الفصل الحادي عشر

كيف تنظَّم البيوتكنولوجيا في أيامنا هذه

هناك سبل مختلفة للتنظيم، تتراوح ما بين التنظيم الذاتي تقوم به الصناعة أو المجتمع العلمي بأقل قدر من الإشراف الحكومي، إلى التنظيم الرسمي عن طريق هيئة قانونية. يمكن للتنظيم الرسمي أن يكون اقتحاميًّا نوعًا ما …

من ناحية قد تكون ثمة علاقة وثيقة بين المنظِّم والمنظَّم، وهو ما يشجع في أحيان كثيرة تهمة الوقوع في يد الصناعة، لكن من ناحية أخرى قد تكون العلاقات علاقات مخاصمة شديدة، وفيها تفرض الهيئة المنظمة قوانين تفصيلية (غير مرغوبة) على الصناعة الهدف، تسبب الكثير من المنازعات القضائية. ولقد طُبق الكثير من هذه الصور على البيوتكنولوجيا.

خذ الهندسة الوراثية. إن تكنولوجيا الدنا المطعَّم الأساسية، والتي تولج فيها الجينات (من نوع إلى نوع آخر)، قد تسببت في نشأة حالة مبكرة نموذجية للتنظيم الذاتي قام بها المجتمع العلمي. ففي عام ١٩٧٠م أرادت جانيت ميرتز، الباحثة في معمل كولد سبرينج هاربور في نيويورك، أن تولج جينات من فيروس قرد إلى بكتيريا إ. كولاي الشائعة، كي تصل إلى تفهُّم أفضل لوظيفتها. قاد هذا إلى جدل عنيف بين بول بيرج، المشرف على ميرتز، وروبرت بولاك حول أمان مثل هذه التجارب. خشي بولاك أن يقود هذا إلى تخليق ميكروب جديد غاية في الخطورة.

كانت النتيجة في النهاية هو مؤتمر أزيلومار الذي عقد في باسيفيك جروف كاليفورنيا عام ١٩٧٥م، وفيه التقى كبار الباحثين ليضعوا الضوابط على التجارب في المجال الجديد الواعد للدنا المطعوم. فُرض حظر اختياري على هذا النوع من البحوث إلى أن يمكن تقييم المخاطر بصورة أفضل، ثم شكَّلت المعاهد القومية للصحة لجنة استشارية للدنا المطعَّم عام ١٩٧٦م. نشرت المعاهد القومية للصحة إرشادات للبحوث التي تمولها، تطلبت بين ما تطلبت الاحتواء الفيزيقي في المعمل للكائنات التي تحمل دنا مطعومًا، كما قيَّدت عملية إطلاقها في البيئة.

ثبت في نهاية المطاف ألا أساس للخوف من أن تؤدي بحوث الدنا المطعَّم إلى تخليق بكتيريا فائقة الخطورة؛ فقد اتضح أن كل الكائنات الجديدة تقريبًا أضعف بكثير من أقاربها الموجودة في الطبيعة. ثم بدأت المعاهد القومية للصحة (م ق ص) — بناءً على الأبحاث التالية — ترفع القيود على الاحتواء المعملي للكائنات الجديدة وعلى إطلاقها في البيئة. ومن ثم سمحت ببزوغ صناعة البيوتكنولوجيا الزراعية المعاصرة. صرَّحت م ق ص في عام ١٩٨٣م بأول تجربة حقلية لكائن محوَّر وراثيًّا — وكان ميكروب سالب الثلج الذي صُمم للحد من فساد محاصيل كالطماطم والبطاطس بسبب الصقيع. كانت الهندسة الوراثية موضوعًا خلافيًّا من البداية. ولقد أوقفت تجربة الميكروب سالب الثلج لعدد من السنين في ثمانينيات القرن الماضي بسبب دعوى قضائية اتهمت م ق ص بأنها لم تراعِ إرشادات وكالة حماية البيئة في اتخاذ القرار في إخطار الجمهور.

