الفصل الثالث والعشرون

مؤتمر باريس

١٨٥٣–١٨٥٦

كانت سنة ١٨٥٣ حافلةً بالكوارث والبؤس؛ إذ فتكت الهيضة بالنفوس وقضى المرض على الكروم وانتشرت الفاقةُ في جميع الأطراف؛ بسبب رداءة المحصول والأزمة التجارية، وأدت الضرائبُ الباهظةُ والدسائسُ الإكليريكية إلى اضطراباتٍ خطيرة في منطقة «آوسته»، وهاجمت الجماهيرُ في تورينو دارَ كافور وكادتْ تقضي على حياته.

وعلى الرغم من أن الحكومة قد أصلحت شئون المالية فإن الموازنات كانتْ لا تزال تحتوي قروضًا جديدةً وضرائبَ جديدة، ولم يمنع هذا أكثر البيمونتيين من التمسُّك بالدستور كل التمسُّك، ولما رفض مجلس الأعيان مشروعَ كافور بشأن تنظيم المصرف القوميِّ قرر كافور استفتاء الأمة بإجراء انتخابات جديدة، وقد جاءت الأكثريةُ في جانب الحكومة فأُعيد انتخابُ جميع أعضاء الوزارة، وكادت الواردات تزدادُ ثلاثةَ أضعافها، أما الصادرات فزادت خمسين بالمائة؛ فلذلك كانت الحكومة قوية في البلاد وفي البرلمان رغم الفاقة والضرائب ودسائس الرُّهبان المستمرة.

ودل دخولُ رتازي في الوزارة على مقدار الثقة التي تتمتع بها الحكومة من حزب الوسط، وقد أَدَّت المكانة التي نالتها الوزارة العظيمة إلى إقدامها على القيام بأعمالٍ موفَّقة في السياسة الداخلية والخارجية، وإنقاذ البلاد من نير الكنيسة وتوثيق عُرَى التحالُف مع فرنسة، وعرضت الحكومةُ في أوائل سنة ١٨٥٥ مشروعَ الإصلاح الإكليريكي الثالث الخطير الشأن، وكانت قوانينُ سكاردي قد حالتْ دُون تدخُّل الكنيسة في وضع القوانين.

وكما مَرَّ معنا؛ فإن قانون النكاح المدني يستهدف منع كل تدخُّل إكليريكي في حياة الأسرة، وقد استحسن الرأي العام تأجيلَ هذا المرسوم حينذاك، إلا أنه أَلَحَّ على أنْ تشرف الحكومةُ على واردات الكنيسة، وحَالَمَا دخل رتازي الوزارة وَعَدَت الحكومةُ بإلغاء الأَدْيِرة، وبمشاطرة الإكليريكية في وارداتها، وإلغاء الإعانات السنوية التي تدفعها الخزينة للإكليروس.

وحسبنا في إدراك أهمية ذلك أن نعلم أنه كان في المملكة التي يبلغ عدد نفوسها خمسة ملايين ٦٠٤ أديرة وصومعة يقطنها ٨٥٠٠ شخص فلكل ٢١٤ نفسًا من الأهالي إكليريكي واحد، بينما الحال في بلجيكة لكل ٥٠٠ شخص، وفي النمسة لكل ٦١٥ شخصًا، وكان الذين يعطفون على الإكليريكيين أو الذين يميلون إلى وجود «كنيسة حرة» مثل كافور؛ يُؤْثرون ترك الكنيسة حرة التصرف في أملاكها؛ معتبرين تقسيم الواردات الإكليريكية من القضايا التي تخص الكنيسة، ومقابل هؤلاء هناك المطالبون بإصلاح الكنيسة وخصوم الإكليروس الذين يرتئون أن تقوم الحكومة بإدارة أراضي الإكليروس، وأن يكون لها حق إلغاء الإدارة، وتخفيض عدد الأسقفيات، ومقاسمة الإكليروس وإرادته.

وعارض كافور بشدة سياسةً من هذا النوع؛ إذ كان يقول بأن الإكليروس الذي يعيش بأموال الحكومة مِن دون أنْ يكون له عائلةٌ وأملاكٌ خاصة، يغدو طائفةً محرومة من الرابطة الاجتماعية التي تربطها بباقي الهيئة الاجتماعية، لا علاقة لها بتشكيلات الدولة، وسوف تظل خطرًا على الدول. على أن كافورًا كان يدرك بأن البلاد تَمْقُت الإكليروس حتى إنها لَتفضل الخضوعَ إلى النمسة على أن تخضع للرهبان.

