الفصل السابع

ماذا عن الأتباع؟

إن الكلمة الإنجليزية Follower بمعنى تابع مشتقة من الكلمة الإنجليزية القديمة Folgian والكلمة الاسكندنافية القديمة Fylgja، التي تعني يصاحب، أو يساعد، أو، للمفارقة، يقود. والمعاني الثلاثة الأولى التالية للكلمة إيجابية نسبيًّا:
  • (١)

    شخص عادي يتقبل قيادة شخص آخر له.

  • (٢)

    شخص يسافر وراء آخر أو يتبعه.

  • (٣)

    الشخص الذي يتبع، المتعقب، المصاحب، الحواري، المرافق التابع، الداعم.

مع ذلك، تتضح الصورة السلبية ﻟ «التابع» بشكل أوضح في التعريفات التالية:
  • (٤)

    شخص أو نظام يعوض افتقاد التمرس أو الغباء الطبيعي عن طريق الاتباع الفعال لبعض الإجراءات البسيطة التي اتضحت فعاليتها في الماضي.

  • (٥)

    عشيقة، مومس.

  • (٦)

    (المحرك البخاري) الحافة البارزة القابلة للخلع في المكبس.

  • (٧)

    جزء من آلة يستقبل الحركة من جزء آخر.

  • (٨)
    اللغة الاسكتلندية: اللقب الذي ينتهي بالمقطع “agh” أو “augh” = «تابع ﻟ» — Cavanagh = «تابع كيفين».
إن قراء الكاتب البريطاني هاري إنفيلد الذين يعرفون شخصيته الساخرة كيفين — وهو مراهق يمثل كابوسًا من التجهم وعدم المسئولية — سوف يلاحظون تحجيم دور التابع في ضوء «القائد» الأعلى منزلة. وبالطبع، عند حصر السمات المطلوبة من القادة الرسميين، من المعتاد لفصل دراسي أن يفكر في أي عدد من السمات : الكاريزما، الطاقة، الرؤية، الثقة، التسامح، مهارات التواصل، «الحضور»، القدرة على القيام بمهام متعددة، مهارات الإنصات، الحسم، بناء الفريق، «التميز»، المهارات الاستراتيجية، وما إلى ذلك. ليس هناك قائمتان لسمات القائد يقدمهما طلاب القيادة أو القادة تبدوان متطابقتين أبدًا، وليس هناك إجماع حول السمات أو الصفات أو الكفاءات؛ أيها تعد ضرورية وأيها غير ضروري. في الواقع، الجانب الأكثر إثارة في تحديد القائمة هو أنها في الوقت الذي تكتمل فيه فإن الوصف المقبول الوحيد لصاحب هذه المهارات هو «الرب». وبصرف النظر عما إذا كانت هذه السمات متناقضة أم لا، فمن المستحيل عادة على أي شخص أن يذكر قادة يتسمون بكل هذه الصفات، على الأقل بأي درجة مؤثرة؛ مع أنه من الواضح أن هذه السمات ضرورية من أجل نجاح المؤسسة. ومن ثم فإننا أمام مفارقة: القادة الذين يمتلكون كل هذه السمات — القادة الكاملون — ليس لهم وجود، ولكن يبدو أننا في حاجة إليهم. وبالطبع تظهر الشكاوى من القادة أو المطالبات بمزيد من القيادة أو بتحسينها على نحو منتظم حتى إنه يمكن للفرد أن يفترض أنه كان هناك وقت كان فيه القادة الجيدون في كل مكان. وللأسف، التجول بين أروقة ماضي القيادة يكشف عدم وجود ماض مشرق، ولكن بالأحرى توق شديد إلى مثل هذه الحقبة. إن الأساطير الحديثة مثل «أسطورة القيادة» — الحقبة التي كان فيها القادة الأبطال موجودين ويحلون كل مشكلاتنا — ليست وهمية فحسب، بل تأتي بنتائج عكسية دون شك؛ لأنها ترسم نموذجًا للقيادة لا يمكن للقلة القليلة، إن وُجدت من الأساس، أن تضاهيه، ومن ثم فإنها تكبح تطور القيادة بكل ما فيها من مثالب. ولا ينبغي أن نعجب إذن — على سبيل المثال — من رؤية إعادة نشر إعلانات الوظائف الخالية التي تبحث عن مديرين للمدارس عندما تكون احتمالات النجاح خارجة عن سيطرة الأفراد أو التي تحدد بوضوح صفات لا تنطبق إلا على الرجل الخارق أو المرأة الخارقة، بحيث إنه فقط يتقدم للوظيفة من يستطيعون السير على الماء، والمثل الروماني القديم: «ليس هناك شخص معصوم من الخطأ» ليس موجهًا لمثل هؤلاء القادة.