قوانين للبيوتكنولوجيا الزراعية

يرتكز النظام الحالي لتنظيم البيوتكنولوجيا الزراعية بالولايات المتحدة على الهيكل التنسيقي لتنظيم البيوتكنولوجيا الذي نشره عام ١٩٨٦م مكتب البيت الأبيض لسياسة العلوم والتكنولوجيا. كان هذا من نتائج دراسة قامت بها مجموعة عمل أنشأتها إدارة الرئيس ريجان لمواجهة قضية ما إذا كان من الضروري أن تسنَّ القوانين وتقام المؤسسات لمراقبة صناعة البيوتكنولوجيا الناشئة. قررت مجموعة العمل أن الكائنات المحورة وراثيًّا (ك م و) لا تمثل مخاطر درامية جديدة، وأن الهيكل التنظيمي الموجود يكفي للتعامل معها. وُزعت المراقبة على ثلاث وكالات كلٌّ حسب سلطاته القانونية الموجودة: مصلحة الغذاء والدواء (م غ د) لتقييم سلامة الغذاء والإضافات الغذائية؛ وكالة حماية البيئة لفحص آثار الكائنات الجديدة على البيئة؛ مرفق وزارة الزراعة لشئون صحة الحيوان والنبات لمراقبة إنتاج اللحوم والمنتجات الزراعية.

— المنظمة الأمريكية بيئة مسترخية نسبيًّا، سمحت باختبارات الحقل وتتجير كوكبة من ك م و، منها ذرة بي تي، وفول صويا راوند أب ريدي، والطماطم المسمَّاة فليفر سيفر. لم يتخذ المنظِّمون الأمريكيون على العموم علاقةً معادية مع من يطلب من الأفراد أو الشركات الموافقة على ك م و جديدة. لم تكن لهم الأهلية المستقلة القوية لتقييم الآثار البيئية الطويلة الأمد لمنتجات البيوتكنولوجيا، لكنهم اعتمدوا، بديلًا عنها، على تقييم يوفره الطالب أو خبراء خارجيون.

لكن البيئة الأوروبية المنظِّمة للبيوتكنولوجيا بيئة أكثر تشدُّدًا. هذا يرجع في جزء منه إلى المعارضة السياسية للكائنات المحورة وراثيًّا، وكانت أقوى بكثير في أوروبا عنها في أمريكا الشمالية، وأيضًا لحقيقة أن معظم التنظيمات في أوروبا تميل إلى أن تكون أكثر ثقلًا لأنها توجد على المستويين الوطني والأوروبي. هناك اختلافات واسعة بين الدول أعضاء الاتحاد الأوروبي بخصوص أسلوب ومستوى اللوائح البيوتكنولوجية. أقرَّت الدانمارك وألمانيا قوانين وطنية متشدِّدة تنظم أمور التحوير الوراثي وأخلاقياته. وعلى عكس ذلك، أنشأت المملكة المتحدة الجماعة الاستشارية للمنابلة الوراثية داخل وزارة التربية والعلوم، وهي تكاد تتخذ سياسة كفِّ اليد. أما الفرنسيون، وبرغم المعروف عن حبهم لتحكم الدولة، فقد اعتمدوا حتى عام ١٩٨٩م على التنظيم الذاتي يقوم به المجتمع العلمي الفرنسي. تسمح قوانين الاتحاد الأوروبي للدول الأعضاء أن تكون أكثر تشدُّدًا من المجتمع ككل — إن تكن الدرجة المسموح بها لا تزال موضع نقاش. حظرت النمسا ولوكسمبورج، على سبيل المثال، زراعة محاصيل مهندسة وراثيًّا تجوز زراعتها في بقية دول الاتحاد الأوروبي.

مع التسليم بأن البضائع في حاجة إلى التسويق الحر داخليًّا، كانت المفوضية الأوروبية هي الجهة المنوطة بوضع القوانين. في عام ١٩٩٠م أصدرت توجيهين: الأول عن الاستعمال المحكوم للكائنات المحورة وراثيًّا (التوجيه ٢١٩/٩٠) والثاني عن إطلاق ك م و عمدًا في البيئة (التوجيه ٢٢٠/٩٠). وضع هذان التوجيهان الأساس لتقييم منتجات البيوتكنولوجيا تبعًا لمبدأ الحيطة، الذي يؤكد في الواقع على أن المفروض أن يكون المنتج مذنبًا حتى تثبت براءته من أي تهديد محتمل للبيئة أو للصحة العامة. إلى هذين أضيف القانون ٢٥٨/٥٧ الذي يتطلب تبطيق ما يسمى الأغذية المستحدثة. ثم اتخذ مجلس وزراء الاتحاد الأوروبي توجيهًا آخر بشأن ك م و يتطلب مراقبةً أدقَّ لمنتجات البيوتكنولوجيا، تضيِّق القيود التي تفرضها التشريعات الأسبق. تسببت هذه المتطلبات التنظيمية في إبطاء دخول ك م و إلى أوروبا، وفرضت متطلبات تبطيقية مشدَّدة على ما سُمح بتسويقه منها هناك.

