الفصل التاسع

المساعدون والمساعدات

بدأتُ التأليف بمجرد عودتي من فرنسا عام ١٩٦٦م. وكانت الطباعة الأولى يومئذٍ على الآلة الكاتبة. وبعد ذلك تأخذ المطبعة الكتاب وتجمعه يدويًّا بلصق الحروف المتفرقة بعضها بالبعض. وكانت كبيرة الحجم حتى يسهل التعامل معها، ثم تحولت الطباعة بعد ذلك إلى جمع الحروف بالرصاص في سطور تُربط بحبل رفيع «الدوبارة». ويكون التصحيح بتغيير السطر كله وليست مجرد الكلمة. ثم بدأت الطباعة أخيرًا عن طريق الحاسب الآلي «الكمبيوتر». وفي مرحلة الآلة الكاتبة كنت أذهب إلى مكتب لهذا الغرض في ميدان الجامع بمصر الجديدة. وكانت طباعة الصفحة بقيمة خمسة قروش ثم زادت إلى سبعة. ولما كنتُ لا أُحسن استخدام الحاسب الآلي ولا أحب التعامل معه وكانت تكفيني الكتابة بخط اليد سواء كان الخط حسنًا أم رديئًا، مقروءًا أم غير مقروء، صحيحًا نحويًّا أم به أخطاء. وفي مكتبة «غريب» التي بدأتُ بطباعة الأجزاء الأولى لكتابي «من النقل إلى الإبداع» تعرفت على كاتبة تكتب على الحاسب الآلي بدار النشر، وطلبتُ منها أن تعمل ساعاتٍ إضافية عندي لتحويل خط اليد إلى طباعة على الحاسب الآلي وقبل أن أقدم ذلك إلى دار النشر.

وكانت تأتي وهي محجبة، وتطبع، وتساوم في ثمن الصفحة. ثم تقرأ القرآن بعدها، لم تدم في العمل معي كثيرًا لإحساسي بأنها تُظهر غير ما تُبطن، وأن قراءة القرآن مجرد غطاءٍ لنيل مكسب أكبر.

بعد ذلك تعرفت على موظف بشركة تعمل في مكان ليس بعيدًا عني، كان يأتي بعد الظهر ليساعدني فيما كتبتُه لطباعته على الحاسب الآلي. وظل معي حتى الآن، حوالي تسعة عشر عامًا، وهو نموذج للأمانة والكفاءة.

ولما كثرت مراسلاتي مع الخارج وتعبنا من كتابتها بخط اليد، اشتريت جهازًا آخر لإرسال الرسائل الإلكترونية، وساعدني في إرسال هذه «الإيميلات».

ولما عرفتُ أنه يمكن عمل خط على الإنترنت وباسمي مباشر تُرسل عن طريقه الرسائل والردود عليها مباشرة وأتلقَّى الرسائل من الخارج خلاله مباشرة. استعملتُ هذا النظام الجديد، ولما زاد وكبر حجم العمل عليه، تعرفت على عدد من الشباب للكتابة على الحاسب الآلي؛ تعرفت على اثنين ثم ثالث، وكانت مهمتهم بعد الطباعة على الحاسب الآلي أن يضعوا المكتبة بعناوين كتبها ونقلها على الحاسب الآلي حتى أُحسن تبويبها وترقيم كتبها وسهولة التعامل معها. إذا أردتُ كتابًا بعينه أجده بالرقم محفوظًا دون البحث اليدوي.

ولما توسموا فيَّ الطيبة وحسن المعاشرة اقترضوا مني المال مقدمًا، فكانوا يأخذون أولًا وقبل موعد الاستحقاق، وما زالوا يطلبون المال حتى كثرت ديونهم، وقلَّ عملهم، وبدءوا في الاختفاء التدريجي وعدم الحضور.

وكان البعض يأتي لينفذ عمله الخاص على الجهاز عندي. ويستعمل شبكة الاتصال الدولي «الإنترنت» حتى زاد الاستهلاك. وحذرتني شركة الاتصالات بأنه لا بد من زيادة مبلغ الاشتراك طالما أن الاستهلاك يزيد وإلا انقطع الخط.

وفي شهر رمضان كانوا يأتون بعد الانتهاء من أعمالهم عصرًا، يعملون لمدة ساعة ثم يؤذن المغرب بعدها؛ أحمل لهم «صواني طعام الإفطار» لأنني أحب أن أفطرهم. ثم بعد الإفطار يعملون ساعةً واحدة ويغادرون بعدها، ولو أنه كان من الأولى أن يفطروا في منازلهم ثم يأتون عندي بعد الإفطار؛ لأن الليل ممتد في أمسيات رمضان وحتى موعد السحور؛ مما يسمح بإنجاز قدر أكبر من العمل.

وحضر طالب عندي، يدرس بقسم الدراسات العليا، ليساعدني في أعمال الطباعة، فأخبرتهم جميعًا بأن التدخين في المكتبة ممنوع حتى لا يقع مكروه يؤدي إلى احتراق الكتب وأوراقي الكثيرة هناك. ومع ذلك كان لا يستجيب ويدخن ويقرأ ما يجده من كتب ولا يقدم إنتاجًا مقابل ذلك.

تعبت كثيرًا مع مثل هؤلاء المساعدين غير الملتزمين، وكنت أخشى أن أُعطي مخطوطاتي لمكاتب الطباعة خارج مكتبي بالمنزل حتى لا تضيع لأي سببٍ من الأسباب.

ثم وُفقت لوجود شاب، كان يعمل عندي فترات بعد الظهر، يطبع المخطوط على الحاسب الآلي. كان مثالًا على الأمانة والكفاءة. ونظرًا لارتباطه بأسرته، زوجته وأبنائه، بدأ يقلل أيام حضوره من ستة أيام إلى خمسة، ومن خمسة إلى أربعة، ومن أربعة إلى ثلاثة، ومن ثلاثة إلى اثنين. فتراكم العمل ثم اعتذر عن الحضور كليةً.

ظللت عدة سنوات أطبع مؤلفاتي بمعاونة مساعدي الأول، والذي أكمل معي مدة أكثر من تسعة عشر عامًا. أصبحنا صديقَين أكثر من كوننا مؤلفًا وموظفًا. وبعد عدة سنوات عاد الأخير يطلب العمل معي من جديد بعد أن ازدادت عليه النفقات، وبعد انتقاله من مصر الجديدة في منزله الضيق إلى سكنٍ أوسع في التجمع الخامس، فرحبتُ به من جديد خاصةً وأنه يتمكن من قراءة ثم طباعة مخطوطي، ثم أصيب بالكورونا، وغاب عن العمل. وقد تماثل الآن للشفاء وعاد من جديد.