وظل البابا بيوس متمسكًا بسياسته التي لا تعرف التسامح واللين، وكان كافور يلجأ إلى مفاوضة روما؛ آملًا الحصولَ على موافقتها، ولكن المفاوضات أسفرتْ عن رسالة بابوية عامة شديدة اللهجة، اتهمت المشروعَ بالإباحية، وهددت بالحرمان الكنسي فيما إذا نفذ، فأجاب دازجيلو بعنف أنه يعتبر تلك الرسالة العامة خروجًا على الدولة، وكانت الحكومةُ قد نشرت لائحة القانون قبل مدة وجاوزت فيها حدودَ اقتراحات دازجيلو بإلغاء الجمعيات الدينية والإدارة والمرتبات الدينية التي تنفق على الأنفُس أو على جماعات دينية، ولما عُرضت اللائحة على المجلس النيابي أَيَّدَها حزبُ الوسَط واليسار، وقُبلت بأكثريةٍ ساحقة.

أما الإكليريكيون فكانوا يستندون إلى مجلس الأعيان، وإلى الملك، وأيقنوا أنهم سينجحون في تمثيل الدور الذي مثلوه في قضية قانون النكاح المدني، وقد تخابر الملك قبل ذلك مع روما مخابرة ودية؛ مؤملًا أن يصل إلى تفاهُم، وحدث في خلال هذه المخابرات أنْ أُصيب بنكبةٍ هائلة زادت في مخاوفه، ذلك أنه فقد أُمَّه وزوجه وولده في شهرٍ واحد، فسرعان ما استغل الإكليريكيون هذا الحادث واعتبروه غضبًا من الله.

واقترح الأساقفة المعتدلون الذين بذلوا جهدهم في التأليف بين الحكومة وردها أن يدفعوا من وارداتهم الكنيسة مدة ما قدر الإعانة التي تدفعها الحكومة، على أن تسحب الحكومة قانون الإلغاءات.

ولما رأى كافور أن الملك يميل إلى هذا الرأي قَدَّمَ استقالتَه، فكلف الملك «دوراندو» وزير الحربية لتأليف الوزارة، ولكن هياج الرأي العام بلغ الذروة، حتى إن دوراندو أخفق في إيجاد زميل يؤازره في تحمُّل المسئولية، فأدرك الملك أنه سوف يفقد حظوته لدى الشعب، وأن تورينو في حالة شغب خطرة، وأن تمادي الأزمة يؤدي إلى اضطراب وسفك الدماء.

وبناء على مشورة دازجيلو عاد فأناط رئاسة الوزراء بكافور، ولم يستطع كافور أن يحصل على موافقة مجلس الأعيان على القانون إلا بأكثرية ضعيفة وبعد تعديلات تكاد تَستثنِي نصف الأديرة، الأمر الذي أسخط الرأي العام واعتبر هذا الحل تواطؤًا.

وكان كافور بين أمرين: فإما أن يُوافق على التعديلات وإما أن يسبب أزمة دستورية قد تهز العرش وتهدر السياسة الخارجية، وكان كافور يرمي في سياسته الخارجية إلى جَلْب رضاء فرنسة؛ آملًا أنه قد يحين الوقتُ الذي تسوق فيه جيوشَها عبر الألبة؛ لطرد النمسويين من لمبارديه وفنيسيه، وكان قانعًا بأن بيمونته وحدها لا تستطيع أن تنتصر في حربٍ هجومية، ومع ذلك كان يقدر وُعُورة الطريق التي يُريد أن يسلكها بالاعتماد على حليف طموح لا ضمير له.

على أن كافورًا لم يكن من الرجال الذين يُحجمون عن استخدام الوسائل المريبة؛ إذ لاح له بأنها توصله إلى الهدف المقصود، وكان يؤثر سلوكَ الطرق السياسية على الالتجاء إلى الطرق الثورية، ونشبت الحربُ الأوروبية ضد روسية فطورت الموقف؛ إذ كان الحلفاءُ على أَتَمِّ الأهبة لشراء أو استجداء أَيَّة مساعدة من أي جهة كانت، وكانوا يرغبون أولًا في استمالة النمسة التي تستطيع أن تشل توغُّل الروس في البلقان، وكانت النمسة تريد أن تبقى طليقة اليد لا تتقيد بشيء، وأخذت تساوم في مقترحات الحلفاء، وحجتها في ذلك أنها إذا حشدت جيشها في الشرق فإن بيمونته تنتهز الفرصة للهجوم على لمبارديه.

