الفصل العاشر

التحكم السياسي في البيوتكنولوجيا

قسوة مقدسة … اقترب رجل يحمل بين يديه طفلًا رضيعًا، من رجلٍ قدسي. سأله: ماذا أفعل بهذا الطفل؟ إنه مهزول مشوه، وليس به من الحياة ما يكفي للموت. «اقتله» صاح الرجل المقدس، «ثم احتضنه بين ساعديك ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ لتخلق لنفسك ذكرى. أبدًا لن تنجب هكذا طفلًا، إذا لم يحن الوقت.» — عندما سمع الرجل هذا مضى محبطًا، ثم عنَّف الكثيرون الرجل المقدس لأنه نصح بالقسوة. لقد نصح الرجل بقتل الطفل. فسأل الرجل المقدس: «لكن أليس الأقسى أن نتركه يعيش؟»

فريدريخ نيتشه: العلم البهيج

مثالان: هاتان الصورتان الجديدتان من تكنولوجيا المعلومات (ت م) تَعِدان بتخليق الثروات، وبأن توسِّعا الوصول إلى المعلومات — ومن ثم إلى القوة — بصورة أكثر ديمقراطية، كما أنهما ترعيان المجتمع بين من يستخدمهما. كان من الصعب على الناس أن يجدوا مثالب في ثورة المعلومات، وما وجدوه حتى الآن لا يعدو أن يكون قضايا مثل ما يسمى التقسيم الرقمي (يقصدون اللامساواة في الوصول إلى ت م) ومثل تهديد الخصوصية، ولا تؤثر أيٌّ من هاتين كقضايا تهز العدالة أو الفضيلة. وعلى الرغم من الجهود العرَضية، من قبل أكثر المجتمعات دولانية في العالم، لمحاولة التحكم في استخدام ت م، فقد ازدهرت في السنين الأخيرة بأقل قدر من الإشراف التنظيمي على المستوى القومي أو المستوى الدولي.

تقع البيوتكنولوجيا في مكان ما بين هذين المثالَين المتطرفَين. المحاصيل عبر الجينية وهندسة البشر وراثيًّا تخيف الناس أكثر من الكمبيوتر الشخصي والإنترنت. لكن البيوتكنولوجيا تَعِد بمنافع ضخمة لصحة الإنسان ورخائه. وإذا ما وُوجه الناس بتقدمٍ مثل القدرة على علاج طفل من التليف الكيسي أو مرض السكر، فسيصعب عليهم أن يجدوا في خوفهم من التكنولوجيا سببًا يقف في طريق التقدم. يسهل الاعتراض على أي بيوتكنولوجيا جديدة إذا كان تطويرها سيؤدي إلى تجربة إكلينيكية غير متقنة، أو إلى تفاعل الغذاء المحور وراثيًّا يشير إلى الحساسية. أما التهديد الحقيقي من البيوتكنولوجيا فهو أكثر من هذا خبثًا بكثير ومن ثم يصعب تقديره في أي حسابات نفعية.

تركز الجدل حول البيوتكنولوجيا اليوم بين معسكرين: الأول هو معسكر مؤيدي حرية الإرادة، وينادي بأن ليس للمجتمع أن يضع العقبات أمام تطوير التكنولوجيات الجديدة، أو أنه لا يستطيع. يضم هذا المعسكر الباحثين والعلماء الراغبين في توسيع جبهات العلم، ويضم صناعة البيوتكنولوجيا المؤهلة للاستفادة من التقدم التكنولوجي المتحرر من الأغلال، لا سيما في الولايات المتحدة وبريطانيا. كما يضم تلك المجموعة الكبيرة الملتزمة إيديولوجيًّا بمزيج من: الأسواق الحرة، وتخفيف القوانين، وأقل قدر من التدخل الحكومي في التكنولوجيا.

أما المعسكر الثاني فهو مجموعة خليطة تشغلها المخاوف الأخلاقية من البيوتكنولوجيا، وتضم البعض من المتزمتين دينيًّا، والبيئيين الذين يعتقدون في حرمة الطبيعة، ومعارضي التكنولوجيا الحديثة، واليساريين الذين يقلقهم احتمال عودة اليوجينيا. اقترحت هذه الجماعة — التي تمتد من نشطاء مثل جيريمي ريفكين وحتى الكنيسة الكاثوليكية — اقترحت حظرًا على مجال عريض من التكنولوجيات الحديثة، بدءًا من الإخصاب خارج الرحم وبحوث الخلايا الجذعية، وحتى المحاصيل عبر الجينية واستنساخ الإنسان.

المفروض أن يتحرك الجدل حول التكنولوجيا إلى أبعد من هذا الاستقطاب. فكلا المنهجين — موقف «دعه يعمل، دعه يمر» في شأن تطوير البيوتكنولوجيا، ومحاولة حظر شقَّة عريضة من تكنولوجيا المستقبل — كلاهما مضلل وغير واقعي. هناك تكنولوجيات تستحق أن تحظر على الفور، مثل استنساخ الإنسان — لأسباب جوهرية وتكتيكية. أما بالنسبة لمعظم صور البيوتكنولوجيا التي نراها تبزغ، فإن الأمر يحتاج إلى منهج تنظيمي أقدر على تمييز الفروق الدقيقة. انهمك الجميع يدعمون مواقفهم ضد التكنولوجيات المختلفة أو معها، لكنا لا نجد من يبحث جادًّا في صور المؤسسات المطلوبة لتجيز للمجتمعات توجيه سرعة تطوير التكنولوجيا ومجالاتها.

