الفصل السابع

حقوق الإنسان

إن مصطلحًا مثل حرمة يُذكرني بحقوق الإنسان. مَن أعطى الكلب حقًّا؟ أصبحت كلمة حق هذه خطرة للغاية. لدينا حقوق المرأة، حقوق الطفل … ويستمر الأمر لا ينتهي. ثم هناك حق السمندل وحق الضفدعة. لقد وصل الأمر إلى حد السخف.
أود لو أكفُّ عن قولي حقوق وحرمة. أفضِّل أن أقول إن الإنسان له حاجات، وإن علينا — ككائن اجتماعي — أن نستجيب إلى حاجات الإنسان — كالغذاء أو التعليم أو الصحة — هذا هو الطريق الذي يجب أن نسلكه. أما أن نحاول أن نعطيه معنًى أكبر بطريقة شبه غامضة فهذا ما نتركه لستيفن سبيلبرج وأمثاله. إن هذا المصطلح مجرد رعدة بسيطة، هناك في السحاب — أعني أنه زبالة.
جيمس واطسون

ربما كان لنا أن نلتمس العذر لجيمس واطسون، حامل نوبل ومكتشف تركيب الدنا وأحد الشخصيات الشاهقة لعلوم القرن العشرين، إذا وجدناه بَرِمًا بعض الشيء إذا ما دخلت كلمة «حقوق» في الحديث عن علم الوراثة والبيولوجيا الجزيئية. اشتهر جيمس واطسون بحدة الطبع وبتعليقاته التي كثيرًا ما تكون غير حذرة وخاطئة سياسيًّا؛ هو على أية حال عالم عنيد وليس من المؤلفين التافهين في مواضيع السياسة والاجتماع. وفضلًا عن ذلك فقد كان على حقٍّ في ملاحظته المراحيضية عن حديث «الحقوق» المعاصر. تُذكرنا ملاحظته بكلمات فيلسوف النفعية جيريمي بنتهام صاحب التعليق المشهور بأن تأكيد الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن على أن الحقوق لا يجوز انتهاكها هو مجرد هراء يمشي على رجلين خشبيتين.

غير أن المشكلة لا تنتهي هنا، فليس لنا في النهاية أن نستغني عن المناقشة الجادة للحقوق لنتحدث فقط عن الحاجات والمصالح. إن الحقوق هي أساس نظامنا الديمقراطي الليبرالي، وهي المفتاح إلى التفكير المعاصر عن الأخلاق والقضايا الاجتماعية، وأي نقاش جاد يدور حول حقوق الإنسان لا بد في آخر المطاف أن يرتكز على نوع من التفهم لغايات الإنسان أو أهدافه — التي بدورها لا بد أن تستند في الأغلب الأعم على مفهوم للطبيعة البشرية. هنا يصبح مجال واطسون (البيولوجيا) وثيق الصلة بالموضوع، لأن علوم الحياة قد أخذت في السنين الأخيرة تضيف الكثير من الاكتشافات الهامة حول الطبيعة البشرية. وعلى قدر ما يرغب رجال العلوم الطبيعية في أن يقيموا حاجزًا منيعًا (سورًا صينيًّا) يفصل ما بين مصطلح «ما هو كائن» الطبيعي الذي نصادفه في الحديث عن الحقوق، وبين مصطلح «ما يلزم أن يكون» الاجتماعي السياسي الذي يظهر عند الحديث عن الحقوق، فإن هذا في نهاية الأمر ليس سوى مراوغة. كلما ازداد قدْر ما يخبرنا به العلم عن الطبيعة البشرية، ازدادت التضمينات حول حقوق الإنسان، ومن ثم عن تصميم المؤسسات والسياسات العامة التي تحمي هذه الحقوق. تقترح هذه النتائج — بين ما تقترح — أن المؤسسات الرأسمالية الليبرالية الديمقراطية المعاصرة كانت ناجحة. لأنها بنيت على فروض عن الطبيعة البشرية أكثر واقعية من فروض منافسيها.

حديث الحقوق

ترعرعت صناعة الحقوق عبر الجيل الماضي بسرعة رهيبة. فبالإضافة إلى حقوق الحيوان وحقوق المرأة وحقوق الطفل المذكورة آنفًا، ظهرت حقوق الشواذ جنسيًّا وحقوق المعاق والعاجز، وحقوق الشعوب الأصلية، والحق في الحياة، والحق في الموت، وحقوق المتهم وحقوق الضحية، بجانب الحق الشهير بالإجازة الدورية الذي ظهر بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان. كان قانون حقوق المواطن بالولايات المتحدة واضحًا بما فيه الكفاية في سرد مجموعة خاصة من الحقوق الأساسية يتمتع بها كل مواطن أمريكي. ثم ابتكرت محكمة النقض والإبرام في عام ١٩٧١م — في قضية دو ضد ويد — حقًّا جديدًا تمامًا يرتكز على نتائج توصَّل إليها القاضي دوجلاس عن حق للإجهاض، هو «انبثاقٌ» من حقٍّ مبهمٍ في مثل إبهام حق الخصوصية بالحكم السابق بقضية جريزوولد ضد كونيكتيكت. طلع علينا الفقيه الدستوري رونالد دفوركين في كتابه ملكية الحياة بحجة أكثر غرابة: لمَّا كان الإجهاض قرارًا حياتيًّا جوهريًّا يعادل اتخاذ التزام ديني، فسينتهي الأمر إلى أن حق الإجهاض من البداية كان مما يحميه ضمان التعديل الأول للحرية الدينية.

يصبح الوضع أكثر تشوشًا عندما يتحول الجدل حول الحقوق إلى قضايا مستقبلية مثل التكنولوجيا الوراثية. يجادل عالم الأخلاقيات البيولوجية جون روبرتسون، على سبيل المثال، بأن للأفراد حقًّا أساسيًّا فيما أسماه حرية التناسل، التي تضمن للفرد الحق في الإنجاب بجانب الحق في عدم الإنجاب (بما في ذلك، إذن، الحق في الإجهاض). لكن الحق في الإنجاب لا يقتصر على التكاثر عن طريق الجماع (نعني عن طريق الاتصال الجنسي)، كما أنه ينطبق عمليًّا على التكاثر عن غير طريق الجماع، مثل الإخصاب في الأنبوب. ولقد اتضح أن نفس هذا الحق يحمي اختبار الجودة، ومن هنا فمن الواجب أن يُحمى، كجزء من حرية التناسل: الفرز الوراثي، والإجهاض الانتقائي، وأيضًا الحق في اختيار القرين أو القرينة والمصدر المانح للبويضات والحيامن والأجنَّة. ولقد يُدهش الكثيرون إذ يعرفون أن لهم حقًّا أساسيًّا في أن يفعلوا شيئًا لم يصبح بعدُ ممكنًا تكنولوجيًّا، لكن، هكذا الطبيعة الرائعة المرونة لحديث الحقوق المعاصر.

اقترح رونالد دفوركين، من ناحية، ما يرقى إلى حق هندسة البشر وراثيًّا — من قبل العلماء قبل الأبوين. افترض مبدأين للفردية الأخلاقية هما الأساس إلى المجتمع الليبرالي — الأول هو أن تنجح الحياة الفردية لا أن تُبدَّد، والثاني أنه على الرغم من أن لكل حياةٍ نفس الأهمية، فإن مسئولية مآل الحياة تقع على صاحبها. على هذا الأساس يجادل بأنه إذا كان اتخاذ دور الإله يعني الصراع لتحسين ما قام به الإله عامدًا، أو ما قامت به الطبيعة على نحو أعمى، من تطورٍ عبر الدهور، فإن المبدأ الأول للفردية الأخلاقية هو ما يقود الصراع، أما المبدأ الثاني فيمنع العلماء والأطباء — في غياب أي شاهد إيجابي على الخطر — من توجيه الصراع.

في وجود كل هذا التشوش حول ما يشكِّل الحق ومن أين تنبع الحقوق، لماذا لا نتبع نصيحة جيمس واطسون ونترك الحديث عن الحقوق كلِّيةً، ونتحدث فقط عن حاجات الإنسان أو مصالحه؟ يميل الشعب الأمريكي أكثر من غيره إلى أن يدمج الحقوق في المصالح. إن تحويل كل رغبة إلى حق لا تقيده مصالح الجماعة، إنما يزيد من جمود الخطاب السياسي. المناقشات بالولايات المتحدة حول البورنوغرافيا أو حول مراقبة حمل السلاح، ستبدو أقل قانونيةً إذا ما تحدثنا عن مصالح «البورنوغرافيين»، لا عن حقهم الأساسي في حرية القول، الذي يوفره لهم التعديل الأول، أو عن حاجة حاملي السلاح الهجومي، لا عن حقهم المقدس في حمل السلاح، الذي يوفره لهم التعديل الثاني.

