مقدمة المؤلف

لقد سئمتُ عيش الحياة بعد أن أنكرتُ على الكنيسة عقائدها، وإذ ساورتني عوامل اليأس ضربت ببصري في جمهور الناس لألتمس من بينهم من يقاسمني هذا القنوط، فأداني البحث إلى أن جميعهم عائشون بالإيمان، وحيث رأيتُ إلى مَن يحدِق بي من السواد الأعظم وجدتهم مؤمنين، وقد انتزعوا من ذلك الإيمان نظامًا لهم، ومنه كوَّنوا منهجًا يستنهجونه إلى خاتمة أنفاسهم، غير أني لم أتحسَّس بعقلي ما أستدل به على صحة هذا النظام؛ فاستعقبت حال هؤلاء المؤمنين في سبيل الحياة الدنيا؛ فجعلت أُكثِر من مخالطتهم، وأجاريهم في تأدية عبادة الله الكمالية، ولكن كنتُ لا أزداد في التقرُّب منهم على تلك العبادة إلا تَنازعني عاملان متخالفان، فمن جهة: قد ظهر لي أن هذه الحياة لا يُبيدها الموت ولا يُفنيها الفناء، ومن جهة ثانية: قد استوثقت مما في هذا الإيمان، وتلك العبادة من المَيْن والبُهتان، وإني لا أثق بأن في قدرة الشعب استدراك ذلك، إما لأُمِّيته أو قصور إدراكه أو مَيْله عن البحث في الوصول إلى الحقيقة، غير أني أكبرتُ السكوت عن ذلك خِيفة استفحال أمر هذه المُفتريات، وقد شاركني في ذلك جماعة من الذين استنارت عقولهم؛ فلجأت إلى التنقيب عن أصل فساد هذه التعاليم وتمحيص الحقيقة في ذلك.

ولما كنتُ لا أُنكر على تعاليم المسيح تضمُّنها لنظام الحياة الحقيقية، حدا بي الفكر إلى إجلاء النظر في تلك التعاليم والإحاطة التامة بمنابت أصولها التي تفرَّعت عنها هاته الفروع، ففي بادئ الأمر استرشدت في ذلك القُسوس والرُّهبان والأساقفة والمطارنة وعلماء اللاهوت، فعجزوا عن إقامة الحُجة، وكان فيما يقولون تناقض بيِّن، فلم أرَ فيهم فكرًا قادرًا على الحوم حول النقط الجوهرية، ولعل سبب ذلك قِلة يقينهم مما به يعتقدون. ثم ظهر لي أن مآخذ عقائدهم هي مؤلفات رجال الكنيسة والكتب الموضوعة في الدين واللاهوت، فلما لم أحصل على ثمرة من مجادلتهم رجعتُ بنفسي إلى جميع التآليف اللاهوتية، فعلمت بالاستقراء فساد ما تعطيه كنيستنا للشعب من العقائد، وتحققتُ أن ذلك خِداع بيِّن وضلال مبين.

ثم وجدت غالب تعاليم الكنيسة الأورثوذكسية موضوعًا غير معقول، ليس فيه شيء يؤثر عن الحياة وماهيتها إلا أنه محصور في تخطئة اعتقادات الطوائف الأخرى من المسيحيين؛ ولذا توجَّهت بعقلي إلى درس هاته العقائد؛ فألفيتها تشبه من جميع وجوهها تعاليم الكنيسة الأورثوذكسية، والغريب أن هذه تُنكر على الطوائف الأخرى عقائدها، كما وأن هذه تُنكر عليها ذلك؛ فنشأ من تخالف كل طائفة مع الأخرى تنافر بين أبناء هذه الطوائف، ليس هو في شيء من تعاليم المسيح، وبالجملة: فإن جميع الطوائف مُصدِّقين لعقائد لا تنفع الحياة، ويقضي بفسادها العقل الصحيح، ثم حكمتُ بعد ذلك بعدم وجود كنيسة مسيحية مطلقًا.

إن المسيحيين قد انقسموا إلى طوائف متعددة، وكل منها تعتقد اعتقادًا متينًا بأنها هي الطائفة المسيحية الحقيقية، وتُنكر عقائد الطوائف الأخرى، ثم كل منها تُسمِّي نفسها كنيسة تدَّعي أنها هي الحقيقية التي ثبتت على الإيمان المسيحي القويم، وأما بقية الطوائف فقد انفصلت وتفرَّعت منها، والأغرب من ذلك: أن كل طائفة تعتقد بداهة بهذا الاعتقاد دون أن تبحث عن تسمية نفسها بالكنيسة الحقيقية، وهل هي بالفعل أصل الكنائس أو هي فرع منفصل عن الأصل؟ كلا ثم كلا، بل إن أتباعها يدَّعون هذه الدعوى لأنهم وُلِدوا فيها؛ ففضلوها على غيرها، ويدافعون عنها ما استطاعوا إلى الدفاع سبيلًا، وهم في ذلك لا يفتكرون بأن كل طائفة تدَّعي دعواها، وتقول عن نفسها ما تقوله هي حرفًا بحرف.

