الفصل الثاني

موارد الثروة

(١) ماهية موارد الثروة

موارد الثروة مصطلح شائع الاستخدام في كتابات الجغرافيا الاقتصادية، وتعني كلمة «موارد» المصادر والأصول التي يشتق منها النشاط البشري قيمة اقتصادية معينة هي الثروة. ويشوب مفهوم «الثروة» لبس كثير؛ إذ إنها تعني عند غالبية الناس معادلة قوامها كمية من الأملاك والنقود. ويؤدي ذلك في كثير من الأحيان إلى تداخل معنى النقود والثروة بحيث يصبحان بديلين لبعضهما، بينما هما في الحقيقة معنيان مختلفان؛ فالنقود بالمعنى الاقتصادي عبارة عن الواسطة التي نشتري بها شيئًا؛ أي إنها رمز لمعاملات التبادل. أما الثروة فتعني الأرض والسلع والخدمات، أو ما يُسمى بالمصادر الطبيعية للثروة «مشغلة» في صورة قيمة اقتصادية معينة بواسطة الإنسان وأنظمته الحضارية والتقنية.

فالإنسان يستمد مقومات حياته الضرورية من البيئة الطبيعية: الهواء والماء والضوء والحرارة والأرض والغذاء والمأوى والمَلبس. وقد عاش الإنسان قديمًا على هذه المصادر عشرات الآلاف من السنين، وما زال الإنسانُ الحديث يعيش عليها، لكنه أدخل إلى جانب ذلك منتجات اقتصادية أخرى ارتفع بها عن مستوى «مجرد الحياة» إلى مستوى «تطييب الحياة».

وقد تسمى هذه المنتجات الاقتصادية المُضافة إلى ضرورات الحياة باسم «الكماليات». وأيًّا كان اسمُها فإنها تصبح بمرور الوقت «ضرورات» للحياة كالسيارة والساعة والراديو والسياحة والأدوات المنزلية الحديثة وغير ذلك كثير. وهذه المنتجات أيضًا مُستمدَّة من موارد الثروة الطبيعية: الهواء والضوء والماء والأرض والتربة والنبات والحيوان والمعادن.

وهناك اتفاق بين كثير من الباحثين في الموضوع الاقتصادي مؤداه تقسيم مصادر الثروة إلى قسمين: المصادر الطبيعية والبشرية. وهناك من يزيد فيقسم الموارد البشرية إلى قسمين آخرين هي الموارد البشرية (الإنسان وأعداده) والموارد الحضارية (الإنسان ونوعيته).

وهذه التقسيمات هي من باب التفصيل والإيضاح؛ ذلك أن الموارد هي كل ما يستغله الإنسان من خامات الطبيعة؛ فهي في مجموعها نتيجة التفاعل بين النشاط الإنساني بمستوياته التكنولوجية المختلفة والخامات الطبيعية. ومن ثَمَّ فإن هناك مصادر للثروة لم يستخدمها الإنسان في الماضي لقصور تكنولوجيته، أو لأن المبادئ الاقتصادية التي تحكم نشاطه لم تتطرق إلى تلك المصادر؛ وبذلك ظلت هذه المصادر خارج قائمة المصادر الطبيعية للثروة، حتى أدرك الإنسان قيمتها، أو طوَّر تكنولوجية تمكِّنه من استخدامها؛ مثال ذلك البترول أو المطاط أو المواد المشعة.

وبالمثل فإن هناك احتمالات لوجود مصادر جديدة للثروة في أعماق الأرض أو الفضاء قد يستخدمها الإنسان في المستقبل. ومثل هذه المصادر المحتملة لا تدخل الآن قائمة موارد الثروة الحالية، لكنها ستكون كذلك فيما بعد.

ومعنى هذا بعبارة أوضح أنَّ العالم الطبيعي مليء بمصادر تقدم نفسها إلى العقل الإنساني فيأخذها على صورتها الطبيعية أو يُشكلها على نحو يفي بأغراض تخدمه، وكلما تزايد احتياج الإنسان اتسع أفق تفكيره في استخدام هذه المصادر الطبيعية بشتى الأشكال.

وتوضح لنا حالة ألسكا أن مجرد وجود المورد لا يعني ضرورة استغلاله؛ فرغم ما في ولاية ألسكا من موارد فإنها لا تتسع إلى سكنى ملايين الناس، بل إن نصف مليون يعد تفاؤلًا كبيرًا في الوقت والظروف الراهنة. ففيما بين ١٧٤١ و١٨٦٧ امتلك الروس ألسكا وجنوا أرباحًا طائلة من الفراء والأحياء البحرية، ولم يعرفوا عن ذهب ألسكا ولا بترولها الوفير من حقول برودوه باي في الشمال.

وما زال صيد الفراء وتعدين الذهب موجودان، لكنَّ الحرفةَ الأساسية في ألسكا الآن هي تعليب السلمون الذي تنتج منه ألسكا أكثر من نصف الإنتاج العالمي، بالإضافة إلى تصدير البترول. وفي ألسكا إمكانية لصناعة الورق، لكن يقف دون ذلك المسافات البعيدة.

وبالرغم من أن في إمكان ألسكا أن تقدم رُبع الاستهلاك الأمريكي للورق، فإنَّ نمو هذه الصناعة لن يزدهر في ألسكا طالما وجدت موارد غابية في داخل الولايات المتحدة وفي كندا؛ لأنهما أقرب إلى السوق الاستهلاكية من موارد ألسكا. وقد أقيمت مقارنات بين ألسكا والسويد، لكن المقارنة نسيت أن هناك مائة مليون شخص في دائرة قطرها ألف كيلومتر مركزها ستكهولم، وأن هناك أقل من مليون شخص في مساحة مماثلة مركزها كتشيكان في جنوب ألسكا، فالبعد المكاني وعدم رخص وسائل النقل الجوي تجعل ما في ألسكا من موارد مجرد احتياطي يمكن استخدامه حينما تتغير وسائل النقل نتيجة للاحتياج الشديد.

