لماذا يكون القلق واجبًا
خذ التوالد خارج الجسم. تمكَّن فيتسنر وكاواجوشي من تحقيق التكنيك بأكمله. فهل اهتمت الحكومة؟ كلا. كان ثمة ما يسمى المسيحية وكان على كل امرأة أن تظل ولودة.
في ضوء ما سبق عرضه في الفصول السابقة عن السبل الممكنة إلى المستقبل، علينا أن نسأل السؤال: لماذا يلزم أن تُقلقنا البيوتكنولوجيا. عارض بعض النقاد — مثل الناشط جيريمي ريفكين والكثير من البيئيين الأوروبيين — عارضوا الابتكار في البيوتكنولوجيا برمتها. يصعب علينا كثيرًا أن نبرِّر مثل هذه المعارضة المطلقة وأمامنا كل هذه الفوائد الفعلية التي ستنتج عن التقدم المحتمل في البيوتكنولوجيا البشرية، وأمامنا ما يأتي عن البيوتكنولوجيا الزراعية من إنتاجية أكبر واستخدام أقل من مبيدات الآفات. تضعنا البيوتكنولوجيا أمام ورطة أخلاقية خاصة، لأن أي تحفُّظ لنا على التقدم لا بد أن يكون مخفَّفًا بالاعتراف بوعودها التي لا جدال فيها.
ظل شبح اليوجينيا يحوم فوق مجال علم الوراثة بأكمله، واليوجينيا هي التربية المتعمَّدة للناس لصفات وراثية مختارة. صاغ مصطلح اليوجينيا فرانسيس جالتون ابن خال تشارلس داروين. حظيت برامج اليوجينيا التي ترعاها الدولة، في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حظيت بمساندة عريضة ليس فقط من سلاليي العنصريين والدارونيين الاجتماعيين وإنما أيضًا من تقدميين كالاشتراكيين الفابيين من أمثال ج. ب. س. هالدين وج. د. برنال وجورج برنارد شو، وأيضًا مارجريت سانجر النسائية نصيرة تحديد النسل. أجازت الولايات المتحدة وغيرها من دول الغرب قوانين تسمح للدولة بأن تعقِّم كرهًا لا طوعًا من يظن أنه أبله، بينما تشجع من يحمل الخصائص المرغوبة على أن ينجب أكبر عدد من الأطفال. قال القاضي أوليفر وينديل هولمز: «إننا نريد الأصحاء من الناس، حسني السجية، المستقرين عاطفيًّا، المتعاطفين، الأذكياء. نحن لا نريد المعتوه والأبله والمُمْلِق والمجرم.»
انتهت الحركة اليوجينية بالولايات المتحدة فعليًّا بعد أن تكشفت سياسة النازي اليوجينية بما تضمنته من إبادة فئات من الناس بأكملها، ومن التجريب الطبي على من يُعتبرون متخلفين وراثيًّا. ومنذ ذلك التاريخ بقيت القارة الأوروبية عمليًّا محصَّنةً ضد بعث اليوجينيا، وأصبحت منطقةً لا ترحب في الحق بأي صورة من صور البحث الوراثي. لم يكن ردُّ الفعل ضد اليوجينيا عالميًّا. ففي اسكندنافيا الديمقراطية الاشتراكية التقدمية بقيت قوانين اليوجينيا قائمة حتى ستينيات القرن العشرين. وعلى الرغم من أن اليابانيين قد أجروا تجارب طبية بالإكراه على البعض خلال حرب الباسيفيكي (عن طريق أنشطة الوحدة ٧٣١ السيئة السمعة) إلا أن رد الفعل ضد اليوجينيا كان أقل كثيرًا هناك وأيضًا في معظم المجتمعات الآسيوية الأخرى. مارست الصين اليوجينيا بنشاط من خلال سياسة الطفل الواحد للعائلة، ومن خلال قانونٍ يوجينيٍّ فجٍّ أجيز عام ١٩٩٥م يُذكِّرنا بقوانين أوروبية صدرت في أوائل القرن العشرين تنشد تحديد حق منخفضي معامل الذكاء في الإنجاب.
كان هناك اعتراضان هامان للسياسات اليوجينية القديمة لا ينطبقان في الأغلب على أي يوجينيا تحدث في المستقبل — في الغرب على الأقل. الأول هو أن برامج اليوجينيا لم تكن لتحقق أهدافها بالتكنولوجيا التي كانت متاحة في ذلك الوقت. الكثير من العيوب والشذوذات التي كان اليوجينيون يعتقدون أنهم ينتخبون ضدها بالتعقيم القسري، هي نتيجة جينات متنحية — نعني جينات يلزم أن يرثها الفرد من كلا الوالدين حتى يعبِّر الجسم عنها. سيتضح أن الكثيرين ممن يبدون طبيعيين يحملون هذه الجينات، ويُكثرون تلك الخصائص في المستودع الجيني، اللهم إلا إذا أمكن تحديد هويتهم، ثم تعقيمهم. هناك عيوب أخرى لم تكن عيوبًا على الإطلاق (مثلًا: بعض صور الذكاء المنخفض)، أو كانت نتيجة عوامل غير وراثية يمكن معالجتها عن طريق وسائل الصحة العامة. وعلى سبيل المثال، تحمل بعض القرى في الصين أعدادًا كبيرة من أطفالٍ مُعامل ذكائهم منخفض، ليس بسبب سوء الوراثة وإنما بسبب المستويات المنخفضة من اليود في غذائهم.
أما الاعتراض الرئيسي الثاني على الصور التاريخية من اليوجينيا فهو أن الدولة كانت ترعاها، وأنها كانت تتم قسرًا. ولقد مضى النازي باليوجينيا كما نعرف إلى مداها المرعب بقتل الأقل مرغوبيةً من الناس أو استعمالهم في التجريب. كان من الممكن، حتى في الولايات المتحدة، أن تقرر الحكمة أن شخصًا ما أبله أو مغفَّل (كان تعريف هذه المصطلحات، وغيرها من الحالات العقلية، فضفاضًا) ثم يحكم بتعقيمه قسرًا. فإذا تذكَّرنا أن تنويعةً واسعة من السلوكيات — مثل إدمان الكحول والإجرام — كانت تُعتبر صفات وراثية فإن هذا يعني أن الدولة قد أعطت لنفسها السلطة على الخيارات التكاثرية لقطاع عريض من رعاياها. يرى بعض المراقبين، مثل الكاتب العلمي مات ريدلي، أن رعاية الدولة كانت هي المشكلة الرئيسية بالنسبة لقوانين اليوجينيا القديمة، أما اليوجينيا التي يجريها الأفراد فلم تُوسم كهذه الوصمة.