ولذلك فلا يستغربنَّ القارئ حُكْمي بعدم وجود كنيسة واحدة، بل يوافقني على وجود ما ينيف على ألفَي كنيسة، وكلها تُنكِر الحقيقة وتُجاهر بهذه العبادة الواردة في دستور جميع الكنائس: «وأُومن بكنيسة واحدة جامعة مُقدَّسة رسولية مسكونية.» ثم تزيد على ذلك قولها: وأن كتب ديننا مقدسة ويسوع المسيح رأس لكنيستنا التي يُدبِّرها الروح القدس، وأنها وحدها فقط خارجة من عند المسيح الإله.

نحن إذا نظرنا إلى أية شجرة نحكم بأن الأغصان من الفروع، والفروع من الجذور، والجذور من الأصول، فلا نقول إن كل الفروع والأغصان متفرعة من الجذر، كما إننا لا نستطيع أن نقول بإن كل فرع وحده دون غيره متفرع من الجذر، بل إنها جميعها متساوية بالتفرُّع ومن الحماقة أن نُفضِّل أحد الفروع ونخصَّه بصفات التفضيل على جميع الكنائس، فالحقيقة التي لا مِراء فيها هي: أنه يوجد نحو ألف طائفة كل منها تُنكر عقائد الأخرى وتلعنها، ولا تعتقد هي إلا بقداسة ذاتها وصحة مبدئها؛ كالكاثوليك واللوثريين والبروتستانت والكلفينيين والشاكرين والمورمون والروم الكاثوليك والمؤمنين الأقدمين والآباء والناكري الآباء والبويكر والبليموث والخصيان ومصارعي الأرواح والسريان واليعاقبة والمورانة والأقباط و… و… إلخ مما لا يستطيع إحصاءه أحد، وكل منها تدَّعي أن ديانتها هي الحقيقية المقدسة الحالَّة فيها نعمة الروح القُدُس، وأما بقية الطوائف ففي ضلال مبين.

مضى على هذه الحال ما ينيف على ١٨٠٠ سنة، والضلال راسخ في أذهان أتباع هاته الطوائف، ولن يزول عنها أبدًا.

إن الناس على العموم يخادعون بعضهم بعضًا في الأعمال الدنيوية والتجارية، وقلَّ مَن منهم يقع في غش أو خداع، مضت ١٨٠٠ سنة وهذه الملايين الكثيرة عمي على هذا الضلال الديني، سواء كان ذلك في روسيا أو أوروبا، حتى وفي أمريكا أم العجائب والاختراعات الجديدة، كأن جميع الطوائف اتَّفقت على تلازم الخرافات.

أجل، إني لا أُنكر بأن كثيرين من الفلاسفة وذوي الأفكار الحرة من علماء الأجيال السالفة جاهروا بفساد هاته الخرافات والأضاليل الباطلة، وصرَّحوا على رءوس الأشهاد بأن الديانة المسيحية، وما تفرَّع عنها من الطوائف، كلها إفساد في إفساد؛ ومن ثَم ينبغي وضع ديانة خالصة من أدران المفاسد، فقام هؤلاء الأفاضل بوضع ديانة جديدة، ولكن لم يتبعهم أحد ولم تجد أقوالهم آذانًا مُصغية، وظل جميع المسيحيين متمسكين بكنائسهم وعقائدها، فالكاثوليك في الكثلكة، والروم في الأورثوذكسية، واللوثريون في البروتستانتية؛ وقِس على ذلك.

فما أغرب هذا الأمر! وما أصعب حلَّه! ثم لماذا لا يترك الخلق هاته التعاليم المُضلَّة؟ فالجواب على ذلك واحد (مُتَّفق عليه من جميع العقلاء الأحرار وذوي المدارك السامية الذين نبذوا جميع معتقدات الكنائس المسيحية)، وهو أنه يصعب على الناس ترك تعاليم المسيح، ولكن لماذا ترى أن جميع المؤمنين بتعليم المسيح قد انقسموا إلى طوائف شتَّى، ويزداد انقسامهم هذا يومًا عن يوم؟ ثم كيف لا يستطيعون الاتِّحاد والإجماع على معتقد واحد؟ فالجواب على ذلك واضح لا يخفى على كل ذي بصيرة نقَّادة، وهو أن منشأ انقسام المسيحيين التعاليم الموضوعة بواسطة الكنيسة ليس إلا التي تُشير إلى أن المسيح هو الواضع لنظام الكنيسة الواحدة الحقيقية التي تُعتبر بحسب وجودها وجوهرها كنيسة مُقدَّسة ومعصومة من الخطأ فيما يتحتَّم عليها من التعاليم التي تُلقيها إلى أتباعها؛ إذ لو لم يكن ذلك لما وُجِد شيء من الانقسام بين المسيحيين.

