الفصل الثامن

الطبيعة البشرية

أتريدون أن تعيشوا وفقًا للطبيعة؟ يا أيها الرواقيون النبلاء، يا لهذه من كلمات خادعة! تصوَّروا كيانًا كالطبيعة، مسرفة إلى أبعد حد، لا مبالية إلى أقصى مدى، بلا هدف ولا علة، بلا شفقة ولا عدل، خصبة هي ومقفرة ومنقلبة في نفس الوقت؛ تصوَّروا اللامبالاة ذاتها كقوة — كيف يمكن أن تعيشوا وفقًا لهذه اللامبالاة؟

فريدريخ نيتشه: ما وراء الطيب والخبيث

عرضت حتى الآن الحجة على أن حقوق الإنسان ترتكز تمامًا على الطبيعة البشرية دون أن أحدِّد ما أعنيه بهذا المصطلح. ربما لم يكن من المستغرب، بالنظر إلى الارتباط الوثيق بين الطبيعة البشرية والقيم والسياسة، أن يظل مفهوم الطبيعة البشرية ذاته أمرًا خلافيًّا إلى حد بعيد عبر القرنين الأخيرين. دار معظم النقاش التقليدي حول القضية القديمة: أين نضع الخط الفاصل بين الطبع والتطبع؟ استبدل بهذا الخلاف آخَرُ في أواخر القرن العشرين تحوَّل فيه الميزان كثيرًا نحو حجة التطبع، ليجادل الكثيرون بقوةٍ بأن السلوك البشري سلوك فيه من المرونة ما يجعل الطبيعة البشرية مفهومًا بلا معنى. ومع التقدم المعاصر في علوم الحياة، تزايدت صعوبة الدفاع عن هذا الموقف الأخير وإن بقي الموقف المضاد للطبيعة البشرية حيًّا: فهذا بول إيرليخ، البيئي، يعرب مؤخرًا عن أمله في أن يهجر الناس الحديث تمامًا عن الطبيعة البشرية بتَّةً واحدةً، لأنها مفهوم بلا معنى.

التعريف الذي سأستخدمه للطبيعة البشرية هو الآتي: الطبيعة البشرية هي مجموع السلوك والخصائص التي تميِّز جنس البشر والناتجة عن العوامل الوراثية لا العوامل البيئية.

تستحق كلمة «تُميِّز» بعض التفسير. إنني أستخدم هذا المصطلح بنفس الطريقة التي يتحدث بها علماء الأخلاق عن السلوك المميز للنوع (مثلًا: الرباط الزوجي، يميِّز الهَزَار والعصفور المُؤَاء، لا الغوريلا والأورانجيوتان). ثمة سوء فهمٍ شائع حول طبيعة الحيوان، وهي أن الكلمة تُلمع إلى تحديدٍ وراثي صارم. والحق أن كل الطبيعة تُظهر تباينًا معقولًا داخل نفس النوع: لم يكن الانتخاب الطبيعي أو التكيف التطوري ممكنًا لو لم يكن الأمر كذلك. وهذا بالذات هو الوضع مع الحيوانات الثقافية، كالإنسان: لما كان من الممكن أن يتعلم الفرد السلوك وأن يحوِّره، فإن التباين في السلوك حتمًا سيكون أكبر وسيعكس بيئة الفرد بشكل أكبر مما يحدث في الحيوانات غير القادرة على التعلم الثقافي. هذا يعني أن ما يميِّز هو اصطناع إحصائي — إنه يشير إلى شيء قريب من وسيط توزيع السلوك أو الخصائص.

خذ طول الإنسان. هناك، بوضوح، قدرٌ كبير من التباين في أطوال الناس؛ سيعطى الطول، داخل أي عشيرة، توزيعًا يطلق عليه الإحصائيون اسم «التوزيع الطبيعي» (أو منحنى الجرس). إذا كان لنا أن نرسم بيانيًّا أطوال الذكور والإناث بالولايات المتحدة اليوم، فسيظهر شكل كالآتي (الشكل رقم ١) (الخطان بالرسم هما للتوضيح فقط).

تحكي لنا المنحنيات أشياء عديدة. ليس هناك بادئ ذي بدءٍ شيءٌ اسمه الطول الطبيعي؛ لكن توزيع الأطوال في العشيرة له وسيط وله متوسط.١ فإذا توخينا الدقة فليس ثمة ما هو الطول المميز للنوع وإنما هناك توزيع للأطوال متميِّزٌ للنوع. كلنا يعرف أن هناك أقزامًا وهناك عمالقة. وهناك أيضًا تعريف للقزم وللعملاق. قد يقول الإحصائي اعتباطًا إن القزمية تبدأ بعد انحرافَين معياريين أقل من المتوسط. وإن العملقة تبدأ بعد انحرافَين معياريين أعلى من المتوسط. لكن، لا الأقزام ولا العمالقة يحبون أن يميَّزوا هكذا، فهاتان الكلمتان تحملان دلالةً على الشذوذ والعار، وليس من سببٍ أخلاقي يدعو إلى وصمهم. لكن ليس في هذا كله ما يعني أنه من اللغو أن نتحدث عن أطوال مميزة للنوع لعشيرة بشرية: سيكون الوسيط بالتوزيع البشري مختلفًا عن وسيط الشمبانزي أو الفيلة. وقد يختلف أيضًا شكل منحنى الجرس — درجة التباين. تلعب الجينات دورًا في تحديد وسيط المنحنيات وشكلها، وهي مسئولة أيضًا عن حقيقة أن الوسيط في منحنى الذكور يختلف عنه في منحنى الإناث.

لكن الطريقة التي يتفاعل بها الطبع مع التطبع أمرٌ في الحقيقة أكثر تعقيدًا، فمتوسط الطول في الجماعات البشرية المختلفة يتباين تباينًا واسعًا، ليس فقط بسبب الجنس وإنما بسبب السلالة والجماعة الإثنية. والكثير من هذا يرجع إلى البيئة: كان متوسط طول اليابانيين منذ أجيالٍ أقل كثيرًا من نظيره في الأوروبيين، لكنه ارتفع في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، مع تغيُّر الغذاء وتحسُّنه. وعمومًا فقد ارتفع متوسط الطول في العالم كله مع التنمية الاقتصادية وتحسين الغذاء. إذا قارنا توزيعات الطول في دولة أوروبية نمطية ما بين عامَي ١٥٠٠م و٢٠٠٠م فسنصل إلى مجموعة من المنحنيات كالمبينة بالشكل رقم ٢.

