الكرامة البشرية
«أمن الممكن إذن أن نتخيل فلسفة طبيعية جديدة، مدركةً على الدوام بأن الموضوع الطبيعي الناتج عن التحليل والتجريد ليس واقعًا وإنما هو مجرد رؤية، تصحِّح التجريد دائمًا؟ يصعب عليَّ أن أعرف ما أطلبه … العلم المجدَّد الذي يدور بخاطري لا يعمل — حتى على المعادن والخضراوات — ما يقوم به العلم الحديث من تهديد للإنسان نفسه. فإذا ما فسَّر فإنه لا يقدِّم السبب المقنع. عندما يتحدث عن الأجزاء، فإنه يتذكر الكامل … إن التناظر بين طاو الإنسان وغرائز نوع حيواني سيعني عنده ضوءًا جديدًا يسلِّطه على الشيء المجهول — الغريزة — واقع الضمير المدرك باطنيًّا، ولا يعني تحوير الضمير إلى فئة الغريزة. لن يكون أتباعه أحرارًا مع كلمتَي «فقط» و «فحسب». بالاختصار سيهزم الطبيعة دون أن تهزمه في نفس الوقت، وسيشتري المعرفة بسعر أدنى من سعر الحياة.»
يقول قرار المجلس الأوروبي عن استنساخ البشر إن تحويل الإنسان إلى آلة عن طريق التخليق المتعمَّد لبشر متطابقين وراثيًّا، هو أمر مناقض للكرامة البشرية، ومن ثم فهو استخدام خاطئ للطب والبيولوجيا. الكرامة البشرية مفهوم من تلك المفاهيم التي يحبُّ أن يطرحها من حولهم السياسيون وكل من يعمل في حقل الحياة السياسية، لكن، لا أحد تقريبًا يمكنه أن يعرِّفه أو أن يفسِّره.
تركِّز معظم السياسة على قضية الكرامة البشرية وما يرتبط بها من الرغبة في الاعتراف. نعني أن البشر يطلبون باستمرار أن يعترف الآخرون بكرامتهم، إما كأفراد أو كأعضاء في مجاميع دينية أو إثنية أو عرقية أو غير ذلك. والكفاح من أجل الاعتراف ليس اقتصاديًّا: إننا لا نطمع في مال وإنما في أن يحترمنا الآخرون بالطريقة التي نعتقد أننا نستحقها. كان الحكام في العهود القديمة يطلبون من الغير أن يعترفوا بقيمتهم السامية كملك أو إمبراطور أو لورد، أما اليوم فإن الناس ينشدون الاعتراف بمنزلتهم المتساوية كأعضاء في جماعات كانت قبلًا مزدراةً أو ساقطة — مثل النساء والشواذ جنسيًّا والأوكرانيين والمعوَّقين والأمريكيين الأصليين وما شابه.
والمطالبة بالاعتراف بالمساواة أو الاحترام هي عاطفة الحضارة الغالبة، كما أشار توكفيل منذ أكثر من ١٧٠ عامًا في كتابه «الديمقراطية في أمريكا». أما ما يعنيه هذا في الديمقراطية الليبرالية فهو أمرٌ معقد بعض الشيء. ليس من الضروري أن نصوِّر أننا متساوون في كل الأمور الهامة أو أن نطلب أن تكون لحياتنا نفس القيمة مثل كل شخص آخر. يقبل معظم الناس حقيقة أن لفردٍ مثل موزار، أو آينشتين، أو ميكائيل جوردان، بموهبة وقدرات ليست لهم، وأنه يتلقى الاعتراف بل وحتى التعويض النقدي عما أنجزه بموهبته. نحن نقبل حقيقة أن الموارد موزَّعةٌ في غير عدل، تبعًا لما أطلق عليه جيمس ماديسون «قدراتنا المختلفة غير المتساوية على التملك» — وإن كنا لا نحب ذلك بالضرورة. لكنا نعتقد أيضًا أن من حق الناس أن يحتفظوا بما يكسبون. وأن ملكة العمل أو التكسب ليست واحدة عند الكل. ثم إننا نقبل أيضًا حقيقة أن ملامحنا مختلفة، وأننا ننتمي إلى سلالات مختلفة وإثنيات مختلفة. وإلى جنسٍ من اثنين وإلى ثقافات مختلفة.
العامل «س»
أما ما نعنيه بالمساواة في الاعتراف فهو أننا إذا جرَّدنا الفرد من كل خصائصه الطارئة والعرضية، فسيبقى بعض من سجايا إنسانية جوهرية تستحق مستوًى أدنى محددًا من الاحترام — ولنسمِّه العامل «س». لون الجلد، الطلعة، الطبقة الاجتماعية، الثروة، الجندر، الخلفية الثقافية، بل وحتى مواهب الفرد الطبيعية. كل هذه خصائص طارئة عند الولادة تحال إلى طائفة الخصائص غير الجوهرية. نحن نختار الصديق والزوج ومن نتعامل معه، بل ومن نتجنَّبه في المناسبات الاجتماعية، بناء على هذه الخصائص الثانوية. أما في مجال السياسة فالمطلوب أن نولي نفس الاحترام لكل الناس على أساس تملُّكهم للعامل «س». أنت تستطيع أن تطبخ، أن تأكل، أن تعذِّب، أن تستعبد أو أن تستخلص دهن جثَّة الكائن، إذا كان يفتقر إلى العامل «س». لكنك إذا فعلت هذا مع إنسان فأنت مذنبٌ في حق الإنسانية. إننا لا نضفي على من يحمل العامل «س» من الكائنات حقوق الإنسان فقط، وإنما أيضًا الحقوق السياسية — إذا كانوا بالغين — يعني حق الحياة في مجتمعات سياسية ديمقراطية، تُحترم فيها حقوقهم في الكلام والدين والارتباط والمشاركة السياسية.
كانت دائرة الكائنات التي ننسب إليها العامل «س» واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل عبر التاريخ البشري. كان العامل «س» في الكثير من المجتمعات — ومن بينها أكثر المجتمعات ديمقراطية خلال المراحل الأقدم من التاريخ — يخصُّ مجموعة صغيرة رئيسية من السلالة البشرية تستبعد أناسًا من جنس معين، وطبقات اجتماعية معينة وسلالات وقبائل، وشعوبًا ذات إدراك منخفض وعجز وعيوب خلقية وما شابه. كانت هذه المجتمعات مقسَّمةً، ولحد كبير، إلى طبقات اجتماعية تختلف في قدر ما تحمله من العامل «س»، بل وكان بعضها لا يحمل منه شيئًا على الإطلاق. أما اليوم فإن العامل «س» — بالنسبة لمن يعتقدون في المساواة الليبرالية — يرسم دائرة حمراء زاهية حول جنس البشر كله، ويتطلب احترامًا متساويًا لكل من هم داخل الدائرة، ولكنه ينسب مستوًى من الكرامة أقل إلى من هم خارج الدائرة. العامل «س» هو جوهر البشرية، المعنى الأعمق لما يعنيه أن نكون بشرًا. إذا كان لكل البشر في الحقِّ نفس الكرامة، فإن «س» لا بد أن تكون خصيصة يمتلكها الجميع. ما هو إذن هذا العامل «س»، ومن أين يأتي؟
الإجابة بالنسبة للمسيحيين بسيطة للغاية: إنه يأتي من الرب. خُلق الإنسان على صورة الرب، ومن ثم فهو يحمل بعضًا من قداسته، بعضًا يؤهل كل البشر لمستوًى من الاحترام يعلو على كل الكائنات الطبيعية الأخرى. يقول البابا جون بول الثاني إن هذا يعني أن «الشخص منا لا يمكن أن يُخضع ليصبح وسيلة مجردة أو آلة مجردة للنوع أو للمجتمع. إن له قيمةً في ذاته. إنه شخص. هو قادر بذكائه وبإرادته أن يشكِّل علاقة مشاركةٍ وتكافل وتضحية بالنفس مع أنداده … يمتلك الشخص الكامل، بفضل روحه المتدينة، مثل هذه الكرامة حتى في جسده.»
فإذا لم يكن الشخص مسيحيًّا (أو لا يدين بدينٍ آخر) ولم يقبل المقدمة المنطقية بأن الإنسان قد خُلق على صورة الرب، فهل هناك أساس علماني للاعتقاد بأن البشر مؤهلون لمكانة أخلاقية خاصة أو كرامة خاصة؟ ربما كانت أشهر المحاولات لوضع أساس فلسفي للكرامة البشرية هي ما قام به كانط — الذي جادل بأن العامل «س» يرتكز على قدرة البشر على الخيار الأخلاقي؛ نعني أن البشر قد يختلفون في الذكاء، في الثروة، في السلالة، في الجندر، لكنهم جميعًا قادرون بنفس القدر على أن يعملوا أو لا يعملوا حسب قانونٍ أخلاقي. للبشر كرامة لأنهم وحدهم من يمتلك حرية الإرادة — ليس فقط الوهم الذاتي لحرية الإرادة وإنما القدرة الواقعية على تجاوز الحتمية الطبيعية والقواعد المعيارية للسببية. إن وجود حرية الإرادة هو ما يقود إلى النتيجة المعروفة لكانط بأن البشر لا بد أن يعاملوا دائمًا على أنهم غايات لا وسائل.
سيكون الأمر صعبًا للغاية أن يقبل كل من يعتقد في التفسير المادي للكون — ومن هؤلاء الغالبية العظمى من علماء المذهب الطبيعي — التفسير الكانطي للكرامة البشرية، أما السبب فهو أنه يدفعهم إلى قبول صورة من الثنائية — بأن هناك عالمًا لحرية البشر موازيًا لعالم الطبيعة ولا تحدِّده هذه الحرية. سيجادل معظم علماء المذهب الطبيعي بأن ما نعتقد أنه حرية إرادة ليس في الواقع سوى وهم، وأن اتخاذ القرارات السياسية يمكن أن يُردَّ إلى أسباب مادية.