إن الحل التقليدي لهذا النوع من مشكلات التعيين، أو الضعف المدرك لدى المديرين التنفيذيين المعاصرين أو مديري الخدمات العامة أو المؤسسات غير الهادفة للربح، هو المطالبة بمعايير تعيين أفضل لكي يُستبعد «الضعفاء»، ويُترك «الأقوياء» ينقذون الموقف. ولكن هذا الحل يعيد إنتاج المشكلة ولا يحلها. وثمة منهج بديل يقضي بالبدء من الوضع الذي نحن فيه، وليس من الوضع الذي نرغب أن نكون فيه: باعتبار كل القادة — لأنهم بشر — أفرادًا يعانون نقصًا، وليس بالنظر إلى كل القادة على أنهم تجسيد لما نحب نحن — الأتباع الفانين ذوي العيوب — أن يكون فيهم؛ الكمال. إن المنهج الأول يشبه «الفيل الأبيض » بمعناه المعجمي وله معنيان هما: وحش خرافي معبود، وهدف غالٍ وطائش. وبالفعل، في التاريخ التايلاندي، يقدم الملك فيلًا أبيضَ للنبيل الأقل تفضيلًا لديه؛ لأن المتطلبات الغذائية والدينية للفيل سوف تتلف النبيل.
إن الفيل الأبيض أيضًا تعبير عن منهج أفلاطون في القيادة؛ فمن وجهة نظره، كان السؤال الأهم هو: «من يجب أن يقودنا؟» بالطبع كانت الإجابة هي: الأكثر حكمة فينا؛ الشخص الذي يمتلك أكبر قدر من المعرفة ومهارة وقوة وموارد من كل نوع. إن هذا المنهج يعكس معايير بحثنا الحالية عن القادة المعصومين ويقودنا بحق نحو اختيار الشخصيات ذات الكاريزما، والأكثر تأثيرًا، والشخصيات التي سيستبدل سحرها الجذاب، ورؤيتها الذكية، وقوتها الشخصية كل الفاشلين التافهين البائسين الذين عيناهم من قبل في هذا المنصب، مع أننا بشكل غريب للغاية نستخدم نفس معايير الاختيار. وما لم يكن القادة الجدد ملوكًا وفلاسفة أفلاطونيين بالفعل ويملكون حكمة استثنائية، فسوف يفشلون بالتأكيد عاجلًا أم آجلًا، وحينها ستحدث الفوضى من جديد، وتأتي على الأرجح بنفس النتيجة.
fig18
شكل ٧-١: الفيل الأبيض. (© Mireille Vautier/Alamy)
بالطبع، من وجهة نظر أفلاطون ، كان من المرجح أكثر أن القادة رجال: فرغم كل شيء، لم تكن النساء الإغريقيات مواطنات حتى في بلدهن، بالرغم من أن أفلاطون اعترف بالفعل بأنه كان ممكنًا نظريًّا أن تمتلك إحدى النساء كل المتطلبات الطبيعية للقيادة. ومنذ زمن أفلاطون، تغيرت الافتراضات حيال دور نوع الجنس في القيادة تغيرًا كبيرًا، برغم أنه قد ثبت أن ظهور النساء كقائدات محدود للغاية وثابت على نحو ملحوظ (انظر الفصل ٥).
ثمة منهج آخر بديل يتمثل في البدء بنقاط الضعف المتأصلة لدى القادة والعمل على منعها وكبحها، بدلًا من افتراض أنها لن تحدث. ووضع كارل بوبر أساسًا راسخًا لهذا في مبادئه، تمامًا مثلما يمكننا أن ندحض النظريات العلمية بدلًا من إثباتها، لذا ينبغي أن نتبنى آليات تكبح القادة بدلًا من تسليم أنفسنا لهم. فمن وجهة نظر بوبر، كانت الديمقراطية آلية مؤسسية لعدم انتقاء القادة بدلًا من كونها ميزة في حد ذاتها، وحتى على الرغم من وجود أنظمة ديمقراطية قليلة قيمة تعمل داخل