ضرورة الحقوق

لماذا إذن لا نهجر كلِّيةً ما أطلقت عليه المنظِّرة القانونية ماري آن جليندون اسم حديث الحقوق؟ إن السبب في أنَّا لا نستطيع ذلك — لا نظريًّا ولا عمليًّا — هو أن لغة الحقوق قد أصبحت في عالمنا المعاصر هي المعجم المفهوم الواسع الانتشار الذي نملكه عند الحديث عن خير البشر وغاياتهم — وبوجه خاص عن الخير والغايات التي تشكل مادة السياسة. لم يستخدم الفلاسفة الكلاسيكيون السياسيون، مثل أفلاطون وأرسطو، لغة الحقوق، هم تحدَّثوا عن خير البشر وسعادتهم وما يحتاجه بلوغهما من فضائل ومن واجبات. استخدامنا الحديث لمصطلح الحقوق أفقر كثيرًا، لأنه لا يتضمن مجال الغايات البشرية الأسمى التي تخيَّلها الفلاسفة الكلاسيكيون. لكنه أيضًا أكثر ديمقراطية وأكثر شمولًا وأسهل استيعابًا. إن الصراعات العنيفة حول الحقوق منذ الثورة الأمريكية والثورة الفرنسية هي الشهادة على البروز السياسي لهذا المفهوم. تنطوي كلمة حقٍّ بداهةً على حكمٍ أخلاقي، وهي مدخلنا الرئيسي إلى الجدال حول طبيعة العدالة وإلى الغايات التي نعتبرها جوهرية بالنسبة للبشرية.

كان واطسون في الواقع يؤيد المنهج النفعي عندما نصح بأن نحاول أن نُشبع حاجات الإنسان ومصالحه دون الإحالة إلى الحقوق. لكن هذا يصطدم بالمشكلة النمطية للنفعية: قضية الأولويات والعدالة عندما تتعارض الحاجات مع المصالح. القائد القوي العظيم للمجتمع مريضٌ يحتاج إلى كبدٍ جديد بسبب مشاكله مع الخمر؛ أنا مريض فقير في أيامي الأخيرة أرقد بمستشفًى عام، وأعيش على الإعانة، لكن كبدي سليم. إن أي حسابات نفعية بسيطة تهدف إلى إشباع حاجات الإنسان ستقضي بأن تُوقَف الإعانة حتى يمكن أن يُستخدم كبدي في إنقاذ الزعيم العظيم والشعب الذي يعتمد عليه. لكنا لن نجد مجتمعًا ليبراليًّا يسمح بحدوث هذا. ثمة رؤية إذن تقول إن للأبرياء حقًّا في ألا يُحرموا كرهًا من الحياة، أيًّا كان ما سيُشبَع من حاجاتٍ نتيجة لذلك.

دعنا نتأمل مثالًا آخر أقل ظُرفًا لنوضح حدود النفعية. من بين النواحي الأقل تحريكًا للشهية في سلسلة الطعام المعاصرة — والتي عادةً ما تُخفَى عن نظر مستهلكي الطعام — هناك عملية الاستخلاص. كلُّ ما نأكله من لحوم ودواجن وخنازير وحملان، وغير هذه من الحيوانات، تُذبح بالطبع، ثم تُحوَّل إلى هامبورجر ومشويات وسندويتشات لحم دجاج، وما شابه. بعد أن تُصنع الأجزاء المأكولة يبقى في كلِّ عام قدرٌ هائل من وزن الذبائح — يصل إلى ملايين الأطنان من المادة العضوية — يلزم أن نتخلص منه. من هنا ظهرت صناعة الاستخلاص التي تأخذ هذه البقايا وتقطِّعها أو تمزِّقها أو تغليها لتعطي منتجات تصلح للاستعمال، كالزيوت ومسحوق العظام، ثم في النهاية منتجات غذائية تقدَّم علفًا للحيوان؛ بعبارةٍ أخرى: إننا ندفع الأبقار، وغيرها من الحيوانات — كي تصبح من أكلة اللحوم!١

لماذا إذن لا نُجري — على أسُس نفعية — عملية الاستخلاص هذه على جثث البشر ونحيلها إلى غذاء حيواني أو أي منتج آخر مفيد — مفترضين ألا يتم هذا إلا بموافقة المتوفى؟ لماذا لا يُسمح للناس بأن يهَبوا أجسادهم طوعًا، ليس فقط للبحث العلمي وإنما لكي يعاد تصنيعهم إلى طعام؟ من الممكن أن نجادل على أسس نفعية بأن القيمة الاقتصادية لجثة الشخص المسنِّ النمطي ليست عالية، لكن هناك طرقًا للتخلص من الجثة أفضل اقتصاديًّا من دفنها في الأرض لتبقى إلى ما شاء الله. لا شك أن الكثير من العائلات الفقيرة ستستفيد بحفنة من الدولارات إذا ما قامت ببيع أجزاء جسم أخٍ مات أو أبٍ قُتل في معركة بالمسدسات في إحدى ضواحي المدينة. وإذا ما مضينا على نفس هذا الخط من التفكير: فما معنى أن يخاطر الجنود بأرواحهم لاستعادة جثة رفيقٍ سقط؟ لماذا تُنفِق العائلات مواردها الثمينة تحاول أن تستعيد جثة طفلٍ فُقد أو أخٍ ضاع؟

إن السبب في أننا لم نبدأ في التفكير في بدائل مثل استخلاص الأجسام البشرية — السبب في أن مجرَّد الحديث عن مثل هذا الاحتمال يثير على الفور شعورًا بالغثيان — السبب يتعلق بالكلمات التي كره واطسون أن يستخدمها، مثل القداسة والنبالة؛ نعني أننا نعطي لأجساد موتانا قيمةً رائعة غير اقتصادية، ونحس بأنها لا بد أن تعامَل باحترام لا تستحقه جثة البقرة، لأنها جثث بشرية … ولقد يحاول النفعي للرد على هذا بأن يقول إن هذه المشاعر من غثيان أو احترام إنما هي ببساطة جزء من معايير الآلام والأفراح التي تُبنَى عليها حسابات النفعية. لكن هذا ببساطة يستدعي السؤال التالي: لماذا يختص البشر — بطريقةٍ تُميِّزهم — بعضهم بعضًا بهذه المشاعر الخاصة، المشاعر التي تمتد حتى إلى الأجساد الميتة للأقارب والأحياء.

الحقوق تبزُّ المصالح لأنها تحمل دلالة أخلاقية أكبر. المصالح قابلة للتقدير ويمكن أن تُستبدل الواحدة منها بالأخرى في السوق. أما الحقوق، وعلى الرغم من أنها نادرًا ما تكون مطْلقةً، فهي أقل مرونة، إذ يصعب أن تحدد لها قيمة اقتصادية. فلقد أهتم بإجازة سعيدة لمدة أسبوعين، لكن هذا لا يمكن أن يقارن بحقِّ آخر في ألا يؤخذ عبدًا يعمل بالسخرة في مزرعة شخص آخر. إن حق العبد في الحرية عنده ليس مجرد مصلحة قوية؛ قد يعلن حزب أقلية لا مبالٍ أن وضْع العبودية ظالم لأنها إهانة لكرامة العبد كإنسان. إن حرية العبد أمرٌ جوهري وأساسي لمنزلته كإنسان، وهو أمر يفوق مصلحتي أنا في الرحلة السعيدة، حتى لو أكدتُ مصلحتي بصورة عاطفية تفوق قدرة العبد على التعبير عن مصلحته.

تضع النُّظم السياسية أنواعًا معينةً من الحقوق فوق الأخرى، وهي بذلك تعكس الأساس الأخلاقي لمجتمعاتها. بنيت الولايات المتحدة على مبدأٍ تقرَّر بإعلان الاستقلال يقول: إن كل البشر قد خُلقوا متساوين، وهبهم خالقهم حقوقًا معينة لا يمكن نزعها عنهم. ولقد انتهكت مؤسسة العبودية هذا المبدأ كما يقول إبراهام لينكولين. وتطلَّب الأمر الدخول في حرب أهلية دموية، مما مهد الطريق إلى إعلان تحرير العبيد وإقرار التعديل الرابع عشر الذي صحح هذا التناقض الخطير، ووضع الأساس للديمقراطية الأمريكية، فيما بعد.

إذا ما كانت الحقوق تسبق غايات الإنسان ومصالحه، وإذا كانت قد وضعت البعض من هذه فوق الآخر كأساس للعدالة، فمن أين أتت؟ إن السبب في التضخم المستمر في مجال الحقوق هو، بالتحديد، أن كل شخص يريد أن يرفع أولوية مصالح معينة فوق غيرها. ومع كل هذا التنافر في حديث الحقوق، كيف لنا أن نقرر ما هو الحق الأصيل وما هو ليس كذلك؟

تُشتق الحقوق في الأصل من ثلاثة مصادر محتملة: الحقوق الإلهية، الحقوق الطبيعية، وما قد نسميه الحقوق الوضعية المعاصرة، وتوجد هذه في القانون وفي العرف الاجتماعي. بمعنًى آخر: إن الحقوق قد تنبع من الرب، أو من الطبيعة، أو من الإنسان نفسه.

