الفصل العشرون

في حيز هيكل سليمان القديم

المسجد الأقصى – عود إلى أستير

وبينما كان البطريرك يتلو صورة العهد الذي أرسله عمر إليه، ويتأمل فيه وفي قوله: «أن يخرجوا الروم» كان عمر منفردًا بأبي عبيدة يسأله ترجمانًا لترجمة ما في الرق الذي دفعه البطريرك إليه. فقال أبو عبيدة: العجب من أنه لم يعهد البترك إلى ترجمانه ترجمته لأمير المؤمنين. فقال عمر: لعله يا عامر يكره أن يعلم به أحد من قومه فهات من يترجمه لنا.

فبعث أبو عبيدة في طلب اليهودي يوسف.

فلما وفد الشيخ أبو أستير كان مضطربًا دامع العين، فسأله أبو عبيدة عن سبب بكائه، فاشتد بكاؤه وأجاب أنه رام الرحيل بعيلته منذ مدة لمعالجة اعتلال ألمَّ بابنته فحالوا دون سفره، فسأله أبو عبيدة: ومن حال دون سفرك؟ فسكت يوسف.

وكان الإمام عمر يسمع الحديث فقال دون أن يلتفت إلى يوسف: يا ذا الرجل قل من حال دون سفرك؟

فأجاب الشيخ: ضرار وابن معدي كرب.

فأصلح عمر جلوسه في مقعده وقال: مأرب لا حفاوة، ثم قال مخاطبًا أبا عبيدة: يا عامر انظر في أمر الرجل فإنني أرى هنا ظلامة.

فانفرد أبو عبيدة بالشيخ واستخبره الخبر. فعلم منه أن ضرارًا وعَمْرَ بن معدي كرب قد تبارزا في ذلك الصباح، وكاد يجري دم أحدهما لولا دخول بعض المسلمين بينهما، وسبب ذلك: أن عَمْرَ بن معدي كرب كان يطلب نقل الشيخ أبي أستير إلى خيمته من خيمة ضرار وضرار يأبى ذلك. فسأل أبو عبيدة الشيخ: وأنت في أي الخيمتين تريد الإقامة؟ فأجاب الشيخ مضطربًا: أما أنا فإنني أستأذن في السفر أيها الأمير، فإن ابنتي في اعتلال شديد، وقد سهرت طول الليلة عليها. فقال أبو عبيدة: متى شئت فارحل، وإذا منعك أحد فأخبرني لكن قبل رحيلك ينبغي أن تدخل معنا غدًا إلى بيت المقدس؛ لتكون دليلنا فيها.

ثم ذهب أبو عبيدة وهمس بضع كلمات في أذن عمر. فأنغض الإمام رأسه وقال: «إنهن فتنة للعالمين» وبعد ذلك دفع أبو عبيدة «الرق السري» إلى الشيخ وقال له: ترجم لنا هذا الرق، واكتب ترجمته على رق آخر، وادفعهما إلينا ثم عد من حيث أتيت.

فأطاع الشيخ وفعل ذلك، ثم عاد مسرورًا بأنه سينقذ ابنته من مخلبي أسدين.

ولكن الشيخ كان يتساءل وهو خارج من خيمة الإمام بقوله: ترى من هو صاحب هذا الاقتراح الغريب الذي يُسقط آمالنا في مملكتنا، وبقي يفكر في ذلك طول الطريق.

أما عمر فبعد خروج الشيخ تناول ترجمة الرق باهتمام وصار يتلوها، وكان تارة يبتسم في أثناء تلاوتها وطورًا يعبس، ولما أتى عليها أعاد النظر فيها، ثم بعد فراغه منها ألقاها إلى أبي عبيدة وهو يبتسم فتلاها أبو عبيدة، ثم نظر إلى عمر مدهوشًا. فضحك عمر، وقال: مزق الترجمة يا عامر، وسأرد الأصل إلى صاحبه.

•••

وبما أننا قد عدنا إلى أستير بعد التفاصيل الطويلة التي تقدمت، فيجب أن نذكر ما جرى لها بعد دخول إيليا إلى المدينة.