مضى زمن طويل لم نسمع فيه عن اقتراح بأن ما يحتاجه العالم هو: قوانين تنظيمية أكثر. والقوانين التنظيمية، لا سيما الدولي منها، ليست مما يُطلب باستخفاف. قبل ثورتَي ريغان-تاتشر في ثمانينيات القرن الماضي، كان ثمة قطاعات عديدة من اقتصاديات أمريكا الشمالية وأوروبا واليابان وقد غمرتها القوانين التنظيمية. تجلب مثل هذه القوانين معها الكثير من القصور بل وحتى من الأمراض المفهومة جيدًا. أثبتت البحوث مثلًا كيف أن المنظمين الحكوميين يتحولون إلى الحرص على مصالحهم الشخصية فيعززون سلطتهم ومواقعهم، حتى وهم يدَّعون أنهم يتحدثون باسم مصالح الجماهير. إذا لم يأخذ القانون التنظيمي حظه من التفكير فقد يرفع سعر تنفيذ المشاريع بشكل هائل، وقد يخنق الإبداع ويؤدي إلى سوء تخصيص الموارد إذ يحاول رجال الأعمال تجنب القوانين المرهقة. لقد تم الكثير من العمل الإبداعي في الماضي عن بدائل للقوانين التنظيمية الرسمية للدولة — مثلًا: التنظيم الذاتي للمشاريع، وتلك الأنماط الأكثر مرونة لصناعة القوانين وتنفيذها.

قصور أي برنامج للتخطيط هو حقيقة من حقائق الحياة. يمكننا أن نحاول تقليل هذا القصور بتصميم مؤسسات تنشد تبسيط العملية التنظيمية وجعلها أكثر استجابة للتغيرات في التكنولوجيا وفي حاجات المجتمع، لكن ستبقى دائمًا في النهاية أنماط معينة من المشاكل الاجتماعية التي لا يمكن معالجتها من خلال التحكم الحكومي الرسمي. مشاريع التنظيم الذاتي تنحو إلى أن تكون أفضل ما تكون في الأحوال التي لا تتسبب فيها الصناعة في الكثير من الثمن الاجتماعي (أو بالمصطلح الاقتصادي: البرَّانية السلبية) وتكون فيها القضايا تقنية لا سياسية، كما تكون فيها للصناعة ذاتها دوافع قوية لحماية نفسها. وهذا صحيح في وضع المعايير الدولية وفي التنسيق بين طرق رحلات الطيران وأسعارها، وفي اختبار المنتجات، وفي المسائل البنكية، وكان يومًا صحيحًا بالنسبة لسلامة الطعام والتجريب الطبي.

لكن هذا ليس صحيحًا بالنسبة للبيوتكنولوجيا المعاصرة أو لأشكال التكنولوجيات البيوطبية التي يحتمل أن تظهر في المستقبل. لقد أنجزت جماعة العلماء الباحثين في الماضي عملًا باهرًا في المحافظة على نظامها بمجالات مثل التجريب على البشر والأمان في تكنولوجيا الدنا المطعوم، لكن هناك الآن الكثير من المصالح التجارية التي تتصيد أموالًا كثيرة من أجل التنظيم الذاتي للاستمرار في العمل بنجاح في المستقبل. لن تجد معظم شركات البيوتكنولوجيا الحافز كي تلاحظ الكثير من التمييزات الأخلاقية الدقيقة التي يلزم ملاحظتها، وهذا يعني ضرورة أن تتدخل الحكومات كي تصوغ لها القوانين وتنفذها.

الكثير يعتقدون الآن أنه لا يجب، بل ولا يمكن، أن توضع البيوتكنولوجيا — كأمرٍ عملي — تحت التحكم، والاستنباطان، كلاهما، خاطئ، كما سنرى.

من سيقرر؟

من سيقوم إذن باتخاذ القرار فيما إذا كان لنا أن نتحكم في البيوتكنولوجيا، وعلى أي أساس؟ في عام ٢٠٠١م، وفي أثناء مناقشة الكونجرس الأمريكي لمشاريع قوانين حظر الاستنساخ، أصر نيد ستريكلاند عضو الكونجرس عن أوهايو على أن يكون مرشدنا الأوحد هو أفضل المتاح من العلم وأنه لا يجب أن نسمح للاهوت أو الفلسفة أو السياسة أن تتدخل في القرار الذي سنتخذه في هذه المسألة.