وعلى هذا فقد تكون المصادر الطبيعية محدودة أو متناهية العدد بينما تصبح لا متناهية العدد إذا ما صاغها الإنسان في صورة موارد للثروة.

فنحن إذن لا نرى موجبًا للتفريق بين الموارد الطبيعية والبشرية؛ لأنهما لا يمكن أن يُصبحا ثروة طالما لم يستغلها الإنسان، وفي هذا المعنى قال الأستاذ زيمرمان:١ «الكون بلا إنسان خالٍ من الموارد لإنَّ الموارد مقترنة بالإنسان وحاجاته.» ومع ما ذهبنا إليه من رأي فإننا لا نُعارض أيضًا أولئك الذين يقسمون الموارد إلى قسميها الرئيسيين.

وإذا نحن أخذنا به في بعض ما سيجيء من كتابنا فإن المقصود به ليس التقسيم في حد ذاته لطبيعة انقسام موضوع الموارد إلى قسميه الطبيعي والبشري، ولكن المقصود به الفصل من أجل توضيح الصورة فقط. ويجب أن يكون في اعتبارنا أن الموارد هي نوع واحد فقط؛ هي تلك التي تكون مصادر الثروة في وقتنا الراهن أو ما يمكن أن تكون كذلك في المستقبل.

وفيما يختص بالموارد البشرية يقصد بها الإنسان كعامل من عوامل الإنتاج وهدف له بدلًا من اعتباره موردًا اقتصاديًّا كما في رأي البعض. أما الموارد الحضارية فهي الموارد التي أظهر فيها الإنسان ابتكاره، فلم تعد موارد طبيعية على الإطلاق، وتنقسم أعمال الإنسان في هذا المجال إلى مجموعتين من الموارد؛ الأولى: الموارد الزراعية، والثانية: الصناعية. وهما لا وجود لهما بالفعل في عالم الطبيعة.

ويمكن لنا أن نعبر عنهما بالتحويل البسيط والمركب لعناصر طبيعية من أجل التحكم في الإنتاج، بدل الاعتماد على الاستغلال الهدمي المرتبط باستغلال الثروة كما هي في الطبيعة (صيد الأسماك، قطع الأشجار، صيد الحيوان).

ويذكر الأستاذ زيمرمان٢ أن دراسة الموارد تشتمل على مواضيع البحث التالية:
  • (أ)

    دراسة لموارد القوى الموجودة في الطبيعة.

  • (ب)

    دراسة الإنسان والحيوان.

  • (جـ)

    دراسة الحضارات البشرية التي أثرت وتؤثر على النواحي الإنتاجية.

  • (د)

    دراسة العلاقة بين الطبيعة والإنسان والحضارات.

ويمكننا أن نلخص ذلك على أنه يتناول دراسة مكونات الموارد الطبيعية والبشرية معًا في تفاعلاتهما المختلفة. أما عجمية فنجده بعد أن يقسم الموارد إلى قسمين رئيسيين: الموارد الطبيعية والموارد البشرية يُقسمها على ثلاثة أسس هي:
  • (١)
    من حيث عمر المورد: وهنا نجد موارد متجددة وموارد فانية.
  • (٢)
    من حيث أماكن وجودها: فهناك موارد ثروة أوسع انتشارًا، وغيرها محدود بأماكن جغرافية محددة.
  • (٣)
    من حيث مظهرها: وهذه الناحية تتناول المورد البشري على وجه الخصوص من نواحي القدرة الإنتاجية والسياسات الاقتصادية للدول المختلفة، وأثر ذلك على الإنتاج من ناحية أخرى.

ولا شك أن قيمة الموارد تختلف من زمن إلى آخر، كما تختلف من جماعة إلى أخرى في عالمنا المُعاصر. وهذا بدون ريب مرتبط بالمستوى الفني والمعيشي الذي تصله الجماعات في الماضي والحاضر. فقبل اكتشاف الزراعة كانت الموارد الطبيعية الصرفة هي مصدر غذاء الإنسان؛ حيث كان يعتمد على الحيوان البري أو الأحياء المائية. وإلى جانب هذا أو ذلك اعتماده على الثمار والجذور النباتية.

وفي كل هذا لم يكن للمورد الزراعي أو المعدني أي معنى بالذات، ولكن حين عرف البدائيون قيمة المعدن (النحاس مثلًا) كرأس سهم أو حربة أصبح لهذا المعدن بالذات قيمة معينة لهم؛ بل إن طريقة صهره وتشكيله أصبحت سرًّا للجماعة من الحدادين التي تصنعه. ومن هنا كانت بداية فكرة «سر المهنة» التي انتهت إلى فكرة أسرار الدولة العسكرية، وخاصة في مجالات الطاقة النووية في الوقت الراهن.

(٢) أنواع الموارد الطبيعية

يمكن تقسيم الموارد إلى نوعين رئيسيين هما:
  • (أ)
    الموارد العضوية أو الحية: وتشمل هذه الموارد الغابات والمراعي الطبيعية والحياة البرية للحيوان، والأسماك وأشكال الأحياء المائية الأخرى.
  • (ب)
    الموارد غير العضوية: وتشتمل هذه الموارد على: الهواء، والماء، والمعادن، وموارد الطاقة السائلة والحجرية، والتركيبات الصخرية المُستخدمة في الحياة الاقتصادية؛ كالرمال والأحجار.

أما التربة، فهي مورد حيوي، وتتشكل من تفاعل الموارد العضوية وغير العضوية معًا؛ فهي في الأصل مفتتات وذرات كونتها عوامل التعرية والنقل من مواد غير عضوية (الصخور)، أضيف إليها المواد العضوية المتحللة من الحياة النباتية والحيوانية ومخلفات الإنسان المختلفة؛ ولهذا فإنَّ التُّربة كمورد يقع بين النوعين السابقين.

