الفصل العاشر

أدوات تحويلية

ما لبث جبل تيبُل أن ظهر في مرآة الرؤية الخلفية في سيارتي، ثم اختفى بعد ذلك. كنتُ أسير على الأطراف الجنوبية من اليابسة الأفريقية عبر الوديان المُتعرِّجة، وبينما كنتُ أقترب من وجهتي، وهي قرية هادئة تُسمَّى ستيلباي، وتحتضِن خليجًا من المياه اللازَوَرْدية، يقع شرقًا من الجزء الفاصل بين المُحيطَين الهادي والهندي، كانت إشارات الطريق وإعلانات الراديو مزيجًا من اللغة الأفريقية والإنجليزية. إنَّنا لا نعرِف أين ظهرت الأعداد للمرة الأولى، لكن من المُحتمَل أنني أقترب من ذلك المكان. فمِن المُحتمَل أن تكون قصة الأعداد قد بدأت هنا، على امتداد ساحلٍ وعْرٍ يُرى من ستيلباي، وهو ساحل تَزداد أهميته باعتباره موقعًا مُهمًّا في قصة البشرية.

على مدار العَقدَين الأخيرَين، كان علماء الآثار متعدِّدو التخصُّصات يُفتِّشون سطح الأرض في بعض الكهوف القريبة من هذا الساحل، وكذلك الأسطح السابقة التي صارت الآن تحت الأرض. ومن هذه الكهوف، كهف بلومبوس الذي يقع غرب ستيلباي، وكهف بيناكل بوينت الذي يقع على بُعد عشرات الكيلومترات إلى الشرق. وقد أسفر هذا البحث الذي أُجرِي في هذه المناطق المحلية عن نتائجَ لافتةٍ للنظر. إنَّ هذا البحث، مع غيره من الدِّراسات المُبكرة التي أُجرِيَت على «نوع الإنسان العاقل»، يُلْقي ضوءًا جديدًا على الكيفية التي تمَكَّن بها أسلافنا من البقاء بل التفوُّق، على مدار آلاف الأعوام التي سبقت هجرة نوع «الإنسان العاقل» من أفريقيا. إنَّ ما وجدَه العلماء في هذه الكهوف، ليس من نوع المُكتشفات الذي نربطه في العادة بعِلم آثار العصر القديم في أفريقيا؛ فليس هناك أيٌّ من عظام الأسترالوبيثسينات، أو أي بقايا من الهيكل العظمي لأي أنواعٍ أخرى من الأسلاف المُحتمَلين لنوع «الإنسان العاقل». (وقد اكتُشِفت مثل هذه الآثار في أماكن أخرى في جنوب أفريقيا، وغير ذلك من الأماكن البعيدة في أفريقيا مثل مضيق أولدوفاي والأخدود الأفريقي العظيم.) لم يَعثُر العلماء في كهفَيْ بلومبوس وبيناكل بوينت على آثارٍ هامَّة لأشباه البشَر، فقط بعض بقايا قديمة لأسنانٍ بشرية، وأجزاء من العظام. غير أنَّ ما وجدوه يُخبرنا عن حياة أسلافنا الأقربين، وهم أفراد نوعِنا الذين كانوا يُشبِهوننا ويتصرَّفون مثلنا، أكثر ممَّا قد يُخبِرنا به أيُّ هيكلٍ عظمي. وبناءً على هذه المُكتشفات التي وجدْناها في هذه الكهوف، فإنَّ الكثير مما نَعُدُّه الآن من السلوكيات البشرية الحديثة، ربما يكون قد نشأ على هذا الساحل. ومن هذه السلوكيات ما يتعلَّق باستخدام التقنيات العددية.

