الفصل السابع

حادثة البرميل

اصطحبتُ الآنسة مورستان إلى بيتها في سيارة الأجرة التي كان رجال الشرطة قد أحضروها معهم. بذلك الأسلوب الملائكي الذي يُميِّز النساء، كانت تُواجه الصعاب بوجهٍ هادئ ما دام كان هناك من هو أضعف منها ويحتاج لدعمها؛ فكانت تجلس مبتهجةً وهادئة بجوار مدبِّرة المنزل الخائفة. لكن في العربة بَهتَ وجهها أولًا، ثم انَفجرَت في نوبة من البكاء؛ فقد أَتعبَتها كثيرًا مغامراتنا تلك الليلة. أخبرتني بعدها أنها رأتني باردًا ومتحفِّظًا في أثناء تلك الرحلة؛ فلم تكن تعرف بالصراع الذي احتدم في صدري، أو بالمجهود الذي بذلته في ضبط النفس لأمنع نفسي عن الإفصاح عنه. كان تعاطفي وحُبي يصبوان إليها كما فعلَت يدي في الحديقة. كنت أشعر أن أعوامًا من التعاملات التقليدية الحياتية لم تكن لِتظهر لي طبيعتها العذبة الشجاعة مثلما فعل ذلك اليوم المليء بالتجارب الغريبة. لكن كانت هناك فكرتان تمنعان كلمات الحب من مغادرة شفتيَّ؛ فقد كانت في حالة ضعف وعجز؛ عقلها مشوَّش وأعصابها متوتِّرة، والبوح لها بحبي في ذلك الوقت سيكون استغلالًا لضعفها. والأسوأ من هذا أنها غَنيَّة؛ فإن نجحَت مساعي هولمز فستصبح وريثة، فهل سيكون من الإنصاف أو الشهامة أن يستغل جرَّاح يتقاضى نصف أجر لحظةً عاطفية وضعتْها الفرصة في طريقه؟ أليس من الممكن أن أبدو في نظرها مجرد شخصٍ دنيءٍ باحث عن الثراء؟ لم أستطع المجازفة بأن تَرِد على بالها تلك الفكرة. كان كنز أجرا هذا يقف بيننا كسدٍّ منيع.

كانت الساعة تقترب من الثانية صباحًا عندما وصلنا إلى منزل السيدة سيسِل فورستر. كان الخدم قد خلدوا للنوم منذ عدة ساعات، لكن السيدة فورستر كانت مهتمة جدًّا بالرسالة الغريبة التي تلقَّتها الآنسة مورستان لدرجة أنها ظلَّت مستيقظة تنتظر عودتها. فتحت لنا الباب بنفسها، وكانت سيدةً أنيقة في منتصف العمر، وأسعدني أن أرى كيف أحاطت بذراعها خصر الأخرى بحنان، وحيَّتها بصوتٍ يحمل نبرة تُعبِّر عن حنان الأم؛ فمن الواضح أنها لم تكن تعتبرها مجرد عاملةٍ أجيرة بل صديقة تُكِن لها الاحترام. عرَّفتني الآنسة إلى السيدة فورستر التي أصرَّت بشدة أن أدخل وأحكي لها مغامراتنا. إلا أني شرحتُ لها أهمية مهمتي، وقطعتُ لها وعدًا بأن أمرَّ عليها لأُبلغها بأيِّ تطورات قد تحدث في القضية. استرقتُ النظر خلفي والعربة تسير مبتعدة، ورأيتهما لا تزالان واقفتَين على عتبة الباب؛ السيدتان الأنيقتان اللتان تقفان وقد تشبثت كلٌّ منهما بالأخرى، والباب الموارَب، وضوء الردهة الذي يسطع خلف الزجاج المزخرَف، ومقياس الضغط الجوي، وقُضبان تثبيتِ بِساط الدرج الزاهية. كان من المريح أن أحظى ولو بلمحةٍ عابرة لمنزلٍ إنجليزيٍّ هادئ في وسط تلك القضية الجامحة الغامضة التي انغمسنا فيها.

