة تحتوي على الفحم.

هذه النماذج الأكثر تبسيطًا تعتمد على متغير واحد، وتقدم المتغير التابع باعتباره دالة متغير مستقل واحد. تلك النماذج أيضًا لا تقدم لنا إلا القليل من المعلومات. فالنمو في الإنتاج (أو الناتج القومي) هو دالة التغيرات التي تحدث لمتغير واحد بوصفه توضيحيًّا، ويكون هذا المتغير عادة إما العمالة أو رأس المال. لكن عملية النمو تتضح على نحو أفضل من خلال النماذج التي تحتوي على عاملين أو أكثر، كأن تكون هناك دالة للعمالة ورأس المال، أو حتى متغيرات أكثر مثل التكنولوجيا. وتتميز النماذج التي تحتوي على عدة متغيرات بإمكانية تقريبها للحياة الفعلية، لكنها تكون أكثر تعقيدًا أيضًا إذا قُسِّمت عواملها إلى عدد أكبر من العوامل الفرعية. فمثلًا، يمكن تصنيف رأس المال بوصفه قديمًا، أو معادًا استثماره، أو ناشئًا حديثًا نتيجة لعمليتي الادخار والتجميع. ويمكن تقسيم العمالة إلى فئات نوعية مختلفة. أيضًا يمكن زيادة عدد المتغيرات المستقلة في المعادلة.

ويمكن أن تكون نماذج النمو الاقتصادي خارجية أو داخلية المنشأ. وقد يبدو مفاجئًا لنا اليوم أن التقدم التقني كان يعتبر حتى وقت قريب5 خارجي المنشأ — وتلك مبالغة في التبسيط — وأيضًا يُنظر إليه باعتباره نتيجة لنشاط بشري متعمد. وتولي النماذج خارجية المنشأ اهتمامًا خاصًّا للدور الذي تلعبه التجهيزات التكنولوجية في قوة العمالة وقدر المعرفة العلمية والتقنية. لكن روبرت لوكاس — الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام ١٩٩٥ — خطا خطوة نحو الأمام من خلال تقديم نموذج بسيط، حيث يحدد رأس المال نمو الإنتاج في هذا النموذج، لكنه صنف رأس المال إلى رأسمال حقيقي ورأسمال بشري. وأضاف لوكاس افتراضًا تبسيطيًّا إضافيًّا مفاده أن التأثير الإيجابي للتكنولوجيا ثابت، مثل توفير العمالة.6

تنطوي عملية نمذجة النمو على عدد كبير من الافتراضات والتبسيطات التي تتيح من ناحية فهم العلاقات بين السبب والأثر، وآليات التغذية الراجعة الأكثر تعقيدًا. لكنها من ناحية أخرى، تتطلب انضباطًا في التعريف ودقة في الفكر. وتحكمها محددات إحصائية صارمة ومعايير تكشف وجود أي تزييف في المعلومات، بحيث يمكن التحقق منها على نحو علمي. والقاعدة العامة هي أن النماذج الاقتصادية — بما فيها تلك التي تشير إلى النمو الاقتصادي والتنمية — تلتزم بشكل المعادلات الرياضية أو معادلات الاقتصاد القياسي أو الإحصائي.

وقد تبدو تقديرات بعض المعايير الخاصة بنماذج الاقتصاد القياسي مشكوكًا فيها بسبب الطبيعة الاحتمالية، أي عشوائية الظواهر والعمليات التي يجري تحليلها. النماذج الرياضية بدورها قد تبدو قطعية على نحو مبالغ فيه؛ فهي تفترض أن النمو الاقتصادي مسألة مسببات ونتائج فقط، أي إن حدوث الظواهر والعمليات يتحدد بحدوث ظواهر وعمليات أخرى حدثت من قبل. وقد يكون هذا صحيحًا، لكن ليس بالضرورة، نظرًا لأن عملية إعادة الإنتاج في الاقتصاد الكلي ذات طبيعة غير خطية، إضافة إلى الأهمية الكبيرة للعشوائية، ومن ثمَّ المصادفات، ومن بينها ما تتجاهله النماذج كليًّا.

كل واحد من هذه المناهج النظرية هو إجابة جزئية للسؤال المطروح بشأن مصدر النمو الاقتصادي. لكن لا يتسم أي منها بالكمال أو الشمولية. وبطبيعة الحال، هذا هو السبب في وجود الكثير من التأويلات المختلفة، والكثير من سوء الفهم. بعض هذه التأويلات وسوء الفهم يكون فكريًّا بحتًا، والبعض الآخر عالق في شرك النزاعات السياسية والأيديولوجية. وهذا هو السبب وراء الاستمرار في البحث عن نظرية تنجح في الجمع بين العناصر العقلانية للنظريات العديدة الموجودة الآن.

