الآثار النبوية في مصر

بمصر آثار نبوية مشهورة محفوظة في حجرة خاصة بالمسجد الحسيني بالقاهرة تقصد بالزيارة في أيام معلومة، ولهذه الآثار الشريفة أخبار تتسلسل في التواريخ، وتنتقل بالباحث من زمن إلى زمن ومن مكان إلى مكان، حتى تصل به إلى مستقرها المحفوظة به الآن، وأول ما عرف عنها أنها كانت عند بنى إبراهيم ينبع، واستفاض أنها بقيت موروثة عندهم من الواحد إلى الواحد إلى رسول الله ، ثم اشتراها في القرن السابع أحد بني حنا١ الوزراء الأماثل ونقلها إلى مصر وبنى لها رباطًا على النيل عرف برباط الآثار، وهو المعروف الآن بجامع أثر النبي، وفي هذا الرباط يقول المقريزي في خططه ما نصه:
رباط الآثار: هذا الرباط خارج مصر بالقرب من بركة الحبش مطل على النيل ومجاور للبستان المعروف بالمعشوق، قال ابن المتوج: هذا الرباط عمره الصاحب تاج الدين محمد ابن الصاحب فخر الدين محمد ولد الصاحب بهاء الدين علي ابن حنا بجوار بستان المعشوق، ومات رحمه الله قبل تكملته، ووصى أن يكمل من ريع بستان المعشوق فإذا كملت عمارته يوقف عليه، ووصى الفقيه عز الدين بن مسكين فعمر فيه شيئًا يسيرًا وأدركه الموت إلى رحمة الله تعالى، وشرع الصاحب ناصر الدين محمد ولد الصاحب تاج الدين في تكملته فعمر فيه شيئًا جيدًا. انتهى. وإنما قيل له رباط الآثار لأن فيه قطعة خشب وحديد يقال إن ذلك من آثار رسول الله اشتراها الصاحب تاج الدين المذكور بمبلغ ستين ألف درهم فضة من بني إبراهيم أهل ينبع، وذكروا أنها لم تزل عندهم موروثة من واحد إلى آخر إلى رسول الله وحملها إلى هذا الرباط وهي به إلى اليوم يتبرك الناس بها ويعتقدون النفع بها، وأدركنا لهذا الرباط بهجة وللناس فيه اجتماعات ولسكانه عدة منافع ممن يتردد إليه أيام كان ماء النيل تحته دائمًا، فلما انحسر الماء من تجاهه٢ وحدثت المحن من سنة ست وثماني مائة قل تردد الناس إليه وفيه إلى اليوم بقية، ولما كانت أيام الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد قلاوون قرر فيه درسًا للفقهاء الشافعية وجعل له مدرسًا وعنده عدة من الطلبة ولهم جار في كل شهر من وقف وقفه عليهم وهو باق أيضًا، وفي أيام الظاهر برقوق وقف قطعة أرض لعمل الجسر المتصل بالرباط، وبهذا الرباط خزانة كتب وهو عامر بأهله». ا.هـ.

وقد رأينا قبل التعرض لما ذكره غيره من الرباط والآثار أن نأتي على ما لابد منه في هذا البحث من التعريف ببانيه فنقول:

التعريف بباني الرباط

هو سليل بيت الوزارة والسؤدد والوجاهة والعلم الوزير الصاحب تاج الدين محمد ابن الصاحب فخر الدين محمد ابن الوزير الصاحب بهاء الدين علي بن محمد بن سليم بن حنا، ولد سنة ٦٤٠ وسمع من سبط السلفي وحدث وكان له شعر جيد وانتهت إليه رئاسة عصره وكان صاحب صيانة وسؤدد ومكارم وشاكلة حسنة وبزة فاخرة وتناه في المطعم والملبس والمسكن، ونال في الدنيا من العز والجاه ما لم ينله جده الصاحب الكبير بهاء الدين بحيث إنه لما تقلد الصاحب فخر الدين ابن الخليلي الوزارة سار من القلعة وعليه التشريف إلى داره وقبل يده وجلس بين يديه ثم انصرف إلى داره، وما زال الصاحب تاج الدين على هذا القدر من العز إلى أن تقلد الوزارة سنة ٦٩٣ فلم ينجب وتوقفت الأحوال في أيامه فصرف سنة ٦٩٤ وأعيد إلى الوزارة مرة ثانية فلم ينجح فعزل، وكانت وفاته سنة ٧٠٧ ودفن في مقابر بني حنا بالقرافة. (وولد والده) الصاحب فخر الدين محمد بن بهاء الدين علي سنة ٦٢٢ وناب عن والده في الوزارة وولي ديوان الأحباش ووزارة الصحبة في أيام الظاهر بيبرس، وسمع الحديث بالقاهرة وكان له شعر جيد ودرس بمدرسة والده المسماة بالصاحبية البهائية التي كانت بمصر القديمة إلى أن توفي في حياة والده سنة ٦٦٨ فدرس بها بعده ولده، وتوارث بنو حنا ولاية نظرها وتدريسها إلى أن عطلت وخربت ثم هدمها بعد ذلك الأمير تاج الدين الشوبكي والي القاهرة ومصر سنة ٨١٨، ولما دُلي الصاحب فخر الدين في لحده قام الإمام محمد بن سعيد البوصيري ناظم البردة وأنشد في الجمع المحتشد بمقبرة بني حنا:

نم هنيئًا محمد بن علي
بجميل قدمت بين يديكا
لم تزل عوننا على الدهر حتى
غلبتنا يد المنون عليكما
أنت أحسنت في الحياة إلينا
أحسن الله في الممات إليكا

فبكى الناس. وكان لها محل كبير ممن حضر.

