الفصل الرابع

هل القيادة فطرية أم مكتسبة؟

ربما كان سؤال «هل القيادة فطرية أم مكتسبة؟» أكثر الأسئلة التي طُرحت عليَّ أثناء التدريس لطلبتي، وكانت إجابتي عادة أن الأمر مختلف عن «كليهما»: في الواقع لا نمتلك معلومات عن هذا الأمر تكفي لأن نقدم رأيًا تصنيفيًّا بهذه الطريقة أو تلك (على الرغم من أن هذا الأمر لا يمنع الناس من التوقف عن التساؤل). إن ما أرغب في فعله في هذا الفصل هو بحث هذه المسألة عن طريق إنتاج دراسة نمطية رباعية من شأنها توسيع الفرضية من «الطبيعة أم التطبع» لتشمل «الجماعية أم الفردية». لا يعتبر هذا الأمر تهربًا من السؤال، ولكنه توضيح أن أي إجابة ستعتمد على نوع القيادة الذي نتحدث عنه. سنبدأ بأكثر الإجابات تقليدية: إن القيادة فردية وطبيعية — منهج كارليل — ثم نبحث في أمر تطبعي مختلف عن هذه المنهجية الفردية، التي نشأت في أثينا . بعد ذلك نتحول إلى التفكير في الأساليب الجماعية بداية من الأعداء الطبيعيين للأثينيين — «الإسبرطيين » — وانتهاءً بالكالخاسيين؛ الجماعيين المتطبعين في مجتمع ممارسة. قدمنا نموذجًا عن هذا النمط في شكل ٤-١.
fig11
شكل ٤-١: نمط تطور القيادة .
يظهر في الشكل ٤-٢ صورتان تتعلقان بالسؤال: «هل القيادة فطرية أم مكتسبة؟» يظهر في الأولى مجموعة مدرسية في جورجيا والشخص الموضوع دائرة حوله هو ستالين عندما كان صغيرًا. والثانية لمجموعة مدرسية في النمسا والشخص الموضوع دائرة حوله هو هتلر . ووضع هذين الشخصين في أماكن قيادية متشابهة — في منتصف الصف الخلفي — أمر مزعج واتفاقي. فقد كان ستالين هو الولد الذي ينسق مع المصور ويأخذ الأتعاب ويضع الأرباح في جيبه، ويبدو أنه قد «ولد» قائدًا. ولم يلعب هتلر أي دور في تنظيم الصورة، ولم يكن ظاهرًا أو مختلفًا على أي نحو في مدرسته. في حقيقة الأمر، ضابط هتلر الأعلى رتبة في فوج مشاة الاحتياط البافاري، الذي خدم به هتلر في الحرب العالمية الأولى، قال عنه في ذلك الوقت:

لم يكن هتلر شخصًا مبهرًا على نحو خاص … ولكنه كان جنديًّا ممتازًا. كان شجاعًا ويمكن الاعتماد عليه وهادئًا ومؤدبًا. ولكننا لم نجد سببًا يدعونا لترقيته؛ لأنه افتقد المؤهلات اللازمة ليكون قائدًا … عندما عرفته للمرة الأولى، لم يكن لدى هتلر أي مؤهلات قيادية على الإطلاق.

(مقتبس في لويس، ٢٠٠٣: ٤)
fig12
شكل ٤-٢: ستالين وهتلر. ستالين في مدرسة تيفليس الثانوية (في الأعلى)، وهتلر في صورة التُقطت في مدرسة ليوندنج (في الأسفل). (Hitler © Bettmann/Corbis)
ولكن بعد بضع سنوات، تحول هتلر إلى واحد من أكثر القادة المؤثرين في القرن العشرين. كيف حدث هذا؟ هناك مزاعم تقول إن هتلر — الذي تعرض للغازات السامة من قبل البريطانيين قبل نهاية الحرب العالمية الأولى — أُبْعِدَ عن خط القتال وصرح — هو والكثير من رفاقه — أنه أصيب بالعمى الدائم. ولكن في حين كان جميع الجنود الآخرين يصرون على عدم العودة إلى الحرب، طلب هتلر العودة إلى الجبهة. حينئذٍ، ونظرًا لأنه لا أحد من الجنود قد أصيب بالعمى الدائم فعليًّا، كانت السلطات تعلم جيدًا أن أغلبهم يضعون عصابات على أعينهم ليهربوا من خوض الحرب الخاسرة، ولكنها افترضت أن هتلر يعاني نوعًا من الخلل العقلي، لذا أرسلته إلى طبيب نفسي. وادعى هذا الطبيب النفسي بدوره أن هتلر لم يكن ليسترد بصره إلا إذا كان «المختار» الذي بعثه الله لينقذ ألمانيا. وكشفت القصة فيما بعد عن استرداد هتلر لبصره واستيعابه «التدريجي» لفكرة أن القدر قد أنقذه لأمر أعظم من مجرد أن يكون عريفًا في الجيش. وسواء أكانت هذه الحادثة حقيقية أم لا فإنها ليست بنفس القدر من أهمية تأمل عدد القادة الذين حققوا إنجازات عظيمة نتيجة لاعتقادهم بنوع من أنواع المصير. فسواء أكان هذا المصير أُوحي لهم به من الله (جان دارك ، أوليفر كرومويل ، مارتن لوثر كينج، فلورنس نايتنجيل )، أم عن طريق بعض القوى التاريخية (جنكيز خان ، نلسون ، ستالين ، جنرال باتون ، ونستون تشرشل ) فإنه أقل أهمية من تأثيره: يبدو أنه أوجد مستوًى من الثقة بالذات سهل التهور في الإقدام على المخاطر، وقد رأى أتباعهم أن هذين الأمرين مظهران من مظاهر القيادة العظيمة. مما لا شك فيه أن الكثير من القادة «المختارين قدريًّا» يقدمون على المخاطر ويموتون في سبيل تحقيق غاياتهم، ولكننا لا نعلم عنهم شيئًا. ولكن ينجو فقط القادة الناجحون، وهؤلاء هم من سحرونا بالحكايات عن أقدارهم. في هذه الحالات، يكون سؤال «هل القيادة فطرية أم مكتسبة؟» لا داعي له؛ لأنهم ربما يولدون كأشخاص «عاديين» ولكنهم يتحولون إلى أشخاص «استثنائيين» جراء بعض التجارب التي عاشوها. ولكن ما مدى أهمية هذا النوع من القادة؟