إن تعليم كل كنيسة مسيحية، أو بعبارة أخرى معتقد كل طائفة، مأخوذ طبعًا من تعليم المسيح، فكل تعاليمها إذن من أصل واحد، ونبتت جميعها من حبَّة واحدة، وإن هذه الحبَّة يلزم أن تكون مرجع أصول هذه المعتقدات.

وبناءً على ذلك فليس من الضروري لمن يريد فهم تعليم المسيح أن يدرس تاريخ العقائد والأديان، ويُطالع كتب الكنيسة الموضوعة، بل عليه أن يلتمسه من مأخذه الحقيقي؛ لأن هذه العقائد قد تفرَّعت عن ذلك التعليم، والفرع ابن الأصل، واعتقادي أنه ينبغي على المسيحيين أن ينبذوا هاته الفروع التي لا توصلهم إلى ضالتهم المنشودة، ولا يكون ذلك إلا أن يُجاذبوا أصول هاته المعتقدات من تلك الحبَّة التي هي الأصل الأصيل في ذلك.

على أن المسيحيين وجدوا بالنفس من حياة أعمال المسيح، وعاشوا ليحذوا حَذوه في أعمال الخير والصلاح اللذين هما مرجع اتِّحادهم.

وقد قادني إلى الإيمان حُب البحث عن معنى الحياة أو إيجاد طريق الحياة، أو بعبارة أخرى: كيف يجب أن أعيش؛ فأجلتُ الطرف في مجاري حياة المؤمنين بتعليم المسيح، والتصقت بهم التصاقًا، فألفيت بين أتباع جميع الطوائف من كاثوليك وبروتستانت وأرثوذكس كثيرين ممن تدل أعمالهم على إيمانهم، ثم درست أخلاق الكثير من أفاضل الطوائف المسيحية، فوجدتُهم مُجمِعين على لزوم الإيمان للحياة، ومُتَّفقين على التمييز بين الخير والشر في الحياة الدنيا.

نعم، إن الطوائف مختلفة بحسب الاعتقاد؛ وإنما الأصل واحد، وعليه فإنه يوجد لدى كل طائفة منهن أثر للأصل الحقيقي الذي أريد أن أدرسه دون زيادة ولا نقصان؛ لأن حقيقة الإيمان ليست في الشروح الموضوعة لتعاليم المسيح التي انشق بسببها المسيحيون إلى ألف طائفة، بل إنها محصورة في نفس تعاليم المسيح الموجودة في الأناجيل؛ ولذا فإني قد عُنيت بدرس تلك الأناجيل بإمعان.

أسلفت أن تعاليم الكنيسة لا تنحصر في الإنجيل فقط، بل وفي موضوعات رجالها التي لا تُحصى، وما تحتفظ به من التقاليد؛ ومن ثَم فقد علم القارئ الكريم من سياق ما مضى من الكلام أني لا أتعرَّض للبحث في مجموعة تلك التآليف تاركًا أمرها للكنيسة.

والأنكى من كل ما تقدَّم: أن الكنيسة تُحرِّم على أتباعها مطالعة الإنجيل والبحث في قوانينها، وهو تمادي في المغالطة لا يُغتفر لجميع الكنائس الآخذة بالتقاليد والتعاليم المتخالفة.

إن الله سبحانه وتعالى قد كشف عن الحقيقة للناس، وأوجد لهم نظامات وقواعد يسيرون بموجبها، ثم إنني أحد هؤلاء المُبصرين بالكتاب الذي أُعطي للخلق ليفهموه من أنفسهم دون أن يسألوا تفسير معنًى من معانيه؛ فإذا كان ما في الكتاب هو كلام الله تعالى، فإنه سبحانه يعرف مقدار قصور عقلي وقلة إدراكي، فكان يلزم أن يكون كلامه سهل المأخذ حتى لا يستعصي على إدراك أوامره وتعاليمه؛ فأذهب في تأويلها كل مذهب، وقد أقع من ذلك في ضلال مبين.

