مشكلة برلين لها تاريخ

ظلت برلين عند نهاية الحرب العالمية الثانية عاصمة ألمانيا المنهزمة، حتى بعد أنْ دمَّرت القنابل نصفَ مساكنها، وكانت مدينة واحدة، وفي شرقها وفي غربها وفي شمالها وفي جنوبها كان الناس يخرجون من مخابئ الغارات الجوية ومن بيوتهم التي هدمتها القنابل، ومع أنَّ عقولهم كانت لا تزال متأثِّرة بالحوادث التي هزَّت أعصابهم، فإن أيديهم سارعت إلى العمل؛ لكي تجعل مدينتهم مرةً أخرى مكانًا يمكن السكنى فيه.

وبعد انتهاء الحرب بأربع عشرة سنة اختفت جروح برلين، التي سبَّبتها الحرب إلى حد كبير، ولكن لم يَعُد لها كيان أو وجود ذاتي، فإن برلين اليومَ تمثِّل مأساةَ ألمانيا التي قُسِّمت إلى شطرَين، فهناك برلين الغربية الحرة المكافِحة، وهناك برلين الشرقية التي تمثِّل الطابع الشيوعي، فالديمقراطية الحرة تَسُود جزءًا من أعظم مدن ألمانيا، بينما تَسُود الشيوعيةُ الجزءَ الآخر؛ وبذلك فإن موارد المياه والغاز والكهرباء وخطوط المواصلات والنقل، وبمعنى آخَر شرايين الحياة في هذه المدينة العصرية، قد قُسِّمت كلها إلى قسمَيْن؛ هذا التقسيم الذي يُؤسَف له لم يتم بإرادة الشعب، بل جاء نتيجةً للسياسة السوفييتية. ولكن كيف حدث ذلك؟!

فقد تم الاتفاق بين الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى والاتحاد السوفييتي، ثم أيَّدته فرنسا فيما بعد، على تفاصيل مستقبل برلين بعد الحرب؛ ففي ١٢ سبتمبر سنة ١٩٤٤ و٢٩ يونيو سنة ١٩٤٥، تعاهدت الدول الكبرى على الاشتراك في إدارة المدينة طالما بقيت ألمانيا دولةً محتلة، وجاء الحكم الرباعي بعد شهرَين من استسلام ألمانيا دون قيد أو شرط في مايو ١٩٤٥، وكان هذا معناه أنَّ السوفييت بقوا مُطلَقي الحرية أحرارًا في التصرُّف لحين وصول الحلفاء الغربيين، وكانت المعركة لا تزال قائمةً عندما نقلت الطائرات من موسكو إلى حدود المدينة فِرَقًا من الشيوعيين السوفييت والألمان، كانوا على استعدادٍ لإقامة الجهاز الإداري الجديد في برلين.

وفي الوقت الذي بُذِلت فيه المحاوَلات لإرجاع المدينة إلى الحياة الطبيعية، كانت حركة تجريد المصانع من آلاتها قائمةً على قدمٍ وساق، وبذلك حُرِمت برلين من كل مَقْدرة صناعية نجَتْ من دمار الحرب، ومع هذا كله فإن سكان برلين لم ييأسوا، وبأيديهم المجردة استطاعوا أنْ يقاوِموا النظام الشيوعي، الذي حاوَل السوفييت أنْ يفرضوه فرضًا، فإن أول انتخابات بعد الحرب في أكتوبر سنة ١٩٤٦ قد أظهرت ذلك جليًّا؛ لأنها انتهت بهزيمة ساحقة للحزب الشيوعي.

وبذلك تحقَّق الشيوعيون أنهم بوسائلهم الليِّنة لن يستطيعوا الوصولَ إلى هدفهم؛ ولذلك لجئوا إلى العنف، فحطَّم المشاغبون الشيوعيون قاعةَ البلدية، ولم تكن هناك إدارة مشتركة للقطاعات الأربعة، بل كان لكلٍّ من الدول المحتلة قطاعٌ تحكمه، وقد قدَّم السوفييت اعتراضًا (فيتو) لمنع عمدة المدينة الذي انتُخِب انتخابًا قانونيًّا من أنْ يتقلَّد مهامَّ منصبه، وقد اتخذ السوفييت من إصلاح العملة ومن المعونة المالية الغربية، ومن بدء انتعاش ألمانيا الغربية اقتصاديًّا؛ اتخذوا من كل هذا ذريعةً لحصار برلين الغربية.