(١) الكارليليون : القادة بالفطرة

أصر توماس كارليل (١٧٩٥–١٨٨١) على أن القادة «الحقيقيين» — الأبطال — يولدون لا يصنعون. فالجماهير المنغمسة في «السكر والهراء» — غير قادرة على إنتاج قادتها، والرؤساء الرأسماليون الجدد — «أصحاب المطاحن» — مشغولون فقط بتجميع الثروة المادية. بالنسبة لكارليل لا يظهر القادة بسبب تأثير الثقافة المحيطة بهم أو بسبب التعليم بل بسبب موهبتهم الخام — «الفطرية» — بجانب امتلاكهم «إرادة السلطة» كما ذكر نيتشه . ولد أبطال كارليل ليكونوا قادة ولكن لم يولدوا عظماء، لذا فإن قائمته ضمت النبي محمدًا ، ولوثر ، وفريدريك (الذي أصبح) العظيم، وكرومويل، ونابليون؛ جميعهم (ومن ضمنهم هو) ولدوا دون أن يكون لديهم الكثير سوى «الإرادة الفطرية» والقدرة على القيادة. وكما أصر كارليل:

التاريخ العالمي، التاريخ الذي يسرد ما حققه الإنسان في هذا العالم، في النهاية ما هو إلا تاريخ العظماء ، هؤلاء العظماء، النماذج والقدوات وبمعنى أعم المبدعين الذين حققوا كل ما حاول جموع البشر فعله أو الوصول إليه؛ فجميع الأشياء التي رأيناها تتحقق في العالم ما هي إلا النتائج المادية الظاهرة، والتجسيد العملي للأفكار التي شغلت عقول العظماء الذين أرسلوا إلى العالم: ربما يكون من الإنصاف أن نعتبر أن جوهر تاريخ العالم بأكمله هو تاريخ هؤلاء العظماء.

(كارليل، ٢٠٠٧: ١)

كان كارليل متعاطفًا مع وجهات النظر الثورية المعاصرة عن القيادة؛ آلية رد على مشكلة التنسيق في حقبة احتاجت النجاة فيها إلى فعل جماعي لجمع الغذاء وحماية الجماعة. تعتبر نشاطات لمجتمعات الجمع والصيد المثال الأرجح الأقرب للنماذج البشرية الأولى للقيادة التي عاشت في الحقبة البلستوسينية (من حوالي ١٫٨ مليون عام إلى ١٠٠٠٠ عام مضت، نهاية العصر الجليدي الأخير) التي كانت مجموعات شبه بدوية من الأقرباء تتكون من ٥٠–١٥٠ فردًا من البشر، والتي من المرجح أنها انتقلت من منشئها في أفريقيا منذ حوالي ٢٠٠٠٠٠ عام مضت. أوجد تطور الزراعة المستقرة بعد نهاية العصر الجليدي كمية جيدة من الاحتياطيات والموارد التي قد تكون أفرزت داخلهم نزعة لهجر ثقافة الجمع والصيد ونماذج القيادة المبنية على المساواة والمشاركة المرتبطة بنماذج القيادة المعاصرة. باختصار، دفع فائض الإنتاج إلى التحرك نحو مجتمعات أكثر استقرارًا يقودها أمراء حرب ربما كانت قدرتهم على حماية/استغلال مجتمعاتهم — وتدمير أعدائهم — هي ما كان يدور في عقل هوبز عندما تحدث عن حرب الجميع ضد الجميع عندما كانت الحياة «كريهة ووحشية وقصيرة».

بالنسبة لعلماء الأحياء التطورية ، يقتصر اختيار القادة في ظل ظروف الحرب المتواصلة على عدد قليل نسبيًّا من «الذكور القادة»؛ «أبطال كارليل». وكانت أشكال الانتخاب الطبيعي التالية معتمدة على البقاء للأصلح، أو بالأحرى استبعاد الجميع ما عدا الأصلح للقيادة، وكان هذا يعني أيضًا أن أنظمتنا المؤسسية المعاصرة تعتبر «غير مناسبة» لأنواع قيادتنا المتطورة (بالكاد). في الواقع، بهذه الطريقة تكون متطلبات القيادة موروثة لدى البشر وتبقى ثابتة نسبيًّا عبر الزمان والمكان.