وفي المرحلة الأولى من تكوين الجمعية الفلسفية المصرية، كانت لي زميلةٌ مساعدة من جامعةٍ أخرى، أشرفت على رسالتها عن هيجل، وكانت تدير جميع الجوانب الإدارية والمالية للجمعية بمفردها دون مقر عندما كنا لا نزال نستخدم قسم الفلسفة بآداب القاهرة للالتقاء. ومقر الجمعية كان دولابًا صغيرًا في حجرة القسم، عليه لافتة «الجمعية الفلسفية المصرية»، به أوراق إشهار الجمعية، وفواتير الاشتراكات، وبعض المقالات استعدادًا لنشرها في مجلة الجمعية. كانت مخلصة في عملها، ومتفانية فيه، وتحمل عني أعباء الإدارة.

ونشرنا الأعداد الخمسة الأولى لمجلة الجمعية. وفي يوم من الأيام وهي تجمع اشتراك أحد الأساتذة ضحك معها كما نفعل في مصر قائلًا: «أنتِ تأخذين مالًا كثيرًا منا!» فحزنت بدلًا من أن ترد على المزاح بمزحةٍ أخرى، وجاءت لي، ورمت كل أوراق الجمعية، ومستحقات الجمعية في البريد، وغضبت غضبًا شديدًا، حاولتُ مرارًا أن أشرح لها طبيعة «النكتة» المصرية، والمزاح البريء، وأن المقصود من مزحة الزميل ليس اتهامها بأي شيء. فقد كانت معروفة بالأمانة المطلقة، خاصةً وأن قيمة اشتراك العضو في ذلك الوقت كانت خمسة جنيهات سنويًّا فقط، ولم يكن لدينا أي فائض من الأموال يستطيع أحد أن يستولي عليها. فقد كان كل ما في البريد أربعين جنيهًا فقط ولا غير. وكنا في حاجة إلى مال للاستمرار في إصدار مجلة الجمعية. حاولت إرضاءها بشتى الطرق نظرًا لإخلاصها ووفائها وتفانيها للجمعية، وصعوبة العثور على بديل عنها أيضًا. كانت تعمل مجانًا تقديرًا للفلسفة وللجمعية ولأستاذها. وكانت عابسة معظم الوقت، متشائمة من الدنيا ومن الحياة. حاولت مرة إدخال البهجة عليها، وهي امرأةٌ وحيدة، سافر زوجها للعمل بالخليج ولجمع المال، تاركًا إياها وابنتها تدبر أمورها بنفسها، وكان إخلاص الزوج لوظيفته في الخليج أكثر منه لزوجته وابنته في مصر، ومع ذلك لم ترجع للعمل في الجمعية. واستلم الوظيفة بعدها مهندسٌ معماري لا صلة له بالفلسفة ولكنه كان راغبًا في المساعدة. استلم الميزانية منها وأوراق الجمعية وإيصالاتها. وظل حلقة الاتصال بيني وبين الناشر والأعضاء بالمجلة. وكان يحضر الندوات الشهرية والمؤتمرات السنوية، يذهب إلى المطار لاصطحاب أعضاء الجمعية من الأساتذة الجزائريين إلى الفنادق أو إلى دار الضيافة بالجامعة. وبعد استقالته من أمانة الصندوق بسبب شرائنا مقرًّا للجمعية في مساكن هيئة التدريس خلف الجامعة، اختفى ولم يتصل ولم نره. وبعد مدة نشر كتابًا عن دور العلم في عصر النهضة، وأعطاني نسخة من الكتاب، فعاتبته على ترك الجمعية، وطلبت منه العودة للعمل، ومساعدتنا في شئون الإدارة كما كان يفعل من قبلُ. فبدأ ينقد الجمعية، وقال إن شخصًا واحدًا يسيطر عليها، وهو كان يعنيني أنا بذلك. فطلبتُ منه أن يأتي، ويلقي محاضرة على الأعضاء، ويبيِّن مهارته العلمية، ويحضر الجمعية العمومية، وقد يُنتخب عضوًا في مجلس إدارتها ثم رئيسًا لها. فألقى المحاضرة، وكانت عادية بالنسبة لمستوى الأعضاء من أساتذة الفلسفة، وأقل من المتوسط في رأي المتخصصين في فلسفة العلم. بعدها غادر ولم يعد. ثم رأينا له مقالًا في جريدة الأهرام، موقعًا إياه باسمه وبأنه عضو في الجمعية الفلسفية المصرية لأنه يتشرف بنا ويريد أن يظهر بأنه عضو في الجمعيات العلمية المصرية. ومرة دُعي إلى مؤتمر في الخليج من «مركز عزمي بشارة» العالم والمثقف الفلسطيني الذي هاجر من فلسطين، والذي رشح نفسه رئيسًا لإسرائيل باعتباره مواطنًا إسرائيليًّا له حق الترشح، ثم أخرجته إسرائيل وطردته؛ لأنه عضو بمنظمة التحرير الفلسطينية، وتلك كانت مأساة عرب إسرائيل الذين يكوِّنون خمس السكان. هم إسرائيليون جسدًا، وفلسطينيون روحًا. في الظاهر يتبعون لإسرائيل، وفي الباطن لفلسطين.

وجدنا أمين الصندوق السابق يجلس على مائدة الشرف مع مدير المركز والأعضاء وبعض المثقفين العرب على مائدةٍ واحدة، ويستمع إلى كلام الآخرين، وينظر لمدير المركز ويبتسم وكأنه يقول: «أنا هنا، خذ بالك مني.» وكنت أجلس بالمائدة المجاورة، بعد أن دعاني رئيس المركز إلى الجلوس معه في مائدة الشرف، فرفضت لأنه من الأفضل أن أتعرَّف وأجلس بجوار المثقفين العرب الذين أراهم لأول مرة. كنت أريد أن أستمع لما عندهم، ويستمعون لما عندي. فعرفت أن هدف صديقنا المصري هو الرقي الاجتماعي والعلمي بالمنتديات الثقافية ليظهر أنه مثقف، ومؤلف، وليس فقط كمهندسٍ معماري.

