إطالة الحياة
أما السبيل الثالث الذي ستؤثر فيه البيوتكنولوجيا على السياسة، فسيكون من خلال إطالة الحياة وما سيحدث نتيجة لذلك من تغيرات ديموغرافية واجتماعية. من بين أكبر إنجازات الطب بالولايات المتحدة في القرن العشرين: رفع الأجل المتوقع عند الولادة من ٤٨٫٣ سنة للرجال و٤٦٫٣ سنة للنساء عام ١٩٠٠م إلى ٧٤٫٢ سنة للرجال و٧٩٫٩ سنة للنساء عام ٢٠٠٠م. هذا التحول مقترنًا بالانخفاض الحاد في معدلات المواليد بمُعظم دول العالم الأول، قد أعطى بالفعل خلفية ديموغرافية كوكبية مختلفة تمامًا لسياسة العالم، شعرنا الآن بآثارها، جدلًا. فإذا نظرنا إلى نماذج الولادة والوفاة الموجودة حاليًّا، فسنجد أن العالم سيختلف اختلافًا جوهريًّا في عام ٢٠٥٠م عنه اليوم، حتى لو فشلت البحوث البيوطبية في رفع الأجل المتوقع سنة واحدة عبر هذه الفترة. على أن الاحتمال ضئيل في ألا يحدث أي تقدم جوهري في إطالة العمر في هذه الفترة. وهناك بعض الاحتمال في أن تقود البيوتكنولوجيا إلى تغيرات جذرية للغاية.
وعلم الشيخوخة واحد من المجالات الأكثر تأثرًا بالتقدم في البيولوجيا الجزيئية. هناك في الوقت الحاضر عدد من النظريات المتنافِسة لتفسير السبب في أن يشيخ الناس ثم يموتون في نهاية الأمر، دون إجماع وَطيد على الأسباب النهائية أو الآليات التي يحدث بها هذا. ينبع أحد التيارات النظرية من البيولوجيا التطورية ويقول بشكل عريض إن الكائنات تشيخ وتموت لأن هناك عددًا محدودًا فقط من قوى الانتخاب الطبيعي يُحابي بقاء الأفراد بعد العمر الذي يمكنهم فيه التكاثر. ثمة جينات معينة تُحابي قدرة الفرد على التكاثر لكنها تتعطل في المراحل المتأخرة من الحياة. والأحجية الكبرى عند بيولوجيي التطور ليست السبب في موْت الأفراد وإنما هي السبب في أن يكون للنساء مثلًا فترة حياة طويلة بعد انقطاع الطمث. وأيًّا كان التفسير فإنهم يميلون إلى الاعتقاد بأن الشيخوخة هي نتيجة لتفاعل عدد كبير من الجينات، ومن ثَمَّ فليس ثمة اختصارات وراثية لتأجيل الموت. ثمة تيار آخر من النظريات عن الشيخوخة ينبع من البيولوجيا الجزيئية ويهتم بالآليات الخلوية التي يفقد بها الجسم قدرته على أداء وظائفه ويموت. هناك من الخلايا البشرية نوعان: خلايا جُرثومية، وهي تلك المضَمَّنة في بُويضات الأنثى وحيامن الذكر، وخلايا جسدية وهي غير هذه من المائة تريليون خلية أو نحوها التي تُكَوِّن بقية الجسم. تتضاعف كل الخلايا بالانقسام وفي عام ١٩٦١م اكتشف ليونارد هَيْفليك حَدًّا أعلى لعدد مرات انقسام الخلية. يتناقص عدد الانقسامات المحتَمَلة للخلية مع تقدم عمرها.
هناك عدد من النظريات يُفسِّرُ السبب في وجود ما يُسمى حَدَّ هيفليك. تهتم النظرية الرئيسية بتراكم حُطام وراثي عشوائي ينتج مع تضاعف الخلايا. فمع كل انقسام للخلية تُحَوِّل عوامل بيئية — مثل الدخان والإشعاع مع مواد كيماوية تسمى شوارد الهيدروكسيل الحرة، بجانب نفايات الخلية — تحول دون النسخ المضبوط لدنا الخلية من جيل خلوي إلى التالي. يحمِلُ الجسم عددًا من إنزيمات إصلاح الدنا تُراقب عملية النسخ وتُصلِح مشاكلها لَمَّا تظْهَر، لكنها تُخفِق في اقتناص كل الأخطاء. ومع استمرار انقسام الخلايا يتزايد حطام الدنا بداخلها، مما يؤدي إلى تمثيل بروتيني خاطئ وفساد في العمل. وهذا الفساد بدوره يُشكل الأساس في الأمراض التي تُميز الشيخوخة، مثل تصلُّب الشرايين ومرض القلب والسرطان.
هناك نظرية أخرى تفسر حَدَّ هيفليك ترتكز على التيلوميرات، وهذه قِطَع من الدنا غير مشَفَّرة توجد في طرفَي كل كروموزوم وظيفتها ضمان دقة نَسْخ الدنا. يتضمن انقسام الخلية فَسْخَ جَدِيلتَي جُزيء الدنا ثم إعادة بنائهما إلى نسختين كاملتين جديدتين في الخليتين الناتجتين. لكن التيلوميرات مع كل انقسام للخلية تُصبح أقصر قليلًا، حتى تعجز عن حماية أطراف جَدِيلة الدنا فتتوقف الخلية عن النمو. استُنسِخت النعجة دولِّي من خلية جسدية لحيوان بالغ، فكان لها التيلوميرات القصيرة للفرد البالغ لا تلك الطويلة للحَمَل الوليد، ولذا يُفْتَرَضُ أَلَّا تحيا إلى نفس عمر الفرد المولود طبيعيًّا.
