سياسات للمستقبل
خلق التقدم في البيوتكنولوجيا ثقوبًا واسعة في الإطار الحالي للتنظيمات البيوطبية البشرية، ثقوبًا يتسابق المشرِّعون والإداريون حول العالم يحاولون رتقها.
ليس من الواضح مثلًا ما إذا كانت قوانين التجريب على البشر، التي عرضناها في الفصل السابق، تنطبق على الأجنَّة خارج الرحم. لقد تغيَّرت أيضًا طبيعة اللاعبين وتدفق المال داخل المجتمعات البيوطبية والصيدلية، ولهذا تضميناته الهامة بالنسبة لأي ترتيب تنظيمي في المستقبل.
شيء واحد قد أصبح واضحًا بشكل معقول: لقد آذن بالأفول الوقت الذي كانت فيه الحكومات تتعامل مع قضايا البيوتكنولوجيا بتشكيل لجان قومية تجمع العلماء سويًّا مع علماء اللاهوت والمؤرخين ورجال الأخلاقيات البيولوجية — مجاميع مثل اللجنة الاستشارية القومية للأخلاقيات البيولوجية بالولايات المتحدة، ومثل الجماعة الأوروبية للأخلاقيات في العلوم والتكنولوجيات الحديثة. لعبت هذه اللجان دورًا في غاية الأهمية بأن قامت بالعمل الذهني الأساسي الثقيل للتفكير في التضمينات الأخلاقية والاجتماعية للبحوث البيوطبية. لكن: لقد آن الأوان كي نتحرك من التفكير إلى العمل، من التوصية إلى التشريع. إننا نحتاج إلى مؤسسات لها سلطة التنفيذ الفعلي.
تجاوز عددٌ من الدول في الحقيقة مرحلة اللجان القومية وجماعات الدراسة إلى مرحلة التشريع الفعلي. كانت قضية استخدام الأجنَّة البشرية بين أولى القضايا السياسية الخلافية التي تصدَّى لها المشرِّعون. تمسُّ هذه القضية مجموعة كاملة من الممارسات والإجراءات الطبية البعض منها موجود حاليًّا والبعض في سبيله إلى التطوير. تتضمن هذه الممارسات: الإجهاض، الإخصاب خارج الرحم، التشخيص والفرز قبل الغرس، اختيار الجنس، بحوث الخلايا الجذعية، الاستنساخ لأغراض تكاثرية وبحثية، وهندسة الخط الجرثومي. يمكن للمجتمعات أن تتخذ قراراتها بالنسبة للأجنَّة من بين عدد هائل من التباديل والتوافيق. وعلى سبيل المثال يمكن لعيادات الإخصاب خارج الرحم أن تجهض الأجنَّة أو تنبذها، ولكن لا يُسمح لها بأن تخلقها خصوصًا لأغراض بحثية أو لانتخاب للجنس أو لأي خصيصةٍ أخرى. ستمثِّل صياغة هذه القوانين وتطبيقها المادة لأي نظام تشريعي للبيوتكنولوجيا البشرية. هناك في الوقت الحالي تشكيلة عريضة من القوانين على المستوى القومي تختصُّ بالأجنَّة البشرية: هناك حتى الآن (نوفمبر ٢٠٠١م) ست عشرة دولة قد أجازت قوانين تنظِّم بحوث الأجنَّة البشرية؛ من بينها فرنسا وألمانيا والنمسا وسويسرا والنرويج وأيرلندا وبولندا والبرازيل وبيرو (على الرغم من حقيقة أن الإجهاض قانوني في فرنسا)، وبالإضافة إلى هذا فإن المجر وكوستاريكا والإكوادور تحدُّ ضمنيًّا من البحوث، وذلك بأن تضفي على الجنين الحق في الحياة. أما فنلندا والسويد وإسبانيا فتسمح ببحوث الأجنَّة، ولكن فقط على الأجنَّة الزائدة التي تتبقَّى في عيادات الإخصاب خارج الرحم. تُعتبر القوانين الألمانية من بين الأكثر تشدُّدًا، منذ إقرار قانون حماية الأجنَّة عام ١٩٩٠م، الذي شُرِّع لعدد من المجالات، من بينها سوء معالجة الأجنَّة البشرية، والانتخاب للجنس، والتحوير الاصطناعي لخلايا الخط الجرثومي البشري، والاستنساخ، وتخليق الكيميرا والهجن.
أقرَّت بريطانيا في عام ١٩٩٠م قانون الإخصاب والأجنَّة الذي يُعتبر واحدًا من أكثر الأطر القانونية في العالم وضوحًا، لتنظيم بحوث الأجنَّة والاستنساخ. اعتقد البعض أن هذا القانون يحظر الاستنساخ التكاثري بينما يسمح ببحوث الاستنساخ، لكن محكمة بريطانية أصدرت عام ٢٠٠١م حكمًا بأنه من الممكن فعلًا السماح بالاستنساخ التكاثري تحت هذا القانون لوجود ثغرة فيه، لتتحرك الحكومة على الفور في محاولة لإغلاقها. ليس ثمَّة إجماع عبر القارة الأوروبية حول هذه القضية، ومن ثمَّ فلم يكن هناك أي فعل على المستوى الأوروبي لتنظيم بحوث الأجنَّة، اللهم إلا تأليف الجماعة الأوروبية للأخلاقيات في العلم والتكنولوجيات الحديثة.
