الفصل الأول

قصة روايتين

لم تكن آلات التكنولوجيا وأجهزتها القادرة على القتل هي أخطر ما يهدد الإنسان. إن التهديد الفعلي كان دائمًا هو ما يصيب الإنسان في صميمه. قانون التأطير يهدد الإنسان عندما يُنكر عليه أن يطرق وحيًا أكثر إبداعًا ليُخبِر نداء حقيقةٍ أكثر عمقًا.

مارتين هايديجر: «القضية المتعلقة بالتكنولوجيا»

وُلدت عام ١٩٥٢م، في زحمة مواليد ما بعد الحرب العالمية الثانية. كان ثمة كتابان يُحددان المستقبل واحتمالاته المروعة لكل من نشأ مثلي في العقود الوسطى من القرن العشرين: كتاب «١٩٨٤» لجورج أورويل (الذي نُشر لأول مرة عام ١٩٤٩م) وكتاب «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي (الذي نُشر عام ١٩٣٢م).

كان ما يتنبأ به الكتابان عن المستقبل أكبر بكثير مما أدرك الناسُ آنئذٍ، فقد ارتكز كلٌّ منهما على تكنولوجيتَين مختلفتَين كان لهما أن يبرزا فيما بعدُ وأن يُشكِّلا العالم عبر الجيلين التاليين. كانت رواية «١٩٨٤» تدور حول ما نسميه الآن تكنولوجيا المعلومات. كان السبب الرئيسي لنجاح الإمبراطورية الاستبدادية الواسعة التي أقيمت في أوشيانيا هو جهازٌ يسمى «تيليسكرين»، وهو لوحة مسطحة بحجم الحائط يمكنها أن تُرسل وتستقبل في نفس الوقت صورًا من منزل كل أسرة إلى «الأخ الأكبر». كانت هذه اللوحة هي التي سمَحَتْ بالمركزة الواسعة للحياة الاجتماعية تحت حكم «وزارة الحقيقة» و«وزارة الحب»، إذ مكنت الحكومة من أن تُلغي الخصوصية، بمراقبة كل كلمةٍ وكل فعلٍ عن طريق شبكة هائلة من الأسلاك.

أما كتاب «عالم جديد شجاع» فيعالج الثورة التكنولوجية الثانية الكبرى التي كانت على وشك الحلول، فلقد كان ما أعطى هذه الرواية ذلك الجو المروع الذي ميَّزها هو: تفريخ البشر خارج الرحم، أو خارج الجسم الحي كما نقول الآن، وعقار «الصوما» الذي يمنح الناس سعادةً فورية، وتلك «المحَسَّات» التي يُحَاكَى بها الشعور باستخدام لاحبٍ (إلكترود) يُغْرَسُ في الجسم، ثم تحوير السلوك عن طريق تكرير مستمر ضعيف، أضعف من أن يُدرَك، فإذا لم ينجح استُخدمت هرمونات اصطناعية مختلفة.

بعد أن مضى أكثر من نصف قرن على نشر هذين الكتابين، يمكننا الآن أن نقول إنه على الرغم من أن التنبؤات التكنولوجية بهما كانت دقيقةً إلى حدٍّ مفزع، فإن التنبؤات السياسية للكتاب الأول (١٩٨٤) كانت خاطئةً تمامًا، فلقد حلَّ عام ١٩٨٤م ومضى والولايات المتحدة لا تزال منهمكة في صراع حرب باردة مع الاتحاد السوفييتي. ولقد شهد ذلك العام ظهور نموذج جديد من الكمبيوتر الشخصي لشركة آي بي إم، وبداية ما قد أصبح ثورة الكمبيوتر الشخصي. والحق أن الكمبيوتر الشخصي المرتبط بالإنترنت، كما زعم بيتر هوبر، كان هو التحقيق العملي لتليسكرين أورويل، سوى أنه لم يصبح أداةً للمركزية والاستبداد، إنما قاد إلى عكس ذلك تمامًا: دَقْرَطَة الوصول إلى المعلومات وإبطال المركزية السياسية، فبدلًا من الأخ الأكبر يراقب كل شخص، أصبح للناس أن يستخدموا الكمبيوتر الشخصي والإنترنت في مراقبة الأخ الأكبر بعد أن أُجبرت الحكومات في كل مكان على أن تنشر بيانات أكثر عن أنشطتها هي.

وفي خلال خمس سنين انهارَ الاتحاد السوفييتي وإمبراطوريته في سلسلة من الوقائع الدرامية؛ وقائع، لو أنها حدثت في الأزمنة السابقة لبدت كرواية خيالٍ علمي سياسية. اختفى التهديد الدكتاتوري الذي أثاره أورويل وأبدع في صياغته، ليكتشف الناس بسرعة أن هاتين الواقعتين ليستا منفصلتين: واقعة انهيار إمبراطوريات الاستبداد وواقعة ظهور الكمبيوتر الشخصي — بجانب صور أخرى من تكنولوجيا المعلومات الرخيصة الثمن، بدءًا من التلفزيون والراديو حتى الفاكس والبريد الإلكتروني. يرتكز حكم الاستبداد على قدرته على استمرار احتكاره للمعلومات، فلما أن جعلت تكنولوجيا المعلومات من هذا أمرًا مستحيلًا، تقوضت سلطة الحكم.

أما البصيرة السياسية للرواية الكبيرة الأخرى (عالم جديد شجاع) فلا تزال تنتظر التقييم. لقد تحقق الكثير مما تصوره هكسلي من تكنولوجيات، والبعض الآخر في سبيله إلى التحقق: الإخصاب خارج الرحم، الأمهات البديلة، العقاقير التي تعمل على العقل، الهندسة الوراثية لتصنيع الأطفال، لكن هذه الثورة لا تزال في بدايتها، وفيض البلاغات عن الفتوحات الجديدة في التكنولوجيا البيوطبية وإنجازاتها (مثل الانتهاء من مشروع الجينوم البشري عام ٢٠٠٠م) إنما ينذر بتغيُّرات أكثر خطورة.

