الفصل الخامس

الأمتعة المفقودة: مركز الأمتعة غير المُطالَب بها في ألاباما

أوقفت السيارة في ساحة انتظار السيارات في مركز الأمتعة غير المُطالَب بها في ظهر يوم ملبَّد بالغيوم، مناسب تمامًا لمعبد الأشياء المفقودة. فالأشياء المفقودة تأتي إلى سكوتسبورو، ألاباما. حسنًا، ليس كل الأشياء المفقودة، ولكن تلك التي فُقدت في الأمتعة المفقودة.

لكنني لم أضلَّ الطريق. فقد قُدت سيارتي عبر الجبال ومررت بمتاجر الألعاب النارية الضخمة (كل واحدة دائمًا هي الأخيرة والأكبر) والكلاب الميتة التي تتعفن على جانب الطريق، من أجل أحد أفضل مناطق الجذب السياحي في ألاباما. يبدو المركز مجمَّعَ مكاتبَ عاديًّا، بصرف النظر عن اللافتة التي على شكل حقيبة سفر باللونين الأزرق والبرتقالي مكتوب عليها مركز الأمتعة غير المُطالَب بها. واجهت بعض الصعوبة في العثور على المكان؛ لذلك توقَّفت أمام كنيسة ضخمة للبحث عن الاتجاهات. يقع شارع ويلو ستريت بعيدًا بعض الشيء عن الطريق السريع، بعد نُزل بادجيت، ومتجر فاميلي دولار، وبعض أماكن تصليح الشكمانات، وشركات الأخشاب، ومحلات الرهن، ومتحف سكوتسبورو بويز والمركز الثقافي. المبنى محاط بسياج من الشجيرات المشذَّبة بدقة، وعلى رأس المدخل علمان لأمريكا. ويوحي وجود أرجوحة، والعديد من الكراسي الهزازة، وأحواض الزرع المعلقة في الشرفة الأمامية بأن هذا منزل وليس مكان عمل.

fig5
شكل ٥-١

من دون أمتعتنا، نحن ضعفاءُ في العالَم وغير مستعدين. هذا هو جوهر الخوف من فقدان الأمتعة. عندما سافرت إلى مونتريال منذ عدة سنوات، لم تصل حقيبتي. إنه شعور غريب أن تخرج من مطار دون حقيبة. وبالمرور تحت لافتات مكتوب عليها باللغة الفرنسية، شعرت بما هو أكثر من الخواء: شعرت بخفة خطيرة، كما لو أنني لا أنتمي إلى مكان وجودي. في اليوم التالي، ذهبت للتسوُّق واشتريت سترة سوداء وبنطلونًا فضفاضًا أسود — ربما كنت في حِداد على حقيبتي، التي سُلِّمت إلى الفندق في اليوم التالي. في كتابها «عن الجمال والعدل»، تدرك إيلين سكاري الإقرار بالجمال فيما يتعلق بالأمتعة المتأخرة:

يظهر الشيء الجميل فجأة، ليس لأن شيئًا جديدًا قد دخل الأفق الحسي وجلب جماله معه (كما هو الحال عندما تُكتب قصيدة جديدة أو يصل طالب جديد أو تصبح شجرة صفصاف، تساقطت أوراقها في الشتاء، مثيرة — مثل متاهة من عصي صفراء ترفرف أمام ألواح اللافندر والسماء)، ولكن لأن شيئًا ما، لديه جماله بالفعل في الأفق، مثل الأمتعة المتأخرة، يُوضع فجأة بين يديك.1