وبعد أن ضعف بصري وأنا في منتصف إنجاز كتابي الأخير «الفكر الوطني في العالم الثالث»، وعدم تمكني من القراءة، تعرفت على صديقة لابنتي، تسكن في منزل ابنتي التي سافرت لألمانيا لدراسة الدكتوراه. رأيتها لأول مرة وسمعت صوتها واتصلت بها فلم تستجب لندائي. وبعد مدة شاءت الظروف أن أراها ثانيةً، فعرضت عليها أن تساعدني في القراءة والكتابة لضعف نظري، وهي تسكن في نفس المنزل في الطابق الأول؛ فلن تضيع وقتًا في المواصلات العامة. فرحبت. وبعد شهرٍ تقريبًا من العمل معي يبدو أنني رفعت صوتي عليها بغضبٍ شديد، فقيل لي إنها غادرت دامعة العينَين. اتصلتُ بها في اليوم التالي أعتذر لها عما بدر مني، ومع ذلك أخبرتْ زوجتي الحبيبة أنها لن تأتي مرةً ثانية. طلبت من إدارة الجمعية الفلسفية أن تنشر إعلانًا بحاجتي إلى مساعد أو مساعدة نظرًا لضعف بصري؛ أتى أربعة، ثلاثة يؤدون العمل بلا أجر؛ لأنهم يكفيهم أنهم بجواري. وكان الوقت المتاح لديهم قليلًا. وفضَّل موظف الجمعية الرابع خريج الأزهر أن يعمل عندي فترة من الصباح، وحتى الثانية ظهرًا. اتفقنا أن يحضر. كان شاعرًا أسمعني شعره، ثم اتصل في اليوم التالي بسكرتيرة الجمعية وأخبرها أنه موافق على المرتب وساعات العمل. وطلب أن تكون الإجازة الأسبوعية يومين، وهذا لا يناسبني، فماذا أفعل في اليومَين؟ أحسست أنه تاجر لا يفكر كيف يكون العمل عند باحثٍ ومفكرٍ وفيلسوفٍ وأستاذٍ، ولكنه يحسب كل شيء بحساب المكسب والخسارة.

وفي نفس الوقت اتصل مساعدي والمرافق لي بالجارة في محاولة لاسترجاعها، فوعدتني أنها ستأتي. انتظرت حتى فات وقت الصباح ولم تأتِ؛ فحزنتُ، حتى رآني ممرضي ومرافقي، طلب أن يُترَك له هذا الأمر. صعد إليها ليتحدث معها، وطلب منها كوبًا من الشاي، وتحدثا؛ فأصبحتُ أكثر لينًا، وعادت إلى العمل من جديد. وهي خريجة قسم علم النفس بآداب القاهرة، مثقفة، ضاحكة، وملتزمة بمواعيد العمل التزامًا دقيقًا. وفي أقل وقت كنا ننتج معًا أكبر قدر من القراءة والكتابة. لديها هاتفها النقال الخاص وبه «الإنترنت» فإذا احتجنا إلى معلومة أو تاريخ أو قصيدة أو موضوع بحثنا عنه. ووفرتْ لي عناء البحث بين رفوف المكتبة، والبحث عما أريد. أرجو أن تكون الخاتمة، هي بالكتابة بخط اليد والمساعدين بالطباعة على الحاسب الآلي، حتى أُنهي العمل على مؤلفاتي التي أقدِّمها للناس، إحساسًا بالواجب، ومسئولية جيلي عما حدث للبلاد من انكماش وتقهقر.

وأول ناشر عرفته كان دار الكتب الجامعية بالإسكندرية التي نشرت لي «نماذج من الفلسفة المسيحية». وكان قد قدَّمني لها على سامي النشار الأستاذ بقسم الفلسفة بآداب الإسكندرية بعد عودتي من فرنسا بعامٍ واحد، وقبل أن أستلم عملي في قسم الفلسفة بآداب القاهرة، وطمعًا في قبول التعيين بآداب الإسكندرية وأن أكون زميلًا له، هو في تدريس الفلسفة الإسلامية، وأنا في تدريس الفلسفة المسيحية.

وكان عبد الرحمن بدوي قد فعل نفس الشيء وأعلن أن القسم بحاجة إلى مدرس في قسم الفلسفة بآداب عين شمس. فتقدم إليها اثنان، أنا وعزمي إسلام، ففضلني. وفي اليوم الأول شعرت أنني غريب في هذه الدار. فليس لي ذكريات فيها؛ فذهبت إلى بدوي قائلًا: «إن الحوائط هنا لا تكلمني.» فاستعجب، وقال «وهل الحوائط تتكلم؟» قلت له: «نعم، لا أشعر بتعاطف مع المكان.» فاتهمني بأنني صبيٌّ صغير «عيِّل». وأخذ عزمي إسلام المتقدم الثاني للوظيفة. فضَّلت بعدها الانتظار عامًا لأُعيَّن مدرسًا في قسم الفلسفة بآداب القاهرة حيث نشأتُ وتعلمتُ واضطُهدت وحُوكمت. فأعطاني ناشر الإسكندرية مائة جنيه دون أن أطلب ودون أن أذهب إليه مقابل نشر كتابي.

أما «دار الثقافة الجديدة» التي نشرت لي بالقاهرة «تعالِي الأنا موجود»، و«تربية الجنس البشري» فلم آخذ أي مكافآت منها لأنها كانت دارًا تقدمية أي ماركسية ومرتبطة بحزب التجمع التقدمي الوحدوي والذي كنت عضوًا فيه.

أما «الهيئة العامة للكتاب» فقد أعطتني أربعمائة جنيه نظير ترجمتي كتاب اسبينوزا «رسالة في اللاهوت والسياسة» والتي كانت مهرًا لزواجي.

وبعد ذلك تعبتُ كثيرًا مع الناشرين. فقد طبعت لي «دار الفكر العربي» «قضايا معاصرة» جزأين. ولم آخذ أي حقوق. اكتفيت بسعادتي لنشر أول كتاب فلسفي من تأليفي وليس فقط من ترجمتي.

وبعد ذلك نشرت الأجزاء الأولى من كتابي «من النقل إلى الإبداع» في «مكتبة غريب». وأعطاني حقي في الكتاب، وكان لا يتعدى أيضًا مئاتٍ قليلةً من الجنيهات. وقبل أن يتوفى الأب المؤسس للمكتبة ويختلف الأبناء على الميراث، انقسموا إلى عدة دور نشر مستقلين أو بالتعاون مع السعودية. وانتهت علاقتي بهم، فقد بدأ جيلٌ جديد من الناشرين التجار يظهر، ويتعامل مع الكتاب على أنه بضاعة وليس رسالة.