ولقد أعادت الهندسة الوراثية اليوجينيا إلى ساحة الجدل مرة أخرى، لكن الواضح أن أيَّ تناول لليوجينيا في المستقبل سيكون مختلفًا تمامًا عن صورها التاريخية — في الغرب المتقدم على الأقل. أما السبب فهو أن الأغلب ألا ينطبق عليها هذان الاعتراضان. ستظهر يوجينيا أكثر لطفًا ورقَّةً فتفقد الكلمة بعضًا مما ارتبط بها تقليديًّا من رعب.
لا ينطبق الاعتراض الأول — القائل إن اليوجينيا مستحيلة تقنيًّا — إلا على أنواع التكنولوجيات التي كانت متاحة في أوائل القرن العشرين، كالتعقيم القسري. يسمح التقدم في الفرز الوراثي للأطباء في الوقت الحالي بتمييز حاملي الصفات المتنحية قبل أن يقرروا الإنجاب، ولقد يُسمح لهم في المستقبل بتمييز الأجنَّة التي تحمل خطر الشذوذ لأنها ورثت جينَين متنحِّيين. والمعلومات من هذا القبيل متاحة اليوم. مثلًا لأفراد عشائر اليهود الأشكنازي، وبهم احتمالات أعلى من الطبيعية لحمل جين تاي ساكس المتنحي. ولقد يُقرر اثنان يحملان الجين ألَّا يتزوجا أو ألَّا ينجبا. ستقدم هندسة الخط الجرثومي في المستقبل إمكانية التخلص من مثل هذه الجينات المتنحية في كل سلالة من يحمل الجين، فإذا كان لمثل هذا العلاج أن يصبح رخيصًا وسهلًا فلنا أن نتصور أن يتم التخلص شبه الكامل من مثل هذه الجينات في عشائر بأكملها.
أما الاعتراض الثاني على اليوجينيا — القائل إنها كانت تحت رعاية الدولة — فلن يحمل على الأغلب وزنًا كبيرًا في المستقبل. لن نجد إلا قلة من المجتمعات الحديثة ترغب في أن تعود إلى لعبة اليوجينيا. لقد تحركت كل دول الغرب تقريبًا، وبحدَّة، منذ الحرب العالمية الثانية، في اتجاه حمايةٍ أقوى لحقوق الفرد. ويقف في الصدارة حق الفرد في اتخاذ قرارات الإنجاب. لم تعُد فكرة أن تهتم الدولة شرعيًّا بالمصالح الجماعية، مثل صحة المستودع الجيني القومي، تؤخذ على مأخذ الجد. وإنما ترتبط بالعنصرية المهجورة ومواقف النخبويين.
أما اليوجينيا الألطف والأرقُّ التي تبدو على الأفق الآن فستكون قضية خيار شخصي من جانب الأبوين، وليست شيئًا تقوم دولة القهر بإجبارهم عليه. وكما قال أحد المعلِّقين: «تطلَّبت اليوجينيا القديمة الانتخاب المستمر لتربية الأصلح واستبعاد غير الصالح. أما اليوجينيا الجديدة فستسمح من ناحية المبدأ بتحويل كل غير الصالحين إلى أفضل المستويات الوراثية.»
يقوم الآباء الآن بالفعل باتخاذ هذه الخيارات عندما يكتشفون، عن طريق ثقب السَّلى، أن الاحتمال كبير في أن يكون طفلهم منغوليًّا، فيقررون الإجهاض. والأغلب أن تؤدي اليوجينيا الجديدة في المستقبل القريب إلى زيادة الإجهاض وإلى نبذ أجنَّة أكثر. هذا هو السبب في المقاومة العنيفة لهذه التكنولوجيا من قِبل معارضي الإجهاض. لكن هذه اليوجينيا لن تتضمن إكراه البالغين أو تقييد حقوقهم الإنجابية، بل على العكس، فإنها ستوسِّع مجال الخيارات الإنجابية بشكل درامي، فينتهي قلقهم من العقم وعيوب الولادة وثلَّة غير هذين من المشاكل. ثم إن لنا أن نتوقع زمنًا تكون فيه تكنولوجيا التكاثر آمنةً وفعالة، فلا يُنبذ جنين أو يؤذى.
إنني أفضِّل أن نُسقط استخدام مصطلح اليوجينيا المثقل عندما يتصل الأمر بالهندسة الوراثية في المستقبل، وأن نستبدل به مصطلح تربية، وهذه الكلمة تعادل كلمة زوختونج الألمانية التي استُخدمت أصلًا ترجمةً لمصطلح الانتخاب عند داروين، فقد يمكننا في المستقبل أن نربِّي بشرًا مثلما نربِّي الحيوانات وإنما بصورةٍ أكثر علميةً وفعاليةً باختيار الجينات التي ستمرَّر إلى أطفالنا. لا يحمل مصطلح تربية إيماءات ضرورية برعاية الدولة، لكنه يوحي وبشكل لائق بقدرة الهندسة الوراثية على الحيونة.
لا يجب إذن أن نُعلِّق أية قضية تُثار ضد الهندسة الوراثية البشرية على شجب رعاية الدولة أو احتمالات الإكراه الحكومي. تبقى اليوجينيا العتيقة مشكلةً في الدول الفاشستية مثل الصين، وقد تُسبب متاعب في السياسة الخارجية لدول الغرب التي تتعامل مع الصين. لكن سيكون على معارضي تربية بشرٍ جددٍ أن يبحثوا عن أضرار قد تنتج بسبب القرارات الاختيارية لكل والدين بالنسبة للتركيب الوراثي لأبنائهما.
هناك أساسًا ثلاث فئات من الاعتراضات المحتملة: (١) تلك المبنية على الدين. (٢) تلك المبنية على اعتبارات نفعية. (٣) تلك المبنية على المبادئ الفلسفية (فليس ثمة مصطلح أفضل). يتعامل بقية هذا الفصل مع أول فئتين من التحفظات، بينما يتعامل الجزء الثاني من هذا الكتاب مع القضايا الفلسفية.
الاعتبارات الدينية
يوفر الدين أوضح الدوافع للاعتراض على هندسة البشر وراثيًّا؛ لذا فليس من المستغرب أن تأتي معظم المعارضة ضد تكنولوجيات التكاثر الجديدة عن أناس لهم اقتناعات دينية.
