مقدمة المترجم
مثلما بدأ هذا الكتاب بالحديث عن روايتين («١٩٨٤» لجورج أورويل و«عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي) فسأبدأ هذه المقدمة القصيرة باقتباسٍ يستحق التأمل من رواية «كل رجال الملك» لروبرت وارين: «نهاية الإنسان هي المعرفة، لكن شيئًا واحدًا لا يمكنه أن يعرفه:
إنه لا يستطيع أن يعرف ما إذا كانت المعرفة ستنقذه أم أنها ستقتله. سيُقتل، نعم، لكنه لا يستطيع أن يعرف ما إذا كان قد قُتل بسبب المعرفة التي اكتسبها أم بسبب المعرفة التي لم يكتسبها، والتي كانت ستنقذه لو أنه عرفها.»
لكم الله معشر الأدباء!
«نهاية الإنسان هي المعرفة». هذا بالضبط ما يخشاه فرانسيس فوكوياما مؤلف هذا الكتاب من عواقب الثورة البيوتكنولوجية المعاصرة.
فوكوياما هو أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة جونز هوبكنز، وعضو مجلس الرئيس الأمريكي للأخلاقيات البيولوجية، وكان عضو الوفد الأمريكي في المباحثات المصرية الإسرائيلية حول الحكم الذاتي للفلسطينيين، ويعتبره البعض أكبر فلاسفة الاجتماع في أمريكا. ذاع صيته بعد أن نشر فكرته عن نهاية التاريخ في مقال له عام ١٩٨٩م، وظهرت موسعةً في كتابٍ عام ١٩٩١م، تنبأ فيه بعد انهيار الشيوعية وتحطيم سور برلين بنهاية التاريخ، لأن العالم يتحول نحو مجتمعات الرأسمالية الديمقراطية. لكنه عاد وتراجع بعد ما وُجِّه إلى فكرته من نقد، واعترف بأن نهاية التاريخ لا تأتي إلا بنهاية العلم، فاستأنف التاريخ مساره! يقول في الكتاب الذي بين يديك: «أبدًا لم نقترب من نهاية العلم، بل الحق أننا على ما يبدو نحيا في جوف مرحلة هائلة من التقدم في علوم الحياة.» ليس ثمة نهاية منظورة للعلم، لكن التاريخ — تاريخ الإنسان الذي نعرفه — قد ينتهي مع تقدم العلم الذي لن ينتهي! أثمة احتمال حقيقي في أن يتسبب هذا الفيض الغزير المتلاحق من المعارف الوراثية والبيولوجية في أن ينتهي جنس البشر ليظهر منا جنسٌ بشري جديد ينقلب علينا، فنفنى؟ «هل سنقتل المعرفة التي اكتسبناها؟»
•••
ربما كان من بين أهم ما يقوم به العلم أنه يُهمش دور الصدفة وأنه يختصر الزمن. قد لا ننتبه إلى هذا، لكن الإحساس به موجود في طبيعتنا البشرية. نحن نحب الصدفة ونخشاها في آنٍ، نحن نرهب السرعة ونهواها في آن، نحن نقف مع كل حادث جليل نتأمل ونتأرجح ما بين الحب والخوف … وربما كان هذان: الحب والخوف، هما الأخطر من بين كل «غرائز» الإنسان. قابلت زوجتك بالصدفة، أتتذكر؟ تركيبك الوراثي جاء عن لقاء حيوان منوي من بين ملايين ترافقه، ببويضة، ببويضة من بين آلاف. تركيبنا الوراثي كجنس بشري جاء مع الزمن، يحوِّره ويُبدله، حتى يطوِّعه للبيئة التي بها نحيا. إنما نحن صدفةٌ وزمان! وتهميش دور الصدفة واختصار الزمن إنما يصيبنا في صميمنا.
