الفصل الخامس

من هم القادة؟

(١) رجال بيض طوال القامة، وسيمو الطلعة، مميزون ومهيمنون على جماعاتهم

وفقًا للكاتب جلادويل فإن وارين هاردينج ، الرئيس التاسع والعشرين للولايات المتحدة الأمريكية، يشتهر أيضًا بأنه الرئيس الأسوأ في تاريخ الولايات المتحدة. فلم تحقق ثلاث سنوات من إدارته للبلاد إلا القليل، ويقول السيناتور ويليام جي ماكادو إن خطاب هاردينج التقليدي كان «حشدًا من العبارات الطنانة التي تفتقر إلى فكرة». بعد انتهاء فترة حكم هاردينج، كان واضحًا أن سجل الرجل لم يخلُ من الفضائح والفساد، إلا أنه طوال فترة حكمه حافظ على شعبيته. ويُرجع جلادويل هذا إلى ميل شائع نحو ربط الانطباع الأول الناتج عن الشكل والشخصية بالنجاح المحتمل. وبما أن هاردينج كان قائدًا وسيمًا يتمتع بطول مثالي، ومتحدثًا واثقًا من نفسه (وإن كان بلا معنى)، فقد ربط الناس عادة بينه وبين أشياء عظيمة بالطريقة نفسها التي نربط بها النجاح المؤسسي بالقادة، وغالبًا ما يكون ذلك بمجرد أدلة بسيطة أو بدون أدلة مطلقًا على أن هذا الربط له بالفعل أسبابه. في الحقيقة، هناك علاقات قوية بين الجسد وما يُعزى إليه من سمات. على سبيل المثال: توصل التحليل الذي قام به جلادويل للشركات الأفضل حسب تصنيف مجلة فورشن ٥٠٠ أن أغلب الرؤساء التنفيذيين لهذه الشركات كانوا من الرجال أصحاب البشرة البيضاء ومتوسط طولهم أقل قليلًا من ٦ أقدام (١٨٠سم). في الواقع، كان طول ٦٠٪ منهم ٦ أقدام تقريبًا أو أكثر، مقابل ١٥٪ فقط من باقي الذكور الأمريكيين البالغين. لذا هل يمكن أن نبدأ بافتراضنا أن أغلب القادة الغربيين هم رجال من أصحاب البشرة البيضاء طوال القامة ووسماء؟
ليس بالضرورة. فعلي الرغم من الاعتقاد الشائع بأن طول القامة يضفي اختلافًا مهمًّا على الطريقة التي ينظر بها إلى القادة (أي كلما زاد الطول، كان ذلك أفضل)، كان هناك الكثير من القادة قصار القامة. على سبيل المثال: بن جوريون ودنج شياو بينج كان طولهما يبلغ ٥ أقدام (١٫٥٢ متر)، وياسر عرفات والمهاتما غاندي وكيم جونج-إل والملك حسين ونيكيتا خروشوف وديمتري ميدفيديف كان طولهم حوالي ٥ أقدام و٣ بوصات (١٫٦ متر)، أما الملكة إليزابيث الثانية وفرانكو وهيلا سيلاسي وسيلفيو بيرلسكوني والإمبراطور هيروهيتو ونيكولا ساركوزي وستالين وتي إي لورنس وهوراشيو نيلسون فطولهم أقل من ٥ أقدام و٦ بوصات (١٫٦٦ متر). على الجانب الآخر، أظهرت الأبحاث الأمريكية دائمًا أن طوال القامة يكسبون أكثر مما يكسبه قصار القامة. ففي عام ٢٠٠٧، توصلت هذه الأبحاث إلى أن كل زيادة في الطول مقدارها ١ بوصة يقابلها زيادة في الدخل مقدارها ١٪، وأن الأشخاص من أصحاب البشرة الأفتح لونًا يكسبون أكثر من أصحاب البشرة الداكنة.

وعلي الرغم من هذا، دائمًا ما كان هناك قائدات ذوات شأن من النساء شققن هذا الطوق الذكوري. فعلى سبيل المثال: في وقت تأليف هذا الكتاب، كانت هناك ٢٣ سيدة يتولين منصب الرئيس من بين ١٩٢ دولة في الأمم المتحدة. وهناك ملكات حكمن مصر عام ٣٠٠٠ قبل الميلاد. لكن هذه عادة ما تمثل استثناءات تثبت قاعدة هيمنة الرجل عبر المكان والزمان.