يشترك اليهود والمسيحيون والمسلمون في ناموسٍ يقول إن الإنسان قد خُلق على صورة الإله. لهذا تضميناته الهامة بالنسبة لنبالة الإنسان عند المسيحيين على وجه الخصوص. هناك تمييز صارم بين خلق الإنسان وخلق غيره من الكائنات؛ للإنسان وحده القدرة على الخيار الأخلاقي وحرية الإرادة والإيمان، قدرة تعطيه مكانة أخلاقية أعلى من بقية الحيوانات. يعمل الإله من خلال الطبيعة ليعطي هذه النتائج، ولهذا فإن انتهاك المعايير الطبيعية — كالإنجاب عن طريق الجنس والعائلة — هو بالتالي انتهاكٌ لمشيئة الرب. صحيح أن المؤسسات المسيحية التاريخية لم تكن تعمل دائمًا وفق هذا المبدأ، لكن العقيدة المسيحية تؤكد مشدِّدةً على أن لكل البشر نفس النبالة، بغض النظر عن الوضع الاجتماعي الظاهري، ومن ثم فهم جميعًا مؤهلون للمساواة في الاحترام.
مع هذه المقومات المنطقية لم يكن من المستغرب أن تتخذ الكنيسة الكاثوليكية والجماعات البروتستنتية المحافظة مواقف متشددة ضد مجالٍ عريض من التكنولوجيات البيوطبية. مثل تحديد النسل، والإخصاب خارج الجسد، والإجهاض وبحوث الخلايا الجذعية والاستنساخ والصور المتوقعة من الهندسة الوراثية. تكنولوجيات التكاثر هذه، حتى لو تقبَّلها الآباء طوعًا لحبِّهم لأبنائهم هي تكنولوجيات خاطئة من هذا المنظور لأنها تضع البشر في مكان الإله في تخليق حياة بشرية (أو تحطيمها، في حالة الإجهاض). هي تسمح للتكاثر بأن يتم خارج نطاق العمليات الطبيعية للجنس والعائلة. كما أن الهندسة الوراثية، فضلًا عن ذلك، لا تنظر إلى الإنسان باعتباره معجزة إلهية وإنما كنتيجة لسلسلة من الأسباب المادية يمكن للإنسان أن يفهمها وأن ينابلها. وكل هذا لا يحترم نبالة الإنسان، ومن ثم فهو ينتهك مشيئة الرب.
كثيرًا ما يُفترض أن الدين هو الأساس الأوحد لمعارضة البيوتكنولوجيا، وأن القضية المحورية هي قضية الإجهاض. يرجع هذا إلى أن الجماعات المسيحية المتشددة هي أكثر الجماعات اتقادًا ووضوحًا في معارضة الكثير من صور تكنولوجيا التكاثر. صحيح أن بعض العلماء — مثل فرانسيس كولينز، عالم البيولوجيا الجزيئية الشهير الذي ترأَّس مشروع الجينوم البشري منذ عام ١٩٩٣م — مسيحيون متمسكون بدينهم، لكن الغالبية العظمى ليست كذلك.
تشيع بين هذه الفئة الأخيرة رؤية تقول إن الإيمان الديني ليس إلا نوعًا من التحامل اللاعقلاني يقف في وجه التقدم العلمي. يرى البعض أن العقيدة الدينية والبحث العلمي متعارضان، بينما يأمل البعض أن يؤدي التعليم الأفضل والمعرفة العلمية إلى ذبول المعارضة الدينية للبحوث البيوطبية.
وهذه الآراء الأخيرة مشْكلة لعدة أسباب. أولها أن هناك حججًا كثيرةً لا علاقة لها بالدين تشكك في الفوائد العملية والأخلاقية للبيوتكنولوجيا، سيحاول الجزء الثاني من هذا الكتاب تفصيلها. إنما يوفر الدين أكثر البواعث استقامةً لمعارضة تكنولوجيات جديدة معيَّنة.
وثانيها أن الدين كثيرًا ما يَحْدِس حقائق أخلاقية شائعة بين غير المتدينين، الذين لا يعرفون أن رؤاهم الدنيوية بشأن القضايا الأخلاقية هي مسألة إيمان، تمامًا كالإيمان الديني للكثيرين من العلماء الطبيعيين، مثلًا، تفهُّمٌ مادي عقلاني للعالم، لكنهم يلتزمون في رؤاهم السياسية والأخلاقية بصورة من المساواة الليبرالية لا تختلف إطلاقًا عن النظرة المسيحية العامة للنبالة البشرية. وكما سيرد فيما بعد، ليس من الواضح أن ما تتطلبه المساواتية الليبرالية من المساواة في احترام البشر إنما ينبع منطقيًّا من تفهُّم علمي للعالم — ولا يلزم أن يكون موضوع إيمان.
وثالثها أن الفكرة القائلة إن الدين سيقود بالضرورة إلى العقلانية العلمية مع تقدم التعليم والتحديث على وجه العموم، هي فكرة ساذجة لحد بعيد ومنفصلة عن الواقع العملي. كان الكثيرون من علماء الاجتماع، منذ جيلين، يعتقدون أن التحديث بالضرورة يعني العلمنة. لكن هذا النموذج لم يُتَّبع إلا في غرب أوروبا؛ لم تشهد أمريكا الشمالية أو آسيا تدهورًا محتومًا في التدين مع ارتفاع مستويات التعليم والوعي العلمي. استُبدل بالإيمان بالدين التقليدي في بعض الحالات، إيمان بإيديولوجيات دنيوية مثل الاشتراكية العلمية — وليس فيها من العقلانية أكثر مما في الدين. وفي حالات أخرى كان ثمة انبعاث قوي للدين التقليدي ذاته. ولقد اتضح أن قدرة المجتمعات العصرية على تحرير أنفسها من تقدير السلطة لماهيتهم ولطريقهم الذي فيه يمضون هذه القدرة هي أمر أصعب مما يفترض الكثيرون من العلماء. ولا هو واضح ما إذا كانت مثل هذه المجتمعات ستصبح بالضرورة أفضل حالًا دون مثل هذه التقديرات. فإذا وضعنا في الاعتبار حقيقة أنه ليس من المحتمل أن يختفي المتدينون في الديمقراطيات الحديثة من المشهد السياسي في المستقبل القريب، فليس أمام غير المتدينين إلا أن يقبلوا ما تمليه التعددية الديمقراطية، وأن يظهروا تسامحًا أكبر مع الرؤى الدينية.