الطبيعة إذن لا تقرِّر متوسِّطًا واحدًا لطول الإنسان، الأطوال المتوسِّطة ذاتها تتوزع توزيعًا طبيعيًّا بناءً على الغذاء وغير هذين من العوامل البيئية. ولقد ارتفع متوسط الطول كثيرًا منذ العصور الوسطى، كما يتضح لأي زائر لمتحفٍ يرى أطقم دروع الفرسان في تلك القرون. غير أن هناك حدودًا لدرجة التباين، حدودًا تقرِّرها الجينات: إذا حُرمت عشيرة مما يكفيها من سعرات حرارية، فسيموتون لا تقصر قاماتهم، فإذا ما قدَّمنا لهم بعد فترة زادًا من السعرات ازدادت سمنتهم لا أطوالهم (غنيٌّ عن القول أن هذا هو الوضع اليوم في الدول المتقدمة). كانت المرأة الأوروبية عام ٢٠٠٠م أطول كثيرًا من الرجل عام ١٥٠٠م، لكن الرجال يظلون على العموم أطول من النساء. إن المتوسطات الواقعية لأية عشيرة، أو لأية فترة تاريخية، تحدِّدها البيئة إلى حد بعيد، لكن الدرجة الإجمالية للتباين الممكن، ومتوسط الفروق بين الذكور والإناث، هما من نتائج الوراثة، ومن ثمَّ الطبيعة.

قد يصدم البعض إذا عرفوا أن مثل هذا التعريف الإحصائي للطبيعة البشرية يتعارض مع التفهم الشائع للمصطلح، أو مفهوم الطبيعة البشرية كما استعمله أرسطو وغيره من الفلاسفة. إنه في الحق استخدام أكثر دقة للمصطلح. إذا رأينا شخصًا يأخذ رشوة وهززنا رءوسنا معلِّقين: «إن من طبيعة الإنسان أن يخون ثقة الناس»، أو عندما يؤكد أرسطو أن الإنسان حيوان سياسي بالطبيعة، فإن هذا يعني ضمنًا أن الناس ليسوا كلهم مرتشين، ولا كل الناس سياسيين. كلنا يعرف أفرادًا يتصفون بالأمانة أو بالنُّسك؛ والتقرير عن الطبيعة البشرية إما أن يكون احتماليًّا (نعني تقريرًا حول ما يقبله معظم الناس معظم الوقت) أو أن يكون شرطيًّا حول الطريقة التي يحتمل أن يتفاعل بها الناس مع بيئتهم. (إذا ما ووجهوا بإغراءات سهلة، فإن معظم الناس يقبلون الرشوة).

ضد الطبيعة

هناك ثلاث فئات عريضة من الحجج قدمها النقاد عبر السنين للبرهنة على أن المفهوم التقليدي للطبيعة البشرية مفهوم مضلِّل أو هو يشير إلى شيء لا وجود له. يتعلق الأول منها بالادعاء بعدم وجود مفاهيم بشرية عامة حقيقية يمكن ردُّها إلى طبيعة شائعة، وأن الموجود منها تافه (مثلًا: حقيقة أن كل الثقافات تفضِّل الصحة على المرض).

يجادل الأخلاقي دافيد هل بأن الكثير من الخصائص التي يقال إنها عامة في البشر، وإنها مميِّزةٌ للجنس البشري خاصة، ليست في الواقع هذا ولا ذاك. ويشمل ذلك حتى اللغة:

لا توزَّع اللغة البشرية بين كل البشر. بعض البشر لا يتكلمون ولا يفهمون أي شيء قد نسمِّيه لغة. ومثل هؤلاء قد لا يكونون — بمعنى ما — بشرًا بحق، لكنهم بالطبع ينتمون إلى نفس النوع البيولوجي الذي تنتمي إليه البقية منا … إنهم مستخدمو لغةٍ محتملون؛ نعني أنه لو كانت لهم تراكيب وراثية مختلفة وتعاقبت عليهم الظروف البيئية المناسبة لتمكَّنوا من اكتساب مهارات لغوية شبيهة بما تمتلكه البقية منا. لكن من الممكن أن نطبق نفس هذه الحالة المناقضة للواقع على الأنواع الأخرى أيضًا. وبنفس هذا المعنى يكون للشمبانزي الاستعداد لاكتساب اللغة.

يمضي «هل» لينبه إلى أن هناك الكثير من خصائص النوع التي لا توزع نفسها التوزيع الطبيعي، ومن ثم فلا يمكن أن توصف في صورة متوسط واحد وانحراف معياري. مجاميع الدم مثال لذلك: يكون الفرد إما O أو A أو B أو AB ولكن أبدًا لا يكون وسطًا ما بين O وA. هذه المجاميع تناظر أليلات مميَّزة داخل الدنا البشري، قد يعبر عنها وقد لا يعبَّر، كمثل الزر يمكن أن يُفتح أو أن يُغلق. هناك مجاميع دم قد تكون أكثر انتشارًا أو أقل داخل عشائر معينة، ولكن لأنها لا تشكل متَّصلًا (كالطول) فمن العبث أن نتحدث عن نمط دمٍ مميز للنوع. ثمة خصائص أخرى توزع نفسها في صورة متَّصلٍ: لون الجلد مثلًا يتباين ما بين الفاتح والأسمر. ولكنه يتعقَّد في السلالات حول سلسلة من الذُّرى أو الطُّرز.

وهذا الجدل ضد مفهوم «العام»، جدل مخادع لأنه يستخدم تعريفًا ضيقًا للغاية لكلمة العام. من الصحيح أننا لا نستطيع أن نتحدث عن مجموعة دم عامة أو متوسطة، فمجاميع الدم هي مما يسميه الإحصائيون المتغيرات الفئوية — نعني خصيصة تقع في عدد من الفئات المميَّزة غير المرتبة، لا وليس من المعقول أن نتحدث عن لون جلد نموذجي. لكن الكثير من الخصائص الأخرى، كالطول والقوة، والكثير من الصفات السيكولوجية، كالذكاء والعدوانية وتقدير الذات، تتخذ صورة متَّصلٍ، وتوزع نفسها، في أية عشيرة، توزيعًا طبيعيًّا حول متوسط واحد. أما مدى تباين العشيرة حول هذا المتوسط (أو ما يسمى الانحراف المعياري) فهو مقياس، بمعنًى ما، لمدى نموذجية المتوسط، كلما صغُر الانحراف المعياري كان المتوسط أكثر نموذجية.