إن إدراك جمال الشيء الجديد أمرٌ مفاجئ، كما هو الحال مع حقيقة وجوده بالفعل. عندما تفقِد حقيبتك، تخشى ألَّا تراها مرة أخرى، ثم فجأة، تراها. من المسلَّم به أن نحتفظ بأمتعتنا معنا عندما نسافر اليوم. قد تُؤخَذ منا فتراتٍ من الزمن، لكنها عادةً لا تسافر منفصلةً عنَّا، كما في الماضي. ومن هذا المنطلق، فإن نقل الأمتعة اعتاد أن يشبه إرسال طرد بالبريد. ومثل الطرود، تعرَّضت الصناديق للخبط قليلًا، مما تسبَّب في بعض الأحيان في إتلاف محتوياتها. تكتب جين أوستن في رسائلها إلى كاساندرا عن المِحَن التي واجهتها مع صندوقها. فكتبت في رسالة بتاريخ ۱٧ مايو ۱٧۹۹ عن مشكلة الوزن:

أشعر بالانزعاج بشأن صندوقي؛ زاد انزعاجي قبل بضع ساعات؛ لأنه كان ثقيلًا جدًّا لنقله بالعربة التي أحضرها توماس وريبيكا من ديفايزيس، وكان هناك سبب لافتراض أنه قد يكون ثقيلًا جدًّا كذلك بالنسبة إلى أي عربة أخرى، ولفترة طويلة لم نسمع عن أي عربة بإمكانها نقله. ومع ذلك بالنهاية، اكتشفنا لسوء الحظ أن واحدة كانت على وشك الانطلاق إلى هذا المكان، ولكن على أي حال، لا يمكن للصندوق أن يبقى هنا حتى الغد، حتى الآن نحن بأمان، ومَن يدري قد يحدث أيُّ شيء يعطينا المزيد من الوقت.2
في رسالة أخرى بتاريخ ۱٥ إلى ۱٧ يونيو ۱۸۰۸، كان أحد «التوافه المهمة» التي تتحدَّث عنها مرةً أخرى تتعلَّق بصندوقها: «هل تصدِّقين أن صندوقي قد أتى بالفعل؛ وما يكمل السعادة العجيبة، أن محتوياته لم تتضرَّر.»3 إن المبالغة الفكاهية في عبارة «السعادة العجيبة» أمرٌ معتاد من أوستن، ولكنها تلمِّح أيضًا إلى تَكرار تأخُّر الصناديق أو إلحاق الضرر بمحتوياتها. العجيب أن ممتلكاتها لم تتضرر، وأنها مرتاحة. وفي أخبارها إلى كاساندرا من ۲ إلى ۳ مارس ۱۸۱٤، لم تكن محظوظة جدًّا: «صندوقي لم يأتِ الليلة الماضية، أعتقد أنه سيأتي هذا الصباح؛ إذا لم يكن الأمر كذلك، يجب أن أستعير جوارب وأشتري أحذية وقفازات لزيارتي. كنت حمقاء ألَّا أستعد لهذا الاحتمال مسبقًا استعدادًا أفضل. لديَّ أملٌ كبير في أن الكتابة عن ذلك بهذه الطريقة ستجلب الصندوق في الوقت الحالي.»4 هنا، تمزح أنها قد تستحضر الصندوق إلى الوجود من خلال الكتابة، وبالتالي تعالج مشكلة حماقتها المزعومة. إنها حماقة نشعر بها جميعًا في وقتٍ ما من السَّفر.

