ليلى

هي موظفة بإحدى الوزارات، ورغم أنها متخرجة في كلية الآداب إلا أنها تعمل عملًا كتابيًّا لا علاقةَ له على الإطلاق بما تعلمته أو بما كانت تطمح في عمله، تعالَج ليلى منذ عام عند أحد أطباء النفس من حالة اكتئاب، ليلى وصفت لي حالتها كالآتي: أصحو من النوم الساعة الخامسة صباحًا لأحضِّر الإفطار لزوجي وأطفالي، ويخرج زوجي إلى عمله، ويذهب الطفلان الكبيران إلى المدرسة، ويبقى الطفل الثالث الصغير معي، وأحمله على كتفي وأسير حتى بيت حماتي على بُعد حوالي كيلومترين من بيتي، وأحيانًا اركب الأتوبيس، ولكني أفضل السير على بهدلة الطفل في الأتوبيس، وأترك الطفل لحماتي التي تتذمر دائمًا من الطفل، وأن صحتها لم تعد تحتمل تربية الأطفال، ويكفيها أنها ربَّت سبعة أولاد من قبلُ. وبعد أن أترك الطفل، أركب الأتوبيس إلى الوزارة، وإن عملية انتظار الأتوبيس والركوب والوصول إلى عملي تستغرق مني على الأقل ساعتين، بالإضافة إلى الإهانة التي أشعر بها وأنا داخل الأتوبيس، وجسدي محشور بين أجساد الرجال، ومعظم الرجال مكبوتون جنسيًّا؛ ولذلك كثيرًا ما أهبط من الأتوبيس قبل وصولي، وأسير بقية المسافة على قدميَّ، وحين أصل إلى عملي أكون منهكة القوى والأعصاب، ويقابلني رئيسي في العمل كل يوم بالتأنيب الشديد؛ لأني أتأخر عن العمل كل يوم تقريبًا، بالإضافة إلى الإجازات المتكررة حين اضطر للبقاء مع طفلي بالبيت إذا مرض، أو إذا مرضتْ حماتي ولم تستطع رعايته في ذلك اليوم، أو إذا مرضتُ أنا وشعرتُ بالإنهاك العصبي أو النفسي الشديد ولم أستطع النهوض من سريري.