وكلما فكرتُ فيما حدث، وجدتُها تزداد جموحًا وغموضًا. استرجعتُ سلسلة الأحداث الغريبة كلها، بينما كانت العربة تسير مُصلصِلة عبر الشوارع الصامتة المضاءة بمصابيح الغاز. كان هناك المشكلة الأصلية، وهذه على الأقل اتضحت الآن؛ وهي موت النقيب مورستان، وإرسال اللآلئ، والإعلان، والخطاب؛ فكل تلك الأحداث اتضحَت لنا. لكنها قادتنا إلى لغزٍ أعمق وأكثر مأساوية بكثير؛ الكنز الهندي، والخريطة الغريبة التي وُجِدَت بين أمتعة مورستان، والمشهد الغريب الذي شُوهد أثناء وفاة الرائد شولتو، وإعادة اكتشاف الكنز مرةً أخرى، التي تلاها مقتل مُكتشِفه، والملابسات الغريبة التي صاحبت الجريمة، وآثار الأقدام، والأسلحة المميَّزة، والكلمات المكتوبة على البطاقة التي تتوافق مع تلك المكتوبة على مخطط النقيب مورستان؛ هي بكل تأكيد متاهة، وأي رجل لا يتمتع بمثل الهبات لرفيقي في السكن المميزة كان ييئس من إيجاد مفتاح حلها.

كان شارع بينشن لين عبارة عن صفٍّ من المنازل البالية ذات الطابقَين المبنية من الطوب في المنطقة الجنوبية من لامبيث. احتجتُ لأن أطرُق باب المنزل رقم ٣ لوقتٍ طويل قبل أن تأتيني استجابة. لكن، أخيرًا، رأيتُ وميضَ شمعةٍ خلف ستار النافذة العلوية، وظهر وجهٌ منها صائحًا: «اذهب من هنا أيها المتشرِّد السكير. إذا طرقتَ الباب مرةً أخرى فسوف أفتح بيت الكلاب وأُطلق عليك ثلاثة وأربعين كلبًا.»

قلتُ: «لقد أتيت من أجل الحصول على واحدٍ منها فقط.»

صاح الصوت: «اذهب من هنا! ساعدني يا إلهي، لديَّ حية سامَّة في حقيبتي تلك وسأُلقيها على رأسك إن لم تغادر بسرعة.»

صحتُ: «لكني أريد كلبًا.»

صاح السيد شيرمان: «لن أقبل النقاش! الآن ابتعِد لأني سأعدُّ حتى ثلاثة ثم أرمي الحية.»

بادرته قائلًا: «السيد شيرلوك هولمز …» لكن تلك الكلمات كان لها وقعٌ سحري؛ فقد أَغلقَ النافذة على الفور وفي خلال دقيقة انفتح الباب. كان السيد شيرمان رجلًا عجوزًا طويلًا نحيفًا مَحنيَّ الكتفَين له رقبةٌ نحيلة ويرتدي نظاراتٍ ذاتَ زجاجٍ أزرق.

قال: «أيُّ صديق للسيد شيرلوك هولمز مرحَّب به في أي وقت. تفضَّل بالدخول يا سيدي. لكن ابقَ بعيدًا عن الغُرَير؛ فهو يعَض. «أيها الخبيث، أتريد عضَّ ذلك السيد؟»» قال هذا لحيوان القاقُم الذي دفع رأسه الكريه وعينَيه الحمراوَين بين قُضبان قفصه. «لا تهتمَّ لأمر ذلك الشيء؛ فتلك مجرد عَظايةٍ عمياء؛ فهي ليس لها أنياب؛ لذا أتركها تجوب الغرفة لتُخلِّصني من الخنافس. لا تُؤاخذني بفظاظتي معك في البداية؛ فالأطفال يضايقونني، والعديد منهم يأتون إلى هنا فقط كي يقرعوا بابي ويقضُّوا مضجعي. ماذا يريد السيد شيرلوك هولمز يا سيدي؟»

«يُريد أحد كلابك.»

«آه! بالتأكيد يقصد توبي.»

«أجل، توبي هو اسمه.»

«توبي يسكن في رقم ٧ هنا على اليسار.» مشى للأمام ببطء بين عائلة الحيوانات الغريبة التي أحاط نفسه بها وهو يحمل شمعته. وفي الضوء الخافت الظَّلِيل، كدتُ أرى عيونًا محدِّقةً لامعة تسترق النظر إلينا من كل حدب وصوب؛ فحتى عوارض السقف الخشبية فوقنا كانت تَصطفُّ عليها بوقارٍ طيورٌ تنقل وزنَها من قدمٍ إلى أخرى بتكاسُل بعد أن أقضَّت أصواتنا مضجعها.