استعادت أوستن أغراضها. كانت محظوظة. مركز الأمتعة غير المُطالَب بها هو مكان للأشياء التي لم تُستردَّ، ويأتي المتسوِّقون بحثًا عن هذه الأشياء التي ليس لها مالك. تم افتتاح المركز الذي تبلغ مساحته ٤۰۰۰۰ قدم مربعة في عام ۱۹٧۰ ويستقطب أكثر من ۸۰۰۰۰۰ زائر سنويًّا من أكثر من ٤۰ دولة. تبرُز مكانته كمنطقة جذب رئيسية من خلال عرض كتيبات سياحية عند المدخل لمزارع الكروم المحلية، وحدائق الحيوان، والقفز بالمظلات، والجولف، والكهوف الكبيرة، والحدائق العامة، ومسار شمال ألاباما هاليلويا للأماكن المقدَّسة. يمكنك أيضًا شراء قمصان تذكارية. تشمل الأقسام في المتجر الرئيسي: المجوهرات، والسلع الرياضية، والملابس الرسمية، والكتب، والأجهزة الإلكترونية (حد الشراء ۳ أجهزة كمبيوتر محمولة لكل ضيف في اليوم)، وملابس رجالية ونسائية، و(بالطبع) حقائب. ويوجد ستاربكس. وثمَّة مبنًى منفصل — متجر «إتسترا» — يضم أغراض الأطفال والأدوات المنزلية. ساحة انتظار السيارات تكاد تكون مملوءة حتى نصفها، ويَعدُّ العديد من عربات التخييم المتجرَ وجهةً لقضاء الإجازة. تشير لافتة إلى جانب المبنى إلى وجود المزيد من أماكن وقوف مركبات التخييم في الخلف. لا يوجد شيء مميز في الموقع. يوجد بالجوار متجر إطارات ألاباما ومحطة بنزين سيتجو. على الجانب الآخر من الشارع يوجد متجر الأمتعة غير المُطالَب بها تي أند دابليو، الذي يبدو متهالكًا إلى حدٍّ ما مقارنةً بمركز الأمتعة غير المُطالَب بها. (يصِفه أحد موظفي مركز الأمتعة غير المُطالَب بها بأنه «نسخة مقلَّدة».) خلف المركز يوجد مقبرة؛ مقبرة سيدار هيل، حيث، وفقًا لموقعها على الإنترنت، يتوافر عشرون من أصل ٦۳ فدانًا في المدينة بسعر ٤۰۰ دولار لكل قبر أو قطعة أرض من أربعة قبور مقابل ۱٤۰۰ دولار. هناك قبور من الحرب الأهلية. وقبور بعض العائلات المؤسِّسة للمدينة. وأشجار القرانيا.

يستقبل المركز الحقائبَ من شركات الطيران، وخطوط الحافلات، والقطارات، والسفن السياحية، وشركات تأجير السيارات، والمنتجعات. يبيع المركز أيضًا البضائع التي لم يُطالَب بها. غالبية الأمتعة التي لم يُطالَب بها تأتي من شركات الطيران. ووفقًا لموقع مركز الأمتعة غير المُطالَب بها، تُسلَّم ۹۹٫٥ بالمائة من الحقائب في منطقةِ تَسلُّم الأمتعة. ولكن حينها يتبقى ۰٫٥ بالمائة. في عام ۲۰۱۲، فُقِدَ أكثر من ۱٫۸ مليون حقيبة، أو سُرِقَت، أو أُتْلِفت من قِبل شركات الطيران الأمريكية الكبرى على الرحلات الداخلية. وهذا يعني أنه تُعومِل على نحو سيئ مع ما يزيد قليلًا عن ثلاث حقائب لكل ۱۰۰۰ راكب، مما يشكِّل انخفاضًا بنسبة ۸ في المائة عن العام السابق. في عام ۲۰۰٧، كان الوضع أسوأ بكثير؛ حيث فُقِد أو أُتلف ٤٫٥ ملايين حقيبة.5 في عام ۲۰۱۳، بلغ عدد الحقائب التي عُومِلت معاملةً سيئة في جميع أنحاء العالم ۲۱٫۸ ملايين، أو ٦٫۹٦ حقيبة لكل ۱۰۰۰ مسافر.6 وتميل شركات الطيران الإقليمية والاقتصادية إلى أن يكون لديها أسوأ أداء. تَعِد الرقائقُ ذات الترددات اللاسلكية مثل سوبرسمارت تاج وريباوند تاج المسافرين بأنه سيتم بالتأكيد العثور على ما فُقِد، ولكن هذه الأجهزة تذكِّرنا فقط بعدم القدرة على التنبؤ بالسَّفر. ووفقًا لموقع الويب الخاص بمركز الأمتعة غير المُطالَب بها، تُجري شركات الطيران «عملية تعقُّب مكثَّفة مدتها ثلاثة أشهر» لمحاولة العثور على مالكي الحقائب التي لم يُطالَب بها، وتُسدِّد المُطالَبات الخاصة بالحقائب المفقودة المتبقية. ثم تبيع «الأمتعة غير المُطالَب بها» — التي لم تَعُد مِلكًا لأحد — للمركز.