إذن ما نوعية شخصية القادة الآن؟ يقترح تحليل كابلان نموذجًا أكثر شيوعًا وهو أن الرؤساء التنفيذيين ليسوا فقط رجالًا طوال القامة من أصحاب البشرة البيضاء والوجه الوسيم، لكنهم أيضًا كقادة للجماعات عادة ما يتسمون بالجرأة والكفاءة والمثابرة والتميز والعناد. لذا يمكننا الآن أن نغير الوصف الذي نصف به القائد إلى رجل أبيض طويل ووسيم ومهيمن على جماعته ومميز. إلا أن بيانات كابلان مستقاة من معلومات عن الرؤساء التنفيذيين لشركات خاصة … وهو عالم يبدو أنه يعاني كارثة مالية حاليًّا. وربما تفسر هذه النوعية من الشخصية، وذلك وفقًا لأندرو كلارك، ما قامت به شركة إيه آي جي أكبر شركة تأمين عالمية بعد خمسة أيام من قبولها لقرض عاجل من الحكومة الأمريكية قدره ٨٥ مليار دولار أمريكي لتجنب خطر الإفلاس (١٧ سبتمبر ٢٠٠٨) عندما أنفقت ٤٤٠٠٠٠ دولار أمريكي على عطلة لجميع موظفي الشركة لمدة أسبوع كامل في أحد أفضل المنتجعات على شواطئ كاليفورنيا. أو، كما قال هنري واكسمان رئيس لجنة الكونجرس الأمريكي للمراقبة والإصلاح الحكومي لريتشارد فالد الذي كان يشغل حينها منصب الرئيس التنفيذي لشركة ليمان براذرز، وذلك في ٨ أكتوبر ٢٠٠٨: «أعلنت شركتك إفلاسها واقتصادنا يمر بأزمة كارثية. ومع ذلك فستحتفظ بمبلغ ٤٨٠ مليون دولار. لدي سؤال محوري: هل هذا عدل؟» وفي اليوم التالي، مُنحت مؤسسة إيه آي جي مبلغًا إضافيًّا قدره ٣٧٫٨ مليار دولار من الحكومة الأمريكية؛ لا بد أن الحفل كان كبيرًا. في الحقيقة، لا بد أن الحفل ما يزال بلا قيود: ففي عام ١٩٩٩، ارتفع متوسط نسبة دخل الرئيس التنفيذي مقارنة بالموظف في المملكة المتحدة من ٤٧ إلى ١٢٨ ضعفًا، حيث كان بارت بيكت الرئيس التنفيذي لمؤسسة ريكيت بينكيزر يحتل قمة القائمة بنسبة قدرها ١٣٧٤ ضعفًا (فقد كان بيكت يتقاضى ٣٧ مليون جنيه استرليني عام ٢٠٠٨، بينما متوسط راتب الموظف في هذه المؤسسة العالمية التي مقرها مقاطعة سلاو البريطانية يبلغ ٢٦٧٠٠ جنيه استرليني وهو متوسط الدخل البريطاني). ليس معنى هذا أن بيكت كان وحده في هذه الفئة: فمتوسط ما كان يتقاضاه ٢٥ مديرًا يحتلون قمة قائمة مؤشر فوتسي البريطاني لأعلى ١٠٠ مدير عام ٢٠٠٧ / ٢٠٠٨ كان أكثر من ١٠ ملايين جنيه استرليني (كما ذكرت صحيفة ذي جارديان).

القضية الرئيسية هنا الآن لا تتعلق بالعدالة، إذا كان المقصود هو أن معاملة الأتباع على أنهم بشر — وليسوا من موارد المؤسسة — هو سبيل القيادة الناجحة. ومن الواضح أن تلك ليست هي الحال. هناك العديد من الأمثلة على النجاح الذي نتج عن سلوكيات بشعة وقسوة هائلة وعبودية، وبسبب الكثيرين من القادة الآخرين «الظالمين». ربما تكون للفكرة هنا وجهان؛ الأول: العدل يعد معيارًا ملائمًا فقط في حالة الحكم على القادة في سياقات ترتبط ثقافيًّا بمفهوم العدل. ففي أوقات الأزمات، كالحرب على سبيل المثال، يكون البقاء على قيد الحياة أكثر أهمية لأغلب الأتباع من العدالة. لكن عندما ضربت الأزمة المالية الأسواق العالمية في أكتوبر عام ٢٠٠٨، تحقق الافتراض السابق المتعلق بالأهمية الأعلى للنجاح المؤسسي مقارنة بالعدالة. وأحد أسباب تأخر تمرير الموافقة على حزم الإنقاذ للشركات في الكونجرس الأمريكي كان الاعتقاد أن هذه المساعدات غير عادلة، أي محاباة المصرفيين الذين يُزعم أنهم من سببوا هذه الأزمة على حساب الممولين الأمريكيين الذين يتوقع منهم إنقاذ هؤلاء المصرفيين من أخطاء اقترفوها هم أنفسهم. والثاني، بالعودة إلى الفصل الثاني: قد نقترح أن نوعية القيادة الناجعة تعتمد على: (١) ما يتطلبه الموقف، (٢) مدى ما قد يكون عليه هؤلاء القادة من إقناع عند وضع أطر لهذا الموقف، ثم إعادة صياغته مرة أخرى بالشكل الذي يجعله يتطلب ما ينادون به من إجراءات.