-
التشخيص والفرز قبل الغرس:
ستكون هذه المجموعة من التكنولوجيات — التي يُفرز فيها عدد من الأجنَّة فرزًا وراثيًّا بحثًا عن عيوب الولادة وغيرها من الخصائص — ستكون هي أولى الخطوات نحو الطفل التفصيل، وستظهر قبل هندسة الخط الجرثومي. والحق أن مثل هذا الفرز قد مورس بالفعل بالنسبة لأطفال آباء عرضة لأمراض وراثية معينة. هل سنطلب في المستقبل السماح للآباء بفرز الأجنَّة وغرسها بعد اختيار الجنس، الذكاء، الطَّلعة، لون الشعر أو العين أو الجلد، التوجه الجنسي، وغير هذه، عندما يمكن تحديد هذه الصفات وراثيًّا؟
-
هندسة الخط الجرثومي:
إذا ما بلغنا هندسة الخط الجرثومي، أو عندما نبلغها، فسنواجه نفس القضايا التي يثيرها التشخيص والفرز قبل الغرس، إنما في صورة أكثر حدَّة. فالتشخيص والفرز قبل الغرس محدود بحقيقة أننا نختار فقط بين عدد معدود من الأجنَّة مسترشدين بجينات الأبوين. أما هندسة الخط الجرثومي فتوسِّع الاحتمال ليضم تقريبًا كل صفة تحدِّدها الوراثة، طالما أمكن تحديد هويتها بنجاح، بما في ذلك صفات تُجلب من أنواع أخرى.
-
تخليق الكيميرا باستخدام جينات بشرية:
صرَّح جيوفري بورن — المدير السابق لمركز الرئيسات التابع لجامعة إيمروي — أنه من المهم جدًّا من الناحية العلمية أن نحاول إنتاج هجين ما بين القردة والإنسان. اقترح باحثون آخرون أن تُستخدم النساء في حمل أجنَّة الشمبانزي أو الغوريلا. أعلنت إحدى شركات البيوتكنولوجيا (شركة أدفانسيد سيل تكنولوجي) أنها قد نجحت في نقل دنا بشري إلى بويضة بقرة، وأن البويضة نمَت حتى مرحلة البلاستوسيست عندما دمِّرت. أحجم العلماء عن السير في هذه البحوث خشية تشويه سمعتهم، لكن هذا النوع من البحوث ليس مخالفًا للقانون بالولايات المتحدة … هل سنسمح بتخليق كائنات هجينة تحمل جينات بشرية؟
-
عقاقير جديدة تعمل على المخ:
تقوم مصلحة الغذاء والدواء بمراقبة العقاقير العلاجية بينما تقوم مصلحة مراقبة المخدرات، ومعها الولايات، بمراقبة المواد المخدِّرة كالهيروين والكوكايين والماريجوانا. سيكون على المجتمعات أن تقرر مشروعية الأجيال الجديدة من عقاقير الأعصاب ومدى الاستخدام المسموح. وفي حالة العقاقير المحتملة التي تحسِّن الذاكرة أو المهارات المعرفية، سيكون عليها أيضًا أن تقرر مرغوبية استخدامها وطريقة تنظيم ذلك.
أين نضع الخطوط الحمراء؟
التنظيم في أساسه هو عملية رسم سلسلة من الخطوط الحمراء تفصل ما بين القانوني من الأنشطة وبين المحرَّم منها، وذلك وفقًا لتشريع يحدد المجال الذي يمكن للمنظِّمين فيه أن يصدروا أحكامهم. فإذا استثنينا بعض المتزمِّتين من مؤيدي مبدأ الحرية، فإن معظم من يقرأ قائمة الابتكارات السابقة التي قد تتيحها البيوتكنولوجيا سيطلبون على الأرجح أن تُرسم بعض الخطوط الحمراء.
هناك أشياء يلزم أن تُحظر دون تحفُّظٍ من بينها الاستنساخ التكاثري — نعني الاستنساخ بهدف ولادة طفل. لهذا أسبابه الأخلاقية وأسبابه العلمية، أسباب تمضي إلى أبعد بكثير مما أبدته اللجنة الاستشارية القومية للأخلاقيات البيولوجية من قلق لأن استنساخ الإنسان الآن لا يمكن أن يكون مأمونًا.
أما الأسباب الأخلاقية فتتعلق بحقيقة أن الاستنساخ صورة من التكاثر غير طبيعية على الإطلاق، صورة ستقيم أيضًا علاقات غير طبيعية بين الآباء وأطفالهم. علاقات الطفل النَّسيخ مع أبويه لن تكون متناسقةً، سيكون النَّسيخ ابنًا (أو بنتًا) وتوأمًا للوالد الذي استنسخ، ولن تكون له (أو لها) أدنى علاقة بالوالد الآخر. ثم إن المفترض أن يقوم هذا الوالد الأخير برعاية الصورة الجديدة من قرينته (أو قرينها). كيف سيعتني هذا الوالد بالنَّسيخ عندما يصل سنَّ البلوغ؟ إن الطبيعة — لكل الأسباب التي شُرحت في الفصول السابقة من هذا الكتاب — هي المرجع الصحيح لقيمنا، ولا يجب أن تُهمل كمعيارٍ لعلاقة الوالد بطفله. صحيح أننا قد نضع سيناريوهات عاطفية نبرِّر بها الاستنساخ (مثلًا، شخص نجا من الهولوكوست وليس أمامه من سبيل آخر لاستمرار خطِّ عائلته) لكنها أبدًا لا تشكِّل مصلحة مجتمعية قوية تكفي لتبرير ممارسة ستكون — على الجملة — ضارة.