يبذل موقع المركز على الإنترنت جهدًا خاصًّا للإشارة إلى أن عملية محاولة العثور على أصحاب الحقائب عمليةٌ شاملة وتؤدي إلى وجود «عدد صغير جدًّا من الحقائب التي يُتِّمَت في النهاية». «يُتِّم». تشير الكلمة إلى أن مالك الحقيبة هو والدها، وأن هذا الوالد قد مات. يستخدم موقع الويب مصطلحَي «مفقود» و«غير مُطالَب به» مترادفين. يشير مصطلح «مفقود» إلى أن الحقيبة كانت ضائعة، مثلما تضيع مفاتيحك، ولكن أيضًا أصبحت تحركاتها غير قابلة للتعقُّب. ويشير مصطلح «غير مُطالَب به» إلى أنه تُخُلِّي عنها. يرتبط هذا التخلي بحالتها كمفقودة، لكن حالتها كمفقودة لا يمكن أن تفسر ذلك تمامًا. تُشترى هذه الحقائب اليتيمة دون رؤيتها وتصل وهي محمَّلة على مقطورة إلى منشأة المعالجة بالمركز، حيث تُفتَح، وتُفرَز، وتُسعَّر. يصل أكثر من ٧۰۰۰ عنصر جديد كل يوم. تُغسل الملابس أو تُنظَّف تنظيفًا جافًّا في منشأة داخلية هي الأكبر في شمال ألاباما. تُختبر الأجهزة الإلكترونية وتُمسح البيانات الشخصية. تُنظَّف المجوهرات النفيسة وتُثمَّن. تُفتح الحقائب الساعة ٢:٣٠ بعد الظهر من الاثنين إلى السبت للجمهور، حتى تتمكَّن من النظر إلى حقيبة شخص غريب قبل إزالة كل شيء. يقوم الموظفون بفرز «أفضل العناصر» للبيع بالتجزئة، ويُتَبرَّع بحوالي نصف العناصر المتبقية من خلال برنامج «ريكليمد فور جود (مُستَرَدٌّ للخير)». ويُتخلَّص من النصف الآخر، «غير المناسب للبيع بالتجزئة أو التبرع». تُمثِّل هذه العملية على الموقع من خلال صورة حقيبة مفتوحة؛ تنقسم محتوياتها إلى ثلاث فئات: البيع، والتبرُّع، والمهملات أسفل الصفحة. تشتمل فئة «المهملات» على لهايةٍ للأطفال، وقلم شاربي، ومشابك ورقية، وشريط مطاطي، وأنبوب معجون أسنان وفرشاة أسنان، ودفتر ملاحظات فيلد نوتس صغير بني اللون، وقطعة ورق مطوية تبدو وكأنها إيصال أو صفحة انتُزِعت من كتاب. حقيقة أن ربع هذه الممتلكات المفقودة لا قيمة لها أمرٌ محزن للغاية بالنسبة إليَّ. لا يمكنك فعْل الكثير باستخدام معجون أسنان شخصٍ ما وفرشاة أسنانه. أو دفتر الملاحظات. الأشياء العديمة القيمة التي تملأ حقائبنا وتشكِّل حياتنا.

