الفصل الخامس عشر

البرازيل وبتروبراز: شركة نفط قومية في عالَم أفضل

بين التاسع من مايو والثامن من يونيو عام ١٩٩٢، ارتفعتْ نسبة التضخُّم في البرازيل إلى ٢٢٫٩٤ بالمائة، مقارنة بما كانت النسبة عليه خلال فترة الأسابيع الأربعة السابقة والبالغة ٢٢٫٥٣ بالمائة، وذلك وفقًا لمعهد البحوث الاقتصادية بجامعة ساو باولو. يُعَدُّ هذا مكافئًا لمعدَّل تضخُّم سنوي يزيد عن ١٣٠٠ بالمائة.

في محاولة للسيطرة على التضخم، وضعت الحكومة أسعارًا منخفضة مصطنعة لمنتجات شركة بتروبراز،١ وخسرت بتروبراز الكثير من رأس المال الاستثماري الذي كانت تحتاجه بشدة. وفي الوقت الذي رأتْ فيه شركات نفط أخرى مكاسب غير متَوَقَّعة بسبب ارتفاع أسعار النِّفْط خلال حرب الخليج عام ١٩٩١، كانت بتروبراز مُجبَرة على أن تبيع النِّفْط المستورد بأسعار مرتفعة بالخسارة. وخلال تلك السنوات كانت ثمة دُعابة تقول إن بتروبراز كانت كسولة للغاية لدرجة أنه يجدر بالشركة أن تُسمِّيَ نفسها «بتروصوروص». كانت إنتاجية عمال بتروبراز تبلغ نحو ٢٥ بالمائة من متوسط الصناعة، وكانت البرازيل مجبَرة على أن تستورد نصف احتياجاتها النِّفْطية.

المذهل في الأمر أنه بحلول عام ٢٠٠٨، حققت البرازيل اكتفاءً ذاتيًّا من الطاقة وصارت مُصدِّرًا صافيًا للنِّفْط. واليوم، تُعَدُّ بتروبراز أكبر شركة نفط برازيلية وإحدى الشركات الخمسين الكبرى في العالم، متقدمة على كل من مايكروسوفت وإيه تي آند تي وول مارت.

***

fig37
شكل ١٥-١: حارس أمْن يقف أمام منصة الحفر العائمة بتروبراز ٥٤ قُبَالَةَ ساحل نيتيرو، البرازيل ٢١ أغسطس ٢٠٠٧. (تصوير بيدرو لوبول/بلومبرج نيوز.)

عام ١٩٥٣، حين أُنشئت بتروبراز، هتف القوميون صائحين: «النِّفْط لنا!» تأسست الشركة نتيجة جهود رئيس البرازيل الفاشي جيتوليو فارجاس، الذي كان يأمُل تطوير وسيلة لتركيز النِّفْط البرازيلي في أيدي الدولة.

بعد الانتكاسات التي أصابت العملة البرازيلية في الجزء الأخير من القرن العشرين، كان فرناندو أنريك كاردوسو، الذي انتُخب رئيسًا للبرازيل عام ١٩٩٤ هو مَن ساعد في تحويل دفَّة الاقتصاد البرازيلي، وبالتبعية، تغيير حال بتروبراز. أدرك كاردوسو أن بتروبراز كانت في حاجة ماسة إلى إعادة هيكلة، وبدأ في أخذ خطوات في هذا الاتجاه. وحين علمت النقابات العمالية القوية أن كاردوسو يرغب في إجراء تغييرات جذرية في الاقتصاد، بدءوا إضرابًا. لكن الإضراب أتَى بنتيجة معاكسة؛ إذ أثار سخط البرازيليين، الذين لم يَجِدوا غازًا في مواقد مطابخهم، وأُجبِرَ الناس على الاصطفاف في طوابير طويلة أمام محطات الوقود.

ربما كان كاردوسو ضد الخصخصة، بَيْدَ أنَّه أدرك أن بمقدور الاستراتيجيات السوقية، على غرار طرح أسهم الشركة للاكتتاب العام في البورصة٢ أو التنافس مع الشركات الدولية، أن يكون أمرًا مفيدًا، حتى لشركة نفط قومية. وقد آتَتِ استراتيجيات كاردوسو ثمارَها، وبدأت الحكومة في السماح لمشغلين أجانب بطرح عطاءاتهم ضد بتروبراز من أجْل المواقع النِّفْطية الموجودة قُبَالَةَ سواحل البرازيل عام ١٩٩٩. كانت بتروبراز تملك مصافيَ تكرير وناقلات نفط، وصارت رائدة العالم في تطوير التكنولوجيا المتقدمة الخاصة بإنتاج النِّفْط في المياه العميقة والمياه فائقة العمق.