الكثيرون سيوافقون على هذا. تقول استطلاعات الرأي في معظم الدول إن الناس يضعون العلماء في مرتبة أعلى من الساسة — إذا لم نذكر علماء اللاهوت أو الفلاسفة. المشرعون — كما نعلم جيدًا — يحبون المنظرة، والمبالغة، والجدل بالنوادر، والدق بالأيدي على الموائد، والسمسرة الفاحشة. هم كثيرًا ما يتكلمون ويعملون عن جهل. وهم في بعض الأحيان يتأثرون كثيرًا بالمدهلزين والمصالح المستحكمة. لماذا يكون لهؤلاء، لا للمجتمع النزيه للباحثين، القول الفصل في قضايا تقنية غاية في التعقيد كالبيوتكنولوجيا؟ إن جهود الساسة في تحديد ما يقوم به العلماء في مجالاتهم إنما يعيد إلى الذهن الذكريات عن الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى عندما وسمت جاليليو بالهرطقة لأنه قال إن الأرض تدور حول الشمس. ومنذ عهد فرانسيس بيكون أصبح الانشغال بالبحث العلمي يحمل شرعيته الخاصة كنشاط يخدم — أوتوماتيكيًّا — المصالح الأعرض للبشر.

لكن هذه الرؤية، للأسف، ليست صحيحة.

العلم في ذاته لا يمكن أن يُقيم الغايات المحددة له. يمكن للعلم أن يكشف اللقاحات وعلاجات الأمراض، لكنه يستطيع أن يخلِّق أمراضًا معدية. قد يمكنه أن يكشف فيزيقا شبه الموصلات، ولكن أيضًا فيزيقا القنبلة الهيدروجينية. العلم بوصفه علمًا لا يهتم بما إذا كانت البيانات قد جمعت تحت قوانين تحمي بدقةٍ مصالح أفراد الباحثين. البيانات ليست سوى بيانات، ومن الممكن أن نحصل على بيانات أفضل (كما سنرى في الجزء الخاص بالتجريب البشري في الفصل الحادي عشر) بأن نلوي القواعد أو أن نتجاهلها تمامًا. إن العدد من أطباء النازي الذين حقنوا ضحايا معسكرات الاعتقال بالأمراض المعدية أو عذبوا السجناء بتجميدهم أو إحراقهم حتى الموت، كانوا في الواقع علماء شرعيين جمعوا بيانات واقعية لها إمكانية أن تُستخدم استخدامًا طيبًا.

إن اللاهوت والفلسفة والسياسة هي التي تستطيع أن تُقيم غايات العلم والتكنولوجيا التي ينتجها العلم، وهي التي يمكن أن تقدم الرأي فيما إذا كانت هذه الغايات طيبةً أو خبيثة. قد يساعد العلماء في وضع القواعد الأخلاقية الخاصة بسلوكهم، لكنهم يفعلون ذلك لا بصفتهم علماء وإنما كأعضاء علميين عارفين داخل المجتمع السياسي الأعرض. هناك داخل مجتمع العلماء الباحثين والأطباء والعاملين في المجال البيوطبي، الكثيرون من المبرزين، المكرسين، النشطين، الأخلاقيين، عميقي التفكير، لكن اهتماماتهم قد لا تتوافق بالضرورة مع اهتمامات الجماهير. العلماء يدفعهم الطموح كثيرًا، وكثيرًا أيضًا ما تكون لديهم اهتمامات مالية في تكنولوجيا معينة أو في علاج. من هنا فإن قضية ماذا نفعل بالبيوتكنولوجيا هي قضية سياسية لا يمكن أن تحسم تكنوقراطيًّا.

أما الإجابة على السؤال عمَّن له أن يقرر أي استعمالات العلم شرعي وأيها غير شرعي، فهي أمرٌ في الحق غاية في البساطة، ولقد حسمته بضعة قرون من النظرية السياسية وتطبيقاتها: إنه المجتمع السياسي المؤلَّف ديمقراطيًّا. الذي يعمل أساسًا من خلال ممثليه المنتخبين، المستقلين في هذه القضايا ولهم سلطة التحكم في سرعة التطور التكنولوجي ومجالاته. وبينما سنجد كل أنواع المشاكل في المؤسسات الديمقراطية. من الدهلزة للمصالح الخاصة إلى منظرة حزب الشعب، فالواضح أن ليس ثمَّة مجموعة من المؤسسات بديلة أفضل يمكنها أن تستحوذ على إرادة الشعب بطريقة عادلة وشرعية. نأمل مؤكدًا أن يقوم الساسة باتخاذ قرارات عارفة عن طريق التفهم المحنَّك للعلم، فالتاريخ يمتلئ بحالات صدرت فيها قوانين مبنية على علم خاطئ كالتشريعات اليوجينية التي صدرت بالولايات المتحدة وأوروبا في أوائل القرن العشرين. لكن العلم ذاته في النهاية ليس سوى أداة لبلوغ أهداف الإنسان، وما يعتبره المجتمع السياسي مناسبًا ليس في النهاية قضايا علمية.