مؤسسات غير سياسية، فإنه يمكن تكرار نفس العمليات في أي مكان آخر. ومن ناحية أخرى، وعلى الرغم من أن القادة المعصومين هم نتاج خيالي لعقول الأتباع غير المسئولين والخيال الخصب للأشخاص المثاليين الذين يختارون الموظفين، فعندما يشكك الأتباع في توجهات قائدهم أو مهارته، فإن هؤلاء المتمردين عادة ما يُستعاض عنهم بأتباع «أكثر توافقًا مع استراتيجية التفكير الحالية»، الذين يُعْرَف عنهم أيضًا «الموافقة الدائمة». وبعد ذلك، يتحول هؤلاء الأتباع إلى أتباع غير مسئولين عادة ما تكون نصيحتهم لقائدهم مقصورة على الموافقة الهدامة؛ فربما يعلمون أن قائدهم مخطئ، ولكن لديهم كل الأسباب التي تجعلهم لا يقولون ذلك، ومن ثم فإنهم يوافقون على تدمير قائدهم وربما مؤسستهم أيضًا.
مع ذلك، أشارت تحذيرات بوبر حيال القادة إلى أنه من مسئوليات الأتباع منع أخطاء القادة وأن يظلوا كالمتمردين البنائين يساعدون المؤسسة على تحقيق أهدافها وعدم السماح لأي قائد بتقويضها. وهكذا فإن المنشقين البنائين ينسبون مبدأ الجهل الخاص بسقراط إلى قادتهم بدلًا من أن ينسبوا لهم مبدأ المعرفة الأفلاطونية؛ فهم يعرفون أنه لا أحد معصوم ويتصرفون وفق ذلك.
بالطبع، من أجل نجاح ذلك الأمر، ينبغي أن يظل الأتباع ملتزمين بأهداف المجتمع أو المؤسسة (وبالطبع عادة ما يكون هناك أسباب جيدة لعدم الالتزام نحو مؤسسة لا تملك التزامًا متبادلًا نحوك) وفي الوقت ذاته يحتفظون بروح الاستقلال عن نزوات قادتهم. إن هذا الخليط المتناقض من الالتزام والاستقلال يمثل التربة الأخصب لإنبات الأتباع المسئولين. ويوضح الشكل ٧-٢ التركيبات الممكنة لهذا الخليط من الالتزام والاستقلال. ومرة أخرى، هذا المخطط من أجل التوضيح فقط ويمثل سلسلة من «النماذج المثالية» الخاصة بويبر التي ليست «مثالية» بأي معنى قياسي ولا «نمطية» بأي معنى عام. بل على العكس، هذه الأنواع إنما هي موجودة لأغراض تجريبية، ومصممة لتشير إلى العواقب القصوى للمواقف النظرية المتناقضة وتركز عليها.
fig19
شكل ٧-٢: القيادة والتبعية والالتزام والاستقلال.
على الرغم من هذه التحفظات فإن المربع ١ — التسلسل الهرمي — يتضمن على الأرجح أكثر الصور النموذجية للعلاقة بين القادة والأتباع، حيث يعمل التسلسل الهرمي تحت قائد يعتبر أعلى منزلة عن أتباعه بقوة السمات «الشخصية» المساعدة من الذكاء والرؤية والكاريزما وما شابه ذلك، ومن ثم فإنه يكون مسئولًا عن حل جميع مشكلات المؤسسة. ومثل هذه الطموحات الاستبدادية يظهر صداها في اسم القائد من هذا النوع؛ الإمبراطور. وبدوره، يخلق هذا الأمر أتباعًا يلتزمون جزئيًّا فحسب بأهداف المؤسسة — غالبًا لأنها تقتصر على الأهداف الشخصية للقائد — ومن ثم يظل الأتباع «غير ملتزمين» حرفيًّا من خلال الموافقة الهدامة التي ترتبط بغياب المسئولية.
المربع ٢ متأصل في مستوى مشابه من عدم الاهتمام بالمجموعة، ولكن باقترانه بزيادة في مستوى الاستقلال عن القائد، فإن العاقبة تكون «فوضى » تامة — بدون قيادة — بدون المجتمع الذي يزعم مناصرو الفوضوية أنه سينتج بشكل تلقائي من غياب القادة. وتتمثل النتيجة في وجود قائد يشبه «راعي القطط»، وهي مهمة مستحيلة. سوف نعود إلى الحديث عن الفوضوية في الفصل الأخير.