في العديد من الدول، عادة ما ترتبط العدالة بالتنوع، لكن في أغلب هذه الدول نفسها، غالبًا ما يتسم مستوى التنوع في المناصب العليا؛ بالتنوع. على سبيل المثال: في استفتاء أجرته صحيفة أوبزرفر في أكتوبر عام ٢٠٠٨ وأدرجت به أقوى ١٠٠ رجل أسود في المملكة المتحدة، بدا أن لجنة الاختيار قد تجنبت إجراءات الإدراج النمطية التي كانت ستملأ القائمة بنجوم الغناء السود والشخصيات الرياضية. بدلًا من ذلك، كان الاختيار قائمًا على «تأثيرهم» الذي عُرِّف بأنه: «القدرة على تبديل الأحداث وتغيير الحياة». كان على قمة قائمة الرجال د. مو إبراهيم ، رائد الأعمال الذي بذل الكثير من الجهد أكثر من أي شخص آخر لنشر الهاتف المحمول في أفريقيا. واحتلت قمة قائمة السيدات بارونة اسكتلندا التي أخبرها أحد مستشاري التوظيف في المدرسة أن العمل كمشرفة في متاجر سينسبري هو أقصي ما يمكن أن تطمح إليه. لكنها أصبحت أول امرأة سوداء في بريطانيا تعمل مستشارة للملكة، ثم أصبحت عام ٢٠٠٧ أول سيدة تشغل منصب المحامي العام. وكما أشار تريفور فيليبس ، رئيس لجنة المساواة وحقوق الإنسان، الذي يحتل المرتبة الخامسة في قائمة الرجال:

من المهم إظهار أنه يوجد أشخاص من أقليات يلعبون أدوارًا مهمة في الحياة العامة، وعلى استعداد لحمل بعض أعباء المجتمع بأسره، وليس فقط مصالح أقلياتهم … هناك نمطان: رجال سود غاضبون وسيدات سوداوات يعانين، في الحقيقة، وأغلبنا لا يندرج تحت أي من هذين النمطين. ولو كان بإمكان الناس التوقف عن التفكير فيمن يقابلونهم من أشخاص سود على أنهم يتبعون أيًّا من هذين النمطين، فربما يستطيعون النظر إلى ما هو أبعد من لونهم، لينظروا إلى الشخص بدلًا من التفكير فيه على أنه ينتمي إلى فئة بعينها. ويساعد هذا النوع من التدريب على القيام بهذا الأمر، إلى جانب أنه سيصنع فارقًا كبيرًا في حياة الكثير من الناس.

في الولايات المتحدة الأمريكية، وبوجود باراك أوباما حاليًّا في البيت الأبيض، كان الملونون يشكلون في عام ٢٠٠٨ حوالي ثلث أو ٣٤٪ من السكان. لكن نسبة الأمريكيين من أصول أفريقية أو لاتينية أو آسيوية أو هندية من كبار المسئولين الحكوميين الذين انتخبوا مثل أعضاء الكونجرس لا تتجاوز ١٥٪، ونسبة النساء لا تتجاوز ٢٤٪. ويختلف الوضع قليلًا في المؤسسات غير الربحية، حيث إن ٨٤٪ من هذه المؤسسات يقودها أشخاص من أصحاب البشرة البيضاء. وعلاوة على ذلك، فإن ٤٢٪ من المؤسسات غير الربحية لا تخدم سوى مجتمعات أصحاب البشرة البيضاء. ومن المعتاد أننا دُفعنا للاعتقاد أن المشكلة يمكن أن تفهم بشكل أفضل بالنظر إلى التاريخ. فبالطبع، قادة الغرب كانوا عادة من أصحاب البشرة البيضاء، لكن هذا يتغير الآن، وإن كان ببطء، وقريبًا سنشهد بزوغ تنوع أكبر بين صفوة التنفيذيين. لكن هذا يحتاج إلى شيء من الإثبات.
كشف البحث الذي أجرته كو-أوبريتيف أسيت مانجمنت عام ٢٠٠٩ أن ٣٪ فقط من بين ٣٥٠ شركة في مؤشر فوتسي لها رؤساء تنفيذيون من النساء (وأربع شركات فقط أو ما يعادل ١٫٣٪ هي التي بها رؤساء مجلس إدارة من النساء)، وأن ١٣٠ شركة ليس بها أي نساء في مجلس الإدارة. في الواقع، ٩٪ فقط من مقاعد عضوية مجلس الإدارة تشغلهن النساء، لكن ذلك لا يمكن أن يكون رغبة في سياسة تكافؤ الفرص حيث إن ٩٤٪ من هذه الشركات تتبع هذه السياسة بالفعل. في عام ٢٠٠٨ احتلت النساء أقل من ١٠٪ من مقاعد عضوية مجالس الإدارات في أفضل ٣٠٠ شركة في أوروبا، لكن أغلب التزايد المحدود الذي جرى على مدار الأعوام القليلة الماضية لا يمكن تفسيره وفق السياسات الثابتة للتنوع، بل — على سبيل المثال — من خلال المطالب التشريعية (من عام ٢٠٠٣) للمؤسسات النرويجية التي أصبحت ملزمة الآن وفق القانون بأن يكون لديها سيدة على الأقل في مجلس الإدارة في جميع شركاتها. في الواقع، النرويج تستهدف الآن نسبة تقدر ﺑ ٤٠٪ كحد أدنى في كل الشركات العامة المدرجة. وفي حين تقود الدول الاسكندنافية حركة المساواة بين الجنسين، لم تقطع بقية الدول الأوروبية شوطًا كبيرًا في هذا الأمر بعد.
في الولايات المتحدة الأمريكية ، تمثل النساء نصف عدد العاملين في المناصب المهنية والإدارية، لكن هناك نمطًا مألوفًا يتجاوز مسألة الإقرار العام بالمساواة، وهو أن النساء عادة ما يمثَّلن على نحو أفضل من الرجال في الجمعيات الخيرية والقطاع العام. لكن كلما نظرنا أعلى السلم الوظيفي، قل عدد النساء اللائي نراهن. على سبيل المثال: لا يوجد سوى ١٥ سيدة يشغلن منصب الرئيس التنفيذي ضمن أفضل ٥٠٠ شركة أمريكية حسب مجلة فورشن ٥٠٠.
بالطبع، قد لا تكون هناك علاقة كبيرة بين غياب تمثيل النساء في مجالس إدارات الشركات وبين التحيز الجنسي، بل قد تكون علاقة هذا أكبر بهذه الحقيقة المجردة: هناك ارتباط بين نسبة النساء في مجلس الإدارة والأداء المالي الأكثر ضعفًا للمؤسسة. وقد يكون هذا لأن الرجال محاسبون أفضل، مع أنني أشك في هذا، ومهما كثر عدد المحاسبين لدى مؤسسة ما (لدى المملكة المتحدة عدد من المحاسبين أكثر من أي منافس آخر رئيسي، والولايات المتحدة الأمريكية بها محامون أكثر)، فإنهم لم يستطيعوا إنقاذ العديد من الشركات من الأزمة المالية عام ٢٠٠٨. بدلًا من ذلك، يجب علينا التركيز على كلمة «ارتباط»، ونميز بينها وبين السببية، وذلك لأن اتجاه السبب حاسم في هذا الأمر، كما يوضح الشكل ٥-١.
fig14
شكل ٥-١: الأداء وعضوية النساء في مجالس الإدارات.1