اتضَح أن توبي حيوانٌ قبيحٌ طويل الشعر أخطل، وهو هجينٌ من سُلالتَي السبانيل والجواس، لونه بُني وأبيض، له مشيةٌ متهاديةٌ ثقيلة. قَبِل مني بعد تردُّد قطعةً من السكر ناولَني إياها عالم الطبيعة العجوز، وبعد أن دشنَّا تحالُفنا بذلك، تبِعني إلى العربة ولم يُبدِ أي اعتراض على مرافقتي. كانت ساعة القصر قد دقَّت الثالثة لتوِّها عندما وجدتُ نفسي أمام بونديتشري لودج مرةً أخرى. علمتُ أن الملاكم السابق مكموردو قد أُلقي القبض عليه باعتباره شريكًا في الجريمة، واقتيد هو والسيد شولتو إلى القسم. وقف يحرس البابَ الضيق شرطيان، لكنهما سمحا لي بالمرور ومعي الكلبُ عندما ذكرتُ اسم المحقق.

كان هولمز يقف على عتبة الباب يُدخِّن غليونه ويداه في جيبَيه.

قال: «آه! لقد أحضرتَه. كلبٌ جيد! لقد غادر أثيلني جونز. لقد شهدنا نوبةَ نشاطٍ عنيفة بعد أن غادرتَ؛ فلم يكتفِ فحسب باعتقال صديقنا شولتو، بل اعتقل أيضًا حارس البوابة ومدبِّرة المنزل والخادم الهندي. وهكذا أصبح المكان فارغًا أمامنا الآن إلا من رقيبٍ في الطابق العلوي. اترك الكلب هنا وتعالَ معي لأعلى.»

ربطنا توبي في رجل طاولة الردهة وصعِدنا السلالم مرةً أخرى. كانت الغرفة كما تركها، باستثناء أن الجثة غُطِّيت بمُلاءة. وفي ركن الغرفة وقف الرقيب متكئًا وقد بدَت عليه أماراتُ التعب.

قال رفيقي: «أعِرْني مِصباحكَ أيها الرقيب. والآن، اربط هذه البطاقة حول عنقي كي تبقى أمامي طَوالَ الوقت، شكرًا لك. والآن عليَّ أن أخلع حذائي وجواربي، فقط خذها معك للأسفل يا واطسون؛ فسوف أتسلَّق قليلًا. وسأغمس منديلي في الكيروزوت، هذا سيفي بالغرض. والآن اصعد معي إلى العُلِّيَّة لدقيقة.»

صعِدنا عبر الفتحة، ووجَّه هولمز مصباحه مرةً أخرى إلى آثار الأقدام الظاهرة في الغُبار.

قال: «أريدك أن تلاحظ آثارَ الأقدامِ هذه على وجه التحديد. هل تُلاحظ بهما ما يلفت نظرك؟»

قلتُ: «يبدو أنها تعود لطفل أو لامرأةٍ ضئيلة الحجم.»

«بعيدًا عن حجمها، ألا تُلاحظ شيئًا آخر؟»

«تبدو لي مثل أي آثارِ أقدامٍ أخرى.»

«كلا على الإطلاق، انظر هنا! هذ أثر قدمٍ يمنى في الغبار. والآن سأترك بجواره أثر قدمي الحافية، ما الاختلاف الجوهري بينهما؟»

«أصابع قدمك قريبة بعضها من بعض، أمَّا أصابع القدم الأخرى فمتباعدة بوضوح.»

«بالضبط، هذا ما قصدتُه. ضع هذا في حسبانك. والآن هلَّا ذهبتَ إلى تلك النافذة المرتدة وشَممتَ حافةَ إطارها الخشبي؟ سوف أبقى هنا، لأني أحمل في يدي ذلك المنديل.»

فعلتُ كما قال، ولاحظت على الفور رائحةً قوية تشبه رائحة القطران.

«هنا وضع قدمه في طريقه للخروج. إذا كان بإمكانك أنت أن تقتفي أَثَرها، فأعتقد أن ذلك لن يكون صعبًا على توبي. والآن انزل السلم وفُكَّ وَثاقَ الكلب، وترقَّب عرضًا بهلوانيًّا.»