في حقيقة الأمر، يكون ترسيخ الأشياء الموروثة أو غير الموروثة أمرًا من الصعب تحقيقه. أولًا، من الصعب تقييم الناس قبل أن يتأثروا بطريقة تنشئتهم؛ تقييم مهارات الأطفال الرضع القيادية أمر ليس سهلًا. علاوة على ذلك، تبدو بعض السلوكيات غير منطقية: لماذا — على سبيل المثال — تقبل طواعية أن تكون تابعًا لقائد إذا كانت نواتج إعادة الإنتاج ستفيد القائد لا التابع؟

غالبًا ما يربط هذا الأسلوب بين الشمولية الظاهرة وسرمدية القيادة البشرية وطبيعتنا الحيوانية؛ لأن القيادة عند الحيوانات تبدو ثابتة وتميل إلى الاقتصار على من يقعون في قمة الهرم والأكثر وحشية، فالقيادة عند الأسود — على سبيل المثال — تتولاها اللبؤة فيما يتصل بالصيد ورعاية الصغار، ولكن يهيمن الذكر القائد على الآخرين من حيث مزايا الحصول على الطعام والتزاوج. لكن ليس جميع أنماط القيادة عند الحيوانات على هذا المنوال: ففي الضباع المرقطة — على سبيل المثال — أدوار الجنسين معكوسة؛ الإناث أكبر حجمًا من الذكور، لذا فهي من يتحكم في عملية التزاوج وقيادة القطيع، وتقوم الذكور بغالبية أنشطة الصيد، ولكن تسيطر الإناث على الذكور وتكون لها الأولوية في الوصول إلى الفرائس التي اصطادها الذكور. ترى بعض الأساليب التطورية أن سيطرة الأم على قطعان الضباع المرقطة تحدث بسبب أن الذكور لا يلعبون أي دور في رعاية الصغار، ومن العجيب أنه لم يخبر أحد الفهود باستراتيجية القيادة هذه. تختلف قطعان الذئاب عن القطعان السابقة اختلافًا طفيفًا: الأسر التي تتراوح أعدادها ما بين ٢–١٢ فردًا يقودها الزوجان المهيمنان وهما فقط من يتناسل. هناك نظام هرمي صارم سارٍ في قطعان الذئاب وفيه يقود الذكر القائد الصيد والدفاع عن الأرض في حين تقود الأنثى القائدة الصغار.
ولكن إذا كانت القيادة البشرية مرآة لعالم الحيوان، فإننا سنكون أقرب إلى عالم الشمبانزي، أقرب أبناء عمومتنا من الناحية الجينية. ولكن اقترحت دراسة دي وال عن الشمبانزي أن القيادة لا تُحدد بالحجم أو بالضرورة بالموروث الجيني ، ولكن ببناء التآلف بين الذكور المهيمنين المدعومين من الإناث الكبريات. علاوة على ذلك، يقترح بويم أن تحليل مجتمعات الجمع والصيد المعاصرة يشير إلى أن القادة دائمًا وأبدًا ما يواجهون مقاومة من «أنظمة سيطرة هرمية معكوسة »؛ عن طريق التحالفات التي تتشكل مؤقتًا لمواجهة الطغاة. في واقع الأمر، الاعتراف بالقائد أمر يعتمد على الأتباع، لا القادة.
إذا كنا حقًّا «ضحايا» جيناتنا، فقد نرغب في التشكيك في فكرة حرية الاختيار أو الوكالة. الاختيار هو ممارسة الإرادة الحرة أو الاختيار الواعي، في مقابل الحتمية. إذن، إذا كانت تصرفات البشر محكومة بجيناتهم البيولوجية، فسيلغى العامل العالمي للقيادة وقد نقع في مشكلة تحديد مسئوليات الأفراد. في الواقع، قد لا نتحمل أي مسئوليات ومن ثم لن توجد قيادة. في الحقيقة، إن أخذ هذا الأسلوب إلى الاستنتاج المنطقي في قضية السمات الموروثة بيولوجيًّا قد يؤدي إلى الاقتراح أن القادة «ذوي الجينات الإجرامية» ليسوا مسئولين عن قيادتهم للعصابات الإجرامية، حتى وإن كانت عواقب هذا الأمر وخيمة من قتل وسرقة وما شابه. وإذا أصررنا على أن هذه الأفعال تحكمها متطلبات بيولوجية لا يكون للأفراد سيطرة اختيارية عليها، فقد نفكر في البحث عن جين القيادة الذي يجعلهم يتصرفون على هذا النحو أو ذاك. ربما لم يكن الأثينيون القدامى يمتلكون أيًّا من هذا: بالنسبة لهم كانت القيادة شيئًا يُصقل ويعزز لا يظهر من تلقاء نفسه.

(٢) الأثينيون: الهواة المثقفون

تشير «الأثينية» إلى نموذج تعلم القيادة المتجسد في مواطني أثينا القديمة (الرجال فقط) الذين تولوا مواقع قيادية بفضل المكانة الاجتماعية العالية لأسرهم بالإضافة إلى تلقي تعليم حر في الآداب والفنون مدعوم بتربية بدنية «لبناء الشخصية». كانت الفترة المدرسية المبدئية تمتد من سن ٨–١٤ عامًا، وبعد ذلك يستمر الأولاد الأغنى في الدراسة حتى سن ١٨ عامًا، عندما كانوا يلتحقون بالخدمة العسكرية مدة عامين وفق القانون. كان الهدف هو تنشئة الأطفال (الذكور)، الذين عن طريق مشاركتهم في التعليم التأملي الخاص في أغلب الأحيان، سيمدون الجيل التالي من المواطنين الأثينيين بقادة متمرسين ومسئولين. كان هؤلاء القادة يعتبرون أنفسهم «هواة مثقفين»؛ فهم لم يكونوا نتاج نظام تعليمي عادي ينتج جنودًا محترفين مثل أعدائهم التاريخيين الإسبرطيين، ولكنهم كانوا أكثر المخرجات التعليمية تحضرًا في أكثر المجتمعات تحضرًا. وقد يصدم وجود العبيد وتبعية المرأة القارئ المعاصر ويعتبرهم بعيدين كل البعد عن التحضر، ولكن هذا أمر آخر.