يقرِّر الفرد أن يفعل شيئًا بعد الآخر لأن مجموعة من النيورونات معينة — لا غيرها — تنطلق، ومن الممكن أن تُردَّ هذه الإطلاقات النيورونية إلى ما كان من أوضاع مادية سابقة. قد تكون عملية اتخاذ القرار عند البشر أكثر تعقيدًا منها عند الحيوانات الأخرى، لكن ليس ثمَّة حدٌّ قاطع يميِّز الخيار البشري الأخلاقي عن أنواع الخيارات التي تتخذها الحيوانات الأخرى. لم يقدِّم كانط نفسُه أي دليل على وجود حرية الإرادة، قال إنها ببساطة فرضٌ ضروري لأسباب عملية بحتة حول طبيعة الفضيلة — وهذه حجة يصعب أن يقبلها أيُّ عالم تجريبي عنيد.
تملُّك القدرة
تمضي المشكلة التي يثيرها العلم الطبيعي الحديث إلى أعمق حتى من هذا. وقعت نفس فكرة وجود ما يسمى «جوهر بشري» تحت هجوم العلم الحديث عبر معظم المائة والخمسين سنة الماضية. من بين أهم التوكيدات الأساسية للداروينية أن الأنواع ليس لها جوهر، نعني أنه بينما كان أرسطو يعتقد في خلود الأنواع (أي إن ما كان عليه السلوك النموذجي للنوع شيء لا يتغير) فإن نظرية داروين تؤكد بأن هذا السلوك يتغير استجابةً لتفاعل الكائن مع بيئته: ما هو نموذجي للنوع إنما يمثِّل لقطةً لنوع في لحظة واحدة معينة من زمانه التطوري؛ أما ما كان قبلًا وما سيكون بعدًا فمختلف. ولما كانت الداروينية تؤكد ألَّا وجود لغائية كونية توجِّه عملية التطور، فإن ما يبدو جوهر النوع ليس إلا منتجًا عرضيًّا للعملية التطورية العشوائية.
إنني لا أرى لماذا يكون لوجود العام البشري كل هذه الأهمية. ربما كان للناس وحدهم بصمات يمكن مقارنتها، ربما كانوا يستخدمون الآلات ويعيشون في مجتمعات حقيقية، أو لهم ما شئت من صفات، لكني أعتقد أن الكثير من الصفات التي تُربط بهم هي إما زائفة أو هي فارغة. وحتى لو كانت حقيقية وجوهرية، فإن توزيعات هذه الصفات بخاصة — في معظمها — هي مجرد مصادفات تطورية.
لم يكن التطور المتحرِّر أبدًا أمرًا محتومًا (موجَّهًا نحو هدف)، وهو ليس بالضرورة مرتبطًا بالتقدم — إنه ببساطة مجرد استجابة لتغيرات بيئية معينة لا يمكن التنبؤ بها. لو أن الكويكب الذي اصطدم بكوكبنا منذ ستين مليون عام قد مر به ومضى، فلربما لم يكن هنا بشر على الإطلاق. وأيًّا كان النظام الطبيعي فهو ليس بالضرورة طيبًا. كان فيروس الجدري جزءًا من النظام الطبيعي إلى أن تدخَّل الإنسان فدفع به إلى الفناء.
لماذا لا نستغل الفرصة؟ لماذا لا نتحكم فيما تُرك للصدفة في الماضي؟ الحق أننا نتحكم في كل النواحي الأخرى من حياة أطفالنا وهوياتهم عن طريق تأثيرات اجتماعية وبيئية قوية، وفي بعض الحالات باستخدام عقاقير قوية مثل الريتالين والبروزاك. على أي أساس إذن يمكن أن ترفض الآثار الوراثية الإيجابية على جوهر الفرد إذا ما كنا نقبل حقوق الأب في أن يفيد أبناءه بكل وسيلة أخرى؟
لماذا لا نستغل هذه القدرة؟
حسنًا. دعنا نبدأ بالنظر إلى ما قد تكون عليه نتائج التخلي عن فكرة وجود العامل «س» أو الجوهر البشري، الذي يربط ما بين البشر جميعًا، النتائج بالنسبة للفكرة المدللة بأننا جميعًا سواء؛ تلك الفكرة التي يلتزم بها تقريبًا كل من يهاجم فكرة الجوهر البشري. كان «هل» على حق في رأيه بأنه لا يلزم أن نكون جميعًا سواء كي تكون لنا حقوق — لكن يلزم أن نكون جميعًا سواء في خصيصة واحدة حاسمة لكي تكون لنا حقوق متساوية. يقلقه كثيرًا أن بناء حقوق الإنسان على الطبيعة البشرية إنما سيسم الشواذ جنسيًّا، لأن توجيههم الجنسي يختلف عن النموذج الطبيعي. لكن الأساس الأوحد الذي يمكن أن تُبنى عليه حجة لصالح الشواذ هو الجدل بأنه أيًّا ما كان توجيههم الجنسي فإنهم بشر أيضًا في نواحٍ أخرى أهم من موضوع الجنس. فإذا لم نستطع أن نعثر على هذه الأرضية المشتركة، فلن يكون ثمَّة سبب في ألا نتعصب ضدهم، لأنهم في الواقع كائنات تختلف عن أي شخص آخر.
بنفس الشكل سنجد لي سيلفر — وهو المتلهف على استخدام قدرات الهندسة الوراثية في تحسين البشر — سنجده برغم ذلك وقد روَّعه احتمال أن تُستغلَّ في خلق طبقة متفوقة وراثيًّا من الناس. رسم سيناريو لطبقة من الناس، أسماها: «جين ريتش» (ذوي الجينات النفيسة) — تقوم في مثابرة بتحسين القدرات المعرفية لأطفالهم حتى لتفصلهم عن بقية الجنس البشري ليكوِّنوا نوعًا مستقلًّا.
كان أكثر ما روَّع سيلفر هو أن التكنولوجيا قد تجعلنا نولد بطريقة تكاثر غير طبيعية — مثلًا امرأتان مساحقتان تنجبان نسلًا وراثيًّا، أو بويضة تؤخذ من جنين أنثى لم يولد بعد، لتعطي طفلًا لأم أبدًا لم تولد. رفض الرجل الهموم الأخلاقية لكل الأديان أو للنظام الأخلاقي التقليدي بشأن الهندسة الوراثية في المستقبل ولكنه أكد على ما رأى أنه تهديد للمساواة بين البشر. لا يبدو أنه قد فهم أننا إذا سلَّمنا بمقدماته، فلن يكون هناك أي أساس يمكن أن يبني عليه معارضته لذوي الجينات النفيسة أو حقيقة أنهم قد يمنحوا أنفسهم حقوقًا أرفع من حقوق ذوي الجينات المسكينة (جين بور). إذا لم يكن ثمَّة وجود لجوهر ثابت شائع بين كل البشر أو إذا كان هذا الجوهر متباينًا وعرضةً للمنابلة البشرية، فلماذا لا نخلق سلالة تولد وعلى ظهر كل فرد منها سرجٌ مجازي، وأخرى بحذاء طويل الرقبة ومهمازٍ؟ لماذا لا نستغل هذه القدرة أيضًا؟
أما بيتر سينجر، عالم أخلاقيات البيولوجيا — الذي تسبب تعيينه بجامعة برينستون في نزاع كبير بسبب تأييده لوأد الأطفال والقتل الرحيم في حالات معينة — فهو أكثر استقامة من معظم الناس بالنسبة لعواقب التخلي عن مفهوم الكرامة البشرية. سينجر رجل نفعيٌّ عنيد، يرى أن المعيار الوحيد ذا الصلة بالنسبة للأخلاقيات هو تقليل المعاناة في إجمالي الكائنات كلها. البشر جزء من متَّصل الحياة. وليست لهم مكانة خاصة في رؤيته الداروينية الصريحة للعالم، وهذا يؤدي به إلى استنتاجَين منطقيَّين تمامًا: الحاجة إلى حقوق الحيوان — فالحيوانات يمكن أن تتألم وتعاني كالبشر، وتخفيض حقوق الأطفال وكبار السن ممن يفتقرون إلى صفات أساسية — كإدراك الذات — تسمح لهم بتوقع الألم. هناك حقوق لحيوانات معينة. من وجهة نظره، تستحق احترامًا أكبر من حقوق بعض البشر.
لكن سينجر ليس صريحًا بما يكفي في الانتقال من هذه المقدمات إلى الاستنباط المنطقي، لأنه يظل مساواتيًّا ملتزمًا، هو لم يفسر السبب في أن يبقى تخفيف الآلام هو الخير المعنوي الوحيد. سنجد كالعادة أن الفيلسوف فريدريخ نيتشه كان هو الأوضح رؤيةً في تفهُّم عواقب العلوم الطبيعية الجديدة والتخلي عن مفهوم الكرامة البشرية. كان نيتشه يتمتع باستبصار عظيم ليرى أنه إذا لم يعد من الممكن رسم الخط الأحمر الواضح حول البشرية بأكملها، فإن الطريق سيمهَّد للعودة إلى ترتيب للمجتمع أكثر هيراركية. فإذا كان ثمَّة متَّصلٌ من التسلسل بين البشر واللابشر، فهناك أيضًا متَّصلٌ ما بين البشر أنفسهم. هذا يعني حتمًا أن يتحرَّر القوي مما يضعه الإيمان بالرب أو بالطبيعة على كاهله من حرج. هذا من ناحية. من ناحية أخرى فإنه سيقود بقية البشر إلى أن يطلبوا أن تكون الصحة والأمان هما الممكن الوحيد بعد أن فُضح زيف كل الأهداف العليا التي بُذلت لهم. أو كما قال نيتشه على لسان زرادشت: «للفرد سعادته الصغيرة للنهار، وله سعادته الصغيرة لليل، لكن للفرد تمنياته بالصحة.» لقد ابتكرنا السعادة. يقول آخر الرجال وهم يرمشون بأعينهم. والحق أنه من الممكن أن تتضافر عودة الهيراركية مع طلب المساواتيين للصحة والأمان وتخفيف الآلام، إذا ما وفَّر الحكام للجماهير في المستقبل ما يكفي من السموم الصغيرة.