من ناحية أخرى فإن الكثيرين من المتدينين المحافظين يُفسدون قضيتهم بالسماح لموضوع الإجهاض بأن يطغى على كل ما عداه من اعتبارات في البحث البيوطبي. لقد جاء تقييد التمويل الفيدرالي لبحوث الخلايا الجذعية على أيدي معارضي الإجهاض في الكونجرس عام ١٩٩٥م، لمنع إيذاء الأجنَّة. لكن الأجنَّة تؤذى روتينيًّا في عيادات الإخصاب في الأنبوب عندما تُنبذ — وهذا إجراء تركه معارضو الإجهاض، راضين حتى الآن. طوَّرت المعاهد القومية للصحة إرشادات لإجراء البحوث في هذا المجال الواعد حقًّا دون مجازفة بزيادة عدد ما يجرى من إجهاضات بالولايات المتحدة. تقضي هذه الإرشادات بضرورة ألَّا تكون الخلايا الجذعية الجنينية مأخوذة من أجنَّة مجهَضة أو أجنَّة خُلقت خصوصًا للأغراض البحثية. وإنما من أجنَّة إضافية تُنتج كمنتَج ثانوي في حالات الإخصاب في الأنبوب — تلك الأجنَّة التي كان مصيرها إلى النبذ أو التخزين إلى ما لا نهاية إذا لم تُستخدم بهذا الأسلوب. حوَّر الرئيس جورج دبليو بوش هذه الإرشادات عام ٢٠٠١م بأن قصَر التمويل الفيدرالي على الستين (أو نحو ذلك) من خطوط الخلايا الموجودة بالفعل (الخطوط التي عُزلت بالفعل والتي يمكن أن تتضاعف بلا حدود). وكما أشار تشارلس كراوتهامر فإن المحافظين المتدينين قد ركَّزوا على القضية الخطأ بالنسبة للخلايا الجذعية. لم يكن لهم أن يقلقوا بشأن مصدر هذه الخلايا وإنما حول مصيرها الأخير: «إن المسوخ التي سنتمكن قريبًا من تخليقها هي ما يجب أن نتريث أمامه في البحوث التي تكبِّل القدرة الخيالية للخلايا البدائية فلا تتطور إلى أعضاء كاملة بل وحتى كائنات كاملة.»
يوفر الدين أوضح الأسس لمعارضة بعض صور البيوتكنولوجيا، لكن حججه لن تقنع الكثيرين ممن لا يقبلون مقدماته الأولى. علينا إذن أن نتفحص أنماطًا أخرى من الحجج أكثر دنيوية.
هموم النفعيين
بالنفعية أعني الاعتبارات الاقتصادية في المقام الأول — أن التقدم البيوتكنولوجي في المستقبل قد يكلفنا ثمنًا غير متوقع أو نتائج سلبية طويلة الأجل ربما تفوق منافعها المفترضة. كثيرًا ما تكون أضرار البيوتكنولوجيا من المنظور الديني غير متوقعة (تهديد النبالة البشرية مثلًا الذي تتضمنه المنابلة الوراثية). وفي المقابل سنجد أن الأضرار عند النفعيين أكثر وضوحًا، لأنها تتعامل إما مع الحسابات الاقتصادية أو مع التكاليف الواضحة لرفاهة الجسد.
يوفر علم الاقتصاد الحديث إطارًا مباشرًا لتحليل ما إذا كانت التكنولوجيا مفيدة أو غير مفيدة من وجهة نظر النفعيين. نفترض أن الفرد في اقتصاديات السوق يسعى إلى مصالحه الخاصة بطريقة عقلانية ترتكز على مجاميع من الخيارات الذاتية ليس للاقتصادي الحكم عليها. الأفراد أحرار في أن يختاروا ما يشاءون ما دام هذا لا يتدخل في ممارسة الآخرين لنفس الحرية. مهمة الحكومة هي التوفيق بين هذه المصالح الفردية عن طريق سلسلة من الإجراءات غير المتحيزة يفرضها القانون. ولنا أيضًا أن نضيف الفرض بأن الآباء لن يسعَوا عامدين إلى إيذاء أبنائهم، بل إنهم سيحاولون زيادة سعادتهم. أو كما قالت الكاتبة فيرجينيا بوستريل المؤيِّدة لمذهب حرية الإرادة: «يحب الناس أن تتطور التكنولوجيا الوراثية لأنهم يتوقعون أن ينتفعوا بها هم أنفسهم أو أن يساعدوا أنفسهم وأبناءهم على العمل وعلى حفظ إنسانيتهم … وفي نظام دينامي لا مركزي للخيارات والمسئولية الفردية ليس على الناس أن يلجئوا إلى أية سلطة سوى سلطتهم.»
فإذا افترضنا أن استخدام البيوتكنولوجيات الجديدة — ومنها تكنولوجيات كالهندسة الوراثية — لن يكون إلا بموجب اختيار فردي من قبل الآباء ولم تفرضه الدولة قسرًا، أمن الممكن أن تكون نتيجته هي الإضرار بالفرد أو بالمجتمع ككل؟
أما أوضح أنماط الأذى فهو ما نعرفه جيدًا من عالم الطب التقليدي: الآثار الجانبية وغيرها من العواقب السلبية الطويلة الأمد التي تصيب من يخضع للعلاج. أنشئت مصلحة الغذاء والدواء وغيرها من الأجهزة المنظِّمة بهدف منع مثل هذه الصُّور من الأذى عن طريق إجراء الاختبارات المكثَّفة للعقاقير وللإجراءات الطبية قبل نزولها إلى السوق.
هناك من الأسباب ما يستدعي أن نتصور أن العلاجات الوراثية في المستقبل — لا سيما تلك التي تستهدف الخط الجرثومي — ستثير تحديات تنظيمية أصعب جوهريًّا مما خبرَتْه المستحضرات الصيدلية التقليدية حتى الآن. أما السبب، فهو أننا إذا ما تخطينا علل الجين الواحد البسيطة نسبيًّا، إلى السلوك الذي يتأثر بالعديد من الجينات، فإن التفاعل بين الجينات سيغدو معقَّدًا غاية التعقيد كما سيصعب التنبؤ به (انظر الفصل الخامس). تذكَّر الفأر الذي عُزِّز ذكاؤه وراثيًّا على يد بيولوجي الأعصاب جو تسين. لقد شعر الفأر نتيجةً لذلك، على ما يبدو، بآلام أفظع. فإذا تذكَّرنا أن جينات كثيرة تعبِّر عن نفسها في مراحل مختلفة من الحياة، فإن الأمر سيتطلب سنينًا قبل أن تتضح العواقب الكاملة لأي منابلة وراثية.