كان نتاج هذا المنهج «التثقيفي» في التدريب على القيادة في الجيش البريطاني في القرن التاسع عشر، فيلق من الضباط من الطبقة العليا كرسوا أنفسهم للولاء والعمل الشاق والجوانب العملية، ولكن دون وجود أي قدرة على التخيل وباهتمام ودعم محدودين للعلم والتكنولوجيا، ونتج عن هذا صعوبات في بداية الحرب العالمية الأولى، وفترة الثلاثينيات على وجه الخصوص، وتخلفت بريطانيا عن الريادة التكنولوجية في العموم. وفي حين كانت التجارة والحرب تتطلبان فكرًا مغامرًا وتخيليًّا، أنتجت بريطانيا بدلًا من ذلك «وصاية»، وهي أخلاقيات ترفع من شأن المسئولية والمثالية الرومانسية فوق الهياكل والإجراءات والاستراتيجيات الإبداعية، وكانت النتيجة عدم الاهتمام بالنظريات أو الاستراتيجيات الحربية والاعتماد على المبادرات الفردية لضباط القتال بالإضافة إلى «الحس السليم» البريطاني الجيد.
لم تكن القيادة في ذلك الوقت شيئًا يمكن للأتباع المشاركة به — حيث استغرق الجيش الألماني فترة طويلة في التطور — ولكنها كانت متأصلة في المقام الأول في آلية تبادل: الأبوية مقابل الولاء، والكرامة مقابل الطاعة. في واقع الأمر، كان القادة مجبرين على معاملة جنودهم كما لو كانوا أبناءهم، وفي المقابل كان الجنود مجبرين على طاعة ضباطهم كما لو كانوا أولياء أمورهم. وكما قال أحد الملازمين من حرس الملك عام ١٩١٤: «ما أشبه الرجال بالأطفال، لن يتمكنوا من فعل أي شيء من دوننا … من خلال هذا يمكنك أن ترى سبب نسبة الخسائر العالية في صفوف الضباط.» إذن ليس بالضرورة أن يستاء الجنود بالمميزات التي تتمتع بها فيالق الضباط، ما دامت هذه المميزات لن تؤثر على التزامات الضباط الاجتماعية المتمثلة في رعاية جنودهم، التي كانت عادة ما تأتي في صورة أمور بسيطة مثل تذكر عيد ميلاد أحد الجنود وسؤاله عن أحوال عائلته والتأكد من أن الجنود قد أطْعموا بشكل جيد قدر الإمكان.

(٣) الإسبرطيون: المنظمون

في حين كانت نماذج الكرليليين والأثينيين نماذج قيادة فردية في الأساس، الأول فطري والثاني مكتسب، كان النموذج الإسبرطي جماعيًّا وحشيًّا — إن لم يكن استحواذيًّا — وفطريًّا بوضوح: القدرات القيادية كانت شيئًا يولد الإسبرطيون به، ولكن يجب أن تُحشد لمصلحة المجتمع، وأن تُعزز في إطار عمل جماعي. علاوة على ذلك، ستعمل القيادة بصورة فعالة عندما يُدرب الأتباع على الطاعة من خلال نفس نظام القيادة القائم على التبعية للمنظِّم. يبدأ هذا النظام منذ الميلاد عندما تقيم لجنة من الكبار كل طفل، ويتركون الأطفال الذين صُنفوا بأنهم «ضعفاء» ليلاقوا مصيرهم في منحدرات جبل تايجيتوس خلال الليل.

كان الإسبرطيون يضعون أطفالهم منذ سن ٧–١٨ سنة في الأجوجي (ويربون، حرفيًّا، كالحيوانات) وهي مؤسسة تمزج بين التعليم والتطبيع الاجتماعي والتدريب لتحويل الأطفال إلى مقاتلين. كان المحتوى التعليمي لدى الإسبرطيين يحتوي على كم ضئيل جدًّا من التعلم التأملي، وظَلَّ غرس الولاء للدولة في مقدمة المحتوى التعليمي. كان الهدف الأول من تعليم الصبية هو خلق جيش يتمتع بالولاء والإخلاص، وعندما يبلغون سن الثالثة عشرة يقودهم أحد الأيرنز؛ قادة ناشئون يبلغون من العمر ٢٠ عامًا تُصمم خبرتهم القيادية لغرس مؤهلات القيادة الإسبرطية في عدد كبير من المحاربين. كان الصبية الأصغر سنًّا يذهبون إلى الكربتيا، أو «فترة التخفي»، يعيشون فيها بمفردهم أو في جماعات صغيرة ذاتية القيادة ويحيون على ما يحصلون عليه من القرى وقتل الهيلوتس (عبيد الإسبرطيين) الذين كانوا ينظر إليهم على أنهم أقوياء أو من المحتمل أنهم يخفون بعض الطموحات القيادية هم أنفسهم. في سن ١٨ عامًا، تُختار مجموعة منهم للانضمام إلى صفوة الحرس الملكي وبعد ذلك يتولون مناصب قيادية في الجيش، على الرغم من استكمال التدريب العسكري حتى سن الثلاثين. ولكن حتى الملكية في إسبرطة كانت ذات توجه جماعي لا فردي: المشرفون الخمسة الذين يُنتخبون كل عام كانوا يقسمون على دعم الملوك الثنائيين ما دام الملوك يحترمون سيادة القانون. لذا إذا أصر أحد ملوك إسبرطة على قيادة الجيش خلال المعركة، كما كان مسموحًا له بذلك، يجب أن يصاحبه اثنان من المشرفين الخمسة ليقدموا تقارير عما قام به.