عندما أصبحتُ خارج المنزل، كان شيرلوك هولمز على السطح، وكنتُ أراه يزحف ببطء على الحافة مثل يراعةٍ متوهِّجة. توارى عن نظري خلفَ صفٍّ من المداخن لكنه عاود الظهور، ثم اختفى مرةً أخرى على الجانب المُقابل. وعندما ذهبتُ إلى هناك وجدتُه جالسًا على إفريزٍ جانبي.

صاح: «أهذا أنت يا واطسون؟»

«نعم.»

«هذا هو المكان، ما هذا الشيء الأسود بالأسفل؟»

«إنه برميل مياه.»

«هل عليه غطاؤه؟»

«نعم.»

«أترى أي أثر لسلَّم؟»

«لا.»

«تبًّا لذلك الرجل! هذا مكانٌ شديد الخطورة. يُفترَض أن أتمكن من النزول من حيث تسلَّق. تبدو ماسورة المياه تلك متينة. سأنزل عليها على أية حال.»

سمعتُ صوتَ احتكاكِ أقدام، وبدأ المصباح ينزل بوقعٍ ثابت إلى جانب الحائط. وبوثبةٍ رشيقة، نزل على سطح البرميل ومنه إلى الأرض.

قال وهو ينتعل جوربه وحذاءه: «كان من السهل تتبُّعه؛ فقد كان القرميد مُتخلْخلًا على طول الطريق، وفي عَجلَته سقط منه هذا. وكما تقولون يا معشر الأطباء، هذا يؤكد تشخيصي.»

كان الشيء الذي رفعه أمامي جرابًا أو كيسًا منسوجًا من العشب الملوَّن مربوطًا عليه بضع خرزاتٍ رخيصة. لم يكن يختلف كثيرًا عن علبة السجائر في شكله وحجمه. وبداخله وجدنا نصف دستة من الشوكات الخشبية الداكنة، أحد طرفَيها حادٌّ والآخر مُدوَّر، مثل تلك التي أصابت بارثلوميو شولتو.

قال: «هذه أشياءُ شيطانية، احترس كي لا تَخِز نفسك. أنا سعيد بأنها وقعَت بحوزتي؛ لأنه على الأرجح ليس معه غيرها. وهكذا لم يعد هناك احتمالٌ أن أجد أنا أو أنت إحدى تلك الشوكات مغروسة في جلدنا عما قريب؛ فأنا أُفضِّل الإصابة برصاصة من بندقية مارتيني عن أن أُصاب بواحدةٍ منها. هل تستطيع السير لمسافة ستة أميال يا واطسون؟»

أجبتُ: «بالطبع.»

«هل ستتحمل ساقك هذا؟»

«أجل، بكل تأكيد.»

«هيا أيها الكلب! توبي الجيد العجوز! شُمَّه يا توبي شمه!» دفع بالمنديل المغموس بالكيروزوت نحو أنف الكلب، بينما وقف الكلب مباعدًا بين أقدامه المكسوَّة بالفراء، وأمال رأسه جانبًا بطريقةٍ كوميدية كخبير يشمُّ عبق نبيذٍ شهير معتَّق. بعد ذلك، رمى هولمز المنديل بعيدًا، وربط حبلًا متينًا في طوق الكلب الهجين، وقاده إلى قاعدة برميل المياه. وعلى الفور، أطلق الكلب نباحًا عاليًا مضطربًا متتابعًا، وانطلق على إِثْر الرائحة خافضًا أنفَه إلى الأرض ورافعًا ذيله في الهواء بسرعة جعلت رَسنَه مشدودًا وجعلَتنا نسير بأقصى سرعتنا.

كان الأفق جهة الشرق يُنير تدريجيًّا، وكشف ضوءُه الرمادي البارد الطريق أمامنا بعض الشيء. وتركْنا خلفنا المنزل المربع الضخم بنوافذه المُعتِمة والفارغة، وجُدرانه العالية العارية، بائسًا مهجورًا. قادنا طريقنا عبر الأراضي المحيطة بالمنزل، ومنها إلى الخنادق والحُفر التي كانت تملؤها وتتقاطع فيها. بدا المكان كله، بأكوام التراب المتناثرة في أنحائه وشجيراته الذابلة مُدمرًا ومنحوسًا، وكان منظره يتماشى تمامًا مع المأساة السوداء التي حدثَت فيه.

