الفصل الثاني

علوم المخ

ما هي احتمالات أن تكون لثورة البيوتكنولوجيا عواقب سياسية، فلا يقتصر عملها ببساطة على التأثير في حياة الأفراد من الآباء والأبناء؟ ما هي الإمكانيات الجديدة التي قد تظهر لتحوير السلوك البشري، أو للتحكم فيه على المستوى الكبير. وعلى وجه الخصوص، ما هو احتمال أن نتمكن يومًا من تحوير الطبيعة البشرية عامدين؟

أطلق البعض من المتحمسين لمشروع الجينوم البشري — ومنهم ويليام هيرنشتاين من مؤسسة علوم الجينوم البشري — ادعاءات بعيدة المدى حول ما ستنجزه البيولوجيا الجزيئية، مؤكدين أننا إذا تفهَّمنا عملية إصلاح الجسم على المستوى الوراثي … فسنتمكَّن من أن نعجل من بلوغ هدفنا في الاحتفاظ بأجسادنا تعمل بشكل طبيعي، بل وربما بشكل سرمدي. لكن معظم العلماء العاملين في هذا المجال لهم آراء أكثر تواضعًا بكثير، فيما يفعلون وفيما قد يحققونه يومًا. يؤكد الكثيرون أنهم ببساطة إنما يبحثون عن علاجات لبعض الأمراض المرتبطة بالوراثة — مثل سرطان الثدي أو التليف الكيسي — وأن هناك عقبات هائلةً أمام استنساخ الإنسان وتحسينه وراثيًّا، وأن تحوير الطبيعة البشرية هو مادة الخيال العلمي وليس احتمالًا تكنولوجيًّا.

إن التنبؤ التكنولوجي أمر صعب للغاية ومحفوف بالمخاطر، لا سيما إذا كنا نتحدث عن وقائع قد تحدث بعد جيل أو اثنين. ورغم ذلك فمن المهم أن تُعرض السيناريوهات لمستقبلات محتملة تقترح مجالًا من النتائج، البعض منها سيظهر على الأغلب أو هو قد ظهر بالفعل، والبعض الآخر قد لا يتحقق أبدًا. ولقد قدمت البيوتكنولوجيا بالفعل — كما سنرى — آثارًا ستكون لها عواقب في السياسة الدولية بعد جيل، حتى لو فشلت الهندسة الوراثية، قبل ذلك، في إنتاج طفل واحد «حسب الطلب».

من المهم أن نتذكر عند الحديث عن الثورة البيوتكنولوجية أننا نتحدث عن شيء أَعْرَض من الهندسة الوراثية. إن ما نحياه اليوم ليس ببساطة مجرد ثورة تكنولوجية في قدرتنا على فك شفرة الدنا ومنابلته، وإنما هي ثورة في علم الحياة الأساسي. تعتمد هذه الثورة العلمية على النتائج وعلى التقدم الذي تم في عدد من المجالات المرتبطة، بجانب البيولوجيا الجزيئية. هي تعتمد على علم الأعصاب الإدراكي، وراثة العشائر، وراثة السلوك، السيكولوجيا، الأنثروبولوجيا، البيولوجيا التطورية، علم عقاقير الأعصاب. لكل مجالات التقدم العلمي هذه تضمينات سياسية محتملة، لأنها تعزز معرفتنا، ومن ثم قدرتنا على منابلة أصل كل السلوك البشري: المخ.

ولقد يبدو العالم في العقود القادمة — كما سنرى — مختلفًا جدًّا، دون أن يكون علينا أن نلجأ إلى افتراضات مهولة عن إمكانيات الهندسة الوراثية. نواجه اليوم وفي المستقبل القريب خيارات أخلاقية حول الخصوصية الوراثية، والاستخدامات المناسبة للعقاقير، والبحوث على الأجنَّة، واستنساخ الإنسان، وسنواجه عما قريب قضايا حول انتخاب الأجنَّة وحول المدى الذي يمكن فيه استخدام كل التكنولوجيات الطبية في «التجميل»، لا في الأغراض العلاجية.

الثورة في علم الأعصاب الإدراكي

السبيل الأول إلى المستقبل لا علاقة له بالتكنولوجيا، وإنما بتراكم المعارف عن علم الوراثة والسلوك. الكثير من الفوائد المتوقعة من مشروع الجينوم البشري لا ترتبط بإمكانات الهندسة الوراثية، وإنما تأتي عن الجينوميا — نعني تفهُّم الوظائف الأساسية للجينات. ستسمح الجينوميا على سبيل المثال بتركيب الدواء خصوصًا ليوافق أي شخص بذاته حتى تقلل من فرص الآثار الجانبية غير المرغوبة، وستعطي مرَبِّي النبات معرفةً أدق كثيرًا عند تصميم أنواع نباتية جديدة.

والواقع أن محاولة ربط الجينات بالسلوك قد سبقت مشروع الجينوم البشري بسنين طويلة، ولقد تسببت بالفعل في عدد من المعارك السياسية الضارية.

بدأ الناس منذ عهد قدامى الإغريق — على الأقل — يناقشون قضية الأهمية النسبية للطبع وللتطبع في السلوك البشري. كانت العلوم الطبيعية، والعلوم الاجتماعية على وجه العموم، تنحو إلى التأكيد على المحركات الثقافية للسلوك على حساب المحركات الطبيعية: أخذ البندول في السنين الأخيرة يتحرك إلى الخلف — ولقد يقول البعض: إلى الخلف كثيرًا — لصالح الأسباب الوراثية. ينعكس هذا التحول في وجهة النظر العلمية في كل مكان بالصحافة الشعبية بمناقشات عن جين ﻟ … كل شيء، من الذكاء إلى السمنة إلى العدوانية.

كان الجدل حول دورَي الوراثة والثقافة في صياغة البشر جدلًا مسَيَّسًا منذ البداية، يميل فيه المحافظون إلى التفسيرات المرتكزة على الطبيعة، بينما يؤكد اليساريون على دور التَّطَبُّع. وفي العقود الأولى من القرن العشرين أساء العرقيون والمتعصبون دينيًّا استخدام البراهين الوراثية بشكل شرير عند تفسيرهم السبب في أن تكون بعض الأعراق والثقافات والمجتمعات متخلفةً عن غيرها، ولقد كان هتلر هو أشهر أبطال التفكير الوراثي اليمينيين. جادل معارضو الهجرة إلى الولايات المتحدة — قبل صدور قانون الهجرة المقيِّد لها عام ١٩٢٤م — مثلما جادل ماديسون جرانت في كتابه «موت السلالة العظيمة» — بأن التحول في أنماط الهجرة من شمال أوروبا إلى جنوبها إنما كان يعني تدهور الأرومة العرقية الأمريكية.

ألقى الأصل الغامض للبراهين الوراثية حجابًا قائمًا على معظم المناقشات في علم الوراثة خلال النصف الثاني من القرن العشرين. كان المفكرون التقدميون يركزون بوضوح على رفض القول بأهمية الطبيعة. لم يكن هذا فقط لأن وجود فروق طبيعية بين مجاميع الناس إنما يعني هيراركية اجتماعية، وإنما أيضًا لأن الخصائص الطبيعية، حتى لو اشترك فيها الجميع، تُلمِع إلى وجود حدود للمرونة البشرية ومن ثم لآمال البشر وطموحهم. كان النسائيون من بين الأكثر شراسة في مقاومة أي اقتراح يقول إن الفروق بين الذكر والأنثى فروق وراثية ولا تتشكل اجتماعيًّا.

المشكلة مع نظرة المفسِّرين الاجتماعيين ومع نظرة الوراثيين المتطرفين هي أن أيًّا منهما لا تصمد في ضوء ما أتيح من الشواهد التجريبية الحديثة. قام الجيش الأمريكي أثناء التعبئة للحرب العالمية الأولى بإجراء اختبار واسع النطاق لذكاء المجندين الجدد، وَفَّر للمرة الأولى بيانات عن القدرات الإدراكية لجماعات عرقية وإثنية مختلفة. تلقَّف معارضو الهجرة هذه البيانات واتخذوها برهانًا على تخلف اليهود والسود، بجانب فئات أخرى. وفي واحدة من أقدم الهزائم الكبرى للعنصرية العلمية أوضح الأنثروبولوجي فرانز بواس في دراسةٍ له دقيقة التصميم أن حجم الرأس والذكاء في أطفال المهاجرين يقتربان من نظيريهما في المواليد المحليين إذا ما أُطعِم الأطفال غذاءً أمريكيًّا. أثبت آخرون التحيز الثقافي المضَمَّنَ في اختبارات الذكاء التي أجراها الجيش (كانت الاختبارات تسأل الأطفال أن يتعرفوا — من بين ما يتعرفون عليه — على ملاعب التنس، التي أبدًا لم يرَها معظمهم).