بجانب هذه الاعتبارات المتأصِّلة في الاستنساخ، هناك أيضًا عدد من الأمور العملية. إن الاستنساخ هو الإسفين الفالق لسلسلة من تكنولوجيات جديدة ستؤدي في نهاية المطاف إلى الأطفال التفصيل. ثم إنه هو الأقرب في التحقق من الهندسة الوراثية. فإذا ما تعوَّدنا على الاستنساخ في الأجل القريب، فسيصعب علينا أن نعارض فيما بعدُ هندسة الخط الجرثومي بهدف التحسين. من المهم أن نضع واسمًا سياسيًّا في هذه المرحلة المبكرة لنبيِّن أن تطوير هذه التكنولوجيات ليس أمرًا محتومًا، وأن المجتمعات يمكنها أن تتخذ إجراءاتها للتحكم في سرعة التقدم التكنولوجي ومجالاته. ليس ثمَّة أغلبية قوية تؤيِّد الاستنساخ في أية دولة، وهو أيضًا مجالٌ تعارضه أغلبية الدول. الاستنساخ إذن فرصةٌ استراتيجية هامة لتأكيد إمكانية التحكم السياسي في البيوتكنولوجيا.
الحظر الكامل الشامل هو الأمر الملائم هنا، لكنه لن يكون النموذج الطيب للتحكم في تكنولوجيات المستقبل. بدأ بالفعل استخدام التشخيص والفرز قبل الغرس لضمان ولادة أطفال بلا أمراض وراثية. من الممكن أن تُستخدم نفس هذه التكنولوجيا لأغراض ليست كهذه جديرة بالثناء — مثل اختيار جنس الوليد. ليس علينا في هذه الحالة أن نحظر التقنية، لنا أن ننظِّمها، بأن نضع الخطوط الحمراء، ليس حول النَّهج ذاته وإنما داخل مجال استخداماته المحتملة للتمييز بين القانوني منها وغير القانوني.
ثمَّة طريقة واضحة لوضع الخطوط الحمراء، وذلك بالتمييز بين العلاج وبين التعزيز، لنوجِّه البحوث نحو العلاج، ونضع القيود حول التعزيز. الهدف الأصلي للطب على أية حال هو أن نعالج المريض لا أن نُحيل الأصحاء إلى آلهة. إننا لا نريد لنجوم الرياضة أن يعرجوا بسبب ركبة مريضة أو أربطة ممزَّقة، لكنا أيضًا لا نريد منهم أن يتنافسوا على أساس مَن منهم قد تعاطى أكبر جرعة من الاستيرويدات. المبدأ العام يسمح لنا أن نستخدم البيوتكنولوجيا مثلًا في علاج الأمراض الوراثية كمرض رقص هنتنجتون أو التليف الكيسي، لا في أن نجعل أطفالنا أطول أو أكثر ذكاء.
هوجم التمييز بين العلاج والتعزيز على أساس أن ليس ثمَّة طريقة للتمييز بينهما نظريًّا، ومن ثمَّ فليس ثمَّة طريقة للتمييز بينهما عمليًّا. هناك تقليد قديم — جادل فيه وبشدة في السنين الأخيرة الفرنسي ميشيل فوكو، أحد مفكِّري ما بعد الحداثة — تقليد يقول إن ما يعتبره المجتمع مرضًا أو علَّةً هو في واقع الأمر ظاهرة من صنع المجتمع يوصم فيها من ينحرف عن معيارٍ مفترض. الشذوذ الجنسي، إذا أخذنا مثالًا واحدًا، كان يُعتبر لفترة طويلة غير طبيعي، وقد صنِّف علَّةً نفسية حتى الجزء الأخير من القرن العشرين، عندما نزعت عنه صفة المرضية مع تزايد قبوله في مجتمعات الدول المتقدمة. شيء كهذا يمكن أن يقال أيضًا عن القزمية: طول الإنسان صفة توزَّع توزيعًا طبيعيًّا، لكن النقطة التي يصبح الفرد قزمًا عندها ليست نقطة واضحة. فإذا كان من القانوني أن نزوِّد بهرمون النمو الطفل إذا وقع في النصف في المائة الأدنى من المنحنى، فمن يستطيع أن يقول إنك لا تستطيع أن تصف الهرمون لمن يقع في الخمسة في المائة الدُّنيا، أو حتى في النصف الأدنى من المنحني؟ يجادل عالم الوراثة لي سيلفر بنفس هذا، حول الهندسة الوراثية في المستقبل، قائلًا إنه من المستحيل أن نرسم خطًّا بين العلاج والتعزيز بطريقة موضوعية: الهندسة الوراثية على أية حال ستُستخدم لإضافة شيء إلى جينوم الطفل لا يوجد في جينوم أبيه ولا جينوم أمه.
صحيح أن بعض الحالات يصعب أن نميِّز فيها بوضوح بين المرَضي والطبيعي، لكن من الصحيح أيضًا أن هناك شيئًا اسمه الصحة. هناك كما جادل ليون كاس شيء اسمه التشغيل الطبيعي للكائن بأكمله، التشغيل الذي حددته متطلَّبات التاريخ التطوري للنوع — وهذا ببساطة ليس بناءً اجتماعيًّا اعتباطيًّا. كثيرًا ما تصوَّرت أن من يجادلون بعدم وجود فروق من ناحية المبدأ بين المرض والصحة هم أناس لم يمرضوا أبدًا: إذا أصبت بفيروس أو كسرت رجلك، فستعرف مؤكَّدًا أن هناك خطأً ما.
