الهندسة الوراثية
كل الكائنات قد خلقت حتى الآن شيئًا يتعداها، أفهل تريد أن تكون انحسار الفيضان الكبير، بل وتعود حتى إلى الحيوانات بدلًا من أن تتخطى الإنسان؟ ما القرد عند الإنسان؟ أضحوكة أو ارتباك مؤلم. سيكون الإنسان بالضبط هكذا أمام الأسمى منه: أضحوكة أو ارتباكًا مؤلمًا. لقد تقدمت من دودة إلى إنسان، ولا زلت تحمل من الدودة الكثير. كنت يومًا قردًا، وما زال الإنسان حتى الآن قردًا أكثر من أي قرد.
من الممكن أن تمضي كل النتائج التي عرضناها في الفصول الثلاثة السابقة دون حدوث أي تقدم جديد في الهندسة الوراثية — أكثر صور البيوتكنولوجيا ثورية. يشيع استخدام الهندسة الوراثية في الوقت الحاضر في مجال البيوتكنولوجيا الزراعية لإنتاج كائنات محوَّرةٍ وراثيًّا، مثل ذُرة بي تي (التي تُنتج لذاتها مبيدات حشرية)، ومثل فول صويا راوند أب ريدي (المقاوم لبعض مبيدات الأعشاب) — ولقد كانت هذه المنتجات محل جدل ومعارضة حول العالم. والواضح أن الخط التالي من التقدم سيكون تطبيق هذه التكنولوجيا على البشر. تثير الهندسة الوراثية البشرية على الفور إمكانية ظهور شكل جديد من اليوجينيا، بكل ما شحنت به هذه الكلمة من تضمينات أخلاقية، ثم في النهاية القدرة على تحوير طبيعة الإنسان.
لكن، على الرغم من الانتهاء من مشروع الجينوم البشري فإن البيوتكنولوجيا المعاصرة ما زالت اليوم بعيدة كل البعد عن أن تتمكَّن من تحوير الدنا البشري بالطريقة التي بها يحوَّر دنا الذُّرة أو ماشية اللحم. ولقد يجادل البعض بأننا أبدًا لن نبلغ هذه القدرة وأن بعض العلماء الطموحين وبعض شركات البيوتكنولوجيا التي تبغي الربح السريع قد ضخَّموا كثيرًا من التوقعات النهائية للتكنولوجيا الوراثية. كما أن تغيير طبيعة الإنسان أيضًا أمر بعيد الاحتمال، كما يقول البعض. بل إنه ليس حتى على جدول أعمال البيوتكنولوجيا المعاصرة. إننا نحتاج إذن إلى تقدير متوازن لما يمكن لهذه التكنولوجيا أن تحققه، ثم إلى إدراك للمعوقات التي قد تواجهها في نهاية المطاف.
انتهت السلسلة الكاملة للجينوم البشري قبل موعدها: في يونيو ٢٠٠٠م، كان ذاك جزئيًّا بسبب المنافسة بين المشروع الرسمي للجينوم البشري الذي تولته الحكومة، وبين مجهود مماثل قامت به شركة خاصة للبيوتكنولوجيا هي شركة سيليرا جينوميكس. كان حجم الدعاية التي أحاطت بالواقعة يوحي أحيانًا بأن العلماء قد حلوا الأساس الوراثي للحياة. لكن الواقع أن كلَّ ما قامت به السلسلة هو تقديم مسودة كتابٍ كُتب بلغة لم تُفهم إلا جزئيًّا. ما زال الكثير من الغموض يكتنف قضايا أساسية مثل الجينات التي يحملها الدنا البشري. فبعد أشهر معدودة من الانتهاء من السلسلة نشرت سيليرا والاتحاد المالي الدولي لسلسلة الجينوم البشري دراسة تشير إلى أن العدد هو ٣٠–٤٠ ألف جين بدلًا من التقدير السابق وكان ١٠٠ ألف جين. هناك بعد الجينوميا المجال المتبرعم للبروتيوميا، الذي يبحث في كيفية تشفير الجينات للبروتينات، وكيف تنطوي هذه البروتينات ذاتها إلى الصور المعقدة المتقنة التي تحتاجها الخلايا. وتبقى بعد البروتيوميا مهمة معقدة تعقيدًا لا يصدَّق، هي تفهُّم كيف تتطور هذه الجزيئات إلى أنسجة وأعضاء وإنسان كامل.