تكاد جميع المناهج النظرية — بغض النظر عن درجة تعقيدها — أن تولي الاهتمام اللازم لأهمية التكنولوجيا في عمليات الإنتاج. فقد كان التقدم التقني محركًا للتقدم الاقتصادي وللنمو على مر القرون، وسوف يظل كذلك، لأن الاقتصاديات والحضارات لا تتحرك قدمًا على المدى الطويل من دون تقدم تقني. وهذا هو السبب في أننا اليوم نعلق هذه الأهمية على العلم باعتباره قوة منتجة مباشرة، وعلى الدور الجوهري للتكنولوجيا القائمة على المعرفة، بما في ذلك البحث والتطوير. فهذان هما مصدرا الاختراع والابتكار اللذان يحفزان التقدم التقني ويزيدان كمية المنتجات والخدمات ونوعيتها. أما البلدان التي لا تملك القدرة على الإبداع فيمكنها أن تلجأ إلى التقليد، الذي يتيح لها اكتساب مهارات الاختراع والابتكار.

أثبتت لنا اليابان في السابق كيف يمكن تحقيق الكثير باتباع هذه الطريقة، وها هي الصين أيضًا تثبت لنا ذلك في الوقت الراهن. فالأشياء التي صنعت في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية تصنع الآن في شرق آسيا. فهل ستُصنع أيضًا يومًا ما في أمريكا اللاتينية أو في الشرق الأوسط؟ لا يمكن استبعاد هذا الاحتمال مقدمًا، وهذا يعزى بدرجة كبيرة إلى أن الزعامة — مثلما نذكر — قد انتقلت بالفعل من منطقة إلى أخرى حول العالم على مر التاريخ. فالبرازيل لم تخترع طائرة ركاب، لكنها تنتجها الآن، وتبيعها في السوق العالمية وسط تنافسية عالية؛ الأمر الذي لم يكن يتوقعه سوى عدد قليل من الناس منذ بضعة عقود. واليوم من الصعب أن نتصور أن أي بلد أفريقي — باستثناء جنوب أفريقيا — يمكنه أن ينجز أي شيء مماثل. لكن ليس هناك ما يخبرنا إلى أين سيؤدي بنا الطريق من التقليد إلى الابتكار — أو حتى إلى الاختراع — في المستقبل. ومع ذلك تثار الأسئلة حول حدوث التقدم التقني:
  • في بعض الأماكن مثل الصين والدول العربية منذ وقت طويل، ثم لاحقًا في أوروبا الغربية وخلفائها في الثقافة في كلٍّ من أمريكا الشمالية، وأستراليا، ونيوزيلندا، واليابان،

  • وفي بعض الأوقات: في مطلع الألفيتين الأولى والثانية في الدول العربية والإسلامية (بلاد فارس)، وخلال الألف والأربعمائة سنة الأولى من عصرنا في الصين،

  • وعدم حدوثه بعدُ في أجزاء معينة من العالم، وخصوصًا في أفريقيا.

ولا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة دون الرجوع مرة أخرى إلى المبدأ القائل إن العمليات تحدث بالطريقة التي تحدث بها لأن ظروفًا عديدة تتداخل في الوقت نفسه. الظروف الثقافية والسياسية ذات أهمية خاصة هنا، على الرغم من أن أهميتها قد تفاوتت — كما نعلم — على مر التاريخ. لا شك أن الحضارة الأوروبية — لا سيما في شكلها الغربي — كانت تتسم بالنزوع إلى التنقل والتوسع المكاني، بينما لم تتمتع الحضارتان الصينية والإسلامية في المقابل بأي من هاتين الخاصيتين في منتصف الألفية الماضية بسبب الاعتبارات الثقافية والسياسية (متمثلة في الأفكار المحافظة للسلطة المركزية). أما أفريقيا، فلم تكن في الحسبان وقتئذ.

لقد خلَّفت ثقافات شعوب الأزتيك، والمايا، والإنكا — التي كانت رائعة من نواح متعددة — أناسًا عاديين لا يملكون أي قدر من المبادرة والاستقلال الذاتي والفردي. وهذا هو سبب سقوط هذه الحضارات تحت وطأة هذه العيوب، كسقوط بيت من ورق اللعب، ناهيك عن الصدمة التي واجهتها هذه الحضارات جراء الاتصال مع الأوروبيين الذين حلوا على القارة من دون دعوة.

وسرعان ما اجتاح القادمون الجدد هذه الحضارات في طريقهم، ويرجع الفضل في ذلك بدرجة لا يستهان بها إلى جشعهم وحب تملكهم للأشياء (وهذه أيضًا سمات حضارية)، بالإضافة إلى عدوانيتهم. في المقابل، ركنت الصين والدول الإسلامية إلى الخمول بسبب إضفاء الطابع المؤسسي على العقبات التي تعوق التنمية. وكانت هناك على الأقل ثلاثة أسباب لهذا:
  • أولًا، غياب أي نظام يشبه السوق الحرة أو الملكية الخاصة المضمونة.

