علم عقاقير الأعصاب والتحكم في السلوك
المرض وإضمار الشك حرام عندهم: على المرء أن يمضي بحذر. أحمق من لا يزال يتعثر في الأحجار والبشر! قدْرٌ قليل من السم بين الحين والآخر: هذا يؤدي إلى أحلام ممتعة. ثم الكثير من السم في النهاية، لموت ممتع.
ربما كان سيجموند فرويد، مؤسس التحليل النفسي، هو المفكر الذي بلغ عمله القمة ثم هوى، خلال القرن العشرين كان الغرب يُجله في منتصف القرن العشرين في كل مكان باعتباره الرجل الذي كشف أعماق الحقائق حول حوافز الإنسان ورغباته. عقدة أوديب، اللاوعي، تمنِّي القضيب، تمنِّي الموت: ذاعت مفاهيم فرويد هذه في حفلات الكوكتيل، أذاعها الخبراء مِمَّن يرغبون في إثبات حنكتهم. لكن بحلول نهاية القرن أصبح معظم العاملين بمهنة الطب يعتبرون فرويد حاشية ممتعةً، لا أكثر، في التاريخ الفكري، شخصًا كان مفلسفًا أكثر منه عالِمًا. نتج هذا عن التقدم في علم الأعصاب المعرفي وفي مجال علم العقاقير العصبية الجديد.
بُنيت الفرويدية على فرض يقول إن المرض الذهني — ومنه أمراض خطيرة مثل الهوس الاكتئابي والشيزوفرانيا — هو بطبيعته سيكولوجي في الأصل — هو نتيجة خلل ذهني يحدث في موقع ما فوق المادة البيولوجية للمخ. ولقد قُوِّضت هذه الفكرة بعقار اسمه الليثيوم اكتشفه بالصدفة جون كيد عالم النفس الأسترالي عندما قدمه لمرضى الهوس الاكتئابي عام ١٩٤٩م، فشُفي عدد منهم فيما يشبه المعجزة، وبدأت عملية أدت إلى أن يحل العلاج بالعقاقير محل العلاج الفرويدي بالحديث، بصورة تكاد تكون كاملة، في ظرف الجيلين التاليين. كان الليثيوم هو مجرد بداية لفترة متفجرة من البحث والتطوير في علم العقاقير العصبية، أدت في نهاية القرن إلى جيل جديد من العقاقير — منها البروزاك والريتالين — جيلٍ بدأنا الآن بالكاد في تفهُّم أثره الاجتماعي.
توافق ظهور العقاقير التي تعمل على المخ مع ما أُطلق عليه اسم ثورة الناقلات العصبية — نعني زيادة هائلة في المعارف العلمية عن الطبيعة البيوكيماوية للمخ وعملياته الذهنية. ربما كان لنا أن نُشَبِّه الفرويدية بالنظرية التي طورتها جماعة من رجال القبائل البدائية وجدوا سيارةً تعمل، وحاولوا تفسير وظائفها الداخلية دون أن يتمكنوا من فتح الكبوت. فلقد يلاحظون الارتباط القوي بين الضغط على دواسة البنزين وبين تحرك السيارة إلى الأمام، فيضعون النظرية بأن شيئًا ما يربط بين الاثنين يحول السائل إلى حركة العجلات — ربما كان سنجابًا كبيرًا في قفص أو قزمًا من نوع أو آخر. لكنهم أبدًا لن يفهموا شيئًا عن الهيدروكربونات أو الاحتراق الداخلي أو الصمامات والمكابس التي تقوم بتحويل الطاقة.
ولقد قام علم الأعصاب الحديث في الواقع برفع الكبوت، وسمح لنا بإمعان النظر في المحرك — إن يكن ذلك للتجريب. ثمة دستة أو نحوها من الناقلات العصبية — منها السيروتونين والدوبامين والنوربينفرين — تتحكم في قَدْح الوصلات العصبية ونقل الإشارات عبر النيورونات في المخ. تؤثر مستويات هذه الناقلات العصبية والطريقة التي بها تتفاعل، تؤثر مباشرةً في شعورنا الذاتي بالسعادة واحترام الذات والخوف وما شابه. تتأثر المستويات القاعدية لهذه الناقلات بأشياء موجودة في البيئة وترتبط كثيرًا بما نُسميه الشخصية. كانت المعارف عن كيمياء المخ والقدرة على منابلته — قبل أن تصبح الهندسة الوراثية أمرًا ممكنًا — مرْجِعًا هامًّا للتحكم في السلوك له تضميناته السياسية البالغة الأهمية. ونحن الآن في غمرة هذه الثورة، وليس علينا أن نُلَفِّقَ سيناريوهات خيال علمي لنرى كيف ستتَكَشَّف.
لا عجب إذن أن يبزغ البروزاك وعائلته كظاهرة ثقافية رئيسية في أواخر القرن العشرين. مجَّدَ بيتر د. كرامر في كتابه «الإصغاء إلى البروزاك» وإليزابيث ورتزل في كتابها «أُمة البروزاك»، مجَّدَا البروزاك على أنه عقار مدهش له أثر سحري على المصابين بالاكتئاب المزمن. وصف كرامر حالة مريضة له تُدعى تس كانت مصابة بالاكتئاب المزمن، حَبَسَتْ نفسها في سلسلة من العلاقات الماسوكية مع رجال متزوجين، وتدهور وضعها في عملها. وفي ظرف أسابيع من تعاطيها البروزاك، انتهت علاقاتها الفاسدة وبدأت تضرب المواعيد لرجال آخرين، غَيَّرَتْ دائرة أصدقائها بالكامل، وأصبحت أكثر ثقةً بنفسها وأقل اعتمادًا على الآخرين في أسلوب إدارتها للعمل. غدا كتاب كرامر واحدًا من الكتب الأكثر مبيعًا، وأسهم كثيرًا في الترويج للعقار وقبوله. بلغ من يتعاطون البروزاك وعائلته من العقاقير نحو: ٢٨ مليون أمريكي، أي ١٠٪ من العشيرة الأمريكية بأكملها. ولأن النساء أكثر من الرجال معاناةً من الاكتئاب ومن ضعف احترام الذات، فقد أصبح الكتاب شيئًا كمعبود النساء. من الجَلِيِّ أن نجاح تس في التحرر من العلاقة المشينة قد كررته الكثيرات ممن وُصِفَت لهن مثبطات إعادة استيعاب السيروتونين.