هناك ثلاثة أنماط أساسية من الخلايا لا تخضع لحَدِّ هيفليك: الخلايا الجُرثومية، الخلايا السرطانية، وأنماط معينة من الخلايا الجذعية. أما السبب في قدرة هذه الخلايا على التكاثر إلى ما لا نهاية فيرجع إلى إنزيم اسمه التيلوميريز (وقد عُزِلَ لأول مرة عام ١٩٨٩م) يمنع تقصير التيلوميرات. هذا هو ما يسمح لخط الخلايا الجُرثومية أن يستمر من جيل إلى جيل إلى ما لا نهاية، وهو أيضًا السبب في النمو الرهيب للخلايا السرطانية.
اقترح بيولوجيون مثل جوارنت أننا قد نتوصل يومًا إلى سبيل وراثي بسيط نسبيًّا لإطالة حياة البشر: صحيح أنه ليس من العملي أن نُغذي الناس على أغذية محدَّدة كهذه. ولكن ربما كانت هناك طرق أخرى لتنشيط عمل جينات سير. وهناك آخرون من علماء الشيخوخة — مثل توم كيركوود — من يُؤكد صراحةً أن الشيخوخة هي نتيجة لسلسلة معقَّدة من العمليات على مستوى الخلايا والأعضاء والجسم ككل، ومن ثَمَّ فلا وجود لآلية واحدة بسيطة تتحكم في الشيخوخة والموت.
إذا كان هناك سبيل قصير إلى الخلود، فإن السباق للعثور عليه قد بدأ بالفعل داخل صناعة البيوتكنولوجيا. لقد استنسخت شركة جيرون بالفعل وسجلت براءة جين للتيلوميريز، وبدأت برنامجًا في الخلايا الجذعية ومعها شركة أدْفَانسد سِل تكنولوجي. وهذه الخلايا تُؤلِّف الجنين في أول مراحل تناميه قبل أن تتَمَيَّز إلى الأنماط المختلفة من الأنسجة والأعضاء. للخلايا الجذعية القدرة الكامنة على أن تُصبح أي خلية أو نسيج بالجسم، ومن ثم فهي تعِدُ بتوليد أجزاء من الجسم جديدة تمامًا تحُلُّ مكان أخرى بَلِيَتْ مع الشيخوخة. وعلى عكس الأعضاء المنقولة من واهبين، ستكون أجزاء الجسم المستنسَخة هذه متطابقة وراثيًّا، أو تكاد، مع خلايا جسم الفرد الذي ستُزرع فيه، ومن ثم ستكون خالية من أنواع التفاعلات المناعية التي تؤدي إلى رفض العضو المنقول.
تُمثل بحوث الخلايا الجذعية واحدًا من أكبر حقول البحث البيوطبي المعاصر، كما تُغلفها أيضًا خلافات هائلة لأنها تستخدم الأَجِنَّة كمصدر للخلايا — أجنَّة لا بد أن تُدَمَّر عند إجراء البحث. تأتي أجنَّة البحوث عادة من فائض الأجنَّة التي تُبَنِّكها عيادات الإخصاب في الأنبوب. (إذا ما أُنْتِجَ خط من الخلايا الجذعية فمن الممكن أن يُضاعَف إلى ما لا نهاية). وخوفًا من أن تُشَجِّعَ بحوث الخلايا الجذعية الإجهاض أو تؤدي إلى الإتلاف المتعمد للأجنَّة البشرية، فرض الكونجرس الأمريكي حظرًا على تمويل البحوث التي تُؤذي الأجنَّة، من المعاهد القومية للصحة، لتَدْفَعَ بالبحوث الأمريكية في هذا المجال إلى أحضان القطاع الخاص. وفي عام ٢٠٠١م انفجر جدل سياسي مرير بالولايات المتحدة عندما بدأت إدارة بوش تُفكر في رفع هذا الحظر، واستقرَّت الإدارة في النهاية على أن تسمح بتمويل البحوث فدراليًّا وإنما فقط على خطوط الخلايا الجذعية التسعين، أو نحوها، الموجودة بالفعل.
من المستحيل أن نعرف عند هذه النقطة ما إذا كانت الصناعة البيوتكنولوجية ستتمكن في نهاية المطاف من أن تصل إلى طريق مختصَر إلى إطالة الحياة — حبة بسيطة مثلًا تُضيف إلى عمر الإنسان عِقدًا من السنين أو اثنين. وحتى إذا لم يحدث هذا أبدًا، فلنا بثقة أن نقول إن الأثر التراكمي لكل البحوث البيوطبية التي تُجرى الآن سيؤدي مع الوقت إلى زيادة الأجل المتوقع، ومن ثم استمرار الاتجاه الذي ساد طيلة القرن الماضي. ليس إذن من السابق لأوانه أن نتأمل بعض السيناريوهات السياسية والنتائج الاجتماعية التي قد تنشأ عن الاتجاهات الديموغرافية التي تجري الآن بالفعل.
في بداية القرن الثامن عشر كان نصف من يُولَدُ من الأطفال بأوروبا يموت قبل أن يبلغ الخامسة عشرة. أوضح الديموغرافي الفرنسي جين فوراستييه أن بلوغ عمر الثانية والخمسين كان يُعتبر إنجازًا — لأن قِلَّةً ضئيلة فقط من الناس كانوا يعيشون حتى هذا العمر — وأن مثل هذا الشخص كان يعتبر نفسه على حقٍّ، خَالِفًا. ولما كان معظم الناس يبلغون ذروة حياتهم المنتِجة في أربعينيات وخمسينيات العمر فإن قدرًا هائلًا من القُدرات البشرية كان يُهدر. أما في تسعينيات القرن العشرين فقد كان لأكثر من ٨٣٪ من العَشِيرة أن تتوقع أن تحيا حتى عمر ٦٥ سنة، ولأكثر من ٢٨٪ أن يظل حيًّا حتى عمر ٨٥.