من ناحية أخرى فإن كلَّ من ربى أطفالًا له، يعرف من خبرته أن هناك الكثير من الاختلافات الفردية التي لا يمكن ببساطة أن تُفَسِّرها التنشئة والبيئة. هناك حتى الآن وسيلتان اثنتان فقط لفصل الأسباب الطبيعية من الثقافية فصلًا علميًّا، الأولى عن طريق الوراثة السلوكية والأخرى باستخدام الأنثروبولوجيا عبر الثقافية، ونكاد لا نشك في أن المستقبل يبشر بنتائج تجريبية أدق عن السبل الجزيئية والعصبية التي تصل ما بين الجينات والسلوك.

يرتكز علم وراثة السلوك على دراسة التوائم — مثاليًّا: توائم متطابقة ينشئون بعيدًا بعضهم عن بعض. (يطلق عليهم اسم توائم الزيجوت الواحد لأن التوأمين يأتيان عن انقسام بويضة مخَصَّبة واحدة). نعرف أن التوأمين المتطابقين يحملان نفس التركيب الوراثي — نعني، نفس الدنا — كما نفترض أن الفروق في السلوك التي تظهر بينهما فيما بعد إنما تعكس أثر اختلاف البيئة التي نشآ فيها، لا الوراثة. فإذا حَسَبْنا تلازم سلوك مثل هذه التوائم — بإجراء نفس اختبار الذكاء عليهم، مثلًا، أو بمقارنة سجلاتهم الإجرامية أو الوظيفية في أعمار مختلفة — فمن الممكن أن نصل إلى رقم يعبِّر عما يسميه الإحصائيون تباين الصفات الراجع إلى الجينات. أما القدر الباقي من التباين المظهري فسيرجع إذن إلى البيئة. تدرس وراثة السلوك أيضًا اللاأقارب (نعني: الإخوة بالتبني) الذين يحيون في نفس الأسرة. فإذا كان لبيئة الأسرة وللنشأة فيها القوةُ التي يقول بها منكرو دور الوراثة في صياغة السلوك، فإن التلازم الذي سيظهر عن اللاأقارب هؤلاء لا بد أن يكون أكبر من نظيره بين أفرادٍ لاأقارب أُخذوا عشوائيًّا من العشيرة. مقارنة هذين التلازمين تعطينا مقياسًا لأثر البيئة المشتركة.

كثيرًا ما تأتي نتائج وراثة السلوك لافتةً للنظر، فتُظهر ارتباطاتٍ قويةً في سلوك التوائم المتطابقة على الرغم من اختلاف الخلفية الثقافية، و/أو، الخلفية الاجتماعية الاقتصادية لمن قاموا بتربيتهم. لهذا المنهج في الدراسة على أية حال نُقَّادُه المتحمسون ضده. المشكلة الرئيسية تتعلق بمكونات البيئة المختلفة، فكثيرًا ما نجد أن التوائم الذين نشئوا بعيدًا بعضهم عن بعض يشتركون في العديد من الظروف البيئية، الأمر الذي يستحيل معه فصل التأثيرات الطبيعية عن الثقافية. من بين البيئات المشتركة التي قد يُغْفِلُها عالِم وراثة السلوك بيئةُ رحم الأم وأثرها كبير على الطريقة التي يتطور بها التركيب الوراثي إلى مظهر، أي إلى إنسان فرد. التوأمان الطبيقان يشتركان مؤكدًا في نفس الرحم، لكن نفس الجنين إذا نُمي في رحم آخر قد ينتهي مختلفًا تمامًا إذا كانت الأم تعاني من سوء التغذية أو تتعاطى المسكرات أو المخدرات.

أما الطريقة الثانية، الأقل دقة، لكشف الأسباب الطبيعية للسلوك فهي إجراء مسحٍ عبْر ثقافيٍّ لصفة محددة أو نشاط. لدينا الآن سجلٌّ إثنوغرافي سلوكي هائل للغاية في مجال عريض من المجتمعات البشرية، البعض منها لا يزال موجودًا، والبعض الآخر لا نعرف عنه إلا من السجلات التاريخية والأركيولوجية. فإذا ما ظهرت خصيصةٌ ما في كل المجتمعات المعروفة، أو في الغالبية العظمى منها، فلنا أن نتخذ منها حجةً مقنعةً، إن تكن عَرَضيةً، على أنها ترجع إلى الجينات، لا البيئة. هذا هو المنهج النمطي المستخدم في إيثولوجيا الحيوان، أي الدراسة المقارنة لسلوك الحيوان.

من بين مشاكل هذا المنهج صعوبة العثور على نماذج عامة بحقٍّ في الطريقة التي بها يفكر الإنسان أو يعمل. في سلوك البشر تنوعٌ يفوق كثيرًا ما في سلوك الحيوان، فنحن كائنات ثقافية إلى أبعد مدى، نتعلم كيف السلوك من القانون والعادات والتقاليد وغير هذه من المؤثرات التي تنشأ اجتماعيًّا لا طبيعيًّا. كان التأكيد على تنوع السلوك البشري يُسعد بوجهٍ خاص أنثروبولوجيي الثقافة بعد بواس. الكثير من كلاسيكيات أنثروبولوجيا القرن العشرين — مثل «بلوغ سن الرشد في ساموا» لمرجريت ميد — كانت أعمالًا تقول إن بعض الممارسات الثقافية المألوفة في الغرب — مثل الغيرة الجنسية أو تنظيم النشاط الجنسي للمراهقات — لم تكن تُمارَس في بعض الثقافات الدخيلة غير الغربية. يبقى هذا التقليد قائمًا لا يزال في أعدادٍ لا تُحصى من أقسام الدراسات الثقافية بالجامعات في شتى أنحاء الولايات المتحدة، تؤكد صُورَ السلوك المنحرف أو الخاطئ أو غير المألوف.

تبقى رغم كل شيءٍ حقيقةُ أن هناك مشتركًا ثقافيًّا شائعًا: فإذا ما كانت بعض صور القرابة غير شائعة — مثل عائلة الأجيال الخمسة في الصين — فإن الرابطة الزوجية — بين ذكر وأنثى — هي سلوك نمطي في جنس البشر، يصعب أن نجده مثلًا في الشمبانزي. محتوى اللغات البشرية اعتباطي وتبنيه الثقافة، ولا كذلك البنى العميقة لقواعد اللغة — التي كان ناعوم تشومسكي هو أول من حدد هويتها. الكثير من الأمثلة عن السلوك الشاذ أو غير القياسي — التي تُستخدم لتقويض فكرة الأنماط المشتركة للإدراك — مثل دراسة مرجريت ميد عن مراهقات ساموا، هي أمثلة خاطئة. قيل إن هنود هوبي لم يعرفوا مفهوم الزمن، ولقد كانوا يعرفونه — الأنثروبولوجي الذي كان يدرسهم لم يدرك ذلك. ولقد نتصور أن تكون الألوان مرشحًا طيبًا للبنية الاجتماعية، لأنَّ ما يُقال له أزرق أو أحمر ليس في الواقع سوى نقاط على طول طيف مستمر من أطوال موجات الضوء، لكن إحدى الدراسات الأنثروبولوجية سألت ذات مرة أفرادًا من ثقافاتٍ غاية في التباين أن يضعوا في جدول كل ما يستخدمه الناسُ في مجتمعاتهم من الألوان، وظهر أن الناس عبر الثقافات المختلفة يدركون نفس الألوان الأساسية والثانوية، الأمر الذي يدل على أن هناك شيئًا متَأَصِّلًا في الإحساس باللون يكمن في بيولوجيا الإنسان، حتى لو لم نعرف عن جينات خاصة أو تراكيب عصبية تُنتجه.

تبدأ وراثة السلوك والأنثروبولوجيا عبر الثقافية بالسلوك الواضح، ومنه نستدل على الطبيعة البشرية باستخدام التلازمات. تبدأ وراثة السلوك بأناس متطابقين وراثيًّا لتبحث عن فروق تسْتَحثُّها البيئة، أما الأنثروبولوجيا عبر الثقافية فتستخدم أناسًا متباينين ثقافيًّا وتبحث عن تشابهات تُستَحَثُّ وراثيًّا. ولا يمكن لأيٍّ من الطريقتين أبدًا أن تثبت قضيتها إثباتًا كاملًا أمام النقاد، فكلتاهما ترتكز على استدلال إحصائي كثيرًا ما يحمل هوامش خطأٍ عريضة، ولا تدعي أنها تصف الروابط السببية الواقعية بين الجينات وبين السلوك.