ولذا فإن عدم إباحة الكنيسة لأتباعها مطالعة الإنجيل أولًا، وعدم تناول البحث في تآليفها الدينية ثانيًا، بدعوى أن ذلك يؤدي بهم إلى تشويش الذهن واضطراب الفكر، قد يُوقعهم في الريبة، وهو ادِّعاء منبوذ ساقط؛ على أنها كانت تظفر بادِّعائها لو أنها كانت واحدة في تعاليمها وأجمع عليها المسيحيون.

ولا يخفى أن جميع ما تُعطيه الكنيسة من التعاليم الخاصة بابن الله، والله وكونه في ثلاثة أقانيم، والعذراء التي ولدت ابنًا دون أن تُفسد عذارتها، ثم الخاصة بالخبز والخمر اللذين يستحيلان فعلًا إلى جسد ودم الله، ويتناولهما المسيحيون على هذا الاعتقاد؛ غير معقول ولا محسوس.

وعدا ما تقدَّم: فإنه قد دخل على الكنيسة من المعتقدات ما لا حصر له، ولا يمكن أن يُقرر منه الإنسان معتقدًا واحدًا؛ لأنه يتضمن لعقائد متعددة تُناقض بعضها بعضًا.

وإن الناس الآن لفي شديد الحاجة إلى كتاب واحد يقول بالاعتقاد في إله واحد، ويجمع الناس في معبد واحد في سائر أقطار الأرض، والناس لا يجمعون انتقاد العقلاء وتنقيب الفلاسفة والعلماء، بل إن هؤلاء يُسلِّمون به فيرُكبهم سفينة السلام ويرسو بهم في مقر الطمأنينة والهدوء.

وعلى ذلك؛ فإذا احتشدت في كلام الإله الخُرافات والتعاليم المستحيلة، فإن العلم ينبذ ذلك كما نبذ تعاليم الآلهة الوثنية الكثيرة، وحاشا لله الحقيقي أن يُوحي بشيء غامض فوق عقول البشر.

إن الكنيسة تعتقد بأن الإيمان هو قانون وُضِع لتسير بحسبه النفس، وتكون بين عوامل التهديد والوعيد إذا هي حادت عن مواده وخالفت نصوصه، والعكس بالعكس.

وأما أنا فأعتقد بأن الإيمان هو الحق الذي تحوم حوله قوة الإدراك لاستجلاء مكنوناته، أو بتعبير آخر: إن الإيمان هو إدراك الوحي الإلهي إدراكًا ترسخ صحته في النفس، فيتولَّد من ذلك الإيمان بالإله الحقيقي.

ثم إني لا أطالع التوراة (العهد القديم) ولا أبحث في أسفارها؛ إذ إنني لا أبحث في ديانة اليهود، بل ما نقوله الآن خاص بالديانة المسيحية التي يدين بها قسم عظيم من سكان المعمور، وكلهم يعتقدون بأنه لا معنى للحياة بدون تلك الديانة، وإنما نرجع إلى بعض مواضع التوراة التي تُرشدنا إلى ظهور الديانة المسيحية.

ولذلك لا يلزم الاعتقاد بتلك الديانة التي وُجدت من عهد آدم جدِّ البشر الأول حتى يومنا هذا؛ لأن ديانة اليهود قبل المسيح كانت ديانة وقتية مكانية، يجب أن ننظر إليها كما ننظر إلى ديانة البراهمة والبوذيين سواء بسواء، وأما الديانة المسيحية فهي الديانة التي نأخذ بها الآن، وينبغي علينا أن نبحث فيما أتت به بحثًا مُدقَّقًا، وإلا فيكون مَثَلنا في درس الديانة العبرانية لفهم الديانة المسيحية كمثل من يدرس مادة الشمعة قبل إضاءتها ليدرك من ثَم ماهية النور الذي يخرج منها.

والكنيسة قد أخطأت خطأً عظيمًا باعتبارها كتب العهد القديم كتبًا موحًى بها من الله، كاعتبارها للإنجيل أو العهد الجديد، وهي إنما تعتقد هذا الاعتقاد بالقول فقط دون الفعل؛ ومن ذلك فقد وقعت بين اعتقادات متخالفة، وأضحى مركزها حرجًا لا يمكنها التخلص منه إلا إذا عقلت خطأها وأدركت سقطتها.

وبناءً على ما تقدَّم فإني أنبذ كتب العهد القديم والكتب المقدسة التي حصرتها الكنيسة في سبعة وعشرين كتابًا، فدع عنك التقاليد المحفوظة لديها التي لم يمكنها حصرها لا في سبعة وعشرين كتابًا ولا في خمسة ولا في ١٣٨ كتابًا، ولا يجوز حصر الوحي في الصحائف والحروف.