بقيت أستير تنتظر إيليا في ذلك النهار حتى جن الليل، ولما أبطأ ظنت أنه ذهب إلى خيمة الأمير عمرو بن معدي كرب حسبما طلب الأمير. فنامت تلك الليلة مضطربة، وقد رأت في الحلم في تلك الليلة أن إيليا جاثٍ أمامها يعيد لها التصريح بحبه. فانتبهت في الصباح وقد زاد حبها له.

لكن في الصباح لم يأت إيليا.

فلما تعالت الشمس ولم يأت إيليا أيضًا ازداد قلق أستير، وكان أرميا يكثر التردد عليها وينظر إليها نظرات خصوصية لم تفهم معناها، وكان كأنه يقول لها بتلك النظرات: «لقد أبعدته عنكِ إلى الأبد». فلما انتصف النهار ولم يأت إيليا أيضًا قالت أستير لأرميا: يا كيريه أرميا أين ذهب كيريه إيليا هل بات الليلة عند عمرو بن معدي كرب؟ فابتسم حينئذ أرميا ابتسامة شيطانية، وقال: كلا أيتها السيدة. إن كيريه إيليا قد رحل إلى المدينة.

فأجفلت أستير لهذا الكلام، وشعر أرميا ببغتتها، فقال ليجهز على آمالها: والأرجح عندي أيتها السيدة أنه لا يعود؛ لأنه ودعني وداع فراق طويل.

فصاحت أستير: ولماذا لم تخبرني بذلك قبل الآن؟ فأجاب أرميا وقد استشاط غضبًا: لأنك لم تسأليني عنه، وما أهمية رحيله، فإن الأرض لا تزال أرضًا.

نعم يا أرميا، إن الأرض عندك لا تزال أرضًا لم تتغير ولم تتبدل، ولكن قلب أستير كان قد تغير وتبدل، وليس شيء كالجفاء يغير قلوب النساء. فإن أستير مع حبها لإيليا في ما سبق قد قدرت على فراقه في المزرعة فرارًا منه، وقد شعرت يومئذ أنها بفعلها هذا قد فعلت فعلًا جميلًا ساميًا؛ لأن ذكر «واجباتها لدين آبائها ولأمها» كان يعزيها عن كل شيء، ولكن لما تركها إيليا وذهب عنها تغير وجه المسألة عندها. فإن هذا الجفاء منه أحدث في نفسها حدثين عظيمين: الأول أنه زاد حبها له وهذا شأن الجفاء على الدوام، والثاني أنه جرح كبرياءها وأنانيتها جرحًا بليغًا، ولهذين السببين صارت أستير لا تطيق ترك إيليا قبل معرفة سبب جفائه هذا.

ومنذ هذا اليوم بدأت أستير تنحل وتذبل كزهرة انقطعت عنها مادة حياتها، وصارت تذهب في كل يوم إلى طريق المدينة مع أبيها؛ لعلها تجد إيليا راجعًا، وكان يذهب أكثر الليل وهي قاعدة على فراشها، وإذا نامت قبيل الصباح قليلًا فإن صورة إيليا كانت تطاردها في رقادها، وكان يتمثل لها إيليا في أحلامها هذه غاضبًا عليها معرضًا عنها، فتنتبه باكية مذعورة، وتبقى النهار كله مفكرة متألمة.

فلما مضت على أستير بضعة أيام على هذا المنوال هزلت، وانقلب لونها الوردي إلى الاصفرار، وقلَّ طعامها. فجزع عليها أبوها وأمها جزعًا شديدًا، ولكنهما لم يقفا على سبب علتها؛ لأن الآباء والأمهات قلما يقفون على أمثال هذه العلل.

وفي أثناء ذلك اشتد التحاسد عليها بين ضرار وعمرو بن معدي كرب، واغتاظت أستير من تعرضهما لها، فعزم أبوها على الرحيل بها عن معسكر العرب. إلا أن أستير رفضت السفر لغير المدينة المقدسة، وأقنعت أمها العجوز المتدينة بالإقامة لحضور الحفلة الكبرى التي سيقيمها العرب؛ لإعادة بناء هيكل اليهود القديم. فتمسكت العجوز بهذا المطلب؛ لأنه كان من أقصى أمانيها كما تقدم.