وكل هذا على وشك أن يتغير. يمكن للبيولوجيا من الناحية النظرية أن توفر المعلومات حول السبل الجزيئية التي تربط الجينات بالسلوك. الجينات تتحكم في تعبير غيرها من الجينات — نعني أنها تفتحها وتغلقها — الجينات تحمل شفرة صناعة البروتينات، والبروتينات تتحكم في التفاعلات الكيماوية داخل الجسم، وهي القوالب التي منها تُبنى خلايا الجسم. لا يزال الكثير مما نعرفه حاليًّا عن السببية الوراثية محصورًا في أمراض بسيطة نسبيًّا يسببها جينٌ واحد — مثل رقص هنتنجتون، ومرض تاي ساكس، والتليف الكيسي. فهذه أمراض يمكن تعقُّب أيٍّ منها إلى أليلٍ واحد (الأليل مقطعٌ من الدنا يمكن أن يتباين بين الأفراد). أما سلوكيات المستوى الأعلى، كالذكاء أو العدوانية، فالأغلب أن تكون لها جذور وراثية أكثر تعقيدًا، وأن تكون نتيجة عدد من الجينات تتفاعل مع بعضها بعضًا ومع البيئة. لكن، يكاد يكون من المؤكد على ما يبدو، أننا سنعرف أكثر عن السببية الوراثية حتى إذا لم نفهم أبدًا كيف يتشكل السلوك.

على سبيل المثال، أولج جو تسين — البيولوجي في برينستون — جينًا للذاكرة الفائقة في فأر. من زمان طويل كان يُظن أن مكونًا بخلية المخ يسمى مستقبِل ن د م أ يرتبط بالقدرة على تشكيل الذكريات، وكان هذا المستقبِل بدوره منتج سلسلة من جينات أُطلِق عليها ن ر ١، ن ر ٢ أ، ن ر ٢ ب. قام تسين بإجراء تجربة تسمى تجربة تعطيل الجين، ربَّى فيها فأرًا يفتقر إلى الجين ن ر ١، وقرر أن الجين في الواقع مرتبط بالذاكرة. أجرى تجربة ثانية أضاف فيها جين ن ر ٢ ب لفأر آخر، فوجد أن الفأر الناتج كان ذا ذاكرة فائقة.

لم يعثر تسين على جين للذكاء، لا ولا حتى على جين للذاكرة — باعتبار أن الذاكرة تأتي عن تفاعل بين جينات عديدة مختلفة. الذكاء ذاته قد لا يكون خصيصة واحدة، وإنما تجمُّعًا من قدرات تتأثر بمجال عريض من الوظائف الإدراكية داخل المخ: الذاكرة واحدة منها. غير أن جزءًا من المعضلة قد حُلَّ، وسيأتي غيره. طبيعي أنَّا لا نستطيع أن نُجري تجارب تعطيل الجينات على البشر، لكن، بالنظر إلى التشابه بين التراكيب الوراثية للبشر وللحيوانات، فسيغدو من المستطاع أن نصل إلى استدلالات حول السببية الوراثية، أقوى بكثير مما هو ممكن حاليًّا.

وفضلًا عن ذلك، فمن الممكن أن ندرس الفروق في توزيع الأليلات المختلفة وأن نربطها بالفروق بين العشائر. نحن نعرف مثلًا أن لمجاميع العشائر المختلفة حول العالم توزيعات مختلفة من فصائل الدم: نحو ٤٠٪ من الأوروبيين يحملون فصيلة الدم O، بينما يحملها كلُّ الأمريكيين الأصليين تقريبًا. الأليلاتُ المسَبِّبَةُ لأنيميا الخلايا المنجلية أكثر شيوعًا بين الأمريكيين الأفارقة عنها بين البيض. قام عالم وراثة العشائر لويجي لوقا كافالِّي-سفورزا برسم خريطة تأملية لتاريخ الهجرات القديمة للإنسان المبكر منذ خرج من أفريقيا ليغزو العالم. اعتمدت هذه الخريطة على توزيع دنا السبحيات (الميتوكوندريا) (نعني الدنا الذي تحمله السبحيات خارج نواة الخلية الذي يرثه الفرد من أمه فقط). بل ولقد مضى الرجل إلى أبعد من ذلك فربط هذه العشائر بتطور اللغات، وقدم تاريخًا للتطور المبكر للغة دون ما سجلات مكتوبة.

لنوع المعرفة العلمية — حتى في غياب تكنولوجيا تستخدمها — تضمينات سياسية هامة. ولقد رأينا هذا بالفعل في ثلاثة من سلوكيات المستوى الأعلى ذات الجذور الوراثية — الذكاء والجريمة والجنسانية — ولا نزال نتوقع الكثير.

العمق الوراثي للذكاء

في عام ١٩٩٤م أشعل تشارلس موراي وريتشارد هيرنشتاين عاصفةً ناريةً عندما نشرا كتابهما «منحنى الجرس». قَدَّم الكاتبان زعمين اثنين خلافيين للغاية في كتابهما هذا المكتظ بالإحصائيات والمرتكز كثيرًا على مجموعة ضخمة من البيانات: «المسح الطولي القومي للشباب». يقول الزعم الأول إن الذكاء صفةٌ وراثية إلى حد بعيد. ادعى المؤلفان — بلغة الإحصاء — أن ٦٠–٧٠٪ من التباين في الذكاء يرجع إلى الجينات، بينما يرجع الباقي إلى العوامل البيئية كالتغذية والتعليم وبنية العائلة وما شابه. أما الزعم الثاني فهو قولهم إن للجينات دورًا في حقيقة أن متوسط ما أحرزه الأمريكيون الأفارقة من نقاط في اختبارات الذكاء كان أدنى من متوسط البيض بمقدار بلغ نحو انحرافٍ معياري.١ أكد موراي وهيرنشتاين أنه في عالم تتهاوى فيه الحواجز السوسيولوجية المعوقة للحركة، وتتزايد فيه مثوبة الذكاء، في هذا العالم لا بد أن سينقسم المجتمع إلى طبقات يحددها قدر المعارف. الجينات، لا الخلفية الاجتماعية، هي المفتاح إلى النجاح. الأذكى سيحصل على الدخل الأعلى. والحق — وبسبب التزاوج المتجانس (أي اتجاه الناس إلى الزواج ممن يشبههم) — أن الصفوة العارفة ستنحو إلى أن ترفع مع الزمن ميزاتها النسبية، بينما تتناقص فرص الحياة كثيرًا أمام ذوي الذكاء الأدنى، كما أن قدرة البرامج الاجتماعية التعويضية على تحسين أوضاع هؤلاء ستكون محدودة. تُردِّد هذه الحجج صدى ما كتبه قبلًا السيكولوجي آرثر جينسين في مقال له ظهر عام ١٩٦٩م بمجلة «هارفارد إديوكيشونال رفيو» ووصل فيه إلى نتائج متشائمة كهذه.

لا عجب أن يتسبب «منحنى الجرس» في مثل هذا الخلاف والجدل. اتهم موراي وهيرنشتاين بالعنصرية والتعصب، وكما يقول واحد من النقاد: «أيًّا كان ما في هذا الكتاب من عدوانية ورعب، فهو ليس سوى فصل جديد في الاقتصاد السياسي المستمر للعنصرية». كان ثمة خطٌّ شائع للهجوم، وهو اتهام المؤلفَين بأنهما من العلماء الزائفين، يقدمان نتائج زائفة متميزة لا تستحق حتى مجرد النقاش الجاد، ثم محاولة ربطهما بالعديد من منظمات «محلوقي الرأس» والنازية.

لكن الكتاب لم يكن غير الصَّلْية الأخيرة في الحرب الدائرة بين المجادلين بأن للذكاء عمقًا وراثيًّا عاليًا وبين من يرون أن للبيئة الأثر الأكبر في صياغة الذكاء. كثيرًا ما يتعاطف المحافظون مع الأدلة القائلة إن الفروق بين البشر فروق طبيعية، لأنهم يرغبون في تبرير الهيراركية الاجتماعية القائمة ومعارضة تدخُّل الحكومة في تصويبها. أما اليسار فعلى العكس من ذلك لا يستطيع أن يقبل فكرة وجود حدود طبيعية في البحث عن العدالة الاجتماعية، وبالذات فكرة أن هناك فروقًا طبيعية بين مجاميع البشر. إن الرهان على قضيةٍ كالذكاء ضخمٌ للغاية، حتى لينفرط على الفور إلى خلافات منهجية، يجادل فيها اليمين بأن القدرة المعرفية واضحة المعالم يمكن قياسها، بينما يقول اليسار إنها غامضة يصعب قياسها.