هذا هو السياق الذي يجب أن يُفهم به مفهومٌ مثل العام البشري. لا يلزم أن يكون للخصيصة تباينٌ (انحراف معياري) يساوي الصفر حتى تُعتبر من العام. إننا لن نجد مثل هذا إلا بالكاد. لا شك أن هناك بعض إناث كنغر طافرة تولد بلا جراب، كما تولد أيضًا بعض الثيران وفي رءوسها ثلاثة قرون. مثل هذه الحقائق لا تجعل لغوًا قولنا إن الجراب من مقومات الكنغرة، أو أن الثيران نموذجيًّا لها قرنان. يلزم كي تُعتبر الخصيصة عامةً أن تكون لها نقطة متوسطٍ متميَّزةٍ، وانحراف معياري صغير نسبيًّا — شيء كالموضح في المنحني I بالشكل رقم ٣.

أما الانتقاد الثاني لمفهوم الطبيعة البشرية فهو ما قدمه مرارًا، ولسنين طويلة، عالم الوراثة ريتشارد لوينتين، وفحواه أن التركيب الوراثي للكائن (دناه) لا يحدِّد بشكل كاملٍ مظهره (الكائن الحقيقي الذي يتنامى في آخر الأمر من الدنا). إن بيئاتنا، لا وراثتنا، هي التي تشكل حتى مظهرنا الجسدي وملامحنا — إذا لم نذكر حالتنا الذهنية وسلوكنا. تتفاعل الجينات مع البيئة على كل مستوى تقريبًا في تنامي الكائن الحي، ومن ثم فهي تحدِّد أقل كثيرًا مما يؤكده عادةً مناصرو مفهوم الطبيعة البشرية.

ولقد رأينا بالفعل مثالًا على ذلك في حالة متوسط الطول، الذي تحدده الطبيعة جزئيًّا، بجانب الغذاء وغيره من عوامل التغذية. يوضح ليونتين هذه النقطة بأن يورد عددًا من الأمثلة الأخرى: الفئران التي تربَّى بحيث تصبح متطابقة وراثيًّا، حتى هذه، تستجيب استجابات مختلفة للسم في البيئة، بصمات أصابع التوائم المتطابقة أبدًا لا تكون متطابقة. هناك نوع من النباتات ينمو على الجبال، يتغير مظهره الخارجي تمامًا حسب الارتفاع الذي ينمو به. من المعروف جيدًا أن وليدين يحملان نفس المواهب الوراثية يتحولان إلى شخصين يختلفان جسديًّا وعقليًّا، تبعًا لسلوك الأم أثناء وجود الجنين في رحمها — ما إذا كانت تشرب أو تتعاطى المخدرات أو كان غذاؤها غير كافٍ … وهلم جرًّا. تفاعُل الفرد مع بيئته يبدأ مبكرًا قبل أن يولد؛ الخصائص التي نحب أن نعزوها إلى الطبيعة هي — تبعًا لهذه الحجج — نتيجة لتفاعل معقَّد بين الطبيعة والبيئة.

يمكن أن نوضح هذا الخلاف بالذات بين الطبع والتطبع بمنحنيات التوزيع المختلفة الشكل. سنجد على سبيل المثال أن المنحنى الطويل I في الشكل ٣ هو توزيع افتراضي لمعامل الذكاء (م ذ) في عشيرة افتُرض (فرضًا غير واقعي) أن كلَّ أفرادها يواجهون ذات البيئات فيما يتعلق بالعوامل المؤثرة على م ذ كالغذاء والتعليم وما شابه. هذا يمثل تباينًا طبيعيًّا، أي وراثيًّا، لكن التوزيع الواقعي لقيم م ذ في أي عشيرة سيكون بالحتم أقرب إلى المنحنى II، ليعكس حقيقة أن العشيرة تسيء إلى البعض من أفرادها وتفيد البعض الآخر بطرق تؤثر في الذكاء. المنحنى أقصر وأثخن، ويحمل أفرادًا أكثر على المسافات الأبعد عن الوسيط. كلما ازداد الاختلاف في الشكل بين المنحنيين ازداد أثر البيئة نسبيًّا عن أثر الوراثة.

وحجة ليونتين صحيحة إلى حد ما تذهب إليه، لكنها لا تكاد تُبطل مفهوم الطبيعة البشرية. وكما أشرنا في مناقشة صفة الطول: يمكن للبيئة أن تغير متوسط الصفة، لكنها لا تستطيع أن تدفع طول الإنسان فوق أو تحت حدود معينة، لا ولا يمكنها أن تجعل متوسط طول النساء أكبر من متوسط الرجال. ما زالت الطبيعة هي التي تضع هذه المقاييس. ثم إننا سنجد كثيرًا علاقةً خطِّيةً بين البيئة والتركيب الوراثي والمظهر تضمن — إذا ما كان التباين الوراثي موزعًا توزيعًا طبيعيًّا — أن يكون التباين المظهري هو الآخر كذلك. نعني: كلما تحسَّن غذاؤنا، ازداد طولنا (داخل الحدود النمطية لجنس البشر). لا تزال لمنحنيات الطول نقاط وسيطة وحيدة على الرغم من حقيقة تأثرها بالبيئة. معظم الخصائص البشرية لا تشبه نبات الجبل الذي يبدو مختلفًا تمامًا حسب ارتفاع مكانه. الفرو لا يكسو جلد الأطفال إذا هم رُبُّوا في مناخ بارد، ولن يحملوا خياشيم إذا عاشوا قرب البحر.

الخلاف الهام إذن ليس هو ما إذا كانت البيئة تؤثر في نوع السلوك والخصائص النموذجية لجنس الإنسان، وإنما في قدر هذا الأثر. تحدثنا في الفصل الثاني عن تأكيد موراي وهيرنشتاين بكتابهما «منحنى الجرس» على أن ما يصل إلى ٧٠٪ من تباين م ذ يرجع إلى الوراثة لا إلى البيئة. جادل ليونتين وزملاؤه بأن الرقم الحقيقي يقل عن هذا كثيرًا، بل إن العوامل الوراثية، في رأيهم، لا تلعب في النهاية إلا دورًا ضئيلًا للغاية في تحديد م ذ. هذه قضية تجريبية، لكن يبدو أن ليونتين كان فيها على خطأ: إن الإجماع بين رجال السيكولوجيا، المرتكز على دراسات التوائم، يؤكد بالحجة أنه على الرغم من أن التقدير أقل مما يقول به موراي وهيرنشتاين، إلا أنه يقع ما بين ٤٠٪،٥٠٪.