فالقائل مثلًا بأن الوحي الإلهي محصور في ١٨٥ صحيفة، كالقائل بأن نفس هذا الإنسان تعدل خمسة عشر رطلًا، أو أن نور ذلك المصباح يعدل سبعة أكيال.

أما وحي الله فقد هبط على أرواح أفراد من الناس ذوي القوى الفيَّاضة الذين نشروه وعلَّموه للأمة الموحى به إليها فحفظته، وقام البعض من أفرادها يكتب ما علق بذاكرته من ذلك الوحي، فكتب الآخرون تلك الكتب واعتبروها منزلة موحًى بها من الله، وقد حصر بعضهم عدد ما كتب منها، فبلغ ما ينيف على المائة بين إنجيل ورسالة، ولم تعتبرها الكنيسة كلها كتبًا منزلة، بل اختارت منها سبعة وعشرين كتابًا وأطلقت عليها اسم الكتب القانونية. ولا ندري السر في اختيارها لهذا العدد من الكتب وتفضيلها إياه على غيره، واعتباره مقدسًا مُنزَّلًا دون سواه، مع أن الأشخاص الذين كتبوها هم في نظرها رجال قدِّيسون أتقياء، خدموا المسيحية في بدء ظهورها خدمات جليلة بتبشيرهم في الناس، وجَوبهم في طول البلاد وعرضها، واحتمالهم الاضطهاد والأهوال من عبدة الأوثان. ويا ليت الكنيسة عند اختيارها لتلك الكتب أوضحت للناس سبب هذا التفضيل، فبيَّنت إذ ذاك ما وجدته من الخطأ في الكتب التي لم تعتبرها موحًى بها، بل اعتبرتها كتبًا تاريخية وُضِعت لسرد تاريخ الكنيسة وتخليد أعمال رجالها أُسوة بكتب تاريخ الأمم والممالك السالفة، وإني على يقين من عجزها عن توضيح ذلك السبب وإظهار الحق من الباطل مما حوته تلك الكتب الكثيرة.

إن الكنيسة عملت عملًا بإتقان وإحكام، ولكنها أخطأت خطأ لا يُغتفر في اختيارها بعض الكتب ورفضها الأخرى، واجتهدت عند ذلك التقسيم بأن تُؤيِّد أن ما اختارته من الكتب هو الصحيح المُنزَّل المُوحى به من الرُّوح القُدُس، وكل حكمة واردة فيها هي من السماء لا تحول ولا تزول، ولكنها لو تبصَّرت قليلًا بما فعلت لأدركت بداهة بأنها بعملها هذا أفسدت وأضرَّت الكتب التي اختارتها؛ فقد أضافت إليها التقاليد المُتباينة المعنى المُتضاربة المغزى بين بيضاء وصفراء وزرقاء، أعني: أن بعض تلك التقاليد في اعتقادها مفيد وبعضه «ذو تعليم سام»، وقد وضعت عليها كلها ختم العِصمة من الخطأ، وبذلك حرمت الكنيسة نفسها الحق في تدقيق النظر بتلك الكتب والتعاليم، وإيضاح غامضها وشرحها وحذف غير الموافق منها؛ الأمر المنوط بها، بل الفرض الملقى على عاتقها، ولكنها ما فعلت شيئًا من ذلك، ولن تفعل ما دامت على حالها، بل كل شيء في نظرها مقدس سماوي؛ كالعجائب وأعمال الرسل آراء بولص الرسول بشأن الخطيئة والعقاب والثواب، وهذيان الرسل في رسائلهم، وخرافات يوحنا اللاهوتي في رؤياه.

ولقد مرَّت ١٨٠٠ سنة وتلك الكتب لم تزل مطروحة بين أيدينا كما كانت عليه عند وضعها، بما فيها من الخطأ والخشونة والمخالفة لبعضها، وعدم وجود المعنى في كثير من فصولها.