طبيعي أن ليس للأوروبيين رأي واحد في هذه المواضيع، فبغض النظر عن الفروق القومية، هناك تباين واسع في المنظور بين الصناعات الأوروبية البيوتكنولوجية والدوائية القومية، وبين جماعات المهتمين بحماية البيئة والمستهلك. تنعكس هذه الاختلافات على المفوضية ذاتها، عندما ينحو مدراء العموم لشئون الصناعة والعلوم نحو القوانين الفضفاضة، بينما يطلب مدراء العموم للبيئة أن توضع الهموم البيئية فوق المصالح الاقتصادية.

توجد تشريعات لسلامة الغذاء على المستوى الدولي أيضًا. في عام ١٩٦٢م قامت منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية، التابعتان للأمم المتحدة، بتشكيل لجنة الكودكس الغذائي، كُلِّفت بتنسيق معايير سلامة الغذاء وتطوير معايير دولية جديدة. ومعايير الكودكس طوعية، لكنها استخدمت الجات وحليفتها منظمة التجارة العالمية (م ت ع) كمعيار مرجعي للحكم على توافق معيار قومي ما مع متطلبات الجات/م ت ع. وضعت اتفاقية م ت ع عن الإجراءات الصحية والصحية النباتية عددًا من القواعد لتأسيس قوانين الأمان الغذائي القومي. فإذا فرضت دولة من أعضاء م ت ع معايير أمان أكثر صرامة مما في الكودكس، وبدت وكأنها لا ترتكز على العلم، فلغيرها من الأعضاء أن يعترضوا على أنها قد وضعت قيودًا غير عادلة على التجارة.

كان الكودكس الغذائي وحتى ظهور ك م و يعتبر نموذجًا للتوجيه الدولي التكنوقراطي الفعَّال. ستجد فيه الدول النامية ذات الأجهزة التنظيمية مجموعةً جاهزة من المعايير، كما أنه يشجع تجارةً أوسع في المنتجات الزراعية. ومع تقدم البيوتكنولوجيا، تزايد تدخُّل السياسة بشكل واضح في عمل الكودكس: قال النقاد إن معاييره تتأثر كثيرًا بالصناعات الزراعية والبيوتكنولوجية العالمية، وإن عملها محجوب عن الناس.

عولج البعد البيئي للبيوتكنولوجيا الزراعية على المستوى الدولي في بروتوكول قرطاجنة للأمن البيولوجي، بعد أن تبناه مؤتمر دولي لم يُعقد في قرطاجنة كولومبيا، وإنما في مونتريال كندا في يناير ٢٠٠٠م. يسمح البروتوكول للدول المستوردة أن تقيِّد من وارداتها من ك م و في غياب تأكيد علمي بأن المنتج المعنيَّ سيكون ضارًّا، كما يتطلب من الشركات التي ترغب في استيراد مثل هذه المنتجات أن تخطر الدولة المستوردة بوجود ك م و. اعتبر الأوروبيون أن تبنِّي بروتوكول قرطاجنة انتصارٌ لمبدأ الحيطة، وسيبدأ تطبيقه بعد أن تصدِّق عليه خمسون دولة. لا تستطيع الولايات المتحدة أن توقع هذا البروتوكول لأنها لم تكن عضوًا في المؤتمر الأم عن التنوع البيولوجي (المعروف باسم معاهدة ريو)، لكن ربما كان عليها أن تقبل شروطه باعتبارها أكبر مصدِّر للكائنات المحورة وراثيًّا.

كان الإطار التنظيمي المحيط بالبيوتكنولوجيا الزراعية خلافيًّا لحد كبير، وقد نشبت أكبر المعارك ما بين الولايات المتحدة وبين الاتحاد الأوروبي. لم توافق الولايات المتحدة أن يتخذ مبدأ الحيطة معيارًا للخطر، وإنما جادلت بأن عبء الإثبات لا بد أن يقع على عاتق من يدَّعي بوجود أضرار على السلامة أو البيئة، لا على من يدَّعي بعدم وجودها. عارضت الولايات المتحدة أيضًا التبطيق الإجباري على ك م و، لأن التبطيق يتطلب تمييزًا تكاليفه باهظة في سلسلة التصنيع الغذائي بين ك م و والكائنات غير المحورة. أولت الولايات المتحدة اهتمامًا خاصًّا إلى أن بروتوكول قرطاجنة قد يقوِّض شروط منظمة التجارة العالمية، وأنه قد يوفر أساسًا لا يرتكز على العلم لتقييد استيراد منتجات ك م و.