عندما وصلنا إلى السور المحيط به، جرى توبي بمحاذاته، وهو يطلق أنينًا مبتهجًا، ثم توقَّف أخيرًا عند زاويةٍ تحجبها إحدى أشجار الزان اليافعة. وفي زاوية التقاء جدارَين بالسور، حُلَّت عدة لبناتِ طوبٍ من مكانها، وكانت الشقوق التي خلَّفتها متآكلةً ومستديرة الحوافِ وكأنما استُخدمت سُلمًا مِرارًا وتَكرارًا. تسلَّقها هولمز، وناولتُه الكلب فأنزله على الجانب الآخر.

قال معلِّقًا وأنا أَصعَد على السور بجواره: «هذه بصمة الرجل ذي القدم الخشبية. أترى لطخة الدم الصغيرة هذه على الجبس الأبيض؟ لقد حالفَنا الحظ فلم تسقط أمطارٌ غزيرة منذ أمس؛ فهكذا سيظل أثر الرائحة موجودًا على الطريق، على الرغم من مرور ثمانٍ وعشرين ساعة على هروبهما.»

أُقرُّ بأن الشك ساورَني عندما فكَّرتُ في حركة المرور الكبيرة في شارع لندن خلال تلك الفترة الزمنية. لكن تبدَّدَت مخاوفي سريعًا؛ فتوبي لم يتردَّد أو يحِد للحظة، بل ظل يتهادى في مشيته الثقيلة العجيبة. من الواضح أن رائحة الكيروزوت النفَّاذة كانت تطغى على ما سواها من الروائح الأخرى المتداخلة.

قال هولمز: «لا تظن أني أعتمد في نجاحي في حل هذه القضية على احتمالِ أن أحد هذَين الشخصَين داس بقدمه في هذه المادة الكيميائية فقط؛ فلديَّ من المعلومات الآن ما يكفل لي تعقُّبهما بعدة طرقٍ مختلفة. لكن هذه هي الطريقة الأسهل، وبما أن الحظَّ وضعها بين أيدينا، سأكون مذنبًا لو تجاهلتُها. لكنها حالت دون تحوُّل القضية إلى المشكلة التي تتطلَّب جهدًا ذهنيًّا كما بدت لي في بدايتها. ولولا ذلك الدليل الدامغ، لكنتُ نسبتُ لنفسي بعض الفضل.»

قلت: «بل فضلك يكفي ويفيض؛ فأنا أؤكد لك يا هولمز أن أساليبك في التوصُّل للنتائج في تلك القضية تُذهلني أكثر حتى من جريمةِ القتل التي ارتكبها جيفرسون هوب؛ فالأمر كله يبدو لي أكثر تعقيدًا وغموضًا؛ فكيف، على سبيل المثال، تمكَّنتُ من وصفِ الرجل ذي الساق الخشبية بكل دقة؟»

«يا صديقي العزيز! كان ذلك هو البساطة بعينها. لا أرغب بأن يبدو أسلوبي مسرحيًّا؛ فالأمر كله جلي وواضح كالشمس؛ فقد علم الضابطان المسئولان عن حراسة السجن بسرٍّ مهمٍّ عن كنزٍ مدفون. رسم رجلٌ إنجليزي اسمه جوناثان سمول لهما خريطة. كما تذكر رأينا اسمه مكتوبًا على المُخطَّط الذي وُجِد ضمن متعلِّقات النقيب مورستان. وقَّع على هذا المُخطَّط باسمه وبالنيابة عن شركائه، واختار لها اسمًا له وقعٌ درامي وهو علامة الأربعة. وبمساعدة هذا المُخطَّط، حصل الضابطان أو بالأحرى أحدهما على الكنز، وأتى به إلى إنجلترا، دون أن يفي بالشرط الذي حصل عليه وَفقَه، على ما أفترض. ولكن لماذا لم يُخرج جوناثان سمول الكنز بنفسه؟ الإجابة واضحة؛ فيعود تاريخ المُخطَّط إلى وقتٍ كان يعمل فيه مورستان مع المساجين عن كثب؛ فلم يخرج جوناثان سمول الكنز بنفسه لأنه هو وشركاؤه كانوا مَسجونِين، ولم يكن بإمكانهم الهروب.»