وكان الحلفاء قد عرضوا صيانةَ الحدود الإيطالية طول مدة الحرب إلا أنهم رأوا أن أحسن جواب لمساومة النمسة هو أن يُقنعوا بيمونته بالدخول في الحلف وإرسال قسم من جيشها إلى الشرق، فأخذوا منذ أوائل سنة ١٨٥٤ يلاطفون حكومة تورينو مُلَوِّحين لها — باستمرار — بأنهم سيقنعون النمسة بالتخلي عن لمبارديه لقاء ممتلكات جديدة يعطونها إياها في الشرق، ولكنها إذا ترددت في الأمر فإنهم سوف يساعدون النمسة على احتلال ألكسندرية.

وكانت هناك حوافز للإصغاء إلى الدول الغربية أهم من كل ما مر، فكافور أدرك بثاقب نظره أنه إذا أصبحت النمسة حليفة للحلفاء بدلًا من بيمونته، فستظل فرنسة وإنجلترة مدينتين لعدوتها ومستاءتين منها وهنا أصبحت سياسة كافور بأجمعها في الميزان، فقبل مقترحات الحلفاء بلهفةٍ وعرض عليهم إرسالَ قوةٍ إلى القريم.

ومع أن الملك كان بجانبه فإنه لم يلق أي معاضدة لمشروعه هذا في الوزارة، حتى إن وزيرين من وزرائه هدداه بالاستقالة، وكانا يريان أنه من الطيش والمجازفة نهك قوى بيمونته وبذلها في نزاع ناشب بين الآخرين، مع أنه يجب الاحتفاظُ بها لتسخيرها في مطامعها القومية الخاصة، وقد تَريَّثَ كافور حتى استطاع في نهاية الخريف استمالة زملائه إلى رأيه، ولما طلب الحلفاء في كانون الأول سنة ١٨٥٤ إلى بيمونته محالفتَهم بصورةٍ رسمية قررت الحكومة تلبيةَ الطلب مشترطةً أن تمنحها إنجلترة قرضًا لا يقل عن مليون جنيه إسترليني، وأن تعتبر بيمونته حليفةً لا أجيرة، فتشترك في جميع المؤتمرات المحتمَل عقدها مدة الحرب، وبعدها أن تتعهد الدول الغربية في معاهدٍة سرية بأن تقدم بمسعًى جديد لإلغاء عملية حجز الأملاك في لمبارديه، وأن تنظر بعين الجد في موقف إيطالية من حيث آمالها القومية.

فلم تَمَلَّ إنجلترة وفرنسة إلى قبول هذه الشروط لأن النمسة قد انضمتْ إلى الحلف ورفضتا أن تُسجلا في المعاهدة أي تعهد، وبهذا أصبحت الوزارةُ أمام أمرين، إما الحلف بلا قيد ولا شرط أو العزلة.

وكان الملك يؤثر انسحاب الوزارة على ترك الحلف، كما طلب اللاجئون اللمبارديون العدول عن الشرط المتعلق بالحجز على أملاكهم.

وبهذا وقَّعت الوزارة على المعاهدة في ٩ كانون الثاني ١٨٥٥، ودهش الرأي العام البيمونتي لذلك كل الدهشة، وبدا له أن هذا المشروع جريءٌ عجيب؛ إذ لا يكاد المرءُ يرى أَيَّةَ مصلحةٍ للبلاد، ولكن كافورًا بذل جهده وسخَّر ذكاءه وحذاقته؛ لحمل المجلس النيابي في إقراره، وقد لقي كافور في ذلك صعوبة عظيمة فلم يستطع الناس أن يفهموا كيف يجوز لبيمونته أن تحارب روسية التي لم تخش مطامعها يومًا ما، بينما ظلت بروسية محايدة والنمسة متفرجة فضلًا عن أن هذه الحركة تتطلب التضحيات في النفوس والأموال وتستدعي قروضًا باهظة سيحمل الناس عبئها على كاهلهم، وسيُكبَّدون ضرائبَ جديدة.