هناك أسباب عديدة لهذا الاختلاف في وجهة النظر. الولايات المتحدة هي أكبر الدول المصدرة للمنتجات الزراعية في العالم، وكانت من أوائل الدول التي تبنَّت المحاصيل المحوَّرة وراثيًّا، وهي ستخسر الكثير إذا ما وضعت الدول المستوردة قيودًا على ك م و أو طلبت التبطيق المكلِّف. المزارع الأمريكي مهيَّأ للتصدير ويفضِّل التجارة الحرة، أما زميله الأوروبي فيميل إلى مذهب حماية الإنتاج الوطني. لم تشهد الولايات المتحدة من رفض المستهلك للأغذية المحوَّرة وراثيًّا سوى قدر ضئيل لا يقارن بما حدث في أوروبا، وإن كان البعض من مصنِّعي الأغذية قد بدأوا، طوعًا، في تبطيق منتجاتهم. أما أوروبا فهي على العكس من ذلك: بها حركة بيئية أقوى بكثير تعادي البيوتكنولوجيا.

البيوتكنولوجيا البشرية

يُعتبر الإطار التنظيمي للبيوتكنولوجيا البشرية أقل تطورًا بكثير مقارنة بالبيوتكنولوجيا الزراعية، ويرجع هذا أساسًا إلى أن التحوير الوراثي في البشر لم يبلغ بعدُ ما بلغه التحوير في النبات والحيوان. البعض من الهيكل التنظيمي الحالي سيطبَّق على الإبداعات الجديدة التي تبدو على الأفق، والبعض يوضع الآن في موضعه الصحيح، لكن أهم عوامل الهيكل التنظيمي المستقبلي لا يزال ينتظر من يبتكره.

أما عوامل الهيكل التنظيمي الحالي الأنسب لما سيحدث من تطورات في البيوتكنولوجيا البشرية، فهي تلك القواعد الخاصة بمجالين مرتبطين إلى حد بعيد، هما مجال التجريب على البشر ومجال السماح بتداول العقاقير.

إن تطور القوانين الخاصة بالتجريب على البشر أمرٌ مثير حقًّا، ليس فقط لأنه سيطبَّق على ما سيجري من تجارب على استنساخ البشر أو هندسة الخط الجرثومي، وإنما أيضًا لأنه يمثل قضية قيود أخلاقية جوهرية تطبَّق بفعالية على البحث العلمي قوميًّا ودوليًّا. هي قضية تجري على عكس ما نسمعه من حكم بخصوص التنظيم: إنها توضح ألا وجود لحتمية تقدمٍ متحرِّر في العلوم والتكنولوجيا، ثم إنها قضية تظهر أقوى ما تكون في الدولة التي يُفترض أنها أكبر المعادين للتشريعات الحكومية: الولايات المتحدة.

تطورت القوانين الخاصة بالتجريب على البشر في الولايات المتحدة مترادفةً مع قوانين صناعة العقاقير، وكان المحرك في كل حالة هو الخزي أو الوحشية. ففي عام ١٩٣٧م وقعت ١٠٧ حالة وفاة بسبب النشر التجاري لمادة لم تُختبر هي سلفانيلامايد إلكسير، واتضح فيما بعد أنها تحتوي على سمِّ دياثيلين جليكول. أدت هذه الفضيحة وبسرعة إلى إصدار قانون الغذاء والدواء ومواد التجميل لسنة ١٩٣٨م، الذي لا يزال الأساس القانوني للسلطة التنظيمية لمصلحة الغذاء والدواء (م غ د) على الأطعمة والعقاقير الجديدة. أما فضيحة الثاليدوميد في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي فقد قادت في عام ١٩٦٢م إلى إصدار قانون كيفوفر بتعديلات العقاقير الذي شدَّد القوانين التي تحكم الموافقة العارفة للمتطوعين في تجارب العقاقير. وقد أدى الثاليدوميد، الذي أُبيح استعماله في بريطانيا، إلى تشوهات فظيعة في مواليد النسوة ممن تعاطَينه أثناء الحمل. أوقفت م غ د الموافقة عليه عند مرحلة التجريب الإكلينيكي، لكن العقار برغم ذلك تسبب في تشوهات في مواليد النساء اللوائي اشتركن في التجارب.