لم يكن مشروع الجينوم البشري ليتم دون تقدمٍ موازٍ في تكنولوجيا المعلومات، اللازمة لتسجيل وفهرسة وبحث وتحليل بلايين القواعد التي تشكل الدنا البشري. قاد اندماج البيولوجيا مع تكنولوجيا المعلومات إلى بزوغ مجال جديد اسمه البيومعلوماتية. أما ما سنبلغه في المستقبل فسيعتمد كثيرًا على قدرة الكمبيوتر على تفهُّم الكميات المذهلة من البيانات التي تولِّدها الجينوميا والبروتيوميا، ثم على بناء نماذج يعوَّل عليها لظواهر مثل طيِّ البروتينات.
إن مجرد التعرف على الجينات بالجينوم لا يعني أن أحدًا يعرف مهمة هذه الجينات. حدث الكثير جدًّا من التقدم خلال العقدين الماضيين في العثور على الجينات المرتبطة بالتليف الكيسي، وأنيميا الخلايا المنجلية، ورقص هنتنجتون، ومرض تاي ساكس، وما شابه. لكن هذه جميعًا أمراض بسيطة نسبيًّا يمكن فيها تتبُّع المرض إلى أليل خاطئ — أي إلى تتابع مشفَّر خاطئ — لجين واحد. ثمة أمراض أخرى يسببها عدد من الجينات تتفاعل بطرق معقدة: بعض الجينات يتحكم في تعبير (نعني تنشيط) جينات أخرى، والبعض يتفاعل مع البيئة بطرق معقدة، والبعض ينتج أثرين أو أكثر، والبعض يسبب آثارًا لا تظهر إلا متأخرًا في دورة حياة الكائن الحي.
فإذا عدنا إلى الصفات المعقدة للحالات والسلوك، مثل الذكاء والعدوانية والجنسانية وما شابه، فسنجد أنَّا لا نعرف اليوم أكثر من أن هناك درجةً ما من السببية الوراثية، كما تقول دراسات وراثة السلوك. ليست لدينا أدنى فكرة عن الجينات المسئولة حقًّا، لكنا نظن أن العلاقات السببية معقدة بشكل غريب غاية الغرابة، أو كما قال ستيورات كاوفمان، مؤسس بيوس جروب وقائدها العلمي، إن هذه الجينات هي نوع من كمبيوتر كيماوي متوازي التصنيع، فيه تقوم الجينات باستمرار بفتح وإغلاق بعضها البعض في شبكة من التفاعلات غاية في التعقيد. تربط سبل الإشارات الخلوية إلى سبل التنظيم الوراثي بطرق بدأنا بالكاد في تفهُّمها.
لن تكون الهندسة الوراثية هي أول خطوة نحو تحكُّم للآباء أكبر في التركيب الوراثي لأطفالهم، وإنما ستأتي هذه الخطوة من التشخيص الوراثي والفرز قبل الغرس. سيمكن للآباء في المستقبل، روتينيًّا، أن تُفرز أجنَّتهم أوتوماتيكيًّا لعدد كبير من العلل، ليُغرس منها في رحم الأم ما يحمل الجينات الصحيحة. تقدِّم التكنولوجيا الطبية الحالية، مثل ثقب السلى والصونوجرام — تقدِّم بالفعل درجة معينة من الخيار، كما يحدث مثلًا عندما يُجهض الجنين إذا شخِّص بأنه يحمل متلازمة داون، أو كما يحدث عند إجهاض إناث الأجنَّة في آسيا. ولقد أمكن بنجاح — بالفعل — فرز الأجنَّة للعلل الخلقية مثل التليف الكيسي. يرسم عالِم الوراثة لي سيلفر سيناريو للمستقبل فيه تُنتج المرأة مائة جنين أو نحو ذلك، يحلَّل البروفيل الوراثي لها أوتوماتيكيًّا. ثم — وببضع نقرات من فأرة الكمبيوتر — ينتخب منها واحد. ليس فقط لخلوه من أليلات علل الجين الواحد، كالتليف الكيسي، وإنما أيضًا لخصائصه المتميزة، مثال الطول ولون الشعر والذكاء. لا توجد في الوقت الحالي التكنولوجيا التي تحقق هذا. ولكنها في الطريق: طورت شركة اسمها فيتريكس، مثلًا، ما سمِّي رقاقة الدنا، التي تفرز أوتوماتيكيًّا عينة الدنا لواسمات مختلفة للسرطان وعلل أخرى. لا يتطلب التشخيص قبل الغرس، ثم الفرز، مهارات لمناولة دنا الأجنَّة، لكنه يقصر اختيار الآباء داخل نوع التباين الذي يحدث طبيعيًّا مع التكاثر الجنسي.