(٣) الماء كمثال على تعدد وتغير استخدام الموارد

تتعدد استخدامات الإنسان للمورد الطبيعي الواحد حسب قدراته التقنية واحتياجاته الحياتية، وأهمية الموارد العضوية وغير العضوية واضحة. لكننا سنتناول المياه — على سبيل المثال — ببعض التفصيل لبيان الزوايا العديدة التي يستخدم فيها من خلال النشاط الإنساني المتغير.

الماء كمورد طبيعي: هو العنصر الأساسي في جميع أشكال الحياة العضوية، بما في ذلك الإنسان، ولكن له إلى جانب ذلك دورًا هامًّا في عمليات التعرية للصخور — سواء كانت تعرية بحرية شاطئية أم تعرية نهرية أو مياه التساقط (الأمطار) أم تعرية جليدية — وقد كانت هذه العمليات التحاتية التي تقوم بها المياه، بالإضافة إلى عمليات نقل المفتتات الصخرية، سببًا جوهريًّا في نشأة التربة الفيضية وتربات السهول الإرسابية. وهذه هي أهم مناطق السكن البشري المتكاثف، وإلى جانب هذا الدور البنَّاء، فإنَّ الماءَ أيضًا يقوم بدور هدام في تعرية التُّربة في بعض الحالات (كتعرض التربة مباشرة للأمطار الغزيرة) وجرفها من مكانها، وبالتالي إفقار مناطق غنية.

وإلى جانب هذا الدور الهام في التربة وفي الحياة البيولوجية على سطح الكرة الأرضية؛ فإن الإنسان يستخدم الماء على الأوجه التالية:
  • (١)

    الاستخدام المنزلي: الشرب، والطهي، والاستحمام، وإزالة المخلفات والتنظيف. ومعظم أوجه الاستخدام هذه قديمة قدم الإنسان نفسه. ولكن كمية الماء المُستخدمة في هذا المجال قد ازدادت أضعاف ما كانت عليه في الماضي؛ نتيجة التقدم الهائل في مد شبكات المياه إلى المدن والمساكن.

  • (٢)

    استخدامات الزراعة، وخاصة بالوسائل الكثيرة التي ابتدعها الإنسان لري الحقول في المناطق الجافة أو المناطق ذات الأمطار المتذبذبة. وبرغم أن مناطق كثيرة تعتمد على المطر في الزراعة، فإن الزراعات الحديثة المُستخدمة في التجارة تحتاج إلى تدبيرات مُختلفة لتأمين المياه وسد احتياجات الزِّراعة في سنوات المطر الشحيحة، وهذا ما جعل الدول تبني السدود وتنظم جريان الأنهار لأغراض مختلفة (النقل المائي وتوليد الطاقة) إلى جانب استخدام المياه في الري؛ ومن ثمَّ فإن الاستخدام الزراعي للمياه في تزايد مُستمر.

  • (٣)

    الاستخدام العمراني في المدن لمكافحة الحرائق، ري الحدائق، نظافة الشوارع، استخدامات الهيئات العامة مثل المستشفيات والمدارس، نقل المخلفات بواسطة شبكات المجاري.

  • (٤)

    الاستخدام الصناعي: يتزايد حجم الماء المستخدم في الصناعات المختلفة، وتوليد البُخار وتبريد الآلات وإعداد السلع المنتجة.

  • (٥)

    توليد الطاقة: اختلف كثيرًا في الماضي عن الحاضر؛ ففي الماضي كانت طاقة المياه تستخدم في إدارة الطواحين، لكنها تُستخدم الآن بكميات كبيرة في إدارة التوربينات الضخمة المولدة للكهرباء.

  • (٦)

    النقل المائي الداخلي في الأنهار والقنوات.

  • (٧)

    مورد غذائي بما في المياه من أسماك. وفي بعض المناطق أصبح نمط الغذاء على الأسماك النمط الغذائي السائد تعويضًا عن البروتينات الحيوانية.

  • (٨)

    الأغراض الترويحية والرياضية كالنزهات بالقوارب والتسلي بصيد الأسماك والسباحة وإقامة منشآت سياحية وترفيهية.

ويوضح شكل ٢-١ استخدامات المياه في الولايات المتحدة الأمريكية من ١٩٠٠ إلى أوائل السبعينيات، ويمكننا أن نلخص نتائج هذا الشكل على النحو التالي؛ علمًا بأنه في حد ذاته لا يحتاج إلى تعليق كبير:
  • أولًا: إن مجموع استخدامات المياه لشتى الأغراض الموضحة كانت نحو ٣٦ مليار جالون يوميًّا في أول القرن، زادت إلى ٤٤٠ مليارًا بزيادة قدرها ١٢٫٢ مرة. وهي زيادة مذهلة في حوالي ثلاثة أرباع قرن، وتوضح لنا كيف يمكن أن يكون الماء موردًا طبيعيًّا حساسًا في بناء الدول اقتصاديًّا وحياتيًّا.
    fig1
    شكل ٢-١: استخدام المياه في الولايات المتحدة.

    (١) الري. (٢) استخدام السكن الريفي. (٣) استخدام العمران المدني. (٤) المياه المستخدمة في الطاقة الكهربائية والبخارية.