لم تعد الحقوق المشتقَّة من الأديان السماوية في أيامنا هذه الأساس المقبول للحقوق السياسية في أيٍّ من الديمقراطيات الليبرالية. بدأ جون لوك كتاب «رسالة ثانية عن الحكومة» بهجومٍ على روبرت فيلمر ومذهب الحق الإلهي. كان الجوهر الحقيقي لليبرالية الحديثة هو إزاحة الدين كأساس صريح للنظام السياسي. بُني هذا على ملاحظة واقعية تقول إنَّا نجد الحكومات الدينية وقد دخلت طول الوقت في حروب مع بعضها بعضًا، فليس ثمَّة اتفاقٌ كافٍ على المبادئ الأولى للدين. كان العنف الطائفي في زمان هوبز هو الخلفية التي بُني عليها وصفه حالة الطبيعة كحرب كل إنسانٍ ضد كل إنسانٍ آخر. لكن هذا لم يكن يمنع بالطبع الأفراد في المجتمعات الليبرالية من الاعتقاد بأن الإنسان كائنٌ خلقه الإله على صورته، وبأن حقوق الإنسان الأساسية — بناء على ذلك — تأتي من الرب. أصبحت مثل هذه الأفكار مشكلةً فقط عندما اتُّخذت حقوقًا سياسية، كما في الجدل حول الإجهاض، لأنها تقع عندئذٍ في نفس المشكلة التي أدركها لوك: من الصعب جدًّا أن نصل إلى إجماع سياسي بشأن القضايا المتعلقة بالدين.

والمصدر المحتمل الثاني للحقوق هو الطبيعة، أو على وجه الدقة الطبيعة البشرية. فعلى الرغم من تضرُّع جيفرسون إلى الخالق في إعلان الاستقلال، فقد كان يعتقد — مثله مثل لوك وهوبز — بضرورة أن تؤسَّس الحقوق في نظرية عن الطبيعة البشرية. إن مبدأ سياسيًّا مثل المساواة لا بد أن يرتكز على ملاحظة عملية عما يكون عليه الإنسان بطبيعته. كان تطبيق الرق من ناحية المبدأ أمرًا مضادًّا للطبيعة، وبذا فقد كان ظالمًا.

هوجمت فكرة ارتكاز حقوق الإنسان على الطبيعة البشرية، وبشدة، منذ القرن الثامن عشر وحتى اليوم. مضى هذا الهجوم تحت اسم «مغالطة المذهب الطبيعي». وهذا تقليد يمتد من دافيد هيوم حتى الفلاسفة التحليليين بالقرن العشرين من أمثال ج. إ. مور، ور. م. هير وغيرهما. كانت هذه المغالطة تقول إن الطبيعة لا يمكن أن توفِّر الأساس المبرَّر فلسفيًّا للحقوق والفضيلة والأخلاق، وقد مضى على أشدِّه لا سيما في العالم الأنجلوسكسوني.

ولما كانت المدرسة الفلسفية السائدة في المحافل العلمية المعاصرة تعتقد أن أي محاولة لبناء الحقوق على الطبيعة قد فُضح زيفها من زمان طويل، فمن السهل أن نفهم السبب في أن يلجأ علماء المذهب الطبيعي سريعًا إلى استخدام هذه المغالطة كدرع يقي أعمالهم من التضمينات السياسية غير المتسائلة، كتلك التي عرضناها بالفصل الثاني. ولما كان معظم علماء المذهب الطبيعي إما غير سياسيين أو هم ليبراليون متفهمون، فسيكون من السهل أن يستدعوا المغالطة، ثم يجادلون، مثلما فعل بول إيرليخ في كتابه «الطبائع البشرية»، بأن الطبيعة البشرية لا تقدم أي دليل على الإطلاق إلى ما يجب أن تكون عليه القيم البشرية.

في رأيي أن التفهم الشائع للمغالطة هو في حد ذاته مغالطة، وأن الحاجة ماسَّة إلى أن تعود الفلسفة إلى تعاليم ما قبل كانط التي تُجذِّر الحقوق والأخلاق في الطبيعة. ولكن، قبل أن أعرض حجتي بشكل كامل وأفسر كيف أن نبذ الحقوق الطبيعية أمرٌ غير موفق، علينا أن ننظر إلى المصدر الثالث للحقوق، الذي يمكن أن نسميه الوضعيَّ. إن ضَعف هذا المدخل الثالث للحقوق هو حقًّا ما يستلزم المجهود لبعث مفهوم الحقوق الطبيعية من جديد.

وأبسط وسيلة لتحديد مصدر الحقوق هو أن ننظر حولنا لنرى ما يعتبره المجتمع حقًّا — في قوانينه الأساسية وبياناته. يجادل ويليام ف. شولتز، المدير التنفيذي لمنظمة العفو الدولية، بأن معضِّدي حقوق الإنسان المعاصرين قد أسقطوا من حسابهم من زمانٍ طويل فكرة أنه من الممكن، أو من الواجب، أن ترتكز حقوق الإنسان على الطبيعة، أو القانون الطبيعي. وبدلًا من ذلك، يقول، فإن «حقوق الإنسان تشير إلى حقوق الإنسان، حقوق البشر، إلى شيء يمكن للبشر أن يمتلكوه أو يطالبون به، ولكنها ليست بالضرورة شيئًا مشتقًّا من طبيعة المُطالب.» حقوق الإنسان، بعبارة أخرى هي كل ما يقول البشر إنه كذلك.

إذا ما أخذنا هذه الجملة على أنها استراتيجية سياسية لمضارعة وثائق مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فسنجد أن شولتز كان — مؤكَّدًا — على حقٍّ في قوله إن الحقوق هي كل ما تُقنع الناس بالموافقة على أنه حقوق، وأننا أبدًا لن نصل إلى إجماعٍ على مجموعة من الحقوق الطبيعية. ربما قمنا بتهذيبٍ إجرائي للتأكد من أن الحق الوضعي يعكس بالفعل إرادة المجتمع الذي يقره، كمثل القواعد التي تتطلب أن يكون التصديق على قوانين الحقوق بالأغلبية المطلقة (كما هو الوضع في الدستور الأمريكي). قد تكون حقوق التعديل الأول لحرية القول وحرية الدين هي ما قدَّرته الطبيعة، وقد لا تكون، لكنها كانت مما أُقِرَّ جزءًا من العملية الدستورية. غير أن هذا المنهج يعني أن الحقوق في أصلها إجرائية: إذا تمكنت من الحصول على موافقة الأغلبية المطلقة (أو ما شاكل) على أنَّ للناس حقًّا في أن يتجولوا في الشوارع بملابسهم الداخلية، فسيصبح هذا حقًّا جوهريًّا من حقوق الإنسان بجانب حرية الارتباط وحرية القول.

ما الخطأ إذن في المدخل الوضعي الخالص إلى الحقوق؟ إن المشكلة — كما يعرف كل مؤيد لحقوق الإنسان في التطبيق العملي، إن لم يكن في النظرية — هي أن ليست هناك حقوق وضعية وعامة في نفس الوقت. عندما انتقدت جماعات حقوق الإنسان في الغرب الحكومة الصينية لأنها سجنت المنشقين السياسيين، ردت الحكومة الصينية بأن الحقوق الجماعية والاجتماعية في مجتمعها تفوق الحقوق الفردية وزنًا. إن تأكيد المنظمات الغربية على الحقوق السياسية للفرد ليس تعبيرًا عن مطمحٍ كامن، وإنما يعكس الانحيازات الثقافية الغربية (أو ربما المسيحية) لجماعات حقوق الإنسان ذاتها. قد يردُّ المعضِّد الغربي لحقوق الإنسان بأن الحكومة الصينية لم تتبع الإجراء السليم، لأنها لم تستشر شعبها بطريقة ديمقراطية. لكن، إذا لم تكن هناك أية معايير كونية للسلوك السياسي، فمَن يا تُرى له الحق في أن يقرر ماهية الإجراء الصحيح؟ وماذا عسى معضِّدٌ للمدخل الوضعي — مثل ويليام شولتز — أن يقول في الرد على مجتمع آخر يختلف ثقافيًّا يتبع الإجراءات السليمة ولكنه يشجع ممارسة بغيضة مثل السوتية (إحراق الأرملة الهندوسية نفسها في محرقة زوجها المتوفى) أو الرِّق أو ختان الإناث؟ الجواب هو أنه ليس ثمَّة إجابة ممكنة، فلقد أُعلنَ من البداية بأنه ليس ثمة معايير منزَّلة لتحديد الخطأ والصواب تخرج عما تعلن الثقافة أنه صواب.

لماذا تكون مغالطة المذهب الطبيعي مضلِّلة

تعيدنا مشكلة المذهب الثقافي النسبي ثانية إلى ضرورة إعادة النظر فيما إذا كنا قد تعجَّلنا في نبذ مدخل إلى حقوق الإنسان مبنيٍّ على طبيعة الإنسان، ذاك لأن وجود طبيعة بشرية واحدة تشترك فيها كل شعوب العالم قد يوفر — نظريًّا على الأقل — أرضية مشتركة يمكن عليها أن نبني حقوق إنسان عامة. إن الإيمان بمغالطة المذهب الطبيعي يجري عميقًا في الفكر الغربي المعاصر، حتى لَيصبح بعثُ البراهين على الحقوق الطبيعية مهمةً مستحيلة.