(وأما جده) فهو الوزير الصاحب بهاء الدين علي بن محمد ولد بمصر سنة ٦٠٣ وتقلبت به الأحوال في كتابة الدواوين إلى أن ولي المناصب الجليلة واشتهرت كفايته فاستوزره السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري سنة ٦٥٩ وفوض إليه تدبير المملكة فقام بأعبائها وتصرف في أمورها بحزم وعزم وعفة عن الأموال، حتى إنه لم يكن يقبل من أحد هدية إلا أن تكون هدية فقير أو شيخ معتقد يتبرك بما يصل من أثره، وكان يستعين على ما التزم به من المبرات بالمتاجر، ولما مات الظاهر بيبرس أقره ولده الملك السعيد بركة على ما كان عليه مدة والده، وكانت وفاته سنة ٦٧٧ قال المقريزي: وزرئ بفقد ولديه الصاحب فخر الدين والصاحب زين الدين فعوضه الله عنهما بأولادهما، فما منهم إلا نجيب رئيس فاضل مذكور.

عود إلى الرباط والآثار

تقدم في عبارة المقريزي تسميته برباط الآثار وهو اسمه المشهور الذي رأيناه مذكورًا به في كل ما وقفنا عليه من كتب التاريخ، وسماه ابن دقاق في كتابه الانتصار لواسطة عقد الأمصار بالرباط الصاحبي التاجي نسبة إلى بانيه الصاحب تاج الدين ونقل عبارة ابن المتوج التي نقلها المقريزي عنه ثم بيَّن ما به من الآثار بقوله: «قلت: وهو مسجد الآثار الشريفة اشتراها الصاحب تاج الدين من الشريف (…)٣ بمبلغ مائتين وخمسين ألف درهم وجعلها في خزانة في هذا الرباط وهي قطعة من العنزة٤ وقطعة من القصعة ومرود وملقط ومخصف ووقف على هذا المكان بستان المعشوق». ثم قال بعد ما ذكر ما وقفه الأشرف شعبان عَلَى هذا الرباط: «قلت: ذكرت مرة مسجد الآثار عند الشيخ الإمام العالم برهان الدين إبراهيم بن زقاعة الغزي٥ في سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة فقال لي: إني استنبطت من القرآن آية في حق الآثار وهي قوله تعالى: فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ وقرئت آثار٦ فأثر رحمة الله هو المطر ومدد النيل منه والمكان مطل على النيل وآثار رحمة الله هي آثار النبي بدليل قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ولا يجتمع الأثر والآثار في سائر الدنيا إلا بمصر خاصة، فهذا أعظم فخر لها».

واستطرد ابن كثير في البداية والنهاية لذكر بعض هذه الآثار في كلامه عما ورد في المكحلة النبوية فقال: «وبلغني أن بالديار المصرية مزارًا فيه أشياء كثيرة من آثار النبي اعتنى بجمعها بعض الوزراء المتأخرين فمن ذلك مكحلة وميل ومشط وغير ذلك، والله أعلم».

وذكر القلقشندي في صبح الأعشي الرباط والآثار في كلامه على الربط التي بالفسطاط بعبارة مختصرة قال فيها: «وأما الخوانق٧ والربط فلم تعهد بالفسطاط، غير أن الصاحب بهاء الدين بن حِنَّا عمر رباط الآثار الشريفة النبوية بظاهر قبلي الفسطاط واشترى الآثار الشريفة، وهي ميل من نحاس وملقط من حديد وقطعة من العنزة وقطعة من القصعة بجملة مال وأثبتها بالاستفاضة وجعلها بهذا الرباط للزيارة». ا.هـ. وقد وهم في قوله بهاء الدين؛ لأن باني الرباط ومشتري الآثار حفيده تاج الدين كما قدمنا وهو ما أجمع عليه المؤرخون. والظاهر أن الذي أوقعه في ذلك ما اشتهر من نسبة الرباط إلى أحد بني حِنَّا، فذهب ظنه وقت كتابة هذه الجملة إلى أكبرهم وأولهم في الشهرة وهو بهاء الدين سهوًّا منه، وجل من لا يسهو، وقلده في هذا الوهم ابن إياس٨ بقوله في حوادث تولي الظاهر بيبرس على مصر سنة ٦٥٨ ما نصه: «واستقر بالصاحب بهاء الدين بن حِنَّا وزيرًا بالديار المصرية. أقول: والصاحب بهاء الدين بن حِنَّا هذا هو الذي بنى مكان الآثار النبوية المطل على بحر النيل واشترى الآثار الشريفة بجملة كبيرة من المال وأودعها في ذلك المكان الذي أنشأه على بحر النيل وصارت الناس يقصدون ذلك المكان بسبب الزيارة في كل يوم أربعاء» ا.هـ. غير أنه أفادنا أن زيارة هذه الآثار كانت في تلك العصور كل يوم أربعاء.

وذكره البرهان الحلبي في حاشيته المسماة نور النبراس على سيرة ابن سيد الناس، فقال: «وفي آخر مصر مكان على النيل مبنى محكم البنيان وله طاقات مطلة على النيل ومكان ينزل إليه وبركة من ماء النيل ومطهرة بماء النيل، وفيه خزانة من خشب وعليها عدة ستور الواحد فوق الآخر وداخل الخزانة علبة صغيرة من جوز فيها من الآثار الشريفة قطعة من قصعة وقطعة من العنزة وميل من نحاس أصفر ومخصف صغير وملقط صغير لإخراج الشوك من الرجل أو غيرها، وقد زرناه غير مرة، وهو مكان مليح في غاية النزاهة وما بعده إلا بساتين، وقد زرناه مرة فرآني الإمام جلال الدين ابن خطيب داريا الدمشقي بسوق كتب القاهرة، فسألني: أين كنتم؟ قلت: زرنا الآثار وكان معنا بعض الأدباء. فقال: هل نظم أحد في ذلك شيئًا؟ فقلت: لا. فقال: أنا زرته من أيام وكتبت فيه بيتين، فأنشدني ذلك، وهما:

يا عين إن بعد الحبيب وداره
ونأت مرابعه وشط مزاره
فلك الهنا فلقد ظفرت بطائل
إن لم تريه فهذه آثاره

عنها انتهى كلام البرهان الحلبي ونقلناه من حاشيته المذكورة، وقد نقله أيضًا العلامة المقري في فتح المتعال باختلاف يسير في بعض الألفاظ.