كان مما يستوقفني دائمًا أننا لم نمضِ طويلًا، بعد مائة عام من وفاة نيتشه، في الطريق إلى السوبرمان و «خاتم الرجال». مرةً قام نيتشه بتأنيب جون ستيوارت مل واعتبره «هنديًّا أحمر» لأنه اعتقد أنه من الممكن أن يكون للفرد ما يشبه الفضيلة المسيحية دون أن يؤمن برب مسيحي. ورغم ذلك، فإننا لو نظرنا إلى أوروبا أو أمريكا وقد أصبحتا علمانيتين عبر الجيلين الماضيين، فسنلحظ بقايا إيمان بمفهوم الكرامة البشرية، التي أصبحت الآن وقد انفصلت تمامًا عن جذورها الدينية. لا، هي ليست بقايا: إن فكرة إمكان أن يقوم الفرد بتحديد مجموعة من الناس على أساس السلالة أو الجندر أو العجز أو أية صفة أخرى، ثم أن يستبعدها من الدائرة السحرية لمن يستحقون الكرامة الإنسانية، هذه الفكرة هي الشيء الوحيد الذي سيجلب العار كل العار على رأس أي سياسي يقترحها. وكما قال الفيلسوف تشارلس تيلور إننا نعتقد أنه لخطأ فادح بلا أساس أن نرسم حدودًا لا تضم الجنس البشري بأكمله. فإذا ما حاول البعض ذلك فلا بد أن نسأل على الفور عما يميِّز من هم بالداخل عمن تُركوا بالخارج. تتَّخذ فكرة المساواة في الكرامة الإنسانية، ذات الأصول المسيحية أو الكانطية، عقيدةً لدى أكثر علماء المذهب الطبيعي مادية. ويشكل الجدل المستمر حول المنزلة المحتملة لمن لم يولد بعد (وسنتحدث عن هذا فيما بعد) الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة العامة.
أما أسباب استمرار فكرة المساواة في الكرامة الإنسانية فهي معقَّدة. هي جزئيًّا قضية قوة العادة وما أسماه ماكس فيبر مرة باسم «شبح المعتقدات الدينية الميتة» الذي ما يفتأ ينتابنا. وهي جزئيًّا نتيجة المصادفة التاريخية: كانت النازية هي آخر الحركات السياسية الهامة التي أنكرت صراحة المقدمة المنطقية للكرامة الإنسانية العامة. وكانت العواقب الرهيبة لسياسات النازي العرقية واليوجينية كافية لتحصين مَن خبرها لمدة جيلين قادمين.
لكن هناك سببًا هامًّا آخر لبقاء فكرة عمومية الكرامة الإنسانية، سببًا يتعلق بما قد نسمِّيه طبيعة الطبيعة ذاتها. لقد ثبت أن الكثير من الحجج التي أُنكر بسببها على مجاميع معينة حظُّها من الكرامة الإنسانية كانت ببساطة قضية تحاملٍ، أو كانت ترتكز على ظروف ثقافية وبيئية يمكن تغييرها. أما فكرة أن النساء يتمتعن باللاعقلانية وبالعاطفية إلى الحد الذي يجعلهن غير صالحات للانخراط في السياسة، فقد ثبت خطؤها بناء على نتائج علم تجريبي قديم. لن يثير دهشتنا أيضًا أن نجد أن الفضيلة لم تُدمَّر في الغرب تمامًا، بعد أن انتهى الإجماع على القيم الدينية التقليدية، ذلك أن النظام الأخلاقي ينبع من داخل الطبيعة البشرية وليس شيئًا تفرضه الثقافة على الطبيعة البشرية.
كل هذا يمكن أن يتغير تحت تأثير بيوتكنولوجيا المستقبل. إن أوضح الأخطار القائمة هو أن التباينات الوراثية الضخمة بين الأفراد ستضمحل لتتعنقد داخل زُمرٍ اجتماعية معينة مميَّزة. تقول الصدفة الوراثية الآن إنه ليس من الضروري أن يرث الابن أو الابنة من الوالد الثري الناجح موهبته أو قدراته التي خلقت الظروف المؤدية إلى نجاح هذا الوالد. طبيعيٌّ أن كانت هناك دائمًا درجة من الانتخاب الوراثي: فالزواج المتجانس يعني أن يتَّجه الناجحون إلى الزواج من بعضهم بعضًا، وأن يمرِّروا إلى أبنائهم فرصًا حياتية أفضل بقدر المدى الذي يكون فيه النجاح وراثيًّا. أما في المستقبل فمن الممكن أن يُستغلَّ الثقل الكامل للتكنولوجيا الحديثة في اختيار أفضل الجينات التي تمرَّر إلى النسل. وهذا يعني أن الصفوة الاجتماعية لن تمرِّر إلى نسلها المزايا الاجتماعية فقط، وإنما ستعزِّزهم وراثيًّا أيضًا. ولقد يتضمن هذا يومًا ليس فقط خصائص كالذكاء والجمال، وإنما أيضًا صفات سلوكية مثل النشاط والقدرة على التنافس.
يحكم الكثيرون على الصدفة الوراثية بأنها في أصلها ظالمة، فهي تحكم على البعض بانخفاض الذكاء، أو بالقبح أو بهذا العجز أو ذاك. لكنها بمعنًى آخر مساواتيةٌ إلى أقصى حد لأن في استطاعة كل فرد أن يتحرك فيها، بغضِّ النظر عن طبقته الاجتماعية أو سلالته أو إثنيته. قد يكون لأغنى الأغنياء — بل وكثيرًا ما يكون له — ولدٌ تافه فسْل. فإذا ما استبدلنا بالصدفة الاختيار، فسنفتح طريقًا جديدًا على طوله يتنافس البشر، طريقًا يهدِّد بزيادة الفروق في الهيراركية الاجتماعية بين القمة والقاعدة.
أما ما سيفعله بزوغ طبقة وراثيةٍ عُليا في فكرة الكرامة الإنسانية العامة، فهو أمر يستحقُّ التأمل. يعتقد الكثير من الشباب الناجح الذكي أنهم يدينون بنجاحهم إلى مصادفات الولادة والتربية التي لولاها لاتخذت حياتهم سبيلًا آخر. بعبارة أخرى، هم يشعرون بأنهم محظوظون، وبأنهم قادرون على أن يتعاطفوا مع من هم أقل منهم حظًّا. أما أبناء الاختيار الذين اختارهم آباؤهم وراثيًّا طبقًا لخصائص معينة، فسيعتقدون بازديادٍ بأن نجاحهم ليس مجرد قضية حظ، إنما هو نتيجة خيارات جيدة وتخطيط قام بها الوالدان، ومن ثمَّ فهو أمر مستحقٌّ. ستختلف طلعتهم وتفكيرهم وعملهم بل وربما شعورهم عمن لم يُختاروا بنفس الشكل. باختصار، قد يشعرون بأنفسهم أرستقراطيين، وعلى عكس الأرستقراطيين القدامى، فإن ادعاءهم بسموِّ الأصل سيكون متجذِّرًا في الطبيعة لا في العرف.
مناقشة أرسطو للرق في الكتاب الأول من «السياسة» تُفتِّح الذهن في هذا الموضوع. كثيرًا ما تُشجب هذه المناقشة على أنها تبرير للرق الإغريقي، لكن الواقع أن المناقشة أكثر حنكة وهي تتصل بتفكيرنا في الطبقات الوراثية. ميَّز أرسطو بين الرق التقليدي والرق الطبيعي. جادل بأن الرق يمكن أن يبرَّر بالطبيعة إذا وجد من لهم بالطبيعة طبائع رقيقية. لا توضِّح المناقشة ما إذا كان يعتقد حقًّا بوجود أمثال هؤلاء: معظم الرق في الواقع عرضيٌّ — نعني أنه نتيجة الانتصار في الحرب أو العنف، وارتكازه على فكرة خاطئة تقول إن كل الأجانب — كطبقة — لا بد أن يكونوا عبيدًا للإغريق. أما المولود نبيلًا فيظنُّ أن نبالته تأتي من الطبيعة، وأنها ليست فضيلة مكتسبة، وأنه يستطيع أن يمرِّرها لنسله. لكن الطبيعة — كما يلاحظ أرسطو — كثيرًا ما تعجز عن فعل هذا. لماذا إذن — كما يقترح لي سيلفر — لا نستغلُّ هذه القدرة لنمنح الأطفال ميزات وراثيةً، ونصحِّح العيب في المساواة الطبيعية؟
انتبه المتفكرون في المستقبل كثيرًا إلى احتمالٍ — شجبوه — بأن تسمح البيوتكنولوجيا ببزوغ طبقات وراثية جديدة. لكن يبدو أن الاحتمال النقيض هو الآخر احتمال معقول تمامًا — سيكون ثمَّة دافع نحو مجتمع مساواتيٍّ أكثر وراثية، إذ يبدو من المستبعَد كثيرًا أن تقعد المجتمعات الديمقراطية الحديثة راضيةً عن نفسها وهي ترى الصفوة تُولج مزاياها وراثيًّا في أبنائها.
والحق أن هذا واحد من القلة القليلة من الأشياء في سياسة المستقبل التي نتوقَّع أن يثيرها الناس وأن يتقاتلوا بسببها. أنا لا أعني بهذا قتالًا مجازيًّا، لا أقصد مباريات في الصياح بين متحدثين على شاشة التلفزيون أو مناقشات في الكونجرس، وإنما أعني بالفعل أن يستلَّ البعض سلاحه وقنابله ضد آخرين. ليس لدينا اليوم في ديمقراطياتنا الليبرالية الثرية المغرورة سوى قلة ضئيلة من القضايا السياسية التي يمكن أن تتسبب في اضطراب الناس، لكن شبح ظهور ظلم وراثي قد يدفع الناس إلى أن يهجروا مضاجعهم إلى الشوارع.
إذا ما تسبب الظلم الوراثي في اضطراب كبير بين الناس فسيكون أمامهم سبيلان بديلان للعمل. الأول والأكثر معقولية هو ببساطة أن يُحظر استخدام البيوتكنولوجيا في تعزيز الخصائص البشرية وأن تُرفض المنافسة في هذا المجال. لكن فكرة التعزيز قد تغدو جذابة بحيث لا يمكن التخلي عنها، وقد تثبت صعوبة تنفيذ قانون يمنع الناس من تعزيز أطفالهم، أو قد تقرِّر المحاكم بأن لهم هذا الحق. هنا يُفتح احتمالٌ ثانٍ وهو أن نستخدم نفس التكنولوجيا في رفع القاعدة.