إذا تأملنا ما أثاره الكتابان من كوابيس مروِّعة، فسيبرز عندي دائمًا «عالم جديد شجاع» على أنه الأكثر حذقًا والأكثر تحديًا. يسهل أن نعرف موطن الخطأ في عالم «١٩٨٤»: فبطل الرواية وينستون سميث معروف بكرهه الشديد للفئران، وعلى هذا اخترع الأخ الأكبر قفصًا يمكن فيه للفئران أن تعضَّ وَجْهَ هذا البطل حتى يفشي سر حبيبته. هذا عالم حُكْمِ الطغاة الكلاسيكي وقد عززته التكنولوجيا، لكنه لا يختلف كثيرًا عما رأيناه وعرفناه من فواجع بالتاريخ البشري.

أما في «عالم جديد شجاع» فلا يظهر الشر بمثل هذا الوضوح. لا أحد يُصيبه أذًى. فالواقع أن هذا عالم يحصل فيه كل فرد على ما يريده، وكما قالها واحد من شخصيات الرواية: أدرك المتحكمون أن القوة لا تُجدي، وأنه من الممكن إغراء الناس لا إجبارهم على الحياة في مجتمعٍ منظَّم. انمحى في هذا العالم المرض والصراع الاجتماعي، ولم يعد هناك اكتئابٌ أو جنون أو وحشة أو كربٌ عاطفي. الجنس طيبٌ ومتاح بسهولة، بل وهناك بالحكومة وزارة تضمن أن تكون الفترة ما بين ظهور الرغبة وإشباعها أقصر ما يمكن. لم يعد ثمة من يأخذ الدين مأخذ الجد، لم يعد من يستبطن أفكاره أو تعذِّبه أشواق، أُلغيت العائلة البيولوجية، لم يعد من يقرأ شكسبير. ثم إن أحدًا لم يعد يفتقد هذه الأشياء (باستثناء جون الهمجي، بطل الرواية)، فالكل سعيدٌ يتمتع بالصحة.

ربما كتب طلبة المدارس الثانوية، منذ ظهرت الرواية، بضعة ملايين من المقالات تجيب على السؤال ما هو الشيء الخطأ في هذه الصورة؟ كانت الإجابة (التي تحملها على الأقل، أفضلُ المقالات) تقول عادةً شيئًا كالتالي: قد يكون الناس في عالم جديد شجاع سعداء وفي صحة جيدة، لكنهم لم يعودوا بشرًا. هم لا يكافحون لا يطمحون لا يحبون لا يتألمون أو يتصدَّون لخيارات أخلاقية صعبة، هم لا يعرفون العائلة، ولا هم يمارسون تلك الأشياء التي نربطها تقليديًّا ببشريتنا. لقد فقدوا الصفات التي تُضفي علينا الجلال، جلال البشرية. والحق أنه لم يعد ما يُسمى السلالة البشرية، فلقد قام السادة المتحكمون بتربية الناس في فئات منفصلة، ألف وباء وجيم ودال فئات بينها من الاختلاف أكثر مما بين البشر والحيوان. لقد غدا عالمهم غَيْرَ طبيعي بأعمق معنى يمكن تخيله، فقد حُوِّرَتْ فيه الطبيعة البشرية. وكما يقول ليون كاس عالم الأخلاقيات البيولوجية: على خلاف الإنسان يقهره المرضُ أو العبودية، فإن من نُزِعَتْ بشريتهم على طريقة «عالم جديد شجاع»، ليسوا تعساء. هم لا يعرفون أنهم قد جُرِّدوا من الإنسانية، أما الأسوأ فهو أنهم لن يعيروا الأمر اهتمامًا إذا هم عرفوا. هم في الحق عبيد، سعداء سعادة الرقيق.

مثل هذا النوع من الإجابة عادةً ما يكون كافيًا لإرضاء المدرس الإنجليزي النمطي بالمدرسة الثانوية، لكنه لا يتعمق الأمرَ بالعمق الكافي (كما يلاحظ كاس، لَمَّا يستطرد)؛ ذلك أنك قد تمضي لتسأل: تُرى ما هو ذلك الشيء المهم في أن نكون بشرًا على الطريقة التقليدية التي حددها هكسلي؟ الجنس البشري الحالي، على أية حال، هو نتيجةُ عمليةٍ تطورية استمرت بلايين السنين، وستستمر طويلًا في المستقبل، إذا أُوتي الحظ. ليس ثمة خصائص بشرية ثابتةٌ، اللهم إلا القدرة العامة على أن نختار ما نود أن نكونه، أن نُحور من أنفسنا وفقًا لرغباتنا. من يستطيع إذن أن يقول لنا إن بشريتنا أو نبالتنا تعني الالتزام بمجموعة من استجابات عاطفية ليست سوى نتائج عرَضية لتاريخنا التطوري؟ ليس ثمة ما يُسمى العائلة البيولوجية، وليس ثمة طبيعة بشرية أو إنسان طبيعي، وحتى لو كان ثمة، فلماذا يلزم أن يكون هذا هو دليلنا إلى ما هو حقٌّ وما هو عدل؟ إن ما يقوله هكسلي في الواقع هو أن نمضي في التألم والاكتئاب والوحدة والمعاناة من الأمراض الموهنة؛ لا لسببٍ إلا أن هذا هو ما كان عليه أجدادنا. أثمة من يُنتخَبُ للكونجرس إذا هو قَدَّم برنامجًا كهذا؟ ما بالنا لا نقبل ببساطةٍ قدرنا ككائنات تحوِّر نفسها، بدلًا من أن نأخذ هذه الخصائص ونزعم أنها أساس «النبالة البشرية»؟