ولما وصل ابن بطوطة الرحالة الشهير إلى مصر في أوائل القرن الثامن وأراد الخروج من القاهرة إلى الصعيد للحج مر بهذا الرباط ونزل به ليلة ووصفه في رحلته بقوله: «ثم كان سفري من مصر عن طريق الصعيد برسم الحجاز الشريف، فبت ليلة خروجي بالرباط الذي بناه الصاحب تاج الدين بن حِنَّا بدير الطين٩ وهو رباط عظيم بناه على مفاخر عظيمة وآثار كريمة أودعها فيه وهي قطعة من قصعة رسول الله والميل الذي كان يكتحل به والدرفش١٠ وهو الإشفي الذي كان يخصف به نعله، ومصحف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي بخط يده (رضي الله عنه)، ويقال: إن الصاحب اشترى ما ذكرناه من الآثار الكريمة النبوية بمائة ألف درهم، وبنى الرباط وجعل فيه الطعام للوارد والصادر والجراية لخدام تلك الآثار الشريفة. نفعه الله تعالى بقصده المبارك» ا.هـ.

فائدة

إنما خرج ابن بطوطة إلى الصعيد لأنه أراد أن يسلك في حجِّه طريق صحراء عيذاب، كما سلكها قبله ابن جبير في القرن السادس، فلم يتيسر له الحج منها كما تيسر لابن جبير لفتنة كانت قائمة بعيذاب منعته من ركوب البحر منها إلى جدة، فعاد أدراجه إلى القاهرة، وقد أقام حجاج مصر والمغرب زيادة عن مائتي سنة يسافرون إلى الحجاز من هذه الطريق فكانوا يركبون السفن في النيل من ساحل الفسطاط إلى قوص، ثم يعبرون هذه الصحراء على الإبل إلى عيذاب (بكسر العين المهملة أو فتحها) وهي بلدة على بحر القلزم المسمى الآن بالبحر الأحمر، ثم يركبون منها إلى جدة سفنًا تسمى الجلاب وواحدتها جلبة، وكذلك تجار الهند واليمن والحبشة كانوا يردون مصر بمتاجرهم من هذه الطريق، ولم تزل مسلكًا للحجاج في ذهابهم وإيابهم من سنة بضع وخمسين وأربعمائة إلى سنة بضع وستين وستمائة، وذلك منذ الشدة العظيمة زمن المستنصر الفاطمي وانقطاع الحج في البر إلى أن كسا الظاهر بيبرس الكعبة وأخرج قافلة الحاج في البر من الطريق القديمة المسلوكة إلى أيلة وغيرها، فقل سلوك الحجاج لهذه الصحراء واستمرت المتاجر تحمل فيها حتى بطل ذلك بعد سنة ٧٦٠، وكان أمر هذه الجلاب غريبًا لأن ألواحها لم تكن تضم بالمسامير كما في سائر السفن، بل كانت تخاط بأمراس تفتل من قشر جوز الهند المسمى بالنرجيل وتعمل لها قلوع من حصر منسوجة من خوص شجر المقل وهو الدوم، وقد فصَّلنا الكلام عليها في رسالة لنا في السفن الإسلامية وأسمائها، أعاننا الله على إتمامها.

عود إلى رباط الآثار

وذكره السيوطي في حسن المحاضرة بما نصه: «رباط الآثار بالقرب من بركة الحبش عمّره الصاحب تاج الدين ابن الصاحب فخر الدين ابن الصاحب بهاء الدين ابن حِنَّا وفيه قطعة خشب وحديد وأشياء أخر من آثار رسول الله اشتراها الصاحب المذكور بمبلغ ستين ألف درهم فضة من بني إبراهيم أهل ينبع، ذكروا أنها لم تزل موروثة عندهم من واحد إلى واحد إلى رسول الله ، وحملها إلى هذا الرباط، وهي به إلى اليوم يتبرك بها». انتهى.

ولم يزل هذا الرباط عامرًا مأهولًا بالمصلين والزوار، حتى تبدلت الدول واختلت الأحوال، فنقلت منه الآثار الشريفة خوفًا عليها من السراق، وتغيرت معالمه بتجديد بنائه، والذي وقفنا عليه من ذلك، تجديده زمن إبراهيم باشا الدفتردار المتولي على مصر سنة ١٠٧١، كما في تراجم الصواعق في واقعة الصناجق١١ ففيه أنه لما عزل وأنزلوه من القلعة صلى الجمعة يوم ١٢ شوال سنة ١٠٧٣ في مسجد أثر النبي الذي بمصر القديمة، وكان وسعه وجدده وبنى تحته رصيفًا لدفع ماء النيل عن بنائه، ورتب له مائة عثماني، وأرصد له طينًا، وعين به قراء ووظائف وحراسًا قاطنين به وشرط النظر لمن يلي أغاوية اليكيجرية بمصر. وذكر الجبرتي في حوادث رجب من سنة ١٢٢٤ ما نصه: «وفيه تقيد الخواجة محمود حسن بزرجان باشا بعمارة القصر والمسجد الذي يعرف بالآثار النبوية، فعمرها على وضعها القديم، وقد كان آل إلى الخراب» ا.هـ. قلت: والراجح أنه البناء الباقي إلى اليوم، ولم يزل هذا المسجد مقام الشعائر والصلوات مقصودًا بالزيارة على قلة، لحجر فيه يزعمون أن عليه أثر قدمه ، وليس بصحيح، وسيأتي كلامنا عليه وعلى ما يماثله من الأحجار في تتمة ملحقة بهذا الفصل، وأما القصر الذي ذكره الجبرتي فقد زال، وبجوار المسجد الآن بعض أطلال ماثلة لعلها من بقاياه.