ربما كان أوضح ارتباط بمنهج الإسبرطيين في اختيار وجماعية القيادة هو تلك التنظيمات التي شكلت حركة شباب هتلر . في مدارس أدولف هتلر، على وجه الخصوص، كان الصبية الألمان يجهزون للقيادة في ميدان الحرب وفي الوطن الأم. وفي حين أن ثلث الألمان الذين ولدوا ما بين عامي ١٩٢١ و١٩٢٥ ماتوا في الحرب، فإن ٥٠٪ من أولئك الذين درسوا في مدارس أدولف هتلر ماتوا في الحرب. وبحلول عام ١٩٣٥ كان ٥٠٪ من جميع الألمان الذين تتراوح أعمارهم ما بين ١٠–١٨ عامًا ضمن حركة شباب هتلر، و٩٠٪ من الذين ولدوا في عام ١٩٢٦ قد جُنِّدوا. في الواقع، ظلت عضوية الحركة تطوعية حتى عام ١٩٣٩، لكن لم تعترض سوى قلة قليلة. كانوا ينظمون في صفوف حربية من مجموعات مؤلفة من ١٥٠ جنديًّا وتضم سرية وصولًا إلى الزمالة التي تتكون من ١٠ صبية. كان شعار هتلر «قيادة الشباب من الشباب»، ولم يُترك أي شيء للصدفة: مر ١٢٧٢٧ من قادة شباب هتلر (من سن ١٤–١٨ سنة) و٢٤٦٦٠ قائدًا (من سن ١٠–١٤ سنة) بعدد ٢٨٧ دورة تدريبية على القيادة في عام ١٩٣٤ وحده. بمجرد اجتيازهم دورة اللياقة البدنية والتدريب العسكري والتهيئة الأيديولوجية يُقدم لهؤلاء القادة الشباب كتيبات لتقديمها لأتباعهم، وكانت تحتوي على مقدمات وأغانٍ ونصوص لكل درس. لم يكن يسمح بأي نقاش أو معارضة، ولكن كانت أكثر الخبرات أهمية تبدو هي عطلات نهاية الأسبوع والمعسكرات الصيفية التي كانت تنمي لديهم حس تطوير المجتمع بجدية، عادة عن طريق التأكد من أنه عند وصول الجميع إلى سن ١٢ عامًا كان يأخذ دوره في تولي قيادة مجموعته. كتب أحد أعضاء التدريس في إحدى مدارس الصبية قائلًا: «بهذه الطريقة يتعلم أن يوجه الأوامر ويكتسب القوة اللاشعورية للثقة بالنفس التي تعتبر من الأمور الضرورية للقيادة المطاعة.» بعد استكمال مدارس هتلر وشباب هتلر بنجاح، تُنقل القلة المختارة إلى إحدى كليات التدريب إس إس، حيث ظلت إسبرطة هي النموذج الذي يُحتذى به. قال أحد المدربين عام ١٩٣٧: «إن ما نرغب في رؤيته — نحن مدربي القادة الصغار — نوع حديث من الحكومة يشبه نموذج الدولة الإغريقية، حيث يُختار من ٥–١٠٪ من عدد السكان ليحكموا، وعلى الباقين أن يعملوا ويطيعوا.» يقضي هؤلاء القادة المنتظرون بعد ذلك عامًا في كلية إس إس في فوجلسانج، ليتعلموا «الفلسفة العنصرية»، ثم عامًا آخر في كروسينسي، ليتعلموا «بناء الشخصية»، وعامًا أخيرًا في سونتوفين في المهام الإدارية والعسكرية. علق روبرت لاي ، رئيس تنظيم الحزب النازي عام ١٩٣٥، أثناء العرض العسكري الذي نظم احتفالًا بالتخرج، قائلًا:

نريد أن نعرف هل هؤلاء الرجال يحملون في داخلهم إرادة القيادة وأن يكونوا سادة، أو بعبارة أخرى: أن يحكموا. يجب أن يرغب الحزب النازي وقادته في الحكم … إننا نستمتع بالقيادة، ليس لكي نكون مستبدين أو لأننا نستمتع بالطغيان السادي، بل لأننا نؤمن إيمانًا راسخًا في جميع الأحوال أن هناك شخصًا واحدًا فقط لديه القدرة على أن يقود ويتحمل المسئولية. إن القوة تكمن في هذا الشخص وحده.