ترتكز فكرة أن الحقوق لا يمكن أن تكون لها جذور في الطبيعة، على حجتين منفصلتين، وإن كانت بينهما علاقة متبادلة في أحيان كثيرة. تُنسب الأولى إلى دافيد هيوم، أحد مبتدعي التجريبية البريطانية، والذي ذاع الاعتقاد بأنه قد أثبت مرةً وإلى الأبد أنه من المستحيل أن تشتقَّ «ما ينبغي أن يكون» من «ما هو كائن». في فقرة شهيرة من كتابه «رسالة الطبيعة البشرية» كتب هيوم يقول:

في كل نظام أخلاقي قابلته حتى الآن، لاحظت أن المؤلف يبدأ لفترةٍ بالطريقة الطبيعية للاستدلال، ليوطد وجود إله أو يرصد ملاحظاته في الشئون البشرية، ثم فجأة أصابُ بالدهشة إذ لا أجد قضيةً لا ترتبط ﺑ «ينبغي» و«لا ينبغي». هذا التغير ضئيل إلى حد بعيد، لكنه رغم ذلك بالغ الأهمية. ذلك أنه لما كانت هذه اﻟ «ينبغي» و«لا ينبغي» تعبر عن علاقةٍ ما جديدة أو توكيد، فمن الضروري أن تلاحظ وأن تفسَّر؛ وفي نفس الوقت أن يُقدَّم سبب، لأن ما يبدو غير معقول على الإطلاق هو كيف يمكن أن تُستنبط هذه العلاقة الجديدة من غيرها. غيرها الذي يختلف تمامًا عنها.

يُنسب إلى هيوم عادةً الفضل في التأكيد بأن نص الالتزام الأخلاقي لا يمكن أن يشتقَّ من ملاحظة تجريبية عن الطبيعة أو العالم الطبيعي. عندما يؤكد علماء المذهب الطبيعي أن ليست لعملهم تضمينات في السياسة أو في الحكمة العملية، فإن ما في خاطرهم عادةً ما يكون هو ثنائية «ما هو كائن – ما ينبغي أن يكون»: يميل البشر بالوراثة إلى سلوكٍ مميَّز لنوعنا، لكن هذا لا يعني أن عليهم أن يسلكوا بتلك الطريقة. يأتي الالتزام الأخلاقي من عالمٍ آخر مبهم غامض يختلف عن العالم الطبيعي.

أما الحجة الثانية لمغالطة المذهب الطبيعي فتجادل بأنه حتى لو أمكننا أن نشتق «ينبغي» من «ما هو كائن» فإن «ما هو كائن» كثيرًا ما يكون قبيحًا، أو لا هو أخلاقي ولا هو منافٍ للأخلاق، أو — في الحق — لا أخلاقي. يجادل الأنثروبولوجي روبن فوكس بأن البيولوجيين قد عرفوا الكثير عن الطبيعة البشرية في السنين الأخيرة، لكن ما عرفوه ليس مما يُبهج، ولن يخدم كثيرًا كأساسٍ للحقوق السياسية. البيولوجيا التطورية على سبيل المثال قد قدَّمت لنا نظرية انتخاب الأقارب، أو الصلاحية الشاملة، التي تؤكد أن البشر ينشدون تعظيم صلاحيتهم التكاثرية بتفضيل الأقارب الوراثيين حسب القدر من الجينات المشتركة، وهذا يؤدي من وجهة نظر فوكس إلى التضمينات التالية:

من الممكن باستخدام نظرية انتخاب الأقارب أن تقدَّم حجة جيدة جدًّا على وجود حقٍّ طبيعي وبشري للثأر. إذا قتل أحدهم ابن أخي أو حفيدي فإنه يسلبني جزءًا من صلاحيتي الشاملة؛ أعني قوة مستودعي الجيني الشخصي. لإصلاح هذا الخلل — يمضي الجدل — فإن لي الحق في أن أنزل به خسارة مماثلة … لكن نظام الثأر هذا أقل كفاءةً من نظام إصلاح آخر أقوم فيه بإخصاب واحدة من نساء مرتكب الجريمة، فأدفعه إلى أن يربي شخصًا يحمل جيناتي أنا.

لإعادة بناء حجةٍ تزكِّي الحق الطبيعي، علينا أن نعالج هذه الحجج الواحدة بعد الأخرى، بدءًا بثنائية «ما هو كائن – ما ينبغي». منذ أكثر من أربعين عامًا نبَّه الفيلسوف ألاسدير ماكنتاير إلى أن هيوم نفسه لم يكن يعتقد في المبدأ الذي عادةً ما يُعزى إليه، والقائل إن أحدًا لا يستطيع أن يشتق «ينبغي» من «ما هو كائن»، لا ولا هو التزم به. إن ما تقوله الفقرة الشهيرة من كتاب «رسالة الطبيعة البشرية» — على أبعد تقدير — هو أن الشخص لا يستطيع أن يستنبط، بطريقة بديهية منطقية، قواعد أخلاقية من واقعة تجريبية. لقد كان هيوم يعتقد — مثل كل فيلسوفٍ جادٍّ في التقليد الغربي منذ أرسطو وأفلاطون — أن اﻟ «ينبغي» واﻟ «ما هو كائن» قد جسَّرتهما مفاهيم مثل: الحاجة، العوز، الرغبة، السرور، السعادة، الصحة؛ جسَّرتهما الأهداف والغايات التي يقررها البشر لأنفسهم. أعطى ماكنتاير المثال التالي عن كيفية اشتقاق الواحد من الآخر: إذا طعنتُ زميلي بسكين، فسأُسجن؛ لكني لا أرغب في أن أُسجن، ولذا لا ينبغي أن أطعنه بالسكين (الأفضل ألَّا أفعل ذلك).

هناك بالطبع تنوعٌ هائل من حاجات الإنسان وضرورياته ورغباته، تنوعٌ يمكن أن يعطي هو الآخر تباينًا مساويًا من اﻟ «ينبغيَّات»، فلماذا إذن لا ننتهي إلى النفعية، التي تخلق في الواقع ينبغيَّات أخلاقية في محاولتها إشباع حاجات الإنسان؟ المشكلة مع النفعية بصورها المختلفة ليست في منهجها لتجسير اﻟ «ما هو كائن» باﻟ «ينبغي»: فالكثيرون من النفعيين يقيمون مبادئهم الأخلاقية على النظريات الصريحة للطبيعة البشرية. إنما تكمن المشكلة في الاختزالية الأساسية للنفعية — نعني النظرة المبسَّطة كثيرًا للطبيعة البشرية التي يستخدمها النفعيون. حاول جيريمي بنتهام أن يختزل كل الدوافع البشرية إلى السعي وراء السعادة والهروب من الألم؛ كان للنفعيين الأحدث، مثل ب. ف. سكينر، والسلوكيين، مفهوم شبيه عندما تحدثوا عن التدعيم الموجب والسالب. تبدأ الاقتصاديات الحديثة غير الكلاسيكية من نموذج لطبيعة الإنسان يفترض أن البشر معظِّمون منطقيون للمنفعة. يُنكر الاقتصاديون صراحةً كل محاولة للتمييز بين المنافع الفردية أو لتفضيل بعضها على بعض؛ والحق أنهم كثيرًا ما يختزلون كل أنشطة الإنسان — من استثمارات رجال البنوك في وول ستريت إلى الأم تيريزا تمد يد العون إلى الفقراء — إلى متابعة وحدات لا تُميَّز لتفضيلات المستهلك تسمى المساعفات.٢

هناك بساطةٌ رائعة في الاستراتيجية الاختزالية التي تقوم عليها الأخلاق عند النفعيين؛ بساطةٌ تفسر السبب في أنها تروق للكثيرين. إنها تَعِد بإمكان تحويل الأخلاق إلى شيء كالعلم له قواعد واضحة للوصول إلى الكمال. تكمن المشكلة في أن الطبيعة البشرية أعقد كثيرًا من أن تُختزل إلى فئات بسيطة مثل الألم أو السعادة. بعض الآلام والسعادات أعمق من بعضها الآخر وأشد وأكثر ثباتًا. السعادة التي نجدها في قراءة رواية تافهة مثيرة تختلف عن سعادتنا في قراءة رواية «الحرب والسلام» أو رواية «مدام بوفاري»، وما بهما من خبرات حياتية. بعض السعادة يشير إلى اتجاهات متناقضة: المدمن قد يلتمس الإصلاح وحياةً بلا مخدرات في نفس الوقت الذي يطلب فيه الجرعة التالية من المخدر.

يمكننا أن نرى بصورةٍ أوضح الطريق الذي يُجسِّر فيه البشر فعلًا ما بين اﻟ «ما هو كائن» وبين اﻟ «ينبغي»، إذا أدركنا أن الناس — كحقيقة تجريبية — يرتبطون ارتباطًا لا ينفصم بالانفعالات البشرية والشعور. ﻓ «الينبغيَّات» التي تُشتق بتلك الوسيلة لها على الأقل نفس تعقيد الجهاز العاطفي البشري، نعني أنه يصعب أن نجد حُكمًا بالطيب أو الخبيث أبداه إنسان ولم يصطحبه انفعالٌ قوي، رغبةً كان أو شوقًا أو بغضًا أو اشمئزازًا أو غضبًا أو إثمًا أو بهجة. البعض من هذه الانفعالات يشمل آلام النفعيين البسيطة وسعادتهم، لكن غيرها يعكس شعورًا اجتماعيًّا أكثر تعقيدًا، مثل الرغبة في بلوغ منزلة أو اعتراف، أو التيه بقدرات الفرد أو استقامته، أو الإحساس بالعار لانتهاك قانون اجتماعي أو قانون حظر. إذا ما أخرجنا من الأرض جثة سجين سياسي عذِّب في بلدٍ دكتاتوري فاشستي، فستخرج من أفواهنا كلمة «كريه» أو «بشع»، تدفعنا إلى ذلك سلسلة كاملة من الانفعالات: الرعب من الجثة المتحللة، التعاطف مع معاناة الضحية ومعاناة الأهل والأصدقاء، والغضب من ظلم القتل. ولقد تُلطَّف مثل هذه الأحكام إذا أخذنا في الاعتبار الظروف المخففة للألم. ربما كان الضحية عضوًا في جمعية إرهابية مسلحة، ربما تطلبت محاربة التمرد من الحكومة إجراءات قمعية سقط بسببها بعض الضحايا من الأبرياء. لكن عملية اشتقاق القيمة ليست بالضرورة عمليةً منطقية، لأن مصادرها هي «ما هو كائن» الانفعالات.