فمنذ ما يتراوَح بين ١٩٠٠٠٠ إلى ١٣٥٠٠٠ عام، حدَث تغيُّر في المناخ العالمي. ومثل غيره من التغيُّرات المناخية الأقدم، يبدو أنَّ هذا التغيُّر قد أمال مسرح البشرية؛ فربما كانت التغيرات المناخية السابقة، مثل ذلك الذي حدَث قبل ما يقرُب من ١٩ مليون عام، محوريةً في نشأة نوعِنا؛ إذ اضطُرَّ أسلافنا من الأنواع إلى الانتقال إلى العَيش في سهول السافانا بدلًا من الغابات. أما التغيُّر الأحدث الذي نتحدَّث عنه، فقد أثَّر على نوع «الإنسان العاقل» نفسِه؛ إذ تسبَّب في وجود نقصٍ حادٍّ في المناطق الصالحة للعيش في أفريقيا؛ فقد أصبحت القارة أكثرَ جفافًا، وندرَت مصادر الغذاء. إضافةً إلى ذلك، فقبل ٧٥٠٠٠ عام تقريبًا، حدَث انفجار بُركاني عظيم في بُركان توبا في سومطرة، ممَّا أدَّى إلى تكوُّن سحابةٍ ضخمة من الرماد البركاني، وشتاء بركاني ربما يكون قد أدَّى إلى تناقُص عدد البشر بدرجةٍ كبيرة. وتقترح أدلَّة علم آثار العصر القديم أنَّ البشر قد اتخذوا من المناطق الساحلية مأوًى لهم خلال هذه الفترات الصعبة، ولا سيما السواحل الموجودة على الأطراف الجنوبية لأفريقيا. وتُوضِّح النتائج الحديثة أنَّ السبب في اختيار هذا المأوى يعود على الأرجح إلى أنَّ هذا الساحل كان غنيًّا بمصادر الغذاء إلى حدٍّ ما. وينطبق ذلك بالتحديد على الحافة الجنوبية لأفريقيا، التي كانت تتوفَّر بها الأغذية البحرية بسهولة، مثل القواقع البحرية والنباتات الأرضية، وهي نباتات لحمية كالأبصال والدرنات التي يُمكِنها العيشُ تحت الأرض. وبالرغم من أنَّ مصادر الغذاء كانت نادرة نسبيًّا في العديد من المواطن التي كان يسكُنها البشر في ذلك الوقت، فقد كانت الأرض هنا غنيَّة بمصادر الكربوهيدرات والبروتين. إنَّ التجديدات المناخية والبيئية التي حدثَت في تلك الحقبة المَعنية، اتَّضحَت في تلك البقعة بدرجةٍ كبيرة؛ فقد كان هذا الساحل مكانًا جيدًا لحياة البشر، في مرحلةٍ لم يكن فيها سوى القليل من الأماكن الصالحة للعَيش في أفريقيا.1
وبناءً على ما اكتشفَه العلماء في كهف بيناكل بوينت، فإنَّ البشر لم يبقَوْا على قَيد الحياة هنا فحَسْب، بل ازدهَروا في هذه المنطقة خلال تلك الفترة التي نتحدَّث عنها. لقد شهدَت البشرية نوعًا من الازدهار التِّقني خلال الفترة التي عاش فيها البشر على هذا الساحل، والتي تبدأ قبل ١٧٠٠٠٠ عام تقريبًا. وقد أوضح علماء الآثار الآن أنه خلال عشرات آلاف الأعوام التي استُخدِمت فيها كهوف بيناكل، حسَّن البشرُ من التقنيات التي كانوا يَستخدمونها مثل أدواتهم الحجَرية. وهذه الكهوف تتضمَّن أدلةً على أنَّ الأدوات كانت تُصنَع بعد تسخين الحجارة في النار ثم صقلها، وتلك عملية معقَّدة لصُنع الأدوات. وعلى العكس مما تميَّزت به تقنيات صُنع الأدوات الحجَرية في الفترات السابقة من جمود، فإنَّ مُكتشفات كهف بيناكل تدلُّ على وجود معدَّل جذري من الابتكار في استخدام أنواعٍ جديدة من الأدوات الحجرية. إضافةً إلى ذلك، توجَد بعض الآثار التي تُشير إلى وجود تطوُّراتٍ تقنية أخرى مثل صبغة حمراء كانت تُستخدَم على الأرجح في طلاء الجسم، مثلما تُستخدَم لدى بعض الجماعات السكانية اليوم. إنَّ الآثار المُتبقِّيةَ من هذه المادة تدلُّ على أنَّ التقنية كانت تتقدَّم خلال هذه الفترة، لكنها توضِّح أيضًا أنَّ البشر كانوا يفكرون بطرُقٍ رمزية، وينقلون هذه التقنيات المادية عبر الأجيال؛ ومن ثمَّ فإنَّ الآثار المُتبقيةَ من هذه المادة تُشير إلى أنَّ السكان القدماء لهذه المنطقة كانوا يمتلكون اللغة.2
بقيادة كريستوفر هِنشيلوود، عالم الآثار بجامعة ببيرجن في النرويج، أوضحت مجموعةٌ من الدراسات أنَّ البشر كانوا يستخدمون كهف بلومبوس أيضًا على مدار آلاف الأعوام لفترةٍ تبلُغ ٣٠٠٠٠ عام على الأرجح. وينتمي الفُتات الموجود في الكهف إلى فترةٍ أحدث، وهو يحتوي على أدلَّة تُعبِّر عن تقدُّم الإدراك البشري بصورةٍ أكبر. وتتضمَّن هذه الأدلةُ أدواتٍ حجريةً دقيقة وأدواتٍ عظميةً تُشبِه الإبَر. وربما يكون الدليل الأبرز هو وجود أصداف أذن البحر التي تُشبِه الوعاء، وأحجار الشحذ وغيرها من العناصر التي كانت تُستخدَم قبل ذلك في معالجة المغرة لاستخراج الصبغة من المعدن المُمتلئة بعنصر الحديد. وفي حقيقة الأمر، يبدو أنَّ كهف بلومبوس كان يُستخدَم بمثابة ورشةٍ لتصنيع مختلِف الأدوات ومعالجتها. وتتضمَّن هذه الأدواتُ قِطعًا منقوشة من العظام والمغرة، يعود تاريخها إلى فترةٍ تتراوح بين ١٠٠٠٠٠ عام و٧٠٠٠٠ عام في الماضي. وعلى أشهر قطعةٍ من القطع المكتشفة في الكهف، وهي قطعة من المغرة يبلُغ طولها ٦ سنتيمترات، لاحظَ علماء الآثار وجود مجموعةٍ من العلامات المُنتظمة التي تُشبِه الخطوط على هذه القطعة، والتي يتَّضِح أنها قد نُقِشت عمدًا بيَدِ فنانٍ من البشَر. ولسْنا نعرف على وجه التحديد ما الغرَض الذي كانت تؤديه هذه العلامات، لكن مِن المُحتمَل أنها كانت تؤدي وظيفةً رمزية أو شِبه رمزية. وربما تكون هذه القطعة أقدمَ قطعةٍ ذات طبيعة رمزية في تاريخ البشرية. ونظرًا إلى وجود الكثير من الأدلَّة على وجود أعداد ما قبل التاريخ في مختلِف أنحاء العالم، فمن المُحتمل أنَّ هذه العلامات كانت تؤدي وظيفةً عددية. فهل من الممكن أن يكون الفنان الذي نقَشَ هذه القطعة من المغرة، كان يُسجِّل كميةً ما، مثل هؤلاء الذين نقشوا عظمة إيشانجو بعد ذلك بعشرات الآلاف من الأعوام؟ (راجع الفصل الثاني) من المؤسِف أنَّ الوظيفة الحقيقية لهذه القطعة قد ضاعت على الأرجح في عتمة السجلِّ الأثري.3
وثمة أدلةٌ أخرى في كهف بلومبوس، تُشير إلى أنَّ البشر الذين استخدَموه بمثابة ورشةٍ ربما كانوا يَستخدِمون طرقًا لتسجيل الكميات، فربما يكونون قد اخترعوا الأعداد أو ورِثوها على الأقل. ومن المُكتشفات المميزة في هذا الموقع وجود العديد من الأصداف البحرية المثقوبة (وتُسمَّى أيضًا بأصداف القُراد وهي أصدافٌ من نوع «ناساريوس كروسيانوس») في مجموعاتٍ صغيرة تتكوَّن من خمس أصدافٍ واثنتَي عشْرة صَدفة. ويبدو أنَّ هذه الأصداف التي يبلغ طول الواحدة منها سنتيمترًا واحدًا، كانت تُستخدَم في الزينة الشخصية. فالثقوب المنتظمة التي صنعَها البشر، قد مكَّنَت الأفراد من ربط هذه الأصداف معًا على هيئة عقدٍ أو أي نوعٍ آخر من أنواع الزينة، مثلما يحدُث تمامًا في العديد من الثقافات في العصر الحالي. ومن المُهم أن نُلاحِظ أنَّ بعض هذه الأصداف لم يكن أصليًّا في المنطقة التي يقع بها الكهف، حتى قبل هذه الآلاف من الأعوام. واليوم لا توجَد هذه الأصداف إلَّا في مَصبَّات الأنهار على بُعد ٢٠ كيلومترًا من بلومبوس.4 ومِن ثَمَّ يبدو أنَّ البشر الذين كانوا يعيشون في هذه المنطقة كانوا يُكِنُّون تقديرًا عظيمًا لهذه الأصداف؛ مما دفعَهم إلى السفر لهذه المسافة الطويلة سيرًا على الأقدام للعثور عليها، أو ربما كانوا يُقايضونها مع الشعوب الأخرى. إنَّ ما نراه في كهف بلومبوس إذن، هو دليل على الاستخدام القديم لأدواتٍ صغيرة مُتشابهة نسبيًّا لها قيمة عظيمة.
مِن المُحتمَل أن يكون البشر الذين عاشوا بالقُرب من الكهف قد واجَهوا ضغوطًا قوية لأن يَخترعوا طرقًا لتسجيل الكميات بشكلٍ رمزي، أي إنها بصفةٍ أساسية ضغوطٌ لاختراع الأعداد، وربما كان ذلك لتسجيل هذه الأصداف الثمينة، أو لمقايضة سلعٍ أخرى في مقابل الحصول عليها، أو ربما لكِلا الأمرَين. وقد تمادى بعض الباحِثين إلى درجة أنهم قد اقترحوا أنَّ هذه الأصداف الصغيرة هي بالفعل تمثيلات رمزية للكميات (أي إنها كانت هي نفسُها أعدادًا). بالرغم من ذلك، فمثلما نرجو أن تكون الاستنتاجات التي تناولناها في هذا الكتاب قد وضحَت، فالأرجح أنَّ الأصابع لا هذه الأصداف، كانت هي الأداةَ الأولى في التمثيل الدقيق للكميات؛ أي إنها هي التي كانت تُمثِّل أولَ شكلٍ من الأعداد. ومثلما تُشير عالمة النفس المرموقة سوزان كاري (التي ناقشْنا أعمالها المؤثِّرة في الفصل السادس) في مناقشتها لأهمية هذه الأدوات: «ربما يعود تاريخ الخرز إلى ١٠٠٠٠٠ عام، لكن تاريخ الأصابع يعود إلى ملايين الأعوام.»5 ففي معظم الأحيان، تكون الأصابع هي المدخلَ إلى التمييز الدقيق للكميات، وكثيرًا ما تُستخدَم بصفتها أعدادًا، تُمثَّل حينها تمثيلًا لفظيًّا. بالرغم من ذلك، يَظل من المُحتمَل أن تكون مثلُ هذه القطع الصغيرة المُنفصِلة ذات القيمة الثمينة، قد دفعَت البشَر في مرحلةٍ ما من تاريخهم إلى أن «يرغبوا» في تحديد كميات الأشياء، بطرُقٍ غير تقريبية، حتى وإن احتاجوا إلى أصابعهم لكي يتمكَّنوا من القيام بذلك. ربما تكون الضغوطات التي واجهَها البشر الذين عاشوا في كهف بلومبوس لتحديد كمية هذه الحبَّات اللامعة من الخرز، قد خلقَت حاجةً جديدة إلى وجود الأعداد، رغبة جديدة للتمييز بين الكميات بدقَّةٍ وبصورةٍ منتظمة.