فإذا تحولنا إلى قضية وضع أسلوب تنظيمي للبيوتكنولوجيا البشرية، فسنواجه بمشكلة مختلفة نوعًا ما. القضية ليست قضية من يقوم بالاختيار: العلماء أم الساسة. وإنما عمَّا إذا كان الأفضل أن يكون القرار في قضية الإنجاب هو قرار الأبوين أم قرار الحكومة. جادل جيمس واطسون بأن المفروض أن يكون القرار هو قرار الأم وليس قرار مجموعة من المنظمين الذكور:

مبدئي هنا بسيط للغاية: فلتكن معظم القرارات قرارات النساء لا الرجال. إنهن من يحمل الأطفال، والرجال — كما تعلمون — كثيرًا ما يفرُّون من الأطفال غير الأصحاء. إن علينا أن نشعر بمسئولية أكبر تجاه القادم. أعتقد أنه من الضروري أن يُسمح للنساء باتخاذ القرارات. أما من ناحيتي أنا، فليوقَف عمل لجان الأطباء من الذكور هذه.

ومعادلة حكم البيروقراطيين الذكور بقلق الأمهات المحبَّات هي استراتيجية ملاعبة ذكية حقًّا، لكنها تخرج عن الموضوع. فالذكور من القضاة والموظفين والاجتماعيين (بجانب الكثير من النساء أيضًا) يتدخلون بالفعل في حياة النساء طول الوقت: يؤكدون عليهن ألا يهملن في رعاية أطفالهن أو يسئن معاملتهم، وأن عليهن أن يرسلوهم إلى المدرسة لا إلى العمل لمساعدة العائلة ماديًّا، وألا يقدمن لهم المخدرات أو السلاح. أما حقيقة أن معظم النساء سيستخدمن سلطتهن استخدامًا مسئولًا، فلا تلغي الحاجة إلى القوانين، لا سيما إذا كانت التكنولوجيا ستقدم إمكاناتٍ تكاثريةً غير طبيعية على الإطلاق (مثل الاستنساخ)، إمكانات قد لا تكون نتائجها في النهاية صحية بالنسبة للأطفال.

وكما ذكرنا في الفصل السادس، فإن وحدة المصلحة المفترض وجودها بين الآباء والأبناء تحت الصور الطبيعية من التكاثر قد لا توجد تحت الصور الجديدة. جادل البعض بأن لنا أن نسلِّم بموافقة الطفل قبل ولادته على أن يكون خاليًا من عيوب الولادة أو التخلف العقلي. لكن ألنا حقًّا أن نسلِّم بموافقته على أن يكون نسيخًا، أو أن يولد كطفل بيولوجي لامرأتين، أو أن يولد وهو يحمل جينًا غير آدمي؟ إن الاستنساخ على وجه الخصوص يثير احتمال أن يكون القرار الإنجابي ملائمًا لاهتمامات الوالدين لا الطفل، وهنا ستقع المسئولية على الدولة أن تتدخل لحماية الطفل.

أمن الممكن التحكم في التكنولوجيا؟

وحتى لو قررنا ضرورة التحكم القانوني في التكنولوجيا، فسنواجَه بمشكلة ما إذا كان هذا ممكنًا. فالحق أن واحدًا من أكبر معوقات التفكير في مشروع تنظيمي للبيوتكنولوجيا البشرية هو انتشار الاعتقاد بأنه من المستحيل تنظيم التقدم التكنولوجي. وأن كل هذه المجهودات ستأتي بعكس المراد منها ومحكوم عليها بالفشل. يؤكد هذا في جدلٍ المتحمسون لتكنولوجيات معينة، ومن يأملون في الربح منها، ويؤكد ذلك في تشاؤمٍ مَن يريدون إبطاء انتشار التكنولوجيات التي تحمل إمكانيات الأذى. وفي هذا المعسكر الأخير بالذات هناك شيء من الانهزامية بالنسبة لقدرة السياسة على تشكيل المستقبل.

أصبح هذا الاعتقاد قويًّا بالفعل في السنين الأخيرة بسبب حلول العولمة وبسبب خبرتنا الأخيرة في تكنولوجيا المعلومات. يقولون أن ليس ثمَّة دولة ذاتية مستقلة تستطيع تنظيم أي ابتكار تكنولوجي أو حظره — لأن البحث والتطوير سيتحركان ببساطة إلى ولاية قضائية جديدة. مجهودات أمريكية للتحكم في تشفير البيانات مثلًا، أو مجهودات فرنسية لفرض اللغة الفرنسية بالقوة على مواقع على الويب الفرنسي، هذه المجهودات قد عرقلت التطور التكنولوجي في هذين البلدين. إذ تحرك القائمون بالتطوير إلى أجواء تنظيمية أكثر وعدًا. الطريقة الوحيدة للتحكم في نشر التكنولوجيا هي وضع معاهدات دولية بخصوص قواعد تقييد التكنولوجيا، وسيكون التفاوض عليها غاية في الصعوبة، وسيكون تنفيذها أصعب وأصعب. وفي غياب مثل هذه الاتفاقيات الدولية، فإن الدولة التي تبادر بتنظيم نفسها ستدفع بالدول الأخرى لتتفوق عليها.