قلت: «لكن هذا مجرد تخمين.»

«بل هو أكثر من ذلك؛ فتلك هي الفرضية الوحيدة التي تتماشى مع الحقائق. لِنرَ كيف تتماشى مع باقي الأحداث؛ فقد ظل الرائد شولتو يعيش في سلامٍ لعدة سنوات، ويعيش سعيدًا وفي حوزته الكنز، ثم يتلقَّى خطابًا من الهند يُثير رعبه. ماذا كانت فحواه؟»

«خطاب يفيد بأن الرجال الذين خانهم قد أُطلِق سراحهم.»

«أو أنهم هربوا، وهذا هو الأرجح، لأنه كان يعلم مدة عقوبتهم، ولم يكن ليُفاجأ بخروجهم. ماذا فعل حينها؟ بدأ يحمي نفسه من رجلٍ ذي ساقٍ خشبية؛ رجلٍ أبيض، لأنه خلط بينه وبين تاجرٍ أبيض، بل أطلق عليه النار بالفعل. والآن المُخطَّط يحوي اسم رجلٍ أبيضَ واحدٍ فقط. والأسماء الأخرى تعود لهندوسٍ أو مسلمين. ولا يُوجد رجلٌ أبيض غيره؛ ومن ثَمَّ يمكننا القول بكل ثقة إن الرجل ذا الساق الخشبية هو نفسه جوناثان سمول. هل يبدو لك ذلك الاستدلال المنطقي خاطئًا؟»

«لا، بل هو واضح وموجز.»

«حسنًا، والآن، لنضع أنفسنا مكان جوناثان سمول. لننظر إلى الأمور من وجهة نظره. لقد أتى إلى إنجلترا بغرضِ استعادةِ ما اعتبره حقًّا له، وكذلك الانتقام من الرجل الذي أخطأ في حقه. اكتشف مكان إقامة شولتو، ومن المحتمل أن يكون قد تواصل مع أحد الأشخاص من داخل المنزل. قد يكون رئيس الخدم لال راو؛ ذلك الذي لم نقابله؛ فالسيدة بيرنستون تعتقد بأنه شخص سيئ. لكن سمول لم يستطع اكتشاف مكان إخفاء الكنز، لأن أحدًا لم يعرفه باستثناء الرائد وخادمه المخلص الذي توفي. وفجأة يعلم سمول أن الرائد على فراش الموت. وفي خِضَم خوفه من أن يموت سر الكنز معه، يباغت الحارسَين، ويشقُّ طريقه إلى نافذة الرجل الذي يرقد على مشارف الموت، ولم يمنعه من الدخول سوى وجود ابنَيه. إلا أنه بسبب غضبه الشديد من الرجل المتوفَّى، يدخل الغرفة في تلك الليلة ويُفتِّش أوراقه الخاصة على أملِ إيجادِ أيةِ ملحوظةٍ عن الكنز، وأخيرًا يترك تذكارًا لزيارته في صورة الكتابة التي تركها على البطاقة. كان ينوي دون شكٍّ ترك ملاحظةٍ كتلك على جثة الرائد حال قتله، للدلالة على أنها لم تكن جريمةَ قتلٍ عادية، بل هي تحقيق للعدالة من وجهة نظر الشركاء الأربعة. تكاد سجلات الجريمة لا تخلو من مثل تلك الأفعال المتغطرسة الغربية والشاذة، وعادةً ما تحمل مؤشراتٍ قويةً على المجرم. هل تتابع ما أقول حتى الآن؟»

«بكل وضوح.»