ما يتضمنه هذا الشكل هو أن النساء يجري تعينهن فقط عندما تكون الظروف أكثر سوءًا من الظروف التي غالبًا ما تكون سائدة عند تعيين الرجال — وهو ما يعني أن مهمة النساء أكثر صعوبة وأننا يمكن أن ننشئ ارتباطًا بين الأداء الضعيف والنساء — لكن الأداء الضعيف هو السبب في تعيين النساء وليس العكس. بالفعل، فيما يتعلق بأداء الشركات بعد الاستعانة بالنساء، هناك اختلاف نسبي ضئيل بين الرجال والنساء في العديد من الدراسات، على الرغم من أن البعض يشير إلى وجود ارتباط إيجابي بين التنوع الجنسي والنجاح، على الأقل بشرط أن النساء اللائي يشغلن مناصب في مجالس الإدارات يكن على درجة عالية من الكفاءة، ويشير كويهان إلى أن قرونًا من الاستبعاد قد منحت النساء مجموعة مختلفة من الأسئلة التي نطرحها على قادتنا.

ما الذي يجب القيام به حيال غياب التنوع بين قادتنا؟ حسنًا، هذا يتوقف عليك. فإن كنت قائدًا رجلًا أبيض طويل القامة ووسيمًا ومميزًا ومهيمنًا على جماعتك ترغب في الحفاظ على هذه المكانة، فمن الواضح أن الأمر لا يحتاج إلى أي شيء. لكن إن كنت تعتقد أن هناك حاجة لتغيير ما، فما زال الأمر يتوقف على مصدر هذه المشكلة من وجهة نظرك. يوضح الشكل ٥-٢ النموذج الذي وضعه ألفنسون وبيلينج الذي يتناول مسألة عدم التوازن بين الجنسين. يمثل المربع ١ هؤلاء الذين يفترضون أن الجنسين متماثلان وأنه يجب القيام بأمر ما لأسباب أخلاقية. وهذا عادة ما يقود إلى منهج تشريعي مثل الذي انتهجته الحكومة النرويجية السابق ذكره. المربع ٢ يتبع نفس الخط الأخلاقي لكنه يرى أن الجنسين مختلفان اختلافًا أساسيًّا، ومن ثم لا يمكن لأي تغيير تشريعي أن يصنع أي فارق. الحل الواقعي الوحيد هنا هو أن تنشئ النساء مؤسسات بديلة، والحقيقة أن نسبة المشروعات الجديدة التي تنشئها السيدات يبدو أنها في تزايد، حيث إن بعض النساء تعتبر العائق العنصري غير المعترف به في المؤسسات التقليدية التي يسيطر عليها الرجال بمنزلة حاجز لا يمكن اختراقه. يتعامل المربع ٣ مع الجنسين على أنهما متشابهان في الأساس، لكنه يتبع منهج الكفاءة لا منهجًا أخلاقيًّا، ويبرهن على أن ذلك يضع أسس منهج يحترم الكفاءة لتفادي «ضياع» مواهب النساء. وأخيرًا، يُعنى المربع ٤ بالكفاءة، ولكنه يفترض أن الجنسين مختلفان ويركز على الطريقة التي يمكن أن تقدم بها النساء «إسهامات» خاصة للمؤسسات.
fig15
شكل ٥-٢: النوع: السبب والنتيجة.2