(مقتبس من نوب، ٢٠٠٢)
بالنسبة للنازيين، كان هذا الشخص الواحد «الكامل» هو هتلر ، ومع استمرار الحرب، نأى هتلر بنفسه عن الجوهر الجماعي للنازية وعن فلسفة العسكرية الألمانية السابقة للحرب (قيادة المهمة ) التي دعمت المبادرة والتقييم بين القائد والأتباع، ولعب هذا دورًا كبيرًا في التأليب عليه. على سبيل المثال: من الواضح أنه في الفترة ما بين عامي ١٩٣٩ و١٩٤١، خلال احتلال بولندا وأوروبا الغربية والاتحاد السوفييتي، دخل هتلر في مناقشات مع جنرالاته وكان يستمع إليهم، حتى وإن كان لا يأخذ بنصيحتهم في جميع الأمور. ولم تكن هناك سوى مناسبة واحدة تدخل فيها هتلر شخصيًّا في احتلال بولندا وتفوق عليه فون راندشدت . ولكن عندما فشل احتلال الاتحاد السوفييتي في شتاء عام ١٩٤١، بدأ هتلر في «الإدارة الدقيقة» لقواته المسلحة وتوقف عن الاستماع إلى الجنرالات. لذا وباستمرار الحرب، زادت هيمنة هتلر على محادثاته وبدأت المعلومات التي يحصل عليها تأتي من المهادنين المدمرين في حين توقفت تلك التي تأتيه من المعارضين البنائين. ويمكننا القول إنه بسبب خروج المفكرين المستقلين من دائرة مستشاريه، انحدرت جودة المشورة إلى درجة أن المشورة التي كان يحصل عليها هي ما اعتقدوا أنها ما يرغب في سماعه بدلًا من أن تكون المشورة التي يحتاج إلى سماعها.
على النقيض، ونستون تشرشل ، الذي بدأ الحرب العالمية الثانية وهو أدميرال ونحَّى الكابتن تالبوت عن مهامه بسبب اندفاعه ومعارضته لتشرشل في الاستراتيجية المضادة للغواصات الألمانية، بدأ كرئيس وزراء بتجنيد الكثير من الأفراد الذين كان يعرف عنهم أنهم الأكثر استقلالية وحرية في الفكر. ومن ثم، طلب من إرنست بيفين ، أحد قادة الإضراب العام في عام ١٩٢٦، الذي كان تشرشل قد سعى إلى سحقه، أن ينضم إلى وزارة الحرب كوزير للعمل والخدمة الوطنية. بل إنه في واقع الأمر، عمل حتى مع شامبرلين وهاليفاكس ، اثنين من ألد أعدائه السياسيين. بالمثل، في المجال العسكري، احتفظ تشرشل بآلان بروك على الرغم من خلافاتهما الشهيرة ونزاعاتهما العنيفة؛ لأن تشرشل أدرك أن مثل هؤلاء الأشخاص هم من يملكون الجلد — والاستقلال العنيد — لأن يعطوه النصيحة التي يحتاجها. يعد هذا الأسلوب البديل لتعلم القيادة عاملًا مهمًّا للنموذج الرابع للتعلم: الكالخاسيون.

(٤) الكالخاسيون : مجتمع الممارسة

النموذج الرابع لتعلم القيادة — الكالخاسيون — يجمع بين توجه جماعي وفلسفة تنشئة. في واقع الأمر، اقترحت الكالخاسينية أن القادة ليسوا عالمين بكل شيء ولا قادرين على كل شيء، لهذا فإن القيادة يجب أن توزع على المؤسسة بأكملها. علاوة على ذلك، فإن هذه الطريقة العميقة أو الموزعة يمكن أن تتأثر بالثقافة المحيطة، حيث يمكن دعمها اجتماعيًّا ولسنا في حاجة ببساطة لأن نعتمد على «الفطرة» في تقييم القيادة. يفترض هذا المنهج أيضًا أن المشاركة في الممارسات الاجتماعية هي العملية الأساسية التي نتعلم عن طريقها، ومن ثم فإن التعلم نشاط جماعي أو اجتماعي وليس نشاطًا فرديًّا. في الواقع، كما اقترح وينجر ، يحدث التعلم من خلال «مجتمع الممارسة» حيث تشكل فيه المشاركة في ممارسة اجتماعية وحدة اجتماعية ومن ثم هوية يمكن بعد ذلك أن تُقاد.

منذ فجر التاريخ كون البشر مجتمعات تعمل على تجميع المعرفة الجماعية المكتسبة لترجمتها إلى ممارسات اجتماعية؛ مجتمعات الممارسة. وتعد القبائل مثالًا قديمًا على هذا. الحالات الأكثر حداثة تشمل النقابات المهنية في العصور الوسطى التي تولت الإشراف على حرفة أو مهنة ما، والمجتمعات العلمية التي اتفقت على تعريف ما يعتبر معرفة صحيحة في جانب معين من البحث والتدقيق. الحالات الأقل وضوحًا تشمل نادي البستنة المحلي أو الممرضات في المستشفيات أو عصابات الشوارع أو مجموعة من مهندسي البرمجيات يلتقون بانتظام في أحد المقاهي ليتشاركوا الأفكار والنصائح.

(وينجر، مقتبس من جرينت، ٢٠٠٥: ١١٥-١١٦)

ولكن لا ينشأ مجتمع الممارسة من مجرد التقارب المادي، وما لم يكن هناك «التزام متبادل» من المشاركين، فلن يتطور المجتمع ليصبح «مجتمع ممارسة». علاوة على ذلك، لا يعتبر مجتمع الممارسة مجتمعًا مثاليًّا فاضلًا يسود فيه التفاهم المتبادل والحب، بل مجتمعًا يتسم بالممارسات المشتركة والمكتسبات الجماعية وليس العلاقات المتناغمة.