بحثت عن خادمة أو دادة للطفل تبقى معه في البيت، وتساعدني في أعمال الطبخ والغسل والتنظيف، ولكني لم أجد، معظم الخادمات الآن يطلبن أجورًا عالية لا أستطيع دفعها، قلت لزوجي ذات يوم إنني سأترك عملي وأتفرغ لأطفالي والبيت والطبخ؛ لأني لا أستطيع أن أجمع بين كل هذه الأعمال والوظيفة، وبحثنا الموضوع، واتضح لنا أننا لا يمكن لنا أن نعيش بماهية زوجي فقط، فاضطررت إلى الاستمرار في وظيفتي رغم الإرهاق الجسدي والنفسي. زوجي يعود في الرابعة بعد الظهر منهكًا وفي حاجة إلى أن يأكل ويستريح، وأنا أعود قبله بساعة واحدة (الساعة الثالثة)، وفي هذه الساعة رغم إرهاقي أطبخ بسرعةٍ الغداء وأحضر الطعام لزوجي وأطفالي العائدين من المدرسة، حين ينام زوجي بعد الغداء أذهب إلى بيت حماتي لأحضِر طفلي، وفي الليل أجهز العشاء للجميع، وأساعد طفليَّ في المذاكرة، وفي الساعة العاشرة مساءً أو بعد ذلك أضع جسمي في السرير وأنا أشعر بكل أوجاع العالم، ولا ينقذني من أوجاعي إلا النوم، زوجي ينتهي عمله حين يصل إلى البيت الساعة الرابعة، ويأكل وينام، وفي المساء يخرج، ويقول لي إنه ذاهب لزيارة بعض أصحابه، وحين أطلب منه أن يبقى معي في البيت ويساعدني تحدث مشاجرة، ويقول إنه لا يطيق الجلوس في المساء في البيت، وقلت له إنني أيضًا لا أطيق البقاء في البيت والقيام بكل هذا المجهود وحدي، لكنه يقول إن كلَّ الزوجات يعملن في البيوت وكل الرجال يخرجون في المساء، وهذه هي طبيعة الحياة. كنت أشعر ببعض اللذة الجنسية في أول الزواج، لكني الآن، بسبب جسدي المنهك وأعصابي المنهكة، فأنا لم أعد أحتمل الجنس، وأُفضِّل عليه النوم والراحة، ويُظهر زوجي الغضب كثيرًا حين أقول له إنني متعبة، فتحدث مشاجرة، ويرتدي ملابسه ويخرج، ولا يعود إلا قرب الفجر، وأصبحت أضطر إلى تلبية رغبته رغم تعبي، وأصبحت العملية الجنسية عبئًا جسديًّا ونفسيًّا في حياتي، وزادت من أعبائي عبئًا، إنني الآن في الثانية والثلاثين من عمري، ولكني أشعر أنني لم أعد شابة، ولم أعد أجد لذة في أي شيء في حياتي، وأشعر باكتئاب من حين إلى حين، وأحيانًا لا أنام إلا بالأقراص المنومة، وحين سألني الطبيب النفسي عن حياتي الجنسية، وقلت له إنني لم أعد أحب الجنس قال إنني مصابة بالبرود الجنسي، وأعطاني بعض الأقراص والحقن، ولم أشعر بأي تحسُّن، بل زادت حالتي سوءًا، خاصةً أن زوجي أصبح يهملني ويخرج كل ليلة، وأني أحس أنه عرف امرأةً أخرى، وأشعر بقلقٍ شديد خوفًا من أن يطلقني، ولا أعرف ماذا أفعل وحدي بهؤلاء الأطفال الثلاثة. إن حياتي لم تعد تُطاق، وأصبحت أعصابي على وشك الانفجار، وأخشى أن أفقد السيطرة على نفسي تمامًا، وتراودني أفكار تخيفني، منها فكرة الانتحار، والراحة الكاملة في الموت، ولكني أتراجع عن الفكرة حين أفكر في أطفالي، وأن أحدًا لن يرعاهم بعدي، خاصةً أن زوجي من النوع الذي لا يطيق رعاية الأطفال، ويقول إنها مهنة المرأة والرجل غير مسئول عن رعاية الأطفال، مع أن زوجي متعلم ومتخرج مثلي في الجامعة.

وقلت لليلى إن حياتها صعبة بغير شك، وإنها ليست وحدها التي تعاني، وإنما آلاف الزوجات العاملات يعشن الحياة المرهقة التي تعيشها هي، وإن زوجها ليس الرجل الأناني الوحيد الذي لا يزال يرفض مشاركة زوجته أعباء البيت والأطفال برغم أنها تشاركه نفقات البيت، وقلتُ لها إن التعليم لا يعني الثقافة، وكم من رجالٍ متعلمين، ولكنهم غير مثقفين؛ فالثقافة تجعل الرجل فاهمًا لأمور الحياة، مدركًا لدوره الجيد حين يتزوج امرأة تعمل مثله، ويشعر بمسئولية جديدة تجاه البيت والأطفال، تمامًا كما تدرك زوجته مسئوليتها الجديدة تجاه مشاركته في الإنفاق.