يولد المربع ٣ — السلطة الدينية — روح المجموعة تلك بقدر كبير ولكن فقط لأن اعتبار القائد معصومًا من الخطأ هو الذي يُجبر أتباعه المؤيدين على الطاعة من خلال المتطلبات الدينية؛ الفيل الأبيض المذكور آنفًا. إن هذه الموافقة تظل بناءة فقط في حالة كون القائد معصومًا بالفعل، ويمتلك معرفة لا حدود لها وقوة لا يمكن التشكيك فيها. ومع ذلك، من الواضح أنه على الرغم من خلق الكثيرين من أصحاب الكاريزما طوائف يمكن ظاهريًّا أن تقع ضمن هذه الفئة، فإن الموافقة تصبح هدامة لأن القائد في الحقيقة غير معصوم، ويضلل أتباعه بدلًا من قيادتهم لما هو في مصلحتهم.

يشير المربع ٤ — الفئة الأخيرة، الهرم المتغير — إلى مؤسسة يدرك القادة فيها أوجه القصور لديهم، وفق نظرية سقراط، ومن ثم فإن القيادة تتوزع وفق متطلبات المكان والزمان (يعتبر فريق التجديف مثالًا جيدًا على الهرم المتغير، ففيه تنتقل القيادة بين موجه الدفة، والقائد، والمجدف، والمدرب، اعتمادًا على الموقف). إن هذا الاعتراف بأوجه النقص لدى أي قائد يتطلب من الأتباع المسئولين تعويض أوجه القصور تلك، ويُخدم هذا الهدف خدمة جيدة من خلال المعارضة البناءة التي يكون الأتباع فيها مستعدين لمعارضة قائدهم إذا تبين أن القائد يتصرف بما يخالف مصالح المجموعة.
ربما نوضح هذه النقطة من خلال قصة صينية قديمة يحكيها فيل جاكسون مدرب فريق شيكاجو بولز الذي يعد ظاهرة في نجاحه. ففي القرن الثالث قبل الميلاد احتفل الإمبراطور الصيني ليو بانج بتوحيده للصين بإقامة مأدبة جلس فيها محاطًا بنبلائه وخبرائه العسكريين والسياسيين. وبما أن ليو بانج لم يكن نبيلًا بالوراثة ولا خبيرًا عسكريًّا أو سياسيًّا، سأل أحد الضيوف شين سين، وهو واحد من الخبراء العسكريين، عن سبب كون ليو بانج هو الإمبراطور. كانت إجابة شين سين سؤالًا طرحه على السائل: «ما الذي يحدد قوة العجلة؟» أجاب الضيف بأن ما يحدد قوتها هو الأسلاك، ولكن شين سين رَدَّ قائلًا: «إن مجموعتين من الأسلاك المتطابقة في القوة لا تجعل عجلتين متطابقتين في القوة بالضرورة. على النقيض، القوة أيضًا تتأثر بالمسافات بين الأسلاك، وتحديد المسافات هو الفن الحقيقي لصانع العجلات .» ومن هنا، بينما تمثل الأسلاك الموارد المجتمعة الضرورية لنجاح المؤسسة — والموارد التي يفتقدها القائد — فإن المسافات بينها تمثل استقلال الأتباع الذي يكفل نموهم هم أنفسهم ليصبحوا قادة.
باختصار، إن جمع المواهب المختلفة اللازمة لنجاح المؤسسة هو ما يميز القائد الناجح من القائد غير الناجح؛ لا يحتاج القادة أن يكونوا كاملين، ولكن على النقيض، عليهم أن يدركوا أن أوجه القصور في معرفتهم وقوتهم سوف تقودهم في النهاية إلى الفشل ما لم يعتمدوا على قادتهم الأتباع وأتباعهم في تعويض جهلهم وضعفهم. إن الأفيال البيضاء — ذات الفراء الأبيض — موجودة بالفعل، ولكنها نادرة للغاية حتى إنها لن تستطيع إخراجنا من هذا الوحل المؤسسي؛ فالأفضل أن نجد صانع عجلات جيدًا ونبدأ تحريك العجلة المؤسسية. في الواقع تعد القيادة ملكية ونتيجة للمجموعة بدلًا من كونها ملكية ونتيجة للقائد بمفرده. علاوة على ذلك، بينما تُولد الأفيال البيضاء، فإن صانعي العجلات يُصنعون. وفي الواقع يعد التشابه مفيدًا في التمييز بين تعلم أصول تربية النوعين، فبينما لا يحتاج الأشخاص، الذين يعتقدون أنهم وُلدوا ليقودوا، إلى معلمين أو ناصحين، وإنما مجرد أتباع متوسلين، فإن صانعي العجلات عليهم أن يكونوا تلاميذ ليتعلموا كيفية صنع العجلة، وهي عملية تلعب فيها المحاولة والخطأ دورًا كبيرًا.