نقل الآثار الشريفة إلى قبة الغوري

تولى السلطان الملك الأشرف قانصوه الغوري على المملكة المصرية سنة ٩٠٦ وقتل بمرج دابق شمالي حلب في قتاله مع السلطان سليم العثماني سنة ٩٢٢، وهو الذي بنى المدرسة المعروفة الآن بجامع الغوري عن يمين السالك بشارع الغورية إلى باب زويلة، وبنى أمامها عن يسار السالك القبة المنسوبة إليه ليدفن بها فلم يقدر له ذلك، وفقدت جثته تحت سنابك الخيل فدفن في الحظيرة المكشوفة لهذه القبة قريبه السلطان الأشرف طومان باي آخر ملوك الجراكسة بمصر الذي تولى بعده وقتله السلطان سليم سنة ٩٢٣، ودفن بها أيضًا على ما في ابن إياس خوندخان تكن مستولدة السلطان الغوري المتوفاة سنة ٩٢٢ مع أولادها، ونقل علي مبارك باشا في خططه عن النزهة السنية في أخبار الخلفاء والملوك المصرية لحسن بن حسين المعروف بابن الطولوني، أن السلطان الغوري بنى هذه القبة للآثار النبوية وللمصحف العثماني الذي أضافه إليها، ونص عبارته:
وقد جدد مولانا السلطان عز نصره للمصحف العثماني الذي بمصر المحروسة بخط مشهد الحسين (رضي الله عنه) جلدًا بعد أن آل جلده الواقي له إلى التلف والعدم ولمكثه من زمن سيدنا عثمان إلى يومنا هذا، فألهم الله تعالى مولانا المقام الشريف خلد الله ملكه بطلبه إلى حضرته بالقلعة الشريفة، ورسم بعمل هذا الجلد المعظم المتناهي في عمله لاكتساب أجره وثوابه؛ وأن يعمل له وقاية من الخشب المنقوش بالذهب والفضة وأنواع التحسين، وبرز أمره الشريف بعمارة قبة معظمة تجاه المدرسة الشريفة التي أنشأها بخط الشرابيشيين بين سوق الجملون وسوق الخشيبة١٢ بمباشرة الجناب العالي الأمير تاني بك الخازندار وناظر الحسبة الشريفة وما معها، وأن تكون القبة المعظمة المأمور بعملها إن شاء الله تعالى مناظرة في الحُسن والإتقان لما سبق، كما رتبها بنظره الشريف ليكون فيها ما خصّها الله تعالى به من تعظيمها بالمصحف الشريف العثماني والآثار الشريفة النبوية وغير ذلك من مصاحف وربعات. ا.هـ.
قلت: المصحف المذكور المنسوب لذي النورين عثمان (رضي الله عنه) هو الذي كان بمدرسة القاضي الفاضل التي كانت بدرب ملوخية١٣ المعروف الآن بدرب القزازين قرب المشهد الحسيني، وقد زالت هذه المدرسة وعفا أثرها، وكانت بها خزانة كتب عديمة النظير تجمع على ما قيل مائة ألف مجلد، ذكر المقريزي أنها تفرقت ولم يبق منها غير هذا المصحف الذي تسميه الناس مصحف عثمان بن عفان، وقد استطرد العلامة القسطلاني في المناقب التي ألفها للإمام الشاطبي ناظم الشاطبية لذكر هذا المصحف في كلامه على تولي هذا الإمام الإقراء بهذه المدرسة، فنقل عبارة المقريزي في وصفه، ثم ذكر نقله إلى قبة الغوري مع الآثار النبوية، بعد أن ذكر تشتت كتب هذه الخزانة، فقال: «ولم يبق منها إلا المصحف الكبير المكتوب بالخط الأول الكوفي المعروف بمصحف عثمان بن عفان، ويقال: إن القاضي الفاضل اشتراه بنيف وثلاثين ألف دينار، على أنه مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان (رضي الله عنه)، وكان في خزانة مفردة بجانب المحراب من غربيه، وعليه جلالة ومهابة، ولم يزل بها حتى خرب ما حول المدرسة المذكورة، وآل أمرها إلى التلاشي، فنقله السلطان الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري أجرى الله تعالى على يده الخيرات، وختم أعماله بالصالحات، كما نقل الآثار النبوية لاستيلاء السراق على القاطنين بمحلها، وعدم الأمن وخوف الضياع، إلى القبة التي أنشأها تجاه مدرسته الشريفة بقرب الأقباعيين١٤ داخل باب زويلة والخرق١٥ من القاهرة المعزية». انتهى.
أما كون هذه الآثار التي ذكر ابن الطولوني والقسطلاني نقلها إلى القبة هي عين الآثار التي كانت بالرباط، فقد صرح به الشيخ شمس الدين محمد بن أبي السرور البكري في الكواكب السائرة في أخبار مصر والقاهرة، فقال في الباب الذي عقده لتعداد ما اختصت به مصر وأهلها من الفضائل ما نصه: «الحادي عشر اختصاصهم بوضع الآثار الشريفة النبوية بأرضهم وبلادهم، وهي قطعة من العنزة ومرود ومخصف وقطعة من القصعة، وضم إليها أشياء من آثار الأولياء. قيل: إن الصاحب تاج الدين بن حِنَّا اشترى هذه الآثار الشريفة بستين ألف درهم، وجعلها في مكان بالمعشوق بالروضة١٦ على شاطئ النيل معروف، وقد نقل ذلك السلطان الغوري إلى مدفنه بالقاهرة. والله أعلم».