يقترح هكسلي أن الدِّين يُشكل مرجعًا عند وضع تعريفٍ لما يعنيه أن نكون بشرًا. أُلغي الدين في رواية «عالم جديد شجاع»، وأصبحت المسيحية شيئًا من ذكريات الماضي. تقول التقاليد المسيحية إن الإنسان قد خُلق على صورة الإله. وهذا هو مصدر الجلال البشري. إزالة الإنسان — كما يقول كاتب مسيحي آخر هو سي إس لويس — باستخدام البيوتكنولوجيا ليس إذن سوى انتهاك لمشيئة الرب. لكني لا أظن أن القراءة المتمعِّنة لهكسلي أو لويس ستقود إلى القول بأن أيًّا من هذين الكاتبين كان يعتقد أن الدين هو الأساس الأوحد الذي يمكن عليه أن نفهم معنى أن نكون بشرًا. يقترح الكاتبان كلاهما أن للطبيعة نفسها والطبيعة البشرية بالذات، دورًا خاصًّا في تحديد ما هو الصواب وما هو الخطأ، ما هو العدل وما هو الظلم، ما هو المهم وما هو غير المهم. وعلى هذا فإن حكمنا النهائي عما هو خطأ في عالم هكسلي الجديد الشجاع سيختلف باختلاف نظرتنا إلى أهمية الطبيعة البشرية كمرجع للقيم.

الهدف من هذا الكتاب هو أن أبيِّن أن هكسلي كان على حق، وأن أخطر ما تُهددنا به البيوتكنولوجيا المعاصرة هو احتمال أن تُغَيِّر الطبيعة البشرية، ومن ثم تدفع بنا إلى مرحلة ما بعد البشرية من التاريخ. أقول إن هذا أمر مهم، لأن الطبيعة البشرية موجودة، هي مفهوم ذو مغزًى، وفَّر استمراريةً وطيدةً لخبرتنا كجنس. الطبيعة البشرية مع الدين هما ما يحدد أهم قيمنا الأساسية. الطبيعة البشرية تُشكل وتُقَيِّدُ الصور المحتملة للنظم السياسية؛ لذا فإن أي تكنولوجيا لها القدرة على إعادة تشكيل ما نَكُونُه، ستقود إلى عواقب وخيمة بالنسبة للديمقراطية الليبرالية وبالنسبة لطبيعة السياسة ذاتها.

ولقد نفاجأ في نهاية المطاف، مثلما حدث مع رواية «١٩٨٤»، بأن نتائج البيوتكنولوجيا حميدة للغاية، وأننا قد أخطأنا إذ جعلناها تقضُّ مضاجعنا. ولقد يتضح في آخر الأمر أن قدرة التكنولوجيا أقل مما يبدو لنا اليوم، أو أن تطبيقاتها — عندما تُطبَّق — ستتَّسم بالاعتدال والحذر. لكن هناك من بين أسباب عدم تفاؤلي حقيقة أن البيوتكنولوجيا — على عكس الكثير غيرها من التقدمات العلمية — تمزج في حزمةٍ واحدة مناقب صريحةً بمثالب خبيثة بحيث يصعب التمييز بينهما.

عُرف من البداية أن الأسلحة النووية والطاقة النووية أمور خطرةٌ، وعلى هذا فقد خضعت لقوانين صارمة من اللحظة التي تمكَّن فيها مشروع مانهاتن من إنتاج القنبلة الذرية عام ١٩٤٥م. أحس مراقبون، مثل بيل جوي، بالانزعاج من النانوتكنولوجيا — وهذه آلات، تُبنى بمقاييس جزيئية، يمكنها أن تنسخ نفسَها وأن تُكاثر نفسها دون رابط، لتدمِّر مبدعيها. لكن الواقع أن مثل هذه التهديدات هي الأسهل في المعالجة، لأنها واضحة للغاية. فإذا كان من المحتمل أن تقتلك الآلة التي تُبدعها، فستتخذ الإجراءات لحماية نفسك. ولدينا حتى الآن سجلٌّ معقول يقول إننا نستطيع أن نتحكم في آلاتنا.

وقد تكون من بين منتجات البيوتكنولوجيا منتجات — كهذه — لها مخاطر واضحة على الجنس البشري: بكتيريا مؤذية للغاية، مثلًا، أو فيروسات جديدة، أو أغذية محورة وراثيًّا تسبِّب تفاعلات سامة. سيكون من السهل التصدي لهذه، تمامًا مثلما هو الأمر مع الأسلحة النووية والنانوتكنولوجيا، ذلك أنَّا إذا ما وَسَمْناها بالخطورة، ففي مقدورنا أن نعاملها على أنها خطر صريح. من ناحية أخرى، فإن التهديدات الأكثر نمطية التي تثيرها البيوتكنولوجيا هي تلك التي تمكَّن منها هكسلي باقتدار، والتي يلخصها عنوان مقالٍ كتبه توم وولف: «آسف، لكن روحك قد ماتت». تُقَدِّمُ لنا التكنولوجيا الطبية، في حالات كثيرة، صفقة الشيطان: حياة أطول، ولكن بقدرات ذهنية منقوصة؛ تحررًا من الاكتئاب ومعه تحرر من الإبداع والروح؛ علاجات تُضَبِّبُ الخط الفاصل بين ما ننجزه بأنفسنا دون مساعدة، وبين ما ننجزه بسبب مستويات مواد كيماوية مختلفة في مخاخنا.