الآن الفكرة هنا هي إدراك العلاقة بين الشرح والوصف، حيث إن هذا يوضح سبب اقتراح العديد من الاستراتيجيات للقيام بالتغيير، وإن فشلت هذه الاستراتيجيات فإنه يوضح أيضًا السبب وراء محاولة المعارضين للاستراتيجية إعادة وضع المشكلة في تصنيف مغاير. في الواقع، لا نتوقع أن يكون هناك اختلاف كبير بين الرجال والنساء؛ ذلك لأن الجنسين ليسا مختلفين على نحو ملحوظ في المقاييس العامة للذكاء أو في السمات الشخصية، وإن كان هناك شيء يُذكر فهو أن النساء في غرب أوروبا وأمريكا الشمالية غالبًا ما يَكُنَّ أكثر كفاءة من أقرانهن من الرجال. ويبدو أن العناصر الأهم لتفسير النجاح المتفاوت هي في الحقيقة: الخصائص المعتادة للمسئوليات المنزلية المختلفة، والتمييز العنصري، والافتراضات المعتمدة على النوع، وشبكات العمل الأقوى للرجال التي تضمن فرصًا أقوى للوصول إلى مناصب أكثر تحديًا وإثارة ووظائف أفضل. في الحقيقة، يُتوقع من النساء (اللائي عادة ما يكون لديهن شبكات علاقات اجتماعية أقوى من الرجال) أن يكنَّ قادة أكثر رحمة من الرجال، وعندما يكنَّ كذلك يُنظر إلى هذا السلوك على أنه أقل قوة من القيادة المتوقعة من الرجال الأكثر جرأة. بالطبع، تتبع بعض السيدات من القادة نمطًا أشد جرأة، إلا أن مثل هذه الأفعال عادة ما ينظر إليها على أنها «غير ملائمة». على أي حال، فإن الظروف تقف حائلًا دون نجاح المرأة القائد.

بالطبع، يمنح هذا المزيد من الذرائع لتلك اللحظات التي يقال فيها «لقد أخبرتك بذلك»، وذلك لأننا نميل إلى اتخاذ قرارات فورية بشأن القادة أو بشأن استراتيجياتهم، ومن ثم إن دعمناهم ثم حققوا نجاحًا، نقول إننا كنا نعرف أنهم سينجحون. وإن فشلوا، حسنًا؛ لا بد أن الموقف قد تغير، أو ربما أضعف شخص ما من مكانتهم أو أي عذر آخر. هذا ليس بجديد. وهناك بالفعل العديد من الأدلة التي تشير إلى أن الاستجابات الفورية تجاه القادة (سلبية كانت أم إيجابية) شائعة جدًّا. كان اختيار الضباط للالتحاق بالجيش الأمريكي في الحرب العالمية الأولى يقوم على أنماط متشابهة: المتقدمون الذين يُنظر إليهم على أنهم يتمتعون بسمات جذابة — سواء فيما يتعلق بتنويعات فكرة «الرجل الأبيض طويل القامة والوسيم والمميز والمهيمن على جماعته» أو فقط «صاحب الشخصية الجذابة» — اعتُبروا أكثر ذكاءً وشجاعة وجرأة (وهي سمة مناسبة للحرب). أو كما عبر إدوارد لي ثورندايك ، فقد نشأ على الفور «تأثير الهالة » (أو «تأثير الشر » للمجندين الأقل جاذبية)، وهذا شوَّه افتراضات الناس عن شخصياتهم وإمكانياتهم بأكملها.
قد ننعم النظر لنرى أين يمكن أن يتواءم نموذج الكفاءة في هذا الإطار. تُشَكَّلُ العديد من نماذج الكفاءة بناءً على تحليل كفاءات القادة الحاليين. ثم يُرَكّز في قائمة يمكن إدارتها، ومن ثم تُشَكَّلُ وسائل التعيين وفق أطر الكفاءات المطلوبة. لكن يجب ملاحظة ما يفعله ذلك: فهذه الطريقة تأخذ مجموعة من القادة الحاليين وتنسب نجاحهم للكفاءات التي يُزعم أنها ضرورية لتحقيق النجاح. وبالنسبة لمن يشعر بأن النقاش هنا يدور في حلقة مفرغة، لديكم الحق في الشعور بذلك. فما نحن بحاجة إلى القيام به بالفعل هو مقارنة مجموعات من القادة الناجحين والفاشلين أو بين القادة والأتباع ثم نرى ما الذي يتميز به القادة (الناجحون) ثم نحاول أن نصل إلى العلاقات السببية التي أدت إلى هذا النجاح. وبخلاف ذلك، لا نعرف إن كان ما لدينا هو علاقة أم سبب. ربما يكون، كما رأينا بالفعل، مسألة كون المرء رجلًا أبيض طويل القامة ووسيمًا ومميزًا ومهيمنًا على جماعته أمر يرتبط بالمؤسسات الناجحة، وربما يكون ذلك متطلبًا أساسيًّا للمؤسسات الناجحة، ومع ذلك قد يكون الأمر ببساطة هو أن المؤسسات الناجحة هي التي تعين رجالًا بيضًا طوال القامة ووسماء ومميزين ومهيمنين على جماعاتهم. لذا، إن لم يكن بإمكاننا التأكد من أن الإطار الحالي للكفاءة هو بالفعل السبب في تحقيق النجاح (أو الفشل)، يجب أن نشعر بالقلق الشديد من السير في المسار.
لن يمثل هذا الكثير من الأهمية إن كان لدينا قيادة متنوعة جدًّا تعكس السكان — وهذا سيعني بكل بساطة أن المؤسسات المتنوعة ستظل على نفس تحيزها ومن ثم يستمر التنوع — ولكن ليس التغيير. ومع ذلك، وبما أن المؤسسات عادة ما يقودها نماذج الرجال البيض طوال القامة والوسماء والمميزين والمهيمنين على جماعاتهم، فبإمكاننا التطلع لرؤية المزيد من هذه النماذج في جيل القادة القادم. هل هذه حالة اختيار حسب رؤيتك الشخصية، أم أن هناك سببًا آخر؟