•••
عندما أُعلن عن استنساخ النعجة «دولِّي» في فبراير ١٩٩٧م، أذكر أنني أصبت بهلعٍ غريب كان هذا استجابة تلقائية دون إعمال فكر أو تحليل. ولقد حدثت مثل هذه الصدمة لمعظم الناس على ما أتصور. مضيت أحاول أن أعرف سبب في هذا الرفض المباشر في هذا الخوف الذي تملَّكني. يبدو أنني دون أن أدري قد أحسست بالصدفة وقد أُلغي دورها. لم يعد ثمة حيوان منوي شارد يلتقي بالصدفة ببويضة وحيدة تنتظر! ها كائنٌ حيٌّ راقٍ ولد وقد حُدِّدَ تركيبه الوراثي سلفًا، سُلِّمَ إليه جاهزًا، كمثل بكتيرةٍ أو نبات يتكاثر بالعقل. قَدَرٌ وراثي لكائنٍ قد انتقل كما هو إلى كائن آخر. شيء في «طبيعتنا البشرية» يكره أن يُهمش دور الصدفة في وجودنا. إننا نخشى ألا تغدو الصدفة أساسًا تقوم عليه حياتنا، لكنا في نفس الوقت نقبل أن يتم ذلك في كل العالم المادي من حولنا، نحتاجه ونسعى إليه ونطلب من العلم تأكيده لتسهيل حياتنا. للمادة غير الحية قوانينها التي تحكم بقاءها، ونحن بطبيعتنا لا نحب أن تنطبق هذه القوانين على جوهر حياتنا. نحن البشر أكبر من المادة التي منها صُنِعْنا. إن لنا جوهرًا يحب ويخاف ويأمل، ويسعى عامدًا — وحده من بين خلق الله — وراء المعرفة!
لكن وارين يقول إن «نهاية الإنسان هي المعرفة.»
عندما يناقش فرانسيس فوكوياما قضية استنساخ الإنسان في هذا الكتاب، نجده يرفضه رفضًا تامًّا دون أن يقدم، في الحق، أسبابًا مقنعة تدعم رأيه، وإنما ينتهي — بعد أن يستنزف قلمه يلوك براهين ركيكة يسهل دحضها — إلى أن معظم الناس ومعظم الدول ترفضه، ومن ثم يرى «أن الحظر الكامل الشامل هو الأمر الملائم هنا». وهو هنا على حقٍّ، في رأيي، ولكن هناك من المختصِّين من قد كتب وعالج هذه القضية بصورة أنضج كثيرًا.
•••
عندما هاجر الإنسان الأول في رحلاته الجسورة من أفريقيا ليعمر الأرض منذ نحو مائة ألف عام، وعبر سيناء حتى وصل أوروبا، لم يكن جِلْدُه أبيض، ولم يكن شعره أشقر، ولم تكن عيناه زرقاوين. كان داكن البشرة والشعر والعينين. كان متأقلمًا مع البيئة التي نشأ فيها بالقرن الأفريقي. ثم كان لمظهره أن يتغير ليتلاءم مع البيئة الجديدة. ولقد تم ذلك بالتدريج عبر آلاف الأجيال. والإنسان هو أقدر الكائنات على التكيف مع بيئته — كذا خلقه الله سبحانه وتعالى — بل وحتى على تحوير البيئة لتلائمه، ولقد طوَّرَ الإنسان تطوُّرَه نفسَه، فأصبح يورث منجزاته الحضارية، يستغني بها عن تحوير مادته الوراثية — أصبح إنسانًا «مزيدًا»: يبتكر الملابس مثلًا والمنازل، يستغني بها عن شعرٍ كثيف يحمي جسده من تقلُّبات الجو، بدلًا من تحوير مادته الوراثية الذي يحتاج إلى زمن طويل.
وبيئتنا تتغير الآن بمعدلٍ غير مسبوق، تغيرت بيئتنا فجأة وبعنف. منتجات العلم والتكنولوجيا قد حوَّرت وتحوِّر كل شيء من حولنا. إننا نحيا الآن بيئةً جديدة تمامًا لم تكن موجودة منذ قرنٍ مضى. فهل علينا أن نتحوَّر لنلائمها. هل سيلزم هنا أن يتحور «الذكاء» حتى يمكنه أن يتعامل لا مع الطبيعة كما خلقها الله، وإنما مع ما صنعه الإنسان؟ لكن هذا التحوير لا بد أن يكون سريعًا، بل وسريعًا جدًّا، فلقد أصبح التغير في «البيئة» أسرع بكثير من أن يلاحقه التطور الوراثي البطيء.
أمن الممكن أن نُسرِّع من التطور الوراثي؟ يُخشى أن الهندسة الوراثية قد تستطيع أن تفعل هذا، أن تختصر الزمن؛ زمن التطور، زمن التحور الوراثي! فيظهر معنا إنسان (فائق؟) كان المفروض أن يظهر بعد مئات أو آلاف السنين من التحور الطبيعي البطيء، إنسان آخر نحيا معه مثلما كان إنسان نيانديرتال الفنان يحيا مع البشر، نحيا معه بضعة أجيال ثم ننتهي — ينتهي الإنسان كما نعرفه — مثلما انقرض إنسان نيانديرتال منذ ثلاثين ألف عام، دون حربٍ على ما يبدو، أمام البشر، أو إذا أخذنا مثالًا أخف وطأة، نحيا معه ليعاملنا مثلما يعاملنا الآن ساسة الغرب، إذ يظنون أنهم «أسمى».