وكان اليوم الذي تم فيه عقد الصلح يوم أحد من شهر آذار * ففي مساء اليوم التالى وهو يوم الإثنين عزم الإمام عمر على دخول المدينة؛ لتخطيط مسجد فيها * فركب في نخبة من أمراء المسلمين وأعيانهم، ودخل إلى المدينة ليلًا. فاضطربت المدينة لدخولهم، وصار الناس يسترقون النظر إليهم من النوافذ، وكان الشيخ أبو أستير معهم في دخولهم؛ ليدلهم فيها، وأمامه حمار عليه زوجته العجوز وابنته أستير وهي تكاد لا تستطيع الاستواء على مطيتها من الضعف والاعتلال.

ومما لا يحتاج إلى بيان أن أرميا كان وراء مطيتها بجانب أبيها.

ولما صار عمر ورجاله في المدينة أخذهم الشيخ إلى دائرة الحرم الحالية. فلما أشرفوا على هذا المكان الذي فيه المسجد الأقصى وبيت المقدس هللوا وكبروا، وكان بيت المقدس١ مدفونًا بالتراب وفضلات المنازل، ولم يكن ظاهرًا منه غير الجدار الذي في زاوية سور الحرم إلى الجنوب الغربي، وهو من آثار هيرودوس الكبير * ولا يزال إلى اليوم مناحة الإسرائيليين كما تقدم في موضع آخر.

فترجَّل عمر ورجاله ودخلوا دائرة بيت المقدس * ولم يلبث أن بزغ الفجر، فصلوا فيها صلاة الفجر. *

وما كاد عمر يصلي صلاة الفجر حتى قيل له: إن رجلًا من أعيان الإسرائيليين قد وفد من أحد بلدان فلسطين يريد لقاء الإمام * ثم أدخل عليه كعب الأحبار * فسلم كعب * فرد عمر السلام، وقال له: «من أنت؟» فأجاب الرجل: «أنا كعب الأحبار، وإنني جئت أريد الإسلام، والدخول فيه.» * فقال عمر: «أحقًّا ما تقول يا كعب؟» قال: «الله يسمع ما أقول، ويعلم ما تخفي الصدور. لكن يا أمير المؤمنين هل ورد في كتابكم الذي أنزل عليكم في أمر دينكم ذكر إبراهيم؟» فقال عمر: نعم، وقرأ له الآيات التي ذُكر فيها إبراهيم. منها: أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فأسلم حينئذ كعب وفرح المسلمون بإسلامه. *

أما أبو أستير فإنه اضطرب لإسلام كعب، وقال في نفسه: إننا لا نستفيد شيئًا إذا كانت أمتنا ستضيع في الإسلام كما تضيع جرة ماء في البحر، وهيكلنا سينتقل من يد عدو قديم إلى يد عدو جديد.

ولما أشرقت الشمس سأل عمر عن «بيت المقدس»٢ وذهب إليه مع كعب الأحبار وجمهور المسلمين، وفي دخوله إلى ذلك المكان قال: «ارقبوا لي كعبًا» * ثم قال: «أيها الناس اصنعوا كما أصنع» *، وبعد ذلك جثا الإمام على تراب الأرض، وأخذ فرجًا من فروج قبائه، ووضع فيه التراب لينقله، ويكشف عن آثار المكان * وإذا به يسمع تكبير أصحابه وراءه * فقال: ما هذا؟ فقالوا: كبَّر كعب وكبَّر الناس بتكبيره * فطلب كعبًا فأتي به فسأله عن سبب تكبيره. فأجاب أن أحد أنبياء بني إسرائيل تنبأ منذ عدة قرون بما يفعله الأمير الآن من إكرام هذا المكان بعد إهانته، وكان عمر قد قصد بكشف التراب تخطيط جامع هناك فوق الصخرة٣ وهو المعروف اليوم بجامعه * فسأل كعبًا: «أين ترى أن نجعل المصلى؟» فأجاب كعب «إلى الصخرة» فقال عمر: «ضاهيتَ والله اليهودية يا كعب، وقد رأيتك وخلعك نعليك؟» فأجاب: «أحببت أن أباشره بقدميَّ» فقال عمر: قد رأيتك. بل نجعل قبلته صدره كما جعل رسول الله قبلة مساجدنا صدورها. اذهب فإنَّا لم نؤمر بالصخرة، ولكن أمرنا بالكعبة. *