فيعلم من هذا أن الآثار الشريفة نقلت من رباطها إلى هذه القبة في أيام الغوري أي في أوائل القرن العاشر، غير أننا لم نقف فيما بأيدينا من النصوص على تعيين السنة التي نقلت فيها، ويغلب على الظن أنها مذكورة في المدة الضائعة من تاريخ ابن إياس المطبوع بمصر، وهي من أثناء سنة ٩٠٦، إلى آخر سنة ٩٢١، أما قول ابن إياس في حوادث جمادى الثانية من سنة ٩٢٣، عن السلطان سليم: «وفيه أشيع أن السلطان سليم شاه نزل في مركب وتوجه نحو الآثار الشريفة، فقام عليه ريح عاصف فانقلبت به المركب في البحر فكاد أن يغرق وأغمي عليه وما بقي من موته شيء، وقيل: إنه كان سكران لا يعي، فكان في أجله فسحة حتى عاش إلى اليوم». فلا يؤخذ منه أن الآثار كانت باقية بالرباط إلى هذا العهد، بعد ما ثبت نقلها قبل ذلك زمن الغوري، وإنما مراده أنه ذهب للتنزه إلى الجهة المعروفة بذلك؛ لأن المسجد بقي معروفًا بالآثار بعد نقلها منه.

نقلها إلى المسجد الحسيني

ظلت هذه الآثار الشريفة محفوظة بقبة الغوري مدة ثلاثة قرون ونيف إلى سنة ١٢٧٥هـ، ولا تخلو التواريخ من ذكرها في هذه المرة خلال الحوادث، فمما وقفنا عليه من ذلك قول ابن إياس في حوادث سنة ٩٢٦، حينما توقف النيل عن الوفاء في ولاية ملك الأمراء خير بك على مصر.

«فلما كان يوم الأحد سادس رمضان نزل ملك الأمراء وتوجه إلى المقياس وكان قد مضى من مسرى ستة وعشرون يومًا، فأقام ملك الأمراء في المقياس ذلك اليوم، وفرقوا أجزاء الربعة على الحاضرين من الفقهاء، فقرءوا فيها عشرين دورًا، ثم قرءوا صحيح البخاري هناك، وأشيع أن ملك الأمراء فرق هناك على الفقهاء ما لا له صورة وأحضر الأطفال الأيتام وفرق عليهم مبلغًا له صورة وأحضر من الآثار الشريفة القميص من المدرسة الغورية١٧ ووضعه في فسقية المقياس وغسلوه في الماء الذي بها، وكثر هناك الضجيج والبكاء والتضرع إلى الله تعالى بالزيادة».

وذكر الجبرتي في حوادث ربيع الأول من سنة ١٢٠٣ ما نصه: «وفي عاشره أخبر بعض الناس قاضي العسكر أن بمدفن السلطان الغوري بداخل خزانة في القبة آثار النبي ، وهي قطعة من قميصه وقطعة عصا وميل، فأحضر مباشر الوقف وطلب منه إحضار تلك الآثار وعمل لها صندوقًا ووضعها في داخل بقجة وضمَّخها بالطيب ووضعها على كرسي ورفعها على رأس بعض الأتباع وركب القاضي والنائب وصحبته بعض المتعميين مشاة بين يديه يجهرون بالصلاة على النبي حتى وصلوا بها إلى المدفن ووضعوها في داخل الصندوق ورفعوها في مكانها بالخزانة».

ثم رئي نقلها من هذه القبة فنقلت منها سنة ١٢٧٥هـ، ذكر عصريُّنا الفاضل السيد محمود الببلاوي شيخ المسجد الحسيني والمتولي الآن شيخًا على المسجد الزينبي في (التاريخ الحسيني) أنه سمع من شيوخ ثقات كبراء أنها نقلت من القبة إلى المسجد الزينبي، ثم نقلت بموكب حافل إلى خزانة الأمتعة بالقلعة، ثم نقلت منها سنة ١٣٠٤هـ إلى ديوان الأوقاف، وفي سنة ١٣٠٥هـ نقلت إلى قصر عابدين مقر الخديو، ومنه نقلت في السنة المذكورة إلى المسجد الحسيني.