تأمَّل السيناريوهات الثلاثة التالية، وكلها احتمالات واضحة قد تتكشف خلال جيل أو اثنين. السيناريو الأول يختص بالعقاقير الجديدة: اكتشف السيكولوجيون — كنتيجة لما حدث من تقدُّم في علم عقاقير الأعصاب — أن شخصية الإنسان مرنةٌ أكثر مما كان يُظن. من المعروف الآن أن العقاقير التي تؤثر في العقل، مثل البروزاك والريتالين، يمكنها أن تؤثر في صفات مثل احترام الذات والقدرة على التركيز. لكنها قد تتسبب في العديد من الآثار الجانبية غير المرغوبة، ومن ثم يلزم تجنُّبها إلا في حالات الضرورة العلاجية الواضحة. لكن المعارف عن الجينوم ستسمح لشركات الأدوية في المستقبل بأن تقوم بتحضير عقاقير توافق تحديدًا التركيب الوراثي لكل مريض فرد، وتقلل كثيرًا من الآثار الجانبية غير المقصودة: متبلد الحس يصبح مفعمًا بالحيوية، الانطوائي يصبح انبساطيًّا. يمكنك أن تتخذ شخصيةً يوم الأربعاء، وأخرى مختلفة يوم الجمعة. لم يعد ثمة من سببٍ لأن تكون مكتئبًا أو حزينًا. بل وسيمكن حتى للسعداء بطبيعتهم من الناس أن يجعلوا أنفسهم أكثر سعادةً دون خوفٍ من إدمان أو إسراف في الشرب أو فساد في المخ طويل الأمد.

أما السيناريو الثاني فيختصُّ بالتقدم في بحوث الخلايا الجذعية، التقدم الذي سيسمح للعلماء عمليًّا بتجديد كل أنسجة الجسم، مما سيدفع بالأجل المتوقَّع للفرد إلى سنٍّ تفوق المائة عام بكثير. فإذا كنت في حاجة إلى قلب جديد أو كبد جديد، فما عليك إلا أن تُنَمِّي هذا العضو داخل التجويف الصدري لخنزير أو بقرة. ثم إن هذا التقدم سيجعل من الممكن إصلاح ما فسد في المخ بسبب مرض الألزهايمر أو السكتة الدماغية. والمشكلة الوحيدة هي أن صناعة البيوتكنولوجيا لم تتمكن بعدُ من اكتشاف طرق تقويم الكثير من الأمور الدقيقة في شيخوخة الإنسان، والبعض من الأمور الأقل دقة: فمع تقدُّم العمر يصبح الناس — ذهنيًّا — غايةً في الصلابة، وتثبُت آراؤهم، ثم إنهم لا يستطيعون مهما حاولوا أن يجعلوا أنفسهم جذابين جنسيًّا لأقرانهم، بل يشتهون الرفيق أو الرفيقة من العمر الخصب. والأسوأ أنهم يرفضون أن يفسحوا الطريق، ليس فقط لأبنائهم، بل أيضًا لأحفادهم وأبناء أحفادهم. غير أن قلةً فقط من هؤلاء الناس هم من يُنجبون، أو تكون لهم علاقة بالتكاثر التقليدي، بحيث يبدو هذا الأمر أتفه من أن يهمَّ.

وأما السيناريو الثالث فيقوم فيه الأثرياء بفرز الأجنَّة قبل أن تُزرع في الرحم، كي يولد أطفالهم وهم أقرب ما يكون إلى الكمال. أنت تستطيع أن تدرك — أكثر وأكثر — الخلفية الاجتماعية للشاب من طلعة وجهه وذكائه؛ إذا لم يبلغ الشخص آماله الاجتماعية، فلن يُلقي باللوم على نفسه وإنما على الخيارات الوراثية السيئة لأبويه. نُقلت جينات بشرية إلى حيوانات، بل وإلى نباتات، وذلك لأغراضٍ بحثية ولإنتاج منتجات طبية جديدة؛ أضيفت جينات حيوانية إلى بعض الأجنَّة بهدف زيادة قدراتها الجسدية أو مقاومتها للأمراض. لم يجرؤ العلماء على إنتاج «كَيْميرا» كاملة نصف بشر ونصف قرد، رغم أن ذلك في استطاعتهم؛ ثم إن الشباب قد بدأوا يتوهمون أن زملاءهم الأسوأ أثناء الدراسة ليسوا في الواقع بشرًا كاملين من الناحية الوراثية لأنهم في الواقع ليسوا كذلك.

آسف، لكن روحك قد ماتت.

قرب نهاية حياته، كتب توماس جيفرسون يقول: إن الانتشار الواسع لضوء العلم قد وضع الآن الحقيقة واضحةً أمام كل عين؛ إن الجماهير الغفيرة من الناس لم تُولد وعلى ظَهْرِ كلٍّ منهم سرْجٌ، لا ولم تُولَد القلةُ الممَيَّزَةُ وفي قَدَمِ كلٍّ منهم حذاء طويل الرقبة ومِهْمَاز، متأهِّبين شرعًا — بفضل الله — لركوب الآخرين. المساواة السياسية التي تضَمَّنَها إعلان الاستقلال ترتكز على الواقع التجريبي للمساواة الطبيعية بين البشر. إنَّا نتباين كثيرًا كأفراد كما نتباين بالثقافة، لكنا نشترك جميعًا في صفات بشرية شائعة بيننا؛ صفات تُمَكِّنُ كل فرد — عمليًّا — من أن يتصل بكل إنسان آخر على وجه البسيطة وأن يدخل معه في علاقة معنوية. والسؤال الجوهري الذي تثيره البيوتكنولوجيا هو الآتي: ماذا سيحدث للحقوق السياسية إذا تمَكَّنَّا بالفعل من أن نُرَبِّي أُناسًا على ظهورهم السرج وآخرين بحذاء ومِهْمَاز؟