ومنذ هذا اليوم ارتفعت تحت سماء أورشليم جدران هيكل سليمان القديم الذي هدمته المسيحية؛ لأنه كان السبب في صلب صاحب شريعتها.

وقد أقام عمر في بيت المقدس من يوم الإثنين إلى يوم الجمعة * فلما كان يوم الجمعة كان عمر قد فرغ من تخطيط مسجده، وعزم على الصلاة فيه بالمسلمين * فيظهر أن الروم بعد أن شاهدوا العرب من قريب ازدروا بهم واستضعفوهم، وندموا على مصالحتهم، فتآمر بعض غلاتهم على نقض الصلح، والهجوم على أمراء المسلمين في يوم الجمعة في المدينة، فإذا قبضوا عليهم أو قتلوهم بقي المسلمون بلا قواد؛ فيضعف أمرهم وتتفرق كلمتهم٤ فلما علم البطريرك بهذه المؤامرة غضب، وبعث ينذر المحرضين عليها بسوء المنقلب إذا خانوا العهد. فبدا لهؤلاء المحرضين أمر آخر وهو أنهم أوعزوا إلى فريق من أهل المدينة أن يبدوا زيناتهم وأموالهم، ويخرجوا الحسان إلى الأسواق والشوارع لعل العرب يمدون أيديهم إلى تلك الأموال والنفائس؛ فيكون لأهل المدينة عذر في نقض الصلح. فبينما كان عمر يستعد لصلاة الظهر في يوم الجمعة وإذ قد وفد عليه رسول من قبل البطريرك ومعه القس الترجمان فأدخلوهما على عمر، وكان الشيخ أبو أستير واقفًا مع أستير في ذلك الحين بعيدًا عن مضرب الأمير في دائرة الحرم يريها حدود هيكلهم القديم. فلما مر الرسول والترجمان من أمامهما صاحت أستير، وامتقع لونها. ذلك لأن هذا الرسول كان إيليا.
ولكن إيليا لم ينتبه للفتاة وأبيها، فبقي داخلًا مع الترجمان على الأمير عمر، ولما مثل بين يديه أخبره من قِبل البطريرك بما قصده بعض متحمسي العوام، وسأله أن يوصي قومه بأن لا يدعوا لهم سبيلًا إلى ما يريدونه. فسرَّ عمر بصدق نصيحة البطريرك، وأوصى المسلمين في صلاة الجمعة بما أوصى، وبعد الصلاة ذهب أبو عبيدة يتجول بنفسه في الأسواق مع بعض رجاله، وكلما وقعت أنظارهم على الحلي والنفائس والنساء الحسان كانوا يقولون: «الحمد لله الذي أورثنا ديار قوم لهم مثل هذا» *، وهكذا لم يلمس أحد من المسلمين متاعًا لأحد من أهل المدينة. فلما سمع البطريرك بذلك قال: «لا يقوى أحد على هؤلاء ما داموا على ما هم عليه من التزام الحق».٥

وبعد أن أبلغ إيليا الإمام عمر هذه الرسالة بقيت عليه رسالة أخرى تقتضي مقابلة الأمير وحده. فاستأذن إيليا منه بالإنفراد به فأذن عمر في ذلك. فلما صار إيليا أمام الأمير وحده قال له بلسان رفيقه الترجمان: «أنا موفد أيضًا من قبل البطريرك لأسأل الأمير ماذا فعل بالرق الذي دفعه إليه» — فلما سمع عمر ذلك مد يده إلى ثيابه، وأخرج الرق وقال: «أقرئ البترك السلام، وقل له: إن هذا ما أتى أوانه بعد، وربما عدنا إليه» فتناول إيليا الرق مختومًا، ووضعه في جيبه.