ولكن الضغط فشل في تحطيم عزيمة سكان برلين الصلبة التي صمَّمت على مقاوَمة الدكتاتورية الشيوعية، واضطر السوفييت إلى التراجُع، وتم الاتفاق بين ممثِّلي الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية على تأييد الاتفاقية السابقة، التي تنص على ضمان حرية المواصلات والنقل والتجارة بين برلين والمناطق الغربية لألمانيا، وعدم خضوعها لأية قيود؛ وتبعًا لهذا تقدَّمت برلين الغربية، وازدهرت على نفس المنهاج الذي كانت تسير عليه ألمانيا الغربية.

ونظرًا لأن برلين الغربية كانت منفصلة عن باقي ألمانيا، لم يكن من المستطاع جلب الأطعمة والمواد الخام من المنطقة المجاورة بسبب القيود المفروضة، وكان كل شيء يدخلها يُنقَل بواسطة السكك الحديدية، أو الطرق العامة، أو الجو، أو الطرق المائية عبر مئات من الأميال، ولم يكن هذا بالعمل اليسير، ومع ذلك فإن سكان برلين يعملون بجد ويشتغلون جهد الطاقة؛ لكي يُسايِروا التقدُّم الذي تحقَّقَ في ألمانيا الغربية أو جمهورية ألمانيا الاتحادية. إنَّ الجهود تتضافر لإعداد المدينة لليوم الذي يتم فيه إعادة اعتبارها إليها كعاصمةٍ لألمانيا المتحدة.

figure
تبدو شوارع برلين الغربية بالليل، وخاصة شارع كورفرستندام، كأشرطة من النور يتلألأ فيها بريق اللافتات.

وفي أثناء ذلك ظل الجزء الشرقي للمدينة خاضعًا لكل قواعد وقيود الحكم الشيوعي، فإذا قارنَّاه ببرلين الغربية لَوجدنا أن التعمير قد أُهمِل، وأنَّ الناس ليس لهم خيار في الانتقال من مكان إلى آخَر، وليس لهم أنْ يعطوا أصواتهم في انتخاب حرٍّ، كما أنَّ مستوى المعيشة بينهم أقل من مستوى جيرانهم في برلين الغربية، وقد حُرِّم عليهم تداوُل الكتب والجرائد الغربية، أما وسائل التسلية فهي قاصرة على ما تُملِيه عليهم حاجاتُ المبادئ الشيوعية مهما عارَضَها السكان. وهكذا أصبحت برلين الغربية هي الرئة التي يستطيعون التنفس بها من وقتٍ إلى آخر، فالحياة فيها هي كل ما يتمنَّونه، وهم في أشد الشوق إلى اليوم الذي يستطيعون فيه أنْ يُدْلوا بأصواتهم في انتخابات حرة.

وعندما أعلن السوفييت نيتَهم في جعل برلين الغربية مدينة «حرة»، أصابت سكانَ برلين الغربية صدمةٌ عنيفة، كما أصابت نفس الصدمة مواطنيهم في برلين الشرقية، بل في كل المنطقة التي يحتلها السوفييت أنفسهم، فقد علَّمتهم الخبرة ماذا يقصد الشيوعيون بكلمة «حرة»! إنها نهاية الحرية بالنسبة لسكان برلين، فلا شك أنَّ بقاء الوضع الحالي يضمن لسكان برلين نوعًا من الحياة يستحق الجهاد من أجله، وهم يعتمدون على بقائه إلى أنْ يأتي اليوم الذي يمكن أنْ تحقِّق فيه مفاوَضاتُ السلام إعادةَ توحيدِ ألمانيا في ظل نظام حرٍّ؛ وبذلك فليس هناك حل منفصل لبرلين الغربية؛ إنَّ مشكلة برلين هي مشكلة ألمانيا بأكملها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