أما التكنولوجيا الأخرى، التي ستنضج على الأغلب قبل هندسة البشر وراثيًّا بوقت طويل، فهي استنساخ البشر. أثار نجاح إين ويلموت في إنتاج النعجة دولِّي المستنسَخة عام ١٩٩٧م قدرًا هائلًا من الخلاف والتأمل، حول إمكانية استنساخ إنسان من خلية بالغة. قاد طلب الرئيس كلينتون النصيحة من اللجنة القومية الاستشارية للأخلاقيات البيولوجية حول هذا الموضوع، قاد إلى دراسة أوصت بحظر التمويل الفيدرالي لبحوث استنساخ البشر، وإلى تعليق مثل هذا النشاط في الشركات الخاصة، وإلى أن يأخذ الكونجرس بعين الاعتبار حظرًا تشريعيًّا. وعوضًا عن حظر يفرضه الكونجرس، تبقى محاولة استنساخ الإنسان قانونية طالما قامت بها منظمة لا تموَّل فيدراليًّا. ثمة تقارير تقول إن طائفة تسمَّى الريليان تحاول بالتحديد أن تقوم بذلك، ثم هناك الجهود التي نشر عنها الكثير والتي يقوم بها سيفيرنو أنتينوري وبانوس زافوس. إن العقبات التقنية أمام استنساخ البشر أقل بكثير مما نجده في التشخيص قبل الغرس أو في الهندسة الوراثية، وهي عقبات أغلبها تتعلق بالأمان وبأخلاقيات التجريب على البشر.
الطريق إلى الطفل التفصيل
ستكون الجائزة الكبرى للتكنولوجيا الوراثية الحديثة هي الطفل التفصيل؛ نعني أن سيتمكن الوراثيون من تحديد الجين الخاص بخصيصة كالذكاء أو الطول أو لون الشعر أو العدوانية أو تقدير الذات، وأن يستخدموا هذه المعرفة في تخليق صيغة طفل أفضل. لا يلزم أن يأتي الجين المعنيُّ حتى من إنسان، وهذا على أية حال هو ما يحدث في البيوتكنولوجيا الزراعية. ذُرة بي تي، التي طورتها في البداية شركة بذور سيبا (واسمها الآن بذور نوفارتيس) وبذور ميكوجين، عام ١٩٩٦م: تحمل جينًا غريبًا أدمج في دناها يسمح لها بأن تنتج بروتينًا لبكتيريا باسيلس تورجينسيز (من هنا الاسم بي تي) يسمِّم آفات حشرية مثل ثاقبات الذرة الأوروبية. النبات الناتج إذن قد حوِّر وراثيًّا ليفرز مبيدات حشرية، ثم إنه يسلم هذه الخصيصة إلى نسله.
أما أن نفعل نفس الشيء مع البشر فهذا هو الأمر الأبعد من بين كل التكنولوجيات التي ناقشناها في هذا الفصل. هناك وسيلتان يمكن بهما إجراء الهندسة الوراثية: العلاج الجيني للخلايا الجسدية، وهندسة الخط الجرثومي. تحاول الأولى تغيير الدنا داخل عدد كبير من الخلايا الهدف، ويتم ذلك عادة بإيلاج المادة الوراثية الجديدة المحورة عن طريق فيروس أو ناقل. ولقد أجري عدد من محاولات العلاج الجيني الجسدي في السنين الأخيرة، غير أنها لم تصادف إلا نجاحًا ضئيلًا نسبيًّا. والمشكلة مع هذه الوسيلة هي أن الجسم يتألف من تريليونات الخلايا، ولا بد من تغيير المادة الوراثية لملايين الخلايا إذا كان للعلاج أن يكون فعالًا. تموت الخلايا الجسدية المعنيَّة مع الفرد المعالج، إن لم يكن قبله؛ ليس لهذا العلاج آثار تبقى عبر الأجيال.