الانفعالات — بالتعريف — تمارَس ذاتيًّا؛ كيف إذن نتحرك إلى نظرية للقيمة أكثر موضوعيةً إذا ما كانت الانفعالات تتعارض مع بعضها بعضًا؟ هنا، في هذه النقطة، تدخل إلى الصورة التفسيرات الفلسفية التقليدية عن الطبيعة البشرية. كان لكل فيلسوف قبل كانط نظريةٌ صريحةٌ أو مضمَّنة عن الطبيعة البشرية تضع الحاجة، والعوز، والانفعالات، والشعور، فوق غيرها على أنها الأكثر جوهرية لبشريتنا. فلقد أحتاج إلى إجازة الأسبوعين، لكن رغبتك في النجاة من العبودية ترتكز على شوقٍ إلى الحرية أكثر عموميةً وأكثر عمقًا، ومن ثم فهو يبزُّ حاجتي. ارتكن تأكيد هوبز على حقٍّ أساسي في الحياة (هو أصل الحق في الحياة الذي ورد معززًا في إعلان الاستقلال) ارتكز على نظريةٍ صريحة عن الطبيعة البشرية تفترض أن الخوف من الموت العنيف هو أقوى العواطف البشرية، ومن ثم فهو يعطي حقًّا أكثر جوهرية، قل مثلًا، من توكيد المعتقد الديني. السلوك الأخلاقي المشين المرتبط بالقتل إنما يرجع، ولحد كبير، إلى حقيقة أن الخوف من الموت جزء من الطبيعة البشرية، ولا يختلف كثيرًا بين المجتمعات البشرية.

من بين أول التفسيرات الفلسفية للطبيعة البشرية، هناك ما ذكره سقراط في «جمهورية أفلاطون». يجادل سقراط بأن للروح ثلاثة أقسام: قسم للشهوة (الإيروس) وقسم للمكابرة (التيموس) وقسم للعقل (النوس). هذه الأقسام الثلاثة لا تقبل التحويل فيما بينها، وهي — بطرقٍ شتَّى — ليست متكافئة. فرغبتي قد تخبرني بأن أفِلَّ من الصفوف وأهرب من ساحة المعركة إلى عائلتي، لكن كبريائي يدفعني إلى الثبات خوفًا من العار. تُفضِّل المفاهيم المختلفة أنساقًا مختلفة من الروح (الديمقراطية على سبيل المثال تفضل الإيروس، بينما تفضل الأرستقراطية النوس)، أما أفضل المدن فتُشبع الثلاثة جميعًا. وبسبب هذا التعقيد ثلاثي الأقسام فإن أكثر المدن عدلًا يتطلب ألَّا يُشبَع تمامًا البعض من أجزاء الروح (مثل الشيوعية الشهيرة للنساء والأطفال التي تلغي العائلة فعليًّا). ولا يطمح أي نظام سياسي واقعي إلى أكثر من اقتراب من العدل. ورغم ذلك تبقى العدالة مفهومًا ذا معنى، مفهومًا تتوقف معقوليته على معقولية السيكولوجيا التي تقوم عليها الأقسام التي يُشتق منها. (يسخر الكثيرون من المعلقين المعاصرين الطائشين من سيكولوجيا أفلاطون المفرطة في التبسيط والتي تُقسَّم فيها الروح إلى ثلاثة، دون أن يدركوا أن العديد من المدارس الفكرية في القرن العشرين — مثل الفرويدية والسلوكية والنفعية — هي أكثر سذاجة حتى من هذه، فتُختزل الروح إلى عنصر الإيروس فقط، ولا يلعب العقل إلا دورًا مساعدًا، بينما تختفي التيموس من الصورة نهائيًّا).

لم يظهر الصدع الجوهري في التقليد الغربي مع هيوم، وإنما مع روسو، وبالذات مع كانط. حاول روسو، مثل هوبز ولوك أن يميِّز الإنسان في حال الطبيعة، لكنه يجادل أيضًا في «المقال الثاني» بأن البشر يمكنهم أن يبلغوا مرتبة الكمال — نعني أن لديهم المقدرة على تغيير طبائعهم مع الزمن. وفَّرت هذه الاكتمالية البذرة لفكرة كانط عن عالمٍ نومينيٍّ خالٍ من السببية الطبيعية، عالمٍ كان الأساس للأمر المطلق، الذي فصل الأخلاق بكلِّيتها من أي مفهوم عن الطبيعة. جادل كانط بأن علينا أن نفترض وجود احتمال الخيار الأخلاقي الحقيقي وحرية الإرادة. والفعل الأخلاقي بالتعريف، لا يمكن أن يكون نتيجةً لرغبة طبيعية أو غريزة، بل يلزم أن يعمل ضد الرغبة الطبيعية بناءً على ما يُملي المنطق وحده أنه الصواب. تقول الجملة الشهيرة في بداية كتاب «أسُس الأخلاقيات الميتافيزيقية»: لا شيء في العالم، بل ولا حتى خارج العالم، يُحتمل تخيُّله ويسمى طيِّبًا من دون أهلية، سوى الإرادة الطبيعية، وكل ما عدا هذه من الخصائص أو الغايات التي يرغب الإنسان فيها — من الذكاء والشجاعة وحتى الثروة والقوة — لا تكون طيبة إلا بالنسبة للإرادة الطيبة. الإرادة الطيبة هي الشيء الوحيد المرغوب في ذاته. افترض كانط أن البشر بصفتهم أخلاقيين، فهم نومينيون، نعني أنَّهم أشياء في ذاتها، ومن ثم فلا بد أن يعاملوا دائمًا كأهداف لا كوسائل.

نبَّه بعض المراقبين إلى التشابه بين الأخلاق الكانطية وبين رؤية الطبيعة البشرية المجسَّرة في البروتستانتية، التي تؤمن بأن هذه الأخيرة ممعنة في الإثم وأن السلوك الأخلاقي يتطلب التسامي فوق رغباتنا الطبيعية جملةً، أو كبْتها كلية. جادل أرسطو والتقليد التوماسي القروسطي أن الفضيلة تُبنى على ما وفَّرته لنا الطبيعة وتوسِّعه، وأنه ليس ثمَّة تعارض ضروري بين «ما كان» مُرضٍ طبيعيًّا وبين ما هو صواب. إننا نرى في الأخلاق الكانطية بدايات النظرة القائلة إن الخير هو قضية إرادةٍ تقهر الطبيعة.

اتخذ الكثير من الفلسفة الغربية اللاحقة نفس الطريق الكانطي نحو ما يُسمى نظريات علم الأخلاق للصواب — نعني نظريات تحاول أن تشتق مذهبًا للأخلاق لا يعتمد على أية تقارير واقعية حول الطبيعة البشرية أو الغايات البشرية. ذكر كانط نفسه أن قواعده الأخلاقية تنطبق على أية أطراف عاقلة، حتى لو لم تكن بشرية. سيكون المجتمع في الواقع مؤلَّفًا من شياطين عاقلة. وعلى خُطى كانط، بدأت نظريات الأخلاق اللاحقة من مقدمةٍ منطقية تقول إنه لا يمكن أن توجد أية نظرية واقعية عن غايات الإنسان — سواء اشتُقَّت من الطبيعة البشرية أو من أي مصدر آخر.

مذاهب الغايات لا تُرتَّب في الدولة الليبرالية بالقيمة، كما يرى جون رولز، على سبيل المثال؛ يمكن أن تُميَّز خطط الحياة الفردية بقدر ما بها من عقلانية، لكن ليس بطبيعة الأهداف أو الغايات التي تقرِّرها. هذه هي الرؤية التي أصبحت مضمنة في قدرٍ كبير من التفكير حول القانون الدستوري الأمريكي المعاصر. حاول المنظرون القانونيون بعد رولز (مثل رونالد دفوركين وبروس آكرمان) أن يحددوا قواعد المجتمع الليبرالي مع تجنُّب أية إشارة إلى الأولويات بين غايات الإنسان، أو — بلغة أكثر عصرية — بين أساليب الحياة المحتملة. جادل دفوركين بأن الدولة الليبرالية لا بد أن تكون محايدة … بشأن قضية الحياة الطيبة … القرارات السياسية لا بد أن تكون — وإلى الحد الممكن — مستقلة عن أية تصورات خاصة عن الحياة الطيبة، أو عما يعطي للحياة قيمة. يؤكد آكرمان من ناحيته أنه لا يمكن تبرير أي تنظيم اجتماعي إذا تطلَّب أن يقوم صاحب السلطة بتقرير (أ) أنَّ تصوُّره عما هو طيِّب أفضل من تصوُّر أيٍّ من رفاقه، أو (ب) أنه، بغضِّ النظر عن تصوُّره للطيب، فإنه أفضل — من حيث الجوهر — من أي فردٍ من رفاقه المواطنين.