هذا هو السيناريو الوحيد الذي يمكن أن نشهد فيه عودة إلى اليوجينيا المدعَّمة من الدولة في ديمقراطية ليبرالية. كانت صورة اليوجينيا القديمة الكريهة تتحيَّز ضد المعوَّقين والأقل ذكاءً بمنعهم من الإنجاب. أما في المستقبل فقد ننجب أطفالًا أكثر ذكاءً، أكثر صحة، أكثر طبيعية، لكنا لا نستطيع أن نرفع القاعدة إلا عن طريق تدخُّل الدولة، فالأغلب أن تكون تكنولوجيا التعزيز الوراثي مكلِّفةً وأن تتضمن بعض المخاطر. ولكن، حتى لو كانت رخيصة نسبيًّا ومأمونة، فسيعجز الفقراء أو منخفضو التعليم عن الانتفاع بها، وعلى هذا فلا بد من تقوية الخط الأحمر الساطع للكرامة الإنسانية العامة بالسماح للدولة بالتأكد من أن أحدًا لن يقع خارجه.
ستكون سياسة تربية إنسان المستقبل معقَّدةً غاية التعقيد. كان اليسار، حتى الآن، معارضًا على العموم للاستنساخ والهندسة الوراثية وغيرها من البيوتكنولوجيات، وكان ذلك لأسباب عديدة منها الإنسانية التقليدية والهموم البيئية والارتياب في التكنولوجيا وفي الشركات التي تنتجها والخوف من اليوجينيا. كان اليسار تاريخيًّا يحاول أن يقلِّل من أهمية الوراثة في تفسير الحصيلة البشرية ويزكِّي العوامل الاجتماعية. فإذا كان لأهل اليسار أن يعضِّدوا الهندسة الوراثية للمحرومين، فسيكون عليهم أولًا أن يسلِّموا بأن الجينات مهمة في تحديد الذكاء وغيره من صور النواتج الاجتماعية في المقام الأول.
كان اليسار أكثر عداءً للبيوتكنولوجيا في أوروبا عنه في شمال أمريكا، وكان الكثير من هذا العداء يأتي عن الحركات البيئية القوية هناك، تلك التي قادت الحملة ضد الأغذية المحوَّرة وراثيًّا، مثلًا. (يبقى أن ننتظر لنرى ما إذا كانت بعض صور البيئية المتطرفة ستُترجم إلى عداء للبيوتكنولوجيا البشرية. بعض البيئيين يعتبرون أنفسهم مدافعين عن الطبيعة من أجل البشر، ويبدو أنهم يهتمون بما يهدد اللابشر أكثر من اهتمامهم بما يهدد الطبيعة البشرية). يبقى الألمان بالذات حسَّاسين للغاية لكل ما تُشتمُّ منه رائحة اليوجينيا. أثار الفيلسوف بيتر سلوتيردايك عاصفة احتجاج عام ١٩٩٩م عندما اقترح بأنه سيصبح من المستحيل في القريب أن يرفض الناس قوة الانتخاب التي ستوفرها لهم البيوتكنولوجيا، وأنه لم يعد من الممكن الاستمرار في تجاهل قضايا تربية بشرٍ فوق الإنسان، تلك التي أثارها نيتشه وأفلاطون. شجبه عالم الاجتماع يورجين هابرماس، وآخرون، ممن وقفوا — في سياق آخر — ضد استنساخ الإنسان.
من ناحية أخرى سنجد أن البعض من اليسار قد بدأوا يقدِّمون الحجج تعضيدًا للهندسة الوراثية. جادل جون رولز في كتابه «نظرية للعدالة» بأن التوزيع غير المتكافئ للمواهب الطبيعية هو بطبيعته غير عادل؛ لذا فسيطلب كل «رولزيٍّ» استغلال البيوتكنولوجيا لتسوية فرص الحياة، برفع القاعدة إلى الأعلى، بعد حسم مسألة الاعتبارات المتعقِّلة الخاصة بالسلامة والسعر وما شابه. أما رونالد دفوركين فقد قدَّم براهينه على حق الآباء في هندسة أطفالهم هندسة وراثية، وذلك تحت المظلة العريضة لحماية الاستقلال الذاتي. اقترح لورانس ترايب أيضًا أن حظْر الاستنساخ سيكون خطأ، فبذلك سنخلق تحيُّزًا ضد من يُستنسخ من الأطفال برغم الحظر.
يستحيل أن نعرف ما سيُقَرُّ من هذين السيناريوهين المختلفين تمامًا — سيناريو تزايد الظلم الوراثي أم سيناريو تزايد المساواة الوراثية، لكن ما إن تتحقق الإمكانية التكنولوجية للتعزيز البيوطبي، فسيصعب أن نرى كيف لا يصبح تزايد الظلم الوراثي واحدًا من أهم القضايا الخلافية في سياسات القرن الواحد والعشرين.
اختصار الكرامة البشرية
يقود إنكار مفهوم الكرامة البشرية — نعني إنكار فكرة أن هناك شيئًا متفرِّدًا في البشري يؤهِّل كل فرد منا إلى مكانة أخلاقية أعلى من بقية العالم الطبيعي — يقود هذا الإنكار إلى سبيلٍ خطرٍ للغاية قد نُضطرُّ في نهاية الأمر إلى ركوبه. وهنا لا بد أن تكون أعيننا مفتوحة. نيتشه خير دليل إلى ما ينتظرنا في هذا الطريق، هو أفضل من حشود البيو-أخلاقيين والدراونة الأكاديميين الطارئين الذين من شأنهم أن يُسْدوا النصائح الأخلاقية في هذه القضية.
لتجنُّب الولوج إلى هذا الطريق يلزم أن نتَّخذ نظرة أخرى إلى فكرة الكرامة البشرية، وأن نسأل عما إذا كان ثمَّة طريق للدفاع عن المفهوم أمام منتقصي قدره — طريق يتوافق تمامًا مع العلم الطبيعي الحديث ويُنصف المعنى الكامل للخصوصية البشرية. وأنا أعتقد أن هناك ثمَّة …
وعلى عكس عدد من الطوائف البروتستانتية المحافظة التي لا تزال تتمسَّك بالخلقوية، فقد تصالحت الكنيسة الكاثوليكية مع نظرية التطور على نهاية القرن العشرين. في خطابه عام ١٩٩٦م إلى أكاديمية العلوم البابوية، صحَّح البابا جون بول الثاني ما جاء بالمنشور البابوي للبابا بيوس الثاني عشر، الذي أكد أن التطور الدارويني كان فرضية خطيرة، لكنها تبقى ولا برهان عليها. أعلن البابا اليوم، وبعد انقضاء نحو نصف قرن من ظهور المنشور البابوي: «قادت المعارف الحديثة إلى الاعتراف بأن نظرية التطور هي أكثر من مجرد فرضية. إنه لمن اللافت للنظر أن هذه النظرية كانت تُقبَل تدريجيًّا من قبل الباحثين، في أعقاب سلسلة من الاكتشافات في ميادين متباينةٍ من المعارف. كان هذا التقارب — الذي لم يكن متعمَّدًا أو ملفَّقًا — بين نتائج أبحاث أُجريت مستقلة، وكان في حد ذاته حجةً ذات مغزى تعضد النظرية.»
لكن البابا يمضي ليقول إنه بينما يمكن للكنيسة أن تقبل الرأي بأن الإنسان قد انحدر عن حيوانات لا بشرية، فقد حدثت قفزة أنطولوجية في زمانٍ ما عبر العملية التطورية. خلق الله الروح البشرية خلقًا مباشرًا، وعلى ذلك: «فإن نظريات التطور التي — في وفاق مع الفلسفات التي توحي بها، تعتبر العقل بازغًا من قوى الطبيعة الحية، أو تعتبره ظاهرة مصاحبةً لهذه المادة — هي نظريات عن الإنسان تتعارض مع الحقيقة.» يستمر البابا: «لا ولا هي قادرة على أن تبرِّر كرامة الشخص.»
كان البابا يقول — بعبارة أخرى — إنه في مرحلةٍ ما خلال الملايين الخمسة من السنين التي تفصل ما بين أسلافنا الشبيهة بالقردة وبين بزوغ الإنسان المعاصر، أُولجت روح بشرية فينا بطريقة غامضة. يمكن للعلم الطبيعي الحديث أن يكشف الخط الزمني لهذه العملية، وأن يفسِّر قرائنها، لكنه لم يقدِّم أبدًا التفسير الكامل لماهية الروح، ولا كيف أتت. الواضح أن الكنيسة قد تعلمت الكثير من العلم الطبيعي الحديث خلال القرنين الماضيين، ثمَّ كيَّفت تعاليمها وفقًا له. لكن بينما يهزأ بعض علماء الطبيعة من فكرة أن ثمَّة ما يتعلَّمونه من الكنيسة، سنجد البابا وقد أشار إلى موضع ضعف حقيقي في الصورة الحالية لنظرية التطور، يا حبَّذا لو تأمَّله العلماء. إن ما قدَّمته العلوم الطبيعية الجديدة من تفسير في قضية «ماذا يعني أن نكون بشرًا» أقل بمراحل مما يظنُّ الكثير من العلماء.