    ملاحظات:
    • (١) لاحظ الكمية الكبيرة من المياه المُستخدمة في أغراض الري والصناعة وتوليد الطاقة.
    • (٢) النمو السريع للطلب على الماء خاصة في قطاع الصناعة وتوليد الطاقة بين ١٩٥٠–١٩٦٠ الذي ارتفع بمقدار ٥٠٪ عن الفترة السابقة.
    • (٣) ازدياد الطلب على الماء بنسب أعلى للطاقة على وجه الخصوص خلال الستينيات وما بعدها.
  • ثانيًا: كانت أنصبة أوجه الاستخدام للمياه في القطاعات المختلفة على النحو الآتي:
    سنة ١٩٠٠ قطاع الاستخدام سنة ١٩٧٠
    الكمية ٪ الكمية ٪
    ١٣٫٥ مليار جالون ٣٧٫٥ استخدامات الري. ١٦٣ مليار جالون ٣٧
    ٤٫٥ مليار جالون ١٢٫٥ استخدامات السكن الريفي. ٩ مليار جالون ٢
    ٤٫٥ مليار جالون ١٢٫٥ استخدامات العمران المدني. ٢٧ مليار جالون ٦٫٢
    ٩٫٠ مليار جالون ٢٥٫٠ استخدامات الصناعة. ١١٤ مليار جالون ٢٥٫٩
    ٤٫٥ مليار جالون ١٢٫٥ توليد الطاقة. ١٢٧ مليار جالون ٢٨٫٩

    ويعني ذلك أنَّ الزِّيادة، برغم ارتفاعها في كل القطاعات، قد وضحت بصورة هائلة في قطاعات توليد الطاقة والاستخدامات الصناعية والري، بينما كان ارتفاعها محدودًا في قطاعات الاستخدام الريفي والعمراني.

  • ثالثًا: ولزيادة الإيضاح فإنه إذا كانت الزيادة العامة في كمية المياه المستخدمة قد تضاعفت ١٢٫٢ مرة خلال الفترة المذكورة، فإن الزيادة في القطاعات كانت مرتبة على النحو التالي:
    قطاع توليد الطاقة ٢٨٫٢ مرة وبذلك يمثل أعلى زيادة مسجلة.
    قطاع الصناعة ١٢٫٦ مرة يمثلان معًا.
    قطاع الري ١٢٫٠ مرة نموًّا مشابهًا للزيادة العامة.
    قطاع المدن ٦٫٠ مرات يمثلان نموًّا.
    قطاع الريف ٢٫٠ مرات أدنى بكثير من الزيادة العامة.

(٤) الموارد الطبيعية من حيث التجدد والنضوب

تنقسم الموارد الطبيعية إلى نوعين رئيسيين، وذلك من حيث عمرها:
  • (١)
    الموارد المتجددة: وهذه هي مجموعة الموارد غير القابلة للفناء، إلا إذا حدثت كارثة كونية.
  • (٢)
    الموارد الفانية: وهذه هي مجموعة تتميز بإمكان نضوبها وعدم تجددها.

ومن الأمثلة على الموارد المتجددة: الهواء، والماء، وأنواع من الصخور.

وبالرغم من أن النشاط البشري — خاصة خلال العصر الصناعي وحياة المدن — قد أفسد الهواء بما يخرج من المصانع والمعامل والمحركات من غازات ضارة وأبخرة وأجسام طائرة «كالهباب» وبما يلوث الماء من توجيه المجاري لطرح نفايات العمران والمصانع فيه، فضلًا عن الزيوت المعدنية التي تنجم عن السفن والقوارب التي تستخدم هذا الوقود في الملاحة، فإن الهواء والماء يتجددان طبيعيًّا. ولا شك أن اهتمامات العالم الآن بموضوع البيئة، والمشروعات التي تطرح على بساط البحث بهذا الصدد، هي من قبيل المحافظة على هذين الموردين الحيويين، وترتب على ذلك ظهور جماعات الضغط السياسي من أنصار البيئة وجماعة السلام الأخضر في دول كثيرة، وخاصة في دول الغرب.

وهناك أنواع من الصخور كالتكوينات الجيرية والرمال وغير ذلك، توجد في القشرة الأرضية وعلى سطحها بكميات هائلة، وهي برغم أنها لا تتجدد على نحو ما يحدث في الماء والهواء فإن كثرة وجودها يضعها على قدم المساواة مع الموارد الطبيعية التي لا تفنى.

أما الموارد الطبيعية الفانية فهي كثيرة، مثال ذلك التربة والنبات والحيوان الطبيعي وأنواع كثيرة من المعادن، كلها قابلة للنضوب، ويصعب تجددها طبيعيًّا إلا من خلال العمليات الطبيعية التي تستغرق آلاف الأضعاف من حياة البشر. وحتى في هذا المجال؛ فإنَّ التجدد هنا يجب أن يؤخذ بحذر شديد؛ لأن الطبيعة لا تكرر أحداثها من ناحية، ولإنَّ الوراثة في عالم الطبيعة العضوي (نبات وحيوان) تغير — بدون شك — أشكال الحياة البيولوجية على مر الزمن.

ولهذا فإن المحافظة على الموارد الطبيعية القابلة للنضوب أو الفناء قد أصبحت دعوة العلم والمخططين الاقتصاديين معًا. ومعنى المحافظة هو: الاستخدام الحريص للموارد الطبيعية وعدم الإفراط فيها، وحمايتها من الاستغلال التلقائي غير المسئول، والاستغلال الهدمي الذي يسعى إلى أعلى مردود استثماري في وقت قصير. ويمكن أن تتم المُحافظة على الموارد بإحكام الرِّقابة على أشكال استخدامها وإدارتها بطريقة تبقيها فترة طويلة. وفي هذا يقول مونكهاوس: «المحافظة ليست توقيف الإنتاج (عند حد معين أو توقيفه نهائيًّا) بقدر ما هي الإبقاء على ميزان مُلائم في استخدام البيئة.»٣

ومن أهم الموارد الطبيعية التي تحظى بالكثير من العناية في الدرس والتخطيط لصيانتها وحفظها التربة والغابات والمراعي الطبيعية والحياة الحيوانية والمياه والثروة المعدنية، وفيما يلي بعض الوسائل التي تتخذ في هذا الصدد.