إنني أعتقد أن هذا التحول العريض بعيدًا عن نظريات الحقوق المرتكزة على الطبيعة، هو تحوُّل معيب، لعددٍ من الأسباب. ربما كان أوضح ضعفٍ في نظريات الحقِّ الأخلاقية هو أن كل مَن حاول وضع مثل هذا المخطط من الفلاسفة قد انتهوا بأن أضافوا ثانيةً إلى نظرياتهم فروضًا مختلفة عن الطبيعة البشرية. أما الاختلاف الوحيد فهو أنهم يفعلون ذلك سرًّا وخداعًا، لا جهرًا كما كان الأمر منذ أفلاطون وحتى هيوم. نبَّه ويليام جالستون كيف أن كانط نفسه، في كتابه «العوامل الميتافيزيقية للعدالة»، قد قرَّر أن المجتمع لا يستطيع أن يفرض على نفسه قانونًا كنسيًّا تؤخذ فيه بعض العقائد على أنها ثابتة، لأن مثل هذا يتعارض مع هدف الجنس البشري وغايته. وما هي غاية الجنس البشري؟ أن يتطور إلى أفراد سليمي التفكير متحررين من تعمية الأحكام المسبقة. تقرير كانط هذا قد وضع بالفعل بضعة فروضٍ حول الطبيعة البشرية: أن البشر كائنات مفكِّرة؛ وأنهم يستفيدون من عقلانيتهم ويتمتعون بها؛ وأنهم قد يطورون هذه العقلانية مع الزمن. وهذا الأمر الأخير يُلمع إلى الحاجة إلى التعلم، وإلى دولة ليست محايدة بالنسبة لقضية ما إذا كان للمواطنين أن يختاروا بين الجهل بالعقيدة أو تعلُّمها.

ونفس الأمر صحيح بالنسبة للكانطيين المعاصرين من أمثال جون رولز الذي تتجنب نظريته عن العدالة أيَّ مناقشة للطبيعة البشرية، وتنشد ترسيخ مجموعةٍ من القواعد الأخلاقية تنطبق على زمرة من العقلاء، وترتكز على ما يسمى «الموقف الأصلي»؛ نعني أن علينا أن نختار التوزيع العادل من خلف «خمار الجهل» حيث لا نعرف موقفنا الحقيقي من المجتمع. وكما أشار بعض نقاد رولز، فإن الموقف الأصلي ذاته، والتضمينات السياسية التي يستنتجها رولز منه، تحمل تقارير عديدة عن الطبيعة البشرية، وبوجه خاص افتراضه بأن البشر يكرهون المخاطرة. افترض أنهم سيختارون توزيعًا للموارد يتوخى المساواة بدقةٍ صارمة، خوفًا من أن ينتهوا في قاع السلم الاجتماعي. لكن الكثيرين سيُفضلون في الواقع مجتمعًا أكثر هيراركية، فيركبون مخاطرة أن ينتهوا إلى منزلة منخفضة عند سعيهم لبلوغ منزلة عليا. ثم إن رولز قد أنفق وقتًا طويلًا في كتابه «نظرية للعدالة» يفصِّل الظروف التي يمكن للناس تحتها أن يرسموا الخطط كأفضل ما تكون: الأمر الذي يفترض — على الأقل — أنهم حيوانات هادفة عاقلة يمكنها أن تصوغ أهدافًا بعيدة المدى، كما أنه كثيرًا ما كان يلجأ إلى ما هو في الواقع ملاحظات عن الطبيعة البشرية، مثل الفقرة التالية:

إن القضية الأساسية هي قضية تبادل، اتجاه إلى الإجابة عينًا. إن هذه النزعة حقيقة سيكولوجية عميقة. بدونها تكون طبيعتنا مختلفة كثيرًا، ويصبح التعاون الاجتماعي الناجح أمرًا هشًّا إن لم يكن مستحيلًا. لم يحدث أبدًا أن وُجدت كائنات ذات سيكولوجيا مختلفة، وإن كانت قد وُجدت فلا بد أنها قد اختفت سريعًا أثناء مجرى التطور.

إن التأكيد على أن التبادل مبرمج وراثيًّا كجزء من السيكولوجية البشرية وأنه أيضًا ضروري لبقاء البشر كجنس، لا بد أن تكون له تضمينات بخصوص الوضع الأخلاقي للتبادل كصيغة من السلوك الأخلاقي.

يقرِّر رونالد دفوركين بنفس الشكل أنه من المهم موضوعيًّا أن تنجح أي حياة بشرية إذا ما بدأت، لا أن تفشل — أن تُحقَّق إمكانات هذه الحياة، لا أن تُتبدَّد. هذه الجملة المفردة تزخر بالفروض حول الطبيعة البشرية. إن لكل حياة بشرية إمكانات طبيعية مميَّزة؛ إن هذه الإمكانات تتنامى مع الزمن؛ إنه أيًّا كانت هذه الإمكانات فإنها تتطلب بعض المجهود والبصيرة لصقلها، إن هناك تفضيلات وخيارات يمكن للفرد أن يتخذها بالنسبة لهذه الإمكانات، قد تكون أقل من المرغوب من وجهة نظر الفرد ووجهة نظر المجتمع الأعرض. ستقرِّر أيُّ نظرية أخلاقية حقة أنه إذا أنفق عدد كبير من أفراد المجتمع النصف الأول من حياتهم يتكسبون المال حتى يمكنهم أن ينفقوا نصفها الثاني في غيبوبة هيروين، ولم ينتهكوا أي قوانين إجرائية أثناء ذلك، فسيكون هذا أمرًا رائعًا: ليس ثمة نظرية عن طبيعية البشرية أو عما هو طيب، تسمح لنا بأن نميِّز بين شخص يعمل جاهدًا على تحسين أحواله من خلال التعليم والاندماج في المجتمع، وبين مدمن للمخدرات. الواضح أنه لا رولز ولا دفوركين يعتقد هذا؛ الأمر الذي يعني أنهما لا يستطيعان أن يفلتا من الحكم على ما هو الأفضل طبيعيًّا للناس.

ليس ثمة ما يوضح الطريقة التي بها يؤكد تنظير الطبيعة البشرية الخفية ذاته بأفضل من كتابات عالم الأخلاق البيولوجية جون روبرتسون، الذي طالب، كما ذكرنا، بحق حرية التناسل، التي قيل إنها بدورها تستتبع حق الفرد في التحوير الوراثي لنسله. من أين أتى حق حرية التناسل هذا؟ فنحن لا نجده في قانون الحقوق. من العجب أن روبرتسون لم يؤسس هذا الحق على القانون الوضعي، كمثل الحق في الخصوصية وفي الإجهاض الذي حكمت به محكمة النقض والإبرام في قضية جريسوولد ضد كونيتيكت، وقضية رو ضد ويد، وإنما ابتكر الحق على الأسس التالية:

إذا ما نشأت خلافات حول حرية التناسل، فلا بد أن تحظى بالأولية. ذاك لأن التحكم فيما إذا كان الفرد سيُنجب أو لا يُنجب هو أمرٌ رئيسي بالنسبة للهوية الشخصية وللكرامة ولمعنى حياة الفرد. فعلى سبيل المثال، إن حرمان الشخص من القدرة على تجنُّب التكاثر يقرِّر تقدير الفرد لذاته بالمعنى الحقيقي للكلمة. وهو يؤثر على أجساد النساء بطريقة مباشرة وواقعية. وهو يؤثر أيضًا تأثيرًا كبيرًا على الهوية السيكولوجية والاجتماعية للفرد وعلى مسئولياته الاجتماعية والأخلاقية. كما أن الأعباء الناجمة عنه أعباء مرهقة للغاية بالنسبة للنساء، لكنها تؤثر في الرجال أيضًا بطرق ذات شأن.

من ناحية أخرى فإن حرمان الفرد من القدرة على التكاثر يحول بينه وبين خبرة مركزية بالنسبة لهويته ولمعنى الحياة. وعلى الرغم من أن للرغبة في التكاثر — جزئيًّا — أساسًا اجتماعيًّا، فإن نقل جينات الفرد من خلال التكاثر — وعلى أقصى مستوًى قاعدي — هو دافع حيواني أو نوعي وثيق الصلة بالدافع الجنسي. يربطنا التكاثر بالطبيعة وبالأجيال القادمة، ليقدم لنا العزاء في وجه الموت.