والأغرب من ذلك كله أن تقف بيمونته بجانب النمسة وتساعد مضطهدي السلاف الثائرين، والواقعُ أن البلاد بأجمعها لم تشعرْ بخطر العزلة إلا قليلًا، ولم تكترثْ لأهمية منح بيمونته صوتًا في المؤتمرات الأوروبية ورفعها إلى مصاف حليفة الدول الغربية، وجعلها المحاميةَ عن قضية إيطالية، مما تتضاءل معه كل تضحية مهما كثرتْ، وأخيرًا أقر المجلس النيابي المعاهدة بخمسة وتسعين صوتًا ضد أربعين صوتًا.

وكان صيف سنة ١٨٥٥ دور قلق لبيمونته فلم يصل أي خبر بالانتصار من القريم، وكان كل فشل يؤدي حتمًا إلى انتصار الإكليريكيين في الداخل انتصارًا حازمًا، وقد مثلت القوة الصغيرة البيمونتية البالغة عددًا ١٧٠٠٠ دورًا سلبيًّا لا شأن له في المعارك ولكنها أدتْ واجبها في حماية جناح الخلفاء الأيمن كما يجب، وتفوقت بخدمات ميرتها وشئون صحتها السيارة الجيدة فكانت على نقيض ما قد انتاب الميرة الإنجليزية من فوضى.

ولما اشترك الجنود البيمونتيون في القتال في وادي جونايا ي وسط آب، وهنا يجب ألا ننسى أن الإفرنسيين هم الذين واجهوا صدمة القتال؛ فإنهم أدوا واجبهم بكل بسالة حتى زعم كافور أنهم غسلوا عار نوفَّاره، وأخذ الناس يصدقون القول بأن «طريق القريم يوصل إلى لمبارديه.» وأن «في خنادق القريم تُبنى الوحدة الإيطالية.» وأخذ الناس في إيطالية يستبشرون باشتراك بيمونته في الحلف ويعتبرونه رصاصة في مسدس انطلقت من أذن النمسة، والواقع أن الظفر في القريم خدم مصير إيطالية أكثر من جميع الخطب والمقالات التي دافعت عن قضيتها في أوروبا الصماء.

وكان كافور على حق حين طلب إلى الحلفاء بأن يهتموا لحالة إيطالية، فلم يكن في روما إلا الفساد والفوضى وليس في لمبارديه والروماني سوى استبدادٌ عسكري غاشم، وساد الطغيان نابولي ففي روما لم يؤبه لمجلس الدولة إلا قليلًا، وقد حاول المجلس المالي أنْ يدعم حقه الأسمى في الإشراف على الميزانية، بَيْدَ أن الحكومة أهملتْ أمره حتى أمسى بمرور السنين لا شأن له ولا قيمة، وأصبحت الدعوى التي كثيرًا ما تكررت بقبول العلمانيين في جميع الوظائف؛ حبرًا على ورق؛ فالعلمانيون لم يشغلوا إلا المناصب الثانوية، وكان جميع الرؤساء في الوزارات — ما عدا الحربية — وجميع الولاة وجميع كبار القضاة؛ من رجال الدين، وكانت المجالس العمومية خاضعةً لإرادة الحكومة كُلَّ الخضوع، ولم يمنح حق الانتخاب إلا لأولئك الذين سلموا من الأخطاء السياسية والدينية، فاقتصر التمتع بهذا الحق على جماعةٍ صغيرة من أغنياء الملاكين.

ولم يكن الحكم الصالح في نظر رجال الإدارة في روما إلا من الأمور الثانوية، فهَمُّ الكرادلة اقتصر على محاربة التفكير الحر والحيلولة دون تقدُّم علم الطب، ناهيك ما كانت تقترفه محكمة التفتيش من مظالم، وقد زُجَّ أحد الناس في السجن؛ لأنه لم ينزع قبعته في الكنيسة، وعُذِّبَ أحدُ مواطني فيرمو إلى حد الموت لأنه كفر، وبينما كان أنتونللي والكرادلة السياسيون يذرون الرماد في عيون أوروبا أو أنهم يهددون فرنسة بالنمسة؛ كانت عصابة السانفيديست المحمية من قبل الكرادلة تقبض على زمام الدولة.

وقد أصبح «جاللي» بفضل الطريقة المخزية التي اتخذها في إدارة الخزينة؛ ثريًّا، كما أثرى أنتونللي بطريقةٍ غير مشروعة، حتى اضطر إلى تقديم استقالته على إثر الفضيحة التي شاعت عن علاقته بمصرف روما وظل «ألبير» الرجل الذائع الصيت مراقبًا أول لشئون الجمارك إلى أن اضطر إلى الهروب ليَسْلَم من يد القضاء.