كيف صارتِ البرازيل مُصَدِّرًا صافيًا للنِّفْط

(١) طوَّرتِ البرازيل الإيثانول المصنوع من قصب السكر، الذي ثبت كونه بديلًا منخفض التكلفة للبنزين. يستطيع السائقون البرازيليون الآن أن يختاروا بين البنزين والديزل والإيثانول والغاز الطبيعي كوقود لسياراتهم. عام ٢٠٠٨ حققت البرازيل استقلالها في مجال الطاقة وصارت مُصدِّرًا صافيًا للنِّفْط.

(٢) عام ٢٠٠٧، اكتشفت البرازيل حقل نفط توبي، وهو حقل نفطي جديد يوجد في المياه العميقة، من المقدَّر أنه يَحوِي ما بين ٥ و٨ مليارات برميل من النِّفْط الخام الخفيف. النِّفْط الجديد، إلى جانب مشروعات التكرير التي تقوم بها بتروبراز حاليًّا، يمكن في نهاية المطاف أن تجعل البرازيل مُصدِّرًا كبيرًا للبنزين، بحيث تُضيف إلى الإمدادات الموجودة في الولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى التي يستحيل فيها بناء مصافي تكرير جديدة. ويُعَدُّ حقل توبي أكبر حقل نفطي يتم اكتشافه منذ أن تمَّ اكتشاف حقل يضم ١٢ مليار برميل عام ٢٠٠٠ في كازاخستان.

fig38
شكل ١٥-٢: منصة الحفر العائمة بتروبراز ٥٤ الموجودة قُبَالَةَ ساحل نيتيرو بالبرازيل، في ٢١ أغسطس ٢٠٠٧. (تصوير بيدرو لوبو/بلومبرج نيوز.)

كوسيلة لإعداد بتروبراز للمنافسة، عيَّن كاردوسو صاحب بنك استثماري — هنري فيليب رايشستول — رئيسًا للشركة. رتَّب رايشستول بعضَ الصفقات المختلف عليها مع المورِّدين، وبدأ نظامَ تحفيز قائمًا على المكافأة للمديرين، وأقرَّ بمليارات الدولارات للمعاشات والصحة، واستهلك كل ميزانية بتروبراز. مكَّنتْ إدارتُه بتروبراز من التطوُّر بالطريقة التي تطورت بها دول أخرى منتجة للنِّفْط، بأسعار مقاربة لتلك الخاصة بالمنافسين الأجانب. وخلال الأشهر الستة الأولى من عام ٢٠٠٣، زاد إنتاج بتروبراز بمعدل ١٠٫٧ بالمائة عامًا تلو الآخَر. وبحلول عام ٢٠٠٧، كانت بتروبراز تملك من احتياطيات النِّفْط الخام أكثر مما تملكه شيفرون، وتقوم بالاستكشاف بتكاليف أقل من تلك التي تتكبَّدها إكسون موبيل. واليوم، تسيطر بتروبراز على أصول نفطية وأصول طاقة كبيرة، علاوة على أنشطة أخرى ذات صلة، في ثماني عشرة دولة في أفريقيا وأمريكا الشمالية والجنوبية وأوروبا وآسيا. ويبلغ إجمالي قيمة أصولها ١٣٣٫٥ مليار دولار.