هذا النوع من التشاؤم حول حتمية التقدم التكنولوجي خاطئ، وقد يصبح نبوءة تحقق ذاتها إذا اعتنقه الكثيرون. ذاك أن القضية بالفعل ليست هي استحالة التحكم في سرعة التطور التكنولوجي أو مجالاته. هناك الكثير الخطِرُ من التكنولوجيات أو الخلافي أخلاقيًّا الذي وُضع تحت التحكم السياسي الفعال: الأسلحة النووية والقوى النووية والصواريخ البالستية ومواد الحرب البيولوجية والكيماوية واستبدال أعضاء جسم الإنسان وعقاقير الأعصاب وما شابه. لقد قُيِّدت حرية العمل في تطوير هذه جميعًا تقييدًا دوليًّا. المزارعون الأمريكيون يهجرون المحاصيل عبر الجينية، وهم لم يتقبلوها إلا مؤخرًا. ولقد نجادل حول صحة هذا القرار على أسسٍ علمية، لكنه يُثبت أن مسيرة البيوتكنولوجيا ليست بالقوة الماحقة التي لا يمكن إيقافها.

والحق أن الافتراض الشائع باستحالة التحكم في البورنوغرافيا أو الجدل السياسي على الإنترنت افتراض خاطئ. من المستحيل أن تغلق الحكومة كل موقع ويب كريه في العالم، لكن من الممكن أن ترفع تكاليف وصول رعاياها العاديين إليه. استخدمت السلطات الصينية مثلًا قوتها السياسية بفعالية لتجبر شركات الإنترنت (مثل ياهو! وإم إس إن) على الحد من نشر القصص غير المؤيدة لها على مواقع الويب الصينية اللغة، وذلك بأن هددتها بإلغاء حقها في العمل بالصين.

سيجادل المتشككون بأن أيًّا من هذه الجهود للتحكم في التكنولوجيا لم يُصِب في النهاية نجاحًا. فعلى الرغم من الجهود الدبلوماسية الهائلة التي قام بها الغرب — وبالذات الولايات المتحدة — لمنع انتشار الأسلحة النووية، فقد أصبحت الهند وباكستان الدولتين السادسة والسابعة في اختبار الأسلحة النووية علانية في تسعينيات القرن الماضي. تباطأ استخدام القوى النووية لتوليد الطاقة بعد حادثة ثري مايل آيلاند وحادثة تشرنوبيل، لكنه عاد مثلما كان بسبب ارتفاع سعر الوقود الأحفوري والقلق من ارتفاع حرارة جو الأرض. لا يزال انتشار الصواريخ البالستية وتطوير أسلحة الدمار الشامل مستمرًّا في أماكن كالعراق وكوريا الشمالية. ثم إن هناك سوقًا سرية واسعة لتجارة المخدرات، وأعضاء الجسم والبلوتونيوم، وكل سلعة محظورة أخرى تخطر على بالك.

كل هذا صحيح: ليس ثمَّة من أسلوب تنظيمي لا يخرُّ منه الماء، فإذا ما اخترنا إطارًا طويل المدى، فسننتهي بتطوير كل التكنولوجيات في نهاية المطاف. لكن هذا يقصر عن إدراك التنظيم الاجتماعي: ليس من قانون يُنفَّذ بالكامل. كل الدول تعتبر القتل جريمة وتعاقب القاتل بأشد عقوبة، ورغم ذلك فلا يزال الناس يقتلون. وحقيقة أنهم يقتلون لم تكن أبدًا سببًا في أن نُقرَّ بعجز القانون أو ألا نحاول تنفيذه.

بذل المجتمع الدولي في قضية الأسلحة النووية محاولات جبارة لمنع انتشارها، ولقد نجحت هذه المحاولات بالفعل في إبطاء انتشارها وإبقائها بعيدة عن متناول دول ربما حاولت استخدامها في مراحل معينة من تاريخها. في فجر العصر النووي عند نهاية أربعينيات القرن الماضي، توقَّع الخبراء أن تتملك عشرات الدول الأسلحة النووية في ظرف بضع سنين. إنه لإنجازٌ مشهود أن لم يطورها سوى حفنة من الدول، وأن لم يستخدمها أحد في الصراعات التي نشبت عند نهاية القرن العشرين. هناك ما شئت من الدول ممن أحجم عن تطوير الأسلحة النووية رغم أنها تستطيع ذلك. كانت للبرازيل والأرجنتين مثلًا طموحات نووية إبان الحكم العسكري الدكتاتوري، على أن نظام منع الانتشار الذي كانتا واقعتين في شراكه اضطرهما إلى إبقاء البرامج سرية وإلى الإبطاء من تطويرها. فلما عادتا إلى الديمقراطية في الثمانينيات أوقف العمل في البرامج تمامًا.