أما شريكُهُ ماردوني الذي حكم عليه فيما مضى لثبوت جرائم الغش والسرقات عليه، فكان يرأس الشرطة السرية، وكانت المحاكم تتخذ جميعَ الوسائل لمطاردة الأحرار، وبلغ الاضطهاد حدًّا يصح القول معه إن أربعة آلاف من الأهليين كانوا في السجون، وزاد عدد الموقوفين السياسيين على ألف شخص كانوا كلهم في حالة مزرية من حيث السكنى والمعيشة.

وكانت المحاكم النمسوية قد أَعدمت منهم مائتي نفرٍ رميًا بالرصاص في إيالة بولونيه وحدها، وكانت الحكومة لا تستطيع الاعتماد على جنودها ولا على شرطتها، فالمعتدلون الذين اتخذوا كافور قدوتهم، والجمهوريون الذين اتخذوا مازيني أملهم كانوا يتزعمون جماهير الأهليين كلهم، وكان أنتونللي يعلم جيدًا أن القوات النمسوية وحدها هي التي تحمي حكومته من سقوط فجائي.

أما في نابولي فقد قبض فرديناند على زمام الحكم بيد شديدة جدًّا، وكان مغتبطًا بأنه الأميرُ الوحيدُ الذي يعلم السرَّ الذي يستطيع به إنقاذَ الهيئة الاجتماعية الأوروبية، وأن الثورة لا تُقمع إلا بيدٍ من حديد وأن التساهُل مع الأحرار ينتهي إلى الخضوع إليهم، ولم يأبه قَطُّ للرأي العام الأوروبي الذي كان ينعته بالوحش عدو البشر، وكان يعتبر انسحاب بالمرستون نصرًا باهرًا لقضية المحافظة على نظام العالم الأدبي، وكان يعتمد على عَوْن قيصر روسية وإمبراطور النمسة، ولا يعبأ بفرنسة وإنجلترة.

أما في صقلية فبعد أن دشن نائب الملك أعماله باضطهادٍ فظيع أخذ يحاول استرضاء أهل الجزيرة بتخفيف وطأة الشدة، وإصلاح حالة الطرق التي كانت اقتصاديات الجزيرة في أشد الحاجة إليها، وقد أغضب ذلك فرديناند، فاضطر إلى الاستقالة ثانية وعين أحد صنائعه في البلاط بدلًا عنه، واشتد طغيان الملك حتى أخذ اليسوعيون أنفسهم يتذمرون منه ويمقتون عليه.

وكان الجواسيس والشرطة زبانيته والآلة في هذا الإرهاق، وأعد سجلات خاصة عن سلوك الموظفين السياسيين، ولما كانت الطبقة الوسطى هي العنصر الحي في البلاد، فقد غدا إرهاقها شغل الملك، ولكن كان يوجه رعايته للطبقات المنحطة وشبه المجرمة ويسخِّرها في مآربه، فكانتْ تعتمد عليه وعلى شُرطته لتعيش من دون عمل.

وكانت الأمورُ في الشمال — شأنها في كل وقت — في حالةٍ لا بأس بها؛ ذلك لأن النمسة أخذت على إثر الاحتجاجات التي أقلقتْ راحتها لمناسبة الحجوز؛ تخفف الوطأة عن الناس، وكَفَّ موظفوها عن المظالم الفظيعة وأُلغي قانون الأحكام العرفية ورُفع الحجز عن كثيرٍ من الأملاك، وأُعيد تأسيس الجمعيات المركزية، ولكن هذا كله لم يرق في أعين القوميين، فكتب مانين من انزوائه: «نحن لا نريد من النمسة أن تكون شفيقة بنا وذات سياسة حرة في بلادنا لأن ذلك فوق قدرتها، حتى إذا هي تمنت ذلك، وإنما الذي نريده منها هو أن تذهب.»

ولا يفوتنا القولُ بأن صرامة الإدارة العسكرية قد منت التجارة بخسارة فادحة، وظلَّت الشركاتُ المساهمة مترددة خشية الأزمات السياسية المحتملة الوقوع دائمًا، وبلغ ما أُنفق على الإدارة النمسوية من الضرائب غير الاعتيادية والقروض ثلاثمائة مليون من الليرات خلال السنوات العشرة التي تلت سنة ١٨٤٩، ومع ذلك فإن الحالة هناك كانت أحسنَ مما هي عليه في روما ونابولي.