ولو فرضنا أن كل حكمة من كلمات تلك الكتب حقيقة مقدسة، وقد أوضحتها الكنيسة وفسَّرتها تفسيرًا واضحًا، وأزالت عن الأذهان تخالُف المعاني التي تتبادر لأول وهلة لذهن القارئ، ووجدت بتآويلها معنًى لما ليس له معنًى؛ غير أن غلطتها الأولى أحرجت مركزها، وأوقعتها في ارتباك واضطراب عظيمين؛ لأنه كان يجب عليها حين اختيارها لتلك الكتب أن تدرسها درسًا مُدقَّقًا، وتحذف منها ما يقود القارئ إلى الانتقاد والشك والارتياب، ثم بعد ذلك تُسلمها للمؤمنين بعد أن تُقيم الحُجة الدامغة على صحة أقوالها وسمو مبانيها، ولكن رجال الكنيسة لم يُوجِّهوا مزيد التفاتهم لهذا الأمر، ولم يُجهدوا أنفسهم بالدرس والتنقيب، بل عوَّلوا في كل إجراءاتهم وأعمالهم على الكلام؛ ولذلك اضطروا أن يرفضوا كثيرًا من الأسفار وبعض فصول من أعمال الرسل ورسائلهم التي لو طالعها الإنسان بإمعان لما وجد فيها شيئًا من روح التعاليم الإلهية، بل هي أقرب إلى الرياء والغش منه إلى التعليم، وعلى ما أظن أن لوقا الإنجيلي أورد ذكر العجائب ليُعزِّز بها الإيمان ويجذب الناس إليه. وكثيرون من الناس حتى عصرنا الحالي يعتقدون بتلك العجائب اعتقادًا صحيحًا، وتُؤثِّر مطالعتها على أذهانهم وقلوبهم، وتوطد إيمانهم وتُعزِّز معتقدهم. ومن الحماقة وسخف الرأي الاعتقاد بأن العجائب تُعزِّز الإيمان؛ لأنه من الحقائق الثابتة أن الناس يوقدون المصباح في الظلام لينير لهم، ولكن إذا كان النور موجودًا فهل من لزوم للمصباح؟! فعجائب المسيح هي بمثابة المصابيح التي تُوقد في النور لكي تنيره، فما دام النور موجودًا فهو يُضيء من نفسه وتراه العيون، ولكن إذا أسدل الظلام جلبابه فحينئذٍ يأتون ليُبدد غياهب الظلام ويُنير للحاضرين.

وإذا طالعنا السبعة والعشرين كتابًا الكنائسية، واعترفنا بأنها كلها مُنزَّلة مقدسة، فإننا نقع في نفس الخطأ الذي وقعت فيه الكنيسة؛ أعني أنها أنكرت نفسها إنكارًا شنيعًا؛ ولذلك لا أنصح الناس بالاعتراف بتلك الكتب. وإذا أردنا أن نقرأ الكتب التي تبحث في الدين المسيحي، يجب علينا أولًا أن نعرف أيًّا من السبعة وعشرين كتابًا هو المهم المفيد، وإذ ذاك نشرع بدرسه والنظر فيه نظر الناقد الخبير، وبالطبع كل يقول معي إن أهم تلك الكتب هي الأناجيل الأربعة: متَّى ومرقص ولوقا ويوحنا، وما تقَدَّمَها من الكتب لا ننظر إليه إلا كمادة تاريخية لأجل فهم الإنجيل، وما تأخرها ما هو إلا شرح لتعاليمها ومُفسِّرًا له؛ ولذلك ينبغي علينا أن نفتش في هذه الكتب الأربعة عن الحقيقة؛ لأنها حسب قول الكنيسة حاوية أهم التعاليم التي قالها المسيح نفسه، وفيها مُتمثل الوحي الإلهي، ثم يجب علينا أن نبحث عن أصول التعليم الأساسية بدون تطبيقها على ما جاء في بقية الكتب من التعاليم والأقوال، أقول ذلك ليس لأني لا أريد مطالعة تلك الكتب، كلا بل لكيلا أسقط في هذا الضلال والخطأ.

وإني سأبحث في تلك الكتب عما يأتي؛ أولًا: أبحث في كل شيء أفهمه وأدركه من تعاليمها؛ لأنه لا يعتقد أحد في الوجود بشيء لا يدركه ولا يفهمه، ومعرفة غير المفهوم لا تفرق في شيء عن عدم المعرفة. ثانيًا: عمَّا أجد به جوابًا على سؤالي الآتي: من أنا؟ ومَن هو الله؟ ثالثًا: عن أساس الوحي وماهيته؛ ولذلك فقد عزمتُ أيضًا على مطالعة الأشياء التي أستطيع فهمها وإدراك كُنهها مرارًا عديدة علَّني أتوصل بواسطتها إلى بعض الحقيقة. وأنا أقول: إني قد طالعت جميع كتب الكنيسة ودرستها درسًا مُدقَّقًا، وطالعت كتب تفاسيرها وشروحها، وتيقَّنت بعد ذلك أن تعاليم الكنيسة محصورة في الحقيقة، ونفس الأمر بالأربعة أناجيل فقط، وأن كتب العهد القديم لا تفيد مطالعتها المسيحيين شيئًا، بل تزيد الظلام ظلامًا، وتُوقع القارئ في الشكِّ والريبة؛ لأنها تخالف العهد الجديد على خط مستقيم مخالفة لا تخفى على كل ذي بصيرة وقَّادة، وأما رسائل يعقوب ويوحنا، فهي تحتوي على تفسير وإيضاح تعاليم المسيح الموجودة في الأربعة أناجيل، ولا يجد فيها القارئ شيئًا جديدًا مُطلقًا، ولكن بمزيد الأسف أقول: إن رسائل بولص مشحونة بأقوال فارغة وأباطيل كثيرة تقود القُرَّاء إلى لُجة عميقة لا يستطيعون الصعود منها، وأما كتاب أعمال الرسل وبقية رسائل بولص، فليس لها أدنى ارتباط بتعليم الإنجيل، بل في كثير من المواضع تُخالف نصوصه، وتخالف أقوال رسائل يعقوب ويوحنا.