تقول النظرية الاقتصادية إن الضرر الاجتماعي قد يظهر في جملته، فقط إذا كانت الخيارات الفردية تؤدي إلى ما سمِّي البرَّانيات السلبية — نعني التكاليف التي يتحملها طرف ثالث لم يشترك في الصفقة. فعلى سبيل المثال قد تستفيد شركة إذا هي ألقت نفاياتها في النهر، لكن هذا قد يؤذي أفرادًا آخرين في المجتمع. ولقد أثيرت قضية كهذه حول ذُرة بي تي: فهي تُنتج سمًّا يقتل آفة ثاقبات الذرة الأوروبية، لكنه قد يقتل أيضًا فراشة الملكة (هذه التهمة على ما يبدو ليست صحيحة). القضية هي: هل هناك حالات تقود فيها الخيارات الفردية في حقل البيوتكنولوجيا إلى برَّانيات سلبية، فتؤدي بالمجتمع ككل إلى حال أسوأ؟
إن مَن تُجرى عليهم التحويرات الوراثية من الأطفال — دون موافقتهم، بالطبع — هم أوضح مثال لفئةٍ تُصاب بالضرر كطرف ثالث. يفترض قانون العائلة المعاصر وحدة المصلحة بين الآباء والأبناء، ومن ثم يعطي الوالدين مهلةً طويلة لتنشئة وتعليم النسل. يجادل مؤيدو مذهب الحرية بأنه لما كانت الغالبية العظمى من الآباء لا يودُّون إلا الخير لأطفالهم، فإن هناك نوعًا من الموافقة الضمنية من ناحية الأطفال. فهم من سيستفيد من الذكاء الأعلى والطَّلعة البهية وغير ذلك من الخصائص الوراثية المرغوبة. على أن لنا أن نتصور حالات وحالات تكون فيها خيارات إنجابية مفيدة للكبار ولكنها تسبب الأذى لأطفالهم.
صحيح سياسيًّا
الكثير من الخصائص التي يود الوالد أن يُضيفها على طفله، له علاقة بالعوامل الخفية للشخصية، وهي عوامل فوائدها ليست في وضوح الطلعة أو الذكاء. قد يقع الآباء تحت سيطرة بدعة معاصرة أو انحياز ثقافي أو استقامة سياسية بسيطة: فقد يفضل جيلٌ النحيلات، أو الصبيان سلسي القياد، أو الأطفال ذوي الشعر الأحمر. وهذه خيارات قد يرفضها الجيل التالي. ولقد نجادل بأن للآباء بالفعل الحرية في أن يخطئوا بحق أبنائهم، وبأنهم يفعلون ذلك طيلة الوقت إذ يسيئون تعليمهم أو يفرضون عليهم قيمهم الخاصة الغريبة. لكن الطفل يستطيع إذا رباه والداه بطريقة معينة أن يتمرد. أما التحوير الوراثي فهو أشبه ما يكون بأن تَشِمَ نفسك بوشمٍ لا يمكنها أبدًا أن تُزيله، ثم يكون عليها أن تُسلمه ليس فقط لأبنائها، إنما لكل من يلي من سُلَّانها.
يمكن للآباء بسهولة أن يتخذوا القرارات الخطأ بشأن أهم مصالح أبنائهم، لأنهم يعتمدون على نصيحة من علماء وأطباء لهم أجندتهم الخاصة. تشيع كثيرًا نزعة التحكم في الطبيعة البشرية بدافع الطموح البسيط أو على أساس فروض إيديولوجية عمَّا يجب أن تكون عليه صورة الناس.
يحكي الصحفي جون كولابنتو في كتابه «كما صنعته الطبيعة» قصة تقطع القلب عن صبي اسمه دافيد رايمر أصيب بمحنة مزدوجة: إذ كُوي قضيبه وهو طفل عن قصدٍ أثناء عملية ختان غير متقَنة. ثم وقع تحت إشراف جون موني، أخصائي الجنس الشهير بجامعة جون هوبكنز. كان لهذا الأخير موقف متطرف في قضية الطبع ضد التطبع، فقد ظل يؤكد طيلة حياته العلمية أن هوية الجندر ليست طبيعية وإنما هي تتشكل بعد الولادة. أتاح دافيد رايمر لموني فرصة اختبار نظريته. فقد كان أحد توأمين متطابقين، ومن ثم يمكن مقارنته بتوأمه الذي يطابقه وراثيًّا. وبعد حادثة الختان، ترك موني الصبيَّ يُخصى وراقب نموَّه إلى بنتٍ اسمها بريندا.
بعد أن أدرجت بريندا اسمها في فرقة المرشدات، كانت تعيسة. يقول دافيد: أذكر أنني كنت أغزل عقودًا من أزهار الأقحوان. وأفكر، إذا كان هذا هو الأكثر إثارة في فرقة المرشدات، فلتصرف النظر. بقيت أفكر في صور اللهو التي كان أخي يتمتع بها مع أقرانه. كانت بريندا ترفض أن تلعب بما يقدَّم إليها من دُمًى في الكريسماس وفي أعياد الميلاد: ماذا تستطيع أن تفعل بدمية؟ كذا يقول دافيد اليوم، وقد شُحن صوته بما عاد إلى ذهنه من إحباط. أنت تنظر إليها، تكسوها بالملابس، تمشط شعرها. شيء مضجر! العربة … يمكنك أن تقودها إلى مكان ما. أن تتنقل. العربات هي ما كنت أريد.
أحدثت محاولة تخليق هوية جندر جديد فوضى عاطفيةً شديدة، حتى إن بريندا، عندما وصلت سن البلوغ أفلتت من قبضة موني، وأعادت تغيير جنسها بأن ركَّبت قضيبًا، وأصبح دافيد رايمر رجلًا متزوجًا وسعيدًا.
في أيامنا هذه ازداد تفهُّمنا لموضوع أن التمايز الجنسي يبدأ قبل الولادة بكثير، وأن مخاخ ذكور البشر (وحيوانات أخرى) تجتاز في الرحم عملية تذكير عندما تتلقى حمامًا من تستسترون ما قبل الولادة. أما ما يستحق الذكر في هذه القصة فهو أن موني قد تمكَّن أن يؤكد في أوراقه العلمية، ولفترة بلغت نحو ١٥ سنة، أنه قد نجح في تغيير الهوية الجنسية لبريندا إلى هوية أنثى، في حين أن الواقع كان على العكس من ذلك تمامًا. ذاع صيت موني كثيرًا بسبب بحثه هذا. وكانت كيت ميلِّيت قد رحبت في كتابها «السياسات الجنسية» بهذه النتائج المزورة، كما رحبت بها أيضًا جريدة النيويورك تايمز، كما دخلت إلى العديد من كتب المراجع، كان من بينها كتاب استشهد بالبحث ليثبت أنه من الممكن بسهولة أن يربَّى الطفل على أنه من الجنس الآخر. أما القلة من الفروق الجنسية الخلقية التي تبقى بالبشر فهي ليست واضحة المعالم ويمكن تجاوزها بالمعرفة الثقافية.
تصلح قضية دافيد رايمر نذيرًا للاستعمالات التي قد تجر إليها البيوتكنولوجيا في المستقبل. لقد انساق الأبوان وراء حبهما لطفلهما ويأسهما مما لاقاه من بلية، فوافقا على إجراء العملية الرهيبة ليشعرا بعد سنين بما اقترفاه من جرم كبير. أما موني فقد كان دافعه مزيج من الغرور العلمي والطموح والرغبة في إحراز نجاح إيديولوجي. وهذه خصائص قادتْه إلى أن يُغفل الشواهد المضادة، ليعمل مباشرة ضد مصلحة مريضه.