حلٌّ مباشر

ما الذي يجب أن نقوم به إزاء البيوتكنولوجيا التي ستمزج، في المزايا المحتملة الهائلة بتهديدات قد تكون بدنيةً وواضحة أو روحيةً وخفِية؟ الإجابة واضحةٌ: علينا أن نلجأ إلى سلطة الدولة لتنظيمها. فإذا ما اتضح أن هذا يفوق قدرة أية دولة بمفردها، فلا بد أن يكون التنظيم على المستوى الدولي. علينا من الآن أن نبدأ التفكير بشكل واقعي حول الطريقة التي نُقيم بها مؤسسات قادرة على أن تُميز بين الاستخدام الطيب والاستخدام الخبيث للبيوتكنولوجيا، وأن نفرض وبشكلٍ فعليٍّ قوانين وطنيةً وقوانين دولية.

هذه الإجابة الواضحة ليست واضحةً للكثيرين من المشتركين في الجدل الحالي حول البيوتكنولوجيا. مناخ الجدل لا يزال في مستوًى تجريدي حول أخلاقيات بعض الإجراءات: الاستنساخ مثلًا أو بحوث الخلايا الجذعية، وانقسم المشتركون إلى معسكرَين؛ واحد يود أن يسمح بكل شيء، وآخر يود أن يحظر مجالات واسعة من البحث والتطبيق. والجدل الأعرض لا شك هام، غير أن الوقائع تتسارع، حتى إنا سنحتاج عاجلًا إلى توجيهٍ عمليٍّ أكثر بشأن الطريقة التي يمكن بها أن نوجه التطويرات في المستقبل، بحيث تظل التكنولوجيا خادمًا للإنسان لا سيِّدًا له. ولما كان من المستبعد على ما يبدو أن نسمح بكل شيء أو أن نحظر بحوثًا واعدةً للغاية، فإن علينا أن نبحث عن حلٍّ وسط.

لا يجب أن نأخذ بخفةٍ أمر إنشاء مؤسسات تنظيمية جديدة بعد ما رأيناه من اللافعالية التي تحيط بكل محاولات التنظيم. قامت على اتساع العالم في العقود الثلاثة الأخيرة حركةٌ جديرة بالثناء لفكِّ تنظيم قطاعات عريضة من اقتصاديات كل الأمم — من خطوط الطيران إلى الاتصالات السلكية واللاسلكية، أو بشكل أعم لتقليص حجم الحكومة ومجالاتها، وكان من نتائج هذا أن ظهر اقتصادٌ كونيٌّ أكثر توليدًا للثروة وأكفأ كثيرًا. تسَبَّب فيض القوانين في الماضي في أن يصبح الكثيرون معادين تلقائيًّا لتدخل الدولة بأية صورة. سيكون هذا النفور من القوانين، عقبةً من أكبر العقبات أمام وضع البيوتكنولوجيا البشرية تحت السيطرة السياسية.

لكن المهم هنا أن نُحْسِنَ التمييز: إن ما يصلح لقطاعٍ من الاقتصاد لن يصلح لآخر. تكنولوجيا المعلومات على سبيل المثال تقدِّم الكثير من المنافع الاجتماعية والقليل نسبيًّا من الأضرار؛ لذا فقد تمتَّعت، كما يجب، بقدرٍ غاية في الضآلة من التنظيم الحكومي. أما المواد النووية والنفايات السامة فتخضع لتحكمٍ صارم وطني ودولي، لأن التجارة غير المنظمة فيها ستكون واضحة الخطورة.

ثمة نظرةٌ شاعت تقول إنه من المستحيل أن نوقف التقدم التكنولوجي حتى لو رغبنا في ذلك. ستكون هذه النظرة من بين أكبر مشاكل عَرْضِ قضية تنظيم البيوتكنولوجيا البشرية. إذا حاولت الولايات المتحدة أو أية دولة مفردة أخرى، أن تحظر استنساخ الإنسان أو هندسة الخط الجرثومي وراثيًّا، أو غير هذه من إجراءات، ففي مقدور كل من يريد أن يقوم بها أن يتحرك إلى دولة أخرى تسمح بإجرائها. التكريض والمنافسة الدولية في البحوث البيوطبية تضمن أن تُعاقَب الدول التي تُقَيِّدُ نفسَها بوضع العقبات الأخلاقية أمام مجتمعاتها العلمية أو صناعاتها البيوتكنولوجية.

أما فكرةُ استحالة وقف تقدم التكنولوجيا أو التحكم فيها، فهي ببساطة فكرةٌ خاطئة، لأسباب سأُفصِّلها في الفصل العاشر من هذا الكتاب. فالحق أننا نتحكم في كل أشكال التكنولوجيات والكثير من أنماط البحث العلمي: لم يعُد العلماء أحرارًا في إجراء تجارب لتطوير أسلحة بيولوجية جديدة، بأكثر من حريتهم في التجريب على البشر دون موافقتهم العارفة. صحيح أن بعض الأفراد أو المنظمات يعتدون على القوانين، وأن هناك دولًا لا توجد بها القوانين أو هي لا تُنَفِّذها بالصرامة اللازمة، لكن هذا ليس سببًا في ألا تُسَنَّ القوانين من أصله. الناس يسرقون ويقتلون على أية حال، وهذا ليس سببًا لإباحة السرقة والقتل.