ليس من المستغرب أن تتسبب العقاقير التي عُرف أن لها مثل هذه الآثار في نشوب خلاف كبير. أوضحت بعض الدراسات أن البروزاك ليس فَعَّالًا كما يُدَّعَى، وانْتُقِدَ كرامر لأنه هَوَّلَ كثيرًا من أثره. كان الجزء الأكبر مما كُتب ضد البروزاك يتألف من كتبٍ مثل كتاب بيتر بريجين وجنجر روس بريجين «رد عنيف على البروزاك» وكتاب جوزيف جلينمولين «ردٌّ معادٍ للبروزاك». جادل النقاد بأن للبروزاك كوكبة من الآثار الجانبية يحاول المنتج أن يخفيها. قالوا إن البروزاك مسئول عن زيادة الوزن، وتشويه عضلة الشقيقة بالوجه، وفقدان الذاكرة، والاختلال الجنسي، والانتحار، والعنف، وعوار المخ.
ولقد يحدث مع الوقت أن يتخذ البروزاك نفس طريق عقار التوارزين المضاد للذهان، فلا يصبح العقار المعجزة، بسبب آثاره الجانبية الطويلة المدى التي لم تُفهم عند ظهوره. لكن المشكلة السياسية والأخلاقية الأصعب ستَبين إذا ما اتضح بالفعل أنه مأمون تمامًا، أو أنه، هو وغيره من عقاقير مماثلة لم تظهر بعدُ، يعمل بالضبط مثلما تقول الدعاية عنه، إذ يُقال إن البروزاك يؤثر في أكثر العواطف السياسية مركزية: الشعور بقيمة الذات وباحترام الذات.
واحترام الذات مفهوم سيكولوجي يخضع للتيارات، هو شيء يُذكَّر الأمريكيون دائمًا بحاجتهم إلى الكثير منه، لكنه يشير إلى ناحية حرجة من سيكولوجيا البشر: رغبة كل الناس في أن يُعترف بهم. جادل سقراط في جمهورية أفلاطون بأن هناك ثلاثة أقسام مميزة للروح: جزء للرغبة، وجزء للمنطق، وثالث أطلق عليه اسم «تيموس» — وهذه كلمة يونانية عادةً ما تُترجم على المفعم بالحيوية. والتيموس هو ناحية الكبرياء من شخصية الإنسان، الجزء الذي يتطلب أن يعترف الآخرون بقيمة الفرد أو كرامته. هو ليس رغبة في سلعة مادية أو مأرب لإشباع حاجة — المنفعة التي يفهمها الاقتصاديون على أنها ما يُحرك الإنسان — وإنما هي حاجة الفرد لأن يعترف الآخرون بمنزلته. والواقع أن الاقتصادي روبرت فرانك قد أوضح أن الكثير مما نظنه مصلحة اقتصادية ليس في واقع الأمر سوى حاجة إلى الاعتراف بالمنزلة، أو ما أسماه «سلع المركز الاجتماعي». نحن نريد عربة جاجوار لا لأننا نحب العربة الجميلة وإنما كي نبزَّ عربة جارنا البي إم دبليو. لا يلزم أن تكون الحاجةُ إلى الاعتراف شخصيةً، فلقد يطلب الفرد أن يعترف الآخرون بآلهته، أو بمقدساته، أو بأمَّته أو حتى بقضيته العادلة.
أدرك معظم المنظِّرين السياسيين مركزية الاعتراف، ومَدى أهميته في السياسة بالذات. الأمير إذا حارب أميرًا فإنه لا يطلب أرضًا أو مالًا، فلديه عادةً أكثر مما يحتاج، لكن ما يريده هو الاعتراف بسلطانه وسيادته، الاعتراف بأنه ملك الملوك. كثيرًا ما يكون الاعتراف أهم من المصالح الاقتصادية: ربما أصبحت الدول الجديدة مثل أوكرانيا وسلوفاكيا أفضل حالًا لو أنها ظلت أجزاءً من دول أكبر، لكن شعوبها لا تنشد الرخاء الاقتصادي بقدر ما تطلب علَمًا ومقعدًا في الأمم المتحدة. لهذا السبب اعتقد الفيلسوف هيجل أن الدافع الأساسي في العملية التاريخية هو الكفاح من أجل الاعتراف، بدءًا من المعركة الدامية البدائية بين خصمين على من سيكون السيدَ ومَن سيكون العبد، وانتهاءً ببزوغ الديمقراطية المعاصرة، التي يُعترف فيها لكل مواطن بأنه حُر وبأن للجميع نفس المنزلة.