ولكن كيف يمكن أن تشفى ليلى من عصابها بتلك الكلمات، إن علاج ليلى لا يمكن أن يكون بكلمات، ولا يمكن أن يكون أقراصًا تُبتلَع، إنها في حاجة إلى دار حضانة بجوار منزلها تترك فيها طفلها، وهي في حاجة إلى مقعد في أتوبيس تجلس عليه بكرامتها لتصل إلى عملها، وهي في حاجة إلى راحة بالبيت بعد العودة من عملها، وإلى شريك يحادثها في المساء أو يخرجان معًا إلى المسرح أو السينما، ولكن هذا كله لا يمكن أن يحدث في حياة ليلى، وفي حياة عددٍ كبير من الزوجات العاملات في مجتمعنا؛ فالمجتمع عندنا لم يخطط بعدُ لأن تعمل النساء؛ ولذلك لم يُنشئ المجتمع دور الحضانة الكافية لأطفال العاملات، ولم يحل مشكلة الأعمال المنزلية والطبخ بوسائل أخرى حديثة أو مؤسسات ترفع عن كاهل المرأة أعباء الغسل والتنظيف والطبخ، ولم تتطور عقلية معظم الأزواج بحيث يساعدون المرأة في أعمال البيت والطبخ والأطفال، والسبب في عدم تطور عقلية الرجل أن التعليم والثقافة العامة والإعلام والصحافة لا تزال في معظمها تنشر الأفكار العتيقة التي لا تناسب إلا نساءً متفرغات في البيوت بغير عمل، فمَن هذه المرأة العاملة التي تستطيع أن تنفذ تعليمات المحررة أو المذيعة المشرفة على ركن المرأة بشأن رسم الحواجب، وتنعيم البشرة، وعروض الأزياء؟ إن المرأة العاملة إذا وجدت المال لشراء هذه الملابس، وهذه المساحيق والدهانات، فلن يكون لديها الوقت، وإذا كان لديها الوقت فلن يكون لديها الجهد بعد كل ذلك الإرهاق الجسدي والنفسي داخل البيت وخارجه. إن الثقافة العامة والإعلام لا تخاطب أغلبية النساء الكادحات والعاملات، ولكنها تخاطب تلك الفئة العاطلة من النساء، والتي لا تعمل خارج البيت، والتي تحررت من العمل داخل البيت بسبب وجود الخادمات والطباخات والمربيات؛ ولهذا يغضب أزواج العاملات حين يرون زوجاتهم مرهَقات غير أنيقات، ويتصورون أن هذا تقصير من الزوجة أو استرجال بسبب عملها؛ ولذلك يتركون بيوتهم في المساء ويذهبون يبحثون عن هؤلاء النساء الأنيقات الناعمات البشرة، اللائي لا يقشرن البصل والثوم، وينسى الزوج منهم أنه كي يتناول غذاءه لا بد لزوجته أن تقشر البصل والثوم، ولكن معظم الأزواج تعلموا الأنانية منذ الطفولة، وفي المدارس، وفي الشوارع، ومن خلال الكلام الذي يسمعونه في الراديو، أو يقرءونه في المجلات والصحف، ولا يمكن لأمثال ليلى من النساء العاملات أن يتخلصن من أسباب العصاب في حياتهن ما لم يتعلم الذكور منذ الطفولة التعاون مع أخواتهم، ومعنى ذلك أن تكون مساواة المرأة والرجل حقيقة يؤمن بها المجتمع، ويترجمها إلى أفعال، وليست مجرد شعارات أو نظرية داخل أدراج مُغلَقة.

كنت أدرك أن هذا الكلام كله لا يعالج ليلى، ولكن المشكلة ليست مشكلة ليلى وحدها، إنها مشكلة جميع الزوجات العاملات في مجتمعنا، والعلاج هنا ليس علاجًا طبيًّا، ولكنه علاج اجتماعي وسياسي بالدرجة الأولى، وهذا العلاج لن يحدث ما دامت الأغلبية من النساء بعيدات عن العمل السياسي، يتصورن أن العمل السياسي من اختصاص الرجال وحدهم. وبذلك ينفرد الرجال بالسُّلطات في المجتمع، ويصبح إصدار القوانين من عمل الرجال وحدهم، وبالتالي تكون معظم القوانين في صالح الرجل.