ولما عزم الخديو محمد توفيق باشا على نقلها تلك السنة أمر أن تتخذ لها خزانة بالحافظ الشرقي في المسجد الحسيني، ثم استجلبها من ديوان الأوقاف إلى قصر عابدين، وأمر أن تحفظ في شقق من الديباج الأخضر مطرزة بسلوك الفضة المذهبة، قيل: إن زوجته الأميرة المعظمة أمينة بنت الأمير إلهامي باشا ابن والي مصر عباس باشا الكبير، تولت تطريزها بيدها تعظيمًا وإجلالًا لتلك الآثار، ثم احتفل بنقلها من القصر إلى المسجد يوم الخميس الخامس والعشرين من جمادى الثانية من السنة المذكورة في موكب فخم لم تشهد مصر مثله، مشى فيه نحو ثلاثين ألف نسمة على أقدامهم، واحتشد لرؤيته على جانبي الطريق نحو مائتي ألف وكان الخديو دعا في ذلك اليوم العلماء والأعيان إلى القصر للمسير في الموكب، وأمر أن يسير فيه جميع مستخدمي الدواوين، وكانت الآثار الشريفة ملفوفة في خمس شقق من الديباج مرفوعة على أسرة في بهو الاستقبال الكبير وحولها مجامر البخور، فلما تم توافد المدعوين استدعى الخديو إلى مجلسه قاضي مصر والشيخ الأكبر محمدًا الأنبابي شيخ الأزهر والشيخ محمدًا البنَّاء المفتي ومن كبار العلماء الشيخ محمدًا المهدي العباسي، وكان وقتئذ معزولًا عن الأزهر والإفتاء، ومن أبناء البيوت القديمة السيد عبد الباقي البكري نقيب الأشراف وشيخ الصوفية، والسيد عبد الخالق السادات سليل بني وفا، ثم حمل الخديو على يديه إحدى هذه الودائع الكريمة، وأشار إلى أخيه الأمير حسين كامل باشا، والغازي أحمد مختار باشا المندوب السلطاني العالي، ومحمد ثابت باشا رئيس الديوان الخديوي، ومحمد رءوف باشا ناظر الأوقاف، بحمل الأربع الباقية، فحملوها وخرجوا جميعًا إلى سلم القصر المشرف على ميدان عابدين، فتقدم السيد عبد الباقي البكري وتسلم الوديعة التي يحملها الخديو وانتظم مع الحاملين لبقية الآثار، وكان خروج الموكب من القصر في ضحى ذلك اليوم، ووصل إلى المسجد الحسيني بالسير الرويد في ثلاث ساعات، وكان مسيره من عابدين في شارع عبد العزيز إلى ميدان العتبة الخضراء فشارع محمد علي إلى ميدان باب الخلق فشارع تحت الربع إلى باب زويلة فشارع السكرية فالعقادين فالغورية فالسكة الجديدة إلى أن وصل إلى المسجد الحسيني، وكان في طليعته خمسة من فرسان الشرطة يتلوهم جميع أرباب الأشائر الذين بالقاهرة حاملين أعلامهم، ثم كوكبة من فرسان الجيش فكتيبة من مشاته فالأعيان والوجوه فالعلماء وطلبة العلم فعشرون وصيفًا يحملون مجامر البخور وقماقم العطر، ومن بعدهم حملة الآثار في صف، يتوسطهم السيد البكري، وعن يمينه ويساره الغازي مختار باشا وكان لابسًا حلته العسكرية، والأمير حسين باشا أخو الخديو، وفي الطرفين محمد ثابت باشا ورءوف باشا، ثم يتلوهم الوزراء — وكان يقال لهم في ذلك الحين: النظار — ثم مستخدمو الدواوين فشرذمة من رجال الشرطة، ولما وصلوا بالآثار إلى المسجد أودعوها في خزانتها وأودعوا معها المصحف العثماني، وتسلم مفاتيحها ناظر الأوقاف، ثم تليت آيات من الكتاب العزيز، ووقف الشيخ سليم عمر القلعاوي شيخ مسجد القلعة فخطب خطبة نوَّه فيها بالآثار ودعا للسلطان وللخديو.

ثم لما تولى على مصر الخديو عباس حلمي باشا سنة ١٣٠٩هـ، رأى أن ينشئ للآثار حجرة خاصة فتم إنشاؤها سنة ١٣١١هـ وراء الحائط الشرقي للمسجد الحسيني والحائط الجنوبي لقبة المشهد، وجعل لها بابان واحد إلى المسجد وواحد إلى القبة، وجعلت خزانة الآثار بحائطها الجنوبي، وهي باقية فيها إلى اليوم تقصد بالزيارة في أيام معلومة.

عدد هذه الآثار وصفتها

نرى فيما سردناه من الروايات اختلافًا في عدد هذه الآثار بالزيادة والنقصان، وسبب ذلك أن من الراوين من لم يرها، فذكر ما نقل له عنها بالسماع، ومنهم من تساهل في استقصاء عددها واكتفى بذكر بعضها، ولقد أحسن من احتاط منهم فأعقب عبارته بقوله: (وغير ذلك) والذي يتحصل من مجموع هذه الروايات أنها كانت قطعة من العنزة، أي: الحربة، وقطعة من القصعة، ومرود، وعبّر عنه بعضهم بالميل، وقال بعضهم من نحاس وبعضهم من نحاس أصفر، وملقط، وقال عنه بعضهم من حديد، وقيده بعضهم بكونه صغيرًا لإخراج الشوك من الرجل أو غيرها، ومخصف، وقيده بعضهم بكونه صغيرًا، وعبر عنه بعضهم بالإشفي الذي كان يخصف به نعله، ومكحلة، ومشط، وانفرد بذكرهما ابن كثير، وقطعة عصا وانفرد بذكرها الجبرتي، وقطعة من القميص ولم يذكرها إلا ابن إياس والجبرتي، ومن غير الآثار النبوية المصحف المنسوب لأمير المؤمنين علي عليه السلام، ثم أضاف إليها السلطان الغوري المصحف العثماني الذي كان بمدرسة القاضي الفاضل وهما باقيان إلى اليوم وفي نسبتهما إليهما نظر١٨.
ولم يبق من الآثار النبوية اليوم إلا المكحلة والمرود والقطعة من القميص والقطعة من القضيب وهي التي عبر عنها الجبرتي بقطعة عصا، وضم إليها شعرتان من اللحية النبوية الشريفة١٩ محفوظتان في زجاجة، وقد حفظت جميعها في أربعة صناديق صغيرة من الفضة ملفوفة في قطع من الديباج الأخضر المطرز: المكحلة والمرود في صندوق، والشعرتان في صندوق، والقميص في صندوق، والقضيب في صندوق، وفقدت بقية الآثار التي كانت معها، وهي القطعة من العنزة، والقطعة من القصعة، والمخصف، والملقط، والمشط، ولا يعلم في أي زمان فقدت.