وهندسة الخط الجرثومي هي ما يجري روتينيًّا في البيوتكنولوجيا الزراعية، كما أُجريت بنجاح في عدد كبير من الحيوانات. يحتاج تحوير الخط الجرثومي، على الأقل من الناحية النظرية، إلى تغيير طاقم واحد من جزيئات الدنا — ذلك الموجود في البويضة المخصبة؛ سينقسم هذا الطاقم فيما بعد ويتشعَّب إلى إنسان كامل. العلاج الجيني الجسدي إذن يغير دنا الخلايا الجسدية وحدها ومن ثم لا يؤثر إلا في الفرد الذي يتلقى العلاج، بينما تنتقل تغيرات الخط الجرثومي من الفرد إلى نسله. لهذه الوسيلة الأخيرة إذن إغراءات واضحة لعلاج الأمراض الوراثية، مثل مرض السُّكَّر.
من بين التكنولوجيات الجديدة قيد الدراسة هناك الكروموزومات الاصطناعية التي تضيف كروموزومًا إضافيًّا إلى الستة والأربعين؛ يمكن أن يفتح هذا الكروموزوم فقط عندما يبلغ المتلقي من السن ما يؤهله لأن يعطي موافقته العارفة، وهو لا ينتقل إلى السلالة. تتجنب هذه التقنية الحاجة إلى تغيير الجينات على الكروموزومات أو استبدالها. قد تكون الكروموزومات الاصطناعية إذن قنطرةً ما بين الفرز قبل الغرس وبين التحوير المستديم للخط الجرثومي.
وقبل أن نحوِّر البشر وراثيًّا بهذه الطريقة، علينا أن نتغلب على عدد من العقبات الشاهقة. أما الأولى فتختصُّ بالتعقيد الشديد للمشكلة، حتى لَيوحي للبعض بأن أي شكل ذي معنًى من الهندسة الوراثية للصفات السلوكية هو ببساطة أمر مستحيل. ذكرنا سابقًا أن الكثير من الأمراض يأتي عن تفاعل عدد من الجينات، ثم إن الجين الواحد قد تكون له آثار متعددة. كان من المعتقد يومًا أن الجين الواحد يعطي رنا مرسالًا واحدًا، يقوم بدوره بإنتاج بروتين واحد. ولكن، إذا ما كان الجينوم البشري يحتوي حقًّا على عدد من الجينات أقرب إلى الثلاثين ألفًا منه إلى المائة ألف، فإن هذا النموذج لا يصلح، لأن بالجسم بروتينات أكثر بكثير من الثلاثين ألف جين التي تشكل الجسم البشري. هذا يقترح أن الجينات المفردة تلعب دورًا في إنتاج العديد من البروتينات، ومن ثم ستكون لها وظائف متعددة. الأليل المسئول عن أنيميا الخلايا المنجلية مثلًا يضفي أيضًا مناعة ضد الملاريا، وهذا هو السبب في شيوعه بين السود، فأصولهم كما نعلم من أفريقيا حيث الملاريا مرض خطير. قد يرفع إصلاح جين أنيميا الخلايا المنجلية إذن من قابليتهم للإصابة بالملاريا. وهذا أمر لا يهم معظم من يحيا بشمال أمريكا، ولكنه قد يؤذي حاملي الجين الجديد إذا كانوا في أفريقيا. شُبِّهت الجينات بالنظام الإيكولوجي، وفيه يؤثر كل جزء في كل جزء آخر، أو كما يقول إدوارد أو. ويلسون: في الوراثة كما في البيئة، لا يمكنك أن تفعل شيئًا واحدًا فقط. إذا ما تغيَّر جين بالطفرة أو استبدل به آخر، فالأغلب أن يعقب ذلك آثار جانبية غير متوقعة، قد تكون بغيضة.