ثمة حقيقة تثير الضيق هي أن تطوُّر علم الإحصاء الحديث — ومن ثم العلم الاجتماعي المعاصر ككل — يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسيكومترية وبأعمال عدد من علماء المنهج اللامعين اتفق أن كانوا عنصريين ويوجينيين، أولهم هو فرانسيس جالتون ابن خال تشارلس داروين. كان جالتون هو من صاغ مصطلح اليوجينيا، وقد جادل في كتابه «العبقرية الوراثية» بأن القدرات الممتازة تنحو إلى أن تجري في العائلات. كان جالتون واحدًا من أوائل من ابتكروا في نهاية القرن التاسع عشر اختبارًا — أمل أن يكون موضوعيًّا — لقياس الذكاء. جمع بياناته بشكل منهجي وأجرى تجاربه مستخدمًا أحدث الطرق الرياضية في التحليل.

شغل البروفسور كارل بيرسون، تلميذ جالتون، كرسيَّ جالتون لليوجينيا بكلية الجامعة بلندن، وكان يؤمن بقوةٍ بالداروينية الاجتماعية. كتب مرةً يقول: «يقودني التاريخ إلى طريق واحد، واحد لا غيره، نتجت عنه درجة عليا من الحضارة؛ أعني الصراع بين السلالات، وبقاء السلالة الأفضل جسديًّا وعقليًّا.» اتفق أن كان الرجلُ أيضًا عالِم منهجٍ ممتازًا وواحدًا من مؤسسي علم الإحصاء الحديث. يتعلم كل طالبِ إحصاءٍ في السنة الأولى كيف يحسب راء بيرسون — معامل التلازم — ويتعلم اختبار مربع كاي للمعنوية الإحصائية، وكلاهما من ابتكار بيرسون. طوَّر بيرسون معامل التلازم — جزئيًّا — لأنه أراد أن يصل إلى طريقةٍ أكثر دقة لربط الظواهر المقاسة، مثل اختبارات الذكاء، بالخصائص البيولوجية التحتية، مثل الذكاء ذاته. (تَعْرضُ صفحةُ قسم الإحصاء بكلية الجامعة على الإنترنت — وبفخرٍ — إنجازاته كرياضي تطبيقي، لكنها في حصافةٍ تتجاهل كتاباته عن السلالة والوراثة).

هناك عالم ثالث من علماء المنهج هو تشارلس سبيرمان، الذي ابتكر التقنية الأساسية للتحليل العاملي، وارتباط الرتب، وكلاهما أداة إحصائية لا غنى عنها. لاحظ سبيرمان، السيكوميتري، أن اختبارات القدرات الذهنية ترتبط مع بعضها بعضًا ارتباطًا قويًّا: إذا كان أداء الشخص جيدًا في الاختبار الشفوي مثلًا، فإن أداءه في اختبار الرياضيات ينحو إلى أن يكون أيضًا جيدًا. افْتَرَضَ أن هناك بالضرورة عاملًا عامًّا للذكاء (أطلق عليه اسم ج g) — هو السبب التحتي لأداء الفرد في الاختبارات المختلفة. جاء التحليلُ العاملي عن جهوده في عَزْلِ العامل ج بطريقة صارمة، وهو لا يزال أساسيًّا في المناقشات المعاصرة حول الذكاء الوراثي.

قد يكفي لدى البعض أن ترتبط السيكومتري بالآراء البغيضة سياسيًّا عن السلالة واليوجينيا لتشويه سمعة المجال بأكمله، غير أن ما يعنيه هذا الارتباط حقًّا هو: ليس ثمة تلازمٌ ضروري بين النتائج الخاطئة سياسيًّا وبين العلم الرديء. إن الهجوم على القيمة العلمية للمنهجيين الذين يتخذون آراء لا نحبها، ورفض أعمالهم على أنها علم كاذب هو الطريق المختصر للهروب من الجدل حول الجوهر. ولقد استغل اليسار هذا بكفاءة عالية خلال النصف الثاني من القرن العشرين معظمه، وبلغوا الذروة بنشر ستيفن جاي جولد لكتابه «القياس الخاطئ للإنسان» عام ١٩٨١م. ابتدأ عالم الأحافير جولد ذو التوجهات اليسارية بأن انتقى أهدافًا سهلة، مثل صمويل جورج مورتون وبول بروكا — وهذان عالمان من القرن التاسع عشر اقتنعا بإمكان الاستدلال على ذكاء الفرد من مقاييس حجم رأسه، واستُخدِمت بياناتهما الخاطئة في تعضيد السياسات العنصرية والمضادة للمهاجرين عند تحول القرن العشرين. ثم إنه مضى يهاجم المؤيدين الموثوقين لنظرية وراثة الذكاء من علماء القرن العشرين، مثل سبيرمان والسير سيريل بيرت اللذين اعتمد عليهما آرثر جينسين كثيرًا.

والقصة الأخيرة على وجه الخصوص جديرة بأن تُروى. ففي عام ١٩٧٦م اتُّهم بيرت — أحد عمالقة السيكولوجيا الحديثة — بأنه قد زوَّر عامدًا بيانات في دراسات له عن التوائم المتطابقة ليبرهن على أن ٧٠٪ من التباين في الذكاء ترجع إلى الوراثة. ادعى الصحفي البريطاني أوليفر جيل في الصنداي تايمز ذلك العام أن بيرت قد اخترع أسماء مؤلفين مشاركين وبيانات، وأن نتائجه كانت تدليسًا. قدَّم هذا ذخيرةً هائلة لنُقَّاد آخرين، مثل السيكولوجي ليون كامين الذي قال إنه ليس ثمة من بيانات تقود الشخص الحكيم إلى قبول نظرية تقول إن نتيجة اختبار الذكاء وراثية بأي شكل. ثم مضى ومعه ريتشارد ليونتين وستيفن روز يشنون هجومًا واسع النطاق ضد مجال وراثة السلوك بأكمله، فلقد اعتبروه علمًا كاذبًا.

لكن فكرة أن «ج» تشير إلى شيء حقيقي في المخ، وأن لها أساسًا وراثيًّا، لم تكن مما يسهل رفضه باستخدام الأسس المنهجية وحدها. أوضح الباحثون فيما بعدُ، عند استعراض أعمال بيرت أن تهمة التلفيق المتعمد كانت هي ذاتها ملفقة. على أية حال، فإن دراسات بيرت على التوائم المتطابقة لم تكن هي الوحيدة التي أعطت قيمة مرتفعة للعمق الوراثي. كان هناك عدد آخر غيرها، منها دراسة مينسوتا على التوائم عام ١٩٩٠م، ونتائجها تقارب كثيرًا نتائج بيرت.

لم يفْتُر الجدلُ الجاد المعقد بين السيكولوجيين حول وجود «ج» سبيرمان وطبيعتها. تصدَّى علماء من الطراز الأول يجادلون في كلا الاتجاهين. بدأ الهجوم على نظرية سبيرمان (بأن الذكاء شيء واحد) منذ ظهورها عام ١٩٠٤م. هاجمها من يرى أن الذكاء في حقيقة أمره هو مجموعة من قدرات مرتبطة، قد تختلف كل واحدة منها داخل الفرد نفسه. كان من بين أوائل من عضدوا هذا الرأي ل. ل. ثيرستون السيكولوجي الأمريكي؛ وكان من بين أحدثهم هوارد جاردنر، وله مذهب عن الذكاء المرَكَّب شهير في الدوائر التربوية الأمريكية. ينبه المدافعون عن العامل ج بأن الجدل لحدٍّ ما يدور حول التعريف: الكثير من القدرات التي اعتبرها جاردنر ذكاءً — كما أشار موراي وهيرنشتاين ذاتهما — يمكن لحد كبير أن تُسمى مواهب، لنحفظ مصطلح الذكاء لمجموعة معينة محدودة من الوظائف الإدراكية. بُنِيَت الحجة على وجود «ج» على التحليل العاملي وعلى القرينة الإحصائية القوية التي يمكن طرحها بأن «ج» شيء واحد. أما النقاد فيردون بالجدل المضاد المعقول القائل إن معضِّدي ج إنما يستدلون على وجود قدرة أبدًا لم يلحظها أحد بينما المفروض أن يكون لها مدلول فسيولوجي في المخ.