نريد أن نتجنب، بأي ثمن، موقفًا انهزاميًّا فيما يتعلق بالتكنولوجيا يقول إنه لما كُنَّا لا نستطيع أن نفعل شيئًا لإيقاف أو صياغة التطويرات التي لا نُحبها، فليس من سببٍ يدعونا لأن نقوم بالمحاولة من أصله. لن يكون من السهل أن نُشغِّل نَسَقًا تنظيميًّا يسمح للمجتمعات بالتحكم في البيوتكنولوجيا البشرية: الأمر يتطلب أن يقوم المشرعون في دول العالم باتخاذ قرارات صعبة في قضايا علمية معقدة. أما شكل وصورة المؤسسات التي ستنشأ لتنفيذ القوانين الجديدة فلا يزال قضية مفتوحةً على مصراعيها. إن التحدي الكبير هو أن تُصمَّم بحيث تكون أقل ما يمكن تعويقًا للتطويرات الإيجابية، وبحيث يكون لها في نفس الوقت قدرات تنفيذية فعالة. أما التحدي الأكبر فسيكون هو وضع قوانين عامة على مستوًى دولي، والوصول إلى اتفاق جماعي في الرأي بشأنها بين دولٍ ذات ثقافات مختلفة ورؤًى متباينة بالنسبة للقضايا الأخلاقية الأساسية. لكنا نعرف أن مهماتٍ سياسيةً كهذه معقدة قد أُنجزت في الماضي بنجاح.

البيوتكنولوجيا واستئناف التاريخ

الكثير من المناقشات التي تدور حاليًّا حول البيوتكنولوجيا — في قضايا كالاستنساخ وبحوث الخلايا الجذعية وهندسة الخط الجرثومي — تجرى بين المجتمع العلمي وبين مجتمعات ذات التزام ديني. وهذا الاستقطاب في رأيي أمرٌ يؤسَف له؛ إذ يقود الكثيرين إلى الاعتقاد بأن السبب الأوحد للاعتراض على أي تقدم تكنولوجي هو العقيدة الدينية. لقد سُحبت البيوتكنولوجيا في الولايات المتحدة بالذات إلى ساحة الجدل حول الإجهاض؛ ويشعر الكثيرون أن تقدمًا ذا قيمة قد أُوقف إذعانًا لعدد قليل من المتعصبين المناهضين للإجهاض.

أعتقد أنه من المهم أن نَحذر ابتكاراتٍ معينة في البيوتكنولوجيا لأسباب لا تتعلق بالدين. يمكنني أن أُسمي القضية التي سأطرحها هنا قضية أرسطية، لا لأنني أرجع فيها إلى أرسطو كفيلسوف، وإنما لأنني أتخذ من أسلوبه في الجدل الفلسفي المنطقي حول السياسة والطبيعة نموذجًا لما آمُل الوصول إليه.

جادل أرسطو في الواقع بأن الأفكار البشرية عن الصواب والخطأ — أو ما نسميه اليوم حقوق الإنسان — ترتكز في نهاية الأمر على الطبيعة البشرية؛ نعني أنه ما لم نتفهم كيف تتوافق الرغبات الطبيعية والأهداف والصفات والسلوك جميعًا في كلٍّ بشريٍّ تام، فإنا لا نستطيع أن نفهم غايات الإنسان أو نتخذ أحكامًا حول الصواب والخطأ، الطيب والخبيث، العدل والظلم. اعتقد أرسطو مثل الكثير من النفعيين الجدد — أن الطيب يحدده ما يرغب فيه الناس؛ لكن، بينما يسعى النفعيون إلى اختزال غايات الإنسان إلى مؤشر بسيط شائع، مثل تخفيف الآلام أو تعظيم السعادة، فقد كانت لأرسطو نظرةٌ مركَّبة متدرِّجة عن تنوع وعظَمة الغايات البشرية. كان هدف فلسفته هو محاولة تمييز الطبيعي من العُرْفي، والترتيب المنطقي لما هو طيب للبشر.

ابتدأ أرسطو — وسقراط وأفلاطون من قبله — ديالوجًا حول الطبيعة البشرية، ديالوجًا استمر في التعاليم الغربية حتى بدايات الفترة المعاصرة عندما وُلدت الديمقراطية الليبرالية. كانت ثمة معارضات ذات شأن حول ما تعنيه الطبيعة البشرية، إلا أن أحدًا لم يشكَّ في أهميتها كأساسٍ للصواب والعدل. كان المؤسسون الأوائل لأمريكا من بين من آمن بالحق الطبيعي، فقد بنوا عليه ثورتهم ضد التاج البريطاني. ومع ذلك، فقد ظل المفهوم غير مستحب بين الفلاسفة الأكاديميين والمفكرين خلال القرن أو القرنين الماضيين.

وكما سنرى في الجزء الثاني من هذا الكتاب، فإنني أعتقد أن هذا كان خطأ، وأن أيَّ تعريف ذي معنًى للحقوق لا بد أن يرتكز على أحكامٍ تليدةٍ عن الطبيعة البشرية. بدأت البيولوجيا الحديثة أخيرًا تقدِّم محتوًى تجريبيًّا ذا معنًى لمفهوم الطبيعة البشرية، في نفس الوقت الذي بدأت فيه الثورة البيوتكنولوجية تهدِّد بأن تسحب طاس خمرها بعيدًا.

أيًّا كان ما يراه الفلاسفة الأكاديميون وعلماء الاجتماع عن مفهوم الطبيعة البشرية، فلقد كانت لحقيقة وجود طبيعة بشرية راسخة عبر التاريخ البشري عواقب سياسية هائلة. وكما أدرك أرسطو وكلُّ منظِّرٍ جادٍّ للطبيعة البشرية، فإن البشر بطبيعتهم حيوانات ثقافية؛ نعني أنهم يستطيعون أن يتعلموا من الخبرة وأن ينقلوا ما تعلَّموه إلى سُلَّانهم عن غير طريق الوراثة. من هنا فإن دور الطبيعة البشرية في سلوك الإنسان ليس تحديديًّا ضيقًا، وإنما يقود إلى تباينٍ ضخم في الطريقة التي يُربي بها الناسُ أطفالهم، ويتحكمون في أنفسهم، ويوفرون الموارد وما شابه. إن المجهودات البشرية المتواصلة لتحوير الذات ثقافيًّا هي ما أدى إلى التاريخ البشري وإلى النمو المتصاعد في تعقيد وحنكة المؤسسات البشرية عبر الزمن.