وكادت هذه السياسة التخديرية التي رُوعيتْ نكاية بالأحرار؛ أن تخدر البلاد فعلًا وتبسط عليها ظلًّا من الاستسلام الكئيب، وقد استحوذ على الناس شعورٌ عام من الكآبة والتعب، فأرسل مازيني في أيلول سنة ١٨٥٤ كالفي الشجاع البطل الذي دافع عن مضائق كادورة في سنة ١٨٤٨ لإيقاد نار الثورة في المنطقة نفسها، إلا أنه قُبض عليه وصلب، فكان لهذا الحادث تأثير تثبيط في عزائم الوطنيين، وطلب بعض اللاجئين الذين لم يحتملوا النفي المديد العودة إلى بلادهم فسُمِحَ لهم بالعودة، وأُعيدت إليهم أملاكُهُم المحجوزة، بَيْدَ أن هذا الخضوع كان سلبيًّا ظاهريًّا؛ إذ كان يُخفي بطياته حقدًا دفينًا على النمسويين أشد فعلًا وأكثر شمولًا من سنة ١٨٤٠، وتفاهمت الجماعات القومية في ميلانو بعد فشل ثورة ١٨٥٣ وأخذت تَجِدُّ في الاستعداد ليوم الخلاص.

وبينما كانت لمبارديه تنتظر اليومَ الموعودَ كانت الدوقيات المجاورة لها ترزح تحت إرهاقٍ شديدٍ ومات شارل الثالث قتيلًا بطعنة خنجر، فخلفتْه الأميرةُ الوصية، وهذه بدأت عهدها بالوعد بالإصلاحات، ولكن ما كاد يشيع الخبر الطائش بأن غاريبالدي قادم حتى شَبَّت الثورة في العاصمة بارمه.

أما دوق مودينو فرانسوا، فكان في جدالٍ مستمر مع الحجارين في كرارة الذين غضبوا أشدَّ الغضب بانسلاخ أرضهم عن حكم طوسكانه العطوف، ورغم أعمال الشدة التي قام بها فرانسوا وضباطه النمسويون فقد ظلت كرارة وكر الاستيلاء والتذمُّر، ومثلت في الحركة دورًا خطيرًا.

تلك هي حالة إيطالية التي أراد كافور أن يحكم أوروبا في قضيتها وقد زار الملك فيكتور عمانوئيل ملوك الحلفاء بعد سقوط سواستيبول في أيديهم الحلفاء، فاحتفلت إنكلترة بمقدمه واعتبرتْه دعاية الإصلاح الجديد في إيطالية، وقد دل ذلك الاحتفال على أن سياسته الرشيدة كانت موضوعَ عطفِ الإنجليز ورضائهم، أما في باريس فقد كان أثرُ هذه السياسة بالغًا، حتى إن الإمبراطور — وقد أعجب بكافور — تساءل ماذا يستطيع أن يعمل في سبيل بيمونته وإيطالية؟ ولكن حدث أن دخلت القضية الشرقية في دورٍ غير ملائم، فبيمونته كانت تنظر إلى استمرار الحرب بعين الارتياح للحصول على أكاليل ظفر الجديدة وربط الحلفاء بتعهُّدات جديدة لمصلحتها.

ولكن السياسة النمسوية الماهرة استطاعت في باريس أن تنفِّر فرنسة من الحرب، وأن تحمل الإمبراطور نابليون الثالث على أن يسلك سياسة سلمية، وأدى ذلك إلى عقد مؤتمر باريس الذي قد ينتهي إلى إقرار السلم، وذلك نصرٌ باهرٌ لسياستها.

وقد غدت النمسة في ذلك الحين سيدة الموقف، وأظهرت فرنسة استعدادَها للسير وراءها، فأدرك كافور مدى الخطر الذي ينتج عن استعادة النمسة منزلتها التي فقدتها أخيرًا، فبذلك تذهب التضحيات التي تكبدتها بيمونته هدرًا، وليس من علاج لذلك إلا أن يدوي صوت بلاده في المؤتمر، وقد بذل كافور طول سنة ١٨٥٥ جهدًا جَبَّارًا لمكافحة الدسائس النمسوية التي كانت تسعى لإبعاد بيمونته عن مؤتمر باريس مستغلة رغبة فرنسة وإنجلترة العظيمة في الحصول على مساعدة مسلحة من جانب النمسة، وقد أصرت أخيرًا على أن يقتصر اشتراكُ المفاوضين البيمونتيين على القضايا التي تخص بلادهم فقط، وأبى كافور أن تكون بيمونته في مركز ثانوي.