ولما هم إيليا بالخروج من لدن الأمير ليعود بالرق والجواب إلى البطريرك قال له عمر: صبرًا أيها الشاب فإن لي إليك حاجة. فقال إيليا: أنا طوع لأمر الأمير، فقال له الأمير: تربص هنا إلى ما بعد الصلاة فأخبرك عن حاجتي.

فامتثل إيليا أمر عمر، وخرج لينتظره خارج الخيمة.

ولكن كان خارج الخيمة شخصان ينتظران إيليا أيضًا، وهما أستير وأبوها.

فلما وقع نظر إيليا على أستير من بعيد سرت في جسمه كهربائيته القديمة. فتضعضعت حواسه، واتقدت النار في صدره ودماغه.

فتقدم أبوها مسرعًا إلى الشاب، وسلم عليه ببشاشة. فرد إيليا سلامه بعبوسة؛ لأنه لم ينس أنه كان جاسوسًا وخدعه، وفي هذا الحين سمع أبو أستير صياحًا، فعلم أنه صوت زوجته العجوز المقعدة، وكانت تتألم من مرضها فأسرع إليها. فبقيت أستير مع إيليا وجهًا لوجه.

فتقدمت أستير حينئذ نحو إيليا ببطء مترددة، ولما صارت قريبة منه مدت إليه يدها، وقالت: هل يسمح لي كيريه إيليا أن أصافحه كما يتصافح العرب؟

فرام إيليا الجواب، ولكنه لم يقدر؛ لشدة تأثره خصوصًا لما رآه على وجه أستير من آثار الضعف والاصفرار والاعتلال، ولكنه جمع قواه بعد ذلك، وصاح: ما بك يا سيدتي؟ فابتسمت أستير ابتسامة يسميها كتَّاب الإفرنج «صفراوية» وقالت بين شفتيها بصوت منخفض «يسألني ما بي، كأنه لا يعلم ما بي» ثم أجابت إيليا: «طرأ اعتلال على صحتي يا كيريه إيليا، وأنت كيف أنت، إنني أراك في صحة وعافية، فيظهر أن هواء المدينة وافق مزاجك».

وقد قالت أستير هذا القول متهكمة؛ لأنها كانت ترى نحول إيليا واصفرار وجهه. فابتسم إيليا لهذا التهكم من أستير، وأجاب: «أشفقي علي أيتها السيدة؛ لأنني أشد اعتلالًا منكِ».

فسكتت أستير وأطرقت، وبعد حين قالت بغتة: «يا كيريه إيليا، لماذا ذهبت دون أن تودعنا؟»

فسكت إيليا.

فقالت أستير: «كيف طاوعتك نفسك يا إيليا على تركي وحدي بين هؤلاء الأقوام بعد ذهابك من المزرعة في طلبي؟ وماذا طرأ عليك فغيَّر عواطفك هذا التغيير؟»

فسكت إيليا أيضًا.

غير أنه رأى أنه لا بد من الكلام، ففكر في ماذا يقول، وإذ وجد ضالته أجاب متلجلجًا: يا سيدتي، إنني بعد أن اطمأن قلبي ووجدتك سالمة في حي العرب ذهب خوفي عليكِ، وأعدتُ قراءة كتابك الذي تعرفينه فرأيت من واجباتي الابتعاد عنك امتثالًا لإرادتك.

ولكن إيليا لم ينطق بهذا الكلام حتى سمع صائحًا يصيح من وراء خيمة كانت قريبة منه، ويقول بغضب: «هذا كذب محض فلماذا لا تقول الصدق؟»

فالتفت إيليا وأستير فأبصرا أرميا.

