الفصل الثالث

في اليوم التالي، واستجابة لسخرية ليدي إيتارد، تحدى سير جيواين سير بيلياس في مبارزة، وقبل سير بيلياس التحدي.

شاهد الجميع الفارسين العظيمين والصديقين القديمين وهما يتقاتلان. وشاهدت ليدي إيتارد من بعيد، لكن لأن سير بيلياس ارتدى القلادة السحرية مرة أخرى، وجدت نفسها تتمنى أن يفوز هو بالقتال.

اشتبك الرجلان في منتصف الساحة، وفي البداية بدا أن سير بيلياس هو الفائز؛ فقد كسر رمح سير جيواين ودفعه بعنف شديد عن جواده فارتطم بالأرض كأنما قد مات. لكن عندما انصرف سير بيلياس بجواده مبتعدًا أدرك أنه هو أيضًا قد جُرح. فلا بد أن طرف رمح جيواين قد اخترق درعه وانكسر في جنبه لأنه كان ينزف بشدة.

وحدث أن بارسنت وأحد الأقزام كانا يسيران في الغابة وعندئذ عثرا مصادفة على بيلياس الجريح. وكان القزم يعرف أن ثمة قديسًا يتمتع بموهبة الشفاء قد يكون قادرًا على المساعدة، لذا أخذا بيلياس في حذر شديد إلى منزل القديس. غير أنهما وصلا بعد فوات الأوان للأسف، لأن بيلياس كان في غيبوبة الموت بالفعل.

قال القديس: «للأسف لا يمكنني فعل أي شيء له.»

وعندئذ انفتح الباب ودخلت امرأة جميلة، تتسربل بملابس خضراء بالكامل، وذراعاها مغطاة بأساور مرصعة بالزمرد والأوبال، وكان لها وجه أبيض كالعاج، وعيناها سوداوان لامعتان كسواد شعرها ولمعانه. عرف القديس على الفور أنها ليست إنسانة عادية.

ترجته المرأة قائلة: «اسمح لي فقط بقضاء دقائق قليلة مع هذا الرجل. بمقدوري أن أساعده. أعدك بألا أستخدم أي سحر سيئ.»

وافق القديس، وما إن تركهما وحدهما حتى أخذت نيمو قلادتها أولًا من حول عنق بيلياس وتقلدتها حول عنقها مرة أخرى. وبعدئذ ضغطت بحجر سحري على جرح بيلياس وراقبت فيما خرج رأس الرمح. ثم وضعت نيمو على الدم الذي تدفق سريعًا قطعة من القماش السحري. وأخيرًا أخرجت أنبوبًا صغيرًا مليئًا بعقار أزرق، ثم وضعت قطرة منه على شفة بيلياس الجافة، وشاهدت الفارس الجريح وهو يعود فجأة إلى الحياة بعد أن شارف على الموت. غير أنه لا مجال لإنكار أنه عاد شخصًا مختلفًا تمامًا.

سألها بيلياس: «هل أنا ميت؟»

ردت نيمو: «لا، لكنك لم تعد كما كنت من قبل، فلكي أنقذ حياتك اضطررت أن أعطيك عقارًا جعلك نصف إنسان فقط، وأنت نصف جني الآن أيضًا.

وكانت نيمو ترتدي القلادة السحرية الآن، وعندما حدق سير بيلياس فيها لم يشعر بشيء سوى العرفان بالجميل والحب. بل إنه شعر وهو نصف جني أنه أفضل مما كان، فكان جسده خفيفًا خفة الهواء، وروحه ملآنة فرحًا.

سألها: «هل يمكنني الآن أن آتي لأعيش معكِ؟ فبما أنكِ أنقذتِ حياتي، أيمكنني أن أهديكِ هذه الحياة الآن إلى الأبد؟»

همست نيمو: «منذ اللحظة الأولى التي رأيتك فيها، كان هذا هو كل ما تمنيته.»

ووقع الاثنان عقد حبهما الجديد بقبلة.

في تلك الأثناء، كانت بارسنت والقزم قد شقا طريقهما عائدين إلى القلعة حاملين خبر موت بيلياس الوشيك، إذ لم يعرفا أنه قد تعافى. وتملك سير جيواين، الذي كان ما زال في حالة صحية واهنة، شعور شديد بالذنب، فقال: «في أول الأمر خنته، والآن أنا المسئول عن موته. لا بد أن أذهب لأطلب عفوه!»

عرج جيواين أولًا على منزل القديس، ثم واصل المسير في الطريق الذي أخبره القديس أنه سلكه برفقة نيمو. وقد فرح للغاية عندما عرف أن نيمو قد شفت صديقه، غير أنه ظل بحاجة إلى أن يعثر عليه ويضع الأمور في نصابها الصحيح.

واصل جيواين مسيره إلى أن بدأت الغابة تزداد في الظلام المدلهم، وفجأة ظهر ضوء أزرق شاحب كي يتبعه جيواين على ما يبدو. وفي هذا الضوء الذي سطع سطوعًا أقوى وأوضح من القمر، استطاع جيواين أن يرى كل بتلة من بتلات الأزهار الطويلة التي كانت تحيط به. وبعد أن وصل أخيرًا بحيرة زرقاء جميلة، أدرك أنه لا بد في أرض الجنيات.

وفجأة رأى نيمو وشيئًا بدا كروح يخرجان من البحيرة. وما إن أدرك أن الروح هو بيلياس، حتى اندفع في سعادة كي يحضنه، غير أن سير بيلياس منعه برفق.

وأوضح بيلياس لسير جيواين أنه الآن نصف إنسان، وأخبره أنه أحبه وسامحه، لكن حياته ستكون مختلفة تمامًا الآن؛ حياة برفقة نيمو.

سأله سير جيواين: «لكن إلى أين ستذهب؟»

أجابه سير بيلياس: «سأكون هناك.» وكان يشير إلى البحيرة حيث لا يرى سير جيواين سوى الماء، لكن حيث أكد بيلياس أنه ثمة مدينة رائعة من الذهب وحقولًا زرقاء تعج بالأزهار.

نظر سير جيواين إلى وجه سير بيلياس فوجده صار عاجيًّا أيضًا، ولديه عينان شديدتا السواد تلمعان كالجواهر. غير أنه رآه سعيدًا سعادة حقيقية. وبعد أن وعده سير جيواين أنه سوف يعتذر إلى جوينيفير، استدار ورحل.

وراقب سير جيواين بمزيج من السعادة والحزن بيلياس ونيمو وهما يستديران ويغوصان في الماء. وبعدها عاد جيواين ورجال آخرون إلى كاميلوت حيث أقام علاقة سلام واهنة مع الملكة جوينفير وفاءً بوعده. وضم الملك آرثر سير مارهوس إلى رفقاء الطاولة المستديرة، وأصبح هذا الأخير واحدًا من أشهر فرسانها. أما ليدي إيتارد، فبرحيل كل الفرسان الآخرين، بدأت تنظر من جديد بعين الاستحسان إلى سير إنجامور الذي عانى طويلًا والذي تزوجها سريعًا وأصبح لورد جرانتمسنيل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