أما العقبة الكأداء الثانية أمام الهندسة الوراثية البشرية فتتعلق بأخلاقيات التجريب على البشر. أثارت اللجنة الاستشارية القومية للأخلاقيات موضوع التجريب على البشر على أنه السبب الأساسي لطلبها حظرًا قصير الأمد على استنساخ البشر. لقد تطلَّب الأمر نحو ٢٧٠ محاولة فاشلة قبل أن ينجح استنساخ دولِّي. صحيح أن فشل الكثير من هذه المحاولات قد حدث في مرحلة الغرس، إلا أن ٣٠٪ من كل الحيوانات التي استُنسخت من ذلك التاريخ قد وُلدت وبها شذوذات خطيرة. وُلدت دولِّي كما ذكرنا ولها تيلوميرات قصيرة، وهي قد لا تعيش لتبلغ عمر النعجة المولودة طبيعيًّا. ولنا أن نفترض أننا لا نود أن نخلِّق طفلًا بشريًّا قبل أن تصبح فرصة النجاح أعلى كثيرًا، وحتى عندئذٍ فإن عملية الاستنساخ قد تعطي عيوبًا لا تظهر إلا بعد سنين.
ستعظُم مخاطر الاستنساخ هذه كثيرًا في حالة الهندسة الوراثية وسبلها السببية المتعددة ما بين الجينات وبين تعبيرها الأخير كمظهر. سينطبق قانون العواقب غير المقصودة هنا: قد يكون للجين الذي يؤثر في قابلية الإصابة بمرض ما، عواقب ثانوية أو من الرتبة الثالثة لا تدرك عند إعادة هندسة الجين وإنما بعد سنين أو ربما بعد جيل.
أما العقبة الأخيرة أمام أي قدرة على تحوير طبيعة الإنسان في المستقبل فتتعلق بالعشيرة، فحتى لو تغلبت الهندسة الوراثية البشرية على العقبتين الأولى والثانية (نعني: السببية المركَّبة ومخاطر التجريب على البشر)، ثم نجحت في إنتاج الطفل التفصيل، فإن الطبيعة البشرية لن تتغير ما لم تحدث مثل هذه التغيرات للعشيرة ككلٍّ بطريقة معنوية إحصائيًّا. أوصى مجلس أوروبا بحظر هندسة الخط الجرثومي على أساس أنه سيؤثر في الإرث الوراثي للبشرية. وهذا الوعد بالذات، كما أشار عدد من النقاد، سخيف لحد ما: إن الإرث الوراثي للبشرية هو مستودع جيني كبير للغاية يحمل الكثير من الأليلات المختلفة والتحوير في، أو التخلص من، أو الإضافة إلى هذه الأليلات على المستوى الصغير سيغير إرث الفرد لا إرث الجنس البشري، فإذا قامت حفنة من الأثرياء بتحوير أبنائهم وراثيًّا لزيادة الطول أو الذكاء، فإن هذا لن يؤثر في طول جنس البشر أو ذكائه. يجادل فريد إلكيه بأن أية محاولة في المستقبل لتحسين الجنس البشري يوجينيًّا سيكتسحها وبسرعةٍ النمو الطبيعي للعشيرة.
هل تعني هذه المحدِّدات للهندسة الوراثية إذن أن أي تغيير ذي معنًى لطبيعة البشر هو أمرٌ مستبعد في المستقبل المنظور؟ هناك عدد من الأسباب تدعو إلى الحيطة قبل اتخاذ مثل هذا الحكم دون روية.
أول هذه الأسباب يتعلق بالسرعة المذهلة — التي لم تكن على العموم متوقعة — للتطورات العلمية والتكنولوجية في علوم الحياة. في أواخر ثمانينيات القرن العشرين كان هناك إجماع راسخ بين علماء الوراثة على استحالة استنساخ حيوان ثديي من خلايا جسدية بالغة، وقد انتهت هذه الفكرة مع الإعلان عن دولِّي عام ١٩٩٧م. وكان الوراثيون حتى منتصف التسعينيات يتنبئون بأن مشروع الجينوم البشري سيُنجز في وقتٍ ما بين عامَي ٢٠١٠م و٢٠٢٠م، ثم كان أن انتهت آلات السلسلة الجديدة عالية الأتمتة من هذا العمل في يوليو ٢٠٠٠م. وليس ثمة وسيلة للتنبؤ بما قد يظهر في السنين القادمة من اختصارات تقلل من تعقيدات المهمة من أمامنا. وعلى سبيل المثال فإن المخ هو النموذج الأصلي لما يسمى الجهاز التكيُّفي المعقَّد — وهذا جهاز مؤلَّف من عوامل عديدة (هي في حالتنا هذه النيورونات وخلايا مخ أخرى) تتبع قواعد بسيطة نسبيًّا لتنتج، على مستوى الجهاز، سلوكًا طارئًا غاية في التعقيد. يكاد يكون من المؤكد أن ستفشل كل محاولة لتنميط المخ باستخدام طرق حساب قسرية — أي تلك التي تحاول أن تنسخ كل البلايين من الروابط بين النيورونات. على أن نموذج التكيُّف المعقَّد الذي يحاول أن ينمِّط التعقيد عند مستوى الجهاز على أنه خصيصةً طارئة، ستكون فرصته في النجاح أكبر كثيرًا. وقد يكون هذا نفسه صحيحًا بالنسبة للتفاعل بين الجينات.