إن عبارات مثل مركزية بالنسبة لهوية الفرد أو تحديد الفرد لذاته بالمعنى الحقيقي للكلمة، بجانب الإشارات إلى الجسم إذ يتأثر بطريقة مباشرة وواقعية، هذه العبارات كلها توحي بالأولويات بين التنوع العريض من رغبات الإنسان وأغراضه. هي تبرز قضية أن الأغراض إذا ما ارتبطت بالتكاثر فإنها تشكل حقوقًا أساسية، لأنها بشكل ما أهم من أهداف أخرى لدى الشخص العادي. لا يحس الناس جميعًا بأهمية القرارات التكاثرية، فهناك مؤكَّدًا مَن لا يريدون الإنجاب أو مَن يرون أن قرار إنجاب طفل ليس بالأمر العسير. لكن الإنسان النموذجي يهتم فعلًا بمثل هذه الأمور. والحق أن روبرتسون يلجأ صراحة إلى الطبيعة فيقول إن نقل جينات الفرد من خلال التكاثر هو دافع حيواني أو نوعي. يغرينا هذا بإعادة صياغة هيوم: يتعجب الفرد إذ يلاحظ تحولًا لا يكاد يحسُّ به من جانب الكتَّاب في الأخلاق من (اﻟ «ينبغي» و«اللاينبغي») إلى («ما هو كائن» وما هو ليس كائنًا)، هم كغيرهم يتجنبون أن يبنوا «ما ينبغي» أن يكون على ما هو — نموذجيًّا — «كائنٌ» بالنسبة لجنس البشر.

تحمل نظريات الحق الأخلاقية الحديثة نقاط ضعف أخرى. ففي غياب نظرية واقعية عن الطبيعة البشرية، أو أي وسيلة أخرى تبنى عليها الغايات البشرية، انتهت النظريات الأخلاقية إلى رفع الاستقلال الأخلاقي الفردي ليصبح هو الخير الأعلى. عرضوا على الأفراد هذه الصفقة: لا الفلاسفة، ولا المجتمع في الدولة الليبرالية، سيقولون لك كيف تحيا حياتك، وإنما سيتركونك أنت تقرر. إن كل ما يستطيع أيهما أن يفعل هو أن يرسِّخ قواعد إجرائية تضمن ألا تتدخل خطتك المختارة للحياة في خطط غيرك من المواطنين. هذا يفسِّر الشعبية الواسعة لهذا المنهج: لا أحد يحب من ينتقد خطة حياته أو يشوِّهها. إن الحق في الاختيار، لا خطط الحياة ذات المعنى، هو الشيء الوحيد الذي تحميه نظريات الأخلاق. وكما قال رأي الأغلبية في حكم محكمة النقض والإبرام عام ١٩٩٢م في قضية كيزي ضد تنظيم الأسرة: «في قلب الحرية هناك حق الفرد في تحديد مفهومه عن الوجود، عن المعنى، عن الكون، عن لغز الحياة البشرية.»

يعضِّد الكثير من الثقافة المعاصرة الرأي القائل إن الاستقلال الأخلاقي هو أهم حقوق الإنسان. تأتي بذرة هذه الفكرة من رأي لكانط يقول إن البشر نومينيون، أي إنهم أشياء في ذاتها، قادرة على الحرية الأخلاقية. ثم جاءت عن نيتشه فكرة أن الإنسان هو «الوحش ذو الخدود الحمراء» — خالق القيم القادر على أن يشاء القيم فتُوجَد، إذ ينطق بكلمتَي «طيب» و«خبيث»، ويطبقهما على العالم من حوله. من هنا فليس ثمة إلا خطوة قصيرة إلى حديث القيم للمجتمعات الديمقراطية المعاصرة: «أصبح حرًّا تمامًا في أن أصوغ قيمي الخاصة، بغضِّ النظر عما إذا كان ثمة في المجتمع من يشاركني فيها.»

لكن، على الرغم من أن حرية اختيار الفرد لخطة حياته هي بالتأكيد أمرٌ طيب، إلا أن هناك أسبابًا عديدة للشك فيما إذا كانت الحرية الأخلاقية، كما تُفهَم الآن، هي بالفعل، شيئًا طيبًا لمعظم الناس، دعك من أن تكون أهم مصلحة بشرية مفردة. أما نوع الاستقلال الأخلاقي الذي قيل تقليديًّا إنه يعطينا الكرامة فهو حرية قبول أو رفض القواعد الأخلاقية التي تأتي عن مصادر أعلى منا، لا حرية أن نؤلِّف نحن هذه القواعد. لم يكن الاستقلال الأخلاقي عند كانط هو أن تتبع ميولك الشخصية إلى حيث تقود، وإنما طاعة القواعد البديهية للعقل العملي، وهو ما يدفعنا في أحوال كثيرة إلى أن نفعل برغباتنا الفردية الطبيعية ونزعاتنا أشياء بمقاصد متعارضة. أما التفهم المعاصر للاستقلال الفردي فيندر أن يوفِّر وسيلة للتمييز بين الخيارات الأخلاقية الحقيقية والخيارات التي ترقى إلى موالاة نزعات الفرد وتفضيلاته ورغباته وإشباعه.

وحتى لو قبلنا، بالقيمة الظاهرية، الادعاء بأن خيار الفرد يشكِّل استقلالًا أخلاقيًّا، فإن صدارة قدرة الفرد على الخيارات اللانهائية بين مصالح الإنسان الأخرى ليست أمرًا بديهيًّا. البعض قد يفضِّل خطط حياة تتحدى السلطة والتقاليد وتخرق قواعد اجتماعية مقبولة. لكن ثمة خطط حياة أخرى لا يمكن أن تُنجز إلا بالارتباط مع أناس آخرين، وهذه تتطلب حدودًا للاستقلال الفردي بهدف التعاون الاجتماعي أو تكافل الجماعة. ثمة خطة للحياة معقولة تمامًا تستلزم في العيش في مجتمع ديني تقليدي (كمجتمع المينونيت أو اليهود الأرثوذكس) يطلب تقييد حرية الفردية لأعضاء الجماعة. وقد تتضمن خطة الحياة أن يحيا الفرد في مجتمع إثني شديد الترابط، أو أن يحيا حياة الفضيلة الجمهورية حيث تطلق كل الفردانية العنان للحياة في الثكنات. إن الأخلاق المرتكزة على القواعد ليست محايدة حقًّا بين خطط الحياة: إنها تزكِّي القيم الأكثر فردانية التي تسود المجتمعات الليبرالية فوق خطط أكثر جماعية قد تكون مثلها مُرضية إنسانيًّا.

قام التطور بتجهيز البشر ليكونوا كائناتٍ تلتمس — طبيعيًّا — أن تطمر نفسها في مجموعة من العلاقات الاجتماعية.٣ القيم ليست تراكيب اعتباطية. فهي إنما تخدم هدفًا هامًّا هو أن تجعل العمل الجماعي ممكنًا. يجد البشر أيضًا ارتياحًا عظيمًا في حقيقة أن القيم والمعايير مشتركة بين الناس. أما القيم التي تُعتنق تحت فكرة «لا وجود لغير الأنا» فهي تفسد الغاية المقصودة منها وتقود إلى مجتمع فاسد للغاية لا يستطيع الناس فيه أن يعملوا معًا لغايات عامة.

ماذا عن القدم الأخرى لمغالطة المذهب الطبيعي التي تقول إنه حتى لو كانت الحقوق مشتقَّة من الطبيعة، فإن الطبيعة عنيفة، عدوانية، قاسية، أو هي لا مبالية؟ تشير الطبيعة البشرية — على الأقل — إلى اتجاهات متناقضة: نحو المنافسة والتعاون، نحو الفردانية والاجتماعية؛ كيف يكون أي سلوك طبيعي إذن أساسًا للحقوق الطبيعية؟

الإجابة في رأيي هي أنه ليس ثمة ترجمة بسيطة للطبيعة البشرية إلى حقوق الإنسان. لكن التحول من واحدة من هاتين إلى الأخرى إنما يحدث في نهاية المطاف من خلال الجدل المنطقي لغايات الإنسان — نعني الفلسفة. لا تقود المناقشة إلى حقائق بديهية أو رياضية يمكن إثباتها، بل إنها قد لا تنتهي حتى إلى إجماع حقيقي بين المتناقشين. لكنها تسمح بأن نبدأ في إقامة هراركية للحقوق، ثم إنها تسمح لنا — وهذا هو الأهم — بأن نستبعد حلولًا معينة كانت عبر تاريخ البشرية جبَّارة سياسيًّا.

خذ على سبيل المثال نزوع البشر إلى العنف والعدوانية. لن يُنكر إلا القليل أن لهذا النزوع، بطريقة أو بأخرى، أساسًا في الطبيعة البشرية. لن نجد مجتمعًا واحدًا يخلو من القتل أو لا يعرف العنف المسلح بصورة أو بأخرى، لكن ما نلاحظه في بادئ الأمر هو أن العنف العشوائي ضد الآخرين من أفراد المجتمع محظور في كل الجماعات الثقافية المعروفة: القتل عالمي ومثله أيضًا القوانين أو المعايير الاجتماعية التي تُشرع لمنع القتل. يسري هذا حتى على الرئيسات من أقارب الإنسان: تشهد جماعة الشمبانزي ما بين الحين والحين عدوانيةً عنيفة من ذكَرٍ صغير السن متوحد بلا رفيق، هامشي، يبغي لفت الأنظار، لكن الأفراد الأكبر سنًّا يتخذون دائمًا معايير للسيطرة عليه وتحييده، لأن نظام الجماعة لا يمكنه تحمُّل مثل هذا العنف.