أم ترى سيتمكن الإنسان في مواجهة بيئته الجديدة من أن «يزيد» بثقافته إلى ذاته ما يُورث؟
•••
لأن فكرة تحسين الإنسان في عقول المفكرين من زمان طويل، عالجها أفلاطون ونيتشه وجالتون، وهي في جوهرها تعني ببساطةٍ أن هناك بشرًا أفضل من بشر، أفضل منهم وراثيًّا، وأنه من الممكن أن نصل إلى «السوبرمان»، الإنسان «الأكمل» — والكمال لله وحده.
في أوائل القرن الماضي انتشرت هذه الفكرة، نشرها فرانسيس جالتون وذاعت حتى ليعتنقها عدد لا يُصدق من كبار المفكرين والعلماء والأدباء والساسة. عمَّت هذه «الثورة» اليوجينية بدعوى تحسين حياة البشر بالقضاء على الفقر والمرض، ثم انتهت مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وكانت، لو استمرت، ستؤذِن مبكرًا بنهاية الإنسان. كانت «ثورةً» اختلط فيها الجهل بالتعصب بالحماقة، ثم بالوحشية. لم يكن العلماء يعرفون أنهم يجهلون، وظنوا أنهم إنما يعملون لخير البشر والبشرية.
إن هدف علماء الثورة البيوتكنولوجية المعاصرة هو أيضًا «القضاء على الفقر والمرض» نفس الهدف السامي لعلماء وخطباء الثورة اليوجينية. لكنا نعرف من التجارب المريرة الماضية أن الكثيرين من العلماء يتميزون بانعدام التبصر! ستطرق الثورة الجديدة الباب الخلفي لليوجينيا، لتكون معنا ثانية! ستُخصخَص اليوجينيا وتصبح ممارسة منزلية، يقوم بها رب البيت وفق ما يرى، لن تتدخل الدولة. مثلما حدث في ألمانيا النازية. ستقول التكنولوجيا الجديدة للمرأة إن الجنين الذي تحمله سيصاب بهذا المرض الوراثي أو ذاك، ثم تترك لها ولزوجها الحرية اليوجينية للتخلص إذا شاءا من الجنين. مراوِغةٌ هذه التكنولوجيا، تضعنا أمام مثل هذه الخيارات الصعبة.
لكن الهندسة الوراثية البشرية تعِد بأكثر من مجرد يوجينيا بسيطة كهذه نزيد فيها من نسل «الأفضل» ونقلل من نسل «الأسوأ» … ولو حتى بقتله! إنها تنفذ إلى داخل المادة الوراثية للفرد، تغيِّر فيها وتبدِّل لتكون نتائجها فورية. إنها قضية يوجينيا جديدة سُلِّحت بعلمٍ حديث متقدم. ومن عجبٍ ألَّا تحظى اليوجينيا بما تستحقه من معالجة في هذا الكتاب رغم أنها قضيته الحقيقية.
لكن، أيُّ صفات تلك التي سنحاول تغييرها لنصل إلى هذا الإنسان الجديد الذي يخشى فوكوياما أن يقضي علينا؟
الذكاء بلا شك!
الذكاء الذي يُمَكِّنُ من التعامل مع البيئة الجديدة التي صنعها ويصنعها التقدم العلمي المعلوماتي والبيوتكنولوجي. والذكاء صفة غاية في التعقيد، يصعب حتى تعريفها، وترتبط بالمخ؛ ذلك الجهاز المعقد الذي تعمل به نصف جينات الإنسان على الأقل. وهي بالضرورة صفة متعددة الجينات، تؤثر فيها آلاف الجينات. يعالج علماء الوراثة قضية وراثة صفة كهذه بمقياس إحصائي يسمى «العمق الوراثي»، وهذا على ما يبدو مفهوم مراوغ لدى غير المتخصصين وهو ببساطةٍ النسبة من التباين المظهري للصفة الكمية، التي ترجع إلى التباين في القيم الوراثية بين أفراد العشيرة. هو مقياس يختص بعشيرة بذاتها في بيئة معينة في زمن محدد. ولقد أساء كثير من غير الوراثيين تفهُّم هذا المقياس، وربما كان موراي وهيرنشتاين هما أسوأ من تفهَّموه في كتابهما الشهير «منحنى الجرس» … فأخذا متوسط تقديرات مختلفة للعمق الوراثي للذكاء، قِيست بطرق مختلفة بعشائر مختلفة في أزمان مختلفة، وقالا إنه ٦٠٪، ليؤكدا فكرتهما المسبقة بأن الفروق في الذكاء بين البيض والسود فروق وراثية، ومن ثم فهي «ثابتة». أقاما كتابهما الضخم على هذه الفكرة الخاطئة، ونسيا أن ارتفاع قيمة العمق الوراثي إلى هذا الحد إنما تعني أن الصفة لا بد أن تكون هامشية، فكلما ازدادت أهمية الصفة لبقاء الكائن الحي انخفض إسهام العوامل الوراثية في التباين بين الأفراد (هي في صفات الخصب مثلًا نحو ١-٢٪). فإذا ما كان الذكاء صفة هامة لبقاء الفرد كما يدعيان لتعزيز نظرتهما العنصرية، فكيف تكون له هذه القيمة المرتفعة (٦٠٪)؟
والواضح أن فوكوياما لم يستوعب هو الآخر هذا المفهوم، فبعد أن افترض أن العمق الوراثي لمعامل الذكاء هو ٥٠٪ (وهو للغرابة يعتبره منخفضًا!) نجده يقول: «الغذاء الأفضل والتعليم الأفضل والبيئة المأمونة والموارد الاقتصادية، كلها يمكن أن تسهم في رفع الخمسين بالمائة من معامل ذكاء الطفل الراجعة إلى البيئة.» هذه الجملة لا تعني إلا شيئًا واحدًا، وهو أنه لا يعرف معنى ما يقوله!