على أن حقيقة تعدد وظائف الجينات وتعقُّد التفاعلات فيما بينها، لا تعني أن تتوقف كل الهندسة الوراثية البشرية إلى أن نفهمها جميعًا. أبدًا لم تتطور أي تكنولوجيا بهذا الأسلوب. تُبتكر العقاقير الجديدة طول الوقت وتُختبر وتُجرَّب للاستعمال دون أن يعرف المصنِّعون بالضبط كيف تعطي آثارها. وكثيرًا ما يحدث عند تجريب العقار لأول مرة أن تمرَّ الآثار الجانبية دون أن تُلحظ، ربما لسنين، أو أن يتفاعل العقار مع آخر أو مع ظروف أخرى بطرقٍ لم تكن متوقعة على الإطلاق. ربما كانت السلوكيات العليا هي نتيجة التفاعلات المعقدة بين الكثير من الجينات، لكنا لا نعرف إن كان هذا هو الوضع مع كل السلوكيات. ولقد نتعثَّر في ابتكارات وراثية بسيطة نسبيًّا تسبب تغيرات درامية في السلوك.
تشكل قضية التجريب على الإنسان عقبة خطيرة أمام التطوير السريع للهندسة الوراثية. ولكنها ليست أبدًا مما لا يُقهر. ومثلما هو الحال في اختبار العقاقير، ستتحمل الحيوانات في البداية عبء معظم المخاطر. وأنواع المخاطر المقبولة عند التجريب على البشر تتوقف على المنفعة المتوقعة: فمرض مثل مرض رقص هنتنجتون الذي يصيب من يحمل الأليل الخطأ ونصف نسله بالخرف العقلي ثم الموت، ليس كتشجيع نشاط عضلة أو تكبير صدر. إن حقيقة أن هناك احتمالًا بوجود آثار غير متوقعة أو طويلة المدى، هذه الحقيقة في حد ذاتها لن تعطِّل الناس عن البحث عن المعالجة الوراثية بأكثر مما كانت تعطِّلهم في المراحل الأولى من تطوير الطب.
أما قضية ما إذا كانت الآثار اليوجينية أو الديسجينية للهندسة الوراثية قد تصبح يومًا ما واسعة الانتشار حتى لتؤثر في طبيعة الإنسان ذاتها، فهي — كتلك — لا تزال قضية مفتوحة. الواضح أن أية صورة من الهندسة الوراثية قد تسبب آثارًا جوهرية على العشائر، لا بد أن تكون مرغوبة ومأمونة ورخيصة نسبيًّا. سيتكلَّف أطفال التفصيل في البداية كثيرًا، وستكون خيار الآباء الأثرياء وحدهم. أما متى يصبح الطفل التفصيل رخيص الثمن وشائعًا فهذا أمر يعتمد على سرعة انخفاض التكاليف في تكنولوجيات مثل التشخيص قبل الغرس.
على أننا سنجد سوابق عن تكنولوجيات طبية جديدة بانت آثارها على مستوى العشيرة بسبب اختيار ملايين الأفراد لها. يكفي أن ننظر إلى آسيا المعاصرة، حيث اقتران الصونوجرام الرخيص وسهولة إجراء الإجهاض قد أديا إلى تحوُّل درامي في النسبة الجنسية. في كوريا على سبيل المثال ولد في أوائل التسعينيات بالقرن الماضي ١٢٢ ولدًا لكل ١٠٠ بنت — والنسبة الجنسية الطبيعية هي ١٠٥ : ١٠٠ بلغت النسبة في جمهورية الصين الشعبية أقل من هذا قليلًا ١١٧ ولدًا لكل ١٠٠ بنت. وهناك مناطق بشمال الهند تكون النسبة فيها أكثر انحرافًا. وقد أدى هذا في آسيا إلى عجز في البنات قدَّره الاقتصادي أمارتيا سين مرة بمائة مليون. الإجهاض في كل هذه المجتمعات بغرض انتخاب الجنس غير قانوني، لكن رغبة الآباء في إنجاب ذكر يرث قد أدَّى رغم ضغط الحكومة إلى نسبٍ جنسية منحرفة للغاية.