(٢) نظرية الهوية الاجتماعية

إن وضعنا في الاعتبار فائدة نظرية الهوية الاجتماعية، فقد نأخذ لمحة عن تفسير بديل. يقترح هذا المنهج أننا نميل إلى تصنيف البشر في فئات إما أنهم مفضلون؛ لأنهم يدعمون هويتنا، أو غير مفضلين؛ لأنهم مختلفون عنا. وعملية تحديد الهوية هذه تكون معنية بالفرد أو بالجماعة على حد سواء. لذا، وفي ظل ظروف محددة، ننظر إلى الأفراد على اعتبار أنهم يمثلون جماعات، وليس باعتبارهم شخصيات متفردة. بالطبع لا يوجد هوية شخصية — ضمير المتكلم «أنا» — بمعزل عن الهوية الاجتماعية، أي ضمير المتكلم «نحن». وبعد أن يتم التصنيف، تقترح النظرية أننا نحدد الاختلافات في داخل الجماعة (نحن) على أنها أقل من تلك الاختلافات داخل الجماعة (نحن) وخارجها (هم). علاوة على ذلك، فإن معايير وأنماط الجماعة من الداخل (التي تحظى بتفضيل عام) تؤدي إلى إجراء مقارنات محددة لضمان التحسن الذاتي. على سبيل المثال: الفتيات الصغيرات اللائي يعشن في بيت رعاية تديره الحكومة من المرجح ألا ينظرن إلى عارضات الأزياء الشهيرات على أساس أنهن أفضل منهن، لكن على أساس أنهن غير قادرات على البقاء في مثل هذه البيئة القاسية، ومن ثم ينتج عن هذه المقارنة تحسن ذاتي للهوية الاجتماعية لهؤلاء الفتيات.

بالإضافة إلى ما سبق، تنتج هذه العملية بأكملها «أنماطًا متكررة» تحاكي الهوية الاجتماعية للجماعة «وتُخرج أعضاءها من الإطار الشخصي» إلى الإطار العام، بحيث يبدون متشابهين إلى درجة يصبحون معها قادرين على أن يحل بعضهم محل بعض: نتوقع أن نتفق جميعًا في المسائل المتعلقة بالجماعة، ونميل إلى دعم ما يظهر من أنماط الجماعة، ونعلي مصلحة الجماعة على مصالحنا. في الحقيقة، «نحن» ننظر إلى أنفسنا على أننا متشابهون وسواسية في سماتنا الإيجابية ونتعامل «معهم» على أنهم متطابقون في الأساس برؤيتنا السلبية عنهم. ويفيد ذلك في تقليل أي شعور بعدم اليقين نشعر به تجاه أنفسنا، ووضعنا، وسلوكنا المحتمل، كما يحدث نفس الشيء للآخرين؛ أي «هم».

مثل هذه النماذج المعيارية نادرًا ما تكون واضحة بدرجة تجعلنا نتوقع من الآخرين أن يكونوا قادرين على تدوينها في قائمة متفق عليها؛ في الواقع هي تتغير على الأرجح بتغير الزمان والمكان ومع تغير السياق، وتزيد أهميتها بزيادة أهمية أعضاء الجماعة، وغالبًا ما يكون هذا استجابة لتهديد خارجي. وتبعات القيادة هي أن أعضاء الجماعات الذين يكونون أقرب ما يمكن إلى النمط النموذجي للجماعة من المرجح أن يكون لهم التأثير الأكبر، أي يصبحون هم القادة ويظلون هكذا، ما دامت الظروف كما هي دون تغيير. وبما أن هذا التأثير يرجع إلى فكرة الأنماط وليس إلى الأفراد (على الرغم من أن الأمر يبدو على خلاف ذلك لأعضاء الجماعة)، فإن هذا يتضمن مسألة أن تغير الظروف يُنتج أنماطًا مختلفة، وهو ما يفسر لم يفقد من يمثلون أيقونات نمطية تأثيرهم فجأة. على سبيل المثال: كان الكثيرون من البريطانيين في الثلاثينيات من القرن الماضي ينظرون إلى تشرشل على أنه منشق عدواني وخطير، لكنه يجسد وببراعة الشخصية النمطية التي يؤمن بها البريطانيون حال تعرضهم لتهديد ما — أي شخص عنيد بلا مشاعر في مواجهة خطر عظيم — ومن ثم ازدادت شعبيته كرئيس للوزراء إلى أقصى حد. لكن، بمجرد انتهاء الحرب، نُظِرَ إلى شخصيته — التي لم تتغير — على أنها غير مناسبة على الإطلاق لمتطلبات فترة ما بعد الحرب. وبناءً على هذا فقد كان الظرف يحتاج إلى شخصية أكثر قبولًا وقدرة على الاحتواء، وهو ما جعل من كليمنت أتلي القائد النموذجي المطلوب.
النمطية، بناء على ما سبق، تعتمد على ثبات السياق، وذلك على الرغم مما سبق وشرحناه في الفصل الثاني من أن تأطير أو إعادة تأطير موقف ما هو جزء من ذخيرة أي قائد. ومع ذلك، فهناك العديد من الأساليب التي يستخدمها القادة لإطالة أمد سيطرتهم وهو ما يدعم النموذج النمطي:
  • التأكيد على النمط الحالي، أن يكون القائد أشبه بواحد «منا» بدلًا من أن يجسد بعض سمات «السيادة» أو ظهوره على أنه واحد «منهم».