ونشرت لي «مكتبة الأنجلو المصرية» «دراسات فلسفية»، و«دراسات إسلامية»، و«هموم الفكر والوطن». وكانت سعادتي أيضًا بنشر المؤلفات عن طريق مكتبة لها شهرتها في مصر وفي الخارج. ونشرت رسالتي بالفرنسية من «تأويل الظاهريات إلى ظاهريات التأويل»، جزءان «عن الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في الظاهرة الدينية». فسعدتُ برؤية رسالتي الفرنسية، وترجمتها العربية في الأسواق، واعتبرتها تأسيسًا «للظاهريات العربية». ولم أطلب من صاحب المكتبة الأب أي حقوق، وعندما اتصلتُ بأحفاده كي أنشر عندهم أحد كتبي امتنعوا، بحجة أن الكتاب الآن في مصر يخسر، وهم لا يريدون المجازفة.

وطبع لي «مدبولي الأب» «من العقيدة إلى الثورة» (خمسة أجزاء) و«الدين والثورة في مصر ١٩٥٢–١٩٨١» في ثمانية أجزاء. وكنت أشتري له الورق الأصفر الرخيص من ميدان العتبة لطبع الكتابَين. ولا أذكر إذا كان رد لي ثمن الورق أم لا؟ فكانت تكفيني سعادتي بطباعة كتبي ونشرها. وأعطيت له كتابي «مقدمة في علم الاستغراب»، فقال لي: أعطيك ثلاثة آلاف جنيه بشرط ألا تسأل على الكتاب بعد ذلك؛ سعرًا أو طباعة أولى أو ثانية. وطلب أن أنسى الكتاب. فرحتُ بالعرض، ولكني حزنتُ من الشروط؛ فذهبتُ إلى المطبعة التي أرسل إليها الكتاب. وردُّوا بأنهم مستعدون لطباعته لي، فطبعته. ولم آخذ أي حقوق منهم. وكان العرض الأول أفضل من العرض الثاني.

وطبعتُ كتب «نظرية الدوائر الثلاث»، و«الواقع العربي المعاصر» في «دار نشر عين». دفعتُ ثمن الورق وحده أربعة آلاف جنيه. ورُدَّت لي بعد ذلك ولم آخذ حقوقًا من الكتابَين.

ثم تدهور عالم النشر، فطلبتْ مني دار عين للنشر عندما قدمت لها أحد كتبي من عدة أجزاء، وقامت بحساب ثمن الورق والطباعة، طلبت دار النشر ستين ألف جنيه على أن تُردَّ إليَّ من ثمن المبيعات، فرفضتُ.

وعرضت الكتاب على «دار سينا للنشر»، فكان الطلب مماثلًا أن أدفع ثمن تكاليف الكتاب، فرفضتُ أيضًا. ولما تعبت من الناشرين وبأنني سوف أدفع ثمن الورق، ولا أدري إن كنت سأسترد الثمن أم لا، قررت أن أطبع كتبي على نفقتي الخاصة مثل: «الثورة المصرية في أعوامها الخمسة الأولى ٢٠١١–٢٠١٥»، و«الثورة المصرية في أعوامها السادس والسابع والثامن»، و«أمريكا الأسطورة والحقيقة»، و«ذكريات» الجزء الأول، و«التفسير الموضوعي للقرآن الكريم»، و«من النقل إلى العقل» الجزء الرابع، عن السيرة، والجزء الخامس في علم الفقه. وبعد أن طبعت «الهيئة العامة للكتاب» الأجزاء الثلاثة الأولى من علوم القرآن وعلوم الحديث وعلوم التفسير توقفتْ لذكر اسم سيد قطب في أحد الهوامش.

وكنت أطبع من كل كتاب ألف نسخة، ولما تراكمت النسخ في مكتبتي على رفوف المكتبة أو في الصناديق، تعرفتُ على أحد الناشرين صاحب «دار الكتاب المصري الحديث» حيث عرضت عليه إذا كان من الممكن أن يأخذ هذه الكتب لتوزيعها وردِّ ثمنها لي بعد ذلك؛ لأنني طبعتها على نفقتي الخاصة، وكان ثمنها ما يزيد عن سبعين ألف جنيه. ووعدته بأن يأخذ نصف المبلغ في حال لو نجح في توزيع الكتب أي خمسين في المائة من ثمنها. مع أن الموزع عادة لا يأخذ أكثر من ثلاثين بالمائة أو ثلاثة وثلاثين في المائة على الأكثر. ففرح الرجل وأتى بصناديق، وأخذ معظم النسخ باستثناء القليل من كل كتاب أحتفظ بها للذكرى. وكل مرة أسأله عما حدث يقول «ما زالوا في عهدتي، لم أوزع منهم شيئًا.» وعندما غضبتُ منه في إحدى المرات أعطاني شيكًا مقبول الدفع بأربعة آلاف جنيه، مع أن المطلوب كان حوالي ثلاثين ألفًا من الجنيهات. وجاءني مرةً أخرى بعد سنوات قائلًا: «إن الكتب لم تُوزع!» وإنه سيأتي في مؤتمر الجمعية الفلسفية المصرية ليوزعها هناك، ولكنه لم يأتِ. والآن انقطعت الصلة بيننا تمامًا ولم أحصل منه على شيء.

أما «دار رؤية» وكان صاحبها يتظاهر بأنه صديقي، فأخذ مني بعض النسخ القليلة، وكان يريد أن يوزعها، ولم يردَّ لي شيء من دخلها. وبعد عدة سنوات طلب مني نسخًا أخرى لتوزيعها وكان قد طبع لي كتاب «حوار من المشرق والمغرب» و«التراث والتجديد». زارني في المنزل مع إحدى الصديقات الكويتيات كي تضمنه، وأعطاني مقدمًا أربعة آلاف جنيه. ولم أستلم باقي المبلغ بعدها حتى الآن.

أما في بيروت فقد طبعت لي «دار الطليعة» ترجمتي لكتاب اسبينوزا «رسالة في اللاهوت والسياسة». وبعد عدة سنوات انخفض سعر الدولار في بيروت فقالوا لي: «إن الكتاب يُباع بالليرة اللبنانية وحولناها لك إلى دولارات أمريكية.» وأعطاني مائة دولار فقط.

وطبع لي «مركز الكتاب للطباعة والنشر» «مقدمة في علم الاستغراب»، وتم عرضه في معرض الكتاب، ووعدني أنه في العام القادم سيعطيني حقوقي، ثم توفي. ولا أعرف نجله الذي كان يشرف على الدار لأستردَّ حقوقي منه؛ فلم أستلم منه شيئًا.