تتباين درجة توريث الصفة أو السلوك تباينًا واسعًا؛ استحسان الموسيقى يكاد يكون كله من أثر البيئة، وليس للبيئة تقريبًا أي أثر على مرض وراثي مثل رقص هنتنجتون، ومعرفة قيمة العمق الوراثي لصفةٍ ما أمرٌ هام جدًّا إذا كانت صفة جوهرية مثل م ذ. يفترض أن الأفراد في المنطقة فوق المنحنى I ولكن تحت المنحنى II، يفترض أنهم قد وُجدوا هناك ليس بسبب الطبيعة وإنما بسبب بيئتهم. إذا كانت هذه المساحة كبيرة، فهناك أمل كبير في إمكان تحريك متوسط المنحنى إلى شيء أكثر شبهًا بالمنحنى III عن طريق توليفة من الغذاء والتعليم والسياسة الاجتماعية.

بينما تسري حجة ليونتين — بأن التراكيب الوراثية لا تحدد المظهر — على كل الأنواع، فإن الفئة الثالثة من نقد الطبيعة النمطية للنوع تكاد لا تنطبق إلا على البشر؛ أعني أن البشر حيوانات ثقافية يمكنهم تحوير سلوكهم المبني على التعلم وعلى تمرير هذا التعلم إلى الأجيال التالية بطرق غير وراثية. هذا يعني أن التباين في سلوك البشر يزيد كثيرًا عنه في أي نوع آخر: تتراوح نظم القرابات البشرية ما بين جماعات وسلالات إلى عائلات الوالد الواحد، بطريقة لا توجد في نظم القرابة بالغوريلا والهزار. يقول بول إيرليخ المجادل العنيد ضد الطبيعة البشرية بأن طبيعتنا هي ألَّا تكون لنا طبيعة واحدة — هكذا يجادل بأن للمواطنين في الديمقراطيات العريقة طبائع بشرية تختلف عن طبائع من تعوَّدوا العيش تحت الدكتاتوريات، ونجده في موقع آخر يلاحظ أن طبائع الكثيرين من اليابانيين قد تغيرت كثيرًا استجابةً للهزيمة وإفشاء جرائم الحرب اليابانية. هذا يذكِّرنا بجملة بارزة بإحدى روايات فيرجينيا وولف بتاريخ ديسمبر ١٩١٠م أو نحوه تغيرت الطبيعة البشرية.

يقوم إيرليخ ببساطة بتكرير صورة متطرفة من رؤية المفسرين الاجتماعيين للسلوك البشري، تلك التي كانت ذائعة الانتشار منذ خمسين عامًا، والتي أخذت تتقوَّض بالتدريج في العقود الأخيرة مع نتائج البحوث الجديدة. من الصحيح أن تغطية الصحافة الشعبية لقضية جينات لكل شيء، بدءًا من سرطان الثدي وحتى العدوانية، قد نقلت للناس إدراكًا خاطئًا بالحتمية البيولوجية، ومن المفيد أن تذكَّر بأن الثقافة والتركيب الاجتماعي لا يزالان يلعبان أدوارًا مهمة في حياتنا. لكن معرفتنا بأن ٤٠٪-٥٠٪ من معامل الذكاء وراثي، إنما تحمل في داخلها بالفعل تقديرًا لأثر الثقافة على م ذ، وتعني أنَّا حتى لو أخذنا الثقافة في اعتبارنا فثمة مكون جوهري ﻟ: م ذ تحدده الوراثة.

إن القول بألا وجود لطبيعة بشرية لأن البشر حيوانات ثقافية قادرة على التعلم، هو جدل مضلِّلٌ من أساسه لأنه يستند إلى حجة واهية. ليس بين المنظِّرين الجادين للطبيعة البشرية من أنكر أن البشر كائنات ثقافية، أو أن في استطاعتهم أن يستخدموا التربية والتعليم والأعراف في صياغة طريقة حياتهم. أكد أرسطو بالدليل والحجة أن الطبيعة البشرية لا تقودنا أوتوماتيكيًّا إلى الازدهار بالطريقة التي تنمو بها جوزة البلوط إلى شجرة البلوط. إن نجاح الإنسان يتوقف على الفضائل، التي لا بد أن يكتسبها البشر بتعمد؛ وعلى هذا تنشأ الفضائل بداخلنا لا بالطبيعة، لا ولا بانتهاك الطبيعة؛ تعطينا الطبيعة القدرة على تلقِّيها، لنصل إلى الكمال عن طريق العرف. ينعكس تباين التنامي الفردي هذا في تباين قوانين العدالة؛ فبرغم حقيقة وجود شيء اسمه العدالة الطبيعية، فإن قوانين العدالة متغيرة. تطلَّب إتقان العدالة أن يقوم بعضهم بإنشاء المدن، وبكتابة قوانين لهذه المدن توافق ظروفها. ذكر أرسطو أنه بينما نجد أن اليد اليمنى أقوى طبيعيًّا من اليد اليسرى، فمن الممكن لأي شخص أن يجعل من نفسه شخصًا أصبط: الثقافة تضيف إلى الطبيعة، ويمكن أن تقهرها. هناك إذن مكان فسيح في نظام أرسطو لما نسميه اليوم التباين الثقافي والتطور التاريخي.

اعتقد أفلاطون وأرسطو، كلاهما، أن العقل ليس ببساطةٍ مجرد مجموعة من القدرات المعرفية نتسلمها عند الولادة، إنما هو نوع من جهاد لا ينتهي وراء المعرفة والحكمة يتطلب أن ينمَّى في الشباب من خلال التربية، وفي الحياة بعد ذلك، عن تراكم الخبرة. العقل البشري لا يملي مجموعةً واحدةً من الأعراف، أو طريقةً أمثل للحياة فيما أطلق عليه كانط فيما بعدُ اسم النمط البديهي (نعني نمط البرهان الرياضي). لكنه يسمح للبشر بالولوج إلى تفكير فلسفي عن طبيعة العدالة أو عن أفضل الطرق للحياة، طريقة تُبنى على طبيعتهم غير المتغيرة وعلى بيئتهم المتغيرة. كانت هذه الصفة القابلة للتعديل لجهاد الإنسان من أجل المعرفة متوافقةً مع مفهوم الطبيعة البشرية، إنها تشكِّل عند الفلاسفة السياسيين الكلاسيكيين، في الحقيقة، جزءًا حاسمًا فيما يعتبرونه الطبيعة البشرية.