لكن الأسلحة الذرية أسهل في المراقبة من البيوتكنولوجيا؛ لسببين: أولهما أن تطوير الأسلحة النووية مكلف جدًّا يتطلب مؤسسات ضخمة مرئية، مما يجعل تطويرها في السر أمرًا مستبعدًا. وثانيهما أن خطورة هذه التكنولوجيا واضحة للغاية حتى ليتشكل إجماع عالمي سريع على ضرورة وضعها تحت التحكم. أما البيوتكنولوجيا فهي على العكس من ذلك: من الممكن إجراؤها في معامل أصغر وأقل كلفة، وليس ثمَّة إجماع مماثل على مخاطرها.

من ناحية أخرى فإن البيوتكنولوجيا لا تشكل تهديدًا مباشرًا قويًّا مثلما تفعل الأسلحة النووية. قنبلة نووية واحدة في أيدي جماعة إرهابية أو دولة شريرة كالعراق ستشكل خطرًا كبيرًا لأمن العالم، أما إذا كان في إمكان العراق أن يستنسخ صدام حسين، فإن هذا لن يشكل الكثير من التهديد، على ما فيه من قرف. لن يتقوض الهدف من قانون يحظر استنساخ الإنسان بالولايات المتحدة إذا ما سمحت به دول أخرى في العالم، أو إذا أمكن للأمريكان السفر إلى الخارج ليستنسخوا أنفسهم تحت قوانين تلك الدول.

إن حجة أن التنظيم لا يمكن أن يعمل في عالم معولم إلا إذا كان مجاله دوليًّا، هي حجة صحيحة بما يكفي، لكن استعمال هذه الحقيقة ضد التنظيم على مستوى الدولة هو بمثابة وضع العربة أمام الحصان. يندر أن يبدأ التنظيم على مستوى دولي. على الدولة ذات السيادة أن تطور قوانين لمجتمعاتها قبل حتى أن تفكر في تخليق نسق تنظيمي دولي.١ وهذا صحيح على الأخص في حالة دولة كالولايات المتحدة. الدولة التي تسود سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا: الدول الأخرى من حول العالم ستولي اهتمامًا كبيرًا بما تفعله الولايات المتحدة في قانونها الداخلي. فإذا كان لإجماعٍ دولي على تنظيم بيوتكنولوجيات معينة أن يتخذ له شكلًا، فمن الصعب أن يتشكل بعيدًا عن الفعل الأمريكي على المستوى الداخلي.

عندما أشرت إلى حالات أخرى نظمت فيها التكنولوجيا ببعض النجاحات. لم أكن أعني أن أقلل من قدر الصعوبات في تخليق نظم شبيهة للبيوتكنولوجيا البشرية. الصناعة البيوتكنولوجية الدولية صناعة منافسة للغاية، والشركات تبحث باستمرار عن أفضل مناخ تنظيمي تقوم فيه بعملها. ولما كانت ألمانيا، بتاريخها اليوجيني الجريح، أكثر تضييقًا على البحوث الوراثية من الكثير غيرها من الدول المتقدمة، فقد تحركت معامل معظم شركات الأدوية والبيوتكنولوجيا الألمانية إلى بريطانيا والولايات المتحدة ودول أخرى أقل تشدُّدًا. وفي عام ٢٠٠٠م أجازت بريطانيا قوانين للاستنساخ العلاجي أو البحثي، وبذا ستصبح الملاذ لهذا النوع من البحوث إذا ما انضمت الولايات المتحدة إلى ألمانيا وفرنسا وغيرهما من الدول التي لا تسمح به. أبدت سنغافورة وإسرائيل وبعض الدول الأخرى اهتمامًا بموالاة بحوث الخلايا الجذعية وما حولها إذا استمرت الولايات المتحدة في تقييدها لأسباب أخلاقية.

على أن واقع المنافسة الدولية لا يعني أن على الولايات المتحدة أو غيرها من الدول أن تقفز قفزة فاجعة إلى سباق تسلح تكنولوجي. إنا لا نعرف الآن إن كان سيبزغ إجماع دولي على حظر تكنولوجيات معينة أو تقييدها — مثل الاستنساخ أو تحوير الخط الجرثومي — لكن ليس ثمَّة سبب على الإطلاق يدعو إلى استبعاد هذا الاحتمال في هذه المرحلة المبكرة من العملية.

خذ قضية الاستنساخ التكاثري — نعني استنساخ طفل بشري. عند كتابة هذا (نوفمبر ٢٠٠١م) كانت ٢٤ دولة قد حظرت هذا الاستنساخ من بينها ألمانيا وفرنسا والهند واليابان والأرجنتين والبرازيل وجنوب أفريقيا والمملكة المتحدة. وفي عام ١٩٩٨م صدَّق المجلس الأوروبي على بروتوكول إضافي إلى اتفاقية حقوق الإنسان وكرامته بشأن البيوطب يحظر الاستنساخ التكاثري البشري؛ ولقد صدَّق على هذه الوثيقة من الدول الأعضاء الثلاثة والأربعين ٢٤ دولة. كان الكونجرس الأمريكي واحدًا من بين عدد من الهيئات التشريعية التي تفحص اتخاذ إجراءات شبيهة. اقترحت الحكومة الفرنسية والحكومة الألمانية أن تسنَّ الأمم المتحدة قانون حظر عالمي على الاستنساخ التكاثري. فإذا تذكرنا أن النعجة دولِّي كانت قد استنسخت قبل أربع سنوات لا أكثر، فليس من المستغرب أن يتطلب الأمر من الساسة والقانون بعض الوقت للحاق بالتكنولوجيا. لكن يبدو الآن أن الكثير من دول العالم يتجه إلى إجماع على لا مشروعية الاستنساخ التكاثري للإنسان. ولقد يتطلب الأمر خلال بضع سنين السفر إلى كوريا الشمالية أو إلى العراق إذا ما طلبت طائفة غريبة الأطوار كالريليين استنساخ طفل.