الجزء والكلُّ
يعتقد العديد من الداروينيين المعاصرين أنهم قد حلُّوا لغز مشكلة: «كيف أصبح الإنسان إنسانًا»، وذلك باستخدامهم الطرق الاختزالية الكلاسيكية للعلوم الطبيعية الحديثة؛ نعني أن أي سلوك أو خصيصة من المرتبة العليا — كاللغة والعدوانية — يمكن أن يُردَّ إلى قدح النيورونات في قوام المادة البيوكيماوية للمخ، الذي يمكن أن يُفهم بدوره في صورة المركبات العضوية الأبسط التي منها يتكوَّن. بلغ المخ وضعه الحالي عبر سلسلة من التغيرات التطورية التدريجية تحت دفع التباين العشوائي، وعملية للانتخاب الطبيعي تنتخب فيها متطلبات البيئة المحيطة خصائص ذهنية معينة. يمكن إذن أن تُردَّ كلُّ خصيصة بشرية إلى سببٍ مادي سابق. فإذا كنا على سبيل المثال نحبُّ الاستماع إلى موزار أو بيتهوفن، فذاك لأن لدينا أجهزة سمعية تطورت، في «بيئة التكيف التطوري»، لتُميِّز بين أنواع معينة من الأصوات كانت — ربَّما — ضرورية لتحذِّرنا من المفترسات أو لتساعدنا في الصيد.
والمشكلة مع هذا النوع من التفكير ليست في أنه بالضرورة خاطئ، وإنما في أنه غير كافٍ لتفسير العديد من أكثر الصفات البشرية الملحوظة تفرُّدًا. تكمن المشكلة في منهجية الاختزالية ذاتها في تفهُّم النظم المعقدة، خصوصًا البيولوجي منها.
تشكِّل الاختزالية، بالطبع، واحدًا من أسُس العلم الطبيعي الحديث، وهي المسئولة عن العديد من أكبر نجاحاته. أنت ترى أمامك شيئين يختلفان بوضوح: الجرانيت في قلمك الرصاص والماسة في خاتم الخطوبة. ربَّما وجدت ما يغريك أن تصدِّق أنهما في الجوهر مادتان مختلفتان. علَّمتنا الكيمياء الاختزالية أنهما في الواقع مؤلَّفتان من نفس المادة الأبسط: الكربون، وأن الفروق الواضحة بينهما ليست فروقًا في الجوهر وإنما في الطريقة التي ترتبط بها ذرات الكربون. انشغلت الفيزياء الاختزالية عبر القرن الماضي تتتبَّع الذرات إلى الجسيمات تحت الذرية ومن ثمَّ إلى مجموعة من القوى الأساسية للطبيعة أكثر اختزالًا.
أما فكرة أنه لا يمكن تفهُّم سلوك الكل المعقَّد على أنه السلوك التجمُّعي لأجزائه، فقد كانت معروفة في العلوم الطبيعية منذ زمن، وقادت إلى تطوير مجال، يُسمى النظم اللاخطية، يحاول أن يُنمذج بزوغ التعقيد. يُعتبر هذا المنهج، ولحدٍّ ما، النقيض للاختزالية: هو يوضح أنه بينما يمكن أن يُردَّ الكل إلى أجزائه الأبسط السابقة، فليس ثمَّة نموذج تنبُّؤي بسيط يسمح لنا بأن نتحرك من الأجزاء إلى السلوك البازغ للكل. ولأن هذه النظم لاخطية، فقد تكون حساسة للغاية لفروق ضئيلة في ظروف البداية، وبذا فقد تبدو مشوَّشة حتى عندما يكون سلوكها حتميًّا.
هذا يعني أن تفهُّم سلوك النظم المعقدة سيكون أصعب كثيرًا مما تصوَّره مؤسسو العلم الاختزالي ذات مرة، قال لابلاس، فلكي القرن الثامن عشر، إنه يستطيع أن يتنبأ بدقةٍ بمستقبل الكون على أساس ميكانيكا نيوتن إذا عرف كتلة وحركة كل مكون من مكونات العالم. ليس من العلماء من يجرؤ اليوم على هذا القول — ليس فقط بسبب الشكوك المتأصِّلة التي قدَّمتها ميكانيكا الكم، وإنما أيضًا لعدم وجود منهجية موثوقة للتنبؤ بسلوك النظم المعقَّدة. وكما قال آرثر بيكوك إن المفاهيم والنظريات … التي تشكل محتوى العلوم التي تركز على المستويات الأعلى، كثيرًا (لا دائمًا) ما تكون غير قابلة منطقيًّا للاختزال إلى المفاهيم والنظريات العاملة في العلوم التي تركز على مكوِّناتها. هناك هيراركية في مستويات التعقيد في العلوم، يشغل البشر وسلوك البشر فيها موقعًا عند أعلى مستوى.
يمكن لكل مستوًى أن يعطينا بعض التبصُّر في المستويات الأعلى منه، لكن تفهُّم المستويات الأدنى لا يسمح لنا بالتفهم الكامل للخصائص البازغة بالمستويات الأعلى. خلق الباحثون في مجال النظم التكيفية المعقدة ما يسمى نماذج النظم المعقدة المرتكزة على القوى، وطبَّقوها بالفعل على تشكيلة عريضة من المجالات، من بيولوجيا الخلية إلى القتال في الحرب إلى توزيع الغاز الطبيعي. لكن يبقى أن نرى إذا ما كان هذا المدخل يشكل منهجية واحدة متماسكة يمكن تطبيقها على كل النظم المعقدة. يمكن لمثل هذه النماذج أن تخبرنا فقط عمَّا إذا كانت بعض النظم ستبقى بطبيعتها مشوَّشة لا تقبل التنبؤ، أم أن التنبؤ يرتكز على معرفة دقيقة لظروف أولية غير متاحة لنا. المستوى الأدنى إذن لا بد أن يُفهم بمنهجية تناسب درجة تعقيده.
يمكن أن نوضح العلاقة المشكلة بين الأجزاء والكل بالإشارة إلى مجال واحد متفرِّد من السلوك البشري: السياسة. ذكر أرسطو أن الإنسان حيوان سياسي بطبيعته. فإذا كان لنا أن نحاول تقديم حجج للكرامة البشرية ترتكز على خصوصية الإنسان، فستكون القدرة على الانخراط في السياسة بالتأكيد مكوِّنًا هامًّا في تفرُّد الإنسان. لكن ثمَّة اعتراض على فكرة تفرُّدنا في هذه الصفة. ذكرنا بالفصل الثامن أن الشمبانزي وحيوانات أخرى تنهمك في أشياء تبدو — في غموض — وكأنها تشبه السياسة البشرية — عندما تتصارع وتتآمر لبلوغ منزلة الذكر الأول. وفضلًا عن ذلك فإن هذه الحيوانات تبدو وكأنها تحس بالمشاعر السياسية من تيهٍ وخزي إذ تتعامل مع غيرها من أفراد الجماعة. ثم إن سلوكها السياسي على ما يظهر ينتقل بطرق غير وراثية، بحيث تبدو الثقافة السياسية وكأنها ليست حكرًا على البشر. يذكر بعض المراقبين، في طرب، أمثلة كهذه ليضائلوا من مشاعرنا البشرية بالاعتداد بالنفس مقارنة بغيرنا من الأنواع.
لكن تشويش السياسة البشرية بالسلوك الاجتماعي لأي نوع آخر يعني أنَّا نخطئ الجزء ونظنه الكل. فالبشر وحدهم هم القادرون على صياغة القواعد المجرَّدة للعدالة وعلى الجدل حولها وتحويرها. عندما أكد أرسطو أن الإنسان بطبيعته حيوان سياسي، فلم يكن ما يعنيه سوى أن السياسة إمكانيةٌ تبزغ مع الزمن. ذكر أن السياسة البشرية لم تبدأ حتى رسَّخ صانع القانون دولةً وقوانين معلنة — ولقد أفادت هذه الواقعة البشرية فائدة عظمى، وإن كانت مشروطة بالتطور التاريخي. يتفق هذا مع ما نعرفه اليوم عن ظهور الدولة — وقد حدث هذا في مناطق من العالم مثل مصر وبابل ربما منذ عشرة آلاف سنة، وارتبط على الأغلب بتطور الزراعة. عاش البشر قبل هذا عشرات الآلاف من السنين في مجتمعات الصائد جامع الثمار، بلا دولة، ولم تكن أكبر مجموعة تضم أكثر من ٥٠ أو ١٠٠ فرد. معظمهم تربطهم صلات قربى. وعلى هذا، وبمعنًى ما، فعلى الرغم من أن الاجتماعية البشرية طبيعية، فليس من الواضح إن كان البشر بطبيعتهم حيوانات سياسية.
الشعور
ثمَّة مجال يعجز فيه العلم المادِّي الاختزالي عن تفسير الظواهر الملحوظة، هذا الحال يكون أوضح ما يكون في قضية الشعور البشري. أعني بالشعور الحالات الذهنية الذاتية: ليست فقط الأفكار والرؤى التي تبدو لك وأنت تفكر أو تقرأ هذه الصفحة، إنما أيضًا الإحساس والمشاعر والعواطف التي تَخبِرها كجزء من حياتك اليومية.
أُجري في موضوع الشعور كمٌّ هائل من البحوث ومن التنظير عبر الجيلين الماضيين، كمٌّ جاء بنفس القدر عن علوم الأعصاب مثلما جاء عن دراسات الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي. هناك في هذا المجال الأخير بالذات العديد من المتحمسين ممن اقتنعوا بأنَّا إذا تمكَّنا من حواسيب أقوى ومفاهيم جديدة للحساب — مثل الشبكات العصبية — فسنصبح على شفا فتحٍ تُضفى فيه على الحاسبات الميكانيكية صفة الشعور. ولقد عُقدت مؤتمرات وجرت مناقشات جادة كُرِّست لقضية ما إذا كان من الأخلاقي أن تُوقف مثل هذه الماكينات إذا، وعندما، نصل إلى هذا الفتح، وعمَّا إذا كنا نحتاج أن نمنح مثل هذه الماكينة، ذات الشعور، حقوقًا.
فلسفة العقل، ومثلها العلم الإدراكي وفروع مختلفة من السيكولوجيا، تُقدم جميعًا من منظور السنين الخمسين الماضية مشهدًا غاية في الغرابة، أوضح معالمه هذا الكم الخاطئ من فلسفة العقل التي سادت خلال الخمسين عامًا الماضية … في فلسفة العقل، سنجد حقائق واضحة عن الذهني — مثل أن لنا جميعًا في الواقع حالات ذهنية واعية، وأن هذه الحالات ليست مما يمكن حذفه لصالح شيء آخر — ينكرها روتينيًّا الكثيرون من المفكرين التقدميين، بل وربما معظمهم.