ما هي الطبيعة البشرية إذن؟

أضافت علوم الحياة قدرًا كبيرًا إلى مخزوننا من المعارف التجريبية حول السلوك البشري والطبيعة البشرية. إنه لأمر يستحق فعلًا أن نعود ثانية إلى البعض من التفسيرات الكلاسيكية للطبيعة البشرية. عندئذٍ يمكننا أن نرى أيها يصمد تحت ثقل الشواهد الجديدة، وأيها يبدو وقد دُحض، وأيها يحتاج إلى التحوير في ضوء ما نعرفه اليوم. حاول عدد من العلماء بالفعل أن يقوموا بهذا، كان من بينهم روجر ماسترز وميكائيل ريوز وإدوارد أو. ويلسون ولاري آنهارت. يحاول كتاب آنهارت المعنون «الحق الطبيعي الداروني» أن يبيِّن أن داروين لم يقوِّض نظام أرسطو الأخلاقي، وأنه من الممكن أن تستخدم البيولوجيا الدارونية المعاصرة في تعضيد الكثير من ادعاءات أرسطو حول الفضائل الطبيعية. وضع آنهارت قائمةً من عشرين رغبة طبيعية تعتبر من العام الذي يميِّز الطبيعة البشرية.

الأغلب أن تكون هذه القوائم خلافية، فهي تنحو إما أن تكون قصيرة للغاية وعامة، أو أن تكون نوعيةً أكثر مما ينبغي وتفتقر إلى العمومية. لكن الأهم من التعريف الشامل بالنسبة لأغراضنا الحالية، هو عملنا لتصويب الانتباه نحو خصائص نوعنا المتفردة، فهذه خطيرة بالنسبة لأي تفهُّم لقضية جلال الإنسان الأساسية. ربما كان لنا أن نبدأ بالمعرفة، الخصيصة النوعية التي نميل نحن البشر إلى أن نسرف في الفخر بها.

الصفحة البيضاء تُملأ

الكثير مما عرفناه في السنين الأخيرة عن الطبيعة البشرية يتعلق، كما سنرى حالًا، بالطرق المميِّزة لنوعنا التي بها نحسُّ ونتعلم ونتطور ذهنيًّا. للبشر أسلوبهم الخاص في المعرفة يختلف عن أسلوب القردة العليا والدلفين، أسلوب قابل للتعديل في المعارف التي يمكن تجميعها، إن يكن للتعديل حدوده.

ربما كانت اللغة هي أوضح مثال. اللغات البشرية الواقعية، تقليدية، والاستغلاق المتبادل بين اللغات يُعتبر هوة واسعة تفصل ما بين المجاميع البشرية. من ناحية أخرى فإن القدرة على تعلُّم اللغات أمر شائع وتحكمه خصائص بيولوجية معينة للمخ البشري. اقترح ناعوم شومسكي عام ١٩٥٩م أن هناك بنًى عميقة يقوم عليها بناء الجملة في كل اللغات. أما فكرة أن تكون هذه البنى العميقة هي صفات لتنامي المخ فطرية متأصلة ومبرمجة وراثيًّا فقد أصبحت الآن مقبولة على نطاق واسع. الجينات لا الثقافة، هي ما يضمن أن تظهر القدرة على تعلم اللغات في مرحلة ما خلال السنة الأولى لتنامي الطفل، ثم تضمحل إذا ما وصل سن البلوغ.

تلقت فكرة وجود صورٍ فطرية من المعرفة البشرية قدرًا هائلًا من التعضيد التجريبي في السنين الأخيرة. لكنها وُوجهت أيضًا بقدر كبير من المعارضة. كان السبب في هذه المعارضة — لا سيما في العالم الأنجلوسكسوني — هو الأثر المستديم لجون لوك ومدرسته الإنجليزية التجريبية. بدأ لوك مثالًا يتعلق بفهم البشر بتقرير يقول إنه لا توجد أفكار فطرية في عقل الإنسان، وبالذات لا توجد أفكار أخلاقية. هي هي الصفحة البيضاء الشهيرة للوك: المخ هو نوع من الكمبيوتر المتعدد الاستعمالات الذي يمكن أن يستوعب وأن يناول ما يظهر له من البيانات الحسية. لكن بنك الذاكرة في جوهره يكون أبيض عند الولادة.

بقيت صفحة لوك البيضاء فكرةً جذابة للغاية حتى منتصف القرن العشرين، عندما التقطتها المدرسة السلوكية لجون واطسون وب. ف. سكينر. قدَّم هذا الأخير صيغة أكثر راديكالية مؤداها أنه لا توجد أساليب تعلُّمٍ نوعية للأنواع، وأنه من الممكن أن نجعل الحمامة تدرك نفسها في المرآة بنفس الطريقة التي نتبعها مع القردة العليا والإنسان إذا منحت الحمامة الإثابة الملائمة والعقاب. تتقبل الأنثروبولوجيا الثقافية الحديثة أيضًا فرْض الصفحة البيضاء. جادل الأنثروبولوجيون — من بين ما جادلوا — بأن مفاهيم الزمن واللون هي بنًى اجتماعية لا توجد في كل ثقافة. وجِّه عبر الجيلين الماضيين قدر كبير من التأكيد البحثي إلى هذا المجال وإلى مجال الدراسات الثقافية، وجِّه إلى البحث عن النادر والشاذ وغير المتوقع في الممارسات الثقافية، تحت الاقتراح اللوكي بأن استثناءً واحدًا للقانون العام يُبطل القانون.

أما الآن فتتعرض فكرة الصفحة البيضاء لهجوم كاسح. استبدلت البحوث، في العلوم العصبية المعرفية والسيكولوجيا، بالصفحة البيضاء رأيًا عن المخ كعضو وحدويٍّ مليء ببنًى معرفية مكيَّفةٍ، معظمها متفرد لجنس الإنسان. هناك في الواقع ما قد يبلغ مبلغ الأفكار الفطرية، أو — بصورة أدق — مبلغ صيغ معرفةٍ نموذجية للنوع، واستجابات للمعرفة عاطفية، نموذجية للنوع.