وحتى في الحالات التي لا يكون فيها الخط الفاصل بين المرض والصحة، بين العلاج والتعزيز، واضحًا، فإن الجهات التنظيمية تستطيع روتينيًّا أن تقوم بهذا التمييز عمليًّا. خذ قضية الريتالين. أوضحنا في الفصل الثالث أن المرض الذي يفترض أن يقوم الريتالين بعلاجه (مرض قلَّة الانتباه-فرط النشاط) ليس على الأغلب مرضًا على الإطلاق، وإنما هو بطاقة نلصقها على أناس بذيل المنحنى الطبيعي للسلوك المرتبط بالتركيز والاهتمام. ليس هناك إذن خطٌّ صريح يفصل بين ما قد نعتبره استعمالًا، للريتالين، علاجيًّا أو تعزيزيًّا. هناك في طرفٍ من طرفَي التوزيع أطفال يمكن لأي شخص أن يقول إنهم فائقو النشاط ويستحيل معهم أداء العمل الطبيعي، ويصعب أن يعترض على علاجهم بالريتالين. وهناك على الطرف الآخر من التوزيع أطفال لا يزعجهم على الإطلاق التركيز أو التفاعل بحيث يصبح تعاطيهم الريتالين مجرد خبرة ممتعة تعطيهم ذروة بهجةٍ مثل أي أمفيتامين آخر. سيكون تعاطيهم العقار هنا إذن للتعزيز لا للعلاج، ولذا فإن معظمنا سيطلب منعه عنهم. إن ما يجعل الريتالين أمرًا خلافيًّا هو كل الأطفال في وسط المنحنى، الذين تظهر بهم بعض لا كلُّ معايير تشخيص المرض كما جاءت في دليل تشخيص وإحصاءات الأمراض العقلية ثم قام طبيب العائلة رغم ذلك بوصف هذا العقار لهم.
بعبارة أخرى، إذا كان ثمَّة حالة يكون فيها التمييز غامضًا بين المرض والصحة في التشخيص، وبين العلاج والتعزيز في المعالجة، فهي حالة الريتالين ومرض قلَّة الانتباه-فرط النشاط. ورغم ذلك فإن جهات التنظيم تقوم بهذا التمييز وتنفِّذه طول الوقت. تقوم إدارة شئون المخدرات بتصنيف الريتالين في الفئة الثانية الصيدلية التي لا تؤخذ إلا لأغراض علاجية وبوصفة من الطبيب، ولقد فرض حظر استعمال الريتالين للترويح (أي للتعزيز) كأمفيتامين. أما كون الحدود بين العلاج والتعزيز غير واضحة فهذا أمر لا يجعل التمييز خاليًا من المعنى. أما شعوري القوي فهو أن هذا العقار يوصف بالولايات المتحدة بصورة أكثر من اللازم، ويستخدم في حالات يلزم فيها أن يطرق الآباء والمدرسون الوسائل التقليدية لشغل الأطفال وتشكيل شخصياتهم. لكن النمط التنظيمي الحالي — برغم مساوئه — هو أفضل من وضعٍ يحظر فيه الريتالين كلِّيةً أو يُباع فيه على الطاولة مثل دواء الكحَّة.
يستدعى المنظِّمون طول الوقت لاتخاذ أحكام عسيرة حول مواضيع يصعب أن تُعرض على تفحُّصٍ نظريٍّ دقيق. ما الذي يشكِّل المستوى المأمون من المعادن الثقيلة في التربة، أو من ثاني أكسيد الكبريت في الجو؟ كيف يبرِّر المنظِّم تخفيض مستوى سمٍّ معيَّنٍ في مياه الشرب من خمسين جزءًا في المليون إلى خمسة إذا ما كان يقايض العواقب الصحية بتكاليف الإذعان؟ دائمًا ما تكون هذه القرارات خلافية، لكنها، بمعنًى ما، أسهل في التطبيق عنها في النظرية. يسمح النظام السياسي الديمقراطي الصحيح لمن يهمُّهم قرار المنظِّمين بالشد والجذب مع بعضهم بعضًا حتى الوصول إلى حلٍّ وسط.
إذا اتفقنا من ناحية المبدأ على أنَّا في حاجة إلى أن نضع الخطوط الحمراء، فليس من المجدي أن نبذل وقتًا طويلًا نجادل: أين بالضبط ستوضع هذه الخطوط. سيلزم، كما هو الحال في المجالات الأخرى للتنظيم، أن يرتكز الكثير من هذه القرارات على التجربة والخطأ تقوم بها الجهات التنفيذية بناءً على المعرفة والخبرة غير المتوفِّرة في الوقت الحالي. أما الأهم فهو التفكير في تصميم المؤسسات التي يمكنها وضع التنظيمات وتنفيذها، مثلًا في موضوع استخدام التشخيص والفرز قبل الغرس، للعلاج لا لأهداف تعزيزية، وكيف يمكن أن تُنشر مثل هذه المؤسسات على المستوى الدولي.
والفعل، كما ذكرنا في بداية هذا الفصل، لا بد أن يبدأ بالمشرِّعين يضاعفون عملهم ويضعون القوانين والأعراف. هذا أمر قوله أسهل من تطبيقه: فالبيوتكنولوجيا موضوع معقد تقنيًّا ويتطلب براعاتٍ خاصة، ثم إنها فوق ذلك تتغير كل يوم، وتحيط بها تنويعة من أصحاب المصالح يجذبونها إلى اتجاهات مختلفة. لا تقع سياسة البيوتكنولوجيا بين الفئات السياسية المألوفة، فكونك جمهوريًّا محافظًا أو ديمقراطيًّا اشتراكيًّا يساريًّا، لا يخبرنا كيف ستصوت على قانون يسمح بما يسمَّى الاستنساخ العلاجي أو على قانون يسمح ببحوث الخلايا الجذعية. لهذه الأسباب يفضل الكثيرون من المشرعين تجنب القضية، آملين أن تُحل بطريقة أو بأخرى.