وبالرغم من أنَّنا لا نستطيع أن نُحدد على وجه الدقة، أول مكانٍ قد استُخدِمَت فيه الأعداد، فإنَّ الصورة التي نرسُمها الآن تبدو منطقية؛ فالبشر الذين عاشوا في هذه المناطق الساحلية، كانوا يَمتلكون حضارةً مادية ولُغة، وربما كانوا يُمارِسون التمثيل الرمزي ثُنائيَّ البُعد أيضًا. إضافةً إلى ذلك، كانوا يمتلكون سِلَعًا صغيرةً ثمينة، ومن المرجَّح أنهم كانوا يَرغبون في عدِّها؛ نظرًا إلى طول المسافة التي كان عليهم قطعُها من أجل الحصول على هذه القطع. وفي ضوء هذه الحقائق، فإنَّ استخدامهم للأعداد ليس بالأمر المُستبعَد. لكن لنفترض للحظةٍ أنَّ ذلك كان هو الحالَ بالفعل، فهل اختُرِعت الأعداد هنا، أم وصلَتْ إلى هنا؟ وَفقًا للوتيرة التي بدأَت بها التقنية في التطوُّر على امتداد هذا الساحل، وذلك بِناءً على المُكتشَفات التي وجدَها العلماء في كهف بيناكل، فإنَّ السيناريو الأول مُمكنٌ على أقل تقدير. ربما يكون البشَر قد صقَلوا مهاراتهم اللُّغوية والعددية هنا، على امتداد هذا الساحل وفي أماكنَ أخرى من جنوب أفريقيا. وربما يكون هذا الصقلُ قد أدَّى بدَوره دورًا مِحوريًّا في قُدرة البشَر على التكيُّف على غير ذلك من البيئات المُتنوِّعة الأخرى. ولا شكَّ في أنَّ استخدام اللغة، الذي يتَّضِح على نحوٍ غامض في الأدوات المدفونة في كهفَي بلومبوس وبيناكل بوينت، قد مكَّننا بعد ذلك من غزو أفريقيا، ثُمَّ الهجرة من القارة في جماعات.

fig8
شكل ١٠-١: الساحل الموجود بجوار كهف بلومبوس، جنوب أفريقيا. الصورة من التقاط المؤلِّف.
عندما وصلتُ إلى الساحل الذي يبدو أنه قد لعِب دورًا مهمًّا في التاريخ البشري، وجدتُه مليئًا بعددٍ لا حصْر له من الصخور. (انظر الشكل ١٠-١) إنَّ هذه الصخور لم تكُن ساحليةً طوال الوقت؛ إذ إنَّ الساحل نفسَه يتحرَّك بدرجةٍ ما من أثر حلول العصور الجليدية وذَهابها، غير أنها منذ ١٠٠٠٠٠ عام، استقرَّت في مكانها الذي نراه الآن بالقُرب من كهف بلومبوس. معظم هذه الصخور مكعَّب الشكل تقريبًا، وكأنما هي من صُنع البشر، لكن إن كان الأمر كذلك؛ فهذا يَعني أنَّ مِعماريًّا مُنتشِيًا قد رتَّبَها بهذا الشكل المائل بجوار بعضها. وإذ أخطو فوقَها، أتذكَّر سُكَّان المنطقة الذين كانوا يتسلَّقون هذه الصخور وفيما حولَها قبل كل هذه العشرات من آلاف الأعوام. هنا على هذا الشاطئ، أنقذ البشَر أنفسهم من الموت إذ اكتشفوا تذوُّقَهم للمأكولات البحرية، وبصورةٍ أعم، فإنَّ القرارات التي اتَّخذها البشَر على هذه الصخور، وفي الكهوف القريبة، وغيرها من الأماكن الموجودة في هذه المنطقة، من المُحتمل أنها قد تكون قد أنقذَت نوعَنا من الانقراض. ولا شكَّ في أنَّ هذه القرارات قد سهَّلَت على ما يبدو استمرارَنا في البقاء خلال الأوقات العسيرة؛ ومن ثَمَّ تَوسُّعَنا خارج القارة بعد ذلك.