هناك مثال لتفهُّمٍ للشعور واضح الخطأ أورده دانييل دينيت، وهو واحد من أكبر الخبراء في هذا المجال، فقد انتهى في كتابه «تفسير الشعور» إلى التعريف التالي: الشعور البشري هو ذاته معقَّد هائل من الميمات (أو بشكل أكثر دقة، آثار ميمية في المخ) يمكن تفهُّمه كأفضل ما يكون كعملية لماكينة خيالية فون نويمانية نفِّذت في البناء الموازي لمخ لم يصمَّم لمثل هذه الأنشطة. ربما وجدنا للقارئ العادي العذر إذا هو رأى أن مثل هذه الجملة لا تضيف شيئًا البتة لتفهُّمنا للشعور. أما ما يقوله دينيت في الواقع فهو ببساطة أن الشعور البشري هو ناتج ثانوي لعمليات نمط معين من الكمبيوتر، فإذا تصورنا أن هناك ما هو أكثر من ذلك فستكون رؤيتنا لمعنى الشعور رؤية عتيقة خاطئة. وكما قال سيرل عن هذا المنهج: إنه لا يعمل إلا بإنكار وجود ما تفهمه أنت وأنا وكل شخص آخر عن الشعور (نعني: مشاعر ذاتية).
على أن احتمال حدوث هذا أمرٌ، على ما يبدو، بعيد جدًّا، لا لأن الآلات أبدًا لن تنسخ ذكاء الإنسان — أشك في أنها قد تتمكن من الاقتراب كثيرًا منه — وإنما لأنه من المستحيل أن نرى كيف يمكن أن تكتسب العواطف البشرية.
إنها مادة للخيال العلمي أن يتمكن إنسان أوتوماتيكي أو روبوت أو كمبيوتر من أن يبدأ فجأةً في اكتساب عواطف كالخوف والأمل بل وحتى الرغبة الجنسية، لكن أحدًا لم يقترب ولو من بعيد من تصور كيف يمكن الوصول إلى هذا. المشكلة ببساطة ليست أن أحدًا لا يفهم ما هي العواطف، أو غيرها من بقية الشعور أنطولوجيًّا؛ لا أحد يفهم لماذا وُجدت في بيولوجيا الإنسان.
هناك بالطبع أسباب وظيفية لمشاعر كالألم واللذة. إذا لم يكن الجنس بهيجًا فلن نتكاثر، وإذا لم نحسَّ بالألم من النار فسنحرق أنفسنا طول الوقت. لكن الوضع الحالي بالنسبة للتفكير في العلم المعرفي يقول إن الصورة الذاتية الخاصة التي تتخذها الانفعالات لا ترتبط بالضرورة بوظيفتها. من المحتمل مثلًا أن نصمم روبوتًا يحمل في أصابعه محسَّات للحرارة ترتبط بمشغِّلٍ يجذب يد الروبوت بعيدًا عن النار. يمكن لهذا الروبوت أن يحفظ نفسه فلا يحترق دون أن يكون لديه أي إحساس شخصي بالألم. ويمكنه أن يتخذ قرارات بشأن الأهداف التي عليه أن ينجزها والأنشطة التي عليه أن يتجنبها، وذلك على أساس حسابات ميكانيكية لمدخلات نبضات كهربائية مختلفة. قد يقول اختبار تورنج إنه إنسان في سلوكه، ولكنه خلوٌ عمليًّا من أهم خصيصة بشرية: المشاعر. أما الصورة الذاتية الواقعية التي تتخذها الانفعالات، فهي اليوم — في البيولوجيا التطورية وفي علوم المعرفة — ليست بأكثر من ظواهر مصاحبة للوظائف التحتية؛ ليس من أسبابٍ واضحة لأن يجري الانتخاب لهذه الصورة في مضمار التاريخ التطوري.
وكما نبه روبرت رايت، فإن هذا يقود إلى النتيجة العجيبة جدًّا وهي أن الأهم بالنسبة لنا كبشر ليس له هدف واضح في المخطط المادي للأشياء التي بها أصبحنا بشرًا. إن سلسلة الانفعالات البشرية هي التي تنتج الغايات البشرية والأهداف والمرامي والمتطلبات والحاجات والرغبات والمخاوف والكره، وما شابه، ومن ثمَّ فهي مصدر القيم الإنسانية. قد يرى البعض أن العقل والخيار الأخلاقي البشري هما أهم الخصائص المتفردة التي تعطي جنسنا الكرامة، لكنني مقتنع بأن لامتلاك كل سلسلة الانفعالات البشرية نفس الأهمية على الأقل، إن لم يكن أكثر.
يوضح المنظِّر السياسي روبرت ماكشي أهمية الانفعالات البشرية لتفهُّمنا الفطري لما يعنيه أن نكون بشرًا، وذلك بأن يسألنا أن نؤدي تجربة التفكير التالية: افترض أنك قابلت كائنين على أرض جزيرة قاحلة: لكليهما القدرة الذهنية لإنسان ومن ثم القدرة على مواصلة الحديث، كان لواحد منهما جسد أسد وانفعالات بشر، بينما كان للآخر جسد بشر والانفعالات المميزة للأسد. مع أيِّهما ستحس بالراحة؟ وأيُّهما قد تتخذه صديقًا وتدخل معه في علاقة؟ الإجابة — كما يقترحها العدد الهائل من كتب الأطفال بما تحمله من أحاديث تعاطفية مع الأسد — هي: الأسد، ذاك لأن الانفعالات البشرية المميزة لنوعنا هي شعورنا ببشريتنا مقارنة بعقلنا وبمظهرنا الجسدي. مستر سبوك، المحلِّل الفاتر في المسلسل التلفزيوني رحلة النجوم، يبدو أحيانًا أكثر جاذبية من مستر سكوت. لا لسبب إلا لأنَّا نحسُّ بأن هناك في مكانٍ ما تحت مظهره العاقل تكمن عميقًا مشاعر مطمورة. المؤكد أن الكثير من الشخصيات النسائية التي قابلها في المسلسل كانت تأمل في أن تثير فيه شيئًا أكثر من الاستجابات الروبوتية.
من ناحية أخرى، فقد تنظر إلى مستر سبوك، وكان في الحق مجرَّدًا من المشاعر، على أنه مصطرب العقل أو مسخ. فإذا قدَّم لنا خدمة، فقد نقبلها لكنا لا نحسُّ بأي عرفان بجميل، لأنَّا نعرف أنها نتيجة لحسابات عقلية قام بها، وليست نتيجة حسن نيته. وإذا خدعناه فلن نشعر بالذنب لأنَّا نعرف أنه لا يتمتع بمشاعر الغضب أو الإحساس بأنه قد خُدع، وإذا دفعتنا الظروف إلى قتله لإنقاذ أنفسنا أو إلى التضحية بحياته كرهينة، فلن نشعر بالندم إلا بقدر ما نندم إذا ما فقدنا شيئًا آخر ثمينًا، كالعربة. صحيح أننا قد نود أن نتعامل مع هذا المستر سبوك، لكنا لن نعتبره ممن لهم الحق في الاحترام الواجب للبشر. على كل من يظن في نفسه — في معامل الذكاء الاصطناعي — أنه مجرد برنامج كمبيوتر معقد ثم يود أن يُحمِّل نفسه في كمبيوتر، عليه أن يقلق، فلن يهتم أحد إذا ما تم التخلص منه إلى الأبد.
هناك إذن قدْر كبير يقع تحت عنوان الشعور ويساعد في تعريف الخصوصية البشرية، ومن ثم الكرامة البشرية، التي لا يمكن للعلم الطبيعي الحديث الآن أن يفسرها. لا يكفي أن نجادل بأن بعضًا من الحيوانات الأخرى تشعر، أو أن لها ثقافة، أو لغة، لأن شعورها لا يضم الذكاء البشري، ولا لغة البشر، ولا الخيار البشري الأخلاقي ولا الانفعالات البشرية، بطرق قادرة على أن تُنتج السياسة البشرية أو الفن البشري أو الأديان. كل السلائف اللابشرية لهذه الصفات البشرية التي ظهرت عبر التاريخ التطوري، وكل الأسباب المادية والشروط اللازمة لبزوغها، كلها مجمَّعة تقل كثيرًا عن كلٍّ بشري. في كتابه «الشمبانزي الثالث» ذكر جاريد دياموند حقيقة أن جينوم الشمبانزي وجينوم البشر يتطابقان في ٩٨٪، الأمر الذي يعني أن الفروق بين هذين النوعين تافهة نسبيًّا. أما بالنسبة لنظام معقد بازغ، فقد تؤدي فروق صغيرة إلى تغيرات نوعية هائلة. إن الأمر يشبه قولنا أن ليس ثمَّة فروق جوهرية بين الثلج والماء لأن الفارق بينهما في درجة الحرارة هو درجة مئوية واحدة لا أكثر.
لا يلزم إذن أن نوافق مع البابا على أن الرب قد أولج مباشرة روحًا بشرية أثناء التاريخ التطوُّري كي نسلِّم معه بأن قد كانت قفزة كيفية — إن لم تكن أنطولوجية — غاية في الأهمية في مرحلة ما من هذه العملية. كان لهذه القفزة من أجزاء إلى كلٍّ أن تشكِّل في نهاية المطاف أساس الكرامة البشرية، ذلك المفهوم الذي يمكن أن نؤمن به حتى لو لم نبدأ بمقدمات البابا الدينية.
ستبقى أهمية هذا الكل وكيف أتى غامضةً كما يقول سيرل. كل فروع العلم الطبيعي الحديث التي حاولت معالجة هذه القصة لم تنجز أكثر من خدش على السطح، على الرغم من اعتقاد كثير من العلماء بأنهم قد حلُّوا لغز العملية بأكملها. يشيع الآن بين العديد من باحثي الذكاء الاصطناعي قولهم إن الشعور خصيصةٌ بازغة لنوع من كمبيوتر معقد. لكن هذا ليس بأكثر من فرضية غير مثْبَتة ترتكز على تناظرٍ مع نظمٍ معقدة أخرى. أبدًا لم يلحظ أحدٌ شعورًا يبزغ تحت ظروف تجريبية، لا ولا افترض أحدٌ نظريةً توضح كيف يمكن أن يحدث هذا. سيكون من الغريب ألا يلعب البزوع دورًا هامًّا في تفسير كيف أصبح البشر بشرًا. أما أن يكون هذا هو كل ما في القصة فأمرٌ لا نعرفه في الوقت الحالي.