أدى نشر كتاب «منحنى الجرس» إلى سلسلة من المجلدات كتبها سيكولوجيون ومتخصصون في الذكاء تُلخِّص ما هو معروف حاليًّا عن الرابطة بين الذكاء والوراثة. تُبين هذه الأدبيات أنه على الرغم من معارضة الكثيرين لرأي موراي وهيرنشتاين في العديد من مزاعمهما الأساسية، فإن القضية التي فجَّراها لن تغيب — قضية أهمية الذكاء في المجتمعات الحديثة وتضمينات وجود جذور وراثية له. هناك مثلًا خلاف بسيط حول قيمة عمق وراثي كبيرة للصفة التي يقيسها اختبار الذكاء، ج كانت أو أية عوامل أخرى للذكاء مركَّبة. لَخَّص عددٌ خاص صدر من مجلة «أميريكان سيكولوجيست» ظهر في أعقاب «منحنى الجرس»، لَخَّصَ ما اتُّفِقَ عليه الرأي في هذا الموضوع. اتُّفق على أن نصف ذكاء المرء في طفولته يرتبط على ما يبدو بالوراثة، وترتفع النسبة عن ذلك عند البلوغ. ثمة جدلٌ تقني يدور بين المختصين حول العمق الوراثي بالمعنى العريض والعمق الوراثي بالمعنى الضيق؛ جدلٌ قاد البعض إلى القول بأن المكون الوراثي للذكاء لا يزيد عن ٤٠٪، لكن قلةً فقط أخذوا مأخذ الجد تأكيد كامين بعدم وجود براهين موثوقة تربط نتيجة اختبارات الذكاء بالوراثة.

للفروق في تقدير العمق الوراثي تضمينات هامة محتملة بالنسبة للسياسة العامة، لأن التقديرات المنخفضة (في حدود ٤٠٪ إلى ٥٠٪) تقترح أن هناك حقًّا عواملَ بيئيةً يمكن للسياسة الحكومية أن تؤثر فيها ويمكن أن ترفع قيمة معامل الذكاء (حاصل الذكاء)، على عكس ما يقول به موراي وهيرنشتاين. يمكن أن نرى الكوب نصف ملآن لا نصف فارغ: الغذاء الأفضل والتعليم الأفضل والبيئة المأمونة والموارد الاقتصادية كلها يمكن أن تسهم في رفع الخمسين بالمائة من معامل ذكاء الطفل الراجعة إلى البيئة، ومن ثَمَّ فهي أهداف معقولة للسياسة الاجتماعية.

هذا المكونُ البيئي يخفف أيضًا اللطمة بالنسبة لقضية السلالة والذكاء المعذبة. أكد نفس العدد الخاص من مجلة «أميريكان سيكولوجيست» أن مستوى السود في اختبارات الذكاء المغايرة منخفض فعلًا عن البيض انخفاضًا معنويًّا. والقضية هي: لماذا؟ هناك الكثير من الأسباب العرضية التي تقترح أن الفجوة معظمها ترجع إلى العوامل البيئية لا الوراثية. من بين الأسباب القوية سبب يتعلق بما يسمى ظاهرة فلين — وقد سُمِّيَت باسم جيمس فلين، أول من لاحظ أن تقديرات حاصل الذكاء كانت ترتفع عبر الجيل الماضي في كل الدول المتقدمة تقريبًا. ومن المستبعد جدًّا أن يكون هذا التغير راجعًا إلى العوامل الوراثية، لأن التغير الوراثي لا يحدث بهذه السرعة. بل إن فلين نفسه يتشكك في أن يكون الناس على العموم قد أصبحوا أذكى بهذا القدر مما كانوا عليه منذ جيل مضى. هذا يقترح أن هذه الزيادات الهائلة في حاصل الذكاء قد جاءت نتيجةً لبعض العوامل البيئية التي لا نعرف عنها إلا القليل، عوامل تتراوح ما بين الغذاء الأفضل (الذي جعل بعض العشائر أيضًا أكثر طولًا خلال ذات الفترة) إلى التربية والتعليم، إلى تيسُّر قدرٍ أكبر من الإثارة الذهنية. هذا يقترح أيضًا أن الجماعات المحرومة اجتماعيًّا، كالأمريكان الأفارقة، ممن يعانون من نقصٍ نسبي في الغذاء وفي التربية والتعليم وفي غير هذه من نواحي البيئة الاجتماعية، سيشهدون مع الزمن ارتفاعًا في مستوى حاصل الذكاء لديهم. ارتفع حاصل الذكاء في السود، وارتفع في اليهود وفي غيرهم من جماعات المهاجرين، وتضاءلت الفجوة بين البيض والسود بعض الشيء، وقد تصبح الفروق في المستقبل ضئيلة للغاية.

ليس الهدف من هذه المناقشة عن الذكاء والوراثة هو الوقوف في صف نظرية معينة للذكاء ضد أخرى، أو تفضيل تقدير للعمق الوراثي للذكاء على آخر. إن ملاحظتي لمن هم حولي (وأبنائي على وجه الخصوص) تقترح أن الذكاء ليس نتيجة لعامل ج واحد، وإنما هو سلسلة من القدرات الوثيقة الارتباط. الملاحظة البديهية تخبرني أيضًا بأن هذه القدرات تتأثر بالوراثة. وفي اعتقادي أن البحوث القادمة على المستوى الجزيئي لن تؤدي إلى نتائج جديدة مروعة بشأن الفروق العرقية في الذكاء. إن زمن التطور الذي مر منذ انفصلت السلالات البشرية قصير للغاية، كما أن قدْر التباين الوراثي بين السلالات في الخصائص التي يمكن قياسها (مثل توزيع مجاميع الدم) أقل من أن يقترح وجود اختلافات قوية بين المجاميع.

القضية مختلفة، فحتى لو لم نفترض أية فتوحات في الهندسة الوراثية تسمح لنا بمنابلة الذكاء، فسيكون لتجميع المعارف عن الجينات والسلوك، في حد ذاته، عواقب سياسية. البعض من هذه العواقب قد يكون طيبًا للغاية: قد تُبرَّأ الجينات من مسئولية فروق هامة بين الأفراد أو المجاميع، تمامًا مثلما فضحت بحوث بواس على حجم الرأس العنصرية العلمية في أوائل القرن العشرين. غير أن التقدم في علوم الحياة قد يُسمعنا أخبارًا لا نود سماعها. العاصفة السياسية النارية التي أشعلها كتاب «منحنى الجرس» لن تكون الأخيرة في هذه القضية. بحوث جديدة في علم الوراثة وعلوم الأعصاب والبيولوجيا الجزيئية ستزيد اللهب اشتعالًا. ولقد يفضل الكثير من اليساريين ببساطة أن يُسكتوا الجدل حول الجينات والذكاء بالصياح بأن هذا الجدل بطبيعته عنصري ومن فعل أشباه العلماء، لكن العلم ذاته لن يسمح بمثل هذا الطريق المختصر. إن تراكم المعارف عن السبل الجزيئية إلى الذاكرة — كتلك التي أوضحها جو تسين في تجاربه على الجين المعطل في الفئران — ستجعل تقديرات العمق الوراثي للذكاء في المستقبل أكثر دقة. وتقنيات تصوير المخ — كالرسم السطحي بانبعاثات البوزيترون، والتصوير الوظيفي بالرنين، والرنين المغنطيسي المطيافي — هذه التقنيات قادرة على أن ترسم خريطة لتدفق الدم واضطرام النيورونات، وربط هذه بأنواع النشاط الذهني المختلفة. قد تُدفن يومًا ما إلى الأبد قضية ما إذا كانت ج شيئًا واحدًا أو أشياء عدة، وذلك عند تحديد موقعها بأجزاء مختلفة من المخ. أما حقيقة أن العلم الرديء كان يُستخدم فيما مضى لأهداف رديئة فلن تُحصِّننا ضد احتمال ألا يُستخدم العلم الطيب إلا في أهداف نظنها طيبة.

علم الوراثة والجريمة

إذا كان ثمة ما هو خلافيٌّ سياسيًّا أكثر من ربط الوراثة بالذكاء، فهو الأصول الوراثية للجريمة. لمحاولات تعقب السلوك الإجرامي إلى البيولوجيا تاريخ طويل مشْكِل كسيكومترية. حملت البحوث في هذا المجال نصيبها من المنهجية الرديئة ومن الارتباط بالحركة اليوجينية. ربما كان أشهر العلماء سيئي السمعة في هذا التقليد هو الطبيب الإيطالي سيزار لومبروزو الذي فحص — عند تحول القرن العشرين — بعض السجناء، أحياءً وأمواتًا، وطوَّر نظريةً تقول إن هناك نموذجًا جسديًّا إجراميًّا تُميِّزه جبهة منحدرة ورأس صغير، بجانب خصائص أخرى. اعتقد لومبروزو، تحت تأثير داروين، بأن النماذج الإجرامية هي ارتدادات إلى مرحلة مبكرة من التطور البشري، تمكنت بشكلٍ ما من أن تبقى حتى الوقت الحاضر. صحيح أن لومبروزو كان مسئولًا عن النظرة الليبرالية المعاصرة، لكن عمله كان معيبًا منهجيًّا حتى ليرتبط فيما بعدُ بفراسة الدماغ والفلوجيستونات في حوليات العلم الكاذب.