ما هي احتمالات نشوء إجماع دولي على تنظيم البيوتكنولوجيا؟ يصعب الحكم في المرحلة الحالية، لكن من الممكن أن نذكر بعض الملاحظات حول الثقافة والسياسة في هذا الخصوص.

هناك متَّصل من الأفكار بالعالم اليوم بشأن أخلاقيات أنماط معينة من البيوتكنولوجيا، لا سيما منها المناولة الوراثية. على الطرف الأكثر تشدُّدًا من هذا المتَّصل سنجد ألمانيا ودولًا أخرى بالقارة الأوروبية تقف — لأسباب تاريخية — معارضةً للتحرك في هذا السبيل. كانت القارة الأوروبية أيضًا موطن أقوى الحركات البيئية في العالم، وهذه الحركات في جملتها تعادي البيوتكنولوجيا في صورها المختلفة.

في الطرف الآخر من المتَّصل هناك عدد من الدول بآسيا لم تكن تهتم تقريبًا — ولأسباب تاريخية — بالبعد الأخلاقي للبيوتكنولوجيا. يفتقر الكثير من دول آسيا إلى الدين في ذاته كما نفهمه في الغرب — نعني نظامًا لإيمان سماوي منزَّل من إله لا يحيط به ذهن بشر. الكونفوشيوسية، النظام السائد في الصين، يفتقر إلى أي مفهوم لرب، أما أديان الناس كالطاوية والشِّنتو فهي أرواحية تضفي على الحيوانات والأشياء غير الحية صفات روحية، بينما تدمج البوذية الخلق البشري والطبيعي في كون متناغم. لا تميل التقاليد الآسيوية كالبوذية والطاوية والشنتو إلى إقامة حدود أخلاقية صارمة بين البشر وبقية الخلق الطبيعي كما تفعل المسيحية. سمحت هذه التقاليد، التي ترصد استمراريةً بين الطبيعة البشرية وغير البشرية، بأن يكونوا — على حد تعبير فرانس ده فال — أكثر تعاطفًا مع الحيوانات. لكن هذا يعني أيضًا درجة أدنى بعض الشيء من الاحترام لقدسية الإنسان. وعلى هذا كانت ممارسة الإجهاض ووأد الأطفال (لا سيما البنات) شائعة في الكثير من مناطق آسيا. ولقد سمحت الحكومة الصينية بممارسات يبغضها الغرب مثل حصد أعضاء من يُعدم من المسجونين، بل ومررت قانونًا يوجينيًّا في عام ١٩٩٥م.

ما بين القارة الأوروبية وآسيا، في المتصل، تقع الدول المتحدثة بالإنجليزية وأمريكا اللاتينية، وأجزاء أخرى من العالم. فأما أمريكا وبريطانيا، فأبدًا لم يعرفا هلعًا من البحوث الوراثية مثلما عرفت ألمانيا وفرنسا، وهما بفضل تقاليدهما الليبرالية أكثر تشكُّكًا في التنظيم تقوم به الدولة … كانت الولايات المتحدة بالذات مدمنة للإبداع التكنولوجي، وهي متميزة في إنتاجه لأسباب عديدة مؤسسية وثقافية. ولقد دعمت ثورة تكنولوجيا المعلومات، في العقدين الأخيرين، الولع الأمريكي بالتكنولوجيا، وهي الثورة التي أقنعت الكثيرين من الأمريكان بأن التكنولوجيا تَعِد حتمًا بتحرير الفرد وبثرائه الشخصي. أمام هذه تقف الجماعات الدينية المحافظة — البروتستانت والكاثوليك، ثم المسلمون بأعداد تتزايد — التي عملت حتى الآن على كبح التقدم التكنولوجي غير المحكوم.

كانت بريطانيا دائمًا، أقرب إلى أمريكا — بتقاليدها الليبرالية — منها إلى ألمانيا، لكنها للمفارقة كانت موطن واحدة من أقوى حركات الاحتجاج البيئية المعارضة للكائنات المحورة وراثيًّا وللبيوتكنولوجيا الزراعية. ربما لم تكن هناك أسباب ثقافية عميقة لهذا، ربما أمكن أن يُردَّ الشك البريطاني في هذه الكائنات المحورة إلى الفشل التنظيمي الهائل في قضية مرض جنون البقر، وهو فشل انتهى ببريطانيا وهي تحمل أكبر عدد من ضحايا الصورة البشرية لجنون البقر — مرض كرويتسفيلد-ياكوب. ليس لهذا المرض بالطبع أية علاقة بالبيوتكنولوجيا، لكنه بالفعل رفع الشكوك في أذهان الناس حول مصداقية الحكومات التي أعلنت سلامة المنتجات الغذائية. منذ جيل مضى كان الأمريكان أكثر اهتمامًا بتهديدات البيئة، ومتلهفين على تنظيمها، بسبب خبرتهم الأخيرة في قضية لف كانال وغيرها من الكوارث البيئية.