وفيما بين هذه الصخور، نجد بعض الأدلَّة الظرفية المُتناثرة، التي تدلُّ على الضغوطات التي كان أسلافُنا قد واجَهوها لتطوير الأعداد. وعلينا أن نُقِرَّ بأنها أدلة ضعيفة، لكنَّ إشارةً غير مباشرة تَقبع بين هذه الصخور قد ابتلعَتْها تلك الأمواج العنيدة مع مرور الزمن، وهي وجود نبات الخُزامى المُحزَّز والأصداف البيضاء موزَّعةً بدرجةٍ من الانتظام. ونحن نعرِف الآن أنَّ مِثل هذه الأصداف والرخويات التي كانت تَحتوي عليها، التي لا يزال الحصول عليها مُمكِنًا بالقدر الذي كان عليه ذلك قبل كل هذه الآلاف من الأعوام، قد كانت ضروريةً لبقاء البشَر خلال أوقات القحْط. وقد كانت أيضًا خيطًا مهمًّا في نسيج الحضارة المادية المحلية. فمن المُحتمَل أن تكون القيمةُ الأصلية لمِثل هذه الأصداف هي التي قد دفعَت إحدى نساء البشَر إلى عدِّها؛ فربما أدركَتْ أنه يمكن وضْع هذه الأصداف مُصطفَّة بمُحاذاة بعضها، مثلما ترى أصابع يدَيها مصطفَّة ومُتناظِرة، أو ربما أدركَت مباشرة أنه يمكن مطابقةُ خمس أصدافٍ مع أصابع اليد الواحدة، كل صدفة مُقابل إصبعٍ من الأصابع. وربما تَمثَّل هذا الإدراك في الواقع لفظيًّا حين بدأت تتحدَّث عن «يد» من الأصداف. وربما أصبَح التوصُّل إلى هذا الإدراك أسهلَ كثيرًا بعد ذلك، عليها وعلى غيرها من أفراد الجماعة السكانية الذين تدرَّبوا على مفهوم «يد» من الأصداف، أو «يد» من عناصر أخرى. ونحن لا نَعلم بالطبع، لكن في هذه المرحلة، فإنَّ الاحتمال الأرجح هو أنَّ هذا المكان هو أول مكانٍ قد بدأ فيه البشر في استخدام الأعداد.

إنَّ ما نعرفه هو أنَّ شخصًا ما في مكانٍ ما، في لحظة مُعينة من التاريخ، كان هو أولَ شخصٍ يُدرِك بصورةٍ مجرَّدة وجودَ خمسة أشياء على وجه التحديد. بالرغم من ذلك، فإنَّ هذا الإدراك الضروري لاختراع أنظمة الأعداد، قد حدَث بلا شك، على مدار العديد من المرَّات بصُوَر مستقلة، وفي العديد من السلالات الثقافية. وقد ضاع مع الزمن على الأرجح في معظم الحالات، غير أنَّ هذا الإدراك المُتقلِّب قد تجسَّد رمزيًّا في بعض الحالات الأخرى، وأصبح حقيقيًّا من خلال تَجسُّده في كلمة. وقد انتقلت هذه الكلمة بعد ذلك إلى عقول أخرى قد اعتمدَت على هذا المفهوم بطرُقٍ جديدة. وبالرغم من أنَّ أول مخترعي مفردات الأعداد مثل «خمسة» لم يُدرِكوا هذه الحقيقة، فإنَّ أدواتهم الإدراكيةَ حديثةَ التشكُّل كانت ستُغيِّر مسيرة الثقافات البشرية في يومٍ ما.

الأعداد والألوهية

إنَّ انشغالنا الدائم بأعداد أيامنا وسنواتنا، الذي يتَّضِح في المجتمعات الكبيرة من مجتمع المايا القديم إلى المجتمع الأمريكي الحديث، يَنبُع جزئيًّا من الممارسات الزراعية، التي يعود السبب في وجودها إلى ابتكار الأنظمة العددية. إنَّ التحوُّل إلى نمَط إعاشة يعتمد على الزراعة، كان أيضًا هو البدايةَ لأنواعٍ أخرى من التغيُّرات الأكثر حميميَّةً في الخبرة البشرية: إنها تغيُّرات لا تُخبِرنا بكيفية عدِّ أعمارنا فحسْب، بل تُخبِرنا أيضًا بمكاننا في الكَون. وأنا لا أُشير هنا إلى حقيقة أنَّ الأعداد والزراعة قد نتَج عنهما حاجةٌ أكبر إلى الاعتماد على تتبُّع النجوم وفصول السنة وغير ذلك، مما أدَّى في نهاية المطاف إلى تشكُّل وعيٍ بالفضاء، وتقدير الكون الذي نعيش فيه، والذي لا يتمركَز حول البشر. وبالرغم من أنَّ الجزء الأخير حقيقيٌّ بلا شك، فأنا أُشير هنا إلى النوع الجديد من الدوائر الدينية، الذي ظهَر بعد وجود أنظمةٍ عددية مُعقَّدة.

ربما يبدو من المُبالغة بعضَ الشيء أن نَعزُوَ أي دلالةٍ روحية إلى ظهور الأعداد. من المؤكد أنَّ جميع الشعوب تؤمن بشكلٍ ما من أشكال المعتقدات الدينية والروحانية، بصرْف النظر عن نوع الأنظمة العددية التي تستخدِمها؛ غير أنَّ المَغزى الذي نقصِده هنا أكثر دقَّة، وله الكثير ممَّا يؤيده من الأدلة في السجل الأثري والأنثروبولوجي: بالرغم من أنَّ أساطير الخلق، والمُمارسات الروحية، وغيرها من أشكال الرُّوحانية هي أمور عالمية أو تكاد تكون كذلك، فالدِّيانات الهرمية واسعةُ النطاق، تقتصِر على عددٍ قليل نسبيًّا من السلالات الثقافية. إضافةً إلى ذلك، فإنَّ هذه الديانات بما فيها الديانات التوحيدية، كالإسلام والمسيحية واليهودية، وغيرها العديد أيضًا من الديانات الرئيسة في العالم مثل الهندوسية والشنتوية والبوذية، قد ظهرَت بعد ظهور الزراعة بفترةٍ طويلة. والأهم من ذلك أنها لم تظهَر إلا بعد أن بدأ البشر يعيشون في مجموعاتٍ ومُستوطنات أكبر، بسبب نمَط حياتهم الزراعي. فعلى مدار الجزء الأكبر من مدَّة وجودنا التي تَزيد على ١٠٠٠٠٠ عام، عاش نوعُنا في مجموعاتٍ صغيرة أو قبائل في أماكن مثل كهف بلومبوس. ومنذ ١٠٠٠٠ عام تقريبًا، لا سيما في الألفيَّات القليلة الماضية، بدَأْنا في الاحتشاد وتكوين زعاماتٍ أو إمبراطوريات أكبر، مع تأسيس مناطق حضرية في مراكزها في أغلب الأحيان. ومؤخَّرًا قد اقترحت مجموعةٌ من الباحثين أنَّ تطوُّر الديانات الرئيسة الهرمية، كتطوُّر الحكومات الهرَمية، قد نبع من تكتُّل البشر في مثل هذه الأماكن. وإذا افترضْنا إلى الآن أنَّ هذه الفرضية الوجيهة صحيحة، فإنَّ هذا سيُشير إلى أنَّ اختراع الأنظمة العددية المُعقَّدة، قد أدَّى في نهاية المطاف من خلال تيسير الزراعة، إلى تكوين وجهاتٍ نظرٍ جديدة بشأن دَور البشَر في العالم، وظهور آراءٍ جديدة بشأن نشأة الأرض وما عليها. ويُمكِننا أن نذهب إلى أبعدَ من ذلك فنقول إنَّ ظهور الأنظمة العددية كان أمرًا محوريًّا في اختراع إلهٍ أو آلهة. أو مِثلما يرى البعض، فإنَّ تطوُّر الأعداد قد أدَّى إلى توصُّل البشر إلى الإدراك الدقيق بوجود إلهٍ أو آلهة.