لكن عدم القيام بالفعل تحت ظروف التغير التكنولوجي السريع هو في الواقع اتخاذ قرار بشأن تقنين هذا التغير. إذا لم يرتفع المشرعون في المجتمعات الديمقراطية إلى مستوى مسئولياتهم، فستقوم مؤسسات أخرى ونشطاء آخرون باتخاذ القرارات لهم.
هذا صحيح بخاصَّةٍ إذا نظرنا إلى خصوصيات النظام السياسي الأمريكي. كان الوضع في الماضي هو أن تتدخل المحاكم في المجالات الخلافية للسياسة الاجتماعية إذا ما عجزت الهيئة التشريعية عن الوصول إلى قوانين سياسية مقبولة. وفي غياب أي فعلٍ من الكونجرس بخصوص قضية كالاستنساخ، لنا أن نتصور أن تغرى المحاكم، أو تُجبَر، بعد فترة على معالجة هذا الصدع لتكتشف مثلًا أن استنساخ الإنسان أو أن البحث في الاستنساخ هو حقٌّ يكفله الدستور. كان هذا في الماضي نهجًا غاية في الضعف لصياغة قانون أو سياسة عامة، نهجًا لوَّث السياسات، مثل إجازته للإجهاض، وهذا أمرٌ كان الأصح أن يسن تشريعيًّا. من ناحية أخرى، لو أن الشعب الأمريكي قد عبر عن رغبته بوضوح بالنسبة لقضية استنساخ الإنسان، وذلك من خلال ممثليه المنتخَبين ديمقراطيًّا، فستعزف المحاكم عن الاعتراض على مشيئتهم باكتشاف حقٍّ جديد.
إذا ما بدأت الهيئة التشريعية في وضع ضوابط تنظيمية إضافية على البيوتكنولوجيا البشرية، فستواجه بقضايا ضخمة بشأن تصميم المؤسسات اللازمة لتنفيذها. عُرضت نفس هذه القضية على بساط البحث أمام الولايات المتحدة والجماعة الأوروبية في ثمانينيات القرن الماضي عندما ظهرت البيوتكنولوجيا الزراعية على المسرح: هل تُستخدم الأجهزة التنظيمية الموجودة لمعالجة الموضوع، أم أن التكنولوجيات الجديدة تختلف كثيرًا حتى لتتطلَّب أجهزة جديدة؟ بالنسبة لأمريكا: قررت إدارة ريجان أن البيوتكنولوجيا الزراعية لا تمثل قطعًا جذريًّا عن الماضي يستحق تنظيمًا للعملية، لا للمنتج، وعلى هذا قررت أن تترك السلطة التنظيمية للأجهزة الموجودة مثل مصلحة الغذاء والدواء (م غ د) ووكالة حماية البيئة (و ح ب)، بما لها من سلطات قانونية. أما الأوروبيون، فعلى العكس من ذلك، قرروا أن يتم التنظيم على أساس العملية، ومن ثم كان عليهم أن يضعوا إجراءات تنظيمية جديدة لمعالجة منتجات البيوتكنولوجيا.
تواجه كل الدول اليوم قرارات مماثلة بخصوص البيوتكنولوجيا البشرية. قد يكون من الممكن بالولايات المتحدة أن تترك السلطة التنظيمية في يد المؤسسات الموجودة حاليًّا، مثل مصلحة الغذاء والدواء والمعاهد القومية للصحة أو الجماعات الاستشارية مثل اللجنة الاستشارية للدنا المطعَّم. من الحصافة التحفظ في إنشاء مؤسسات تنظيمية جديدة وطبقات إضافية من البيروقراطية. من ناحية أخرى، هناك العديد من الأسباب تدعو إلى التفكير بأننا نحتاج إلى إقامة مؤسسات جديدة لمعالجة تحديات الثورة البيوتكنولوجية القادمة، ذلك أنَّا إذا لم نفعل ذلك فسنكون كمن يحاول أن يستخدم لجنة التجارة بين الولايات، التي كانت مسئولة عن تنظيم حركة اللوريات، في مراقبة حركة الطيران المدني عندما ظهرت، بدلًا من إنشاء إدارة طيران فيدرالية خاصة.
دعنا نفكر أولًا في حالة الولايات المتحدة. إن ضيق اختصاصات المؤسسات الموجودة قد يكون سببًا أوليًّا للقول بأنها قد لا تكفي لتنظيم البيوتكنولوجيا البشرية: تختلف البيوتكنولوجيا البشرية جوهريًّا عن البيوتكنولوجيا الزراعية من حيث إنها تثير العديد من القضايا الأخلاقية المرتبطة بالكرامة البشرية وبحقوق الإنسان، وهذه قضايا ليست مطروحةً في حالة ك م و. صحيح أن البعض يعترض على المحاصيل المهندسة وراثيًّا على أسسٍ أخلاقية، لكن أكثر الشكاوى صخبًا إنما يتعلق بعواقبها السلبية المحتملة على صحة الإنسان وبآثارها على البيئة. وهذا بالضبط هو ما أنشئت من أجله المؤسسات التنظيمية الحالية مثل م غ د، و ح ب، ووزارة الزراعة. ربما انتقدناها لأنها تطبق معايير خاطئة، أو لأنها ليست حريصة بما يكفي، لكنها لا تخرج عن نطاق سلطاتها التنظيمية إذا هي تعاملت مع الأغذية المهندسة وراثيًّا.