ولقد طالعت الأربعة أناجيل مُطالعة دقيقة باللغة الروسية وسائر اللغات المستعملة، ثم طالعتها باللغة اليونانية التي تُرجِمت عنها إلى سائر اللغات ترجمة بعيدة عن الحقيقة بُعد السماء عن الماء، ثم أجهدت القريحة وعرَّبتها تعريبًا دقيقًا يُطابق المعنى، واستعنت في ذلك بالقواميس المُطوَّلة ذات الشروح الضافية، وقد اعتنيت في خلال التعريب بأن أُوحِّد الأربعة أناجيل؛ لأن تعاليمها جميعًا متقاربة مُتَّفِقة، لا تختلف إلا اختلافًا طفيفًا، وإذا اعترض معترض وقال بلزوم مطالعة وتعريب إنجيل يوحنا على حدةٍ لأنه يتضمن تعاليم لاهوتية سامية المبنى لم تَرِد في بقية الأناجيل، فأردُّ ذلك الاعتراض بأني لا أقصد في الترجمة قصر البحث على الحوادث التاريخية واللاهوتية والفلسفية، كلا؛ فإني أوجِّه التفاتي إلى معنى التعاليم والبحث فيها بحثًا مُفصَّلًا، وهذا التعليم وارد في الأربعة أناجيل على السواء دون تمييز الواحد عن الآخر، فإذا جميعها مُستقاة من الوحي الإلهي كما تقول الكنيسة، ثم إن فكرة توحيد الأناجيل ليست جديدة وليست من مخترعات بنات أفكاري، بل قد سبقني إليها كثيرون وعزموا على ذلك، ولكنهم لم يُظهروا عزمهم من حيِّز القول إلى حيِّز الفعل، وبعضهم بدأ في العمل ولم يُتمَّه، ومن بين هؤلاء أرنوليدي فيرس وفاوارديس وغريتشوليف وغيرهم.

ولكن جميع أولئك الشارعين كانوا مُوجِّهين التفاتهم، وقصدوا في تآليفهم توحيد وقائع الإنجيل التاريخية وتعليمه معًا، ولكني أنا أخالفهم في هذا المبدأ، وأضرب صفحًا عن الحوادث التاريخية، ولا أبحث بغير التعاليم.

معنى كلمة الإنجيل

  • أولًا: اصطلح مترجمو الأناجيل على عدم ترجمة لفظة الإنجيل؛ بل استعملوها كما هي بلفظها اليوناني، ولا يقدرون لها معنًى آخر سوى أنه يقصد بها أربعة كتب تحتوي على تعاليم المسيح، مع أن لهذه اللفظة معنًى خاصًّا مرتبطًا ارتباطًا متينًا بفحوى تلك الكتب ومحتوياتها.

    وإذا أردنا أن نُعرِّب هذه اللفظة إلى اللغة العربية أو غيرها من اللغات تعريبًا حرفيًّا فيكون معناها البشارة، وهو تعريب فاسد لا يفي بالغرض المقصود ومخالف لمعنى الكلمة. إن لفظة إنجيل باللغة اليونانية مركبة من كلمتين «أيف» ومعناها: جيد، حسن، صلاح، خير، صدق، و«إنجيليون» ومعناها: الإخبار بخبرٍ ما من الأخبار، ويكون تعريب اللفظتين معًا الإخبار بالخير أو الخبر الحسن.

  • ثانيًا: إن الكلمتين «كاتا ماتذيون» تُفيدان الأخبار الحسنة التي أخبرها الإنجيليون الأربعة: متَّى ومرقص ولوقا ويوحنا عن أعمال المسيح، ولكن غير مُوضِّحة الطريقة التي كتبوا فيها تلك الأخبار، هل كتبوها بمجرد السماع، أو أملاها عليهم أحد، أو سمعوها من أفواه الناس، أو من نفس المسيح، فإنهم قد أغفلوا هذا الأمر وأهملوه مع أنه في غاية الأهمية المطلوبة عند وضع كتب يعترف بها الملايين من البشر.
  • ثالثًا: لفظة «خريستوس» أو المسيح معناها الممسوح من الله، وهذه اللفظة مأخوذة من تقاليد اليهود وموافقة لها كل الموافقة، ولكنها غير منطبقة على تأدية المراد من الإخبار بالخير أو التبشير للناس بأقوال حسنة مفيدة لهم.
  • رابعًا: لفظة ابن الله التي تدعو الكنيسة بها يسوع المسيح وتخصُّه بهذا النعت دون سواه من الناس، مع أنها في الحقيقة ونفس الأمر مختصة بجميع الناس على السواء، وذلك واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، ومصرح به في كثير من مواضع الإنجيل.