المعايير الثقافية هي الأخرى قد تقود الآباء إلى خيارات تضر بأبنائهم. ولقد ألمعنا فيما سبق إلى مثال، هو استخدام الصونوجرام والإجهاض في آسيا لانتخاب جنس الوليد. فإنجاب ابنٍ في الكثير من الثقافات الآسيوية يفيض مزايا صريحة على الأبوين من حيث الهيبة الاجتماعية والأمان في الشيخوخة. لكن هذا سيضير البنات اللواتي لن يُولدن. والنسبة الجنسية المنحرفة تضير الذكور أيضًا كجماعة، إذ تجعل من العثور على الرفيقة الملائمة أمرًا صعبًا، كما تُضعف موقفهم التفاوضي أمام الإناث في سوق الزواج. وإذا ما كان للعزاب من الذكور مستويات من العنف والجريمة أعلى، فسيُقاسي المجتمع ككل.
فإذا تركنا تكنولوجيا الإنجاب وغيرها من الصور البيوطبية، فهناك أنماط من البرَّانيات السلبية قد تنشأ عن القرارات الفردية المنطقية. منها قرارات تختص بالشيخوخة وتوقعات إطالة الحياة. فالأفراد معظمهم إذا ما كان عليهم أن يختاروا بين الموت وإطالة الحياة عن طريق التدخل العلاجي، فإنهم يختارون إطالة العمر، حتى لو انخفض تمتُّعهم بالحياة — بدرجات متفاوتة — نتيجة للعلاج. فإذا اختار عدد كبير من الناس مثلًا أن يمدوا من أعمارهم عشر سنين إضافية على حساب — قل مثلًا انخفاض قدرتهم على الأداء بنسبة ٣٠٪، فسيكون على المجتمع ككل أن يدفع الكثير لإبقائهم أحياء. هذا في الواقع ما قد بدأ يحدث في دول كاليابان وإيطاليا وألمانيا حيث تتزايد الشيخوخة في شعوبها. يمكننا أن نتخيل سيناريوهات أكثر كآبة تصبح فيها نسبة المعتمدين على الغير أكثر تطرفًا — الأمر الذي يؤدي إلى تدهور واضح في متوسط مستوى المعيشة.
تقترح مناقشةُ إطالة الحياة التي عرضناها بالفصل الرابع برَّانيات سلبية تمضي لأبعد من تلك الاقتصادية البسيطة. فكبار السن إذ يرفضون التنحي، يؤذون الشباب الذين يأملون في ارتقاء السلم بهيراركيات التدرج العمري. صحيح أن كلًّا منا يرغب في أن يؤجل موته إلى أبعد تاريخ ممكن، لكن الناس على وجه الإجمال قد لا يتمتعون بالحياة في مجتمع يصل وسيط العمر فيه إلى ٨٠ أو ٩٠، حيث يغدو الجنس والتكاثر أنشطةً لا تنشغل بها سوى أقلية ضئيلة من المجتمع، وحيث تُعطَّل الدورة الطبيعية للولادة والنمو والنضج والموت. من بين السيناريوهات المتطرفة، هناك واحد يؤجَّل فيه الموت إلى ما لا نهاية، مما يدفع المجتمعات إلى وضع قيود عسيرة على ما يُسمح به من المواليد. لقد بدأت رعاية المسنين اليوم تزيح رعاية الطفل من وضعها كأمرٍ لانشغال البال بين الناس، ولقد يصبحون في المستقبل وقد استعبدهم جيلان أو ثلاثة أو أكثر من أسلافٍ يحيون عالة عليهم.
هناك نمط آخر هام من البرَّانيات السلبية يرتبط بالطبيعة التنافسية — التي لا رابح فيها من المتنافسين — للكثير من الأنشطة البشرية وخصائصها. الطول يضفي الكثير من المزايا على من يفوقون المتوسط، من ناحية الجاذبية الجنسية والمكانة الاجتماعية والفرص الرياضية وما شابه. لكن هذه المزايا مزايا نسبية فقط: إذا ما أصبح الآباء ينشدون أطفالًا أطول للعب في فريق كرة السلة، فإن هذا سيؤدي إلى سباق تسلُّح لا رابح بين المشتركين فيه.
سيكون هذا صحيحًا حتى بالنسبة لخصائص كالذكاء، الذي كثيرًا ما يؤخذ على أنه أوضح وأهم أهداف التحسين الوراثي. إذا كان متوسط الذكاء مرتفعًا كان المجتمع أكثر ثراءً — هذا بفرض أن الإنتاجية مرتبطة بالذكاء. وقد يثبت أن ما ينشده الكثير من الآباء من مكاسب لأبنائهم هي من نواحٍ أخرى مجرد وهم، لأن فوائد الذكاء الأعلى فوائد نسبية وليست مطلقة. الناس يريدون أطفالًا أذكى حتى يمكن مثلًا أن يُقبلوا بجامعة هارفارد، لكن المنافسة للالتحاق بهذه الجامعة ليس فيها رابح: إذا أصبح ابني أذكى بسبب العلاج بالجينات فالتحق بالجامعة، فسيحتل مكان ابنك. قراري أنا بأن أُنجب ابنًا حسب الطلب، ستدفع أنت ثمنه (أو سيدفعه ابنك). ولن يكون من الواضح على وجه الإجمال إن كان ثمَّة من سيتحول حاله إلى الأفضل. سيضع هذا النوع من سباق التسلح الوراثي حملًا ثقيلًا على من لا يرغبون — لأسباب دينية أو غيرها — أن يحوِّروا أبناءهم وراثيًّا، فإذا كان هناك حولهم من يفعل ذلك، فسيكون من الصعب أن يُحجموا هم، خوفًا على أبنائهم من أن يبدوا متخلفين.
الإذعان للطبيعة
هناك أسباب حكيمة حقًّا للإذعان للنظام الطبيعي للأشياء ولألَّا نفكر في أن يضيف البشر إلى الطبيعة عن طريق تدخُّل سببي. ولقد ثبت أن هذا صحيح بالنسبة للبيئة: فالنظم الإيكولوجية وحدات كاملة مترابطة؛ كثيرًا ما لا نفهم تعقيدها. أن تبني خزانًا أو أن تقوم بزراعة محصول واحد إنما يُفسد علاقات غير مرئية ويدمِّر توازن النظام بطرق غير متوقعة على الإطلاق.