وازدياد الأجل المتوقع ليس سوى جزء من قصة ما حدث للعشائر البشرية في العالم المتقدِّم على نهاية القرن العشرين. كان التطور الأساسي الآخر هو الانخفاض في معدَّلات الخصب. (معدل الخصب هو متوسط عدد الأطفال الذي تُنتِجه المرأة في حياتها). لدول مثل إيطاليا وإسبانيا واليابان معدَّلات خصبٍ كلِّية تتراوح ما بين ١٫١ و١٫٥، وهذا أقل بكثير من معدل الاستبدال (٢٫٢). واقتران المعدَّلات المتناقِصة للمواليد بزيادة الأجل المتوقع قد غيَّر وبشكلٍ مثيرٍ التوزيع العُمْري في الدول المتقدمة. فبينما كان مِنْوَال العمر في الشعب الأمريكي نحو ١٩ عامًا سنة ١٨٥٠م، إذا به يرتفع في تسعينيات القرن العشرين إلى ٣٤ عامًا. وهذا لا يُعتبر شيئًا مقارَنة بما سيحدث في النصف الأول من القرن الواحد والعشرين. سيرتفع مِنْوَال العمر بالولايات المتحدة إلى نحو ٤٠ سنة على عام ٢٠٥٠م، لكن التغير سيكون أكثر إثارة في أوروبا واليابان، حيث معدلات الهجرة والخصب أقل. وفي غياب زيادة غير متوقعة في الخصب، يُقدِّرُ الديموغرافي نيكولاس إيبرشتادت — بناء على بيانات من الأمم المتحدة — أن مِنْوَال العمر في ألمانيا سيُصبح ٥٤ سنة وفي اليابان ٥٦ سنة وفي إيطاليا ٥٨ — يلزمُ هنا أن نذكر أن هذه التقديرات لا تفترض زيادة مثيرة في الأجل المتوقع. فإذا ما حالف التوفيق وعود البيوتكنولوجيا للشيخوخة فقد نتحول على عام ٢٠٥٠م ليكون النصف من عشائر الدول المتقدمة في سِنِّ التقاعد أو أكثر.
لم تُناقش إلى الآن قضية غزو الشَّعْر الأبيض لسكان الدول المتقدمة إلا — أساسًا — في مجال ما ستسببه من مسئوليات قانونية للضمان الاجتماعي والأزمة التي تلوح، أزمة حقيقية فعلًا. فاليابان على سبيل المثال ستتحول من وضع كان فيه أربعة أشخاص عاملين لكل شخص متقاعد، عند نهاية القرن العشرين، إلى آخر، بعد جيل أو جيلين، فيه اثنان عاملان لكل متقاعد. لكن هناك أيضًا تضمينات سياسية أخرى.
خُذ العلاقات الدولية. فبينما نجحت بعض الدول النامية في الاقتراب من — بل وتَخَطِّي — التحول الديموغرافي إلى نسبة خصبٍ تقل عن معدل الاستبدال، وإلى تراجعٍ في معدل النمو السكاني يُعادل ما هو موجود بالدول المتقدمة، فإن الكثير من المناطق الأفقر بالعالم بما فيها الشرق الأوسط ودول جنوب الصحراء الكبرى، ما زالت تعاني من معدلات نمو سكاني عالية. هذا يعني أن الخط الفاصل بين العالم الأول والثالث سيُصبح بعد جيلين ليس مجرد أمرِ دَخْلٍ وثقافة، وإنما أمر عمر أيضًا، فَمِنْوَال العمر سيبلغ ٦٠ سنة في أوروبا واليابان وبعض أجزاء شمال أمريكا، بينما سيكون أعلى قليلًا من ٢٠ سنة لدى جاراتها الأقل نموًّا.
وبالإضافة إلى ذلك فإن عمر الناخبين في العالم المتقدم سيكون وقد اصطبغ أكثر بالصبغة النسائية، أولًا لأن النساء سيُشكِّلن نسبة أعلى من الرجال داخل الحشد المتنامي لكبار السن، وثانيًا بسبب التحول السوسيولوجي طويل الأمد نحو مشاركة سياسية للنساء أوسع. والحق أن كبيرات السن سيظهرن كجبهة من أهم الجبهات التي يتودد إليها السياسيون في القرن الواحد والعشرين.
أما ما يعنيه هذا بالنسبة للسياسة الدولية فهو أمرٌ أبعد ما يكون عن الوضوح. لكنا نعرف من خبراتنا السابقة أن هناك اختلافات هامة بين الرجال والنساء وبين كبار الناخبين وصغارهم، في المواقف الخاصة بالسياسة الخارجية والأمن القومي. الأمريكيات مثلًا كُنَّ دائمًا أقل تعضيدًا من الرجال لتورط أمريكا في الحرب، بفارق يبلغ في المتوسط ٧-٨ في المائة. وهُنَّ أيضًا أقل تعضيدًا للإنفاق على الدفاع واستخدام القوة العسكرية خارج الحدود. في مسْحٍ تم عام ١٩٩٥م لمجلس شيكاغو للعلاقات الخارجية، فضَّل الرجال تدخُّل الولايات المتحدة في كوريا إذا ما اعتدت كوريا الشمالية، بهامش ٤٩ إلى ٤٠٪، بينما عارضت النساء بهامش ٣٠ إلى ٥٤٪. شعر أربعة وخمسون في المائة من الرجال بأهمية الاحتفاظ بالتفوق العسكري على نطاق العالم، في مقابل ٤٥٪ فقط من النساء. ثم إن احتمال تصويت النساء في صَفِّ اعتبار القوة أداة قانونية لحل الخلافات سيكون أقل من الرجال.