وما كانت الدول المعظمة لِتستطيع أن تنكر وجه الحق في مطالبه، وعلى كل فقد ذهب إلى باريس وهو قليل الأمل في النجاح، وناضل هناك وما كاد المؤتمر يفتح جلساته حتى وافق بالإجماع على أن يشترك كافور في جميع محادثاته.

وكانت أهداف كافور المهمة أربعة:
  • أولًا: الحصول — جهد المستطاع — على أراضي بيمونته.
  • ثانيًا: إخراج النمسويين من الروماني ومنح هذه الدولة استقلالًا ذاتيًّا.
  • ثالثًا: استغلال الرأي العام الأوروبي لحمل البابا وفرديناند على القيام ببعض الإصلاحات.
  • رابعًا: إظهار بيمونته في جميع المواقف بمظهر المكافح عن إيطالية جميعها أو الأحرى حمل الدول على اعتبار بيمونته ممثلة إيطالية وزعيمة حركتها.

وكان يتوقف بلوغُ هذه الأهداف — قبل كل شيء — على معاضَدة فرنسة وإنجلترة لها.

وكان بالمرستون يعطف على الآمال الإيطالية كل العطف؛ شأنه في كل حين، وقد قابل الأحرار الطليان عودتَه للحكم في نهاية ١٨٥٢ بحماسةٍ شديدة، وكان كرهه للنمسة وصلته بلويس نابليون ورغبته في شُمُول الحكم الدستوري جميع أنحاء القارة؛ ذلك كله أوشك أن يحفزه على إعارة قوة إنجلترة المسلحة لبيمونته.

ولكنه لم يكن طليقَ اليد والبلاط الإنجليزي كان يضع العراقيل أمام سياسته الجريئة، فضلًا عن أنه لم يكن وزيرًا للخارجية فإنه يعلم أن بلاده لم توافق على خوض غمار حربٍ ضد النمسة في سبيل حرية إيطالية، وذلك لا يمنع كون الرأي العام الإنجليزي رفع صوته عاليًا بتشويقٍ من جمعية محبي إيطالية في استنكار الاستبداد الجاري في روما ونابولي، حتى إن هدسن السفير البريطاني في تورينو كان يستخدم نفوذه الواسع في مصلحة الحكومة البيمونتية، وقد قررت الحكومة الإنجليزية أن تضغط على فرديناند والبابا باذلة في ذلك كل نفوذها.

أما عطف فرنسة على القضية الإيطالية فلم يكن أقلَّ من عطف الإنجليز، وقد وضع الإمبراطور منذ مدة طويلة نُصْب عينيه إقصاءَ النمسويين عن إيطالية، ومنذ حُدُوث الانقلاب الحكومي الذي أَصْعَدَه إلى منصة الإمبراطورية توقع حلولَ اليوم الذي يزحف فيه جيشُهُ نحو بيمونته، ولكن الحرب في الشرق جعلت التحالُفَ مع النمسة في ذلك الحين أمرًا لا بد منه.

بَيْدَ أنه في إبان حروب القريم هدد النمسة وبروسية بسحب قواته وإرسالها إلى نهر الراين ونهر بو فيما إذا تَخَلَّتَا عنه، وحين كانت سياسته ترمي إلى مصادقة النمسة كان يأمل أن يقنعها بسحب قواتها من الروماني وترك بارمه لبيمونته حتى بلغ به التفاؤل أنْ ظَنَّ بأنها تُوافق على التخلِّي عن ممتلكاتها الإيطالية؛ لقاء حصولها على الإمارات الدانوبية.

ثم إنه كان لا يُريد أن يقوم بعملٍ يغضب البابا؛ اجتنابًا لخصومة الكاثوليك الإفرنسيين، إلا أنه كان يمقت فرديناند ويُندد بأعماله الاستبدادية، حتى إنه ساهم في الدسائس التي حِيكتْ لنصب ابن عمته لوسيان مورات ملكًا على نابولي.

لقد علق كافور في مفتَتح عهد المؤتمر آمالًا كبيرة على ما لَقِيَهُ مِنْ تشجيعِ الإمبراطور والمندوبين الإنجليز في المؤتمر وأمل أن يضم بارمه أو ماسة كرارة إلى بيمونته، وأن يرى الروماني دولةً مستقلةً وملحقةً بطوسكانه أو بندقية بارمه، وحين أدرك أنَّ تصلُّب النمسة العنيد سوف يقضي على مشاريعه؛ اضطر إلى تعديل سياسته، فقدم مذكرة إلى السفير الإفرنسي والإنجليزي اقترح فيها منح مقاطعتَي الروماني والمارك حُكْمًا ذاتيًّا تحت سيادة البابا، على أنْ تتمتعا بنوعٍ من التمثيل الدستوري.