إنَّ هذا الافتراض يقوم على الزَّعم القائل بأنَّ المجتمعات السكانية الأكبر كانت تُنتِج تقاليد جديدة؛ لأسبابٍ مُعينة، وعادةً ما تكون هذه التقاليدُ إيمانيةً دينية. ما السبب إذن في أنَّ الجماعات السكانية الأكبر قد اتَّجهَت إلى الإيمان بوجود إله؟ في خطوطٍ عريضة، تقترح الفرضية المعنيَّة أنَّ الأسباب قد جرَت على المنوال التالي: المُعتقدات الدِّينية المنظِّمة التي تتضمَّن آلهةً وفئات رجال دين تُلزِم باتباع الأخلاق، نتجَت عن حاجة المجموعات الكبيرة من البشَر إلى التعاون من خلال الأخلاق المُشتركة والإيثار. وبعد أن زاد عدد المُنتمين للحضارات بعد ظهور المراكز الزراعية وما يرتبط بها من تحضُّر، كان على الأفراد أن يَعتمدوا على الثقة المُشتركة في عددٍ كبير من البشر الآخرين، ومنهم الكثيرون الذين لا يَمتُّون لهم بصِلةِ قرابة، على عكس ما كان عليه الحال في المجموعات الصغيرة كالقبائل والعشائر. وقد كانت هذه الثقة المُشتركة داخلَ الحضارات أمرًا ضروريًّا إذا أرادت هذه المجموعات أن تتفوَّق على مجموعات الأفراد التي تُقارِبها في الحجم. وعلى العكس من ذلك، فإنَّ مجموعات القبائل والعشائر كانت (ولا تزال) صغيرة، وفي معظم الأحوال في العشائر التي تعتمِد على الصيد وجمع الثمار، توجَد صِلة قرابة بين معظم أفرادها وبين جميع الأفراد الآخرين الذين ينتمون إلى نفس الثقافة، أو معظمهم. إذن، فالدوافع الطبيعية للثقة والتعاون بين الأفراد، أكثر وضوحًا في حالة الجماعات السكانية الصغيرة؛ فنظرًا إلى أنَّ الانتقاء الطبيعي يقوم على أساس حماية الفرد لجيناته، فمن الأسهل أن نفهم دوافع الإيثار والتضحية داخل المجموعة، في المجموعات الصغيرة كالعشائر والقبائل. لكن ما الذي قد يَدفع البشر الذين يَعيشون في المجموعات السكانية الأكبر كثيرًا، والذين لا تَربِطهم بمعظم الأفراد الذين يتواصَلون معهم يوميًّا صِلةٌ وراثية يمكن تمييزها، إلى التعاون مع هؤلاء الأفراد الآخرين الذين ينتمون إلى ثقافتهم؟ لماذا قد يَهتمُّون بما فيه خيرٌ لأفرادٍ غُرباء عنهم تمامًا، من خلال أداء أفعالٍ تعاوُنية باستمرار؟ وفقًا للفرضية التي نتحدَّث عنها، والتي يؤيدها عددٌ من الباحثين مثل عالِمَي النفس أرا نورنزيان وعظيم شريف، فإنه كان لا بدَّ من تطوُّر آليةٍ اجتماعية حتى لا تتفكَّك الثقافات الكبيرة بسبب المنافسة بين أفرادها، وحتى لا يَستنزِف العديدُ من الأفراد ثمرةَ عمل الآخرين. ومن الآليَّات الاجتماعية التي تُعزِّز السلوك التعاوني الإيجابي نحو المجتمع، الدين المنظِّم الذي يَستنِد إلى أخلاقٍ مشتركة وآلهة كلية العِلم تستطيع معرفة ما يُقترَف من مخالفةٍ لمِثل هذه الأخلاق. وربما كان التطوُّر التدريجي لمِثل هذه الديانات المرتكِزة على وجود إله قد أدَّى تلقائيًّا إلى حفظ النظام والسلوكيات التعاونية التي كانت مفيدةً في نجاح الحضارات وبقائها من خلال الاهتمام الاجتماعي بالآخرين. وبعبارةٍ أخرى، يُمكننا أن نقول إنَّ الجماعات السكانية الكبيرة التي تبنَّت دياناتٍ أخلاقيةً تتمركز حول إلهٍ أو آلهة، كان احتمال بقائها سيَقلُّ عند المواجهة مع مجموعاتٍ أخرى كبيرة لا تتَّسِم بالتعاون مع الغرباء (وتتَّسِم بدرجةٍ من التعطُّش للدماء تجاه الغرباء) لكنها تتَّسِم بالتعاون فيما بين أفرادها بسبب وجود دينٍ يَفرض عليهم التعاون مع غير أقربائهم من أفراد الجماعة السكانية.

يستنِد بعض الدعم الذي تلقَّته هذه الرؤيةُ إلى دراسةٍ مَسْحية حديثة للعديد من ثقافات العالم. ووَفقًا لهذه الدراسة التي أُجرِيَت على ١٨٦ من المجتمعات المعاصرة، فثمة ارتباطٌ قوي بين حجم السكان في ثقافة مُعيَّنة، واحتمالية أن تكون هذه الثقافة تتبع ديانةً تتمركز حول إله (أو آلهة) يُعنَى بأخلاق الأفراد. وهذه العلاقة الطَّرْدية ليست حاسمةً بالطبع، لكنها تُشير إلى أنَّ هذا التفسير يَسير في الاتجاه الصحيح. أما الأمر الواضح فهو أنَّ ظهور الديانات الهرَمية الكبيرة التي تتمركز حول إلهٍ (أو آلهة) هو توجُّهٌ حديث بدرجةٍ كبيرة. إضافة إلى ذلك، فقد ظهَر هذا التوجُّهُ بعد الثورة الزراعية المُتأثِّرة بالأعداد، التي أتاحت زيادة عدد السكان في المناطق التي تطوَّرَت بها الأديان المَعنيَّة بعد ذلك. وهذه الديانات «الجديدة» قد غيَّرَت بدورها رؤيةَ الكثيرين من البشر بشأن موقعهم في الكون، وغيَّرت رؤيتهم بشأن العالم، وأشبعَتْهم بحسٍّ مُميَّز بوجود الغاية. وبسبب هذا المنحى الذي اتَّخذَته الأحداث، أصبح الكثيرون من البشر يرَون أنفسَهم على أنهم مخلوقات الإله (أو الآلهة) المُميزة. ومن ثمَّ، فإنَّ تطوُّر الأنظمة العددية المُعقَّدة، قد أدَّى دورًا في تغيير فَهم البشر لأرواحهم، وإن كان ذلك بصورةٍ غير مباشرة على أقل تقدير.6