ذلك أن المعتوه كان مختبئًا وراء تلك الخيمة يسمع حديثهما. فلما رأى أن إيليا وأستير يتدرَّجان في حديث لطيف إلى عواطفهما القديمة خاف أن يعود إيليا إلى أستير، ويضرب صفحًا عن حالة أبيها، ولذلك ثار من مكمنه كذئب كاسر وقطع حديثهما.

فلما رآه إيليا، وسمع قوله، ازداد وجهه اصفرارًا، فغضب وصاح به: «ما شأنك يا أبله؟ اذهب في سبيلك».

فبهذا أخطأ إيليا خطأً عظيمًا؛ لأنه زاد رغبة المعتوه في الانتقام منه وإيذائه إبعادًا له عن أستير. فصاح أرميا بغضب شديد: إذا كنت أنا أبله فأنت كاذب لئيم لا تستحق شعرة من رأس هذه الفتاة. اسمعي يا أستير لأخبرك الحقيقة. إن هذا الشاب يحتقرك، وقد تركك لاعتقاده بأنكِ ابنة جاسوس دنيء باعَ شرفه للعرب، وهذا ما فهمته منه يوم تركْه معسكر العرب ودخوله إلى المدينة.

فلما سمعت أستير هذا الكلام صاحت صيحة من أعماق صدرها، وسقطت مغشيًّا عليها.

فخرج الناس من خيامهم لهذا الصراخ، وأسرع أبو الفتاة على صوتها، ولما رأوها في تلك الحالة نقلوها إلى خيمة قريبة لمعالجتها، وأبوها يبكي، ويسأل ماذا أصابها؟

أما إيليا فإنه كان في أشد حالات الاضطراب، فطلب من رفيقه القس الترجمان أن يقبض على أرميا؛ لمعاقبته على افترائه عليه. فتملَّص أرميا من القس، وصار يضربه، ويهجم على الاثنين صائحًا بجنون: أنا لست منكم، أنا عرب عرب، لقد صرت مسلمًا، دعوني وشأني؛ فإنني لا أعرفكم.

ومن ذلك يظهر أنه من أول يوم من أيام الفتح الإسلامي بدأ في جسم السلطة المسيحية في الشرق نوع جديد من الانحلال فيها كان يلجأ إليه كل مستاء منها. وكان هذا الالتجاء أحيانًا للانتصاف من ظلم، وأحيانًا للفرار من حق كما صنع أرميا هنا.

١  أي هيكل سليمان القديم.
٢  هيكل اليهود القديم كما تقدم، والراجح أن هذا المكان هو مكان جامع عمر اليوم أو هذا الجامع قسم منه، وأما المسجد الأقصى فهو بجانبه، وكان يوم الفتح الإسلامي كنيسة للعذراء بناها الإمبراطور جوستنيانوس.
٣  اختلفوا في أصل الصخرة. على أن في جهات شرقي الأردن على الخصوص آثارًا من قبل التاريخ هي عبارة عن حجرين مستطيلين قائمين عموديًّا، وفوقهما حجر مستطيل أيضًا قائم أفقيًّا، وبعضهم يقول: إن هذه الآثار الحجرية كانت قبورًا بدليل وجود عظام في أرضها، وبعضهم يقول: بل إنها مذابح كانت تُقدَّم عليها الذبائح قبل التاريخ، ويستدلون على هذا بأن الحجر الأفقي الممدود على الحجرين العموديين منحرف ومائل قليلًا؛ ليجري عنه السيال دم الذبيحة، وربما كان بنو إسرائيل يقدمون الذبائح عليها للرب في الزمن القديم، والصخرة الحالية هي على الأرجح أحدها، وقد كانت جزءًا من هيكل سليمان القديم «رنه دوسو».
٤  لم نرَ في غير الواقدي أثرًا لهذا الغدر، ومبالغاته مشهورة.
٥  معنى هذه العبارة منسوب في الواقدي لأبي الجعيد، وهنا نعيد للمرة الثالثة قولنا: إن الذي لا يوضع عليه علامة النجمة فليس من التاريخ في شيء، إلا إذا نبهنا إليه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