وهذا هو السبب في أن كثيرًا من القوانين في مجتمعنا تعدَّلت ما عدا القوانين الخاصة بالمرأة والرجل. لقد تعدَّلَت بعض القوانين التي تُنصف الفئات التي ظُلمت من الشعب مثل الفلاحين والعمال بعض الإنصاف، وأصبح هناك قانون ينصُّ على أن يُمثَّل الفلاحون والعمال في التنظيمات السياسية ﺑ ٥٠ بالمائة على الأقل، رغم المحاولات العديدة لإجهاض فعالية هذا القانون، أمَّا المرأة التي تمثِّل نصف المجتمع، فلا يمثلها إلا أفراد قليلات يُعددْن على الأصابع، ولا تزال قوانين الزواج والطلاق تظلم المرأة ظلمًا بيِّنًا، وحين تبدأ بعض محاولات لتعديل القوانين يغضب الرجال، ويستخدمون قوتهم لمحاربة التعديل. أمَّا النساء فيتراجعن إلى الوراء؛ لأنهن لا يمثلن أية قوة سياسية يمكن لها أن تفرض التعديل. وينتصر الرجال، وتظل القوانين الظالمة كما هي.

وقد يظن بعض النساء أن النساء المريضات بالعصاب هن فقط اللائي يُعانين من هذا الوضع، وإلى هؤلاء أنقل ما نشرته جريدة الأخبار في ٢٤ مارس سنة ١٩٧٤، كتبت جريدة الأخبار تحت عنوان: ألا من نهاية لهذه المآسي! تقول:

كيف نجد لهذه المآسي وهذه القصص غير الإنسانية نهاية؟ زوجة شابة ظلت أكثر من عشر سنوات تتردد على المحاكم، وبين مكاتب المحامين، وتفقد راحتها وشبابها ومالها من أجل الطلاق من زوج استعمل حقه في أن يُطلِّق أو لا يُطلِّق بإرادته وحده، مستغلًّا كل الأسباب المشروعة وغير المشروعة ليجعل الزوجة معلَّقة، لا هي مطلقة ولا هي متزوجة، لا لشيء إلا للكيد والانتقام، وأخرى منفصلة عن زوجها وتعمل في الخارج، وتطلب الطلاق من زوجها، وفي كل مرة تعود إلى مصر لترى أبناءها وأهلها، يجبرها زوجها على دفع مبالغ خيالية من أجل موافقته لها على السفر مرة أخرى، لدرجة جعلها تغيب عن مصر سنوات طويلة وتعيش في الغربة وتقاسي الحرمان من الوطن والأهل والأبناء حتى لا تتعرض من جديد لاستغلال الزوج الجشع الذي لا يستعمل حقه الشرعي من أجل حبه لها وحرصه على الحياة الأسرية معها، وإنما من أجل المال فقط.

ويُقابل هذا النوع من الظلم ظلمٌ آخر، الزوج الذي يطلِّق زوجته بدون أسباب قوية، لمجرد نزوة أو رغبة أو ليتزوج غيرها، ويتركها هي وأطفالها بلا مأوًى وبلا مورد، مدة لا يعلم إلا الله وحده مداها، إلى أن تحكم لها المحكمة بنفقة لا تكفيها هي وأولادها في أغلب الأحيان، وتضيع الزوجة الشابة بين الحاجة وبين إشفاقها على أولادها، ويصبح مصيرها في مهب الريح بين إغراءات الانحراف وبين العذاب والحيرة في البحث عن عملٍ شريف، يصعب عليها إيجاده في ظروفنا الحالية.

وزوجة أخرى أفنت زهرة شبابها بجانب زوجها، تكافح معه وتتحمل شظف العيش من أجل أن يبني مستقبله، وبعد أن تصل إلى السن التي لا تستطيع معها بدء حياة جديدة تجد نفسها بدون عائل، اللهم إلا نفقة سنة واحدة، لا تجد بعدها حتى لقمة العيش، لا لشيء إلا ليتزوج الزوج زوجة أخرى شابة تقاسمه نجاحه الذي صنعته زوجته الأولى وأفنت في سبيله شبابها وحياتها!

أليس هناك نهاية لهذه المآسي التي نسمع عنها، وتحدث حولنا كل يوم، ولا نجد لها حلًّا عادلًا؟!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