ستواجه الدول المتقدمة أيضًا عقبات أخرى في استعمال القوة العسكرية فكبار السن، لا سيما النساء منهم ليسوا هم أول من يُستدعى للخدمة العسكرية، وبذا يتقلص المعين البشري للقوة العسكرية. كما أن استعداد الناس بهذه المجتمعات لتَحَمُّل إصابات الشباب في المعارك قد ينخفض هو الآخر. يُقدِّر نيكولاس إيبرشتادت أنه مع استمرار معدلات الخصب الحالية فإن ٥٪ فقط من كل أطفال المجتمع الإيطالي عام ٢٠٥٠م سيكون لهم أقارب جانبيون (نعني إخوة وأخوات، وعمات وخالات، وأعمام وأخوال، وأبناء وبنات عمومة … إلخ). لن يجد الفرد من الأقارب في هذا المجتمع، أساسًا، إلا الأبوين والجدود، وآباء الجدود، وأبناءه هو نفسه. والأغلب في مثل هذا المجتمع، بقَراباته الضعيفة بين الأفراد، أن يزداد نُفور الناس من الدخول في حرب أو قبول الموت في معركة.
ربما انقسم العالم إذن بين شمالٍ تُقرِّر كبيرات السن نغمته السياسية، وجنوبٍ يُحَرِّكه من أَطْلَقَ عليهم توماس فريدمان اسم شباب غاضبين يتمتعون بسلطة مفرِطة. لقد كانت مجموعة من أمثال هؤلاء هي التي نَفَّذت هجوم ١١ سبتمبر على مركز التجارة العالمي. وهذا بالطبع لا يعني أن سيَعجز الشمال عن مواجهة ما يطرحه الجنوب من تحديات، أو أن يكون الصراع بين المنطقتين أمرًا محتومًا. البيولوجيا ليست هي القَدَر.
لكن سيكون على السياسيين أن يعملوا داخل أُطُرٍ صَنَعَتها حقائق ديموغرافية أساسية، وربما كان من بين هذه الحقائق أن ستتقلَّص دول كثيرة في الشمال وتَشيخ.
ربما كان هناك سيناريو أكثر احتمالًا يحمِلُ هذين العالَمَين إلى الاتصال المباشِر: الهجرة. إن ما سبق ذكره من تقديرات عن انخفاض تعداد العشائر في أوروبا واليابان، إنما يفترض أَلَّا زيادة كبيرة في الهجرة على أن هذا أمرٌ مستبعد، لأن الدول المتقدمة ستحتاج ببساطة إلى النمو الاقتصادي، وستحتاج إلى من يصونه. وهذا يعني أن التقسيم إلى شمال وجنوب سيتكرر داخل كل دولة، إذ ستعيش فيها العشيرة المحلية بأعمارها المتقدمة جنبًا إلى جنب مع عشيرة مهاجِرة مختلفة الثقافة وأكثر شبابًا. كانت الولايات المتحدة، وغيرها من الدول المتحدثة بالإنجليزية معروفة بحُسن استيعابها لجماعات المهاجرين متبايني الثقافة. لكن دولًا أخرى، مثل ألمانيا واليابان، لم تكن كذلك. ولقد شَهِدَت أوروبا بالفعل ظهور الحركات المضادة للمُهاجرين، مثل الجبهة القومية في فرنسا، وجبهة فلام في بلجيكا، وزمرة لومباردا في إيطاليا، وحزب الأحرار ليورج هايدر في النمسا. إن التغيرات في التركيب العُمْري لعشائر هذه الدول يدعمها التزايد في طول العمر إنما يُمَهِّد السبيل إلى صراع اجتماعي متزايد.
ستكون لإطالة العمر من خلال البيوتكنولوجيا آثار مثيرة أيضًا على البُنى الداخلية للمجتمعات. يتعلق أهم هذه الآثار بإدارة الهيراركيات الاجتماعية.
الإنسان بطبيعته حيوانٌ مدرِكٌ لوَضعه الاجتماعي، يميل — كأقاربه من الرئيسات — إلى أن يُنظِّم نفسه في عمر مبكِّر إلى تنويعة مذهلة من هيراركيات السيطرة. وهذا السلوك الهيراركي سلوك فِطري، تمَكَّن بسهولة من البقاء مع الإيديولوجيات الحديثة كالديمقراطية والاشتراكية التي تزعُم أنها مبنية على المساواة. (يكفي أن تنظر إلى صُوَر المكتب السياسي للاتحاد السوفييتي السابق أو للصين لتشهد القيادة العليا وقد رُتِّبَت في نظام سيطرة دقيق). ولقد تغيرت طبيعة هذه الهيراركيات بسبب التطور الثقافي، من هيراركيات تقليدية تعتمد على البطولة الجسدية أو الوضع الاجتماعي الموروث، إلى هيراركيات حديثة ترتكز على القدرات المعرفية أو التعليم. لكن تبقى الطبيعة الهيراركية.