ليست بتروبراز إحدى كبرى الشركات المنتجة للنِّفْط في العالم وحسب، وإنما هي أيضًا كبرى الشركات المنتِجة للوقود الحيوي على مستوى العالم. في التاسع عشر من ديسمبر عام ٢٠٠٥، أعلنت بتروبراز عن إبرام عَقْد مع الشركة اليابانية نيبون هانباي من أجْل إنشاء مشروع مشترك مقرُّه اليابان يُسمَّى «إيثانول البرازيل-اليابان»، بهدف استيراد الإيثانول من البرازيل. وبهذا صارت بتروبراز جزءًا كبيرًا من صناعة الإيثانول البرازيلية. ورغم أن الرئيس بوش وضع هدفًا يقضي بأنه بحلول عام ٢٠٠٥ سيستبدل بثلاثة أرباع النِّفْط الذي تستورده الولايات المتحدة من الشرق الأوسط الإيثانولَ الأمريكيَّ، فإنه حتى عام ٢٠٠٨ لم يتحقق هذ الهدف. إن البرازيل لا تَفِي فقط بنصف الطلب المحلي على وقود المركبات عن طريق الإيثانول، وإنما أيضًا تُصدِّر وقودَها الحيوي إلى الهند وفنزويلا ونيجيريا والولايات المتحدة ودول أخرى. وتَبنِي شركة بتروبراز أول خط أنابيب كبير للوقود الحيوي، ولدَيْها خُطَط بإنفاق ٥٤ مليار دولار على منشآت إنتاج الوقود الحيوي وتوزيعه بحلول العام المالي ٢٠١٠.

استضافت بتروبراز زوَّارًا من دول عِدَّة، منها المكسيك ونيجيريا وبيرو، الذين سَعَوْا إلى محاكاة نموذج الطاقة البرازيلي. وقد جاءت شركات النِّفْط الخاصة ببعض الدول، على غرار شركة ستات أويل إيه إس إيه النرويجية المملوكة للحكومة، ساعية للدخول في مشروعات مشتركة على أمل أن يكون لها القدرة على استخدام كلٍّ من احتياطيات البرازيل النِّفْطية وتكنولوجيا بتروبراز. وقد كانت هذه الصفقة من الأهمية بمكان للنرويج لدرجة أن المَلِك النرويجي هارالد الخامس نفسَه جاءَ إلى ريو عام ٢٠٠٣ لإضفاء الطابع الرسمي عليها.

عام ٢٠٠٠، طَرَحَتْ حكومة البرازيل حصةً مقدارُها ١٦ بالمائة٣ من أسهُم بتروبراز في بورصات مثل بورصة نيويورك وساو باولو. كانت أسهم بتروبراز يتمُّ تداوُلُها بالفِعْل في البرازيل، لكن عند طَرْحِها في الولايات المتحدة، كان تأثير ذلك على حوكمتها هائلًا؛ إذ استلْزَمتْ بورصة نيويورك وجود المزيد من الشفافية مقارنة ببورصة ساو باولو، إلا أن الشفافية الإضافية لم تؤذِ الشركة. وتُعَدُّ أسهم بتروبراز الآن من بين أكثر الأسهُم غير المحلية تداولًا في بورصة نيويورك للأسهم، ويملك مساهمون خارجيون ٦٠ بالمائة من أسهمها الإجمالية. إضافة إلى ذلك، على العكس من بعض شركات النِّفْط القومية الأخرى التي فرضت قِلَّة من القيود على الشركات الأجنبية التي تأمل التعامل مع شركة نفط محلية، مررت البرازيل تشريعًا بشأن المتطلبات البيئية ومتطلبات العمالة الخاصة بالمشغِّلين الأجانب.
في أوائل العَقْد الأول من القرن الحادي والعشرين كانت بتروبراز آخذةً في التوسع؛ إذ دفعت مبلغ مليار دولار مقابل ٥٩ بالمائة في ثاني أكبر شركة منتِجة للنِّفْط في الأرجنتين، شركة بيريز كومبانس (بيكوم). وبحلول عام ٢٠٠٨، كانت بتروبراز تعمل في سبع وعشرين دولة، وهو عدد يزيد عن ضِعْف عدد الدول التي كانت تعمل بها منذ عَقْد مضى.٤ مسئولو بتروبراز يستمتعون بالهوية المزدوجة للشركة؛ كونها تجسيدًا للقومية البرازيلية، وفي الوقت نفسه كونها قصةَ نموٍّ في وول ستريت. ويقول ألمير جويلريم بارباسا، المدير المالي لبتروبراز: «إننا ننظر لأنفسنا على أننا نملك أفضل ما في العالَمَيْن.»

(١) صغار الضفادع والتكنولوجيا

اعتمدت بتروبراز في مشاريعها على أفضل العقول في البلاد الآتية سواء من مختبراتها البحثية أو الاتفاق البحثي الذي أبرمتْه مع جامعات الدولة. أحد هذه المشاريع تمثَّل في خزان مياه كبير في الجامعة الفيدرالية في ريو دي جانيرو. حاكى الخزان البالغ عمقه ٥٠ قدمًا حالة الرياح والأمواج الموجودة قُبَالَةَ الساحل، وفي النهاية ساعد في تصميم منصَّات أكثر أمنًا. تمثَّل مشروع آخَر في روبوت ينظِّف خطوط الأنابيب الممتدة قُبَالَةَ الساحل من المخلَّفات اللَّزِجة. وقد استَوحَى المهندس الذي صمَّم الروبوت ذلك التصميمَ من دراساته عن حركة السباحة الخاصة بصغار الضفادع.