أعداد ذات دلالة اجتماعية

حين هبط موسى من جبل سيناء بألواحه الحجَرية، كان منقوشًا عليها عَشْر وصايا إلهية؛ هي الوصايا العشر. وحتى إذا لم تكن من أتباع إحدى الدِّيانات التي تُقِرُّ بهذه الوصايا، فأنت تَدري بوجودها. وبالرغم من أنك قد لا تكون قادرًا على ذِكرها جميعًا، فأنت تَعرف أنها عشر وصايا. فلماذا هي عشرة؟ لا شكَّ بأنَّ هناك أكثرَ من عشر وصايا دينية كان من الممكن أن تُلقى على البشرية، أو على مجموعةٍ من رحَّالة الشرق الأوسط تحديدًا، قبل ما يَزيد على ألفَيْ عام. ها هي وصيةٌ حاديةَ عشرة كان يمكن أن يتبنَّاها العديد من البشر دون جدال: «لا تُعذِّب.» يُمكننا أن نتخيَّل أنه إذا نزل موسى بمثل هذه الوصية، لم تكن لتُحدِث أيَّ بلبلة. وعلاوةً على ذلك، فإنَّ كثيرًا من البشر في الوقت الحاليِّ كانوا سيُؤيِّدون هذه الوصية المفقودة. غير أنَّ القائمة كانت ستفقد بعضًا من ثِقلها البلاغي. «الوصايا الإحدى عشرة» وكأنها تَشِي بإلهٍ ساخر. لو كان موسى قد نزل بإحدى عشرة وصية، ربما لم يكن قومه لِيَعترضوا على هذه الوصية الحادية عَشْرة في حدِّ ذاتها، لكنَّ وجود إحدى عشرة وصية على وجه التحديد، كانت ستَبدو للبعض أمرًا غريبًا. وربما كان تعلُّم الأطفال للوصايا الإحدى عشرة في السياقات الدِّينية، سيُصبح أكثر الْتباسًا، مما لو أنهم كانوا يتعلَّمون العدد المُقدَّس عشرة. إنَّ العدد عشَرة هو أكثر الأعداد اكتمالًا، ومن المنطقي جدًّا للعديد من الأشخاص أن تَرِد مُعظمُ القواعد التي تحكم حياتنا، في مجموعاتٍ من عشَرة. ومن المُثير للاهتمام أيضًا أنَّ العدد عشرة له دلالة روحية في العديد من التقاليد الدينية المختلفة: تجسُّدات فيشنو العشر، والجورو العشرة في السيخية، والصفات العشر في القبالة، وغيرها. وهذا التأثير المُتكرِّر للعدد عشرة، ليس عرَضيًّا على ما يبدو. وربما ليس علينا أن نندهش حين نجد أنَّ للعدد عشرة دلالةً روحية واجتماعية خاصة، نظرًا إلى تأثيره واسعِ الانتشار في الأنظمة العددية. إنَّ الدافع النهائيَّ لهذه الدلالة قد أصبح واضحًا الآن: ليس الأمر أنَّ المفاهيم الإلهية تَرِد في مجموعاتٍ من عشرة، وإنما ينطبق ذلك على أصابعنا. (ومما لا شكَّ فيه أنَّ البعض يرَون أنَّ هذا الشكل الذي توجَد عليه أصابعنا، هو إلهيٌّ في حدِّ ذاته.)7
إنَّ الأعداد الأخرى التي تتميَّز بدلالةٍ مُعينة في النصوص الدينية، غالبًا ما تكون هي أيضًا بسيطةً وتامة، ويَسهُل قسمتُها على عشرة. فعلى سبيل المثال، للعدد «أربعين» دورٌ مُهم للغاية في التقليد اليهودي المسيحي؛ فقد استمرَّ طوفان نوح ٤٠ يومًا، وتجوَّل يسوع في الصحراء ٤٠ يومًا، وقضى موسى ٤٠ يومًا على جبل سيناء، وصام إلياس ٤٠ يومًا، ونزَل يسوع بعد ٤٠ يومًا من صَلْبه، وغير ذلك.8

وإضافةً إلى الانحياز الواضح للأصابع في الأعداد المُقدَّسة، التي يكون لها دلالة مميزة في بعض التقاليد الدينية، فإننا نَشهد هنا ظاهرةً أخرى ترتبط بهذا الأمر، وهي تداخُل الأعداد مع الروحانية. ينطبق ذلك على الأعداد المُقدَّسة في الديانات الرئيسة في العالم، وغيرها من التقاليد الروحية المنتشِرة إلى جانب ما ذكرناه سابقًا؛ فبعض التقاليد الصينية ترى أعدادًا مُعينة على أنها ميمونة أو مشئومة، ويرى أنصارُ عِلم التنجيم أنَّ أعدادًا مُحدَّدة تدلُّ على سِماتٍ روحية أو شخصية محددة، أو كلَيهما.

إن هذه الأعراف تدور في حلقةٍ منتظمة؛ فمثلما أشرْنا سابقًا، أدَّى ظهورُ نمَط العيش الذي يعتمد على الزراعة والاستقرار إلى زيادة عدد السكان، الأمر الذي أدَّى بدوره إلى نشأة العديد من الأنظمة العقائدية الإيمانية والأخلاقية. ونظرًا إلى أنَّ أنظمة الأعداد قد أسهمت في تشكيل الممارسة الزراعية، فهي مسئولة جزئيًّا على أقل تقدير، عن نشأة المُمارسات الدينية والروحية، التي أضْفَت بدَورها دلالة روحية ودينية على أعدادٍ مُحدَّدة. ويُعدُّ هذا النمَط من الاستجابة الثقافية، من السِّمات الأساسية للقصة العامة للتطوُّر المُشترك، التي يُشير إليها هذا الكِتاب في نقاطٍ متعدِّدة؛ فقد أثَّرَت الأعداد وممارسة العدِّ في التجرِبة البشرية تأثيرًا جوهريًّا، وقد نتج عن هذا التأثير ضغوطاتٌ جديدة بشأن كيفية اعتماد البشر على الأعداد، وإلى أي درجةٍ يعتمدون عليها. وقد تضمَّنَت هذه الضغوطات إضفاء دلالةٍ روحية على الأعداد.