تضفى على العنف في الرئيسات — بما فيها الإنسان — صفة المشروعية على المستويات الاجتماعية العليا — نعني من قِبل جماعات «النحن» التي تتنافس مع جماعات «الغير». يعامَل المحاربون باحترام وإجلال بطريقة لا يتمتع بها طلبة المدارس الثانوية القتلة. إن حرب هوبز التي يشترك فيها كل فردٍ ضد كل فردٍ آخر هي في الحق حرب كل جماعة ضد كل جماعة أخرى. إن النظام الاجتماعي لجماعات «نحن» إنما تحرِّكه الحاجة إلى منافسة جماعات «الغير»، عبر الزمان التطوري (هناك شواهد كثيرة جدًّا على أن القدرات المعرفية البشرية قد تشكلت عن هذه الحاجات التنافسية الموجَّهة جماعاتيًّا) وعبر التاريخ البشري. هناك استمرارية كئيبة، من الرئيسات غير البشرية، إلى مجتمعات الصائد جامع الثمار، إلى المشاركين المعاصرين في العنف الإثني والطائفي، نراها في تنافس جماعات الذكور (أساسًا) ضد بعضها بعضًا من أجل الهيمنة.

قد يؤخذ هذا على أنه تأكيد لمغالطة المذهب الطبيعي، ومن ثمَّ نهاية القصة، لولا حقيقة أن الطبيعة البشرية تشمل من العنف ما يزيد كثيرًا عن العنف المرتبط بالذكور. إنها تتضمن الرغبة فيما أسماه آدم سميث تجميع الممتلكات والبضائع المفيدة للحياة، بجانب المنطق، والقدرة على التبصُّر والترتيب المنطقي الطويل الأمد للأولويات. عندما تتناطح جماعتان من البشر فإنهما يواجهان خيارًا: ما بين الدخول في صراع عنيف للهيمنة لا يكسبه أحد، وبين علاقة سلام للتجارة والمقايضة تكسبها الجماعتان (علاقة موجبة المجموع). ومع الزمن، دفع منطق هذا الخيار الأخير (أو ما أسماه روبرت رايت «الجمع اللاصفري») دفع حدود جماعات «النحن» إلى مجتمعات أرحب: من جماعات من الأقارب صغيرة، إلى قبائل أو أنساب، إلى دول، إلى أمم، إلى مجتمعات إثنولغوية عريضة، إلى ما أسماه صمويل هنتنجتون «ثقافات» — مجتمعات بينها قيم مشتركة تضم العديد من الدول الذاتية ومئات الملايين (بل والبلايين) من البشر.

يبقى قدرٌ جوهري من العنف على حدود هذه المجاميع المتزايدة الاتساع؛ عنف أصبح أكثر ضراوة مع التقدم المتزامن في التكنولوجيا العسكرية. لكن هناك منطق في التاريخ البشري، تدفعه في النهاية الأولويات الموجودة بين الرغبات البشرية والميول والسلوك. أمكن السيطرة على العنف البشري خلال المائة ألف سنة الأخيرة، ودُفع به إلى الحدود الخارجية لهذه الجماعات المتزايدة الاتساع. العولمة — هذا النظام العالمي الذي لا تتنافس فيه أكبر جماعات «النحن» البشرية في عنف مع بعضها من أجل الهيمنة، وإنما تتبادل التجارة في سلام — العولمة يمكن أن تؤخذ على أنها ذروة سلسلة طويلة من القرارات، تُزكي التنافس المربح للجميع.

بعبارة أخرى، قد يكون العنف طبيعيًّا في البشر، لكن كذلك أيضًا النزوع إلى التحكم فيه وتوجيهه. ليس لهذه الميول الطبيعية المتضاربة نفس المنزلة ولا نفس الأولوية. من الممكن لمن يفكرون في مركزهم من البشر أن يتفهموا الحاجة إلى سنِّ قوانين وإنشاء مؤسسات لكبح العنف من أجل غايات طبيعية أكثر أهمية، مثل الرغبة في التملُّك والربح.

تخدم الطبيعة البشرية أيضًا في توجيهنا إلى ما لا يصلح من النظم السياسية. إن التفهم السليم لنظرية التطور المعاصرة لانتخاب الأقارب، أو للصلاحية الشاملة — على سبيل المثال — سيقودنا إلى التنبؤ بإفلاس الشيوعية وفشلها النهائي، لأنها عجزت عن احترام الميل الطبيعي لتفضيل الأقارب وللملكية الخاصة.

جادل كارل ماركس بأن الإنسان كائن منتمٍ لنوعه؛ نعني أن للبشر مشاعر غيريةً نحو جنس الإنسان ككل. وعلى هذه العقيدة بُنيت سياسات الدول الشيوعية ومؤسساتها، مثل إلغاء الملكية الفردية، وإخضاع العائلة لدولة الحزب، والالتزام بالتضامن العمالي العالمي.

جاء وقت افترض فيه منظرو التطور، مثل إف. سي. واين إدواردز وجود غيرية على مستوى النوع. لكن نظرية انتخاب الأقارب جادلت ضد وجود ضغوط انتخابية تتم على مستوى الجماعة، إنما اقترحت — بديلًا عن ذلك — أن الغيرية تنشأ أساسًا من حاجة الأفراد إلى تمرير جيناتهم إلى الأجيال التالية. سيكون البشر حسب هذا التفسير غيريين أساسًا بالنسبة لأفراد العائلة وغيرهم من الأقارب: أما النظام السياسي الذي يدفعهم إلى أن يقضوا أيام السبت بعيدًا عن عائلاتهم يعملون لحساب الشعب الفيتنامي البطل فسيقابَل بمقاومة عميقة جدًّا.

يوضح المثال السابق الطرق التي تنضفر بها الطبيعة البشرية مع السياسة: يشير انتخاب الأقارب إلى أن النظام السياسي الذي يحترم حق الناس في اتباع مصالحهم الشخصية وفي أن يُعنَوا بالعائلة والأصدقاء المقربين قبل أن يُعنَوا بآخرين هناك بعيدًا في العالم؛ هذا النظام سيكون أرسخ وأسهل تشغيلًا وأكثر إشباعًا من غيره ما لا يفعل ذلك. الطبيعة البشرية لا تُملي قائمة واحدة دقيقة من الحقوق، إنها معقدة وهي في نفس الوقت مرنة إذ تتفاعل مع بيئات طبيعية وتكنولوجية مختلفة. لكنها ليست طيِّعة بلا حدود. كما تسمح لنا بشريتنا التحتية المشتركة بأن نُسقط صورًا معينة من النظام السياسي، مثل الحكم الاستبدادي، على أنه نظام ظالم. إن حقوق الإنسان التي تخاطب أعمق ما نحسُّه من دوافع وأكثرها شيوعًا، الطموحات، والسلوك، ستكون هي، لا غيرها، الأساس المتين للنظام السياسي. هذا يفسر السبب في وجود عدد كبير من الديمقراطيات الرأسمالية الليبرالية في العالم عند بداية القرن الواحد والعشرين، وقلة قليلة فقط من الدكتاتوريات الاشتراكية.

من المستحيل إذن أن نتحدث عن حقوق الإنسان — ومن ثمَّ عن العدالة والسياسة والأخلاق عمومًا — دون أن تكون لدينا بعض المفاهيم عن واقع البشر كنوع. وتأكيد هذا لا يعني إنكار أن التاريخ موجود بالمعنى الهيجلي-الماركسي. البشر أحرار في أن يشكِّلوا سلوكهم لأنهم حيوانات ثقافية قادرة على تحوير الذات. تسبب التاريخ في قدر هائل من التغيرات في الإدراك الحسي للبشر وفي السلوك حتى ليبدو فرد من مجتمع الصائد جامع الثمار وآخر من مجتمع معلومات معاصر وكأنهما ينتميان إلى جنسين مختلفين. أنتج تطوير المؤسسات البشرية والمنظمات الثقافية، مع الزمن، مواقف أخلاقية بشرية مختلفة. لكن الطبيعة تضع قيودًا على أنواع التحوير الذاتي التي كانت حتى الآن ممكنة، أو كما قال الشاعر اللاتيني هوراس: «يمكنك بمذراة أن تُلقي بالطبيعة بعيدًا/لكنها دائمًا ما تسرع عائدة إليك.» ستبقى دائمًا مسحة من وميض تعرُّفٍ عندما يتقابل رجل القبيلة مع رجل الإنترنت.

إذا ما كانت حقوق الإنسان ترتكز على مفهوم حقيقي عن الطبيعة، فما هو هذا المفهوم؟ أيمكن تعريفه بطريقة تقدِّر كل ما هو معروف عن سلوك الإنسان؟ لم أقدم حتى الآن نظرية عن الطبيعة البشرية، ولا حتى تعريفًا لماهيتها، هناك الكثيرون — عادة في العلوم الاجتماعية، ولكن بين علماء الطبيعة أيضًا — ممَّن ينكرون وجود طبيعة بشرية بأي صورة ذات معنى. ومن هنا فإنَّا نحتاج لأن نفحص، في الفصل التالي، السلوك المميز للنوع، وماذا قد يكون بالنسبة لنوعنا.

١  من المعتقَد أن مرض جنون البقر قد انتقل بهذه الطريقة: فالبريونات التي تسبب المرض في مخ الحيوان المصاب لم تدمَّر في عملية الاستخلاص فبقيت في غذاء الحيوان وتعاطتها حيوانات سليمة.
٢  يكون المساعف في حالة الأم تيريزا هو صورة من الإشباع السيكولوجي.
٣  سنتولى الدفاع عن هذه النقطة بشكل أكمل في الفصل التالي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