المشكلة مع رأي لوك عن الأفكار الفطرية هي — جزئيًّا — مشكلة تعريف: هو يجادل بألا شيء يمكن أن يكون فطريًّا أو عامًّا إذا لم يحمله كل شخص مفرد في العشيرة. فإذا استخدمنا اللغة الإحصائية من بداية هذا الفصل، فهو في الواقع يجادل بأن الخصيصة الطبيعية أو الفطرية لا بد أن تكون بلا تباين، أي إن انحرافها المعياري صفر. لكن، وكما رأينا، ليس ثمة في الطبيعة ما يحمل مثل هذه الخصيصة: حتى زوج التوائم المتطابقة — ولهما نفس التركيب الوراثي — سيختلف مظهرهما بعض الشيء بسبب الظروف المختلفة قليلًا داخل الرحم.

والقضية التي يثيرها لوك ضد وجود العام الأخلاقي تعاني من ضعفٍ مماثل، فهي في حاجة إلى تباين صفري.٢ هو يجادل بأن القاعدة الذهبية (نعني: عامل الناس بمثل ما تحب أن يعاملوك به؛ أي التبادلية) التي هي المبدأ المفتاح للمسيحية وغيرها من أديان العالم، هذه القاعدة لا تحترمها كل الشعوب، بل وينتهكها الكثيرون. هو يشير إلى أن حب الوالدين لأبنائهما وحب الأبناء للآباء، حتى هذا، لا يمنع الجرائم المنكرة، مثل وأد الأطفال أو قتل الآباء المسنين. هو يلاحظ أن وأد الأطفال كان يمارَس دونما ندم عند الإغريق والرومان ومجتمعات أخرى.

قد لا تكون الصياغات اللغوية الصريحة للقاعدة الذهبية عامة في الثقافات البشرية، لكن ليس ثمة من ثقافة لا تمارس نوعًا من التبادلية، وقلَّةٌ من الثقافات فقط هي التي لا تجعلها مكوِّنًا أساسيًّا للسلوك الأخلاقي. من الممكن أن نقدم الحجج القوية على أن هذه ليست ببساطة نتيجة لسلوك يكتسب بالتعلم. بيَّنت أبحاث روبرت ترايفرز أن بعض صور التبادلية واضحة ليس فقط عبر الثقافات البشرية المختلفة وإنما أيضًا في سلوك سلسلة من الأنواع الحيوانية غير البشرية، الأمر الذي يشير إلى أن لها أسبابًا وراثية. وبنفس الشكل، فإن نظرية انتخاب الأقارب الأساسية تفسر النشوء التطوري للحب الأبوي.

أُجري في السنين الأخيرة عدد من دراسات السلوك الحيواني عن وأد الصغار، بيَّنت أنه يمارَس بشكل واسع في عالم الحيوان، وفي تشكيلة من الثقافات البشرية. على أن أيًّا من هذه الدراسات لم يثبت هدف لوك. ذلك أننا إذا دققنا النظر أكثر في ممارسة وأد الصغار، سيتضح أكثر وأكثر أن ما يحرِّكه هي ظروف استثنائية تفسر كيف يمكن أن تُغفل العواطف الأبوية الطبيعية القوية لرعاية الأطفال. تشمل هذه الظروف: رغبة زوج الأم أو الرفيق الجديد التخلص من نسل منافسه؛ يأس الأم أو مرضها أو فقرها المدقع؛ التفضيل الثقافي للذكور، مرض الطفل أو تشوُّهه. يصعب أن نجد مجتمعًا لا يمارس فيه وأد الأطفال، أساسًا بين من هم في قاع هيراركية المجتمع؛ وحيثما تسمح الموارد بتربية الأطفال تسود غرائز رعايتهم. وعلى العكس مما قال به لوك، فإن وأد الأطفال نادرًا ما يمارس دون ندم. الوأد إذن كالقتل إذا أخذ في صورته العريضة: شيء يحدث عالميًّا، لكنه يُشجب عالميًّا وتتم مراقبته.

بعبارة أخرى، هناك معنًى أخلاقي بشري طبيعي، تطوَّر عبر الزمن عن حاجات البشرانيَّات، الذين كان لهم أن يصبحوا نوعًا اجتماعيًّا. كان لوك على حق بالنسبة للصفحة البيضاء بالمعنى الضيق القائل إننا لا نولد بأفكار أخلاقية مجردة جاهزة. على أن هناك استجابات بشرية عاطفية فطرية توجه تكوين آراء أخلاقية عبر النوع بطريقة متماثلة نسبيًّا. هذه بدورها جزء مما أطلق عليه كانط اسم الوحدة الصُّورية للوعي الاستبطاني — نعني الطرق البشرية لإدراك الواقع التي تمنح هذا الإدراك النظام والمعنى. اعتقد كانط أن المكان والزمان هما البنى الوحيدة المحتومة لوعي الذات، لكنا نستطيع أن نضيف عددًا آخر إلى القائمة. نحن نرى الألوان، ونتجاوب مع الرائحة، وندرك التعبيرات على الوجه، ونُعْرب اللغة بحثًا عن دليل خداع، ونتجنب مخاطر معينة، وننشغل بالتبادلية، ونتابع الانتقام، ونشعر بالارتباك، ونرعى أطفالنا وآباءنا، ونشمئز من غشيان المحارم وأكل لحوم البشر، وننسب السببية إلى الوقائع، وغير ذلك من أشياء — كل هذا لأن التطور قد برمج عقل الإنسان كي يتصرف بهذه الطرق المميزة لنوعنا. ومثلما هو الحال في اللغة، علينا أن نتعلم ممارسة هذه الكفايات بالتفاعل مع بيئتنا، لكنا نحمل عند الولادة القدرة الكامنة على تطويرها، والطرق التي بها بُرمجت كي تتنامى.