دعنا نفترض أن الكونجرس قد ميز تشريعيًّا بين الاستخدام العلاجي والاستخدام التعزيزي للتشخيص والفرز قبل الغرس. لم تُنشأ م غ د لاتخاذ قرارات سياسية حساسة تختص بالنقطة التي عندها يتوقف الانتخاب، لخصائص كالذكاء والطول، عن أن يكون علاجيًّا، ليصبح تعزيزيًّا، أو ما إذا كان من الممكن اعتبار هذه الصفات علاجيةً من أصله. قد ترفض م غ د المصادقة على إجراء ما، فقط على أساس فعاليته والأمان في استخدامه، لكن سيكون هناك الكثير غيره من الإجراءات المأمونة والفعالة، والتي رغم ذلك تتطلَّب التفحص التنظيمي. إن حدود سلطات م غ د واضحة بالفعل: لقد أكدت حقها في تنظيم استنساخ البشر على أسسٍ مشكوكٍ فيها قانونيًّا تقول إن الطفل النسيخ يمثل منتجًا طبيًّا، ومن ثم يخضع لسلطاتها.
يمكن دائمًا أن نحاول تعديل امتيازات م غ د وأن نوسعها، لكن الخبرة السابقة تقول إنه من الصعب جدًّا أن نغير ثقافة الأجهزة التنظيمية ذات التاريخ الطويل، ليس فقط لأن الجهاز سيقاوم الاضطلاع بمهام جديدة لكن لأن التكليف الجديد سيعني على الأغلب أن أداء المهام القديمة سيصبح أسوأ. هذا يعني إذن الحاجة إلى إنشاء جهاز جديد يراقب التصديق على الجديد من الأدوية والإجراءات والتكنولوجيات الخاصة بصحة الإنسان. ثم سيكون على هذه السلطة الجديدة، بجانب مهمتها العريضة، أن تنشئ هيئة عملٍ مختلفة — تضم فيها مع الأطباء والعلماء الذين يعملون في م غ د ويراقبون التجارب الإكلينيكية على العقاقير الجديدة، أصواتًا مجتمعية أخرى قادرة على تقييم التضمينات الاجتماعية والأخلاقية للتكنولوجيا.
هناك سبب آخر لعدم كفاءة المؤسسات الحالية في تنظيم البيوتكنولوجيا في المستقبل، سبب يتعلق بالتغيرات التي حدثت في مجتمع الباحثين وفي صناعة البيوتكنولوجيا/المستحضرات الطبية ككلٍّ عبر الجيل الماضي. مرت فترة في أوائل التسعينيات كانت فيها المعاهد القومية للصحة وغيرها من الأجهزة الحكومية هي التي تمول تقريبًا كل البحوث البيوطبية بالولايات المتحدة. هذا يعني أن قد كان في مقدور م ق ص أن تنظم هذه البحوث من خلال سلطتها الداخلية لوضع القواعد. تمامًا مثل القواعد المتعلقة بالتجريب على البشر. كان في مقدور المنظمين الحكوميين أن يعملوا في تناغمٍ مع لجان العلميين العارفين ببواطن الأمور — مثل اللجنة الاستشارية للدنا المطعَّم — ليطمئنوا إلى أن لا أحد بالولايات المتحدة يُجري أبحاثًا خطرةً أو مشكوكًا فيها أخلاقيًّا.
لم يعد هذا الآن ممكنًا. صحيح أن الحكومة الفيدرالية لا تزال هي أكبر مصدر لتمويل البحوث، إلا أن هناك قدرًا هائلًا من أموال الاستثمار الخاص يرعى العمل في البيوتكنولوجيات الجديدة. أنفقت صناعة البيوتكنولوجيا الأمريكية وحدها عام ٢٠٠٠م ما يقرب من ١١ بليون دولار على البحوث، ووظَّفت ١٥٠٠٠٠ شخص، وتضاعف حجمها منذ عام ١٩٩٣م. والحق أن مشروع الجينوم البشري الذي تموله الحكومة بميزانية ضخمة قد أُجبر على التراجع أمام شركة كريج فينتز الخاصة (سيليرا جينومكس) التي دخلت سباق خرطنة الجينوم البشري. كان طومبسون بجامعة ويسكونسين هو من استزرع أول خط من الخلايا الجذعية الجنينيَّة، إنما بأموال غير حكومية، إذعانًا لحظر التمويل الفيدرالي للبحوث التي تؤذي الأجنَّة. رأى الكثيرون من المشتركين في ورشة العمل التي أقيمت في ذكرى مرور ٢٥ عامًا على انعقاد مؤتمر أزيلومار عن الدنا المطعَّم، رأوا أنه على الرغم من أن اللجنة الاستشارية للدنا المطعَّم قد أدت مهمَّةً خطيرةً في أيامها، إلا أنها لم تعد صالحةً لمراقبة أو تنظيم صناعة البيوتكنولوجيا الحالية — فليست لديها أية سلطة رسمية، وليس لها من عمل سوى تجميع آراء صفوة المجتمع العلمي. لقد تغيرت مع الزمن أيضًا طبيعة هذا المجتمع. لم يعد هناك الكثير من الباحثين الأنقياء، الذين لا تربطهم علاقات بصناعة البيوتكنولوجيا، أو الذين لا مصالح تجارية لهم في تكنولوجيات بذاتها.
هذا يعني أن أي جهاز جديد للتنظيم لا بد أن تكون له الصلاحية، ليس فقط على تنظيم البيوتكنولوجيا على أرضيةٍ أعرض من مجرد الكفاءة والأمان، وإنما يلزم أيضًا أن تكون له السلطة التشريعية على كل البحوث والتقارير، وليس فقط على البحوث الممولة فيدراليًّا. ولقد شُكِّل مثل هذا الجهاز: هيئة الإخصاب والأجنَّة البشرية في إنجلترا بهذا الهدف. إن توحيد السلطات التنظيمية في جهاز واحد جديد سيُنهي الإذعان لقيود التمويل الفيدرالي بالبحث عن المدعمين من القطاع الخاص. وسيُلقي، فيما نأمل، بأضواءٍ متَّسقةٍ على قطاع البيوتكنولوجيا برمَّته.