(٥) المحافظة على الموارد الطبيعية من الفناء

(٥-١) التربة

سبقت الإشارة إلى أن عوامل التعرية كثيرًا ما تتسبب في ضعف أو إزالة التربة وجرفها تحت ظروف خاصة ناجمة عن جهل الإنسان في استخدامه للأرض.

وذلك أن إزالة الغطاء الغابي من أجل الزراعة يؤدي إلى تعريض التربة للأمطار والعوامل المناخية الأخرى المؤدية لجرف التربة، وهذه الحالة كثيرة الظهور في المناطق المدارية أو المناطق الهضبية ذات التربة قليلة السمك؛ بينما لا يظهر تعرية التربة في المناطق السهلية أو المناطق الفيضية سميكة التربة، وعلى هذا فإن قلة سُمك التربة ودرجة انحدار السطوح عاملان جوهريان في سرعة تعرض التربات للجرف والإزالة.

وغني عن البيان ما للتربة من أهمية حيوية بالغة الخطورة في حياة الإنسان والحيوان والنبات الطبيعي؛ فإنَّ المناطق المعراة عن التربة لا ينبت بها نبت وتصبح قاحلة غير صالحة لإقامة الهرم الإيكولوجي.

والتربة — بعبارة وجيزة — المصدرُ الأول لعدد كبير من السلع الطبيعية والتي ينتجها الإنسان: الأخشاب، الأعشاب، الحيوان، الزراعة بكافة محاصيلها. وعلى هذه السلع يعيش الإنسان في صورة استهلاك مباشر أو يحولها إلى خامات صناعية مثلًا، كالقطن أو المطاط أو الصوف أو الورق.

وبناءً على هذه الأهمية الحيوية بالنسبة لإنتاج السلع الأولية والصناعية، فإن الاهتمام بحسن استخدام التربة وعدم إهمالها أصبح اهتمامًا متزايدًا. فالتُّربة يجبُ أن تُحرث بعناية، دون إفراط، من أجل تجددها طبيعيًّا. ولهذا يجب أن تترك فترات للراحة، أو بزراعة أنواع من النبات يعطيها بعض ما تفقد من مكونات الخصوبة، ويجب أن تعطى التربة حاجتها من المخصبات والأسمدة العضوية والمعدنية لتعديل خصائصها وزيادة طاقتها الإنتاجية وتعويضها عن الجهد الذي تسببه الزراعة.

ولكن هناك في العالم مناطق كثيرة لا تتمتع فيها التربة بهذه العناية، بل يكون استخدامها بمثابة استغلال هدمي لفترة معينة ثم تترك الأرض، وقد فقدت خصوبتها أو تعرت تمامًا. ومثل هذا يحدث في مناطق الزراعة المتنقلة أو مناطق السهول الواسعة قليلة السكان، أو في غياب سلطة تحد من هذا «التخريب» في مورد الثروة.

وهناك طرق كثيرة لحفظ التربة من التعرية نذكر منها

  • (١)

    تدريج المسطحات المُنحدرة «السفوح» لمنع نقل التربة، وذلك بواسطة مُدرجات مبنية «الجلول»، وتختلف مساحة مُسَطَّح التربة بين الدرجة والأخرى حسب درجة الانحدار؛ إذ تضيق الدرجة كلما كان السفح شديد الانحدار، ولهذا تتراوح المُدرجات بين الاتساع الكبير — كما في جنوب شرق آسيا — وبين المدرجات الصغيرة التي تسمح غالبًا بزراعات شجرية كما هو الحال في الجبال العالية كسويسرا ولبنان.

  • (٢)

    بناء حوائط عبر المسيلات والوديان لمنعها من نقل التربة إلى أسفل.

  • (٣)

    حرث الأرض كنتوريًّا؛ أي موازية مع خطوط الكنتور، وليس عموديًّا عليها؛ كي لا تصبح خطوط المحراث مجاريًا يسهل على الماء الانحدار فيها ونقل التربة.

  • (٤)

    استخدام نظام الحوض «الحياض» في المناطق شديدة الأمطار لحفظ التربة داخل حدود كل حوض. ويُبنى الحوض برفع حوافه قليلًا بالطين إذا كانت المناطق سهلية أو يقوى الطين بأعشاب وحجارة إذا كانت المنطقة منحدرة.

  • (٥)

    إقامة ساتر من الأشجار لصد الرِّياح وكسر قوتها؛ وبالتالي إضعاف قوتها في تعرية التربة ونقلها.

  • (٦)

    إعادة تشجير المناطق المهددة بالتعرية، وزراعة الأعشاب تحت الأشجار لكي تقوم بإعادة خصب التربة، بينما تحمي الأشجار التربة من العمل المباشر لعوامل التعرية «مياه أو رياح».

  • (٧)

    اتباع دورة زراعية يزرع فيها أنواع من الأعشاب أو النباتات التي تغطي التربة (كالبرسيم)؛ وذلك لتقوية الخصوبة وإراحة التربة بين محصول مجهد وآخر، وإبقاء التربة تحت غطاء نباتي يمنع التأثير المباشر لعوامل التعرية.

  • (٨)

    إيجاد توازن بين أعداد الحيوان وطاقة المراعي الطبيعية؛ وذلك من أجل عدم استهلاك كل الأعشاب والحشائش النامية طبيعيًّا. كما أن أظلاف الحيوان — إذا كثُرت — تؤدي إلى تشقق التربة ومن ثم يسهل على المطر أو الرياح تعريتها.

وهناك وسائل أخرى كثيرة تتبع في مناطق مُختلفة حسب إيكولوجية المناطق من أجل الحفاظ على التربة، خاصة وأن احتياجات أعداد السكان المتزايدة في العالم من المحاصيل النباتية للغذاء والصناعات المختلفة قد أصبحت تشكل تهديدًا خطيرًا لموارد العالم الزراعية والرعوية.