اعتقد هيجلُ أن الصراع من أجل الاعتراف ظاهرة بشرية بحتة — بل رآها مركزيةً لما نعنيه ببشريتنا. لكنه كان مخطئًا في هذا: هناك أساس بيولوجي لرغبة الإنسان في أن يُعترف به موجود في عدد آخر من الأنواع الحيوانية. فالأفراد في الكثير من الأنواع تُوزِّعُ نفسها في هيراركيات سيادية. (جاء مصطلح هيراركية النَّقْر من الدجاج بالطبع). فإذا ما وصلنا أقارب الإنسان من الرئيسات — مثل الغوريلا، والشمبانزي بالذات — فسنجد الصراع من أجل المكانة داخل هيراركية السيادة وقد بدأ يتخذ شكلًا إنسانيًّا حقًّا. وصف عالم الرئيسات فرانس ده فال في كتابه (ذي العنوان المناسب) «سياسة الشمبانزي» وصف بإسهاب الصراعات التي وقعت من أجل المكانة في مستعمرة بهولندا من شمبانزي في الأسر. يُشَكِّلُ ذكور الشمبانزي ائتلافات، وهي تخطِّط، ويَخُونُ بعضُها بعضًا، وتشعر بوضوح بشعور يُشبه كثيرًا الزهو والغضب إذا ما اعترف الرفاق بمكانتها في المستعمرة أو جحدوها.
لا شك أن صراع الإنسان من أجل الاعتراف أكثر تعقيدًا بكثير من مثيله في الحيوانات، فالبشر، بذاكرتهم، وتعلُّمهم، وقدرتهم الهائلة على التفكير المجرد يستطيعون أن يوجهوا صراعهم من أجل الاعتراف إلى الإيديولوجيات والمعتقدات الدينية والشهادات الجامعية وجوائز نوبل وما لا يُعدُّ ولا يُحصى من مصادر الفخر الأخرى. لكن المهم هو أن للرغبة في الاعتراف أساسًا بيولوجيًّا، وأن لهذا الأساس ارتباطًا بمستويات السيروتونين في المخ. لقد أوضحت التجارب أن للقردة في الطرف الأدنى من هيراركية السيادة مستويات من السيروتونين منخفضة، أما القرد إذا ما فاز وأصبح نجمًا بين الذكور فإنه يشعر وقد بلغ الفئة عالية السيروتونين.
لهذا السبب بالذات يبدو البروزاك عقارًا ذا شأن من الناحية السياسية. يجادل هيجل، ومعه بعض الحق، بأن العملية التاريخية البشرية برمَّتها قد قادتها سلسلة من الصراعات المتكررة من أجل الاعتراف. كان التقدم البشري، بأكمله تقريبًا، نتيجةً ثانويةً لحقيقة أن الناس أبدًا لم يقنعوا بما لاقوه من اعتراف لم يكن لهم أن يبلغوه إلا من خلال الكفاح والعمل، بمعنى أن المنزلة تتطلب أن يكافح الفرد من أجلها، ملِكًا كان أو أميرًا، أو حتى ابن عمك الذي ينشد أن يرتقي إلى مرتبة كبير العمال في المتجر. والطريقة الطبيعية، أو المقبولة طبيعيًّا، للتغلب على قلة احترام الفرد لذاته هي الصراع مع النفس ومع الآخرين، والعمل الجاد، وتَحَمُّل تضحيات مؤلمة في بعض الأحايين، ثم في النهاية أن ينهض الفرد ويُعلن للجميع أنه قد قام بذلك. والمشكلة مع احترام الذات، كما نفهمه في السيكولوجيا الشعبية في أمريكا، أنها قد أصبحت للأسف شيئًا يطلبه كل فرد، سواء كان يستحقه أو لا يستحقه، وهذا يخفض من قدر احترام الذات ويجعل البحث عنه أمرًا يقْهَرُ نفسه. وها تجيء الصناعة الصيدلية الأمريكية التي يمكنها من خلال عقاقير مثل الزولوفت والبروزاك أن تقدم احترام الذات في زجاجة ترفع السيروتونين بالمخ. تُثير القدرة على منابلة الشخصية بالطريقة التي وصفها بيتر كرامر بعض القضايا الممتعة. أكان من الممكن أن نتجنب كل هذا الصراع في تاريخ البشر لو أن الناس كانوا يحملون في مخاخهم قدرًا أكبر من السيروتونين؟ أكان قيصر أو نابليون سيشعر بحاجته إلى أن يقهر أوروبا إذا توفرت لديه حبةُ بروزاك يبتلعها ما بين الحين والآخر؟ لو أن الأمر كان كذلك، فأي طريق كان سيتخذه التاريخ؟
الواضح أن هناك بعالمنا هذا الملايين من المكتئبين إكلينيكيًّا وممن يحسون بأن قيمة الذات لديهم أقل بكثير مما يجب. كان البروزاك والعقاقير الشبيهة، بالنسبة لهم، نعمةً من عند الله. لكن انخفاض مستوى السيروتونين لا يُشكِّل حالة باثولوجية صريحة، ووجود البروزاك يفتح الطريق إلى ما أطلق عليه كرامر الاسم الشهير: «علم العقاقير التجميلية»؛ نعني تعاطي العقار ليس لقيمته العلاجية وإنما، ببساطة، لأنه يجعل الفرد يشعر بأنه «أفضل من طيِّب». إذا كان للشعور باحترام الذات مثلُ هذه الدرجة من الأهمية في سعادة الإنسان، فمَن منا لا يطلب منه أكثر؟ فُتح السبيلُ إذن إلى عقار يُشبه في نواحٍ معينة، وبشكل غير مريح، صوما العالم الجديد الشجاع لألدوس هكسلي.
إذا ما بدا البروزاك نوعًا من حبوب السعادة، فإن الريتالين يلعب دور أداة صريحة للتحكم الاجتماعي. الريتالين هو الاسم التجاري لمادة ميثايل فينيديت، المنَبِّه وثيق القرابة بالميثامفيتامين، ذلك المخدر الذي ذاع في ستينيات القرن الماضي تحت اسم السريع. يُستعمَل الريتالين في علاج متلازمة يُطلق عليها اسم مرض قلة الانتباه-فرط النشاط (م ق أ ف ن)، وهذا مرض يُربط دائمًا بالصبية الذين يصْعُب أن يجلسوا ساكنين في فصول الدراسة.