هذا لا يعني أن العلم أبدًا لن يحل المشكلة. يعتقد سيرل نفسه أن الشعور خصيصة بيولوجية للمخ لا تشبه إلا إطلاق النيورونات أو إنتاج الناقلات العصبية وأن البيولوجيا ستتمكن يومًا ما من تفسير كيف ينتجها النسيج العضوي. جادل بأن مشاكلنا الحالية في تفهُّم الشعور لا تتطلب منا أن نتبنى أنطولوجيا اثنينية أو أن نتخلى عن الهيكل العلمي للسببية المادية. أما مشكلة الطريقة التي ظهر بها الشعور فلا تتطلب الالتجاء إلى التدخل المباشر للرب لا ولا هي تلغيه أيضًا.
نحارب من أجل ماذا؟
إذا كان ما يمنحنا الكرامة والمنزلة الذهنية الأعلى من الكائنات الأخرى مرتبطًا بحقيقة أننا كلٌّ معقد لا مجرد حاصل جمع أجزاء بسيطة، فسيصبح من الواضح ألا وجود لإجابة سهلة على السؤال: ما هو العامل «س»؟ نعني أنه لا يمكن أن نختزل العامل «س» إلى امتلاك الخيار الذهني، أو العقل، أو اللغة، أو الاجتماعية، أو الوعي الأوَّلي، أو الانفعالات، أو الشعور، أو أية سجية قُدِّمت كأساس للكرامة البشرية. إن ما يؤلِّف هذا العامل «س» هو هذه السجايا وقد جُمعت سويًّا في كلٍّ بشري. كل فرد من جنس الإنسان يمتلك هبةً وراثية تُهيئه لأن يصبح إنسانًا كاملًا، هبة تميزه إنسانًا في الجوهر عن غيره من الكائنات الأخرى.
وتفكُّر لحظةٍ في السجايا الأساسية التي تهمُّ في الكرامة البشرية سيوضح أن أيًّا منها يمكن أن يوجد في غياب الأخريات. العقل البشري على سبيل المثال، ليس عقلًا للكمبيوتر، إنه يمتلئ بالانفعالات، وعمله في الحق تسهِّله هذه الأخيرة. غنيٌّ عن القول إن الخيارات الذهنية لا يمكن أن توجد دون عقل، لكنها أيضًا تتجذَّر في المشاعر من زهوٍ وغضبٍ وخزيٍ وتعاطف. الشعور الإنساني ليس مجرد تفضيلات فردية وعقل ذرائعي، وإنما يتشكل من الكثير غيره من الشعور ومن تقييماته الذهنية. إننا حيوانات اجتماعية وسياسية ليس فقط لأننا قادرون على التدبير بل لأننا وُهبنا انفعالات اجتماعية خاصة. إن وعي الإنسان ليس كوعي خنزير أو حصان لأنه يقترن بذاكرة بشرية وعقل بشري.
الهدف من هذه المناقشة المسهبة للكرامة البشرية هو أن نجيب على السؤال التالي: ما هو هذا الذي نريد أن نحميه من أي تقدم مستقبلي في البيوتكنولوجيا؟ الإجابة هي أننا نريد أن نحمي المجال الكامل لطبائعنا المتعددة المتطورة ضد محاولات تحوير الذات. إننا لا نريد أن نُصدِّع وحدة الطبيعة البشرية ولا استمراريتها، وبذلك تبقى حقوق الإنسان المبنية عليها دون أن تتصدع.
إذا ما كان العامل «س» ينتمي إلى تعقيدنا ذاته وإلى التفاعلات المعقدة للخصائص البشرية المتفردة كالخيار الذهني والعقل وتلك السلسلة العريضة من الانفعالات، فمن المعقول أن نسأل: كيف ولماذا تبحث البيوتكنولوجيا في أن تجعلنا أقل تعقيدًا؟ تكمن الإجابة في الضغط المطَّرد لاختزال الغايات البيوطبية إلى غايات نفعية — نعني محاولة اختزال تنوعٍ معقد من الغايات الطبيعية والأهداف إلى مجرد عدد معدود من الفئات، كالألم والسعادة والاستقلال الذاتي. هناك بوجهٍ خاص نزوعٌ دائم لأن نجعل تخفيف الألم والعذاب فوق كل أهداف الإنسان ومراميه الأخرى. هذه هي المقايضة التي تعرضها البيوتكنولوجيا: يمكننا أن نعالج هذا المرض، أو أن نطيل حياة هذا الشخص، أو أن نجعل هذا الطفل أسهل قيادًا، لكن ذلك سيكون على حساب بعض الصفات البشرية التي تفوق الوصف: كالعبقرية والطموح والتنوع.
للجانب من طبيعتنا الأكثر تهديدًا علاقة بسلسلة الانفعالات. نُغرى باطِّرادٍ كي نتصور أننا نفهم ما هو «الطيب» من الانفعالات وما هو «الخبيث»، وأننا نستطيع أن نُحسن على الطبيعة بأن نوقف الخبيث بأن نحاول أن نجعل الناس أقل عدوانية وأكثر اجتماعية وأكثر لينًا وأقل اكتئابًا. والهدف النفعي لتقليل المعاناة هو في حد ذاته إشكالي للغاية. ليس من يستطيع أن يقف في صف الألم أو المعاناة، لكن حقيقة الأمر هي أن ما نعتبره أفضل صفات الإنسان وأسماها — في أنفسنا وفي الآخرين — كثيرًا ما يرتبط بالطريقة التي نتفاعل بها مع الألم والمعاناة والموت، وكيفية مواجهتها والتغلب عليها بل والاستسلام لها أحيانًا. في غياب هذه الشرور لن يكون هناك تعاطف أو شفقة أو شجاعة أو بطولة أو تضامن أو قوة شخصية. لا عشق لمن لم يواجه معاناةً أو موتًا. قدرتنا على ممارسة هذه الانفعالات هي ما يربطنا بكل البشر الآخرين، الحي منهم والميت.
ولقد يقول الكثير من العلماء والباحثين أن ليس علينا أن نقلق من تسييج الطبيعة البشرية، أيًّا كان تعريفها، بعيدًا عن البيوتكنولوجيا، لأن الطريق لا يزال طويلًا حتى نبلغ القدرة على تحويرها، بل وقد لا يتحقق ذلك أبدًا. هم قد يكونون على حق: قد تكون هندسة الخط الجرثومي واستخدام تكنولوجيا الدنا المطعوم على البشر أبعد بكثير مما يتصور الكثيرون — ولا كذلك استنساخ الإنسان.
لكن قدرتنا على منابلة سلوك الإنسان لا تعتمد على تطور الهندسة الوراثية. إن كل ما يمكن عمله بالهندسة الوراثية — تقريبًا — يمكن على الأغلب أن يتم أيضًا من خلال علم عقاقير الأعصاب. سنواجه تغيرات ديموغرافية كبيرة في العشائر التي تتاح لها تكنولوجيات بيوطبية جديدة، ليس فقط من حيث التوزيع العمري والجنسي، وإنما أيضًا من حيث نوعية الحياة لمجاميع هامَّة بالعشيرة.
إن الانتشار المتزايد لعقاقير كالريتالين والبروزاك إنما يوضح مدى تلهُّفنا على استغلال التكنولوجيا في تغيير أنفسنا. فإذا كانت ثمَّة علاقة تربط أحد المكوِّنات الرئيسية لطبيعتنا، تربط شيئًا مما نبني عليه أفكارنا عن الكرامة، تربط بينه وبين سلسلة الانفعالات الطبيعية بين البشر فمعنى هذا أننا بالفعل نحاول أن نضيِّق مجال الأهداف النفعية للصحة والراحة.
العقاقير التي تعمل على المخ لا تحوِّر الخط الجرثومي ولا تنتج آثارًا تورث بالطريقة التي قد تفعلها الهندسة الوراثية يومًا، لكنها تثير بالفعل قضايا هامَّة حول معنى الكرامة البشرية، وهي البشير لأشياء ستأتي.
متى أصبحنا بشرًا
على المدى القريب، لن تصبح الخلافات الأخلاقية الكبيرة التي تثيرها البيوتكنولوجيا تهديدات لكرامة البالغين الطبيعيين من البشر، وإنما لكرامة من يمتلك شيئًا أقل من المجموعة الكاملة للقدرات التي اصطلحنا على أنها تميز الخصوصية البشرية. أما أكبر مجموعة تقع في هذه الفئة فهي مجموعة من لم يولدوا بعد، وقد تضم أيضًا الأطفال الرضَّع، والمرضى في نهاية العمر، وكبار السن المصابين بأمراض عضال، والمعاقين.
ظهرت هذه القضية بالفعل في بحوث الخلايا الجذعية والاستنساخ. تحتاج بحوث الخلايا الجذعية إلى التدمير المتعمَّد للأجنَّة، بينما يتطلب ما يسمى الاستنساخ العلاجي — بجانب تدمير الأجنَّة — تخليقها المتعمَّد من أجل أهداف البحث قبل تدميرها. (لاحظ ليون كاس عالم الأخلاقيات البيولوجية أن الاستنساخ العلاجي ليس علاجًا بالنسبة للجنين). ولقد أُدين كلا النشاطين بعنفٍ من قِبل من يعتقدون أن الحياة تبدأ مع بدء الحمل، وأن للأجنَّة نفس الوضع المعنوي الكامل للبشر.