  • ثانيًا، هيمنة قيم تؤدي إلى الركود — لا سيما قمع حقوق الفرد — ومن ثم فرصته في العمل الفردي، وهو الأمر الذي يعوق التنمية في بلدان الحضارة الإسلامية حتى يومنا هذا.

  • ثالثًا، الركود التقني الناجم عن السيطرة المركزية غير العقلانية.

كلما اقتربنا من عصرنا الحالي، زاد الدور الذي تلعبه العوامل الحضارية في التاريخ. وسوف تزداد هذه العلاقة وضوحًا في العهود المقبلة، باعتبارها العوامل «المعنوية» في عملية التنمية، لا سيما العوامل الثقافية المرتبطة بفكرة «أن تعلم» التي تتفوق على العوامل المرتبطة بفكرة «أن تملك». ويمكن ملاحظة ذلك ليس فقط في عملية التنمية نفسها، بل أيضًا في تطور الفكر في علم الاقتصاد الذي لا يرصد مسار هذه العملية فحسب، بل ويؤثر فيها أيضًا.7
تأتي التنمية من النمو الاقتصادي الذي لا يقتصر فقط على الزيادة الكمية في قيمة الإنتاج، بل أهم من ذلك، على التغييرات في طريقة إنتاج السلع والخدمات وطريقة استهلاكها. علاوة على أن المعارف والابتكارات والاختراعات التي تسفر عنها هذه الابتكارات ضرورية للتنمية، لكنها ليست كافية. إن التغير الاقتصادي لا نهاية له، وتوجيه هذا التغيير على نحو صحيح هو جوهر التنمية الاجتماعية الاقتصادية. لكن هذه التغييرات مرهونة بالشروط التالية:
  • القيم.

  • القوانين.

  • السياسة.

ينبغي النظر إلى القيم بوصفها الظروف المنشودة التي يرنو إليها النشاط الاقتصادي، سواء المتعلق بالسلع المادية أو الخدمات. ويتعين أن تصدر الأحكام وأن تصاغ التفضيلات دائمًا بناء على سؤالين: مَن يحتاج ماذا؟ ومَن يستطيع تحمل كلفة ماذا؟ ويجب تقييم الوضع القائم والتغييرات التي تحدث على اعتبار أنهما أساس لصياغة أولويات الإنتاج، وامتلاك السلع والخدمات من جانب الأفراد والمجموعات والمجتمعات ككل.

والقوانين بوجه عام هي قواعد اللعبة الاقتصادية. وقد تغيرت على نحو ملحوظ على مر التاريخ، وكان تغيرها جذريًّا في بعض الأحيان، واتخذت اتجاهات متناقضة في أحيان أخرى. لكن عندما اتجهت القوانين نحو خدمة التقدم التقني والاقتصادي، شهدنا تحقق نمو وتنمية. من ناحية أخرى، عرقلت القوانين التقليدية التوسع الاقتصادي. فالقوانين هي إجراءات وقواعد ينص عليها القانون أو العرف، وضوابط ولوائح فنية شُرعت لحماية المشاركين في السوق، وهي أيضًا منظمات وإدارات، وهياكل سياسية تقوم على تلبية احتياجات الأفراد المشاركين في السوق. هذه هي الطريقة التي ننظر بها إلى القوانين اليوم. لكن من الناحية التاريخية، لم تكن النظرة كذلك دائمًا؛ فالعبودية والإقطاع، والحرق على رءوس الأشهاد والنفي كانت قوانين، شأنها في ذلك شأن قوانين التجارة الحرة، والأعمال المصرفية، والحوار العام، والتسامح الثقافي. لكن القوانين من النوع الأول أعاقت التنمية، بينما حفزتها القوانين من النوع الثاني.

تعني السياسة وضع الأهداف وتحقيقها. فهي تصوغ أهداف التنمية وتحدد مسار تحقيقها، والوسائل المادية اللازمة لذلك. وبتحديدها يتعين التقريب بين المصالح المتضاربة، والبحث عن حل عملي وسط، وبناء توافق سياسي حول هذه الأهداف. وهذا قد يستلزم استعمال القوة، أو — إذا كان الوضع العام ديمقراطيًّا — التوافق العام والدعم المجتمعي لتحقيق هذه الأهداف، وعند تحقيق ذلك تكون أدوات هذه الغاية وتخصيص الوسائل اللازمة لها أمرين ضروريين. ويمكن القيام بذلك على نحو غير مباشر من خلال قوى السوق، أو على نحو مباشر من خلال إعادة توزيع الأموال في إطار الخطة المالية العامة. بعد ذلك لن يبقى أمامنا سوى تطبيق الاستراتيجية ومراقبتها، ومراجعتها. كل هذا — إلى جانب أمور أخرى — يهدف إلى التوصل بسرعة إلى استنتاجات حول أخطاء ارتكبت في الماضي، لتجنب ارتكابها في المستقبل.

لا جدوى من الدروس المستفادة من الأخطاء القديمة إذا كنت مهددًا بحماقة جديدة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