قد يرى البعضُ أنَّ إضفاء دلالاتٍ روحية واجتماعية على الأعداد، ما هو إلا أحد الآثار الطريفة لعصور ما قبل العِلم. بالرغم من ذلك، يُمكننا أن نُجادِل في أنَّ الأعداد تَكتسب الآن دلالةً أكثر من أيِّ وقتٍ مضى؛ إذ أصبحَت مُرتبطةً دون تفكيرٍ في بعض الحالات بالاكتشافات العِلمية؛ ففي نهاية المطاف أدَّت الرياضيَّات دورًا كبيرًا في تشكيل التقدُّم العلمي الكبير الذي حدَث على مدار القرون القليلة الماضية. ومعظم الأشخاص يُدرِكون أنَّ العلم الحديث يقوم على أساس النتائج التي تُطرَح عادةً في صورةٍ كمية. والمنهجية العلمية المُرتبطة بمختلِف أنواع الرياضيات، تُرى على أنها نقطةُ الانطلاق لأي طريقٍ مؤدٍّ إلى حقيقةٍ أعلى. ومن ذلك الجانب، فإنَّ أنصار العِلم من المُلحِدين أو اللاأدريين، يمكنهم أن يُضْفوا على الأعداد أهميةً روحانية؛ إذ يتعاملون معها على أنها حقائقُ خارجية عن العقل والجسد تُرشِدنا نحوَ اكتشافاتٍ لحقائق جديدة. بالرغم من أنَّ الكميات التي تُمثِّلها الأعداد يمكن أن توجَد خارج عقولنا، فإنَّ التمثيلاتِ الرمزيةَ لهذه الكميات هي اختراعنا الخاص؛ فهي ليست مُنفصِلةً تمامًا عن عقولنا. وتعتمد الممارسات العِلمية على نوع من رَوْحَنة هذه الاختراعات التي تستنِد إلى طبيعتنا التشريحية؛ ففي العديد من المجتمعات الحديثة تُعَدُّ الأعداد ضروريةً للغاية في نظرية المعرفة؛ فهي تُساعدنا على تحديد ما إذا كان أحد الأمور اعتقادًا مُبرَّرًا، أم لا. والوصف العددي للمُعتقدات الجديدة يُمِدُّها بأنواعٍ خاصة من المعنى. فعلى سبيل المثال، إذا أخبَرَنا علماء الكونيَّات أنَّ الكون قديمٌ للغاية، فإنَّ هذا قد يَعني شيئًا لنا، لكن إذا أخبرونا أنَّ عُمر الكون يَزيد على ١٣ مليار عام، فإنَّ هذا قد يَعني أكثر بكثيرٍ بالنسبة لنا، بصرْف النظر عن قُدرتنا على تصوُّر مثل ذلك المقياس الزمني؛ ففور أن تُوصَف الملاحظات بالأعداد، يَزيد تقبُّلنا لها بصِفتها حقائقَ فعلية.

إلا أن الأعداد لا تَكتسب قيمةً اجتماعية من ذلك الجانب العامِّ المُتعلِّق بنظرية المعرفة فحَسْب؛ فلا تزال بعضُ الأعداد تتحلَّى بدلالةٍ اجتماعية شِبه روحانية في بعض السياقات غير الدينية، وهي دلالة أكثر عشوائيةً مما يُلاحِظه الكثيرون. ولعلَّ ذلك يتَّضِح جليًّا فيما يُعرَف باسم القِيَم الدلالية. وهذه القيم مُدهشة للغاية؛ لأنها تُوضِّح أنَّ بعض الأعداد المُحدَّدة التي تَرِد في سياقاتٍ لا دينية ولا رُوحانية، تتَّخِذ قيمةً يُصدِّق عليها المجتمع، مما يَمنحها في معظم الأحوال مكانةً مميزة في عقولنا. ونُكرِّر أنَّ هذه المكانة المميزة، تعود في نهاية المطاف إلى العلاقة بين الأعداد وطبيعتنا التشريحية.

وسأوَضِّح ما أعنيه هنا؛ إذا تناولْتَ أيَّ مجلةٍ عِلمية، فسوف تجد على الأرجح أنَّ العديد من مقالاتها أو معظمها، يَذكُر ما يُسمَّى بقِيَم «الاحتمالية أو P» يتعرَّف الباحثون على هذه القِيَم في مرحلةٍ مبكِّرة من تدريبهم؛ (لذا، فلتعذُر الاستفاضة هنا، إذا كنتَ باحثًا في أحد المجالات.) تُشتَقُّ هذه القِيَم من أنواعٍ مختلفة من التحليلات الإحصائية بناءً على نتائج التجارب أو غيرها من أشكال جمع البيانات. وهذه القيم الاحتمالية تَعكس احتمالاتِ أن تكون نتيجةً مُحدَّدة، تَعود إلى الفرضية الصفرية، لا الفرضية التي يَجري اختبارها؛ فعلى سبيل المثال، إذا كانت لدَينا دراسةٌ تبحث الارتباطَ بين معدَّلات التدخين في جماعةٍ سُكانية مُعيَّنة، وانتشار سرطان الرئة فيها، فبَعد اختبار قوة الارتباط، قد يَخلُص الباحثون إلى أنَّ قيمة «الاحتمالية» تساوي ٠٫٠٠٤ على سبيل المثال. وسوف يُشير هذا إلى أنَّ الفرضية الصفرية (وهي في هذه الحالة عدمُ وجود ارتباط بين التدخين وسرطان الرئة) غيرُ مرجَّحة على الإطلاق، أي إنَّ احتمالية وقوع الفرضية الصفرية أقلُّ من ٤ لكل ١٠٠٠ في هذه الحالة المُختلَقة؛ فقِيَم «الاحتمالية» المُنخفضة تُشير إلى أنَّ النتائج التي توصَّلَت إليها دراسةٌ مُعينة، لا يعود السبب فيها إلى الصُّدفة على الأرجح، وأنَّها تدعم الفرضية التي يَجري اختبارها. في العقود التي تلَت العام ١٩٢٠، حين قدَّم عالم الإحصاء رونالد فيشر مفهوم قيم «الاحتمالية»، أدَّت هذه القِيمُ دورًا واسعَ الانتشار في العلوم. إنَّ بعض قُرَّاء المؤلَّفات الأكاديمية يُلْقون نظرةً سريعة أولًا على المقالات؛ بحثًا عن قِيَم «الاحتمالية» مُحاوِلين تكوينَ رأيٍ سريع عن قوة النتائج التي تتناولها المقالة؛ فالأشخاص يرغبون مباشرةً في أن يعرفوا ما إذا كانت النتائج «ذات دلالةٍ إحصائية» أم لا. في معظم الأحيان يَأمُل الباحثون في الحصول على قيم «احتمالية» ذات دلالة منخفضة، عندما يقومون بإجراء التحليلات؛ فقِيم «الاحتمالية» المُنخفضة تَزيد من فرصة نشْر أعمالهم، ومن فرصة حصولهم على تمويلٍ في المستقبل، وغير ذلك. وبصرْف النظر عن الإفراط في استخدام قِيَم «الاحتمالية» أو إساءته في أحيانٍ أخرى منذ أن ظهر عملُ فيشر بشأن هذا الموضوع، وبصرْف النظر أيضًا عن خلافات علماء الإحصاء بشأن فائدتها، فمِن المؤكد أنَّ قِيَم «الاحتمالية» لها أهميةٌ عظيمة في المجتمع العِلمي المعاصر؛ فهي تُضْفي المعنى على العديد من الدراسات، أو هي على أقلِّ تقديرٍ تُمكِّن الأشخاص من استخلاص المعنى من هذه النتائج بسرعةٍ أكبر.9