تنبيه

قال ابن إياس في حوادث المحرم من سنة ٨٨٩هـ: «وفيه توفي الشيخ ولي الدين أحمد شيخ الآثار النبوية وقاضي ثغر دمياط وكان دينًا خيرًا حسن السيرة لا بأس به» ا.هـ. وهي عبارة مبهمة قد يفهم منها أنها آثار نبوية أخرى بدمياط كانت في نظر قاضيها، وقد تبين لنا بعد بحث طويل استوعبنا فيه تراجم الأحمدين بالضوء اللامع للسخاوي أن المراد الآثار المعروفة التي بالقاهرة، وأن الشيخ ولي الدين المذكور كان شيخًا عليها ثم نقل قاضيًا لدمياط وتوفي بها، وملخص ما جاء عنه في هذا الكتاب أنه الشيخ ولي الدين أبو زرعة أحمد بن محمد بن عمر بن محمد بن إبراهيم البارنباري الشافعي سبط داود بن عثمان السبتي، ولد بمصر سنة ٨٢٨، واشتغل على البهاء بن القطان والشهاب بن مبارك شاه والبرهان المتبولي وغيرهم، وكتب الإملاء عن الحافظ بن حجر، وسمع الحديث على جماعة منهم عمه النور علي والبدر النسابة وهاجر القدسية، وناب في القضاء عن المناوي، واستقر به العز الكناني سنة ٨٧٠ شيخًا على الآثار، ثم استقر به الزين زكريا في قضاء دمياط بعد الصلاح بن كميل، وحمد في ذلك كله لعقله ومداراته وخبرته وسياسته مع فضيلة وتواضع، وكتب على مختصر أبي شجاع معلولًا ومختصرًا، وشرع في شرح على المنهاج، ومات وهو بدمياط ليلة الثلاثاء ثالث عشر المحرم سنة ٨٨٩، ودفن بتربة تجاه فتح الأسمر. ا.هـ. قلنا: وقول السخاوي فتح الأسمر جرى فيه على المشهور عند العامة، والصواب أنه العارف بالله فاتح بن عثمان الأسمر التكروري القادم من مراكش إلى دمياط، والمتوفى بها سنة ٦٩٥ ترجمه المقريزي في خططه في كلامه على دمياط ترجمة حافلة بيَّن فيها وهم العامة في اسمه وذكر له مناقب جليلة في الزهد والورع وسلوك طريق السلف من التمسك بالكتاب والسنة، رحمه الله تعالى ورضي عنه.