ستُنزل إطالة العمر ضربة قاسية بهيراركيات العمر. تفترض هذه الهيراركيات تقليديًّا بنْيَةً هَرَمية، لأن الموت يذْرُو المنافِسين على المناصب الرفيعة، تدعَمه قيود مصطنَعة مثل الاعتقاد السائد بأن لكل شخصٍ الحق في التقاعد على عمر الخامسة والستين. ولما أصبح الناس يعيشون روتينيًّا ويَعملون في ستينيات العمر وسبعينياته وثمانينياته، بل وحتى تسعينياته، فستتحول هذه الأهرامات شيئًا فشيئًا لتَغدُوَ شبه منحرف خفيض أو حتى مربَّعًا. الاتجاه الطبيعي هو أن يُفسح كل جيلٍ الطريق للجيل التالي، أما الآن فستتزامن ثلاثة أجيال وأربعة بل وحتى خمسة.
ولقد رأينا بالفعل العواقب الوَبِيلة لإطالة فترة تتابع الأجيال في الأنظمة الفاشِستية التي لا تعرف شرطًا دستوريًّا يُحدِّد فترة البقاء في الحُكم. فطالما ظَلَّ الدكتاتور حيًّا (فرانشيسكو فرانكو، كيم إيل سونج، فيديل كاسترو) فليس من طريقٍ أمام المجتمع لاستبداله، ويتوقف كل تغيُّر سياسي واجتماعي عمليًّا حتى يموت. فإذا ما أَطالَت التكنولوجيا في المستقبل فترة الحياة، فقد تجد مثل هذه المجتمعات أنها قد حُبِسَت كحَرَس هَزلِي ينتظر موْت الدكتاتور عُقودًا، لا سنينًا!
يَكمُن أصل المشكلة بالطبع في حقيقة أن الناس على قمة الهيراركيات الاجتماعية لا يُريدون على وجه العُموم أن يفقدوا مكانتَهم أو السلطة، وكثيرًا ما يستخدمون نُفوذهم القوي في حماية مواقعهم. لا بُدَّ للتدهور المرتبط بالعمر أن يظهر بوضوح قبل أن يتَجشَّم آخرون عناء الإطاحة بالقائد أو رئيس العمال أو لاعب الكُرة أو الأُستاذ الجامعي أو عُضو المجلس. إن القوانين الرسمية اللاشخصية — مثل العمر الإلزامي للتقاعد — مفيدة بالتحديد لأنها لا تتطلَّب من المؤسسات أن تتخذ أحكامًا شخصية صعبة، على قُدرات شخص أكبر سِنًّا. لكن القوانين اللاشخصية كثيرًا ما تتَعصَّب ضد القادرين من كبار السن على الاستمرار في العمل على خير ما يُرام، لهذا السبب أُلغِيَت في الكثير من أماكن العمل الأمريكية.
يوجد في الوقت الحالي قَدْرٌ كبير من الضبط السياسي المتعلق بالعمر: دخل مصطلح العمرية في قاموس التحَيُّزَات المحرَّمة — بعد العنصرية، والجنسانية، والهوموفوبيا. هناك بالطبع تعَصُّب ضد الأكبر سِنًّا، لا سيما في مجتمع منشغِل بالشباب مثل مجتمع الولايات المتحدة، لكن هناك أيضًا عددًا من الأسباب التي تقِف في صف تتابع الأجيال، من بين أهمها أنه محرِّك قوي للتقَدُّم والتغيير.
لاحظ كثير من المراقبين أن التغيُّر السياسي كثيرًا ما يحدُث على فترات جيلية: من العهد التقَدُمي إلى عهد الصفقة الجديدة، من سِنِي كينيدي إلى الرِّيجانية. وليس سِرًّا أن يكون الأمر هكذا: من يُولدون في نفس الزمن يخبرون معًا نفس الوقائع الحياتية الكُبرى؛ الكساد العظيم، الحرب العالمية الثانية، الثورة الجنسية. فإذا ما شَكَّلت هذه الخبرات رُؤى الناس للحياة وأفضلياتهم، فإنهم حَقًّا قد يتأقلمون مع الظروف الجديدة، إنما بشكل محدود، لكن يصعُب عليهم جدًّا أن يُغيِّروا وجهة النظر العريضة. يصعُب على زنجيٍّ ترَبَّى في الجنوب القديم ألا يرى في رجل الشرطة الأبيض غير موظَّف لا يُوثَقُ به لنِظام قَمعي يقوم على التمييز العنصري، بغضِّ النظر عما إذا كان هذا يتَمَشَّى مع حقائق الحياة في مدينة بالشمال. أما من خَبَرَ فترة الكساد العظيم فلا يملك إلا الشعور بالقلق وهو يرى عادة أحفاده في الإنفاق بإسراف.
وهذا صحيح، ليس فقط في الحياة السياسية وإنما في الحياة الثقافية أيضًا. هناك مثَلٌ يقول إن نظام الاقتصاد يتَقَدَّم بَعد كل جنازة. وهذا للأسف صحيح بأكثر مما يود الكثيرون الاعتراف به. فاستمرار النموذج الأساسي (مثلًا الكينزية أو الفريدمانية) في تشكيل تفكير معظم العلماء والمثقَّفين في زمانٍ ما، هو أمرٌ لا يتوقف فقط على الشواهد التجريبية، كما يُحِبُّ البعض أن يتَصوَّر، وإنما أيضًا على وجود من وَضَعُوا النموذج بأشخاصهم — فطالما جلس هؤلاء هناك على قمة الهيراركية العُمْرية، مثل لجان الفحص، ولجان التمليك، ومجلس الأوصياء فسيبقى النموذج الأساسي راسخًا دون ما هزَّة.