أما «دار مايا» التي يُشرف عليها ناشرٌ ليبي في بيروت، فقد طبع لي ثلاثة كتب: «محمد إقبال، فيلسوف الذاتية»، و«من النص إلى الواقع» (جزءان)، و«من الفناء إلى البقاء» (جزءان). أعطاني جزءًا من حقوقي في الكتاب الأول طبقًا للمبيعات العامة. وعندما رأى الطبعة المصرية للكتاب «من النص إلى الواقع» عام ٢٠٠٤م حجز على جميع حقوقي، لأنني أخللتُ بشروط العقد وطبعتُ الكتاب مرةً ثانية بالقاهرة دون الرجوع إليه؛ فمن ثم لا أستحق أي عائد أو حقوق منه، مع أن الاتفاق الشفاهي كان من حقي طباعة طبعتَين؛ الأولى فخمة غالية الثمن في بيروت، والثانية متواضعة رخيصة الثمن في مصر والوطن العربي مثل السودان والجزائر وموريتانيا واليمن.

وكانت طباعته لكتاب «من النص إلى الواقع» عام ٢٠٠٥م. فهو الذي قام بطبعه ببيروت بعد الطبعة المصرية عام ٢٠٠٤م وليس قبلها. وكنت قد اتفقتُ مع الناشر المصري أنه لا مانع من أن تكون هناك طبعةٌ أخرى لنشر الكتاب في أي مكان دفعًا بالثقافة العربية وليس طلبًا للكسب.

فمعركتي مع الناشرين هي أن الناشر يرى أن الكتاب بضاعة يتاجر بها. وأنا أرى الكتاب رسالة يقوم بها المؤلف بصرف النظر عن حسابات المكسب والخسارة. وكنتُ قد طبعتُ «الحكومة الإسلامية»، و«جهاد النفس أو الجهاد الأكبر للخميني»، و«مجلة اليسار الإسلامي» على نفقتي الخاصة، طبعتُ مائة نسخة من كل كتاب ولم أعرف كيف أوزعها. ووجدت بائع الجرائد يجلس على مدخل مقهى ريش بالقرب من ميدان طلعت حرب. فأعطيت له خمس نسخ من كل إصدار، ومرة وأنا هناك لم أجد النسخ معروضة فسألته عن ثمنها؛ فنهرني وقال لا يوجد؛ فعرفت أنه لا فرق بين الناشرين أصحاب الدور الكبيرة وبين بائع الجرائد الصغير على ناصية الطريق. وكان مدبولي الأب يقول لي: «يا دكتور لماذا تحزن من الناشر؟ أنت تريد طبع كتاب لنشر أفكارك، ونحن نقوم لك بذلك. ونحن نريد أن نبني عمارة، وأنت تساعدنا في ذلك. فأنت لا تنافسني في بناء العمارة، ولا نحن ننافسك في نشر الرسالة.»

ثم نشرتْ لي «دار الشروق الدولية» كتابين، الأول «جذور التسلط وآفاق الحرية»، والثاني «من منهاتن إلى بغداد». وقد كنت استوحيت عنوان الكتاب من مقال لمحمد أركون. وبدا لي أن صاحب الدار كان صادقًا أمينًا. وفي مرة كنت على موعد معه في الدار، انتظرته، ولكنه لم يحضر. فاتصلتُ به كي أعرف إذا ما كان سيأتي لمقابلتي أم لا؟ فعندما ردَّ على اتصالي عرفتُ أنه كان يتناول طعام الغداء مع اثنين من التجار الإندونيسيين، فلم يستطع الحضور ولم يعتذر. وبعد ذلك عرفتُ أنه حوَّل دار النشر إلى متجرٍ لتجارة السجاد مع إندونيسيا. وأرسل لي حقوقي لا أذكر كم كانت، وباقي أعداد النسخ التي كانت لديه. فحزنت لأن الدافع لدور النشر هو المكسب، فلما أتاه المكسب الأكبر ترك تجارة الكتاب إلى تجارة السجاد.

وتعرفت على سائق تاكسي أجرة كان يجمع بعض المهندسين في مكان عمل نجلي المهندس ليوصلهم من وإلى مكان عملهم. وبعد أن قلَّ عمله بالشركة لبيعها لم يجد عملًا لدى المهندسين هؤلاء والذين كان يوصلهم يوميًّا. طلبت منه كمساعدة له أن يوصلني للجامعة مرة أو مرتين أسبوعيًّا. وذات يوم طلب سُلفة مبلغ ستة آلاف جنيه، وأنا ضعيف أمام المحتاجين. فوافقت وأعطيته المبلغ. واتفقت معه أن يردَّها على ستة أقساط شهريًّا، كل شهر ألف جنيه. التزم وردَّ لي قيمة ثلاثة أقساط، وفي الشهر الرابع طلب تأجيل القسط ثم طلب تأجيلًا آخر وآخر. وعندما لم يستطع تدبير باقي المبلغ طلب مني ألا أدفع قيمة مواصلتي للجامعة، وأن أركب بها معه إلى أن تنتهي الأقساط. لم يناسبني هذا الحل لأنني لم أكن أذهب للجامعة في تلك الفترة كثيرًا، ولم أكن أخرج من المنزل كثيرًا. لم أستخدم التاكسي، ولم يردَّ لي باقي المبلغ. فتوقفت عن التعامل معه، ولم أرغب في أن يستمر في العمل لديَّ. فصرفته، وضحيتُ بباقي الأقساط.

وفى يومٍ أتى سباك ليصلح شيئًا في الحمام، وبعد أن أتم عمله غادر. ولما كان الحمام جزءًا من حجرة النوم، وكانت عادة زوجتي أن تترك درج الكومودينو الخاص بها في غرفة النوم نصف مفتوح تضع فيه مصاريف اليوم، ولما رأى السباك هذا الدرج نصف المفتوح وهو خارج وبه أوراقٌ مالية سهل عليه أن يمد يده ويأخذها. وكان المبلغ في حدود الثمانمائة جنيه. ولما اكتشفتْ زوجتي هذه السرقة ونحن لا نعرف السباك أُسقط في أيدينا، ولم نعرف ماذا نفعل؟ فنحن لا نعرف له اسمًا ولا عنوانًا ولا رقم هاتفه. وأدركنا أن العيب فينا، وعلى رأي المثل: «المال السايب يعلم السرقة».

أما المساعِدات؛ فالأولى ربة المنزل وهي زوجتي الحبيبة. كان تقريبًا عشر مساعِدات على مدى نصف قرن باستثناء عشر سنوات كنتُ فيها خارج مصر.