في عام ١٩٨٠ سُجِّل مرضُ قلة الانتباه (م ق أ) لأول مرة على أنه مرض، جاء ذلك في كتاب الجمعية الأمريكية للطب النفسي المعنون دليل تشخيص وإحصاءات الأمراض العقلية (د ت إ أ ع) — وهذا هو المرجع الرسمي للأمراض العقلية. غُيِّر اسم المرض في طبعة تالية من الدليل إلى مرض قلة الانتباه-فرط النشاط، أُضيف فرط النشاط كخصيصة مؤهلة. كان إدراج م ق أ ثم م ق أ ف ن في القائمة تطورًا مثيرًا في حد ذاته، فعلى الرغم من عقود من البحث لم يتمكن أحد من تحديد السبب في م ق أ/م ق أ ف ن. إنه مرض لا تُعَيَّن هويته إلا بأعراضه. يورد دليل التشخيص والإحصاءات عددًا من معايير تشخيص المرض، مثل التركيز في المشاكل والنشاط الفائق في الوظائف الحركية. يقوم الأطباء كثيرًا بما يرقى إلى تشخيص ذاتي للغاية، إذا ما بانَ على المريض ما يكفي من الأعراض المجدولة بالقائمة، وهي قائمة يُشَكُّ كثيرًا في حقيقتها.
ليس من المستغرب إذن أن يؤكد طبيبا النفس إدوارد هالويل وجون راتي في كتابهما «المنساقون إلى تشتت الفكر»: «إذا أنت أدركت ما تدور حوله هذه المتلازمة، فستجدها في كل مكان». وعلى عهدتهما فإن ١٥ مليون أمريكي يعانون من صورة أو أخرى من المتلازمة. فإذا كان هذا صحيحًا فإن معناه أن الولايات المتحدة تُكابِدُ وباءً مذهل الانتشار حقًّا!
لقد تُركنا باحتمال أن يكون مرض قلة الانتباه حالة تُصيب الجميع، وتضم تنويعة من مشاكل سلوكية للأطفال لها أسباب مختلفة، بيولوجية واجتماعية نفسية، محَتَّمةٌ قضاءً وقدَرًا. أما حقيقة أن الريتالين يساعد في حل الكثير من المشاكل فقد يُشجِّع تشخيص م ق أ على أن يتعدى حدوده.
الريتالين منَبِّه للجهاز العصبي ينتمي كيماويًّا إلى مواد تخضع للرقابة مثل الميثامفيتامين والكوكايين، وآثاره الصيدلية تُشبه كثيرًا آثار هذين المخدرَين: زيادة فترة الانتباه، شعور بالنشوة الوقتية، بناء مستويات طاقة قصيرة الأمد، والسماح بمجال أكبر. والواقع أننا إذا سمحنا لحيوانات المعمل بأن تختار بين الريتالين والكوكايين، فإنها لن تُفضل واحدًا منهما على الآخر. ترفع هذه العقاقير مساحة الرؤية والتركيز ومستويات الطاقة أيضًا لدى الأسوياء من الناس، فإذا استُخدم الريتالين بإفراط فإن آثاره الجانبية ستُشبه آثار الميثامفيتامين والكوكايين، بما فيها من أرق وفقدان للوزن. ذاك هو السبب في أن يُنصح الطبيب عندما يصِفُ الريتالين للأطفال بأن يحصلوا على عطلة دورية من العقار. لا يبدو أن الجرعات المنخفضة من الريتالين التي تُوصف للأطفال تسبب أي إدمان يُقارَن بما يُسببه الكوكايين، لكن الأثر قد يتشابه مع الجرعات العالية. ولقد دفع هذا إدارة تنفيذ أحكام العقاقير الأمريكية إلى أن تعتبره مما يتطلب رُوشتة طبية ثلاثية، وإلى أن تُخضِع للرقابة الكمية الكلية المصنعة منه.
تُفسر الآثار السيكولوجية الطيبة للريتالين السبب في أن تستخدمه — أو (كما تحب إدارة تنفيذ أحكام العقاقير) أن تُسيء استخدامه أعداد متزايدة ممن لم يُشخَّصوا بمرض م ق أ ف ن. يقول ديلر إن للعقار القدرة على أن يُحسِّن أداء كل فرد، طفلًا كان أو بالغًا، مريضًا كان بمرض قلة الانتباه أو غير مريض. أصبح الريتالين خلال تسعينيات القرن الماضي واحدًا من أسرع العقاقير انتشارًا في المدارس الثانوية وفي معسكرات الجامعة، عندما اكتشف الطلبة أنه يساعدهم في المذاكرة للامتحان وفي تحسين الانتباه أثناء الدرس. يقول أحد الأطباء بجامعة ويسكونسين: «لقد أصبحت قاعات الدراسة في الواقع كالصيدلية المحلية.» تصف إليزابيث وورتزل الشهيرة في موضوع البروزاك، تصف كيف فَرَمَتْ وابتلعت أربعين حبة ريتالين في يوم مما أدى بها إلى حجرة العناية المركزة والمداواة من التسمم، حيث قابلت أمهات كن يسرقن الحبوب من أطفالهن ليَستخدمْنَها.
وسياسة الريتالين تُفصِحُ بجلاء عن مدى فقر الفكر الذي نفهم به الشخصية والسلوك، كما تُقدم لنا دلالة منذرة عما سيأتي عندما تتاح الهندسة الوراثية بقدرتها الكامنة الأكبر على تعزيز السلوك. إن من يعتقدون بأنهم يعانون من م ق أ ف ن يتوقون إلى أن يُصَدِّقُوا ما يُقال لهم دائمًا من أن عدم قدرتهم على التركيز أو على الأداء الطيب في بعض مهام الحياة، ليس قضية ضعف شخصية أو ضعف عَزْم، وإنما هو نتيجة لحالة عصبية. ومثل الشواذ جنسيًّا الذين يُشيرون إلى جين الشذوذ سببًا في سلوكهم، كذا يوَدُّ هؤلاء أن يُلغوا مسئوليتهم الشخصية عن أفعالهم — وكما وصفها عنوان كتاب ميَسَّر حديث في تعضيد الريتالين: «الخطأ ليس خطأك».