جاءت النظريات الحديثة للأصول البيولوجية للجريمة عن نفس مصادر النظريات الحديثة للوراثة والذكاء: علم وراثة السلوك. الدراسات التي أُجريت على توائم الزيجوت الواحد الذين رُبُّوا منفصلين، أو اللاأقارب الذين رُبُّوا معًا، أعطت جميعًا تلازمًا بين الجينات والسلوك الإجرامي. ثمة دراسة واسعة للغاية اعتمدت على ٣٥٨٦ توأمًا من السجل الهولندي للتوائم بينت أن للتوائم المتطابقة فرصة ٥٠٪ في مشاطرة السلوك الإجرامي، مقابل ٢١٪ فقط للتوائم غير المتطابقة. هناك دراسة ضخمةٌ للتبني — اعتمدت هي الأخرى على البيانات الهولندية — قارنت توائم زيجوتٍ واحدٍ نشئوا في أُسَر مجرمين وآخرين نشئوا في أُسَر غير مجرمين بإخوة غير أقارب نشئوا في أُسَر مجرمين وأُسَر غير مجرمين، ولقد اتضح من النتائج أن إجرامية الوالد البيولوجي تعطي تنبؤًّا بالسلوك الإجرامي للطفل أقوى، مقارنةً بإجرامية الأب المتبنَّى، مما يقترح نوعًا من النقل الوراثي للنزعة الإجرامية.

الكثير من النقد الذي قَدَّمَهُ النقاد الأكاديميون ضد النظريات الوراثية للجريمة هو نفسه الذي قُدِّمَ ضد النظريات الوراثية للذكاء. كثيرًا ما تعجز دراسات التوائم عن كشف النواحي الخفية من البيئة المشتركة، أو عن التحكم في العوامل غير الوراثية التي قد تؤثر في معاملات التلازم، ولقد تعتمد أيضًا على عينات من أعداد قليلة. جادل ترافيس هيرشي وميشيل جودفريدسون بأنه لما كانت الجريمة من تصنيف المجتمع، فمن المستحيل أن تكون لها أصول وراثية: نعني أن ما يعتبره مجتمعٌ ما جريمةً، لن يكون بالضرورة جريمة في مجتمع آخر. كيف إذن يمكن لأحدهم أن يتحدث عن جين للاغتصاب أو للتسكع؟

الكثير من النظريات الوراثية للجريمة قد رُفِضَت فعلًا بالكامل، لكن الجريمة مجالٌ من مجالات السلوك الاجتماعي الذي يحمل من الأسباب الوجيهة ما يجعلنا نعتقد بأن العوامل الوراثية تلعب دورًا فيه. الجريمة بالطبع فئة تُبنى اجتماعيًّا، لكن هناك أفعالًا خطيرة معينة، مثل القتل والسرقة، لا يصفح عنها أي مجتمع، وهناك صفات سلوكية تقبل بسهولة أن تكون لها أصول وراثية، مثل التهور الذي قد يؤدي إلى انتهاك القانون. المجرم الذي يطلق الرصاص على رأس شخص يهرب، لا يوازن بين الرضا قصير الأجل والثمن الطويل الأجل الذي سيدفعه. قد يكون هذا ببساطة نتيجةَ تنشئةٍ اجتماعية فقيرة في الطفولة المبكرة، لكن ليس من السخف أن نتصور أن البعض بطبيعتهم سيِّئون في اتخاذ مثل هذا القرار.

فإذا انتقلنا من الفروق بين الأفراد إلى الفروق بين الجماعات، ففي مقدورنا أن نعرض قضية بديهيةً تُزكِّي أثر الوراثة في الجريمة، فقط بأن نلاحظ أن مرتكبي الجرائم في كل المجتمعات تقريبًا، وفي كل المراحل التاريخية، هم بصورة غالبة من الذكور الشباب، عادة ما بين عمر ١٥ سنة و٢٥ سنة. البنات والسيدات يرتكبن الجرائم بالطبع، ومثلهن أيضًا كبار السن، لكن هناك شيئًا في الذكور المراهقين بالذات يدفعهم إلى البحث عن التوكيد البدني للذات وإلى المخاطرة بطرق تجعلهم ينتهكون قوانين المجتمع. في كتابه «الذكور الشياطين» الصادر عام ١٩٩٦م يوثِّق الأنثروبولوجي البيولوجي ريتشارد رانجهام حقيقة أن ذكور الشمبانزي تنظم نفسها في مجاميع صغيرة تمضي لتهاجم عامدةً غيرها من مجاميع الذكور على تخوم أرض المستعمرة. فإذا قلنا إن البشر قد انحدروا عن سلف يشبه الشمبانزي منذ نحو خمسة ملايين عام، وأن هناك على ما يبدو استمراريةً معقولة — عبر الفترة التطورية — في نزعات الذكور من البشر إلى العنف والعدوان، فستبدو السببية الوراثية قوية.

اقترح عددٌ من الدراسات سبلًا جزيئية مباشرة تربط الجينات بالعدوانية. هناك دراسة تمت في أواخر ثمانينيات القرن الماضي على عائلة هولندية لها تاريخ في أمراض العنف، ووجدت أن السبب يرجع إلى جينات تتحكم في إنتاج إنزيمات اسمها أكسيدات مونوأمين (ماو MAO). ثمة دراسة أخرى على الفئران تمت بعد هذه ووُجِدَت أن عيبًا مشابهًا في جينات ماو قد جعلها عنيفة للغاية.
يستطيع الأفراد بالطبع أن يتعلموا التحكم في نزواتهم لا سيما إذا ما تعلَّموا السلوك القويم في المرحلة العمرية الصحيحة.٢ والمجتمعات بدورها يمكنها أن تفعل الكثير لتعزيز ضبط النفس، يمكنها أن تردع الجريمة وتوقع عليها العقوبة إذا ما فشل ضبط النفس. تفسر هذه العوامل الاجتماعية التباين الواسع في معدلات الجريمة بين المجتمعات، وداخل نفس المجتمع في أزمنة مختلفة. (كان عدد جرائم القتل بمدينة نيويورك في عام واحد يفوق ما وقع في دولة اليابان كلها). لكن التحكم الاجتماعي إنما يكون في سياق النزوات البيولوجية. أوضح عالِمَا التطور السيكولوجي مارتين دالي ومارجو ويلسون أن معدل جرائم القتل يتفاوت وفقًا لتكهنات من البيولوجيا التطورية، على سبيل المثال: عمليات القتل العائلية تحدث بتكرار أعلى بين اللاأقارب (بين الزوج والزوجة، أو بين زوج الأم وأبناء الزوجة من آخر) عنها بين الأقارب بالدم.

أيًّا كانت العلاقة بين الجينات والبيئة بالنسبة للجرائم، فالواضح أن أيَّ جدلٍ عامٍّ معتدل حول القضية هو أمرٌ مستحيل سياسيًّا بالولايات المتحدة في الوقت الحاضر. والسبب في ذلك أن نسبة الأمريكان الأفارقة في مجتمع المجرمين بالولايات المتحدة تفوق نسبتهم في المجتمع ككل، ومن ثم فإن أي اقتراح بأهمية المكون الوراثي للجريمة سيُؤخذ على أنه يعني أن السود بشكلٍ ما مؤهلون وراثيًّا ليكونوا مجرمين. أبدًا لم يقترح باحث أكاديمي جادٌّ يعمل في هذه القضية شيئًا كهذا منذ الأيام السوداء للعرقية العلمية، لكن هذا لم يمنع الناس من أن يحملوا شكوكهم العميقة بأن كل من يهتم حتى بهذه القضية لا بد أن تكون لديه دوافع عنصرية.

ولقد اشتعلت هذه الشكوك في أوائل تسعينيات القرن الماضي، أشعلها فريدريك ك. جودوين، الطبيب النفساني ورئيس الإدارة الفيدرالية للكحول والمخدرات والصحة العقلية. كان جودوين، الذي وصفه وولف بأنه جلف رسمي في مجال العلاقات العامة؛ كان يصف مبادرة العنف للمعهد القومي للصحة العقلية عندما اقترح وصف «الغابة» للمناطق من المدن التي تنتشر فيها الجرائم. الواضح أن جودوين كان يشير إلى عدد من الدراسات المحترمة التي اقترحت أن عنف الذكور متأصل. ورغم ذلك فإن حماقته في اختيار الكلمات قد أَدَّتْ إلى أن يُتهم مباشرةً بالعنصرية من السناتور إدوارد كينيدي والنائب جون دينجل وأن تُشجَب مبادرة العنف على أنها برنامج يوجيني صُمم للتخلص من غير المرغوب فيهم.