أريد أن أقترح، علاوة على ذلك، وعلى العكس من افتراضاتنا المعتادة عن هذه العلاقة، أن الأتباع هم من يعلم القيادة للقادة. في واقع الأمر، ليس المهم مجرد وجود خبرة، بل يشترط أن تكون خبرة تأملية. هذا التعليم العكسي ينعكس على الطريقة التي يتعلم بها معظم الآباء كيف يصبحون آباء؛ أطفالهم يعلمونهم. أو كما يقترح جيرارد مانلي هوبكينز : «الطفل هو أبو الرجل.» ويبدو أن هوبكينز يشير ضمنيًّا إلى أن الطفل الذكر سينمو ليصبح رجلًا، بنفس الطريقة التي تنمو بها البذرة لتصبح شجرة. ولكنني أرغب في اقتراح تفسير مختلف لهذا الأمر: الأطفال يعلمون أسلافهم كيف يكونون آباء.

على الرغم من وجود الكثير من الكتب عن رعاية الأبناء، يأتي جزء كبير من تعلم رعاية الأبناء عن طريق الخبرة. فعلى أي حال، لا يمكنك أن تعلم أن أسلوب شخص آخر قد نجح حتى تجربه مع طفلك. نظريًّا، يعلم الآباء أطفالهم كيف يتصرفون كأطفال، ولكن لا شك في أن الأطفال لديهم طرقهم لتجاهل معظم هذه النصائح القيمة. لو لم يكن الحال كذلك، لما أصبح لدى الآباء أطفال سيئو السلوك، ولما كان هناك أطفال يتمرغون غضبًا في المتجر، ولما جرب المراهقون الكحوليات والمخدرات، ولما عاد أحدهم إلى المنزل في وقت متأخر، أو ترك غرفته كما لو أن لصًّا سطا للتو على المكان. ولأن هذا الأمر يحدث بانتظام، لا يكون للأساليب العقابية التي يمتلكها الآباء (العقاب البدني واللفظي والادعاءات الأخلاقية والمصروف والتهديد بالحبس في المنزل وغيرها) سوى تأثير محدود. القضية الخطيرة هي أن الآباء بحاجة لأن يتعلموا كيف يكونوا آباء عن طريق الاستماع والاستجابة لأطفالهم. في الواقع، تعلمنا أن نكون آباء بواسطة أطفالنا: إذا لم يشعروا بالراحة للطريقة التي نحملهم بها كأطفال رضع، فإنهم يبكون ومن ثم نعدل من طريقة حملنا لهم، وإذا شعروا بالجوع يبكون فنطعمهم، وإذا شعروا بالتعب يبكون فنهدهدهم حتى يناموا. وعندما نفهم الأمر بصورة خاطئة (أو يعتقدون أننا فهمناه بصورة خاطئة) فإنهم يخبروننا بذلك عن طريق البكاء أو المقاومة أو العبوس أو بأي طريقة كانت. ولا شك في أننا نقرر بعد ذلك ما علينا فعله، سواء تعليمهم شيئًا من ضبط النفس أو أي شيء آخر، ولكن هل هذا الأسلوب سينجح أم لا، هذا أمر خارج عن إرادتنا، وعادة ما نجبر على التفاوض بشأن أسلوبنا خلال هذه العلاقة المتغيرة باستمرار. في الواقع، على الرغم من أن الخبرة من شأنها جعل رعاية الأبناء أكثر سهولة — كلما زاد عدد أطفالك زادت سهولة الأمر — فليست تلك هي الحال بالضرورة، ربما لأن العلاقة بين كل طفل وأبويه تكون مختلفة عن غيرها، و/أو لأن كل طفل جديد يغير من نمط العلاقات الأسرية السابقة، و/أو لأن بعض الناس يواجهون صعوبة في التعلم.

ربما يكون المهم هنا هو إلى أي مدى يحصل الآباء على تقييم من أطفالهم. وربما يتعلم الآباء أكثر من علاقاتهم بأطفالهم التي تكون متكافئة للطرفين. بمعنى آخر، عندما يسيطر الآباء على أطفالهم — أو العكس — فلن يتعلم أي من طرفي العلاقة الكثير أو ينضج بالضرورة. في الواقع، قد يكون هذا أحد أسباب نجاح الكثير من الآباء في هذه المهمة الشاقة؛ لأن أطفالهم يكونون أكثر انفتاحًا وأمانة في تقييمهم إذا ما قورنوا بالأتباع أو المرءوسين البالغين: إذا لم يقم الآباء بأمر ما «على النحو الملائم» — من وجهة نظر الأطفال لا الآباء — فسيتلقى الآباء تقييمًا عن هذا الأمر على الفور. يتضح هذا مع الصغار الذين يمكن أن يكون صدقهم لاذعًا في محادثاتهم، أو عندما نقابل أطفال أشخاص آخرين نعتقد أنهم قادة مخيفون: عادة ما يقول لهم أطفالهم أشياء لا نجرؤ نحن الأتباع المساكين أن نقولها لهم. إذا طبقنا هذا النموذج التعليمي على القيادة، نستنتج أنه في حين يعتقد القادة أنهم يعلمون الأتباع كيفية التبعية، في الحقيقة الأتباع هم من يقوم بغالبية التعليم والقادة هم من يقوم بغالبية التعلم. إذن يمكننا أن نعيد بناء ما قاله جيرارد مانلي هوبكينز : «التابع هو معلم القائد.»