من الأمثلة الأخرى على ابتكار بتروبراز هو أنها بدلًا من أن تستخدم مرساة تقليدية مصنوعة من الصلب كي تُثبِّت منصاتها البحرية، وجدت الشركة أنه من الأكثر كفاءة أن تُرسِل طوربيدًا طولُه ٥٥ قدمًا ووزنه ١٠٠ طن إلى قاع المحيط، حيث يَغرِس نفسَه في قاع المحيط بينما يَظَلُّ مشدودًا إلى المنصة بواسطة حَبْل من البوليستر عالِي القوة. كان هذا ما حدث في منصتها رقم ٣٧ في المحيط الأطلسي، التي كانت عبارة عن وِحْدة إنتاج طافية مصنوعة من ناقلة نفط جَرَى تعديلُها.

fig39
شكل ١٥-٣: جوزيه سرجيو جابريلي، الرئيس والمدير التنفيذي لبتروليو برازيلييرو إس إيه، في برازيليا، البرازيل، ٣ يونيو ٢٠٠٨. (تصوير أدريانو ماتشادو/بلومبرج نيوز.)

في أغسطس ٢٠٠٩، وعلى أمل استغلال الاكتشاف النِّفْطي الأهم على مستوى العالم منذ سنوات — حقول المياه العميقة المكتَشَفة عام ٢٠٠٧ — عمدت البرازيل إلى التخلِّي عن تَعاوُنها الذي استمر لعَقْد كامل مع شركات النِّفْط الأجنبية؛ وذلك بهدف السيطرة على عملية الاستخراج نفسِها. يقدِّر الجيولوجيون الدوليون أن الحقول قد تحمل عشرات المليارات من براميل النِّفْط القابل للاستخراج.

(١-١) بريق طاغٍ

بين مايو ١٩٩٧ ويونيو ٢٠٠٦، زادت قيمة بتروبراز في سوق المال البرازيلية بنسبة ١٢٠٠ بالمائة، وهو رقم يُضاهِي في ارتفاعه معدَّلَ التضخُّم الذي كانت تُعاني منه البلاد عام ١٩٩٢.

رغم أن بتروبراز تُساهِم بشكلٍ كبير في سمعة شركات النِّفْط القومية بوصفها المجموعة الجديدة الأقوى من منتِجي النِّفْط، فإن أغلب شركات النِّفْط القومية لم تُقارِب هذه الشركة البرازيلية في الكفاءة من حيث تطوير احتياطياتها النِّفْطية. في شركة بتروليوس دي فنزويلا على سبيل المثال، انخفض الإنتاج بمعدل ٢٥ بالمائة بعد صعود هوجو شافيز إلى السلطة وبدْء تحويل عوائد النِّفْط نحو برامج اجتماعية مشكوك فيها. أما شركة برتامينا الإندونيسية المملوكة للدولة فكانت غارقة في الفساد والمحاباة لدرجة أنها كانت مُجبَرة على أن تصير مستورِدًا صافيًا للنِّفْط بدلًا من أن تكون مُصدِّرًا صافيًا للنِّفْط. إن بتروبراز تمثِّل قصةَ نجاحٍ يندر وجودُها لشركة نفط قومية — وهي واحدة من قلة قليلة من شركات النِّفْط القومية التي طَغَى بريقُها على شركات النِّفْط الدولية — وهي بعيدة كلَّ البُعْد عن شركات النِّفْط القومية في روسيا وإيران وفنزويلا.

هوامش

(١) بتروليو برازيلييرو إس إيه.
(٢) أغلبية أسهم بتروبراز، إلى جانب حقوق التصويت، مملوكة للحكومة البرازيلية.
(٣) ٤ مليارات دولار أمريكي.
(٤) تعززت سمعة الشركة الدولية الخاصة بتقدُّمها التكنولوجي حين صارت أول شركة نفط تفوز بالموافقة التنظيمية الأمريكية لنشر منصات عائمة في خليج المكسيك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