لو أن هناك في هذا العالم منطقة تحتاج حاجة ماسة إلى تنظيم للبيوتكنولوجيا، لكانت آسيا. هناك عدد من الدول غير الديمقراطية في آسيا، وعدد آخر يفتقر إلى جماهير محلية قوية تعارض أنماطًا معينة من البيوتكنولوجيا على أسسٍ أخلاقية. ثمة دول آسيوية مثل سنغافورة وجنوب كوريا تتمتع ببنية علمية تحتية تؤهلها للمنافسة في المجال البيوطبي، ولديها الحوافز الاقتصادية القوية لتكسب حصة من سوق البيوتكنولوجيا على حساب أوروبا وأمريكا الشمالية. ربما أصبحت البيوتكنولوجيا في المستقبل خطًّا فارقًا مهمًّا في السياسة العالمية.

لن يظهر فجأةً اتفاقٌ دولي على التحكم في التكنولوجيا البيوطبية الجديدة دون قدر كبير من الجهد يبذله المجتمع الدولي والدول القائدة به. ليس هناك رصاصة سحرية تخلق مثل هذا الإجماع: الأمر يتطلب الوسائل التقليدية للدبلوماسية: الخطابة، الإقناع، المفاوضة، الدعم الاقتصادي والسياسي. لكن المشكلة هنا لا تختلف عن وضع أية ترتيبات دولية سواء أكانت لخطوط الطيران أو المواصلات السلكية واللاسلكية، وانتشار الصواريخ النووية أو الباليستية، وما شابه.

إن التوجيه الدولي للبيوتكنولوجيا البشرية لا يعني بالحتم تخليق منظمة دولية جديدة أو توسيع الأمم المتحدة أو إقامة بيروقراطية غير مسئولة. وعلى أبسط المستويات، فقد يحدث هذا التوجيه من خلال جهود الدول الذاتية للتوفيق بين سياساتها التنظيمية، وهذا التوفيق بالنسبة لأعضاء الاتحاد الأوروبي يفترض أن يكون قد حدث بالفعل على المستوى الأوروبي.

خذ على سبيل المثال النظام الدولي الذي يحكم المستحضرات الصيدلية. لكل دولة صناعية هيئة تنظيمية ترتكز على العلم، توازي مصلحة الغذاء والدواء الأمريكية، تراقب سلامة العقاقير وفعاليتها. هي في إنجلترا هيئة مراقبة الأدوية، وهي في اليابان مجلس شئون الدواء، وفي ألمانيا المعهد القومي للعقاقير ومنتجاتها، وفي فرنسا الهيئة الفرنسية للدواء. حاول المجتمع الأوروبي منذ عام ١٩٦٥م أن يوفِّق عملية التصديق على أدوية الدول الأعضاء لتجنب الازدواج وضياع الوقت في تعدد تقديم الطلبات في الدول المختلفة. وقد قاد هذا إلى إنشاء الهيئة الأوروبية لتقييم الدواء في لندن عام ١٩٩٥م، تلك التي يُفترض أن تُتم في خطوة واحدة التصديق على الدواء على المستوى الأوروبي. في نفس الوقت عقدت المفوضية الأوروبية اجتماعًا متعدد الشُّعب لمد التوفيق إلى خارج أوروبا (أطلق عليه المؤتمر الدولي للتوفيق). صحيح أن بعض الأمريكيين قد انتقدوه واعتبروه محاولة من البيروقراطيين لبسط طائلتهم إلى الولايات المتحدة، لكنه يبقى نظامًا طوعيًّا تلقَّى دعمًا قويًّا من الصناعة الوراثية، لأنه قد يؤدي إلى زيادة جوهرية في الكفاءة.

وقبل أن نناقش حاجة البيوتكنولوجيا البشرية إلى التنظيم في المستقبل، فإنَّا نحتاج إلى أن نتفهَّم كيف تُنظَّم الآن. الصورة معقدة إلى حد فظيع، لا سيما إذا نظرنا إليها على المستوى الدولي، وهي صورة انضفر فيها بقوة تاريخ الزراعة وتاريخ البيوتكنولوجيا البشرية.

١  هناك استثناءات لهذا القانون العام، كمثل حالة ديمقراطيات انتقالية تلجأ إلى القوانين الدولية لحقوق الإنسان لتشجيع مراقبة هذه القوانين في مجتمعاتها. على أن هذا القياس لا يلائم حالة قوانين البيوتكنولوجيا. المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان قد وُضعت بتحريض من دول تتقيد بهذه الحقوق، وكوَّدتها بالفعل في نظمها القانونية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