قادت حقيقة التقدم والتطور الثقافي الكثيرين من المفكرين المعاصرين إلى الاعتقاد بأن الإنسان مرن مرونةً لا تُحدُّ — نعني أنه من الممكن للبنية الاجتماعية أن تشكِّل سلوكه في أي اتجاه. من هنا بدأ التحيز المعاصر ضد مفهوم الطبيعة البشرية — الكثيرون ممن يؤمنون بالبنية الاجتماعية للسلوك الإنساني لديهم بواعثُ خفيةٌ قوية: هم يأملون أن يستخدموا الهندسة الاجتماعية في تخليق مجتمعات عادلة أو منصفة تبعًا لمبدأٍ إيديولوجي تجريدي. فبدءًا من الثورة الفرنسية، زلزلت العالم سلسلة من الحركات السياسية اليوتوبية تنشد إقامة جنة على الأرض عن طريق إعادة ترتيب جذرية لأكثر مؤسسات المجتمع أهمية؛ العائلة، إلى الملكية الخاصة إلى الدولة. تُوِّجت هذه الحركات في القرن العشرين بالثورات الاشتراكية التي قامت في روسيا والصين وكوبا وكمبوديا وغيرها.

وعلى نهاية القرن كانت كل هذه التجارب وقد سقطت — كلها تقريبًا، وبدأت في مكانها المساعي لتخليق أو استعادة ديمقراطيات ليبرالية عصرية إنما أقل راديكاليةً من الناحية السياسية. ثمة سببٌ هامٌّ لهذا التحول العالمي نحو الديمقراطية الليبرالية، سبب يتعلق بثبات الطبيعة البشرية. السلوك البشري مرن حقًّا ومتنوع، لكن ذلك ليس بلا حدود، فعند نقطة معينة، تُعيد الغرائز وأنماط السلوك الطبيعية المتجذرة، تُعيد إثبات وجودها لتقوِّض أفضل ما صمَّمه المهندس الاجتماعي. الكثير من النُّظم الاشتراكية ألغت المِلكية الخاصة وأضعفت العائلة وطلبت من الناس أن يكونوا غيريين يحبون البشرية عامةً لا الدائرة الأضيق من الأصدقاء وأفراد العائلة. لكن التطور لم يشكِّل الناس على هذا النمط. قاوم الأفراد في المجتمعات الاشتراكية هذه النظم الجديدة في كل منعطف، فلما انهارت الاشتراكية بعد سقوط حائط برلين عام ١٩٨٩م، عادت أنماط السلوك القديمة المألوفة لتؤكد ذاتها في كل مكان.

لا تستطيع المؤسسات السياسية أن تقضي تمامًا على الطبع أو على التطبع، ثم تنجح. تاريخ القرن العشرين حدَّدَهُ من الأهوال اثنان نقيضان: النازية التي قالت بأن البيولوجيا هي كل شيء، والشيوعية التي قالت بأن أثر البيولوجيا لا يكاد يُذكر. أما الديمقراطية الليبرالية فقد برزت كنظامٍ شرعي للمجتمعات الحديثة قادر على البقاء، لأنه يتجنب هذين النقيضين كليهما، فالسياسة فيه تُرسم تبعًا لمعايير العدل التي وُضعت تاريخيًّا، دون تدخُّل مفرط في أنماط السلوك الطبيعية.

ولقد كانت هناك عوامل أخرى كثيرة أثَّرت في مسار التاريخ، ناقشتها في كتابي «نهاية التاريخ وخاتم البشر». كان تطوير العلم والتكنولوجيا من بين المحركات الأساسية للعملية البشرية التاريخية، فلقد حدَّدا آفاق إمكانية الإنتاج الاقتصادي ومن ثَمَّ الكثير من الخصائص البنيوية للمجتمع. ولقد كان تطوير التكنولوجيا في أواخر القرن العشرين، وبوضوح، موصلًا إلى الديمقراطية الليبرالية، لا لأن التكنولوجيا في ذاتها تشجع الحرية السياسية والمساواة — هي لا تفعل ذلك — ولكن لأن تكنولوجيات أواخر القرن العشرين (لا سيما تلك المتعلقة بالمعلومات) كانت مثلما أطلق عليها العالم السياسي إيثيل ده سولا بول «تكنولوجيات الحرية».

ومع ذلك فليس ثمة ضمان بأن تظل التكنولوجيا تُنتج دائمًا مثل هذه النتائج السياسية الإيجابية. الكثير من التقدمات العلمية في الماضي قد قللت من حرية البشر. تطوير الزراعة على سبيل المثال أدى إلى ظهور مجتمعات هيراركية كبيرة جعلت الرق أكثر إتاحةً مما كان عليه أيام الصائد جامع الثمار. ومن زمن ليس بالبعيد عنا، في بداية القرن التاسع عشر، ابتكر إيلي هويتني آلة حَلْج القطن، فجعل القطن محصولًا نقديًّا هامًّا بالجنوب الأمريكي، مما أدى إلى إعادة الحياة إلى مؤسسة الرق هناك.