هناك بالتأكيد الكثيرون ممن يكون نشاطهم الفائق، وعدم قدرتهم على التركيز، من الحِدَّة حتى ليُسلَّمَ بأن البيولوجيا هي المحدِّد الأول لسلوكهم. لكن، ماذا عمن يجدون أنفسهم، قُلْ مثلًا، في نسبة اﻟ ١٥٪ من ذيل المنحنى الطبيعي للانتباه؟ هناك بعض الأساس البيولوجي لحالتهم، لكن الواضح أنهم يستطيعون أن يقوموا بأشياء تؤثر في الدرجة النهائية لانتباههم أو نشاطهم الفائق. فالتدريب والخُلُق والعَزْم، والبيئة على وجه العموم، ستلعب جميعًا أدوارًا هامة. وتصنيف الناس في هذه الحالة على أنهم مرضى إنما هو تضبيبٌ للخط الفاصل بين العلاج وبين التعزيز. ورغم ذلك فهذا بالضبط هو ما يطلبه معضِّدُو وتطبيب م ق أ ف ن.
يدعمهم في هذا بعضٌ من مصالح غاية في الأهمية. هناك أولًا وقبل كل شيء المصلحة الشخصية للآباء والمدرسين الذين لا يرغبون في أن يُنفقوا الوقت أو الطاقة اللازمة لتهذيب وتسلية ومُنادمة وتدريب الأطفال الصعبة بالطريقة العتيقة. من المفهوم طبعًا أن سيطلب الآباء المنهكون والمدرسون المرهَقُون بالعمل، أن يُسهِّلوا حياتهم باتخاذ طرق طبية مختصرة، لكن ما هو مفهوم لا يرقى دائمًا إلى ما هو صواب. ربما كان أهم دهليز يمثل هذه المصالح بالولايات المتحدة هو جماعة «الأطفال والبالغين مرضى قلة التركيز، والنشاط الفائق (تشاد)» وهي جماعة تعتمد على نفسها لا تنشد الربح، أُسِّست عام ١٩٨٧ وتتألف من آباءِ أطفالٍ شُخِّصوا بمرض م ق أ ف ن. ترى هذه الجماعة نفسَها جماعةَ دعمٍ ودار مقاصَّة لمعظم المعلومات الحديثة عن المرض وعلاجه، وقد ناورت بقوةٍ كي يُصنَّف هذا المرض على أنه عَجْز، وأن يصبح كل مريض بهذا العجز من الأطفال مؤهلًا لتعليم خاص طبقًا لقانون تعليم العاجزين. أوْلت هذه الجماعة اهتمامًا خاصًّا بألا يُوسَمَ ضحايا م ق أ ف ن بسبب حالتهم. وفي عام ١٩٩٥م قامت بحملة هائلة حتى يُعاد تصنيف الريتالين ويُوضع في الفئة الثالثة، مما يرفع تحكم إدارة تنفيذ أحكام العقاقير في الإنتاج الكلي، ويُخفف كثيرًا من الأحوال التي يُوصف فيها ومن إجراءات الحصول عليه.
أما ثاني أهم مصادر الدعم لتطبيب م ق أ ف ن فهي الصناعة الصيدلية، ولا سيما الشركات — مثل نوفارتيس (سيبا — جايجي — سابقًا) التي تصنع الريتالين وأقاربه. أنفقت إيلي ليلى التي تصنع البروزاك ثروة طائلة تُحارب القصص السلبية عن الآثار الجانبية لأهم مصادر دخلها. وقد حدث نفس الشيء أيضًا مع نوفارتيس. ناورت نوفارتيس بقوة كي يُعاد تصنيف الريتالين كعقار تحت البند ٣، وبذلت الضغوط لسرعة رفع حِصَص الإنتاج، إذ نشرتْ في أوائل التسعينيات من القرن الماضي حكايات عن نقص في الإنتاج يُوشك أن يحُلَّ. وفي عام ١٩٩٥م أضاعت جهودها لفَرْط حرصها، عندما انهارت جهود إعادة التصنيف في أعقاب أخبار تقول إن نوفارتيس قد عجزت أن تكشف عن منحة إلى جماعة تشاد تبلغ قيمتها نحو ٩٠٠ ألف دولار.
لتطبيب حالة مثل م ق أ ف ن عواقب قانونية وسياسية هامة. القانون الأمريكي يُصنِّف هذا المرض حاليًّا على أنه عَجْز، لذا يحظى ضحاياه بالتأمين تحت قانونين مختلفين: الباب ٥٠٤ من قانون إعادة التأهيل المهني لعام ١٩٧٣م، وقانون تعليم العاجزين الذي أُجيز عام ١٩٩٠م: الأول يمنع التمييز ضد المعاقين، والثاني يُوَفِّر دعمًا ماليًّا للتعليم الخاص لمن تثبت إعاقته رسميًّا. كانت إضافة م ق أ ف ن إلى قائمة المعوقين نتيجة لمعركة سياسية طويلة أثارتها «تشاد» وغيرها من الجماعات الطبية وجماعات المؤيدين ضد الرابطة القومية للتعليم (ر ق ت) — الاتحاد العام للمدرسين — والجمعية الوطنية لتقدم الملونين (ج و ت م). كانت ر ق ت تكره العواقب المالية لإطالة قائمة العاجزين، وكانت ج و ت م قلقة بشأن سهولة تصنيف الأطفال السُّود في فئة العاجزين عن التعلم، ليُعالجوا على حساب الأطفال البيض. وأخيرًا وفي عام ١٩٩١م أُدرِج مرض م ق أ ف ن في القائمة الرسمية للعجز بعد حملة من الدهلزة وكتابة الرسائل قامت بها تشاد مع غيرها من جماعات الآباء.