  • البحث عن المنحرفين عن الجماعة ومهاجمتهم؛ هذه هي المرحلة التي تعاد فيها صياغة الانشقاق — سواء أكان بناء أو غير ذلك — على أنه «خيانة».

  • إضفاء سمات الشر على من هم خارج الجماعة لجذب الاهتمام بعيدًا عن المشكلات الداخلية.

  • الدفاع عن الجماعة، وإظهار تفضيل أعضاء الجماعة وليس المساواة بين الجماعات المختلفة.

لذا من المرجح أن يكون القائد تمثيلًا لنمط الجماعة المستقلة:
  • الشخص الأكثر تمثيلًا للهوية الاجتماعية التي تتشاركها الجماعة.

  • الشخص الذي يمثل ما يتشاركه أعضاء الجماعة، أقصى حدود التشابه داخل الجماعة؛ كما يمثل ما يجعلهم مختلفين عن الجماعات الأخرى، أقصى اختلاف بين الجماعات.

  • الشخص الذي يجعلنا مختلفين «عنهم»، بل أفضل «منهم».

إن الاحتجاجات التي حدثت في إيران في يونيو عام ٢٠٠٩ وتلك التي حدثت في مقاطعة شينجيانج في الصين في يوليو من العام نفسه مثالان جيدان على الكيفية التي يجعل بها هذا المنهج معنى للقرارات التي يتخذها القادة قسرًا. وهذا يوضح أيضًا لم يسود «تفكير القطيع» (ميل الجماعات إلى كبت المعارضة الداخلية) بين الجماعات التي تتعرض لضغوط، ولماذا تجد الأقليات والأشخاص والجماعات غير النمطية أنه من العسير جدًّا الوصول إلى مناصب القيادة في المؤسسات أو المنشآت الراسخة.

لا يعني هذا أن تحقيق ذلك مستحيل، لكنه يعني أنه صعب جدًّا. في الحقيقة، عندما تحدث أزمة ما، فعادة ما يقوى موقف القائد النمطي. على سبيل المثال: تعرض منصب جوردون براون رئيس وزراء بريطانيا لخطر شديد في صيف عام ٢٠٠٨ عندما كان يناضل لتقديم رؤية مغايرة لحزب العمال في الفترة التي تلت رئاسة بلير. لكن بمجرد أن اندلعت الأزمة المالية في خريف نفس العام، تخلى الجميع عن أي فكرة للإطاحة به حيث توحد الحزب بأكمله وسعى لحماية الشخص ذي الشخصية النمطية النموذجية المثلى في ظل الأزمة المالية، وهو الوجه الصارم الجاد والمسئول لوزير الخزانة السابق جوردون براون . لكن المثير للسخرية أنه بعد تسعة أشهر، عندما واجه رئيس الوزراء البريطاني نفسه مرة أخرى عصيانًا كبيرًا عندما انتشرت في البرلمان فضيحة المصروفات، فشل في التعامل على أنه «الخبير الذي لا يشق له غبار في الماليات»، وهذا سمح بانتشار فكرة التضحية بكبش فداء عندما يظهر الشك ونبحث عن حل من خلال تركيز اللوم على القائد بمفرده، جوردون براون.

إلا أن نجاح القادة النمطيين لا يعتمد فقط على إقناعنا ﺑ «أننا» مختلفون عن الآخرين وأفضل «منهم»، بل أيضًا على «إقناعي» و«إقناعك» لنصبح «معًا». ولحسن حظ القادة، فإن هذا ليس بالأمر العسير لأنه لا يعتمد على التحليل العقلاني «للحقائق»، بل على الاستجابات العاطفية التي غالبًا ما تكون لا واعية. في الحقيقة، كل ما يحتاجه الأمر هو ما عبر عنه بندكت أندرسون بعبارة «وثبة الخيال». وما عناه بهذا هو أنه بما أننا لن نعرف أبدًا إن كان الآخرون «يشبهوننا» بالفعل أم «يشبهونهم»، فكل ما علينا ببساطة هو تخيل أن الحالة الراهنة هي إحدى هاتين الحالتين. ومن ثم، لم يكن من المهم إن كان الجنود على كلا جانبي الخنادق في الحرب العالمية الأولى تجمعهم أشياء أكثر من الأشياء التي تجمع بينهم وبين قادتهم فيما يتعلق بطبيعة حياتهم ودخلهم المادي وعاداتهم وما إلى ذلك. بل كان الأمر المهم هو «أنهم» يختلفون عنا بوضوح، وهو ما يجمع «بينك» و«بيني» لنصبح «صفًّا واحدًا» يرغب في «قتالهم».