هذا هيأ المسرح للاحتجاجات العامة التي نُظمت حول مؤتمرٍ عنوانه معنى وأهمية البحث في علم الوراثة والسلوك الإجرامي الذي نَسَقَهُ دافيد واسرمان الباحث بجامعة ماريلاند، واشترك في تمويله المركز القومي لبحوث الجينوم البشري التابع للمعاهد القومية للصحة. حُدِّد للمؤتمر موعد، وانتُقد، فأُجِّل، وأخيرًا عُقد عام ١٩٩٣ في مكان منعزل على خليج تشيزابيك. رأى واسرمان استجابةً لضغوط ما قبل الانعقاد أن ينظم جلسة عامة لنقاد مجال علم الوراثة والجريمة يناقشون فيها تاريخ الحركة اليوجينية. غير أن هذا لم يمنع عددًا من المشتركين في المؤتمر من أن يُصدروا احتجاجًا رسميًّا يحذر من أنه لا يصح للعلميين أو المؤرخين والسوسيولوجيين أن يسمحوا بأن يُستخدموا في إضفاء الاحترام الأكاديمي على علم العنصريين الكاذب. عطَّلت المؤتمر مظاهرةٌ تُنشد: يا مؤتمر ماريلاند لن تستطيع أن تتخفى، نعرف أنك تحث على الإبادة الجماعية. الاحتمال ضئيل فيما أتصور أن ينظم المعهد القومي للصحة أو المعهد القومي للصحة العقلية مؤتمرًا مماثلًا في المستقبل القريب.

الجينات والجنس: الطبيعي والشاذ

هناك مجال ثالث كان لتراكم المعارف الوراثية فيه تضمينات سياسية هامة: ذاك هو الجنسانية. قلة منا فقط هم من ينكرون أن للجنس جذورًا بيولوجية قوية، كما أن قضية أن الكثير من الفروق بين الذكر والأنثى تتأثر بالبيولوجيا لا بالبيئة الاجتماعية هي قضية أقوى بكثير من قضية الفروق العرقية. لم تتطور الجماعات البشرية العرقية أو الإثنية (والفروق بينها كثيرًا ما تكون مشوشة) على أية حال إلا منذ بضع عشرات الآلاف من السنين — مجرد لمحة في الزمن التطوري — أما التمايز الجنسي فقد كان موجودًا منذ مئات الملايين من السنين، قبل أن يظهر جنس الإنسان. يختلف الرجالُ عن النساء فسيولوجيًّا ووراثيًّا (للنساء بالطبع كروموزوما X وللرجال كروموزوم X وكروموزوم Y) وعصبيًّا. من بين مسَلَّمَات إحدى الفئات الهامة من الحركة النسوية المعاصرة فئة تقول إن كل هذه الفروق تنتهي بالجسم، أما عقل الذكر وعقل الأنثى فهما متطابقان جوهريًّا. تصبح كل فروق الجنس عند من له هذا المنظور فروقَ جندر — نعني فروقًا في طريقة التنشئة الاجتماعية للأولاد والبنات. لكن من المستبعَد حقًّا أن يكون هذا صحيحًا، وهناك فرع ذو شأن من البيولوجيا التطورية يجادل منذ جيل بأن عقل الذكر وعقل الأنثى قد شكَّلتهما حاجات مختلفة من التكيف التطوري.

ثَمَّ قدرٌ كبير من العمل التجريبي على هذا الموضوع في السنين الأربعين الأخيرة. في عام ١٩٧٤م، لخَّصت عالمتا الفسيولوجيا إليانور ماكوبي وكارول جاكلين الكثير مما كان معروفًا آنئذٍ، في مجلد ضخم عنوانه فسيولوجيا الفروق الجنسية. فضَح هذا المجلد أساطير كثيرة عن الفروق بين الرجال والنساء — مثلًا، ليست هناك شواهد موثوقة على اختلاف بين الصبيان والبنات في القدرة على الاندماج في الجماعة، أو القابلية للإيحاء، أو القدرة على التحليل، أو الذكاء على وجه العموم. من ناحية أخرى، أظهرت الدراسات في عدد من المجالات وجود فروق ثابتة. قدرة البنات على التعبير الكلامي تميل لأن تكون أعلى من قدرة الصبيان، الصبيان يتفوقون في القدرة البصرية الفضائية، وللصبيان قدرة في الرياضيات أعلى، وأخيرًا، فالصبيان أكثر عدوانية بكثير.

يوضح الكتاب التالي لماكوبي (الجنسان) أن تمايز الجندر يبدأ في عمر مبكر جدًّا. تُبين تشكيلة عريضة من الدراسات التجريبية أن لعب الأولاد أكثر بدنيةً من لعب البنات، وأنهم يميلون إلى توطيد هيراركية في السيطرة أكثر وضوحًا من البنات. وأنهم أكثر تنافسية، وتنافسهم ينصرف إلى أن يكون بين الجماعات لا بين الأفراد. الصبيان أكثر عدوانية جسديًّا من البنات، وإن كانت عدوانية البنات أكثر في العلاقات (نعني عدوانية من خلال النبذ الاجتماعي أو العزلة). حديث الصبيان مختلف، يتمحور بشكل أكثر حول مواضيع العدوان والعنف، بينما يركز حديث البنات على العلاقات العائلية. أما بالنسبة لاختيار جنس رفيق اللعب في الطفولة المبكرة، فيبدو أن الصبيان والبنات قد بُرمِجوا لأن يفصلوا أنفسهم كلًّا مع جنسه. تصدُق هذه النتائج عبر الثقافات، ولقد أوحى هذا كله لماكوبي بأن هناك بالضرورة، بجانب أنماط التنشئة الاجتماعية التقليدية، عاملًا بيولوجيًّا ما يعمل في تحديد سلوك الذكر والأنثى.

فإذا ما وصلنا إلى قضية الجينات والسلوك الجنسي فسنجد الموقف السياسي وقد انقلب قلبًا كاملًا. اليسار يعارض التفسيرات البيولوجية في قضية الجينات والذكاء، والجينات والجريمة، والجينات والفروق الجنسية، ويحاول أن يقلل من أهمية شواهد على أن للوراثة تأثيرًا هامًّا على أيٍّ من هذه السلوكيات. أما بالنسبة لقضية الشذوذ الجنسي، فقد كان لليسار الرأي المضاد: التوجه الجنسي ليس قضية اختيار فردي أو تكييف اجتماعي، إنما هو شيء يُبتلى به الفرد عند الولادة.

يشكل الشذوذ الجنسي دائمًا معضلة خاصةً للبيولوجيا التطورية. فلما كان المفترض أن يدور التطور حول النجاح في التكاثر، ولما كان الشواذ جنسيًّا لا ينجبون، فإننا نتوقع أن تتخلص العشيرة وبسرعة عن طريق الانتخاب الطبيعي من أي جين للشذوذ الجنسي. تقول نظريةٌ لبيولوجيي التطور المعاصرين إنه إذا كان هناك عامل وراثي يسبب الشذوذ الجنسي، فلا بد أن يكون منتجًا ثانويًّا لخصيصة أخرى هامة في التكيف، خصيصة ربما تفيد الإناث، وتُورث من ناحية الأم. من المعتقد أن مخاخ الحيوانات المختلفة — ومن بينها الإنسان — تُجنَّس في مرحلة قبل الولادة بالتعرض لمستويات معينة من هرمونات الجنس المختلفة التي تُحدد وراثيًّا. ولقد افتُرِض بناءً على أبحاث أُجريت على الفئران أن الشذوذ الجنسي في الذكور يحدث نتيجة قلة التعرض لهرمون الذكورة (التستسترون) قبل الولادة.