من المنطقي إذن أن يحدُث التغيُّر السياسي والاجتماعي والفكري بصورةٍ أبطأ كثيرًا في المجتمعات التي يتَمَيَّز أفرادها بحياة أطول كثيرًا. في وجود ثلاثة أجيال نشطة، أو أكثر، تعمل في نفس الوقت، لن تُشكِّلَ الجماعةُ الأصغر عمرًا سوى أقلية ضئيلة من أصوات تطلب صارخةً أن تُسمَع، كما لن يكون تتابع الأجيال حاسمًا أبدًا. سيكون على مثل هذه المجتمعات إذا رَغِبَت في التكيف بشكل أسرع أن تضع قوانين ترفض البقاء الدائم والحراك الاجتماعي المنحدر للمُسنين في المراحل المتأخرة من العمر. أما فكرة أن يستطيع الفرد أن يكتسب مهارات وتعليمًا في عشرينيات عمره، ثم تبقى مفيدةً عبر أربعين سنةً، فهي فكرة لا يصدِّقها أحد في عصرنا هذا وفيه ما فيه من سرعة التغيُّر التكنولوجي. كما أن فكرة بقاء هذه المهارات صالحةً عبر حياة عاملة تستمرُّ خمسين أو ستين أو سبعين عامًا، تصبح هي الأخرى أكثر سخفًا. على كبار السن أن يتحرَّكوا إلى أسفل سلَّم الهيراركية الاجتماعية، ليس فقط ليعيدوا تدريب أنفسهم وإنما أيضًا لإفساح المكان لآخرين جدد يصعدون من القاع. فإذا هم لم يفعلوا ذلك فسيصبح الصراع بين الأجيال حدًّا فاصلًا رئيسيًّا في المجتمع، جنبًا إلى جنب مع الصراع الطبقي والإثْني. ستغدو إزاحة كبار السن من طريق الشباب صراعًا جوهريًّا، وقد تضطر المجتمعات إلى اللجوء إلى صيغٍ لا شخصية من العمرية في عالم المستقبل حيث الأجل المتوقع أطول.
هناك آثار اجتماعية أخرى لإطالة الحياة يتوقَّف ظهورها على ما ستنتهي إليه الثورة في علوم الشيخوخة — نعني هل سيحتفظ الناس بقوَّتهم الجسدية والذهنية خلال فترة الحياة الأطول هذه؟ أم أن المجتمع سيتحوَّل رويدًا رويدًا إلى دار تمريض عملاقة للمسنين؟
تكرِّس مهنة الطب نفسها لفرضٍ يقول إن كل ما يمكنه أن يقهر المرض ويطيل الحياة هو بلا شكٍّ شيء طيِّب. إن الخوف من الموت واحد من أعمق عواطف الإنسان وأكثرها ثباتًا؛ لذا فمن المفهوم أن نحتفي بكل تقدُّم في التكنولوجيا الطبية يعِدُ بأن يبعد شبح الموت. لكن الناس تهتم أيضًا بنوعية الحياة، لا بطولها فقط. ومثاليًّا، فإن الفرد منا يودُّ أن تكون حياته طويلة، لكن بحيث لا تتدهور ملكاته إلا في وقتٍ أقرب ما يكون إلى ساعة الموت — فلا تمرُّ فترة من الوهن طويلة في نهاية الحياة.
رفع الكثير من التقدُّمات الطبية نوعية الحياة لكبار السن، لكن الكثير منها أيضًا كان له أثر معاكس، إذ أطال ناحية واحدة من الحياة وزاد الاتكال على الغير. مرض ألزهايمر — الذي تفسد فيه أجزاءٌ معينة من المخ، فيفقد الشخص ذاكرته وينتهي إلى الخرف — مثالٌ طيِّب، لأن احتمال الإصابة به يتزايد مع العمر، فالمحتمل في عمر ٦٥ سنة أن يصاب به شخص واحد من بين كل مائة، ويرتفع العدد إلى ستة عند عمر ٨٥. التزايد السريع في عشيرة المصابين بالألزهايمر بالدول المتقدمة هو إذن نتيجة مباشرة لزيادة الأجل المتوقع، فلقد أطال فترة صحَّة الجسم دون أن يرفع مقاومته لهذا المرض العصبي الفظيع.
والواقع أن التكنولوجيا الطبية قد كشفت عن مرحلتين للعمر المتقدِّم — على الأقل بالنسبة لسكَّان العالم المتقدِّم: المرحلة الأولى من سنِّ ٦٥ حتى وقتٍ ما من ثمانينيات العمر، عندما يصبح للناس أن يتوقَّعوا التمتُّع بالصحة الجيدة والحياة النشطة بموارد تكفي لرعايتهم. والكثير من الأحاديث المتفائلة التي تدور حول زيادة طول العمر تتعلَّق بهذه الفترة. والحقُّ أن بزوغ هذه المرحلة الجديدة من كامل حقيقي لمعظم الناس هو إنجاز يحقُّ للطب الحديث أن يفخر به. ستكون المشكلة الأساسية بالنسبة لهذه الفئة من الناس هي تطلُّعهم إلى إطالة فترة حياتهم العاملة: فلأسباب اقتصادية مفهومة ستكون هناك ضغوط قوية لرفع عمر التقاعد كي يبقى فريق ما فوق الخامسة والستين عاملًا لأطول فترة ممكنة. وهذا لا ينطوي على أي نوع من الفواجع الاجتماعية: لكبار السن أن يعيدوا تدريب أنفسهم وأن يقبلوا أن يتحرَّكوا إلى أسفل السلَّم الاجتماعي، سيرحِّب الكثيرون منهم أن تتاح لهم فرصة التبرُّع بعملهم للمجتمع.