وكانت الشروط في المساعِدة التي تعمل عندنا أنا وزوجتي شرطين أساسيين: الأمانة والكفاءة. تأتي الأمانة أولًا لأننا لا نُحسن الحفاظ على ما لدينا من مال أو مجوهرات. أما الكفاءة فتأتي وتذهب طبقًا للتعلم والخبرة وكسب المعرفة. وكُنَّ يقضين معظم الوقت بمفردهن في المنزل لأن زوجتي كانت تعمل بالجامعة الأمريكية، وأنا كنت أذهب إلى الجامعة ثلاث مرات أسبوعيًّا. وأولادنا الثلاثة في مدارسهم. ويمكن توزيع المساعِدات الأمينات وغير الأمينات على الإطلاق، يمكن توزيعهن على قطبي الأمانة والخيانة. فكانت الأمينات التامات، مصرية قبطية تتصف بالأمانة، والكفاءة المطلقة في إدارة شئون المنزل من طبخ وتنظيف. فإذا ما عدنا من أعمالنا نجدها تجلس في المطبخ كالحارس الأمين. وإن تعبتْ تضع ذراعيها وتحني رأسها على المائدة، لترتاح قليلًا. وكانت لا تتكلم كثيرًا، أقرب إلى الصمت منها إلى الكلام. فلا تنقل ما يحدث في البيت إلى خارجه أبدًا سواء بين أفراد العائلة الواحدة من فرد فيها إلى آخر أو خارج المنزل، كما يفعل معظمهن من الثرثارات واللواتي يمكن أن يسببن الانفصال بين المرأة وزوجها بسبب ذلك. وكانت تصطحب معها ابنتها لتدربها على العمل. وكانت لا تطلب أي زيادة في المرتب كما كانت تفعل قريناتها.

وفي أقصى القطب الآخر، هناك المساعِدات غير الأمينات على الإطلاق اللواتي كن يسرقن من المنزل كل ما تطاله أيديهن. وكن في الكفاءة على درجة أقل نظرًا لانشغالهن بسرقة ما خفَّ وزنه وغلا ثمنه كالمال والمصوغات. وكانت منهن وعلى رأسهن مصرية مطلقة ترعى أولادها، وتسكن في غرفة فوق السطح، وكما كانت تقول تسقط عليها مياه الأمطار. وكانت تقدم نفسها كخفيفة الظل وتضحك طوال الوقت. أصبحت كأنها عضوة في المنزل مع باقي أفراد الأسرة وليست غريبة عليها. تجلس على الأريكة معنا، وتشاهد التليفزيون معنا، مربعة ساقَيها فوق الأريكة. تذهب معنا في الصيف إلى قرية جامعة القاهرة بالساحل الشمالي، تسبح في حمام السباحة معنا، وتأكل على المائدة معنا، تسافر إلى الخارج معنا. ونطلب من الجهة الداعية أن تحول بطاقات الطائرة من درجة رجال الأعمال وهي الدرجة الأولى، إلى الدرجة الاقتصادية وهي الدرجة الثانية حتى تأخذ بطاقة لها كي نصطحبها معنا لترى العالم الخارجي، وحتى لا نتركها بمفردها في المنزل والأطفال يقيمون مع جدتهم وخالتهم. اكتُشفتْ سرقاتها؛ آلة التصوير التي تركناها فوق «بوفيه» السفرة، وأوراقًا مالية كنتُ تركتها في غرفة المكتب، وزجاجات النبيذ التي كانت في الدولاب هدية من صديقي ممثل العراق بالجامعة العربية. كانت قد طلبت «سلفة» مبلغًا من المال كي تبني سقفًا من الحديد المسلح ليقاوم سقوط الأمطار بعد أن انهار سقف بيتها.

ولما أردنا أن نستعلم عن ماضيها سألناها فعرفنا منها أنها كانت تخدم في شقة لدى الخليجيين العزاب. فخشيتْ على نفسها منهم بعد أن طالبوها بما لا تستطيع، وخشية أن تكون الشقة مراقبة من قبل رجال الأمن وبوليس الآداب؛ فتركت العمل عندهم.

وعملت لدينا امرأةٌ سمراء الوجه جاءت بتوصية من أحد الأصدقاء. وكانت متوسطة الكفاءة بل ومتوسطة الأمانة أيضًا؛ إذ إننا عدنا مرة من أعمالنا أنا وزوجتي فوجدنا الدولاب شبه مفتوح. فلما سألناها عن ذلك، أنكرت. فهددناها، وأخذناها بالسيارة إلى قسم الشرطة. ولما عرفت أننا جادون في اتهامها اعترفت بأنها سرقت أشياء من الدولاب، ووعدت أنها ستُرجعها إلينا. عدنا إلى المنزل، وأرجعت هي المسروقات بعدها. وبعد مدة سمعنا أنها مريضة بمرضٍ عضال، ثم توفيت. وكنا نرسل إليها الأموال والعيديات كل سنة. وكان نفس السؤال عندي يتردد بلا إجابة واضحة حتى الآن. ما السبب في كل هذا، الأخلاق أم الفقر؟

وذات يوم سمعنا أن ابنتها حلَّت محلها تعمل في خدمة العائلات التي كانت تعمل عندها أمها.

وكنتُ أفكر في من المسئول عن هذه الطبقة من الشعب؟ الفقر أم الأخلاق؟ دون استطاعة الإجابة عن السؤال حتى الآن.

وبين هذين القطبَين المتناقضَين إلى حد التطرف هناك درجاتٌ متوسطة بينهما، الأقرب إلى الأمانة المطلقة، كانت سيدةً مطلقة وأمًّا لأولاد تعمل عندنا حاليًّا. تأتي في موعدها في الثامنة صباحًا، وتغادر بعد موعدها في الخامسة مساءً، تقوم بأعمال التنظيف والطبخ، ولم نرَ منها أي مكروه، ولها من الكفاءة ما يؤهلها لخدمة الأسرة.