لكن هذه الحقائب تحتوي أيضًا على أشياءَ غريبةٍ وغير عادية. يُعدُّ مدخل المركز «متحفًا» للأشياء التي عُثِر عليها وتعلوه صورة للمؤسِّسَين دويل وسو أوينز. تجلس سو على كرسيٍّ أصفر بذراعين ويقف دويل خلفها ويده على كتفها. إلى اليمين تُعرض «الأشياء الدينية»، وإلى اليسار يوجد هوجل الدمية العفريت من فيلم عام ۱۹۸٦ «لابيرينث»، الذي وصل إلى المركز في عام ۱۹۹٧ في «حالة متدهورة» وجُدِّد. تستمر هذه المعروضات في المتجر نفسه، حيث تُثبَّت الكنوز عاليًا على الجدران، وفي ذلك قرون الموظ، والآلات الكاتبة ماركة أندروود، والآلات الموسيقية، وفي ذلك آلة الدومرا الروسية والرُّباب الأفغانية. هذه الأشياء مصحوبة بلافتات تحدِّدها وتصفها (فالأفغان لديهم شعور خاص تجاه الرُّباب) وتشير إلى وقت وصولها إلى المركز. يتضمن «نموذج السفينة إتش إم إس سربرايز المصنوع يدويًّا» درسًا موجزًا في التاريخ عن الحروب النابليونية وصورة لراسل كرو في فيلم «ماستر آند كوماندر». ثمة «مروحة عتيقة للمغازلة» من عام ۲۰۱۰ خصصت لها قصة: «هذه المروحة المنقوشة يدويًّا بشكلٍ رائع من القرن التاسع عشر تعرض مَشاهد كلاسيكية للشباب في أوقات فراغهم. هذه المروحة الفيكتورية، المطلية بالذهب والمزودة بعصي عظمية منحوتة بشكل معقَّد، لا بد أنها كانت تنتمي إلى سيدةٍ ذات مكانة اجتماعية كبيرة.» هذه الأشياء ليست للبيع، وبعض المعروضات في جميع أنحاء المتجر ليست للبيع، وفي ذلك العديد من الحقائب القديمة.

fig6
شكل ٥-٢

أقف بجانب صفوف عربات التسوُّق ذات اللون الرمادي الباهت وألقي نظرةً على خريطتي. تمتد صفوف من البنطلونات الجينز أمامي، مطوية إلى نصفين ومعلَّقة على حمالات ملابس بمشبك. أمشي في القسم المخصَّص للأزياء الرسمية، بعد أن مررت بصندوق كبير من مدفئات السيقان المزينة بالدانتيل (بين هذه الملابس تخلَّى أحد المتسوقين عن الكتاب المقدَّس مغلف بجلد صناعي أسود ومصمَّم على ذلك الطراز الموجود بغرف الاستراحات)، وأمشي في غرفة الملابس الرسمية المملوءة بالفساتين الطويلة، ذات الألوان الزاهية التي تعيد إلى الذهن حفلات التخرُّج في التسعينيات. فساتين الزفاف التي أُنتِجت بكميات كبيرة — من ماركة دايفيدز برايدال — ستة فساتين أو نحو ذلك معلَّقة على الحائط؛ مزينة جميعها بالترتر، والدانتيل، والتفتة. أتساءل عمَّا إذا كانت قد ارتُدِيَت من قبل. أتجوَّل أمام رفوف من القمصان المزررة، والأرواب، وملابس النوم. بعض أغلى العناصر في المتجر — فستان دانتيل باللون العاجي من كلوي، مقاس ۱۲ (۸٤۹٫۹۹ دولارًا أمريكيًّا؛ للبيع بالتجزئة ۳۱۹٥٫۰۰ دولارًا أمريكيًّا) و«صندوق شهرزاد» من تصميم باريل شاك (۱۸۹٫۹۹ دولارًا أمريكيًّا؛ للبيع بالتجزئة: ۱٤٥۰٫۰۰ دولارًا أمريكيًّا) — مميزة ومرتبة أعلى الرفوف، بعيدًا عن بحر الأشياء اليومية كتذكير بالكنوز الكامنة في الحقائب المفقودة. تنظر امرأة إلى الفستان ماركة كلوي.