وكان موقنًا أن النمسة لا توافق على هذا المقترح فيتخذ من رفضها حجة يستغلها ضدها لمصلحة القضية الإيطالية من جهة، وليعلن من جهةٍ أخرى للملأ استحالةَ قيام حكومة البابا بأية إصلاحات، وقد وعده السفير الإنجليزي والفرنسي بأن يهيئ فرصةً للبحث في القضية الإيطالية بعد ما يبت المؤتمر في القضايا المهمة.

وكانت بروسية تقف من القضية موقفَ العطف، أما روسيا فكانت تُريد الانتقام من النمسة، وقبل أن ينفضَّ المؤتمر عرض المفاوض الإفرنسي عليه قضية روما ونابولي وانتقد الحال فيهما باعتدالٍ ثم عقبه المفاوض الإنجليزي بتوجيه التهم لحكومة البابا، والتنديد باستبداد فرديناند طالبًا تدخُّل العالم المتمدن، وأَصَرَّ المفاوض النمسوي على رفضه الموافقةَ على البحث في هذه القضية رفضًا باتًّا حال دون الحصول على أي نتيجة.

ولكن كافور نال مبتغاه؛ إذ تأكد أن أكثرية المؤتمر تعطف على القضية عطفًا صادقًا وأنه ظفر بنقمة أوروبا على الاستبداد، ثم إنه لن يترك الفرصةَ تمر سُدًى بل قدم توًّا مذكرة إلى السفيرين الإفرنسي والإنجليزي عقب ارفضاض المؤتمر؛ أوضح فيها وضع النمسة المسيطر في إيطالية وصعوبة الاحتفاظ بالسلم تجاه تحريكاتها.

وكانت النقطةُ المهمةُ في تلك المذكرة كما قال مازيني لَفْت نظر العالم إلى أنه إذا فشلت الأساليب الدبلوماسية في الحصول على الإصلاحات فإن الأساليب الثورية هي الكفيلة بالحصول عليها، والواقع أن كافور أخذ يفكر في الحرب تفكيرًا جديًّا بعد أن شاهد إخفاق مساعيه السياسية، وراح يتهدد بالتحريض على الثورة في نابولي وباليرمه وإشهار حرب السكاكين على النمسة فيما إذا أخفق في الوصول إلى حل سلمي، والواقعُ أنه لن يتأخر في زج بيمونته في الحرب فيما لو اقتنع أن الظروف ملائمةٌ حينذاك.

وبعد أن اطلع المفاوض الإنجليزي على المذكرة قال لكافور بعضَ كلمات اعتبر كافور — خطأ — أنها وعدٌ بالمساعدة من جانب إنجلترة مما جعله يتحفز لخوض غمار الحرب، ولكن إنجلترة عادت إلى صداقتها التقليدية مع النمسة ولم ترغب في تقويض دعائم تلك الصداقة، كما أن فرنسة لم توافقْ على إغضاب البابا، وعليه فإن المؤتمر لم يُسفر عن فائدة عملية لقضية إيطالية، فهاجمتْه المعارضة في بيمونته ونددت بالنفقات الباهظة التي ذهبت سُدًى، وتحدثت عن الآمال الخائبة ولكن الواقع أن الربح المعنوي كان عظيمًا، اعترفتْ به إيطالية بأجمعها؛ إذ حلت القضية الإيطالية من الآن فصاعدًا في المقام اللائق بها من الاهتمام والعناية، وأما النسمة فقد فقدت منزلتها بالدور المخزي الذي مَثَّلته في حرب القريم، وبالدفاع التافه الذي قدمته للمؤتمر حول القضية الإيطالية وكان كافور محقًّا حين صرح أمام المجلس النيابي: «بأن النمسة أصبحت أمام محكمة الرأي العام.» وأن أوروبا قد اعتبرت بيمونته محامية عن القضية المذكورة، ولما طالبت إحدى صحف تورينو بجمع إعانات لتجهيز قلعة ألكسندرية بمائة مدفع تدفقت التبرُّعات من جميع أنحاء إيطالية ومن جميع الطليان في أنحاء العالم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١