«والآن، ما الذي يمكن أن يفعله جوناثان سمول؟ لم يسَعْه إلا أن يراقب سرًّا محاولات العثور على الكنز؛ فمن المحتمل أنه كان يغادر إنجلترا ويعود إليها على فتراتٍ متباعدة، ثُمَّ أتى أمر اكتشاف الكَنز في العُلِّيَّة، وقد بُلِّغ به على الفور. وهنا أيضًا نلحظ أثَر وجودِ حليفٍ له من داخل المنزل. كان جوناثان عاجزًا تمامًا عن بلوغِ حجرةِ بارثلوميو شولتو المرتفعة بسبب ساقه الخشبية؛ لذا اصطحَب معه شريكًا مثيرًا للاهتمام، استطاع تخطِّي تلك العقَبة، لكنَّه داس بقدمه العارية في الكيروزيت، وهنا يأتي دور توبي، ورحلة لمسافةِ ستةِ أميالٍ قطعها ضابطٌ أعرجُ يتقاضى نصفَ أجر، ولديه إصابةٌ في وتَر أَخيل بقدمه.»

«لكن الشريك هو من ارتكب الجريمة وليس جوناثان.»

«بالضبط، وقد أثار ذلك امتعاض جوناثان، وهو ما يتضح من مشيته الغاضبة عندما دخل إلى الغرفة؛ فهو لم يكن يحمل أي ضغينة لبارثلوميو شولتو، وكان يُفضِّل تقييده وتكميم فمه، ولم يرغب في أن يُودِي بحياته. لكنه لم يستطع فعل شيء؛ فقد أطلق شريكه بالفعل العِنان لغرائزه الهمجية، وأدَّى السم وظيفته؛ لذا ترك جوناثان سمول توقيعه وأنزل صندوقَ الكنز إلى الأرض ونزل وراءه. كان هذا هو تسلسُل الأحداث كما تسنَّى لي تفسيرها. أمَّا بالنسبة إلى هيئته، فلا بد وأنه رجل في منتصف العمر، ولا بد أن تكون قد لفحَته الشمس بعد أن قضى مدة عقوبته في مكانٍ شديد الحرارة مثل جزر أندمان. أمَّا بالنسبة إلى طوله، فيمكن حسابه بسهولة من طول خطوته، ونعلم أيضًا أنه ملتحٍ؛ فقد كانت غزارة الشعر في وجهه هي أكثر ما ترك انطباعًا لدى ثاديوس شولتو عندما رآه عند النافذة. هذا كل ما أعرفه.»

«والشريك؟»

«حسنًا، إن هويته لا تمثل لغزًا كبيرًا، ولكنك قريبًا ستعرف كل شيء عنه. يا لجمال نسماتِ الصباح! أترى كيف تطفو تلك السحابة الصغيرة مثل ريشةٍ زهرية من طائر فلامنجو عملاق. وها هو إطار الشمس الأحمر يشقُّ طريقه عبر سحب لندن الكثيفة. ويشرق ضوءُها على عددٍ هائل من الناس، لكني أراهن أنه لا يُوجد من بينهم من لديه مهمةٌ أغرب من مهمتنا تلك. كم نشعر بضآلة طموحاتنا ومساعينا أمام قوى الطبيعة العظيمة! هل أنت ملمٌّ بأعمال جون بول ريتشر؟»

«إلى حدٍّ كبير؛ فقد عرفت طريقي إليه من كارلايل.»

«هذا يشبه اتباع مجرًى مائيٍّ صغير إلى البحيرة الرئيسية. إن له ملاحظةً غريبة ولكنها عميقة؛ وهي أن أعظمَ دليلٍ على عظمةِ الإنسانِ الحقيقية يكمن في إدراكه لمدى ضآلته؛ فهي، كما ترى، تشير إلى عقد المقارنات وحسن تقدير الذات، التي بدورها دليلٌ على النُّبل. هناك الكثير مما يدعو للتأمُّل في أفكار ريتشر. هل معك مسدَّس؟»

«معي عصاي.»

«قد نحتاج لشيء من هذا القبيل إذا وصلنا إلى عُقر دارهم. سوف أترك لك أمر جوناثان سمول، لكن إذا تصرَّف الرجل الآخر بوحشيةٍ فسأُرديه صريعًا.» أخرج مسدَّسه وهو يتحدث، ووضع به رصاصتَين ثم أعاده إلى جيب مِعطفه الأيمن.