وكما نَبَّه نُقَّادُ مفهوم نهاية التاريخ الأكثر إدراكًا، فإن التاريخ لا يمكن أن ينتهي دون نهاية العلم والتكنولوجيا الحديثة، ونحن لسنا فقط بعيدين عن نهاية العلم والتكنولوجيا، بل يبدو أننا قد وُضعنا على الطرف المدبب لواحدة من أخطر مراحل التقدم في العلم والتكنولوجيا في التاريخ. تعِدُ البيوتكنولوجيا والتفهم العلمي الأكبر للمخ البشري بأن تكون لهما نتائج سياسية غاية في الأهمية، فهما سويًّا يعيدان فتح احتمالات للهندسة الاجتماعية تخلت عنها المجتمعات بتكنولوجيات القرن العشرين.

إذا أنت ألقيت نظرةً على الأدوات التي استخدمها المهندسون الاجتماعيون والمخطِّطون اليوتوبيون بالقرن الماضي، فستجدها فَجَّةَ وغير علمية بشكل لا يصدق. الدعاية للمبادئ اليسارية، معسكرات العمل، التعليم من جديد، الفرويدية، التكييف المبكر للطفولة، السلوكية؛ كل هذه كانت تقنيات لدق المسمار المربع للطبيعة البشرية في الثقب المستدير للتخطيط الاجتماعي. لم تكن أيٌّ منها مبنية على معرفة بالتركيب العصبي للمخ أو قواعده البيوكيماوية، لم تكن أيٌّ منها تدرك الأسباب الوراثية للسلوك، أو إذا كانت قد أدركتها، فلم يكن ثمة من يفعل أي شيء إزاءها.

كل هذا قد يتغير في الجيل القادم أو الجيلين. ليس علينا أن نفترض العودة إلى يوجينيا ترعاها الدولة أو انتشارًا واسعًا للهندسة الوراثية كي نرى كيف يمكن أن يحدث هذا. علم عقاقير الأعصاب قد أنتج بالفعل ليس فقط البروزاك للاكتئاب، وإنما أيضًا الريتالين للتحكم في السلوك الجامح لصغار الأطفال. ولما كنا لا نكتشف الآن مجرد تلازمات فقط، وإنما سُبُلًا جزيئية حقيقية بين الجينات وصفات مثل الذكاء والعدوانية والهوية الجنسية والإجرام وإدمان الشرب وما شابه، فسيخطر حتمًا على بال البعض أن في مقدورهم استخدام هذه المعارف لأهداف اجتماعية معينة، وسيمضي الأمر كسلسلة من القضايا الأخلاقية تواجه كل والدين، وأيضًا كمسألة سياسية قد تسيطر يومًا على السياسة. إذا أُتيحت الفرصة يومًا للأثرياء من الآباء أن يرفعوا مستوى ذكاء أطفالهم وكل السُّلَّان من بعدهم، فسنقع آنئذٍ، ليس فقط في ورطة أخلاقية، وإنما في حربٍ طبقية شاملة.

ينقسم هذا الكتاب إلى ثلاثة أجزاء. يعرض الأول منها بعض السبل المعقولة إلى المستقبل، ويستنبط بعض العواقب الأولى من تلك التي أوشكت على الانتهاء، وأيضًا — على الأغلب — من تلك التي لا تزال بعيدة أو غير مؤكدة. والمراحل الأربع الموجزة هنا هي:
  • تزايد المعارف عن المخ والأصول البيولوجية للسلوك البشري

  • علم عقاقير الأعصاب ومنابلة العواطف والسلوك

  • إطالة الحياة

  • وأخيرًا، الهندسة الوراثية.

يعالج الجزء الثاني القضايا الفلسفية التي أثارتها القدرة على منابلة الطبيعة البشرية، ويحاول أن يبرهن على مركزية الطبيعة البشرية في تفهُّم الصواب والخطأ — نعني، حقوق الإنسان — وكيف يمكننا أن نطور مفهومًا للكرامة الإنسانية لا يعتمد على افتراضات دينية عن أصول الإنسان. يمكن لغير المهتمين بالجدل النظري حول السياسة أن يتجاوزوا بعض الفصول هنا.

أما الجزء الأخير فهو عمليٌّ أكثر: أجادل فيه بأنه إذا كانت بعض العواقب الطويلة الأمد للبيوتكنولوجيا تقلقنا، ففي استطاعتنا أن نفعل شيئًا، أن ننشئ هيكلًا تنظيميًّا للتمييز بين الاستخدامات المشروعة وغير المشروعة. قد يبدو هذا الجزء من الكتاب هو البديل المقابل للجزء الثاني، إنه يمضي إلى تفاصيل وكالاتٍ نوعية وقوانين بالولايات المتحدة ودول أخرى. لكن هناك لذلك سببًا. إن التقدم في التكنولوجيا سريع جدًّا حتى ليتطلب الأمر أن نتحرك سريعًا إلى تحليلٍ أكثر صلابة لنوعية المؤسسات المطلوبة للتعامل معه.

أثار التقدم في البيوتكنولوجيا الكثير من القضايا العلمية والمرتبطة بالسياسة، مثل الانتهاء من مشروع الجينوم البشري وقضية التمييز الوراثي وخصوصية المعلومات الوراثية. لن يركز هذا الكتاب على أيٍّ من هذه القضايا، أولًا لأن آخرين قد عالجوها بتوسع، ثم لأن التحديات الكبرى التي فتحتها البيوتكنولوجيا ليست هي تلك الظاهرة الآن على الأفق، وإنما تلك التي ستظهر بعد عقدٍ أو جيل. إن ما يلزم أن يُعرف هو أن هذا التحدي ليس أخلاقيًّا فقط وإنما هو سياسيٌّ أيضًا. ذلك أن القرار السياسي الذي نتخذه في السنين القليلة القادمة بخصوص علاقتنا بهذه التكنولوجيا سيكون هو ما يقرر إن كنا سندخل إلى مستقبل بعد-بشري، وهو الذي سيحدد الهوة الأخلاقية المحتملة التي قد يفتحها هذا المستقبل أمامنا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