ما هي توقعات أن تقوم الولايات المتحدة وغيرها من الدول بإنشاء جهاز تنظيمي بالصورة التي أوجزناها فيما سبق؟ ستكون هناك عقبات سياسية كأْداء ضد إقامة مؤسسات جديدة. تعارض صناعة البيوتكنولوجيا أية تنظيمات (هي تود لو ترى قوانين م غ د وقد خُفِّفت) ومثلها أيضًا مجتمع العلماء والباحثين على جملته. معظمهم يفضِّل أن يُتَّخذ التنظيم داخل مجتمعاتهم الخاصة، خارج نطاق القانون الرسمي، تصاحبهم في هذا جماعات المدافعين عن المرضى وكبار السن وغيرهم ممن يهمهم تطوير علاجات للأمراض المختلفة — تشكل هذه الجماعات معًا تحالفًا سياسيًّا غاية في القوة.
هناك من الأسباب ما يدعو صناعة البيوتكنولوجيا لأن تضع في اعتبارها تشجيع إصدار تشريع رسمي ملائمٍ للبيوتكنولوجيا البشرية، بعيدًا عن المصالح الشخصية الطويلة الأمد. وفي سبيل ذلك عليها ألا تنظر لأبعد ممَّا حدث مع البيوتكنولوجيا الزراعية، ففيها الدرس المفيد عن المآزق السياسية التي تنجم عن التعجيل بعرض التكنولوجيا الجديدة.
في بداية تسعينيات القرن الماضي فكرت شركة مونسانتو — إحدى الشركات الرائدة في مجال البيوتكنولوجيا الزراعية — في أن تطلب من إدارة بوش قوانين تنظيمية رسمية أقوى، لمنتجاتها المهندسة وراثيًّا، بما في ذلك متطلَّبات التَّبطيق. على أن تغيراتٍ في القيادة العليا قد أدت إلى قتل المبادرة، لعدم وجود أية براهين علمية على المخاطر الصحية. قدمت الشركة سلسلةً من ك م و جديدة، أسرع المزارعون الأمريكان بتبنيها. أما ما عجزت الشركة عن توقعه فهو الحركة السياسية التي ظهرت في أوروبا ضد ك م و، والمتطلَّبات التبطيقيَّة الصارمة التي فرضها الاتحاد الأوروبي عام ١٩٩٧م على الأطعمة المحورة وراثيًّا التي تستوردها أوروبا.
وجهت مونسانتو، وغيرها من الشركات الأمريكية، اللوم إلى الأوروبيين وبألفاظ جارحة، لكن قوة السوق الأوروبية أجبرت المصدِّرين الأمريكان على الرضوخ لقوانينها. أما المزارعون الأمريكان — ولم تكن لديهم وسيلة لفصل الأغذية المهندسة وراثيًّا عن غيرها — فقد وجدوا أنفسهم وقد أُبعدوا عن أسواق تصديريَّة هامة. وكانت استجابتهم هي أن قاموا بتخفيض المحاصيل المهندسة وراثيًّا بعد عام ١٩٩٧م، واتهموا الصناعة البيوتكنولوجية بأنها قد ضللتهم. أدركت إدارة شركة مونسانتو أنها قد أخطأت خطأً فاحشًا إذ لم تعمل مبكرًا على ترسيخ بيئةٍ تنظيمية مقبولة تطمئن المستهلكين على أن منتجات الشركة مأمونة، حتى لو لم يكن ذلك أمرًا ضروريًّا علميًّا.
أما تاريخ تنظيمات المستحضرات الصيدلية فقد دفعته قصص الرعب، مثل قصة السلفانيلامايد إلكسير وقصة الثاليدوميد. ولقد يتطلَّب الأمر أن تنتظر التنظيمات الخاصة باستنساخ الإنسان حتى يولد طفل مشوَّهٌ تشويهًا فظيعًا نتيجة محاولة للاستنساخ فاشلة. على الصناعة البيوتكنولوجية أن تنظر فيما إذا كان الأفضل أن تتوقَّع هذه المشاكل الآن فتعمل على صياغة نظام يخدم مصالحها ويطمئن الناس على سلامة منتجاتها وعلى طبيعتها الأخلاقية، أو أن تنتظر حتى تواجه احتجاجًا شعبيًّا هائلًا عقب حادثةٍ شائنة أو تجربة بشعة.
أبدايةٌ لتاريخ ما بعد البشر؟
أقيم التاريخ الأمريكي، بدءًا من عام ١٧٧٦م، على قاعدة من الحق الطبيعي: الحكومة الدستورية وسيادة القانون وتقييد السلطة الاستبدادية للطغاة، ستحمي تلك الحريَّة التي يتمتع بها البشر بطبيعتهم. وكما نبه أبراهام لنكولين بعد سبعة وثمانين عامًا، فإنه نظام كرس لقضيَّة أن البشر جميعًا قد خُلقوا متساوين. لن تكون هناك مساواة في الحرية إلا إذا وجدت مساواة طبيعية بين الناس؛ أو، إذا وضعنا الأمر في صورة أكثر إيجابية: إن حقيقة المساواة الطبيعية قد اقتضت المساواة في الحقوق السياسية.