ونتيجة لاعتبار م ق أ ف ن عَجْزًا رسميًّا، أصبح من حق الأطفال المصابين بهذا المرض التمتع بخدمات تعليمية خاصة في المدارس عبر الولايات المتحدة. يمكن للطالب صاحب هذا المرض أن يطلب وقتًا إضافيًّا لإجراء الاختبارات القياسية، وهذا إجراء قبلته المدارس لتجنب المقاضاة. وكما تقول مجلة فوربس فقد قام طالب مصاب بالمرض بمقاضاة مدرسة هويتيار للقانون، لأنها لم تمنحه إلا ٢٠ دقيقة إضافية في امتحانٍ مدته ساعة. فَضَّلَت المدرسة أن تُسوِّي الأمر بدلًا من الدخول في منازعات قضائية.
تذمَّر الكثيرون من المحافظين من توسيع التعريفات الأمريكية الحالية للعجز تحت قانون تعليم المعوقين، وما تُسببه من زيادة في التكاليف. لكن الاعتراض الأكثر أهمية هو اعتراض أخلاقي: عندما صَنَّفَ المجتمع م ق أ ف ن على أنه عَجْز فإن ما فعله في الواقع هو أن أخذ حالة لها أسباب بيولوجية وأخرى سيكو اجتماعية وقرر أن الغلبة لا بد أن تكون للبيولوجيا. قيل لمن لديهم بالفعل بعض القدرة على التحكم في سلوكهم أن ليست لديهم هذه القدرة، وأصبح على القطاع غير المعوق من المجتمع أن يبدأ في إعادة تخصيص موارده وزمنه ليستوثق من أنها ستُعَوَّض بشيء هو في الواقع تحت تحكمه — جزئيًّا على الأقل.
ولقد يكون هناك أيضًا ما يُبرِّر قلق جماعات مثل الجمعية الوطنية لتقدم الملونين (ج و ت م) من أن تُستخدم العقاقير التي تعمل على المخ، مثل الريتالين بنسب أعلى في مجتمعات الأقليات. ولقد تزايد بالولايات المتحدة بشكل واضح عدد وصفات هذه العقاقير (أساسًا، وليس على وجه الحصر، الريتالين وأقاربه) التي تُحرَّر لصغار الأطفال (قبل سن المدرسة أو حتى أصغر) لمشاكل سلوكية. بيَّنَتْ دراسة في عام ١٩٩٨م أن من بين المستفيدين ببرنامج ميديكيد ميتشجان هناك ٥٧٪ من الصغار تحت سن ٤ سنوات، الذين شُخِّصُوا بمرض م ق أ ف ن، قد وُصِف لهم عقار — أو أكثر — يعمل على المخ. ثمة دراسة معينة — تسببت في ضجة سياسية صغيرة عندما نُشِرَتْ — تقول إن المنَبِّهات في عام ١٩٩٥م كانت تُعطى لأكثر من ١٢٪ من الأطفال في عمر ٢-٤ سنوات في برنامج كبير للميديكيد بوسط غرب أمريكا، كما كانت مضادات الاكتئاب تُعطى لنسبة ٤٪ تقريبًا. فإذا قرأنا ما بين سطور هذا البحث، فسيتضح أن العقاقير كانت تُوصف بمعدلات أكبر كثيرًا في برنامج ميديكيد للأقليات عما كانت تُوصف للفئات الأفضل حالًا بنفس الدراسة.
هناك سيمترية محبطة بين البروزاك والريتالين. الأول يُوصف كثيرًا للنساء المكتئبات اللواتي يفْتَقِرْنَ إلى احترام الذات، فهو يمنحهن الشعور الذكوري الأَوَّل الذي يأتي مع مستويات السيروتونين المرتفعة. من ناحية أخرى سنجد أن الريتالين يُوصف أساسًا للصِّبية الذين يرفضون الجلوس ساكنين في الفصول الدراسية — لأن الطبيعة لم تُهَيِّئْهم لمثل هذا السلوك. والجنسان سويًّا يُدفعان في رفقٍ نحو شخصية أندروجينية متوسطة مغرورة لَيِّنة العريكة، هي النتيجة الصحيحة سياسيًّا بالمجتمع الأمريكي في الوقت الحالي.
أما الموجة الثانية للثورة البيوتكنولوجية من العقاقير العصبية فقد جاءت بالفعل تهدر من حولنا. لقد أُنتِجت بالفعل حَبَّةٌ تُشبه حبةَ الصوما، وحبَّةٌ للتحكم في الأطفال اجتماعيًّا، حبوب يبدو أنها أكثر فعالية بكثير من التفاعل الاجتماعي للطفولة المبكرة وعلاجات الحديث الفرويدي التي ظهرت في القرن العشرين. ولقد ذاع استخدامها إلى الملايين والملايين من البشر حول العالم، مع الكثير من الخلافات حول ما يُحتمل من عواقب صحية طويلة المدى، لكنا نكاد لا نجد جدلًا حول ما تعنيه بالنسبة للتفهُّم التقليدي للهوية والسلوك الأخلاقي.