النوعية البشرية وحقوق الحيوان

يصبح الارتباط بين الحقوق والسلوك المميز للنوع واضحًا عندما نأخذ في الاعتبار قضية حقوق الحيوان. هناك الآن، حول العالم، حركة قوية جدًّا لحقوق الحيوان، تنشد تحسين جماعات القردة والدجاج والمِنْك والخنازير والأبقار وغير هذه من الحيوانات التي تُذبح، وتُستعمل في التجارب، وتؤكل، وتُلبس، وتُحال إلى مواد للتنجيد، وتُعامل بطرق أخرى مختلفة كوسائل لا كأهداف في ذاتها. هناك في هذه الحركة فئة متطرفة تتحول عند الضرورة إلى العنف، فتقصف بالقنابل معامل البحوث الطبية ومعامل تجهيز الدواجن. بنى عالم الأخلاقيات البيولوجية بيتر سينجر سيرته على الترويج لحقوق الحيوان وعلى نقده لما يسميه «نوعانية البشر» — نقصد المحاباة الظالمة لنوعنا فوق كل ما عداه من أنواع. كل هذا يقودنا إلى أن نطرح السؤال الذي طرحه جيمس واطسون في بداية الفصل الرابع: «من أعطى السمندل حقًّا؟»

إن أبسط الإجابات على هذا السؤال وأكثرها استقامة، الإجابة التي قد لا تنطبق على السمندل وإنما تنطبق مؤكَّدًا على كائنات أخرى ذات أجهزة عصبية أكثر تطورًا، هي أن هذه الحيوانات يمكن أن تشعر بالألم وأن تعاني. هذه حقيقة أخلاقية يمكن لكل من يربِّي حيوانًا أليفًا أن يُثبتها. يمكن أن نتفهم أن الدوافع الأخلاقية وراء حركة حقوق الحيوان تنبع عن الرغبة في تقليل معاناة الحيوانات. تنشأ حساسيتنا البالغة تجاه هذه القضية — جزئيًّا — من ذيوع مبدأ المساواة في العالم ولكن أيضًا من تراكم المعارف التجريبية عن الحيوانات.

الكثير من الأبحاث التي أجريت على سلوك الحيوان عبر الأجيال القليلة الأخيرة توحي بإزالة الحد الواضح الذي كان يفصل البشر يومًا عن بقية عالم الحيوان. وفَّر تشارلس داروين بالطبع الأساس النظري لفكرة تطور الإنسان عن أسلاف من القردة العليا وأن كل الأنواع تمضي في عملية تحوير مستمرة. الكثير من الصفات التي كان يقال يومًا إنها متفردة لجنس الإنسان — مثل اللغة والثقافة والعقل والوعي وما شابه — أصبحت الآن مميِّزةً أيضًا لتشكيلة عريضة من الحيوانات غير البشرية.

فعلى سبيل المثال نبَّه عالم الرئيسات فرانس ده فال إلى أن الثقافة — نعني القدرة على نقل السلوك، المكتسب بالتعلم عبر الأجيال من خلال وسائل لا وراثية — ليست إنجازًا بشريًّا محضًا. أورد المثال الشهير للنسناس الذي كان يغسل البطاطس والذي يقطن جزيرةً يابانية صغيرة. لاحظت مجموعةٌ من علماء الرئيسات اليابانيين في خمسينيات القرن العشرين أن نسناسًا معينًا (ألبيرت آينشتين بين القردة، إن جاز لنا القول) قد طوَّر عادةً غسل البطاطس في النهر. اكتشف نفس هذا النسناس فيما بعدُ أنه من الممكن أن يزيل التراب عن حبوب الشعير إذا ما أسقطها في الماء. هذان السلوكان ليسا مبرمجَين وراثيًّا، ولم تكن البطاطس ولا الشعير يومًا بعضًا من الطعام التقليدي للنسانيس، وأبدًا لم يلحظ أحدٌ هذين السلوكين قبلًا. لكن، لوحظت عملية غسل البطاطس، وإزالة التراب عن الشعير، بين النسانيس الأخرى على الجزيرة بعد بضع سنين من وفاة القرد الأصلي الذي اكتشف هاتين التقنيتين، مما يشير إلى أنه قد علَّم زملاءه، وأن الزملاء قد مرَّروهما إلى الصغار.

وحيوانات الشمبانزي أقرب من النسانيس إلى البشر لها لغة من النَّخر والصِّياح، وقد أمكن تدريبها في الأسر على تفهُّم عدد محدود من الكلمات البشرية وعلى التعبير عن نفسها. يصف ده فال في كتابه «سياسة القرود» مكائد مجموعة من الشمبانزي تحاول أن تصل إلى المنزلة الأولى للذكور في مستعمرة بهولندا. كانوا يدخلون في تحالفات، ويخونون بعضهم بعضًا، يلتمسون، يستجدون، يتملَّقون، بطرقٍ يعرفها ميكيافيلِّي. يبدو أيضًا أن للشمبانزي حسَّ الدعابة كما يشرح ده فال في «القرد وسوشي ماستر»:

عندما يصل الضيوف إلى محطة ييركيز للرئيسات، قرب أطلانطا، حيث أعمل، فإنهم عادة ما يقومون بزيارة لمجموعتي من الشمبانزي. وكثيرًا ما تُسرع مشاغِبتي المفضلة — وهي أنثى اسمها جورجيا — إلى الحنفية حيث تملأ فمها بالماء قبل وصولهم، ولقد تنتظر جورجيا بضع دقائق — إذا تطلَّب الأمر — وفمها مغلق حتى يقترب الزوار، وفجأة ترشهم بالماء فيُسمع الصراخ والضحك والقفز بل وقد يسقط بعضهم على الأرض أحيانا.

مرة وجدت نفسي في ذات الموقف مع جورجيا. كانت قد تعاطت جرعة الماء من الحنفية، وكانت تتكتم شيئًا، نظرت في عينيها مباشرة، وأشرت لها بإصبعي محذرًا، قائلًا بالهولندية: رأيتك. وعلى الفور اتجهت إلى الخلف وتركت بعض الماء يسقط من فمها. وابتلعت الباقي. أنا لا أدعي أنها تفهم الهولندية. لكن لا بد أنها أحست بما أنويه، وأنني لن أكون الهدف السهل لها!

الواضح أن جورجيا لم تكن تُنكت فقط، وإنما هي تشعر بالخجل أيضًا إذا ما كُشفت لعبتها!