(١) القيادة كإله لأشياء صغيرة

ثمة حل آخر لهذه المفارقة يتمثل في وجوب تحويل التركيز من القائد ليصبح منصبًّا على «القيادة»، وعلى هذا — باعتبار القيادة ظاهرة اجتماعية — ربما توجد سماتها بشكل جيد داخل فريق القيادة أو الأتباع حتى لو لم يكن هناك فرد يمتلكها جميعًا. وبهذا فإن طاقم «السفينة» على سبيل المجاز وليس قبطان السفينة وحده، هو الذي سيمتلك متطلبات بناء المؤسسة والحفاظ عليها، ومن ثم الحاجة إلى التركيز على القيادة لا على القائد. بعبارة أخرى، بدلًا من قصر القيادة على الآلهة، ربما تُربط بدلًا من ذلك بالجانب المقابل. وكما تقول أرونداتي روي عن روايتها: «من وجهة نظري فإن إله الأشياء الصغيرة هو عكس الإله. فالإله شيء كبير وهو المتحكم.» وهنا أود أن أقترح أن القيادة تصاغ بشكل أفضل على أنها «إله الأشياء الصغيرة».

الفكرة المهمة إذن هي أنه لا يوجد عمل واحد فقط، بل يوجد الكثير من الأعمال الصغيرة التي يقوم بها الأتباع والتي تتجمع معًا لتصنع فارقًا. إن هذا لا يتساوى مع قولنا إن الأعمال الصغيرة بمنزلة «نقاط التحول»، ولكن يتساوى بالأحرى مع قولنا إن الأعمال الكبيرة هي نتائج تراكم الأشياء الصغيرة. إن المؤسسة ليست ناقلة نفط تتوجه حيثما يدير القبطان دفتها، بل هي نظام حي ومتغير، شبكة من الأفراد؛ اتجاهها وسرعتها ليسا إلا نتيجة للكثير من القرارات والأفعال الصغيرة. أو كما يقول ويليام لوندز (١٦٥٢–١٧٢٤)، رئيس هيئة الضرائب على الأراضي في عهد الملكة آن: «اعتنِ بالقروش وسوف تعتني الجنيهات بنفسها.» وتُرجمت هذه المقولة بتصرف لتصبح: «اعتنِ بالأشياء الصغيرة وسوف تعتني الأشياء الكبيرة بنفسها.» ولكن الشيء المهم هنا هو الانتقال من البطل المفرد إلى الأبطال المتعددين. وهذا لا يعني أن الرؤساء التنفيذيين ومديري المدارس ورئيس الأمن وجنرالات الجيش وما شاكلهم غير مناسبين؛ إن دورهم حيوي كما سنرى في الفصل الأخير. فبالفعل استعدادهم لاتخاذ القرارات «الكبيرة» ربما يكون نابعًا من تراكم الكثير من الأعمال البسيطة والقرارات الصغيرة.
وهناك طريقة أخرى للتعبير عن ذلك وهي أن التركيز التقليدي لكثير من دراسات القيادة — إجراءات اتخاذ القرارات من قبل القادة الأفراد — يشار إليه على نحو أفضل بأنه نتاج للأنشطة «المنطقية» الخاصة بأفراد المؤسسة. وكما يقول ويك : إن ما يعد «واقعًا» هو إنجاز متراكم ومستمر، حيث يحاول الأشخاص أن يجدوا معنى في «الأشياء تافهة القيمة» المحيطة بهم، بدلًا من نتائج اتخاذ القرارات بعقلانية بواسطة القادة. ولا يعني ذلك أن نشاط إضفاء المنطقية نشاط ديمقراطي؛ لأنه دائمًا ما يوجد أشخاص منهمكون فيه أكثر من غيرهم، وهؤلاء القادة هم «المحترفون »؛ الأشخاص الذين يضفون معنى على المواد المتنوعة التي يواجهون بها مشكلة معينة ويستطيعون بناء حل جديد لهذه المشكلة من مجموع تلك المواد. وبسبب ذلك، كثيرًا ما يعتمد النجاح أو الفشل على القرارات البسيطة والأفعال الصغيرة، عن