قُدِّر العمق الوراثي للشذوذ الجنسي، حتى الآن، بنفس الطريقة التي يُقدر بها العمق الوراثي للذكاء أو الإجرام — عن طريق دراسات التوائم والتبني. أعطت هذه الدراسات قِيمًا تتراوح ما بين ٣١٪ و٧٤٪ في الرجال وما بين ٢٧٪ و٧٦٪ في النساء. أوضح عدد من دراسات عصبية تشريحية حديثة أن هناك بالفعل فروقًا بين الرجال الطبيعيين والشواذ في بنية ثلاثة أجزاء من المخ. تبين هذه الفروق خاصة في غدة الهيبوثالامص، كما يقول سيمون ليفاي. والواقع أن دين هامر، الباحث بالمعاهد القومية للصحة، قد أكد وجود رابطة وراثية بين موقع على كروموزوم الجنس X وبين الشذوذ الجنسي في الرجال، فقد استخدم وزملاؤه تقنيات وراثية قياسية لتحليل خريطة أسلاف مجموعة من الرجال الشواذ ممن اعترفوا بشذوذهم، ووجدوا معامل ارتباط، معنويًّا إحصائيًّا، بين التوجه الجنسي وبين بعض الواسمات بالمنطقة ٢٨ بالذراع الطويل لكروموزوم الجنس X.

أثار عدد من نقاد هذا البحث نفس الاعتراضات التي أثيرت على الذكاء والجريمة، وأيًّا كان الرأي النهائي في هذا فالشذوذ الجنسي — مثله مثل الانتقائية الجنسية للذكور — يوجد واقعيًّا في كل المجتمعات المعروفة، ويبدو من المعقول أن يكون له أساسٌ ما طبيعي. أما المشوق فهي السياسة في هذه القضية. فعلى عكس قضية الذكاء والجريمة، حيث هاجم اليسار فكرة العمق الوراثي ذاتها، تلقف نشطاء الشذوذ فكرة جين الشذوذ، لأن فكرة السببية الوراثية تُحرر الشواذ من المسئولية الأخلاقية لوضعهم في المجتمع. كان اليمين في هذه القضية هو من جادل بأن الشذوذ الجنسي مجرد خيار لأسلوب حياة، ووجود جينٍ للشذوذ يثبت أن الشذوذ كالنمش لا يستطيع الشخص شيئًا حياله.

وهذا الجدل لا معنى له، إنه لا يُشبه إلا التوكيد على أن البيئة لا يمكن أن تؤثر في الذكاء أو الإجرام. فإذا أغفلنا بضعةً من أمراض الجين الواحد، مثل رقص هنتنجتون، فإن الجينات أبدًا لا تُحدد الوضع النهائي للفرد تحديدًا كاملًا مائة في المائة، وليس من سببٍ للظن بأن وجود جين للشذوذ الجنسي يعني أن الثقافة والمستوى الاجتماعي والفُرص وغير هذه من العوامل، لا تلعب دورًا في التوجه الجنسي. إن حقيقة وجود الكثيرين من الخناث إنما يشير إلى أن التوجه الجنسي مرن حقًّا. فإذا ما قلق الأبوان من أن رحلةً كشفيةً مع رائد من الشواذ قد تدفع بابنهما إلى خبرة جنسية شاذة، فإن افتقار هذا الابن لجين الشذوذ لن يخفف من قلقهما.

من ناحية أخرى، فإن على أهل اليمين الذين يؤمنون بأن الشذوذ الجنسي ليس سوى أمر اختيار أخلاقي شخصي، عليهم أن يواجهوا نفس الحقيقة التي يواجهها أهل اليسار بشأن الذكاء أو هوية الجندر: الطبيعة تفرض حدودًا. يمكن أن تُعلِّم الأعسر أن يكتب ويأكل باليد اليمنى، لكن هذا يتم دائمًا تحت مقاومة، كما أن الشخص أبدًا لا يحس بأنه طبيعي. وواقع الأمر أن الشذوذ الجنسي لا يختلف عن الذكاء أو الإجرام أو الهوية الجنسية من حيث إنه نزوع بشري يتحدد جزئيًّا بالوراثة ويتكيف جزئيًّا بالبيئة الاجتماعية والاختيار الفردي. يمكن أن نجادل في كل هذه الصفات، حول الوزن النسبي للأسباب الوراثية والاجتماعية، لكن وجود العامل الوراثي في حد ذاته يجعل الجدل حولها خلافيًّا، لأنه يقترح حدودًا للعامل الأخلاقي والإمكانية البشرية.

كان من بين أعز آمال العلم الاجتماعي للقرن العشرين، الأمل في أن يؤدي التقدم في العلوم الطبيعية إلى حذف البيولوجيا كعاملٍ هامٍّ في السلوك البشري. ولقد تحقق هذا الأمل في حالات كثيرة: لم يكن ثمة أساس تجريبي للعنصرية العلمية. فقد اتضح أن الفروق بين الجماعات العرقية والإثنية، أو بين الرجال والنساء، أقل كثيرًا مما كان يُظن في أعقاب ظهور نظرية التطور لتشارلس داروين. يبدو أن الجنس البشري يتميز حقًّا بالتجانس، الأمر الذي يعضد حَدْسَنا الأخلاقي — منذ حركة التنوير — بشأن جلال الإنسان، كل إنسان. لكن، تبقى فروق لا ريب فيها بين الجماعات — لا سيما تلك الموجودة بين الجنسين. ثم إن البيولوجيا لا تزال تلعب دورًا رئيسيًّا في تفسير الفروق بين الأفراد داخل العشائر. أما ما سيحدث في المستقبل من تراكم المعارف حول وراثة الإنسان، فسيؤدي إلى زيادة معارفنا عن الأصول الوراثية للسلوك، ومن ثم فسيظل يسبب جدلًا سياسيًّا لا ينتهي.

ستؤدي المعرفة العلمية عن السببية، حتمًا، إلى بحث تكنولوجي عن طُرق منابلة هذه السببية. على سبيل المثال: إن وجود صفات بيولوجية ترتبط بالشذوذ الجنسي — صفات مثل أندروجينات ما قبل الولادة، أو تشريح عصبي مميز، أو جين للشذوذ ترتكز عليه هاتان — إنما يرفع من احتمال أن نتمكن يومًا من أن نجد علاجًا للشذوذ الجنسي. هنا سيضطرب اليسار اضطرابًا له ما يُبرره لأنه اعتنق التفسيرات البيولوجية، فقد بدأت هذه ثانيةً تهدد المساواة في جلال الإنسان.

يمكننا أن نوضح المشكلة بأن نُجري التجربة الفكرية التالية. افترض أننا تمكنا خلال عشرين سنة من أن نفهم جيدًا وراثة الشذوذ الجنسي، وأننا استطعنا أن ندبِّر وسيلة يمكن بها للأبوين أن يقللا كثيرًا من احتمال أن ينجبا طفلًا شاذًّا. لا يتطلب هذا بالضرورة أن نفترض مسبقًا استخدام الهندسة الوراثية، قد تكون مجرد قرص دواء يوفر مستويات كافية من التستسترون تجعل مخ الجنين المتنامي ذكوريًّا وهو في الرحم. افترض أن تكاليف العلاج ضئيلة، وأنه فعال ولا يسبب أية آثار جانبية، وأن من الممكن أن يصفه الطبيب المولِّد في عيادته في سرية. افترض أيضًا أن الوضع الاجتماعي قد أصبح بحيث يُقبل الشذوذ الجنسي تمامًا. كم يا ترى من النساء الحوامل سيَخترن تعاطي هذه الأقراص؟

أتصور أن الكثيرات جدًّا من النساء سيَقبلن، ومن بينهن من يُبدين السخط اليوم كثيرًا على ما يرونه تمييزًا ضد الشواذ. هُنَّ قد يعتبرن الشذوذ شيئًا كالصلع أو قصر القامة — لا حيلة للشخص فيه، ولكنه رغم كل شيء حالة ليست بالمثلى بحيث يفضل الفرد ألَّا يراه في أطفاله. (تتكفل بهذا رغبة معظم الناس في أن تكون لهم سُلَّان). كيف لهذا إذن أن يؤثر في وضع الشواذ، لا سيما من يوجد منهم في الجيل الذي يتم فيه التخلص من الشذوذ؟ أَلَنْ يجعلهم هذا الضرب من اليوجينيا الخصوصية أكثر بروزًا وأكثر تعرضًا للاضطهاد مما كانوا عليه قبلًا؟ وإذا لم يكن ذلك واضحًا، أيصح ألَّا نكترث بحقيقة ممارسة هذه الخيارات اليوجينية لأن من يمارسها هم الآباء لا سلطة دولة القهر؟

١  الانحراف المعياري مقياسٌ إحصائيٌّ عن تباين العشيرة حول متوسطها: نحو ثلثا العشيرة يقع ما بين انحراف معياري فوق المتوسط وانحراف معياري تحت المتوسط.
٢  ضبط النفس، مثل اللغة، يمكن تعلُّمه بشكل أفضل في أعمار معينة، الأمر الذي يشير إلى الطبيعة البيولوجية للجريمة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