كذا الأمر أيضًا مع الطبيعة البشرية. هناك الكثير من نواحي الطبيعة البشرية التي نعتقد أننا نفهمها جيدًا، أو التي نريد أن نغيرها لو أتيحت لنا الفرصة. لكن التحسين على الطبيعة ليس دائمًا بهذه البساطة؛ قد يكون التطور عمليةً عمياء. لكنها تتبع منطقًا تكيفيًّا صارمًا يجعل الكائنات ملائمة لبيئتها.
من الصحيح سياسيًّا، في أيامنا هذه، أن نستنكر النزعة نحو العنف والعدوانية. مثلًا، وأن نشجب التعطش للدماء الذي قاد فيما مضى من زمان إلى الغزو والمبارزة وما شابه من أنشطة. لكن هناك من الأسباب التطورية الجيدة ما يُبقي على هذه النزعات. إن تفهُّم الطيب والخبيث في الطبيعة البشرية أمرٌ أعقد بكثير مما نتصور؛ لأنهما متشابكان غاية التشابك. تعلَّم البشر عبر التاريخ التطوري أن يتعاونوا حتى يمكنهم أن يتنافسوا — كما قال البيولوجي ريتشارد ألكسندر — نعني أن العدَّة الهائلة من الخصائص الإدراكية والعاطفية التي تمكِّننا من مثل هذه الدرجة الرفيعة من التنظيم الاجتماعي، هذه العدة لم تنشأ عن الصراع ضد البيئة الطبيعية وإنما عن حقيقة أن الجماعات البشرية كانت تصارع بعضها بعضًا. ولقد قاد هذا عبر الزمان التطوري إلى وضعٍ كسباق التسلح، فيه يتسبب التعاون الاجتماعي المتزايد في جماعة، في دفع غيرها من الجماعات إلى التعاون بنفس الطريقة في صراع أبدًا لا ينتهي. تبقى التنافسية والتعاونية البشرية متوازنة في علاقة تكافلية ليس فقط عبر الأزمنة التطورية، وإنما أيضًا في الأفراد وفي المجتمعات البشرية الحقيقية. إننا بكل تأكيد نأمل أن يتعلم البشر أن يعيشوا في سلام في ظروف لا يحدث هذا فيها اليوم، لكن الميزان إذا انحرف كثيرًا عن السلوك العدواني والعنف، فسيُضعف أيضًا الضغوط الانتخابية التي تحابي التعاون. المجتمعات التي لا تعرف أيَّ منافسة أو عدوانية تركد وتعجز عن الإبداع، والأفراد إذا زادت ثقتهم وتعاونهم يُعرضون أنفسهم لهجوم آخرين أكثر دموية.
كذا الأمر أيضًا مع العائلة. لقد ذاع بين الفلاسفة منذ عهد أرسطو أن العائلة تقف عقبةً كأْداء أمام تحقيق العدل الاجتماعي، فالناس — كما يوحي انتخاب الأقارب — يسرعون إلى أن يحبوا عائلاتهم وأقاربهم لحدٍّ أكبر كثيرًا مما يستحقونه موضوعيًّا. فإذا كان ثمَّة تضارب بين أداء واجب لأحد أفراد العائلة وأداء واجب نحو جهة حكومية لا شخصية، جاءت العائلة أولًا. ذاك هو السبب في أن يجادل أفلاطون في كتابه الخامس من «الجمهورية» بأن المدنية العادلة تمامًا تتطلب شيوعية النساء والأطفال بحيث لا يعرف الآباء أبناءهم البيولوجيين، ومن ثمَّ لا يتمكنون من محاباتهم. هذا أيضًا هو السبب في أن تفرض كل مجتمعات سيادة القانون تنظيماتٍ لا حصر لها تمنع المحسوبية والتفضيلية في الخدمات العامة.
ورغم ذلك فإن النزوع إلى حب الأبناء بهذه الدرجة غير المعقولة له منطقه البيولوجي القوي: إذا لم تحب الأم أبناءها بهذه الطريقة فمن يا ترى سينذر موارده المادية والعاطفية اللازمة لتنشئة طفل حتى البلوغ؟ إن الترتيبات العرفية الأخرى، مثل الكوميونات أو منشآت الرفاهة، تعمل — إنما بصورة أدنى كثيرًا — لأنها لا ترتكز على العواطف الطبيعية. ثم إن هناك عدالة عميقة في العملية الطبيعية أن يكون للطفل البغيض أو غير الموهوب والد يحبه على الرغم مما به من مسالب.
يقول البعض أنه حتى لو توفرت لدينا القدرة التكنولوجية على تغيير البشرية بطرق جذرية، فإنه لا يصح أبدًا أن نقوم بذلك، لأن الطبيعة البشرية ذاتها — بمعنى ما — تضمن استمراريتها. هذه الحجة عندي تبخس كثيرًا من دور الطموح. وتعجز عن تقدير الطرق الفطرية التي كان الناس في الماضي يسلكونها للتغلب على طبيعتهم هم. كانت النظم الشيوعية — وتحديدًا بسبب اللامعقولية في الحياة العائلية — تستهدف العائلة كعدو محتمل للدولة. عندما كان الاتحاد السوفييتي يمجِّد من شأن شيطان صغير اسمه بافيل موروزوف — الذي وشى بوالديه السوفييتيين إلى بوليس ستالين في ثلاثينيات القرن الماضي، فإنه كان يحاول بالتحديد تحطيم القبضة التي تحكم بها العائلة — طبيعيًّا — على ولاء الناس. انهمكت الصين الماوية في صراع طويل ضد الكونفوشيوسية وتشديدها على طاعة الآباء. فحرَّضت الأطفال على آبائهم أثناء الثورة الثقافية في ستينيات القرن العشرين.
من المستحيل في المرحلة الحالية أن نعرف مدى الحسم في هذه الحجج النفعية ضد تطويرات معينة في البيوتكنولوجيا. سيتوقف الكثير على ما ستنتهي إليه بالتحديد هذه التكنولوجيات: هل سنتمكَّن من إطالة الحياة دون أن تصطحب معها في نفس الوقت نوعية طيبة من الحياة؟ هل سنطوِّر علاجات وراثية تنتج على نحوٍ غير متوقع آثارًا فظيعة لا تتكشف إلا بعد عشرين عامًا من بدء استخدامها؟
أما النقطة المهمة فهي: علينا أن نتشكك في حجج مؤيدي مذهب حرية الإرادة التي تقول إنه طالما كان للأفراد — لا للدولة — أن يتخذوا خياراتهم اليوجينية، فليس من سببٍ للقلق حول ما قد يحدث من عواقب وخيمة. السوق الحرة تعمل جيدًا معظم الوقت. لكنها قد تفشل أحيانًا؛ مما يستدعي تدخُّل الحكومة للعلاج. البرَّانيات السلبية ببساطة لا تصلح نفسها بنفسها، نحن لا نعرف حتى الآن ما إذا كانت هذه البرَّانيات كبيرة أم صغيرة، لكن لا يجوز لنا أن نهملها باسم السوق والاختيار الشخصي.