طَوال ذلك الوقت كنا نتبع توبي عبر الشوارع شبه الريفية التي تحدُّها الفيلات وتقودنا إلى الحضَر. لكننا بدأنا بعدها نسير في شوارعَ متواصلة؛ حيث كان عمال البناء وعمال الميناء قد خرجوا بالفعل إلى أعمالهم، والمومسات قد بدأن في إسدال ستائرِ نوافذِ بيوتهنَّ وكنس مداخلها. وفي الساحة عند الناصية، كانت الحانات قد بَدأَت تفتح أبوابها، وكان الرجال القُساة المظهر يخرُجون منها وهم يمسحون لحاهم بأكمامهم بعد احتسائهم لمشروبهم الكحولي الصباحي. كانت الكلاب الغريبة تتسكع مُحدِّقة فينا باستغرابٍ في أثناء مرورنا. لكن كلبنا الفريد توبي لم يتلفت يمينًا أو يسارًا، بل ظل يهرول إلى الأمام وأنفه إلى الأرض ويطلق من آنٍ لآخر أنينًا مبتهجًا يدُل على أنه وجد أثَر رائحةٍ قويًّا.

كنا قد قطعنا أحياءَ ستريتهام، وبريكستون، وكمبرويل، والآن وجدنا أنفسنا في شارع كيننجتون لين، بعد أن تنقَّلنا عَبْر الشوارع الجانبية شرق ملعبِ الكريكيت البيضاوي. يبدو أن الرجلَين اللذَين كُنا في إِثرهما أخذا طريقًا متعرِّجًا غالبًا بغرض الاختباء عن الأعين؛ فهما لم يلتزما قَط بالسير في الطريق الرئيسي إذا كان هناك شارعٌ جانبيٌّ مُوازٍ يؤدي إلى وجهتهم. وفي نهاية شارع كيننجتون لين، سارا جهة اليسار عَبْر شارع بوند وشارع مايلز. وحيث يؤدي ذلك الأخير إلى نايتس بلايس، توقف توبي عن التقدُّم للأمام وبدأ يعدو جيئةً وذهابًا وهو يرفع إحدى أُذنَيه ويُرخي الأخرى في تجسيدٍ مثالي لتردُّد الكلاب. ثم بدأ يتهدَّى في دوائر ويرفع نظره إلينا من حينٍ لآخر كما لو أنه يستجدي تعاطُفنا في موقفه الحرِج.

صاح هولمز متذمِّرًا: «ما خطب ذلك الكلب بحق الجحيم؟ بالتأكيد هما لم يركبا عربة أو يستقلَّا منطادًا.»

قلتُ مُخمنًا: «ربما وقفا هنا لبعض الوقت.»

قال رفيقي بنبرة ارتياح: «اه! لا مشكلة، إنه ينطلق مرةً أخرى.»

كان ينطلق بالفعل؛ فبعد أن ظل يشم محيطنا مرةً أخرى أخذ قراره فجأة وانطلق مُسرعًا بهمةٍ وإصرارٍ أكثر من ذي قبل. بدا أن الرائحة أَصبحَت أقوى من ذي قبل، حتى إنه لم يُضطر لأن يُقرِّب أنفه من الأرض، بل شدَّ رَسَنه وهو يحاول الركض بسرعة. كنتُ أرى من اللمعة في عينَي هولمز أنه يظن أننا شارفنا على نهاية رحلتنا.

كنا نسير الآن عَبْر منطقة ناين إلمز حتى وصلنا إلى مستودع أخشاب برودريك آند نيلسون الكبير، بعد حانة وايت إيجل. هنا اندفع الكلب وقد انتابه حماسٌ شديد عبر البوابة الجانبية إلى داخل السياج حيث كان ناشرو الأخشاب قد بدءوا عملهم بالفعل. استمر الكلب في العَدْو بين النُّشارة والبُرادة ثُم في زُقاق، ثم في ممر، ثم بين كومتَين من الأخشاب، وأخيرًا، وبنباح المنتصر قفَز فوق برميلٍ ضخم كان لا يزال في مكانه فوق العربة اليدوية التي حملَته إلى هذا المكان. وقف توبي فوق البرميل مدليًا لسانه وطارفًا عينَيه، ينظر من أحدنا للآخر منتظرًا أي لفتةِ امتنان. كان جسم البرميل وعجلات العربة اليدوية ملطخَين بسائلٍ داكن اللون وكانت رائحة الكيروزوت تملأ الهواء.

نظر كلٌّ منا إلى الآخر نظرةَ ذهول ثم انفجرنا معًا في نوبةٍ من الضحك الهستيري.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