البروزاك والريتالين ليسا سوى الجيل الأول من العقاقير التي تعمل على المخ. أما في المستقبل فسيتحقق قريبًا على الأغلب، من خلال علم عقاقير الأعصاب، كلُّ ما تصوره خيال الناس عما ستنجزه الهندسة الوراثية. فقد يُستخدم نوع من العقاقير يسمى بنزوديازيبينات للتأثير في نظام حامض جاما أمينوبيوتيريك لتقليل القلق والمساعدة في يقظة مسترخية نشطة في الوقت نفسه وتوفير نوم وافٍ في فترة أقصر، دون الآثار الجانبية لمسكنات الألم. وقد تُستخدم مشجعات نظام الأسيتايل كولين لتحسين القدرة على تعلُّم الحقائق الجديدة، واستبقاء المعارف، وتحسين استدعاء الحقائق. ولقد تُستخدم مشجعات نظام الدوبامين في زيادة القدرة على الاحتمال وفي إثارة الدوافع. وقد تُسبب مثبطات إعادة استيعاب السيروتونين الانتقائية بمصاحبة عقاقير تؤثر في نظامَي الدوبامين والنوربينفرين، قد تُسبب تغيرات سلوكية في مناطق تتفاعل فيها النظم المختلفة من الناقلات العصبية. وأخيرًا قد يكون من الممكن منابلة نظام التخدير الداخلي لتقليل الحساسية للألم ورفْع حدود البهجة.
ليس علينا أن ننتظر الهندسة الوراثية والأطفال التفصيل حتى نلمح ما يدلنا على أشكال القوى السياسية التي ستشجع التكنولوجيات الطبية الجديدة. يمكننا أن نراها تعمل في مجال عقاقير الأعصاب. إن انتشار العقاقير التي تعمل على المخ بالولايات المتحدة يوضح أن ثمة ثلاثة اتجاهات سياسية ستعود إلى الظهور مع الهندسة الوراثية. أولها رغبة عامة الناس في تطْبيب كل ما يمكن تطْبِيبه من سلوكياتهم، فهم بذلك يُقللون من مسئوليتهم عن أفعالهم. أما الثاني فهو الضغوط القوية لأصحاب المصالح الاقتصادية للمساعدة في هذه العملية، من هؤلاء البعض ممن يُوَفِّرون الخدمات الاجتماعية كالمدرسين والأطباء — الذين سيفضلون دائمًا الاختصارات البيولوجية على التدخل السلوكي المعقَّد — بالإضافة إلى شركات الأدوية التي تُنتِجُ العقاقير. أما الاتجاه الثالث والذي ينشأ عن محاولة تطبيب كل شيء فهو النزوع إلى توسيع المجال العلاجي ليشمل عددًا أكبر وأكبر من الحالات. أنت لن تعدَم أن تجد طبيبًا يُوافق على أن الحالة المؤسفة أو المحزِنة لأحدهم إنما هي مرض. إن المسألة مسألة وقت لا أكثر حتى يقبل المجتمع أن يعتبر مثل هذه الحالة عَجْزًا يُغَطِّيه القانون ويتطلب تعويضًا من المجتمع.
بذلت كل هذا الوقت أناقش عقاقير كالبروزاك والريتالين، ليس لأنني أعتقد أنها في جوهرها مؤذية أو ضارة، لكن لأنني أعتقد أنها النذير لما سيأتي: ربما أُهملت في ظرف سنين معدودة بسبب آثار جانبية غير متوقعة. فإذا ما حدث هذا، فسيُستبدَل بها — ببساطة — عقاقير أخرى تعمل على المخ أكثر تعقيدًا ولها آثار موَجَّهة وأقوى.
يستحضر مصطلح التحكم الاجتماعي بالطبع خيالات يمينية جامحة عن حكومات تستغل العقاقير المحَوِّرة للعقل في إنتاج رعايا لَيِّني العريكة. قد يبدو هذا الخوف، بالتحديد، في غير محله بالنسبة للمستقبل المنظور، لكن التحكم الاجتماعي عمل يمكن لغير الحكومة من اللاعبين الاجتماعيين أن يؤدوه — الآباء، المدرسون، أجهزة المدارس وغير هؤلاء من المهتمين بطريقة سلوك الناس. أشار أليكسيس ده توكفيل إلى أن الديمقراطيات تتعرض إلى استبداد الأغلبية — الذي تطرُد فيه أفكار العامة التنوع الأصيل والتباين، ولقد عُرف هذا في عصرنا الحاضر باسم التصحيح السياسي. ولعل الأمر يستحق منا القلق حول البيوتكنولوجيا المعاصرة وما إذا كانت عما قريب عملًا مهمته توفير اختصارات جديدة فعالة تكون في متناول أهداف سياسية صحيحة.
يُحدد علم عقاقير الأعصاب الطريق إلى الاستجابات السياسية المحتملة. ليس ثمة من يشك في أن عقاقير كالبروزاك والريتالين تُساعد أعدادًا هائلة من الناس لم يكن ثمة طريق غيرها لمساعدتهم. ذاك لأن هناك في الحقيقة ممن يعانون من الاكتئاب القاسي أو من النشاط الزائد عن الحد، من تمنعهم حالتهم البيولوجية من التمتع بما يعتبره معظم الناس حياة طبيعية. ربما إذا استثنينا العلمولوجيين، فإن قلة فقط من الناس هم من يودون أن يحظروا تمامًا مثل هذه الأدوية أو من يُفضِّلون استخدامها على الحالات العلاجية الصريحة. أما ما قد يُزعجنا، أو ما يجب أن يُزعجنا، فهو أن تُستخدم مثل هذه العقاقير إما كعقاقير تجميلية، لتجميل سلوك طبيعي، أو في استبدال سلوك طبيعي بآخر يرى بعضهم أنه أفضل اجتماعيًّا.