تسأل صديقتها وهي تهزُّ رأسها: «كيف يمكن لشخصٍ ألا يطالب بفستان ماركة كلوي؟ مدهش.»

الغالبية العظمى من العناصر عادية. مجوهرات مقلَّدة. بلوزات، وفساتين، وقمصان. صفوف من كاميرات التصوير والكتب ذات الغلاف الورقي المنتشرة بالأسواق. أشياء من الحياة اليومية. لكن ما يعطي المركز طابَعه الخاص هو التوتُّر بين العادي وغير العادي، حيث يوجد بالقرب من المقهى إطار من الخشب الداكن منحوت بشكلٍ معقَّد مكتوب عليه: «الغابة السوداء السويسرية من القرن التاسع عشر ۱۳٥۰٫۰۰ دولارًا». بالنسبة إلى المجوهرات النفيسة، تمتلئ الصناديق بالأساور، والساعات، وقلائد اللؤلؤ، ودبابيس البروش المنقوشة، والدلايات، والصلبان الذهبية المرصعة بالماس، وسلاسل الذهب والفضة بجميع الأطوال. أفحص بطاقات الأسعار، والتي تكون دقيقة بشكلٍ غريب: ۱۰۳٫۹۹ دولارات، ٦٦٫۹۹ دولارًا، ۱٧۲٫۹۹ دولارًا، ۲٦۰٫۹۹ دولارًا، ٥۰۰٫۹۹ دولار.

يسأل رجلٌ بجواري البائعة إذا كان بإمكانه رؤية خاتم بحجر منقوش، فتخرجه من الحقيبة وتسلِّمه له.

fig7
شكل ٥-٣

هي: «هذا جميل حقًّا. كان لدينا واحد آخر مثل هذا بسعر جيد. وبِيع بسرعة.»

نظر إليه بعناية وقلَّبه. «نعم، إنه لطيف حقًّا.»

«إنه رائع. وهناك هذا الآخر المزوَّد بفصٍّ من اللؤلؤ، والذي يتميز بإطار فريد حقًّا.»

أعطته الخاتم الآخر، الذي أدخله في أصبعه، إلى أقصى حدٍّ ممكن، كما لو كان يفكِّر في كيف سيبدو في يد امرأة.

هو: «هممم. إنه بديع.»

أسير إلى قسم الأوشحة. لاحظت بائعة أخرى خاتمي — على شكل جمجمة — وابتسمت.

سألَت: «هل تحبين الجماجم؟»

قلت: «نعم.»

«حسنًا، لديَّ شيء سأريه لك وقد جاء للتو.» اختفت للحظة وعادت وهي تحمل وشاحًا عليه جماجم باللونين الأبيض والأسود مطويًّا بعناية.

وقالت: «إنه ألكسندر ماكوين.»

«أوه. هذا لطيف.»

«لقد جاء للتو.»

قلت: «رائع.» وأضفت مشيرة إلى الأوشحة في العلبة: «هناك أشياء جميلة هنا أيضًا.»

هي: «نعم. إنها هيرميس.»

أحد الأوشحة لونه أزرق غامق. سألت: «هل يمكنني رؤية ذلك؟» أخرجته ووضعته على المنضدة.

قالت مشيرة إلى واحدٍ آخر: «لدينا هذا أيضًا. رائع حقًّا.»

قلت: «أعتقد أن هذا كلاسيكي للغاية بالنسبة إليَّ. هورسيس وغير ذلك.»

ضحكت. وقالت: «نعم، بالنسبة إليَّ أيضًا. لكن هذا الأزرق جميل.» إنه كذلك. بسطته على المنضدة. كان النقش على شكل ملاك.