لم تكن العقاقير الجديدة وحدها هي ما يهدد الأفراد، بل التجريب الطبي في صورته العريضة. أصدرت الولايات المتحدة عددًا كبيرًا من القوانين لحماية الأفراد من التجارب العلمية، وكان السبب الأساسي في إصدارها هو الدور الذي لعبته م ق ص (ووزارة الصحة العمومية) في تمويل البحث البيوطبي في مرحلة ما بعد الحرب. مرة أخرى كانت التشريعات تصدر بسبب الفضائح والمآسي. قامت م ق ص في أوائل عهدها بوضع نظام للمراجعة الخبيرة لتقييم مشاريع البحوث. لكنها كانت تميل إلى أن تذعن لحكم المجتمع العلمي في تقرير المخاطر المقبلة لما قد يحدث للمتطوعين في البحث. أثبت هذا النظام عدم كفايته عندما كُشف عن فضيحة المستشفى اليهودي للأمراض المزمنة (التي حُقن فيها المصابون بأمراض مزمنة والضعفاء بخلايا سرطانية حية)، وفضيحة ويلوبروك (حيث تمت عدوى أطفال متخلِّفين بمرض التهاب الكبد)، وبفضيحة زهري طسكجي (حيث وُضع ٤٠٠ رجل أسود فقير شُخِّصوا بالزُّهري تحت المراقبة دون أن يخبرهم أحد بحالتهم، ثم تُرك الكثيرون منهم دون علاج عندما أتيح الدواء). قادت هذه الوقائع في عام ١٩٧٤م إلى قوانين فيدرالية جديدة، وأُنشئت اللجنة القومية لحماية الأفراد من البحوث البيوطبية والسلوكية. وضعت هذه القوانين الجديدة الأساس للنظام الحالي لمجالس المراجعة المؤسسية، التي تلزم موافقتها الآن للبحوث المموَّلة فيدراليًّا. لكن كفاية هذه الحماية لا تزال حتى الآن موضع نقد؛ أصدرت اللجنة الاستشارية القومية للأخلاقيات البيولوجية تقريرًا عام ٢٠٠١م تطلب تشريعًا فيدراليًّا لتشكيل مكتب قومي لمراقبة البحوث على البشر.

كان الأطباء آنئذٍ، مثلما هم الآن، يدافعون عن بحوثهم المشبوهة أخلاقيًّا، على أساس أن المنافع الطبية التي قد تأتي عن عملهم تفوق بمراحل ما قد يحدث من أذًى للمتطوعين. جادلوا أيضًا بأن المجتمع العلمي وحده هو الأقدر على الحكم على مخاطر وفوائد البحث البيوطبي، وقاوموا إصدار قانون فيدرالي يتدخل في مجال عملهم.

توجد القوانين المنظِّمة للتجريب على البشر، على المستوى العالمي أيضًا. القانون الأساسي في مجموعة قوانين نورمبيرج، وضع مبدأ أنه لا يجوز التجريب الطبي على فرد إلا بموافقته. نشأت هذه المجموعة من القوانين بعد أن كُشف عن التجارب الرهيبة التي قام بها الأطباء النازيون على نزلاء معسكرات الاعتقال أثناء الحرب العالمية الثانية. لم يكن لهذه القوانين أثر كبير على الممارسات الفعلية في الدول الأخرى، كما يشير سردٌ لما حدث أخيرًا من إساءات بالولايات المتحدة، بل لقد قاومها الكثير من الأطباء باعتبارها مقيِّدة أكثر من اللازم عند إجراء البحوث الصحيحة.

حلَّ إعلان هلسنكي الذي تبنته الجمعية الطبية العالمية (المنظمة العالمية التي تمثل الجمعيات الطبية القومية)؛ حلَّ محل قوانين نورمبيرج في عام ١٩٦٤م. وضع إعلان هلسنكي عددًا من المبادئ تحكم التجريب على البشر، من بينها الموافقة العارفة، ولقد رحَّبت به مهنة الطب الدولية فقد كان شيئًا كالتنظيم الذاتي أكثر منه قانونًا دوليًّا رسميًّا. تتباين الممارسات على أرض الواقع في الدول المتقدمة تباينًا واسعًا، برغم هذه القوانين الدولية. شهدت اليابان على سبيل المثال في تسعينيات القرن الماضي حالات لم يخبر فيها الأطباء مرضاهم بحالتهم أو بالعلاجات المحتملة.

وعلى الرغم من التباين في الممارسات ومن الهفوات العرضية، فإن قضية التجريب على البشر تبيِّن أن المجتمع الدولي قادر في الواقع على أن يضع الحدود الفعالة للطريقة التي تجرى بها البحوث العلمية بوسائل توازن ما بين حاجات البحث وبين كرامة من سيُجرى عليه البحث. هذه قضية سيلزم أن نعود إليها كثيرًا في المستقبل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