أما المرحلة الثانية من العمر المتقدِّم، الفئة الثانية، فهي المعضلة الأكبر. إنها المرحلة التي يبلغها معظم الناس في ثمانينيات العمر عندما تتدهور قدراتهم ويتحوَّلون رويدًا رويدًا إلى وضعٍ يعتمدون فيه على الغير كالأطفال. هذه هي المرحلة التي لا يحبُّ المجتمع أن يفكِّر فيها، ولا أن يخبرها، لأنها تتحدَّى خيالات الاستقلال الذاتي العزيزة لدى معظم الناس. ولقد خلقت زيادة أعداد الفئة الأولى والثانية وضعًا لم يسبق إلى مثله، فيه يجد من يقتربون من سنِّ التقاعد أنفسهم وقد كبِّلوا بحقيقة أنَّ لهم والدًا لا يزال حيًّا يحتاج إلى رعايتهم.
سيعتمد الأثر الاجتماعي للتزايد المستمرِّ في الأجل المتوقَّع على الحجم النسبي لهاتين الجماعتين، وهذا التزايد سيتوقَّف بدوره على التوازن بين ما سيحدث في المستقبل من تقدُّمات في إطالة العمر. سيكون السيناريو الأفضل هو ذلك الذي تقوم فيه التكنولوجيا بأن توقف متزامنةً عمليات شيخوخة مختلفة — مثلًا بأن تكتشف مصدرًا جزيئيًّا للشيخوخة شائعًا بكل الخلايا الجسدية، وإبطاء هذه العملية في الجسم كله. سيتزامن فشل أجزاء الجسم المختلفة، في عمر أكبر، وستكون أعداد الفئة الأولى من الناس هي الأكبر، وأعداد الفئة الثانية هي الأقلُّ. أما أسوأ سيناريو فيكون عندما يحدث تقدُّم غير متوازن، بأن نجد مثلًا طرقًا تحفظ صحَّة الجسم ولكنها لا توقف التدهور الذهني المرتبط بتقدُّم العمر. ربما أتاحت بحوث الخلايا الجذعية لنا تنمية أجزاء جديدة من الجسم، كما يقترح ويليام هيرنشتاين في الاقتباس بمطلع الفصل الثاني من هذا الكتاب، ولكن دون ما علاج موازٍ لمرض الألزهايمر فإن هذه التكنولوجيا الرائعة الجديدة لن تفعل أكثر من أن تسمح ببقاء أناس أكثر، في حال خضرية، لزمن أطول ممَّا هو عليه الآن.
يمكننا أن نطلق اسم سيناريو دار المسنِّين على الانفجار العدديِّ لأصحاب الفئة الثانية، وفيه يعيش الناس روتينيًّا حتى عمر المائة وخمسين، ولكنهم يقضون السنين الخمسين الأخيرة في حالة اعتماد كامل على الغير كالأطفال. لا توجد بالطبع وسيلة نعرف بها أيًّا من الطريقين سيمضي إلى النهاية: هذه، أم التوسُّع الأسعد للفئة الأولى.
فإذا لم يكن ثمَّة اختصار جزيئي لتأجيل الموت، بسبب أن الشيخوخة تأتي نتيجةً للتراكم التدريجي للتلف في مجال واسع من الأجهزة البيولوجية المختلفة، فلن يكون ثمَّة سبب لأن نتصوَّر أن التقدُّمات الطبية في المستقبل ستتحرَّك في تزامن أفضل ممَّا كانت عليه في الماضي. إن قدرة التكنولوجيا الطبية الحالية على إبقاء أجسادنا حية، إنما بنوعية أقل كثيرًا، هذه القدرة هي السبب في أن تبرز إلى المقدِّمة، بالولايات المتحدة وغيرها من الدول في السنين الأخيرة، قضايا مثل القتل الرحيم والمساعدة على الانتحار وأناس مثل جاك كيفوركيان.
والأغلب أن تقدِّم البيوتكنولوجيا في المستقبل صفقات تقايض فيها بين طول العمر ونوعية الحياة. فإذا ما قُبلت هذه المقايضات فستكون العواقب الاجتماعية درامية. لكن تقييمها سيكون صعبًا للغاية: إن التغيُّرات الطفيفة في القدرات الذهنية — مثل فقدان الذاكرة القصير الأمد أو تزايد الجمود في معتقدات الفرد — هي أمور يصعب قياسها وتقييمها. الاستقامة السياسية حول الشيخوخة، التي سبق ذكرها، ستجعل التقييم الصريح حقًّا أمرًا مستحيلًا أو يكاد، بالنسبة لمن يتعامل مع أقاربه المسنِّين من الأفراد، وأيضًا بالنسبة للمجتمعات إذ تحاول صياغة سياسات عامة. ولتجنُّب أي إشارة خفية بالتعصُّب ضد كبار السن، أو الاقتراح بأن حياتهم بشكل ما أقلُّ قيمةً من حياة الأصغر سنًّا، سيجد كل من يكتب عن مستقبل الشيخوخة نفسه مجبرًا — في قسوة — على أن يكون متفائلًا ليتنبَّأ بأن التقدُّم الطبي سيزيد الحياة كمًّا ونوعًا.