أفكِّر في الحقيبة التي حملت هذا الوشاح. ربما كانت مقفولة. أو ربما لم تكن كذلك. ربما لا يهم. فأقفال حقيبة السَّفر بالنسبة إليَّ لم تمثِّل أبدًا شكلًا معقولًا من أشكال الأمان. ربما بسبب حجمها؛ فهي أشياء معدنية صغيرة بها ثقب مفتاح أو أقفال رقمية بأزرار صغيرة. إنها تعيد إلى الأذهان القفل الموجود على مذكراتك عندما كنت طفلًا؛ فهي رمزية أكثرُ من أي شيء آخر، وتعلن أنه لا ينبغي فتح شيء ما بدلًا من عدم إمكانية ذلك. تأكيد على الخصوصية وليس حماية لها. والآن أصبح الوشاح هنا، يتيمًا. قررت شراءه، وابتسمت البائعة باستحسان.

قالت: «سأسجِّله لك على الجهاز عندما تكونين جاهزة. لا داعي للاستعجال.»

قلت: «شكرًا. يمكنني المضي قُدُمًا والدفع.»

أعطيتها بطاقة الخصم الخاصة بي، وأدخلتها بالماكينة: ۱۲۹٫۹۹ دولارًا أمريكيًّا. ۱٤۱٫٦۹ دولارًا مع الضريبة. الوشاح غالي الثمن، لكني لست نادمة على ذلك. الآن يحدِّد السوق قيمته، وليس المشاعر أو الذاكرة. عندما أُخرج هذا الوشاح من حقيبته، انقطعت صلته بصاحبه. والحقائب التي تحتوي على هذه الأشياء تحدِّد قيمتها أيضًا؛ فالأشياء تقلُّ قيمتها، أو خلاف ذلك، بعيدًا عنها.

قبل أن أغادر، خرجت من خلف المبنى إلى المقبرة ووقفت تحت المدخل الحديدي، أشاهد الناس يأتون ويخرجون من سياراتهم، وأكياس التسوُّق في أيديهم. السؤال الذي لم يُجَب عليه بشأن مركز الأمتعة غير المُطالَب بها هو سبب بقاء الحقائب غير مُطالَب بها. عندما كنت أخبِر الناس أنني قادمة إلى هنا، هذا ما كانوا يسألون عنه دائمًا: ولماذا قد لا يطالب المرء بحقيبته؟ ربما لا توجد إجابة على هذا السؤال. أو الإجابة هي أنه بلا إجابة، أو لا يمكن الإجابة عليه. أُحضرت الأشياء الموجودة في متاجر السلع العتيقة أو مراكز التحف إلى هناك — سواء مبيعة أو مُتبرَّع بها — أو اقتناها أصحاب المتاجر في مكانٍ ما. ربما مات أصحاب الأشياء السابقون. ربما انتقل أصحابها السابقون وكانوا يتخلصون من الأشياء. لكن الأمتعة غير المُطالَب بها مختلفة. ربما لا يتعلق الأمر بضياع الأشياء، بل ضياع أصحابها. هؤلاء الأشخاص يحومون فوق المركز مثل الأشباح، ولا أحد يعرف ماذا يقول عنهم.

وشاحي مطويٌّ في كيس ورقي أبيض، والجزء العلوي مغلق بدبوس مع الإيصال. أخرجته. إنه ناعم. لا يبدو جديدًا؛ يبدو وكأنه شيء يخصُّ شخصًا ما. رفعته وألقيت نظرة عليه. تعبيرات وجه الملاك غامضة، تكاد تكون طفولية، أجنحته الخضراء مستلقية خلفه، ورأسه متوَّج بالورود. إنه يرتدي عباءة منقسمة من النصف وتقع على جانبَيه، لكنه في الحقيقة ليس له جانبان لأنه لا يملك جسدًا. فداخل العباءة، مكان الجذع، يوجد فراغ. لا شيء. فقط نمط هندسي مثل الزجاج المكسور. إنه يرفرف في النسيم، وأعتقد أنه ملاك الحقائب التي لم يُطالِب بها أحد، ويأخذ كل شيء إلى الفراغ الخاص به.