طريق القادة وعن طريق «الأتباع» الذين «يقودون» أيضًا. وهذا لا يشير ضمنيًّا إلى أنه ينبغي علينا أن نتجاهل سؤال أفلاطون القائل: «من يجب أن يحكمنا؟» ولكن يشير إلى زيادة التركيز على سؤال بوبر القائل: «كيف يمكننا أن نوقف حكامنا عن تدميرنا؟» في الواقع، لا يمكننا أن نضمن وجود قادة معصومين، ولكن لأننا نركز على آليات الاختيار، فإن الأشخاص الذين يصبحون قادة رسميين غالبًا ما يفترضون أنهم معصومون، ومن ثم من المرجح أكثر أن يرتكبوا أخطاءً قد تؤثر علينا نحن الأتباع وتدمر مؤسساتنا.
خذ على سبيل المثال نائب القائد البحري البريطاني سيئ السمعة السير جورج ترايون الذي تسببت أفعاله في ٢٢ يونيو ١٨٩٣ قبالة شاطئ سوريا في فقدان سفينته «فيكتوريا»، بعد أن أصر على أن يستدير صفا الأسطول البريطاني كل في اتجاه الآخر في حين لم تكن هناك مسافة كافية. وعلى الرغم من تحذيرات أتباعه بأن هذه العملية مستحيلة، فقد أصر ترايون على تنفيذها وغرق ٣٥٨ بحارًا من بينهم ترايون نفسه. وفي المحاكمات العسكرية اللاحقة للقائد البحري ماركام قائد سفينة «كامبرداون» التي حطمت «فيكتوريا»، سُئل: «إذا كنت تعلم أن هذا خطأ، فلماذا امتثلت للأمر؟» فأجاب بقوله: «اعتقدت أن الأدميرال ترايون لديه حيلة خفية.» رأت المحكمة أن ترايون هو الملوم، ولكنها رأت أيضًا أن «تشجيع الأتباع على التشكيك في رؤسائهم أمر مهلك للبحرية». ومن ثم يمكن تحريف مقولة بيرك لتصبح: فشل القيادة لا يتطلب من التابع الجيد سوى ألا يفعل شيئًا.
ليست إغراءات العلم بكل شيء هذه قاصرة على قادة الجيوش الوطنية أو القادة السياسيين، فعلى سبيل المثال: عندما تحطمت طائرة «إير فلوريدا ٩٠» («بالم ٩٠») في ١٣ يناير ١٩٨٢ في الأحوال الجوية السيئة، كان واضحًا من المحادثة بين قائد الطائرة لاري ويتون والضابط الأول عليها روجيه بيتيه أن الضابط لم يكن مقتنعًا بأن الطائرة مستعدة للطيران، ومع ذلك فإن فشله في إيقاف ويتون عن المضي قدمًا أدى بدون قصد إلى تحطم الطائرة. ونفس الأمر حدث في حادث تحطم الطائرة في تنيريف حيث اعتقد مساعد الطيار أن هناك مشكلة ولكنه فشل في منع الطيار من الإقلاع في موقف خطير؛ لأن تحذيراته كانت «مخففة» للغاية (كانت هناك طائرة أخرى تقلع أمامهم مباشرة، ودون معرفة مساعد الطيار، لم يكن الطيار قد تلقى إذنًا بالإقلاع). في الواقع، لدى الهيئة الملكية البريطانية للطيران آلية «أمان» في نظام إدارة موارد طاقم الطائرة تسمح بفعالية لأي عضو في طاقم الطائرة — أيًّا كانت رتبته — أن يطلب من القائد عدم الإقلاع أو الهبوط، بنفس الطريقة الموجودة في الجيش والبحرية البريطانية في أنظمة «إيقاف إطلاق النيران» التي تسمح للمجندين الأقل رتبة بتخطي رؤسائهم أثناء إطلاق النار عندما يدرك المجندون خطرًا لا يراه رؤساؤهم.
واجه ألفريد سلون ، رئيس شركة جنرال موتورز، مشكلة مشابهة لهذه المشكلة مع مجلس إدارته ولكنه كان قادرًا على إدراك مظاهر الموافقة الهدامة:

«أيها السادة، أعتقد أننا نوافق تمامًا على هذا القرار؟»

(موافقة بالإيماء بالرأس.)

«حسنًا، أقترح إرجاء المناقشات حول هذا الموضوع حتى اجتماعنا القادم من أجل منح أنفسنا وقتًا لتكوين اعتراضات وربما اكتساب بعض الفهم لما يدور حول هذا القرار.»

ومنذ ثلاثمائة عام مضت قال الساموراي الياباني ياماموتو تسونيتومو عبارة مشابهة:

كان هناك مؤتمر كبير في العام الماضي أوضح فيه أحد الحضور رأيه المعارض وقال إنه عازم على قتل قائد المؤتمر إذا لم يقبل اعتراضه. وصُدِّق على هذا الاقتراح. وبعد انتهاء المؤتمر قال الرجل: «كانت موافقتهم سريعة. أعتقد أنهم ضعفاء ولا يمكن الاعتماد عليهم كمستشارين للرئيس.»

ما الذي يمكن فعله حيال هذه المشكلة؟ من الواضح أن شرط النصيحة الصادقة التي تأتي في وقتها للقادة — المعارضة البناءة — يمثل حلًّا مناسبًا، ولكنه واضح بنفس الدرجة، أولًا بأن القادة يميلون لإحباط ذلك عن طريق توظيف وتعيين أتباع «أكثر انسجامًا مع المنهج العام»، وعادة ما يعني ذلك المتملقين الذين يقدمون الموافقة الهدامة. علاوة على ذلك فإن عدم استعداد القادة للاعتراف بالأخطاء يعزز اعتقاد الأتباع بأنهم معصومون. وتاريخيًّا فإن «مهرج» الملك هو الوحيد الذي يمكنه تقديم معارضة بناءة وينجو بحياته، ويرجع ذلك في الأساس إلى أن النصيحة تكون مغلفة بالمزاح، ومن ثم يمكن أن يرفضها الملك علنًا، وإن كان يستطيع إعادة التفكير فيها بروية أكبر منفردًا بعد ذلك. ربما ليس هناك مثال أفضل لهذه المشكلة وأهمية هذا الدور من المهرج في مسرحية شكسبير «الملك لير ».

حُذِّر الملك لير، الذي تنازل عن مملكته لابنتيه كاستعراض للشجاعة والقوة، أولًا من قبل تابعه المخلص كنت، بأن هذا العمل متهور، ولكن كنت تعرض للنفي بسبب صدقه. ثم حاول المهرج بعدها تقديم نفس النصيحة ولكنه فعل ذلك من خلال سلسلة من الألغاز التي بدأ لير يفهمها بعد فوات الأوان للأسف:

المهرج :
اللورد الذي أشار عليك
بالتنازل عن ملكك،
أحضره إلى هنا بجواري،
وقِفْ مكانه:
فورًا ستجد أمامك اثنين من المهرجين
أحدهما حلو والآخر مر
الأول يرتدي ملابس المهرجين، وهذا أنا،
والآخر هو المهرج السيئ، وهو أنت.
لير : هل تدعوني مهرجًا أيها الشقي؟
المهرج : لقد تخليت عن ألقابك الأخرى كلها؛ إنما لقب المهرج مولود معك.
(الملك لير، الفصل الأول، المشهد الأول، ١٥٤–١٦٥)
من الممكن إعادة صناعة دور الناصح الأمين الذي لعبه مهرج شكسبير بدون الملابس المبهرجة وربما بنجاح أكبر عن طريق اعتماد القادة على شخص أو أكثر لا يتعرض موقعهم للتهديد نتيجة للنصيحة المقدمة. وربما يكون من الممكن أيضًا التأكيد على الدور من خلال مطالبة كل أعضاء هيئة اتخاذ القرار بلعب دور «محامي الشيطان» كل بدوره. وبهذه الطريقة ستكون النصيحة من متطلبات الدور وليست نابعة من الشخص نفسه، ومن ثم فإن ذلك يوفر درجة من الحماية من القادة الذين تزعجهم النصيحة المحرجة التي يقدمها الأتباع، بالرغم من فائدتها.
على الرغم من ذلك فإن طبيعة الكاريزما محل الخلاف — فيما يتعلق بأصولها ووجودها — لا تقدم تفسيرًا للتوق نحو الكمال لدى القادة، وهذا ربما يعكس عدم رضانا الجماعي حيال حياة الأتباع غير المعترف بهم. وكما قال ألبرت شويتزر في سيرته الذاتية بعنوان «من حياتي وأفكاري»:

من بين كل الرغبة في المثالية لدى الجنس البشري، يمكن لجزء صغير فقط أن يظهر في صورة أفعال علنية. أما البقية الباقية من هذه القوة فلا بد أن ترضى بأفعال صغيرة وخفية. مع ذلك، فمجموع هذه الأفعال يتفوق آلاف المرات على أفعال أولئك الذين يحظون بالتقدير العلني واسع النطاق. فالنوع الأخير، مقارنة بالسابق، يشبه الزبد على سطح أمواج محيط عميق.

هذا نقد لاذع لفكرة أنه يمكن اختزال القيادة في سمات القائد وسلوكياته، ويشير ضمنًا إلى وجوب إدراكنا أن الإنجازات المؤسسية هي مؤسسية فحسب؛ إنجازات المؤسسة بأكملها وليست نتائج أفعال بطولية لقائد بمفرده. مع ذلك، وعلى الرغم من أن القادة الجماعيين والأتباع الجماعيين هم الذين يحركون عجلة التاريخ، فغالبًا ما يدعي قادتهم الرسميون أو الانتهازيون مسئوليتهم عن النجاح ويتركون معظم الأشخاص يتوارون في مجاهل التاريخ، مجهولين على الرغم مما أسهموا به. أبرزت جورج إليوت هذه الصورة في نهاية روايتها «ميدلمارش » عندما وصفت دوروثيا:

إن طبيعتها الكاملة — مثل النهر الذي اشتق منه سايروس القوة — أهدرت نفسها في قنوات غاية في التفاهة على سطح الأرض. ولكن تأثير وجودها على أولئك المحيطين بها كان رهيبًا، ولا يمكن تقديره؛ ذلك لأن نمو الخير في العالم يعتمد في جزء منه على أفعال غير تاريخية، وسبب كون الأمور ليست سيئة للغاية معك ومعي بالقدر الذي كان يمكن أن تكون عليه يرجع جزء كبير من الفضل فيه إلى أولئك الذين عاشوا حياة خفية، واستقروا في قبور لا يزورها أحد.

إن القادة مهمون — وسوف نتناول دورهم في الفصل الأخير — ولكن هناك مجموعة كبيرة من العناصر الأخرى المهمة أيضًا، وهي التي غالبًا ما تصنع الفارق بين النجاح والفشل. ربما يأتي دور الأتباع باعتباره العنصر الأقل في فهمه أو تقديره مقارنة بالعناصر الأخرى، فمن دونهم لن يوجد قادة. ولكن هذا لا يعني أننا يمكن أن نتجاهل القادة ونعتمد على القيادة التلقائية للجماعة، كما سنرى في الفصل الأخير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١