يُضَمِّن المجتمع الأمريكي — مثل الكثير غيره — هذه التحفظات في قوانين العقاقير. لكن القوانين الأمريكية كثيرًا ما تكون متضاربة ولم تأخذ حقها من الفكر، إذا لم نذكر أنها لا تُنفذ إلا على نحو هزيل. خُذ مثلًا العقار إكستازي، الاسم الشائع لمادة م د م أ (ميثايلين ديوكسي ميثامفيتامين). كان هذا العقار واحدًا من أسرع العقاقير المحظورة انتشارًا في تسعينيات القرن الماضي، أصبح هذا العقار — المنَبِّه الذي يُشبه الميثامفيتامين كثيرًا — أصبح البدعة في نوادي الرقص. يقول المعهد القومي الأمريكي لسوء استخدام العقاقير إن ٨٪ من الطلبة بكل فصول الدراسة الابتدائية والثانوية، الاثني عشر، أي ٣٫٤ مليون أمريكي قد تعاطوا م د م أ مرة على الأقل في حياتهم.
يصف مستخدمو الإكستازي البهجة الأولى على أنها أعظم تجارب حياتهم. جيني، ذات العشرين عامًا، طالبة جامعية تقطن في شمال نيويورك، قابلتها في ديسمبر أثناء زيارتها لواشنطن. قالت لي إنها قد تعاطت الإكستازي لأول مرة منذ عام مضى، وأنه ألهمها تأملات عميقة. قالت بصراحة مذهلة: قررت أن يكون لي أطفال يومًا ما. لم أكن أتصور قبل ذلك أنني سأنجب، لم أتصور أن أكون أمًّا طيبة، فلقد أساء والدي معاملتي جسديًّا وذهنيًّا. ثم أدركت أنني سأحب أطفالي وسأعتني بهم، ولم يتغير قراري بعد ذلك. قالت أيضًا إنها قد بدأت في رحلة الإكستازي الأولى تغفر لوالدها بعد أن أدركت أنه لا يوجد شيء اسمه الشخص الشرير.
هناك أوصاف أخرى للإكستازي تجعله يبدو كما لو كان العقار الذي يرفَعُ إحساسية الاجتماعية ويُقوي الروابط البشرية ويُعزز التركيز — وكل هذه آثار تلقى الاستحسان من المجتمع، وهي تُشبه لحدٍ مزعج آثار البروزاك، ورغم ذلك فإن الإكستازي مادةٌ تخضع للرقابة محظورٌ بيعُها واستخدامُها بالقانون في الولايات المتحدة تحت أية ظروف، في حين أن الريتالين والبروزاك عقاران يمكن للطبيب قانونيًّا أن يصِفَهما، فما التفسير؟
ثمة إجابة واضحة تقول إن الإكستازي يُؤذي الجسم بطرق يُفترض ألا يفعلها الريتالين أو البروزاك. تقول صفحة الويب للمعهد القومي لإساءة استخدام العقاقير إن العقار يسبب مشاكل سيكولوجية مثل الارتباك، الاكتئاب، مشاكل النوم، التَّوْق للعقار، الاضطراب الحاد، البارانويا، وأعراضًا جسدية مثل توتر العضلات، إطباق الأسنان اللاإرادي، الغثيان، غَشَيان النظر، سرعة حركة العين، الإغماء، القشعريرة أو العرق، كما اتضح أيضًا أنه يسبب تلَفًا مستديمًا في مخاخ القردة.
تمتلئ الأدبيات عن الريتالين والبروزاك، في الحق، بالشواهد القَصَصِية عن آثار جانبية لهما تُشبه هذه (باستثناء التليف المستديم للمخ في القردة). يجادل البعض بأن الفارق في معظمه هو قضية الجرعة. إذا ما أُسيء استخدام الريتالين فإنه قد يسبب آثارًا جانبية حادة، وهذا هو السبب في عدم جواز تناوله إلا تحت إشراف الطبيب. الأمر الذي يستدعي السؤال: لماذا إذن لا يُقَنَّنُ الإكستازي كعقار من الفئة رقم ٢؟ أو، لماذا لا نبحث عن عقار مثيل يُقَلِّل الآثار الجانبية للإكستازي؟
بمعنًى آخر، نحن لا نرغب في أن نتخذ موقفًا صريحًا تجاه العقاقير، على أساس أنها فقط تُؤذي الروح — أو باللغة الطبية المعاصرة، على أساس الأثر السيكولوجي وحده. لو أن شركة أدوية ابتكرت غدًا حبةَ صوما هكسلية غير مغشوشة تجعلك سعيدًا وتربطك بالمجتمع دون ما آثار جانبية ضارة، فليس من الواضح إن كان هناك من يبتدعُ سببًا يُنكرها على الناس. سيجادل الكثيرون من مؤيدي مذهب الحرية — يمينيون ويساريون — بأن الواجب أن نَكُفَّ عن القلق بشأن أرواح الناس أو الأحوال الداخلية بأسرها، وأن نَدَعَ الناس يتمتعون بما يختارونه من عقاقير طالما أنهم لا يُؤذون غيرهم. فإذا ما اعترض شخص متَمَسِّك بالتقاليد مخْبُول بأن هذه الصوما ليست علاجية، فلنا أن نعتمد على مهنة الطب النفسي لتُسعفنا، ربما، بأن تُعلن التعاسة مرضًا، يُرصَدُ في دليل تشخيص الأمراض العقلية بعد مرض م ق أ ف ن!
ليس علينا إذن أن ننتظر وصول الهندسة الوراثية البشرية كي نَتَنَبَّأ بزمنٍ سنتمكن فيه من تعزيز الذكاء، والذاكرة، والحساسية العاطفية والجنس، بجانب تقليل العدوانية ومُنابلة السلوك بحشدٍ من الطرق المختلفة. اصطحب القضية بالفعل الجيل الحالي من العقاقير التي تعمل على المخ، وستبرز القضية بشكل أوضح مع ما سيظهر عما قريب من عقاقير.