وكانت المساعِدات الأجنبيات أقرب إلى الأمانة المطلقة، مثل المساعِدات النيجيريات. فأتت واحدة منهن تعمل بكفاءة، كانت تصاحبني في المؤتمرات والندوات العامة في مصر وخارجها. وكانت تقوم بمساعدتي على الاستحمام. وذات مرة وهي تقوم بذلك كانت ترتدي ملابس مفتوحة تكشف صدرها، وقالت لي: إن المرة بخمسين دولارًا «فسألتها» وماذا عن مرتبك الشهري؟ «قالت» إن زوجها متزوج من أربع وله منزلٌ كبير في وسط المنازل، وأربعة منازل صغيرة حوله في كل منزل زوجة وأولادها، والزوجة مسئولة عن إعالتهم. فمعظم العاملات من نيجيريا كن يأتين إلى القاهرة للعمل وإرسال المال لأولادهن. وكان الزوج عادة يتزوج بأربع ليس من الإسلام ولكنها عادة أفريقية. وتساءلتُ بيني وبين نفسي: هل هناك صلة بين هذه العادة وبين الزواج بأربع زوجات في الإسلام وليس أكثر، في الفقه الإسلامي القديم؟

وعملتْ لدينا ذات مرة مساعِدةٌ سودانيةٌ مؤدبة غاية الأدب وكانت كفئًا. وحدث أن الممرض المرافق لي وقتها تشاجر معها ذات يوم وضربها. وأخبرتْ أمها. جاءت الأم غاضبة، وبعد أن تشاجرت معنا أخذت ابنتها وغادرت. ولا أدري حتى الآن لماذا لم نصرف الممرض بدلًا من أن تذهب المساعدة أو نرسله ليستبدلوه بآخر؟

وكانت أقرب إلى عدم الأمانة المطلقة سيدة أبهرتنا بعملها وبنظافتها ومهارتها في الطبخ. ولم نكن نعلم أن هذا مجرد غطاء لإخفاء جوهرها الحقيقي. أخذت يومًا ظرفًا به بضع مئات من الدولارات، كان قد أحضرها مندوب جريدة الخليج مكافأة لمقالٍ نشرتُه، وتركت زوجتي المظروف على حافة الأريكة بعد استلامه؛ لنجده وقد اختفى. وعندما سافرتْ معي إلى عمان، كان في جيبي أيضًا ظرفٌ آخر به مئات الدولارات لم أجده صباحًا. وعندما أتت معي مرةً أخرى في زيارة للخليج لحضور المائدة المستديرة لكتَّاب الاتحاد. أُعطي لكل باحث جهاز حاسب آلي «لاب توب» وكان به الأبحاث التي سنناقشها في المائدة. أخذتُ جهازي وأخذتْ هي جهازًا لها دون أن تستشيرني أو تستشير القائمين على الندوة. ولما عدنا إلى القاهرة أعطيتُ لزوجتي جهازي لأنها تستطيع التعامل معه أكثر مني. فوضعته زوجتي بين كومة الجرائد الأسبوعية التي احتفظتْ لي بها لأقرأها بعد عودتي من السفر. بحثتُ عن جهازي فلم أجده. فلما سألت المساعدة عنه، قالت إنها أخذته لأولادها؛ فأصبح معها جهازان، وكانت تسير في ردهات وطرقات الفندق في عمان كما تسير الملكة علياء؛ تضع على وجهها مساحيق التجميل، وترتدي أحدث الأزياء، وزوجًا من الأحذية ذات الكعب العالي، فتصبح محط أنظار وإعجاب الجميع، وكنت أخجل أن أقول هذه مساعدتي؛ فقد يذهب الخيال إلى ما هو أبعد. كانت تقف على سلم الفندق في وضع وكأنها مستعدة للتصوير، لا فرق عندها بين المثقف المصري أو الأردني الذين يحضرون المؤتمر؛ فبالنسبة إليها كلهم رجال. وعندما عدنا إلى القاهرة اكتشفت زوجتي ضياع مبلغ من المال؛ فصرفناها من العمل بالمنزل. وكنت في مرة قد اصطحبتها معي إلى البنك فأخذت تنظر للأوراق بتمعن لتعرف كم هي المبالغ الموجودة بالضبط. وفي مرةٍ أخرى ذهبنا لبنكٍ آخر، كنت قد صرفت مبلغ ثلاثين ألف جنيه، وبينما أستلم المال سمعتها تبكي فسألتها لماذا تبكي، قالت: «إن أمها تحتاج المال، وإن أمها بالمستشفى تُجرى لها عمليةٌ جراحية خطيرة في المخ، وإنها ربما تتوفى لو لم نعطِ لهم أجرهم.» تصورتُ نفسي مسئولًا عن وفاة الأم لو لم أساعدها. فتبرعتُ لها بالمبلغ كله ورجعنا إلى المنزل وسافرتْ هي إلى البلدة التي كانت تعيش بها. وقبل أن تغادر كتبت إيصال أمانة على نفسها في حال لو لم ترد المبلغ. كنت أثق بها كثيرًا فأخذتُ منها الورقة ومزَّقتها. كنت أومن أن مساعدة المحتاج لا تحتاج إلى وثيقة لإثباتها.

وبعد عدة شهور اتصل بنا قسم الشرطة في الصاغة بالأزهر وأخبرنا أنه تم القبض على سيدة تحاول بيع بعض المصوغات وتقول إنها تعرفكم، ووجدنا رقم هاتفكم في الموبايل الخاص بها، فأخبرتُ الضابط بأنها بالفعل كانت تعمل عندنا وصرفناها لسرقاتها، وعلمنا فيما بعدُ أن تهمة السرقة قد ثبتت عليها وأنها حوكمت بالسجن عدة أشهر.

وبعد مدة اتصلتْ بنا ذات مرة تلفونيًّا لتخبرنا أنها هاجرت إلى أمريكا، وتزوجت من أمريكي، وأقام لها مصنعًا لبيع المنسوجات الشرقية. ويبدو أنها أرادت أن تقول لنا بشكل غير مباشر إن «الشغالة» التي كانت تعمل عندكم ذات يوم أصبحت الآن سيدة أعمال، تعيش في أمريكا ولا حاجة بها للعمل كشغالة مرةً أخرى. وقد تكون الآن مليونيرة ومن سيدات الأعمال.