(٥-٢) الغطاء النباتي الطبيعي

يتكون الغطاء النباتي الطبيعي من قسمين رئيسيين هما: الغابات، والحشائش. وقد كانت الغابات، بمختلف أنواعها، تغطي مساحة أكبر بكثير مما هي عليه الآن، وهناك أسباب تاريخية وتقنية وعمرانية أدت إلى تقلص مساحة الغابات. ومن بين هذه الأسباب:
  • (أ)

    احتياج الإنسان إلى إزالة الغابات وإحلال الحقول الزراعية محلها.

  • (ب)

    احتياج الإنسان إلى الأخشاب من أجل الوقود وبناء البيوت والأدوات والآلات والسفن، وعمل الفحم النباتي، وعمل الورق وبعض المنسوجات الصناعية.

ويمثل الاحتياج الأخير أكبر شكل من أشكال استغلال الغابات في الوقت الحاضر، بينما قل الاحتياج نوعًا ما بالنسبة لاستخدام الأخشاب في أعمال البناء، وقل كثيرًا في عملية الفحم النباتي. وبرغم زوال معظم هذه الأسباب، فإن استهلاك الإنسان من الأخشاب قد تزايد لكثرة عدد السكان ولأن الاحتياجات الصناعية تقوم على استخدام الغابات بشكل أوسع عشرات المرات من الاستخدام البشري فيما قبل الصناعة.

وقد أدى سوء الاستخدام للموارد الغابية إلى تدهور كمي ونوعي في غابات مناطق كثيرة، كما تسبب في تعرية التربة أو تحويلها إلى مناطق مستنقعية، ولهذا فإنَّ العالم يتهدده مجاعة في الخامات الغابية جعلته يبدأ في تنفيذ خطة للمحافظة على الثروة الغابية بإعادة التشجير، وعمل دورة في استغلال الغابات.٤ ويطبق هذا التنظيم بقوة القانون في الدول التي تعتمد على الأخشاب كمصدر هام من مصادر الدخل القومي مثل دول إسكندنافيا.
وإلى جانب ذلك؛ فإن التجارب العلمية قد أدت إلى إيجاد خامات مختلفة لصناعة الورق مثل بقايا النباتات والأعشاب، وكذلك شاع استخدام مخلفات نباتية في عمل أخشاب صناعية كالخشب الحبيبي، وذلك من أجل الحد من استهلاك صناعة الورق للموارد الغابية بصورة متزايدة؛ نتيجة شيوع استخدام الورق في حياتنا المعاصرة، وكذلك للحد من الصناعات الخشبية.٥

أما بالنِّسبة للمراعي الطبيعية؛ فقد لوحظ أنها تتعرض للإهمال والتدهور؛ نتيجة للرعي المتزايد الذي يستهلك خصوبة المراعي؛ ونتيجة لطغيان الرِّمال في المناطق الهامشية الصحراوية على حشائش السفانا كما هو الحال في أفريقيا. وأهم علاج للمحافظة على المراعي الطبيعية هو تقليل عدد حيوان الرعي بحيث يتوازن مع مساحة المرعى، ومحاولة استعادة المراعي بزراعتها ببعض بذور الأعشاب.

(٥-٣) الحياة الحيوانية الطبيعية

منذ أن تمكن الإنسان من استئناس أنواع من الحيوان، نجدُ أنَّ الميزان الطبيعي في أعداد الحيوان قد اختل كثيرًا؛ فالحيوان المستأنس قد زاد عدده بصورة كبيرة نتيجة حماية ورعاية الإنسان، في الوقت الذي قلَّت فيه الحيوانات المعادية للإنسان بصورة اقتربت من الفناء، وكذلك اقتربت من الفناء كثير من الحيوانات التي ينتفع الإنسان بها كحيوان الفراء٦ أو مصدر الغذاء الإنساني من حيوانات برية كالغزال والوعل، أو أحياء بحرية وأسماك.

وقد سارعت بعض الحكومات إلى إقامة معازل للحيوان البري خشية انقراضه نهائيًّا كما هو الحال في كثير من بلاد أفريقيا، وفي الوقت نفسه هناك اتفاقات دولية على تحديد عدد ما يُصاد سنويًّا من الحيتان بعد أن انقرضت في المحيطات الشمالية، وتقوم الدول المختلفة بوضع قوانين خاصة لحماية مصايد أسماكها من الصيد الكثير، سواء من جانب رعايا الدولة أو أساطيل الصيد الأجنبية (تمد دول كثيرة مياهها الإقليمية مسافات شاسعة لكي تنفذ فيها قوانينها وتمنع النشاط الاقتصادي الأجنبي). وهناك أيضًا قوانين أخرى لتأمين حياة الطيور البرية ومنع صيدها في مواسم معينة تجنبًا لانقراضها، خاصة أنواع الطيور المهاجرة.

(٥-٤) المعادن

تختلف المعادن عما سبق من موارد الثروة الطبيعية في أنها موارد فانية غير متجددة. ومن ثم يصاحب التعدين في أحيان كثيرة ظاهرة مدن الأشباح حينما ينضب المعدن في مكان ما.٧ ولهذا أصبح من الضروري على الحكومات اتخاذ القوانين التي من شأنها المحافظة على الثروة المعدنية بوسائل شتى نذكر منها:
  • (١)

    استخدام مصادر الثروة المعدنية بحكمة، فلا تتبدد في عدد قليل من السنين، إذا كان الإسراف هو سمة استغلالها.

  • (٢)

    تحسين وسائل استخراج المعادن كي لا تترك بقايا معدنية كثيرة في ركائز الخام دون استغلال، ويعتمد ذلك على قدرات تكنولوجيا كل عصر.