هوامش

(١) بنو حنا من الأسر العريقة في الإسلام، واسم جدهم حِنَّا بكسر الحاء المهملة وفتح النون المشددة على ما ضبطه المقريزي في خططه، وكأنه منقول من اسم الحناء التي يختضب بها ثم قصرته العامة على عادتها في قصر كل ممدود، وقد يظن من لم يعرف ضبطه أنه بفتح الحاء وأنهم من الأقباط الذين أسلموا وتولوا الوزارة أو المباشرة في مصر كبني مكانس وبني الجيعان وغيرهم.
(٢) عاد النيل إليه بعد انحساره وما زال إلى اليوم يجري بجواره، ولكن في مجرى صغير، وحدثت بين هذا المجرى وبين المجرى الكبير جزيرة.
(٣) بياض في النسخة بمقدار كلمتين، ولا ريب في أن الساقط اسم أحد بني إبراهيم الذي اشترى منه الصاحب هذه الآثار.
(٤) العنزة بفتحتين الحربة القصيرة.
(٥) هو العالم الصوفي المعتقد صاحب الديوان توفي بالقاهرة سنة ٨١٦ ودفن خارج باب النصر، وكان قبره مشهورًا إلى القرن الثاني عشر، وزاره العلامة الشيخ عبد الغني النابلسي وذكره في رحلته الحقيقة والمجاز في رحلة الشام ومصر والحجاز، فقال: إنه بالزقاق الذي على ميمنة الخارج من باب النصر في مزار عليه باب وعلى تابوته ثوب أخضر. قلت: وما زلت أبحث عنه حتى اهتديت إليه في هذا الطريق فرأيته في حالة يرثى لها من الإهمال وقد هدم المزار وزال التابوت والستر ولم يبق غير قبر حقير لاصق بالحائط لا كتابة عليه، ولولا اعتقاد العامة فيه وقصدهم إياه بالزيارة لدرس وجهل مكانه، وزُقَاعة بضم الزاي وفتح القاف المشددة، وبعدها ألف وعين مهملة مفتوحة وتاء.
(٦) قوله «وقرئت آثار» هي القراءة المشهورة التي كتب عليها العلامة الألوسي في تفسيره، ثم قال: وقرأ الحرميان وأبو عمر وأبو بكر (أثر) بالإفراد وفتح الهمزة والثاء وقرأ سلام (إثر) بكسر الهمزة وإسكان الثاء، وقال الكشاف: وقرئ أثر وآثار على الوحدة والجمع.
(٧) الخوانق جمع خانقاه، وقد يقال فيها خوانك وخانكاه بالكاف وهي كلمة مولدة معربة عن الفارسية وأصلها فيها بالكاف، والمراد بها أماكن جعلت للصوفية يتخلون فيها لعبادة الله تعالى، وكان حدوث الخوانك في الإسلام في حدود الأربعمائة ويعبر الأتراك عن الخانقاه بالتكية. ونقل علي مبارك باشا في كلامه على الخانقاة السرياقوسية من خططه (ج١٠ ص٨٧) عن حاشية ابن عابدين على الدر المختار في الفقه ما يفيد أن الخوانك هي الزوايا الخاصة بصوفية الروم.
(٨) ووهم فيه علي مبارك باشا وهما آخر في خططه، فنسب بناءه للسلطان الملك الظاهر بيبرس وذلك في كلامه على القرية الملاصقة له المسماة الآن (أثر النبي) ومن العجيب أنه لما تكلم عليه هنا لم يبين أنه المسجد الذي كان يسمى برباط الآثار، ولما تكلم على الربط ذكر رباط الآثار ونقل عبارة المقريزي بنصها ولم يزد عليها شيئًا مما حدث فيه بعد ذلك، فأوهم بصنيعه هذا أنهما مكانان لا علاقة لأحدهما بالآخر، والحقيقة أنه مكان واحد تغير اسمه ومعالمه مع الزمن.
(٩) دير الطين قرية على الشاطئ الشرقي للنيل جنوبي مصر القديمة وملاصقة من شماليها للقرية التي بها رباط الآثار المسماة الآن بأثر النبي، ولعل هذه لم تكن حدثت زمن ابن بطوطة؛ ولهذا قال عن الرباط: إنه بدير الطين لقربه منها، وكان بدير الطين جامع قديم غير الرباط عمَّره أيضًا الصاحب تاج الدين ابن حِنَّا ووسَّعه بعد أن كان ضيقًا.
(١٠) الدرفش بكسر ففتح فسكون لفظة فارسية معناها الراية عربتها العرب بالسين المهملة وقد تقال بالمعجمة كأصلها وتطلق باللغتين على العلم الكبير والعظيم من الإبل والضخم من الرجال، ولم نقف على استعمالها بمعنى الأشفي إلا في عبارة ابن بطوطة فلعلها كانت مستعملة بهذا المعنى في عامية المغرب الأقصى في زمنه أو في اللغة المسماة بالشلحة (بفتح فسكون) التي تتكلم بها بعض القبائل، وأهل المغرب لا يعرفون هذه اللفظة الآن وقد وردت في شعر ابن قيس الرقيات بالسين المهملة بمعنى العلم في قوله:
تكنه خرقة الدرفس من الشمـ
ـس كليث يفرج الأجما
وكذلك في قول البحتري من قصيدته في وصف إيوان كسرى:
فإذا ما رأيت صورة أنطا
كية ارتعت بين روم وفرس
والمنايا مواثل وأنوشر
وان يزجي الصفوف تحت الدرفس
(١١) هو في حوادث وقعت بمصر ولم نعلم اسم مؤلفه، وورد في مواضع منه أنه (ابن محمود). وكان (مرسيل) أحد العلماء الذين رافقوا جيش الفرنسيس الذي احتل مصر سنة ١٢١٣ عثر عليه بها فحمله إلى بلاده ثم سعينا في استنساخ هذه النسخة من هذا الأصل سنة ١٣٣٨ وحفظناها بخزانتنا.
(١٢) تصغير خشبة، ويعرف هذا السوق أيضًا بسوق البخانقيين وقيل له سوق الخشيبة لخشبة جعلت على بابه تمنع الراكب من الوصول إليه كما في خطط المقريزي.
(١٣) ملوخية الذي عرف به هذا الدرب رجل كان صاحب ركاب الحاكم بأمر الله الفاطمي ويعرف بملوخية الفراش، وقد قتله الحاكم وباشر قتله ولعل اسمه منقول من اسم النبات الذي يطبخ ويؤكل بمصر فيكون بضم الميم واللام وكسر الخاء المعجمة وفتح المثناة التحتية المشددة.
(١٤) نسبة إلى بيع الأقباع جمع قبع، وهي كلمة مولدة كانت تطلق على نوع من القلانس والعرب تقول قبعة بضم القاف وفتح الباء المشددة والعين، وتطلقها في خرقة تخاط كالبرنس يلبسها الصبيان، وقد ذكر المقريزي في خططه سوق الأقباعيين وقال: إنه بخط تحت الربع خارج باب زويلة مما يلي الشارع المسلوك فيه إلى قنطرة الخرق إلى آخر ما ذكره، وهو وإن كان قريبًا في الجملة من تلك الناحية فقد كان الأولى بالقسطلاني في التعريف بمكان المدرسة والقبة أن يقول بالشرابيشيين كما قال ابن الطولوني في عبارته المتقدمة، وسوق الشرابيشيين هذا ذكره المقريزي في خططه وموضعه الآن الجزء الذي به قبة الغوري وجامعه من شارع الغورية، وكانت تباع فيه الخلع وأنواع القلانس، وإنما قيل له سوق الشرابيشيين نسبة لبيع الشرابيش وواحدها شربوش وهو قلنسوة تشبه التاج كأنها شكل مثلث، ولما بطل استعمالها بقي السوق معروفًا بها إلى أن زال، ولما استعمل الناس في القرون الأخيرة القلنسوة المغربية الحمراء ذات العذبة المعروفة عند المغاربة بالشاشية سموها بالشربوش إلا أنهم أبدلوا شينه الأولى طاء فقالوا فيه: طربوش ومن شاء الوقوف على أصل لفظه وتاريخ حدوثه فليرجع إلى مقال لنا في ذلك نشرناه في صحيفة (الفتح) الصادرة في ٥ المحرم سنة ١٣٤٥ ومجلة الزهراء ص٢٢ سنة ١٣٤٥.
(١٥) تسمى هذه الجهة اليوم بباب الخلق باللام بدل الراء.
(١٦) هذا سهو منه، فإن البستان المسمى بالمعشوق، لم يكن بجزيرة الروضة بل بقرب بركة الحبش.
(١٧) هذا سبق قلم، والصواب من القبة الغورية.
(١٨) (سنفرد مقالًا فيما نسب من المصاحف الشريفة إلى الصحابة (رضي الله عنهم ولاسيما ذي النورين، وما روي عنها وقيل فيها.
(١٩) سيأتي الكلام على الشعرات النبوية الشريفة في فصل خاص.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