ربطت الوشاح حول رأسي لإبعاد شعري عن عيني أثناء قيادتي للمنزل.

نِمت لأنك لا تستطيع النوم إلا بعد ثلاثة أيام في مؤتمر شكسبير. اليوم: الشلالات. أعددت القهوة وأخذت ميلي في نزهةٍ صباحية على طول الشوارع السكنية. أحب لافتة الاستراحة القديمة. إنها لا تذكِّرني بالماضي؛ ولكنها فقط كانت هناك منذ فترة.

أوصتني المرأة في المكتب الأمامي وأنا أغادر الفندق بمقهًى في الشارع لتناول الإفطار.

قالت: «إنه في مركزٍ تجاري على الجانب الآخر من الكلية. ولكنه جيد.»

هناك، طلبت أخذ بوريتو والمزيد من القهوة لأصطحبها معي ثم قُدت السيارة في الشارع الرئيسي للبلدة لعدة أميال، باتجاه مدخل غابة بيسجه الوطنية. ليس هناك العديد من السيارات الأخرى في الحديقة، ربما لأنه يوم الإثنين. في شلالات لوكينج جلاس، وقفنا بجانب الطريق نراقب الماء. قرصتني ناموسة في إصبعي. في شلالات سلايدينج روك، انتظرنا لنرى ما إذا كان أيُّ شخص سينزلق، لكنه لم يفتح للموسم بعدُ. تناولت البوريتو على منضدةٍ بمقعد بالحديقة على ضفاف النهر وشربت قهوتي من كوب ستايروفوم واستمعت لصوت الماء. في طريقي للخروج من الحديقة، توقَّفت عند محل الهدايا واشتريت هدايا تذكارية لنفسي وللأصدقاء. يراقب محل بيع الهدايا دبٌّ محنَّط يشبه الدُّب سموكي.

ثم عُدت للمنزل. دائمًا أفرغ الحقائب على الفور. يبدو تفريغ الحقائب وكأنه إعادة ترتيب المنزل، كما لو كنت قد أخذت أشياءَ منه وتحتاج إلى إعادتها له حتى يعود لسابق عهده. جررت حقيبتي للطابَق العلوي إلى غرفة نومي وفتحتها على السرير وبدأت العمل. تعود الكتب إلى رفوف الكتب الخاصة بي أو بالخارج في الشرفة الأمامية. معظم الملابس متسخة وتذهب إلى سلة الغسيل. فالحقيبة في نهاية الرحلة تصبح حقيبةً مملوءة بالغسيل.

لا تزال الهدايا التذكارية ملفوفة في ملابسي؛ لذلك أخرجتها ووضعتها على اللحاف. إليكم قائمة الجرد: كرة ثلج زجاجية من هيلين (لا تصوِّر المدينة، بل قلعة من ديزني)، وزوج من الأحذية الخشبية الصغيرة المصنوعة من الخزف، وستة مغناطيسات من هيلين أيضًا، وحصَّالة صغيرة وردية اللون على شكل خنزير كارولينا الشمالية من محطة وقود، كوب عليه شلالات سلايدينج روك، خمسة مغناطيسات عليها الدب سموكي، رقعتان عليهما الدُّب سموكي، ثلاثة دبابيس عليها الدُّب سموكي (ثبت أحدها على حاجب الشمس في سيارتي)، وملصق غابة بيسجه العامة، ألصقته على حقيبتي. أخذت الهدايا التذكارية والبوربون الخاص بصديقتي للطابق السفلي ووضعت البوربون على طاولة المطبخ وأرسلت لها بريدًا إلكترونيًّا لمعرفة متى تريد أن تأتي لأخذه. احتفظت باثنين من مغناطيسات هيلين وواحد من مغناطيسات سموكي ووضعتها على ثلاجتي، وسط مجموعتي.

ثم عُدت إلى الطابَق العلوي ووضعت حقيبتي في الخزانة في الجزء الخلفي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