ولما كان يسوع المسيح يخاطب الشعب كان يقول: فليضئ نوركم هكذا بين الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجِّدوا أباكم الذي في السموات (متَّى، ص٥، عدد ١٦).

وجاء أيضًا في متَّى، إصحاح ٥، عدد ٤٥: «لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات؛ فإنه يُشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويُمطر على الأبرار والظالمين.» وفي لوقا، ص٦، عدد ٣٦: «فكونوا رحماء كما أن أباكم أيضًا رحيم.»

وفي متَّى، ص٦، عدد ١: «احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قُدَّام الناس لكي ينظروكم، وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السموات.» ومتَّى، ص٦، عدد ٤: «لكي تكون صدقتك في الخفاء فأبوك الذي يرى في الخفاء يُجازيك علانية.»

وفي متَّى، ص٥، عدد ٤٨: «فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل.»

وفي متَّى، ص٦، عدد ٦: «وأما أنت فمتى صليت فادخل إلى مخدعك وأغلق بابك وصلِّ إلى أبيك في الخفاء، فأبوك الذي يرى في الخفاء يُجازيك علانية.»

وفي متَّى، إصحاح ٦، عدد ٨: «فلا تتشبَّهوا بهم؛ لأن أباكم يعلم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه.» ومتَّى، إصحاح ٦، عدد ١٤: «فإنه إن غفرتم للناس زلَّاتهم يغفر لكم أيضًا أبوكم السماوي.»

والمسيح نفسه سمَّي نفسه «ابن الله» من جهة التعميم، كما كان يُسمي تلامذته وسائر الناس أبناء الله كما ورد في الآيات السالفة الذِّكر التي لا تدع شكًّا في نفس مُرتاب. والمسيح نفسه يعتقد بأن الله خلقه كسائر الناس؛ ولذا دعا نفسه ابن الله كما دعاهم أبناء الله سواء بسواء، ولقد اتَّخذت الكنيسة ذلك حجة لتأييد دعواها على أن المسيح هو ابن حقيقي لله، كما أنني لاون بن نقولا تولستوي! معاذ الله إن هذا إلا ضلال مبين وافتراء على مقام الله الواحد الصمد المُنزَّه عن الشريك.

ورد مثل ذلك في كثير من مواضع الإنجيل؛ مما يدل على أن جميع الناس هم أبناء الله، وقد جاء في إنجيل لوقا بأعظم صراحة أن كل إنسان هو ابن الله، وأن يسوع ليس مُختصًّا بتلك التسمية، بل هو أيضًا ابن الله كجميع الناس الذين خلقهم الله دون تمييز ولا حصر.

وعندما أورد لوقا الإنجيلي نسب المسيح ذكره من جهة الأم فقط، فقال: كان يسوع ابن مهللئيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم بن الله … إلخ (لوقا، ص٣، عدد ٣٨).

وهكذا؛ فإن يسوع المسيح ابن الله هو ذلك الرجل الذي بشَّر الناس بتلك الأخبار الصالحة، وقد دعاه الناس يسوع، ودُعِي أيضًا المسيح؛ أي المختار من الله، وقد دُعِي أيضًا ابن الله.

إن هذا الفصل من الإنجيل يدل على مضمون الكتاب جميعه، فقد قلنا: إن تلك الكتب تتضمن أخبارًا مفيدة للبشر؛ ولذلك يجب أن نُوجِّه مزيد التفاتنا إلى مضمون هذا الفصل لكي نستطيع فيما بعد اختيار الأهم وتفضيله على المهم، وبما أن الكتاب كما قدَّمنا يتضمن أخبار الناس بالخير أو الصلاح؛ ولذلك فتكون تلك الأخبار موضوع بحثنا بقطع النظر عما ورد في الكتاب أيضًا من الأخبار التاريخية والعجائب التي لا نهتم بها؛ ولذلك فإنه يمكننا حصر الفصل كله بالجملة الآتية: إن يسوع المسيح المُسمى أيضًا ابن الله قد أخبر الناس أخبارًا مُسرَّة مفيدة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