يمكننا أن نرى ذلك عمليًّا في تشكيل الهوية الإنجليزية والفرنسية، حيث إن هناك أرضية واحدة توحي بأنه إلى أن نشبت الحرب بين الجيش الثوري الفرنسي تحت قيادة نابليون والإنجليزي تحت قيادة ويلنجتون ، ربما كان أغلب الناس في بريطانيا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم إنجليز أو اسكتلنديون أو ويلزيون أو أيرلنديون، لا بريطانيين. وبالمثل، ربما اعتبر «الفرنسيون» أنفسهم على أنهم من أبناء بريتانيا أو نورماندي أو أي منطقة ينحدرون منها، لا فرنسيين (بالفعل، أغلب الناس في فرنسا في هذا الوقت لم يكونوا يتحدثون الفرنسية بل يتحدثون لغة محلية). ومع ذلك، فقد ألقت الحرب بهاتين الأمتين إحداهما في مواجهة الأخرى، ودفع هذا الصدام بكل من نابليون وويلنجتون إلى مناصب القيادة ليس فقط كجنرالات بل كنماذج تمثل أنماط أممهم «الجديدة». لهذا، يمكننا أن نقرأ أدب هذا الوقت على أنه يشكل قائدين نمطيين أحدهما في مواجهة الآخر ويمثلان أمتيهما. ولا يمكن النظر إلى نابليون وويلنجتون على أنهما فردان لهما نفس الوظيفة، بل على أنهما تعبير عن جنسيتين متعارضتين تمامًا، قد تشكلتا في أتون المعركة. وتبين قوائم الكلمات المعبرة عن الشخصية المذكورة فيما يلي كيف أن هذين الشخصين وهاتين الدولتين قد أصبحوا يوصفون بصفات تناقض تمامًا صفات الطرف الآخر.
لنعد إلى بداية هذا الفصل حتى نختتمه. بدأنا بالحديث عن وارن هاردينج على أنه قائد شهير وإن كان غير مؤثر وعن دور الانطباعات الأولى التي تُنتج هالة تؤثر في حيادية رؤيتنا للقادة. وهذا ينطوي على أننا بحاجة إلى الحرص الشديد فيما يتعلق بمسألة القيادة الدقيقة. وبهذا أعني أننا قد نؤكد بشكل كبير على الجوانب العقلانية للقيادة — الرؤية والسياسات والخبرات التي يقدمها القادة — ولن نركز بالقدر الكافي على الجوانب العاطفية للقيادة؛ الطريقة التي يفسر بها الناس الأفعال البسيطة جدًّا والأقوال والنظرات ولغة الجسد وما إلى ذلك. بالطبع، هناك مجموعة كبيرة من الكتابات التي تناولت الذكاء العاطفي — وهناك تعريفات عدة ومختلفة لهذا المصطلح — لكننا يجب أن ندرك أن الأشخاص أصحاب مستوى الذكاء العاطفي المرتفع ليسوا أرقى أخلاقيًّا من أصحاب مستوى الذكاء العاطفي المنخفض. كان هتلر — على سبيل المثال — فعالًا على نحو استثنائي في التلاعب بعواطف الناس، لكن هذا لا يجعله أخلاقيًّا بشكل موضوعي. علاوة على ذلك، يجب علينا أن نحد من أهمية العواطف لأنها محفز شديد القوة، وهذا في النهاية هو السبب في العيش وفق نظام قانوني وليس وفق هوى طاغية يقف ذكاؤه العاطفي عائقًا أمام كل من يعارضه. مع ذلك فإننا نعشق القادة الذين يتذكرون أسماءنا والذين لا يختلفون عنا أكثر من حبنا للقادة الذين لا يتنازلون أبدًا ليلقوا التحية علينا، لكن لديهم سياسات بارعة للتعامل مع عالم شديد التعقيد ولا نجرؤ حتى على التظاهر بأننا نفهم تلك السياسات. حقًّا، إنهم لا «يشبهوننا على الإطلاق، بل «يشبهونهم» أكثر.
ويلنجتون نابليون
شخصي عام
عنيد واسع الخيال
قادر على التخطيط والتنفيذ صاحب استراتيجية
سيد كريم الأصل محدث نعمة
مجتهد في العمل موهوب
الحرية المساواة
الاستقرار الاضطراب
الحذر المخاطرة
القوات «حثالة» القوات «عائلة»
عملي مركزي
كاتب حسابات شهاب مندفع

هوامش

(1) Reconstructed from Ryan and Haslam, “The Glass Cliff”, British Journal of Management, 16(2) (2005).
(2) Reconstructed from Alvesson and Billing, Understanding Gender and Organizations (London: Sage, 1997).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١