أشار النقاد إلى أن الولايات المتحدة أبدًا لم تبلغ هذا المثل الأعلى للمساواة في الحرية، وأنها قد استبعدت، عبر التاريخ، جماعاتٍ برمَّتها. أما المدافعون عن النظام الأمريكي فقد أشاروا — على حقٍّ في رأيي — إلى أن مبدأ الحقوق المتساوية قد تسبب في توسيع مطردٍ لدائرة المؤهلين للحقوق؛ فما أن ترسخت فكرة أن للبشر جميعًا حقوقًا طبيعية، حتى اتجه الجدل في التاريخ السياسي الأمريكي إلى قضية: من يقع داخل هذه الدائرة المسحورة من البشر الذين ذكر إعلان الاستقلال أنهم قد خُلقوا متساوين. لم تضم الدائرة في البداية النساء ولا السود ولا البيض عديمي الملكية، لكنها اتسعت في بطءٍ وفي ثقةٍ لتضم هؤلاء جميعًا.
وسواء أدرك المشتركون في هذه المجادلات أم لم يدركوا، فقد كانت لديهم جميعًا على الأقل فكرةٌ مخبوءةٌ عن ماهية جوهر الإنسان، ومن ثم أساس للحكم عمَّا إذا كان هذا الشخص أو ذاك مؤهلًا. يختلف الناس مظهريًّا في الملامح والحديث والفعل اختلافًا بينًا، وعلى هذا فإن الكثير من هذا الجدل كان يدور حول ما إذا كانت هذه الفروق الواضحة فروقًا عرضيَّةً أم أنها متجذرةٌ في الطبيعة.
تعاون العلم الطبيعي الحديث لحدٍّ ما في توسيع فكرتنا عمن يكون مؤهلًا كإنسان، إذ كان يسعى إلى التأكيد على أن معظم الفروق الواضحة بين البشر فروقٌ عرضيَّةٌ وليست طبيعية. وحيثما كانت فروقٌ طبيعية — كتلك الموجودة بين الرجال والنساء — كان العلم يوضح أنها إنما تمس خصائص غير جوهرية لا صلة لها بالحقوق السياسية.
وعلى هذا، فعلى الرغم من السمعة السيئة لاعتناق فلاسفة أكاديميين مفاهيم كالحقوق الطبيعية، فإن معظم عالمنا السياسي يستند على وجود جوهرٍ بشري ثابت أضفته علينا الطبيعة، أو بالأحرى، على حقيقة أننا نعتقد بوجود مثل هذا الجوهر.
ربما كنا على مشارف مستقبل سلالةٍ بعد بشريَّةٍ تمنحنا فيه التكنولوجيا القدرة على أن نحور بالتدريج هذا الجوهر، مع الزمن. الكثيرون يتقبلون هذه الفكرة في سرورٍ تحت شعار حريَّة البشر. يريدون أن يعظموا من حريَّة الآباء في اختيار من ينجبون، ومن حريَّة العلماء في موالاة البحث، ومن حريَّة المقاول في استخدام التكنولوجيا لجمع الثروة.
غير أن هذا النوع من الحرية نوع يختلف عن كل ما تمتع به البشر من حريات قبلًا. كانت الحرية السياسية حتى الآن تعني حريَّة تعقب الغايات التي وضعتها لنا طبائعنا. لم تحدد هذه الغايات بشكل صارم. الطبيعة البشرية مرنةٌ للغاية، ولنا مجالٌ هائل من الخيارات يتفق مع هذه الطبيعة. لكنها ليست طيعة إلى ما لا نهاية. العناصر التي تظل ثابتة — لا سيما تلك السلسلة من الاستجابات الانفعالية التي تميز جنسنا — تشكل مرفأً آمنًا يسمح لنا بالتواصل مع كل إنسان آخر.
ربما كُتب علينا أن نمضي إلى هذا النوع الجديد من الحرية، أو أن المرحلة الجديدة من التطور هي مرحلة — كما اقترح البعض — سنمسك فيها، متعمدين، بزمام بنيتنا البيولوجية فلا نتركها لقوى الانتخاب الطبيعي العمياء. فإذا ما فعلنا ذلك، لا بد أن نفعله بأعينٍ مفتوحة. الكثيرون يفترضون أن عالم ما بعد البشر سيشبه كثيرًا عالمنا هذا — به الحريَّة والمساواة والرخاء والرعاية والشفقة — إنما برعايةٍ طبية أفضل، وأعمار أطول، وربما بذكاءٍ يفوق الذكاء الحالي.
ولقد يكون عالم ما بعد البشر هذا عالمًا أكثر هيراركيَّةً وتنافسية من عالمنا هذا، فيمتلئ لذلك بالصراع الاجتماعي. قد يكون عالمًا تختفي فيه فكرة «الإنسانية المشتركة» لأنَّا مزجنا الجينات البشرية بجينات أنواع أخرى كثيرة ولم يعُد لدينا فكرة واضحة عمن يكونه الإنسان. قد يكون عالمًا يدخل فيه الإنسان الوسط قرنه الثاني من العمر وهو يجلس في دار تمريض المسنين يتطلع إلى موتٍ يأمل أن يدركه. أو ربما كان عالم الطغيان الناعم الذي تخيله «عالمٌ جديد شجاعٌ». يتمتع فيه الجميع بالصحة والسعادة، وينسى فيه الكل معنى الأمل والخوف والكفاح.
ليس علينا أن نقبل أيًّا من هذه المستقبلات تحت شعارٍ كاذب لحريَّة، حريَّة حقوق تكاثر لا تحد أو حريَّة بحثٍ علميٍّ بلا حدود. ليس علينا أن نعتبر أنفسنا عبيدًا لتقدمٍ تكنولوجي محتومٍ إذا كان هذا التقدم لا يخدم غايات الإنسان. إن الحرية الحقَّة هي حريَّة المجتمعات السياسية في أن تحمي القيم التي تعتنقها عزيزة. هذه هي الحرية التي يلزم أن نعتصم بها في الثورة البيوتكنولوجية المعاصرة.