حدود النفعية
ربما جادلنا في صفِّ شيء ما أو ضده على أسُس نفعية، لكن لكل الجدل في النهاية حدودًا رئيسية كثيرًا ما يثبت أنها عيب مؤكد. المناقب والمسالب التي ينقلها النفعيون في دفاتر الربح والخسارة كلها مادية ومباشرة ويمكن تحويلها بسهولة إلى مال أو إلى أذًى جسديٍّ يسهل كشفه. يندر أن يأخذ النفعيون في حسابهم المنافع والمضار الخفية التي لا يمكن قياسها بسهولة، أو التي تحصل للروح لا الجسد. من السهل أن نقيم قضيةً ضد عقار كالنيكوتين، فله عواقب طويلة الأمد يسهل التعرف عليها، مثل السرطان وانتفاخ الرئة. لكن الأمر يغدو أصعب إذ نجادل ضد عقاقير، كالبروزاك أو الريتالين، يمكن أن تؤثر في شخصية الفرد أو خلقه.
يصعب على الإطار النفعي أن يشمل الحتميات الأخلاقية، التي قد تبدو نوعًا آخر من التفضيل. يجادل جاري بيكر، الاقتصادي بجامعة شيكاغو — مثلًا — بأن الجريمة نتيجة لحسابات نفعية اقتصادية: إذا ما كانت منافع ارتكاب الجريمة تفوق تكاليفها، فسيرتكب الفرد الجريمة. وعلى الرغم من أن الحساب هو بالفعل ما يحرِّك الكثير من المجرمين، إلا أنه يعني — في إحدى صوره المتطرفة — أن الناس سيرغبون، قل مثلًا، في قتل أطفالهم إذا كان الثمن طيبًا وكان ثمَّة ما يؤكد أنهم لن يتعرضوا لعواقب وخيمة. أما حقيقة أن الغالبية العظمى من الناس أبدًا لن يفكروا في مثل هذا الاقتراح فإنما تشير في الواقع إلى أنهم يعطون لأطفالهم قيمةً لا نهائية، أو إلى أن ما يشعرون به من التزام تجاه الفعل الصحيح لا يتناسب مع أيِّ شكل من أشكال القيم الاقتصادية. هناك من الأشياء ما يعتقد الناس بخطئها الأخلاقي بغضِّ النظر عن المزايا النفعية التي قد تأتي عنها.
ونفس الأمر مع البيوتكنولوجيا. من المنطقي أن نقلق بشأن العواقب غير المقصودة والثمن غير المتوقع، لكن الخوف الأعمق الذي يتملك الناس من التكنولوجيا ليس نفعيًّا على الإطلاق، إنما هو خوف من أن تتسبب البيوتكنولوجيا، في نهاية المطاف، في أن نفقد بشكل ما، إنسانيتنا: نعني سجايا أساسية معيَّنة كانت دائمًا تشكل جزءًا من إحساسنا بماهيتنا وطريقنا، برغم كل ما حدث في ظروف الإنسان من تغيرات جليَّة عبر مسار التاريخ. والأسوأ أننا قد نصنع هذا التغير دون أن ندرك أننا قد فقدنا شيئًا عظيم القيمة. ولقد نظهر إذن على الجانب الآخر من خطٍّ عظيم يفصل ما بين تاريخ الإنسان وتاريخ ما بعد البشر، ثم لا نرى الحاجز الذي انهار، لأننا لا نعرف أيَّ جوهر كان.
تُرى ماذا يكون هذا الجوهر البشري الذي قد نتعرض لفقدانه؟ إنه يتعلق عند المتدين بالعطية أو الومضة الإلهية التي يولد بها كل إنسان. أما من المنظور الدنيوي فهو ما يتعلق بالطبيعة البشرية: الخصائص المميزة لنوعنا والتي يشترك فيها كل إنسان بوصفه إنسانًا. هذا في نهاية المطاف هو الجوهر الذي تهدده الثورة البيوتكنولوجية.
هناك علاقة حميمة بين الطبيعة البشرية وأفكار الإنسان عن الحقوق والعدل والفضيلة. كانت هذه النظرة التي اعتنقها — بين من اعتنقها — الموقِّعون على إعلان الاستقلال. كانوا يؤمنون بوجود حقوق طبيعية؛ نعني حقوقًا تضفيها علينا طبائعنا البشرية.
على أن الرابطة بين حقوق الإنسان والطبيعة البشرية ليست واضحة المعالم، وقد أنكرها بشدةٍ الكثيرون من الفلاسفة العصريين الذين يجزمون بأن الطبيعة البشرية لا وجود لها، وحتى إن وُجدت فلا علاقة لها على الإطلاق بقوانين الصواب والخطأ. أُهمِل مصطلح الحقوق الطبيعية منذ توقيع إعلان الاستقلال. واستُبدل به مصطلح حقوق الإنسان الذي لم ينشأ من نظريةٍ عن الطبيعة.
وظنِّي الخاص هو أن التحول بعيدًا عن أفكار الحقوق المرتكزة على الطبيعة، هو أمرٌ خاطئ إلى أبعد حد، من ناحية الأسس الفلسفية ومن ناحية الاجتهادات الأخلاقية اليومية. إن الطبيعة البشرية هي ما يعطينا الحس الأخلاقي. ويوفر لنا المهارات الاجتماعية للحياة في المجتمع، ويخدم كأرضيةٍ لجدلٍ فلسفي أكثر حنكة عن الحقوق والعدل والفضيلة. إن ما يتهدده الخطر في نهاية الأمر ليس مجرد بضعة حسابات نفعية للربح والخسارة تتعلق بمستقبل التكنولوجيات الطبية، وإنما أساس الحس الأخلاقي البشري — وكان من الثوابت منذ ظهر الإنسان. ولقد يكون الأمر هو ما توقعه نيتشه من أن قدرنا هو أن نمضي إلى ما هو أبعد من الحس الأخلاقي. وإذا ما كان الأمر كذلك، فعلينا أن نقبل صراحةً عواقب هجر المعايير الطبيعية للصواب والخطأ، وأن ندرك — مثل نيتشه — أن هذا قد يقودنا إلى مناطق لا يحب الكثيرون منا ارتيادها.
ولكي نفحص هذه الأرض المجهولة، يلزم أن نفهم النظريات الحديثة عن الحقوق، والدور الذي تلعبه الطبيعة البشرية في نظامنا السياسي.