  • (٣)

    إعادة استخدام «خردة» المعادن المستخدمة لتقليل الاحتياج إلى هذه المعادن من مصادرها.

  • (٤)

    استخدام «بدائل» صناعية أو معدنية للخامات المعدنية المهددة بالتناقص السريع، مثل الألمنيوم بدلًا عن النحاس، وكذلك اللدائن الجديدة (البلاستيك والصوف الزجاجي … إلخ).

  • (٥)

    في أحيان يُوقف الإنتاج أو يُقلل في معدن من المعادن ويُترك كاحتياطي مستقبلي، وتستهلك مصادر معدنية أخرى بديلة أو يعتمد على واردات هذا المعدن من الخارج.

ومن الطبيعي أنَّ هذه نظرة تتجلى فيها الأنانية الاقتصادية، كما تفعل الولايات المتحدة في مصادرها من النحاس أو البترول. وقد قامت ليبيا بتقنين إنتاجها من البترول كنوع من المحافظة على هذه الثروة القومية من الاستغلال الجشع الذي كان يتم بواسطة شركات البترول المنتجة فيها، بغض النظر عن إمكانية النضوب السريع لهذا المورد القومي الليبي.

(٥-٥) المياه

المياه مورد متجدد، ولكن الاستهلاك البشري تضاعف كثيرًا بينما الدورة الهيدرولوجية ثابتة. ويوضح الشكل (٢-٢) مبسطًا لهذه الدورة، ومنه تتضح الحقائق الآتية:
  • (١)

    ضآلة كمية مسطحات الماء على اليابس من أنهار وبحيرات، فهي تبلغ ٢٫٨ من سطح البحار والمحيطات.

    شكل ٢-٢: الدورة الهيدرولوجية على المحيطات (الأرقام بآلاف الكيلومترات المكعبة).
    كمية مسطح المياه في المحيطات ١٣٣٢٠٠٠٠كم مكعب
    كمية المياه المتبخرة ٣٣٦٣كم مكعب
    كمية الأمطار على المحيطات ٢٩٨٠كم مكعب
  • (٢)

    إن الجزء الأكبر من المياه المتبخرة من المحيطات تسقط ثانية على المحيطات بحيث لا يصل منها إلى اليابس سوى ٢٪ فقط.

  • (٣)

    تشترك كمية البخر الواردة من المحيطات إلى اليابسة (٣٨٠كم٣) مع البخر من مسطحات مياه اليابسة (٦٣٠كم٣) في كافة أشكال التساقط (مطر، ثلوج … إلخ) بحيث تصل الكمية الساقطة إلى ١٠١٠كم٣، وهو ما يساوي ٣٣٪ فقط من التساقط على البحار.

  • (٤)

    يعود نحو ٣٧٪ من الأمطار على اليابس إلى البحار والمحيطات في صورة تصريف الأنهار. وهذه الكمية (٣٨٠كم٣) هي نفس الكمية التي خرجت من المحيطات في صورة البخار.

  • (٥)
    بذلك نرى توازنًا في الدورة، لكن استخدام الإنسان لمجموع المياه السطحية والجوفية ومن الجليد الذائب هي دائمًا في ازدياد مما يُهَدِّد بنقصٍ مُستمر في موارد المياه العذبة على الأرض. وهذا هو لُب مشكلة المياه على سطح الكرة الأرضية، خصوصًا إذا نظرنا إلى الشكل (٢-٣) الذي يوضح مكونات الدورة الهيدرولوجية.
الدورة الهيدرولوجية على اليابس.
كمية صافي بخار الماء المنقول لليابس ٣٨٠كم مكعب
كمية التبخر من المياه على اليابس ٣٦٠كم مكعب
كمية المطر الساقط على اليابس ١٠١٠كم مكعب
كمية التصرف النهري إلى المحيط ٣٨٠كم مكعب
Strahler, A.N. “The Earth Scienes” 2 ed., Harper & Row N. Y. 1971, fig. 33.2.
fig3
شكل ٢-٣: المكونات الرئيسية للدورة الهيدرولوجية على الأرض.

فإنَّ المياه الجارية في الأنهار والبحيرات لا تُشكل سوى ١٧ في الألف من مجموع المياه على السطح، بينما تُشكل المياهُ الجوفية ٦٢ في الألف، والمياه التي تحتبس في الثلاجات الدائمة ٢١٥ في الألف.

ومن هذه الأرقام البسيطة يتضح لنا اعتماد الإنسان المعاصر مباشرة على كمية ضئيلة جدًّا من المياه الجارية والمياه الجوفية، ويُشكلان معًا ٨٢ في الألف من الدورة الهيدرولوجية، والقليل جدًّا من فائض ذوبان الجليد حسب المواسم الحرارية، ويجب أن نعلم أيضًا أن الإنسان حتى الآن لم يستغل كل المياه الجوفية.

وبالرغم من هذه الضآلة؛ فالماء حتى الآن هو مورد الحياة على سطح الأرض، يحتاجه الإنسان كجزء هام من تكوينه البيولوجي، وتحتاج الزراعة والصناعة أضعاف استخدامات الإنسان المباشرة.

وفي كل الحالات فإن تزايد عدد البشر والاتجاه إلى سكن المدن وازدياد مجهودات الإنسان في توسيع الزراعة والصناعة، هو العامل الحاسم في خطورة موضوع المياه الآن؛ لأن الاستهلاك يزيد على التعويض السنوي الطبيعي؛ فقد زاد استخدام الإنسان المباشر في المدن الأمريكية بمقدار ١٢ مرة في الفترة من ١٩٠٠ إلى ١٩٧٠. ويبلغ متوسط استهلاك الفرد من المياه في الحضارة الغربية إلى نحو ٥٠٠–٦٥٠ لتر ماء يوميًّا في شتى منافع الحياة، مقابل ٢٥ لترًا في الدول النامية.