مما لا شك فيه أن بعض القادة يفشلون في التعلم وبعض الأتباع يفشلون في التعليم، ولكن من المحتمل أن أحد أسرار القيادة لا يكمن في قائمة المهارات والقدرات الفطرية، أو مقدار الكاريزما الذي تمتلكه، أو هل تمتلك رؤية أو استراتيجية لتحقيق تلك الرؤية، بل يكمن فيما إذا كنت تمتلك القدرة على التعلم من أتباعك. ويكمن أسلوب التعلم هذا في نموذج القيادة القائم على العلاقات. أريد أن أشير أيضًا إلى أن مشكلة عدم التكافؤ من الأمور المهمة للقيادة. أي، عندما تكون العلاقة بين القائد وأتباعه غير متكافئة في كلا الاتجاهين — القادة الضعاف/غير المسئولين أو الأتباع الضعاف/غير المسئولين — فإنه على الأرجح لن يستمر نجاح المؤسسة طويلًا؛ لأن التقييم والتعلم سيكونان في أضعف صورهما. في الواقع، لا يعتبر التعلم حدثًا فرديًّا أو إدراكيًّا بل عملية جماعية وثقافية.

كما لمحت سابقًا، لا تعتبر مشكلة تعلم المرء القيادة من أتباعه فكرة جديدة، بل ظهرت في نماذج القيادة منذ الحقبة الكلاسيكية. في الأساطير الإغريقية على سبيل المثال، كالخاس بن ثيستور (كاهن أبوللو) كان عراف أجاممنون ملك مسيني، في حرب طروادة. كان أجاممنون مهتمًّا بضمان النجاح، فاستشار كالخاس؛ الطروادي. بعد ذلك زار كالخاس الكاهن في أديلفي وأعلن أن النصر لن يتحقق للإغريق إلا بخسارة كبيرة لأجاممنون: التضحية بابنته إيفيجينيا، وأن المهمة ستستغرق ١٠ سنوات، وأن النصر لن يتحقق حتى يحارب أخيل في صفوف الإغريق. كان على أجاممنون أن يثق بكلمات الطروادي — عدوه السابق — لأنه لم يكن واثقًا من المعلومات التي يقدمها له حلفاؤه الطبيعيون؛ الإغريق.
يتجاوز الأسلوب «الكالخاسي » أحد أخطر مظاهر الضعف في تعلم القيادة: استبدال المعارضة البناءة بالموافقة المدمرة. أعني بهذا أنه بسبب عدم وجود قادة يتمتعون بالمعرفة أو القوة ليقودوا بفعالية، يجب أن تكون القيادة شأنًا جماعيًّا. ولكن لأن القادة يتقدمون من خلال أنظمة هرمية مؤسسية، فإنهم يميلون إلى إحاطة أنفسهم بالمتملقين ؛ «الأشخاص الذين يقولون نعم على الدوام» الذين يعطون تقييمات مُرْضِيَة وليس تقييمات صادقة. على النقيض، يتطلب النجاح المؤسسي طويل المدى معارضين بنائين؛ أفرادًا قادرين وراغبين في إمداد القادة الرسميين بتقييمات غير سارة ولكنها ضرورية لتعليمهم كيفية القيادة. كانت مشكلة أجاممنون تكمن في أن الشخص غير الإغريقي فقط هو من يستطيع أن يفعل ذلك، وهذا يظهر المشكلة الرئيسية في تعلم القيادة، وهي أن التعلم يحتاج إلى هؤلاء الذين يرغبون في البقاء بعيدًا عن الأضواء متجنبين نماذج القيادة البطولية الفردية التي عشقها كارليل وأمثاله، ولكنهم في نفس الوقت يقومون بعمل يعتبر بطرق شتى «بطوليًّا» عن طريق إمداد القادة الرسميين بنصيحة معارضة، وعن طريق رفض الخنوع لسلطة القادة الرسميين، وعن طريق تقديم احتياجات المجتمع أو المؤسسة على احتياجاتهم؛ أسلوب قيادة يشبه إلى حد بعيد نموذج القيادة الذي استخدمه بعض الهنود الحمر .
fig13
شكل ٤-٣: الطريق إلى الحكمة. (© Piet Hein Grooks)1
لذا فإن القضية ليست «كيف يجب أن تجد المؤسسة القائد الذي لا يقع في الأخطاء»، بل ما نوع المؤسسة التي تنشئ إطار عمل داعمًا يمنع القادة من الوقوع في الأخطاء الكارثية، ويؤكد على تعلم المؤسسة من الأخطاء التي نقع فيها جميعًا. الأمر لا يتعلق ﺑ «من يجب أن يقودنا؟» بل ﺑ «ما نوع المؤسسة التي نرغب في بنائها؟» و«كيف يمكننا بناؤها؟» إن فرضية أن الفشل مكون هام من مكونات التعلم تتضمن أيضًا فكرة أن نطور القادة عن طريق وضعهم في مواقف عصيبة يكون فيها الإقدام على المخاطر ضرورة والوقوع في الخطأ ممكنًا والتعلم أمرًا أساسيًّا. أو كما يقول القول المأثور: «حسن التقدير يأتي من الخبرة والخبرة تأتي من سوء التقدير» (وهي عبارة تنسب إلى كثير من الناس، من بينهم مارك توين وفريدريك بي بروكس). إذن هل علينا أن نصمم المزيد من الفرص للخطأ خلال تعليم كيفية القيادة؟ ربما عرض بيت هين هذا المنهج في قصيدته ورسمه الكرتوني الرائعين في الشكل ٤-٣.

هوامش

(1) Reprinted with kind permission from Piet Hein a/s, DK-5500 Middelfart, Denmark.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١