كيف للعلماء إذن أن يعثروا على كل هذا العدد الهائل من الجينات الذي يؤثر في معامل الذكاء، ويحددون هويتها ومواقعها، ثم يُجرون الجراحة الوراثية لنقله إلى جينوم هذا الإنسان «السوبر»؟ إن هذا ضربٌ من ضروب الخيال لن يتحقق يومًا. أبدًا لن يستطيع العلم أن يحوِّر مادة الإنسان الوراثية بحيث يحوله إلى هذا الذكي الفائق الذي يخشى فوكوياما أن تكون على يديه «نهاية الإنسان»! يا ليته اكتفى ﺑ «عواقب الثورة البيوتكنولوجية» عنوانًا للكتاب!
•••
القضية التي يعالجها، ببساطة، لا تستحق كل هذا العناء، ربما كان هذا الكتاب محاولة لتأكيد دوره كعضو بالمجلس الرئاسي الأمريكي للأخلاقيات البيولوجية! المشكلة التي يواجهها البشر ليست «نهاية الإنسان» وإنما هي «نهاية الإنسانية»، التي يمكن للبيوتكنولوجيا أن توقفها أو تحدَّ منها. إن ثلاثة بلايين من البشر يعيشون دون صرف صحي، إن بليونًا ونصف البليون لا تصلهم المياه النظيفة، إن بليونًا وربع البليون لا يجدون السكن الذي يليق بالآدمي. إن نصف بليون لا يتوفر له الحد الأدنى من الغذاء اليومي، إن ثلاثين أو أربعين ألف طفل يموتون يوميًّا بسبب سوء التغذية والأمراض … هكذا تقول تقارير الأمم المتحدة. أيُّ إنسان هذا الذي يجادل فوكوياما كي يحفظ كرامته البشرية؟ هل يتمتع هؤلاء جميعًا «بالكرامة البشرية» و«حقوق الإنسان»؟ هل طبيعتهم هي حقًّا «الطبيعة البشرية» التي يخشى عليها فوكوياما من الهندسة الوراثية؟ أليست الهندسة الوراثية في الزراعة والصناعة الصيدلية هي الأمل الكبير في تحسين أوضاع هؤلاء جميعًا وجعلهم بشرًا نخاف على بشريتهم ونخاف على «نهاية الإنسان» فيهم، أما يستحقون — كما يقول بيتر كونراد — أن يتذكرهم فوكوياما، في كتابه هذا ولو بفقرة؟ أم تُراهم عنده يمثِّلون إنسان نيانديرتال المعاصر أمام إنسان الغرب المتقدم صاحب العلم والتكنولوجيا؟ أم أن قضيته الحقيقية هي الخوف على «إنسان الغرب»، هذا الأفضل، من أن يخلفه إنسان آخر أذكى؟ ثم أتراه، وهو الذكي، يصدق هذا حقًّا؟
لكن الكتاب ممتع، يثير العديد من القضايا الجميلة التي تستحق أن يقرأها كل مثقف، وهو بلا شكٍّ وجبةٌ علمية وفكرية دسمة للقارئ العام. ولقد تمتعت أنا شخصيًّا بقراءته، وتمتعت بترجمته، وعرفتُ منه الكثير في مجالاتٍ خارج تخصصي.