يكون هذا أوضح ما يكون في الجنسانية. يقول أحد الكتَّاب عن الشيخوخة: «لا شكَّ أن غسيل المخِّ واحد من بين العوامل التي تثبط الجنسانية مع تقدُّم العمر، غسيل المخِّ الذي نتعرَّض له جميعًا بأن الجاذبية الجنسية للشخص تقلُّ مع تقدُّمه في السِّن». كما لو كانت الجنسانية هي مجرَّد غسيل مخٍّ! هناك للأسف أسباب دارونية جيدة تربط الجاذبية بالشباب، لا سيما في النساء. خلق التطور الرغبة الجنسية بهدف تعزيز التكاثر، وليس هناك إلا القليل من الضغوط الانتخابية كي يطوِّر الإنسان جاذبيةً جنسيةً يثير بها الرفيق أو الرفيقة بعد أفضل سني الخصب. وستكون النتيجة بعد خمسين عامًا أن نجد أن أفضل المجتمعات تطوُّرًا وقد أصبح بعدجنسي. نعني أن الغالبية العظمى من أفراده لم يعودوا يضعوا الجنس على قمَّة قائمة ما يجب عمله.
هناك عدد من الأسئلة لا جواب لها عن الحياة وكيف ستكون في مستقبل كهذا. أبدًا لم يشهد التاريخ البشري مجتمعات يبلغ الوسيط العمري فيها ٦٠ أو ٧٠ عامًا أو أكثر. كيف ستكون الصورة الذاتية لمثل هذا المجتمع؟ إذا ما ذهبت إلى كشك بيع الصحف في أحد المطارات وتأمَّلت صور الأشخاص على أغلفة المجلات، ستجد أن الأعمار في المتوسط ستكون في أوائل العشرينيات، وأن معظمهم حسن الطَّلعة يتمتَّع بصحَّة جيدة. المفروض أن تعكس مثل هذه الصُّور على الأغلفة العمر الوسيط الواقعي للمجتمع ككل — إن تكن لا تعكس الطَّلعة أو الصِّحة. كيف ستكون أغلفة المجلَّات بعد جيلين، عندما لا يشكِّل مَن هم في أوائل عشرينيات العمر إلا أقليةً ضئيلة من المجتمع؟ هل سيظلُّ المجتمع راغبًا في أن يتخيَّل نفسه شابًّا مليئًا بالحيوية مثيرًا للجنس جيِّد الصِّحة، حتى لو كانت هذه الصورة تختلف عن الواقع الذي يراه الناس من حولهم اختلافًا يزيد كثيرًا عمَّا هو عليه اليوم؟ أم ترى ستتحوَّل الأذواق والعادات وتمضي ثقافة الشباب إلى التدهور الأخير؟
سيكون للتحوُّل في الميزان الديموغرافي نحو مجتمعات غالبيتها من الفئة الأولى والثانية تضمينات أعمق كثيرًا بالنسبة لمعنى الحياة ومعنى الموت. ففي كل التاريخ البشري تقريبًا وحتى العصر الحاضر كانت حياة الناس وهويَّاتهم مرتبطةً إمَّا بالتكاثر — نعني تكوين العائلة وتربية الأطفال — أو بكسب الرِّزق لإعالة النفس والعائلة. العائلة والعمل كلاهما يوقعان بالأفراد في حبائل التزامات اجتماعية ليس لهم فيها إلا القليل من التحكُّم، التزامات تكون مصدرًا للصراع والقلق وتكون في نفس الوقت مصدر إشباع هائل. وتعلُّم الفرد الوفاء بهذه الالتزامات الاجتماعية هو منبع الفضيلة والشخصية. لكن علاقة أصحاب الفئة الأولى والثانية بالعائلة وبالعمل علاقة واهية حقًّا. هم قد تخطَّوا سني التكاثر، وروابطهم الأساسية هم الأسلاف والسُّلَّان (يقصد: الأحفاد). قد يختار البعض من الفئة الأولى أن يعملوا، لكنهم سيختارون ثلَّةً من المناصب المنتقاة تعفيهم من الالتزام بالعمل ومن أنواع الروابط الاجتماعية الضرورية. أما أصحاب الفئة الثانية فلن ينجبوا ولن يعملوا وسيشهدون تيارًا من الموارد والالتزامات يتحرَّك في اتجاه واحد: نحوهم.
هذا لا يعني أن الناس في أيٍّ من الفئتين سيصبحون فجأةً غير مسئولين أو مطلقي العنان، لكنه يعني أنهم قد يجدون حياتهم فارغة، وموحشة أيضًا، لأن هذه الروابط الاجتماعية الضرورية هي بالتحديد ما يجعل الحياة عند الكثيرين تستحقُّ أن تحيا. فإذا ما أخذ التقاعد على أنه فترة وجيزة من الراحة بعد حياة من العمل الشاق والكفاح، فسيبدو مثوبة تستحقُّ. فإذا امتدَّت عشرين أو ثلاثين عامًا دون أن تظهر لها نهاية فقد تبدو — ببساطة — عبثًا. يصعب أن نرى كيف سيخبر أصحاب الفئة الثانية فترة من الاعتماد على الغير أو الوهن، ويرونها بهيجة تحقِّق المرام.
ستتغيَّر علاقة الناس بالموت أيضًا. قد يُنظر إلى الموت على أنه وجه طبيعي للحياة محتوم، إلا أنه شرٌّ يمكن تعويقه مثل شلل الأطفال أو الحصبة. إذا كان الأمر كذلك فسيبدو الموت خيارًا أحمق لا شيئًا يواجه بالوقار والنَّبالة. هل سيظلُّ الناس يرغبون في التضحية بأرواحهم في سبيل الآخرين، إذا ما كان من الممكن أن تمتدَّ حياتهم إلى ما لا نهاية، أم يغضُّون الطَّرف عن التضحية بحياة الآخرين؟ هل سيتمسَّكون في يأسٍ بالحياة التي تقدِّمها البيوتكنولوجيا؟ أم تُرى ستبدو الصورة من حياة فارغة بلا نهاية شيئًا — ببساطة — لا يحتمل؟