لا أريد أن أكرِّر القصة الكاملة للنقاش حول الإجهاض أو القضية الساخنة الجدل لتوقيت بداية الحياة. أنا شخصيًّا لا أبدأ في هذه القضية بالإيمان الديني، وأعترف بأنني أصاب بقدرٍ كبير من التشوش عند محاولة التفكير فيما بها من صحيح ومن خاطئ. والسؤال هو هذا: مدخل الحقوق الطبيعية إلى الكرامة البشرية الذي أوجزناه هنا، ماذا يقترح بالنسبة للمنزلة المعنوية لمن لم يولد وللمعاقين، وهلم جرًّا؟ أنا لست متأكدًا أنه سيقدِّم إجابة حاسمة، لكنه قد يساعدنا على الأقل في تأطير إجابة على السؤال.
للوهلة الأولى، سيبدو مذهب الحقوق الطبيعية الذي يبني الكرامة البشرية على حقيقة أن جنس الإنسان يمتلك خصائص معينة متفردة، سيبدو وكأنه يسمح لتدرُّجٍ في الحقوق يتوقف على القدر الذي يحمله الفرد من هذه الخصائص. العجوز المصاب بمرض ألزهايمر، على سبيل المثال، قد فقد قدرة الشخص البالغ الطبيعي على التفكير، وفقد معها هذا الجزء من الكرامة الذي يسمح له بالاشتراك في السياسة بالتصويت أو الترشيح. العقل والخيار الأخلاقي وامتلاك سلسلة الانفعالات المميزة للنوع، كل هذه أشياء يشترك فيها تقريبًا كل البشر، ومن ثمَّ فهي تخدم كأساس للمساواة الشاملة. لكن الأفراد لا يمتلكون أيًّا من هذه الصفات بنفس القدر: البعض أكثر من غيره عقلًا، والبعض أقوى ضميرًا أو أكثر حساسية في انفعالاته. من ناحية، يمكن أن نميز فروقًا دقيقة بين الأفراد ترتكز على درجة امتلاكهم لهذه الصفات البشرية الأساسية، فيُمنحوا حقوقًا تتباين تبعًا لذلك. ولقد حدث هذا قبلًا في التاريخ، وأُطلق عليه اسم الأرستقراطية الطبيعية. أما النظام الهيراركي الذي تُلمِع إليه، فقد كان من بين أسباب ريبة الناس في مفهوم الحقوق الطبيعية ذاته.
على أن هناك سببًا متعقلًا وجيهًا في ألا نمعن في الهيراركية عند تخصيص الحقوق السياسية. لا يوجد في المقام الأول إجماع على تعريفٍ دقيق لقائمة الخصائص البشرية الأساسية التي تؤهِّل الفرد للحقوق. والأهم أن الحكم على درجة تملُّك فردٍ ما لهذه الصفة أو تلك هو أمرٌ غاية في الصعوبة، وعادة ما يكون مشبوهًا، إذ يندر أن يكون من يتخذ القرار بلا أرب. كانت معظم الأرستقراطيات الحقيقية تقليدية لا طبيعية، يمنح فيها الأرستقراط أنفسهم حقوقًا يدَّعون أنها طبيعية وهي في الواقع ترتكز على القوة أو العرف. من الملائم أن نتناول قضية: من هو المؤهل لهذه الحقوق — مع بعض التسامح.
وبرغم ذلك سنجد أن كل ديمقراطية ليبرالية معاصرة تُفرِّق الحقوق — في الواقع — حسب الدرجة التي يشترك فيها الأفراد أو فئات الأفراد في خصائص معينة من تلك المميِّزة للنوع. الأطفال على سبيل المثال لا يحظون بحقوق البالغين لأن قدراتهم على التفكير والخيار الأخلاقي غير ناضجة بما يكفي، وليس لهم أيضًا حق التصويت ولا حرية آبائهم في اتخاذ القرار حول مكان السكن أو دخول المدارس. تجرِّد المجتمعات المجرمين من الحقوق الأساسية لاعتدائهم على القانون، وهي تفعل ذلك بصورة أعنف مع من تنقصهم حاسة أخلاقية بشرية أساسية. في الولايات المتحدة قد يُحرمون من حق الحياة إذا ارتكبوا جرائم معينة. نحن لا نسلب مرضى الألزهايمر، رسميًّا، حقوقهم السياسية، لكنا نقيِّد قدرتهم على قيادة السيارة أو اتخاذ قرارات مالية، وهم عادة ما يتوقفون عن ممارسة حقوقهم السياسية أيضًا.
يمكننا إذن، من منظور الحقوق الطبيعية، أن نجادل بأنه من المعقول أن نُضفي على من لم يولد بعد حقوقًا تختلف عن حقوق المواليد أو الأطفال. قد لا يكون الوليد في عمر يوم قادرًا على التفكير أو الخيار الأخلاقي، لكنه يمتلك بالفعل عوامل هامة من سلسلة الانفعالات البشرية الطبيعية — هو ينزعج، هو يرتبط بأمه، هو يتوقع أن يُولَى الاهتمام، وما شابه، بطرقٍ لا يستطيعها جنين عمره يوم. إن ما يجعل وأد الأطفال جريمة شنعاء في معظم المجتمعات هو أنه انتهاك للرابطة الطبيعية القوية بين الآباء والأبناء. كما أن إقامة الجنازات للموتى من الرضَّع وعدم إقامتها للأجنَّة المجهَضة إنما هو دليل على هذا التمييز. كل هذا يقترح أنه من غير المعقول أن نعامل الأجنَّة كأفراد لهم نفس حقوق الرضَّع.
يمكننا، ضد هذا الجدل، أن نطرح الاعتبارات التالية، وذلك من منظور الحقوق الطبيعية لا من منظور ديني. قد يفتقر الجنين إلى بعض الخصائص البشرية الأساسية التي يمتلكها الرضيع، لكنه ليس أيضًا مجرد مجموعة من الخلايا أو الأنسجة، لأن لديه القدرة الكامنة على أن يصبح بشرًا كاملًا. هو في هذا الخصوص يختلف عن الرضيع — الذي يفتقر أيضًا إلى الكثير من أهم خصائص الإنسان الطبيعي البالغ — يختلف عنه فقط في درجة تحقُّق هذه القدرة الطبيعية الكامنة. معنى هذا أنه بينما يمكن أن نُضفي على الجنين منزلة ذهنية أدنى من الرضيع، فإن له منزلةً أعلى من غيره من أنواع الخلايا أو الأنسجة التي يعمل عليها العلماء. من المعقول إذن — وعلى أسسٍ غير دينية — أن نتشكك فيما إذا كان الباحثون أحرارًا في تخليق الأجنَّة البشرية واستنساخها وتدميرها كيفما يحلو لهم.
علم الأنطولوجيا يلخِّص التاريخ العرقي للنوع. جادلنا بأنه قد وقعت، أثناء العملية التطورية التي قادت من الأسلاف قبل البشريين إلى البشر، وقعت قفزة نوعية حوَّلت سلائف اللغة والتفكير والانفعالات إلى كلٍّ بشري لا يمكن تفسيره كحاصل جمع أجزائه، ولا تزال هذه — جوهريًّا — عملية غامضة. يحدث شيء كهذا أيضًا في تنامي كل جنين، إلى وليد، إلى طفل، إلى إنسان بالغ: فما ابتدأ كعنقود من الجزيئات العضوية أصبح يمتلك إدراكًا وعقلًا وقدرة على الخيار الأخلاقي وعلى الانفعالات الذاتية بطريقة لا تزال هي الأخرى ملغزة.
جميع هذه الحقائق سويًّا — أن للجنين منزلة معنوية تقع في مكانٍ ما بين الوليد وبين الصور الأخرى من الخلايا والأنسجة، وأن تحوُّل الجنين إلى شيء له مرتبة أعلى هو عملية ملغزة — هذا التجميع يقترح بأنه إذا كان لنا أن نقوم بشيءٍ مثل حصد خلايا جذعية من الأجنَّة، فمن الضروري أن يوضع الكثير من الحدود والقيود حول هذا النشاط. حتى لا يصبح سابقة لاستخدامات أخرى، لمن لم يولدوا، تمدُّ الحدود بعيدًا. إلى أي مدى نود أن نخلق وننمِّي الأجنَّة لأهداف نفعية؟ ماذا لو أن دواء معجزة جديدًا تطلَّب خلايا، ليس من أجنَّة عمرها يوم، وإنما من نسيج من جنين عمره شهر؟ يحمل جنين الأنثى وعمره خمسة أشهر في المبيض بالفعل كل البويضات التي ستنتجها في حياتها كامرأة. ماذا لو أن بعضهم طلب حرية الوصول إليها؟ لو اعتدنا على فكرة استنساخ الأجنَّة لأهداف طبية، فهل سنعرف متى سنتوقف؟
إذا كانت قضية المساواة في عالم بيوتكنولوجيا المستقبل تهدِّد بتمزيق اليسار، فإن اليمين هو الآخر سيتفسخ — حرفيًّا — بسبب قضايا ترتبط بالكرامة الإنسانية. اليمين في الولايات المتحدة (ويمثله الحزب الجمهوري) ينقسم ما بين مناصري الحرية الاقتصادية، الذين يحبون أن يروا مجال المقاولات والتكنولوجيا وبه أقل قدر من القوانين، وبين المحافظين الاشتراكيين والكثير منهم متدين ويهتمون بمجالٍ من القضايا تضم الإجهاض والعائلة. والائتلاف القائم بين هاتين المجموعتين عادة ما يكون من القوة بحيث يصمد أثناء الانتخابات، لكنه يخفي بعض الفروق الأساسية في وجهات النظر. ليس من الواضح إن كان هذا الائتلاف سيصمد أمام بزوغ التكنولوجيات الجديدة التي تقدم — من ناحية — فوائد صحية هائلة، وفرصًا ضخمة لكسب المال لصناعة البيوتكنولوجيا، والتي تتطلب — من ناحية أخرى — انتهاك معايير أخلاقية عميقة التجذُّر.
ها قد عدنا إلى مسألة السياسة والاستراتيجيات السياسية، ذلك أنه إذا كان ثمَّة مفهوم حيٌّ للكرامة الإنسانية فلا بد أن يصان، ليس فقط في المجالات الفلسفية وإنما في العالم الحقيقي للسياسة، ولا بد أن تحميه المؤسسات السياسية الحية. إلى هذه القضية نتحول في الجزء الأخير من هذا الكتاب.