سنجد أمثلةً كهذه تُذكَر ليس لتعضيد فكرة حقوق الحيوان، وإنما أيضًا للطعن في الادعاءات البشرية بتفرُّدنا وبمنزلتنا الخاصة. يطرب بعض العلماء إذ يفضحون زيف الادعاءات التقليدية عن الكرامة الإنسانية، لا سيما تلك المرتكزة على الدين. وكما سنرى في الفصل التالي: لا يزال هناك الكثير مما يستحق في فكرة الكرامة الإنسانية، لكن تبقى فكرة وجود تنويعة واسعة من الحيوان تشاركنا بعض الصفات الهامة. عادة ما يشير البشر وبشكل عاطفي إلى ما يحملون من إنسانية مشتركة، لكنهم في الكثير من الحالات يقصدون الحيوانية المشتركة. الفيلة مثلًا تبدو حزينة عندما تفقد وليدها، وتصبح مرتاعةً للغاية إذا عثرت على جثة فيل ميت. لا يتطلب الأمر خيالًا بعيدًا لنرى شيئًا مشتركًا — إن يكن بعيدًا — بين الفيل وبين إنسان يأسى لموت قريب له، أو يشعر بالفزع إذا هو شاهد جثة. (ربما كان هذا هو السبب في مفارقة وصفنا جمعيات حماية الحيوان بأنها «إنسانية»).

لكن، إذا ما كان للحيوان حق في ألا يعاني بإفراط، فإن طبيعة هذا الحق وحدوده إنما تعتمد كلية على ملاحظاتنا التجريبية عما هو نموذجي لنوع الحيوان — نعني على حكمٍ لازم عن طبائعها. لم نسمع حتى اليوم — لحدِّ علمي — واحدًا من بين أكثر نشطاء حقوق الحيوان تزمُّتًا، يقدم حججًا تعضِّد حقوق فيروسات الإيدز أو بكتيريا إ. كولاي — التي يسعى البشر إلى تدميرها كل يوم بالبلايين. إننا لا نفكر في أن تمنح هذه الكائنات الحية حقوقًا، لأن الواضح أنها لا تعاني ولا تدرك وضعها، فليس لها أجهزة عصبية. إنَّا نميل إلى أن نمنح الكائنات التي تشعر بالألم حقوقًا أكبر. فهي تتوقع الألم، كالبشر، ولها مخاوفها ولها آمالها، وتمييزٌ من هذا القبيل قد يخدم في أن نُفرِّق ما بين حقوق السمندل وحقوق كلبك مثلًا — ليقر كل واطسون بهذا العالم سعيدًا.

لكن، حتى لو قبلنا حقيقة أن للحيوانات حقًّا في ألا تعاني بإفراط، فهناك مجال كامل من الحقوق لا يمكن أن يُمنح لها، فهي ليست بشرًا. إننا لا نفكر حتى في أن نمنح حق التصويت، مثلًا، لكائنات لا يمكنها كمجموعة أن تتعلم لغتنا البشرية. يمكن لأفراد الشمبانزي أن تتواصل فيما بينها بلغة نموذجية لنوعها، ويمكنها أن تتقن عددًا محدودًا جدًّا من كلماتنا البشرية إذا ما دُرِّبت عليها، لكنها أبدًا لا يمكن أن تتقن اللغة البشرية، لا ولا هي تمتلك المعرفة البشرية على وجه العموم. أما ألَّا يستطيع البعض من البشر أيضًا أن يتقنوا اللغة البشرية، فإنما يؤكد أهميتها كحقوق سياسية: يُستبعد الأطفال من حق التصويت لأنهم كجماعة لا يمتلكون القدرات المعرفية للشخص البالغ النموذجي. في كل هذه الحالات، سنجد أن للفروق المميزة للنوع بين الحيوانات غير البشرية من ناحية، والبشر من أخرى، أهميتها القصوى في تفهُّمنا للوضع الأخلاقي لهذه الحيوانات.

كان السود والنساء يومًا مستبعَدين من التصويت بالولايات المتحدة على أساس أنهم لا يتمتعون بالقدرات المعرفية اللازمة لممارسة هذا الحق على نحو سليم. ولكن السود والنساء يمكنهم اليوم الاشتراك في التصويت، ولم يُمنح هذا الحق للشمبانزي أو للأطفال، بسبب ما نعرفه تجريبيًّا عن القدرات المعرفية واللغوية لهاتين المجموعتين. وانتماء الفرد إلى أيٍّ من هاتين المجموعتين لا يضمن أن تكون خصائصه قريبة من وسيط هذه المجموعة (أنا أعرف عددًا كبيرًا من الأطفال يمكنهم التصويت بصورة أحكم من الوالدين) ولكنه مؤشر عن القدرة جيدٌ بما فيه الكفاية للأغراض العملية.

إن ما أطلق عليه بيتر سينجر — المدافع عن حقوق الحيوان — اسم «النوعانية» ليس بالضرورة تحيُّزًا جاهلًا يخدم نفسه من قِبل البشر، وإنما هو اعتقاد حول الكرامة البشرية يمكن الدفاع عنه على أساس نظرة عن النوعية البشرية مبنية على التجريب. ولقد لمست هذا الموضوع عند مناقشة المعرفة البشرية. لكنا إذا وجدنا مصدرًا لهذه المنزلة البشرية الأخلاقية الرفيعة يرفعنا فوق بقية عالم الحيوان، ثم يحفظنا في نفس الوقت متساوين كبشر، فإننا سنحتاج إلى أن نعرف أكثر تلك المجموعة الفرعية من الخصائص البشرية التي ليست فقط نموذجيةً لنوعنا، وإنما هي أيضًا متفردة للجنس البشري. عندئذٍ، وعندئذٍ فقط سنعرف ما يحتاج أن نوليه أقصى حماية ضد التطورات المستقبلية في البيوتكنولوجيا.

١  الوسيط هو الطول الذي يقسم العشيرة إلى نصفين، نصف أطول منه ونصف أقصر، والمتوسط هو مجموع كل الأطوال في العشيرة مقسومًا على عددها.
٢  وقع لوك في مشكلة تعريف أخرى، وهو أنه يريد أن يتحدث عن الأفكار الفطرية بالمعنى الدقيق لمسألة لفظية مثل: يا أيها الآباء، حافظوا على أطفالكم. يجادل بأنه لا يمكن أن يفهم المعنى المضمَّن بالجملة عن الواجب دون مفهوم عن القانون وصنَّاع القانون. صحيح أنه لا توجد أية أفكار عامة في هذه الصورة؛ إن العام هو العواطف البشرية التي تدفع الأبوين إلى حماية أطفالهما وإلى أن يبحثا عن الأفضل لهم. أما الخطوة التالية في وصل القيم التي تعنيها هذه العواطف فهو أمر لا يحدث دائمًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