وتظهر مشكلة نقص المياه حادة في النطاق الجاف من العالم — كما هو الحال في معظم جهات العالم العربي، أو غالبية أستراليا — بينما هناك سعي لتصريف المياه الزائدة في أقاليم المطر الغزير مثل نطاق الغابات الاستوائية. وفي هذه الحالة أو تلك، هناك إنفاقات كثيرة إما لحفظ المياه بحجزها وتوزيعها مقننة خلال العام، وإما بتحديد مساراتها وتحسين تصريفها، وأوضح الأمثلة على ذلك مساهمة مصر في تخزين وضبط مياه النيل.

وقد ذكرنا أنَّ مُشكلة المياه في الدول الصناعية ناجمة عن زيادة احتياجات الصناعة وتوليد الطاقة؛ مما قد يُسبب أزمة في الاحتياجات الزراعية أو احتياجات السُّكان والعمران من المياه. وعلى هذا النحو فإن للمياه مشاكل مختلفة الأوجه في مناطق كثيرة من العالم، ولكل مُشكلة معالجة خاصة، وذلك في إطار المحافظة على الموارد المائية وحُسن استخدامها، وهناك عدة وسائل لتنفيذ سياسة المحافظة على الماء نذكر منها:
  • (١)

    خزن المياه وتوزيعها على مدار السنة بحسابات مسبقة على الاحتياجات المختلفة للإنسان والأنشطة الاقتصادية المختلفة، ويقتضي ذلك إنشاء السدود وبحيرات التخزين والقنوات أو الأنابيب التي تمر فيها المياه إلى المناطق التي تحتاجها، كالنيل والسند والفولتا … إلخ.

  • (٢)

    تقليل تلوث المياه بالرقابة على المصارف المختلفة المتجهة إلى الأنهار، أو توجيه هذه المصارف بعيدًا عن الأنهار.

  • (٣)

    معالجة مياه الصرف والمجاري وإعادة استخدامها في الزراعة أو الصناعة أو الشرب.

  • (٤)

    استخدام المياه الجوفية بحكمة حتى لا تنضب بسرعة.

  • (٥)

    منع هدر المياه نتيجة التسرب الذي يحدث في الأنابيب أو تبطين القنوات لمنع التسرب إلى القشرة الأرضية أو تقليل التبخر من القنوات بواسطة تصغير مسطحها المعرَّض للشمس، فضلًا عن طرق الري الحديثة بالرش أو التنقيط.

  • (٦)

    إعادة استخدام المياه التي استخدمت في ذات المصنع بعد تنقيتها أو معالجتها، خاصة في الصناعات التي تستهلك كمية كبيرة من المياه.

  • (٧)

    وأخيرًا تحديد الاستهلاك في قطاعات الصناعة والاستخدام العمراني برفع سعر استهلاك المِياه إذا زادت عن حد معين.

    والخلاصة: إنَّ المُحافظة على الموارد منذ الآن هو عمل خير من أعمال المستقبل للأجيال القادمة، حتى ولو ظهرت موارد بديلة أو جديدة يتفتق عنها ذهن وتقنية المستقبل.

ولا بد لنا قبل دراسة الإنتاج من أن نقوم بدراسة العوامل المختلفة التي تؤثر تأثيرًا مُباشرًا أو غير مُباشر في الإنتاج. وبما أن الإنتاج عبارة عن تحويل الموارد إلى ثروة نتيجة لعمل الإنسان ومجهوده؛ فالإنتاج إذن يتكون من قطبين أساسيين هما:
  • أولًا: العوامل والعناصر الطبيعية.
  • ثانيًا: الإنسان بعدده ونظمه وسياساته.

ولهذا لا بد من أن نفرد دراسة خاصة لهذين العنصرين كل على حدة؛ لتوضيح فاعلية هذه العوامل الطبيعية والبشرية مُنفردة ومُجتمعة معًا.

هوامش

(١) صبحي عبد الحكيم: (موارد الثروة الاقتصادية) ج١ ص١٩.
(٢) محمد عبد العزيز عجمية: (الموارد الاقتصادية) ص٣٨–٤٥.
(٣) Monkhouse, “A ictionary of Geogrphay”, Arnold 1965, p. 75.
(٤) في معظم ألمانيا والنمسا وغيرها خطط للحفاظ على الغابات؛ منها: ترك بعض مناطق الغابات من ٣٠ إلى ٤٠ سنة دون استغلال، وزراعة أشجار محل المناطق التي استخدمت، وقد أدت هذه السياسة إلى وجود فائض؛ مما خفض سعر الأخشاب. وفي الولايات المتحدة تم تنفيذ سياسة مشابهة بضغط من منتجي الأخشاب وأيضًا أنصار البيئة. وقد أدت هذه السياسات إلى الاعتماد على أخشاب دول أخرى مثل المناطق المدارية والاستوائية؛ مما يهدد هذه المناطق بأخطار البيئة.
(٥) لم يكن استهلاك الإنسان وحده هو المسئول عن تدهور الغابات، بل إنَّ الأمطار الحمضية الناجمة عن زيادة دُخان المصانع في أوروبا كانت سببًا في دمار مساحات شاسعة من غابات أوروبا الغربية. وقد تلافت دول أوروبا ذلك بقيود شديدة فرضت على الصناعات الملوثة للجو؛ مما أدى إلى تناقص الأمطار الحمضية، وفرصة لنمو الغابات من جديد.
(٦) مزارع الثعالب وحيوان الفراء في روسيا وكندا، ومزارع التماسيح في جنوب شرق آسيا من أجل الجلود تساعد على حماية الحيوان من الإبادة.
(٧) هناك مصادر للثروة المعدنية في أماكن يصعب استخلاصها في الوقت الحاضر، مثل ما هو موجود في قاع البحار والمحيطات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١