وبين القطبَين المطلقَين والنسبيَّين كانت هناك مساعِدات المنزل اللواتي إما تكذب الكذبة بقول رواياتٍ غير صحيحة وتطلب بعض المال لعرض الملابس المستعملة للبيع، أو في روايةٍ أخرى لها اقترضت مالًا لتقيم «نصبة» للشاي والقهوة في آخر خط المواصلات للسائقين والمحصِّلين والمارَّة من العمال. ثم اكتشفنا بعد ذلك أنها لم تقم بالمال المُقترض معرضًا للملابس المستعملة ولا منصة للشاي والقهوة. ومرةً أخرى غابت عدة أيام وطلبت إجازة بسبب وفاة والدها، واتضح بعد ذلك أنه غير صحيح. وفي أول عهدها بالعمل في المنزل، أخبرتنا أن هناك سائقًا يريد الزواج منها، فرحبنا بذلك، ولكنها كانت متزوجة بالفعل ولم تطلَّق بعدُ، قلنا هذه جريمة تستحقين السجن عليها، فكيف يكون لك زوجان في نفس الوقت؟ وطلبت مني المساعدة أن نقنع زوجها ليطلقها رسميًّا حتى تستطيع أن تتزوج للمرة الثانية. واستطعنا ذلك، فعادت إلى المنزل ومعها ورقة الطلاق. ثم اختفى السائق الذي وعدها بالزواج. ولكنها على الأقل استطاعت أن تنال حريتها حتى وإن لم تتزوج ثانية. كانت ذات مرة تشتري لنا مواد غذائية من البقال بجوار البيت والذي كان يعرفني فقال لي إنه أمسك بها تحاول سرقة شيءٍ ما من المحل، وحين قالت إنها تعمل عندي أطلق سراحها. وكانت زوجتي قد تعبت من كذبها المستمر وعدم خبرتها بأعمال المنزل فصرفناها. سمعنا بعد ذلك أنها تزوجت من عامل، وكانت وقتها تعمل في جمع صناديق القمامة وفرزها وتصنيفها، بين الزجاج والعلب الصفيح وأوراق الكرتون في حقائب، والقيام ببيعها لمصانع تدوير القمامة، وكانت تكسب في اليوم الواحد حوالي خمسين جنيهًا، وتترك أولادها مع والدها. ولما أصبح زوجها عاطلًا عمل مع زوجته في جمع القمامة، وأصبحت موظفة في شركة تقوم بمثل هذا العمل. بعدها تأتي في الأعياد بدعوى تهنئتي، فلقد قضت معنا ما يقرب من الثماني سنوات فنعطيها العيدية لها ولأولادها.

وكانت هناك مساعِدةٌ أخرى لم تُقم طويلًا معنا. وكنا نسمع حركتها في الفجر تقلب أواني المطبخ. ظننا أنها ربما تعد شيئًا لها تشربه في الصباح الباكر، ولكننا اكتشفنا بعد ذلك أنها تُخرج الأواني واحدة تلو الأخرى لزوجها لسرقتها، فتم ضبطها، وصرفناها رغم أنها أبهرتنا بتنظيف المشربيات بعد أن فتحتها ومسحت الأتربة العالقة بين مربعاتها الصغيرة.

ثم جاءت بعدها سيدةٌ قصيرةٌ مطلقة، وبينما كانت تساعدني على الاغتسال والاستحمام مرة انزلقت من حافة «البانيو» ووقعت داخله ووقعت هي أيضًا بعد أن دفعت قدماي ساقيها، لا أتذكر لماذا غادرتنا بعد وقت قصير؟

وكان لدينا مساعدةٌ مصرية في شئون المنزل، كانت جدةً ريفية. وبينما نحن في الساحل الشمالي تعاركتْ مع ممرضي المرافق الأول، ويبدو أنها سبَّته هو وعائلته، فأصرَّ على أن تغادر هي أو يغادر هو؛ إذ لا يستطيع البقاء معها في نفس العمل. فصرفناها، ثم عادت واتصلت بنا عدة مرات ولم نرد؛ فسألت البواب وأخبرها أننا أحضرنا أخرى غيرها.

ثم أتت سيدةٌ أخرى، كانت كفاءتها في المطبخ أكثر منها في التنظيف. كانت تعمل لدينا في الصيف لأنها كانت تعمل كمدرسة رسم في إحدى المدارس الخاصة، ولما لم يتجدد عقدها في المدرسة، طلبت أن تستمر معنا في العمل كمساعدة منزل. كانت أكثر المساعدات جمالًا وشبابًا وعنايةً بنفسها. ويبدو أن المدرسة التي كانت تعمل بها جددت لها العمل؛ فاعتذرت عن الاستمرار في العمل عندنا، فحزنَّا عليها كلنا خاصةً رجال المنزل.

ومرةً أخيرة أتت جدةٌ شابة تعمل كمساعدة خاصة لزوجتي، كانت لا تجيد أعمال الطبخ أو التنظيف، طبخت الملوخية ونسيت أن تضع فيها «التقلية»، وفي الصباح قدمت الفطير عجينًا نيئًا. وعندما سألتْ ممرضي ومرافقي الدائم عن شيء لم يسمعها، فقال: «نعم!» قالت: «نعامة ترفسك.» غضب وأصرَّ على أن تغادر السيدة المنزل. قالت وهي تقدم نفسها إنها تحب «تعامل باحترام» وإنها خدمت أسرة لمدة ثمانية عشر عامًا. فعجبنا كيف أن طبيخها بهذه الرداءة؟ وكيف أنها بعد يومين سبَّت الممرض؟ ولم تعرف الأسرة ماذا تفعل. وكنتُ حريصًا على الممرض المرافق الذي خدم عندي أكثر من أربع سنوات ولا أستطيع أن أضحي به من أجل مساعِدة لم تقضِ معنا سوى يومين. نكتشف كل يوم منها أنها بلا كفاءة في الطبخ أو أدب في الحديث فنصحتُ الأسرة بصرفها.

ونرجو أن يكون ذلك آخر تغيير في المساعدين والمساعِدات، بعد أن اطمأننا إلى من عندنا بما لديهم من كفاءة وأمانة.

أما حارس المنزل «البواب» هو الأخير ومن قبله لا يهمه إلا زيادة الدخل فوق مرتبه الشهري، فكان يمسح العربات بالشارع. وفي إحدى المرات كانت زوجة البواب لدينا تعمل عند سكان العمارات المجاورة كمساعدة في شئون المنزل لتساعد زوجها على زيادة الدخل، كان أسوأ هؤلاء أحدهم وكان من أسوان، سافرنا مرة في إجازة صيف وتركناه يتولى حراسة المنزل. ومنذ أن انتهينا من بناء المنزل فاضت عدة بلاطات رخامية وبعض الأشياء وضعناها بأحد جوانب المنزل من الخارج، وجدناه قد سرقها، وكنا قد تركنا أيضًا ثمن الجرائد الأسبوعية واليومية في عهدته لمحاسبة بائع الجرائد، اكتشفنا أنه لم يدفع ثمن الجرائد وأنه أخذ الأموال لنفسه وبدَّدها؛ صرفتُه لعدم أمانته، كما صُرف من عمله الآخر لنفس الأسباب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