لا أحد يعرف إن كانت الهندسة الوراثية ستصبح يومًا رخيصة سهلة المنال كالصونوجرام والإجهاض. يتوقف الكثير على ما يُفترض أن تكون عليه فوائدها. وأكثر المخاوف شيوعًا لدى رجال الأخلاقيات البيولوجية هي:
أن الأثرياء وحدهم هم من سيستفيد بهذه التكنولوجيا الوراثية. لكن لو تمكَّنت بيوتكنولوجية في المستقبل من طريقة مأمونة وفعالة لهندسة أطفال أكثر ذكاءً، فإن قدرها سيرتفع على الفور. من المعقول تمامًا تحت هذا السيناريو أن ترجع دولة رفاهة ديمقراطية متقدمة إلى لعبة اليوجينيا مرة ثانية، لتتدخل هذه المرة ليس في منع تكاثر منخفضي معامل الذكاء، وإنما في مساعدة المتخلفين وراثيًّا في رفع معامل ذكائهم وذكاء أبنائهم، وستكون الدولة، تحت هذه الظروف، هي من يبحث في أمر أن تصبح التكنولوجيا رخيصة ومتاحة للجميع — هنا سيبزغ على الأغلب أثر على مستوى العشيرة.
أما السبب في ذلك فهو انفجار مبنى خزان نتج عنه خزان هيتش هيتشي عام ١٩٢٣م وسلطة وادي تينيسي في ثلاثينيات القرن الماضي، إذ ظهر وعي لتقييم الثمن البيئي الطويل الأمد للقوى الكهرومائية. وإذا نظرنا اليوم إلى الأفلام شبه الستالينية التي أنتجت احتفالًا بالبناء البطولي لخزان هوفر فستبدو غريبة في تمجيدها لقهر الإنسان للطبيعة وفي تجاهلها المرح للعواقب الإيكولوجية.
والهندسة الوراثية البشرية ليست إلا السبيل الرابع إلى المستقبل، وهي المرحلة الأبعد كثيرًا في تطوير البيوتكنولوجيا. لا نمتلك الآن القدرة على تغيير الطبيعة البشرية بأية طريقة جوهرية، ولقد يتضح أن الجنس البشري أبدًا لن يتمكَّن من هذه القدرة. لكن ثمة نقطتين يلزم مناقشتهما.
الأولى أنه حتى لو لم تتحقق الهندسة الوراثية، فستكون للمراحل الثلاث الأولى لتطور البيوتكنولوجيا (معارف أكبر عن السببية الوراثية، عقاقير الأعصاب، إطالة الحياة) عواقب هامة بالنسبة للسياسات بالقرن الحادي والعشرين. ستكون هذه التطورات خلافيةً لحد كبير لأنها تتحدى أفكارًا عزيزة عن المساواة بين البشر وعن إدراك الخيار الأخلاقي، وستقدم للمجتمعات تقنيات جديدة للتحكم في سلوك مواطنيها؛ وستغير تفهُّمنا لشخصية الفرد وهويته، وستقلب الهيراركيات الاجتماعية الحالية رأسًا على عقب وتؤثر في معدل التقدم الفكري والمادي والسياسي؛ وستؤثر في طبيعة السياسة الأرضية.
وأما النقطة الثانية فهي أنه حتى لو ظلت الهندسة الوراثية على مستوى النوع بعيدة عنا ٢٥ أو ٥٠ أو مائة عام، فإنها وإلى حد بعيد أكثر التطورات المستقبلية في البيولوجيا أهميةً وشأنًا. والسبب في ذلك هو أن الطبيعة البشرية أمرٌ جوهري لمفهومنا عن العدالة والفضيلة والحياة الحقة، وستتحول هذه جميعًا إذا ما انتشرت هذه التكنولوجيا. أما السبب في هذا فسنتناوله في الجزء الثاني.
http://www.ncbi.nlm.nih.gov/Genbank/GenbankOverview.html.