بالرغم من ذلك، فقد يكون هذا المعنى وهميًّا من بعض الجوانب، أو قد لا يكون عميقًا بالقدْر الذي يراه عليه بعضُ قرَّاء الأعمال العِلمية، على أقل تقدير. ولكي نعرفَ بعض الأسباب التي تؤدي إلى هذا؛ فلنُلقِ نظرةً على النتائج التي تُعَدُّ «ذات دلالة إحصائية» فيما يتعلق بقِيم «الاحتمالية»؛ إذا كانت قيمة «الاحتمالية» أقلَّ من ٠٫٠١، فإنَّ نتائج الدراسة تُعَدُّ ذات دلالةٍ إحصائية في معظم الأحوال. في فترةٍ ما خلال العقود القليلة الماضية، كانت قيم «الاحتمالية» التي تَقِلُّ عن ٠٫٠٥ تُعَدُّ هي أيضًا ذاتَ دلالةٍ إحصائية في بعض المجالات، غير أنها كانت تُعَدُّ ذات دلالةٍ إحصائية أقلَّ من قيم الاحتمالية التي تقلُّ عن ٠٫٠١. إنَّ قِيم الاحتمالية التي تقلُّ عن ٠٫٠٥ تُشير إلى أنَّ هناك ٥ فُرَص من ١٠٠ تَكون فيها الفرضية الصفرية للدراسة صحيحة. لكن لماذا ٥ من مائة؟ أو ١ من ١٠٠؟ هل أقرَّ الكونُ بحيادٍ أنَّ مثل هذه النِّسَب هي الطريقُ إلى المعرفة؟ بالطبع لا، لكنَّ ما نراه في مثل هذه القِيم «للاحتمالية» قد أصبح نمَطًا مألوفًا لنا الآن؛ فالعددان خمسة وعشرة ومضاعفاتهما، من الأعداد المميزة لدَينا؛ فنحن نَميل إلى إضفاء دلالةٍ اجتماعية على هذه الأعداد؛ لا لأنها ترتبط بالحقيقة العِلمية من الناحية الموضوعية، بل لأنها تَرتبط بأيدينا. حتى إذا لم نكن نُفكِّر في هذا الأساس الخُماسي، والأساس العشري، فهو موجود دائمًا من الناحية التاريخية. والواقع أنَّ قدرًا كبيرًا من العِلم، أو مِن الطريقة التي يُفسِّر بها الكثيرون الدراساتِ العِلميةَ على وجه التحديد، يتأسَّس على هذا الأساس المُتعلِّق بالأيدي، دون تفكير. فمن المُمكن أن تُصبح قِيم «الاحتمالية» مقبولةً اجتماعيًّا حين تكون بنسبٍ أخرى؛ فربما يجِب أن تُصبِح قيم «الاحتمالية» أقلَّ من ٠٫٠٣ لكي تُعَدَّ ذاتَ دلالةٍ إحصائية، أو ربما يجِب أن تُصبح ٠٫٠٠٧ أو ٠٫٠٢٣. إنَّهما قِيمتان عشوائيتان ومنخفضتان، لكنَّهما من منظورٍ غير مُتحيِّز للأصابع مُسوَّغتان تمامًا بقدْر تسويغ القِيمتَين ٠٫٠٥ أو ٠٫٠١.

كل ما يُمكِننا إثباته فعلًا هو أنه حين تكون قِيمُ «الاحتمالية» مُنخفضة في دراسةٍ محدَّدة، فإنَّ احتمالاتِ أن تكون الفرضية الصفرية صحيحةً ليست بالجيدة، غير أنَّ ذلك لا يَمنحنا سوى تأكيدٍ أقل؛ فنحن نرغب في أن تُخبِرنا الأعداد ببساطةٍ معنى الدراسة. إنَّ ذلك لا يَعني أنَّ الاختبارات الإحصائية ليست مُوضِّحة، وإنما لكي نُشير إلى أنَّ طريقة تفسيرنا لها ليست حاذقةً كما ينبغي لها أن تكون. وبدلًا من ذلك، فإنَّ تفسيرنا للدراسات العلمية غالبًا ما يعتمِد على طريقة «الكل أو لا شيء»، ولهذا الاختيار القائم على الثنائية فوائدُه في تبسيط قراءتنا للبيانات. لكنَّ الأهم بالرغم من ذلك، هو أنَّ طريقة قيامنا بالاختيار المعني، ليست سوى ناتجٍ ثانوي بالأساس لسِمات أيدينا التي نُمارِس بها العِلم. فمن ناحية ما، تُعَدُّ قِيم «الاحتمالية» هي آخر مثالٍ على استخدامنا لأصابعنا، دون أن نُدرِك في معظم الأحوال، في الإشارة إلى حقائقَ عُليا، لا تختلف كثيرًا عن الوصايا العشر.

خاتمة

من المُحتمَل أن تكون الأعداد قد بدأَت في تشكيل الخبرة البشرية منذ الماضي البعيد حين كان أسلافُنا يَسكنون بجوار البحر بالقُرب مما يُعرَف اليوم بمدينة ستيلباي، وهي لا تَزال تفعل ذلك؛ فمن المعابد والكنائس، إلى الجامعات والمُختبرات، لا تَزال الأعداد تُغيِّر حياة الجماعات السكانية الزراعية الكبيرة، إضافةً إلى الجماعات الصغيرة التي تعيش على الصيد وجمع الثمار، والجماعات التي تعتمد على البستنة، والتي تُجبَر الآن على الدخول في عالمٍ تزداد عَولمته.

إنَّ التمثيلاتِ اللفظيةَ وغيرَ اللفظية للكميات المُحدَّدة، قد غيَّرَت جميع الأوجه المُمكِنة في حياتنا؛ فبينما تقرأ هذه الكلمات، لا يُوجَد سوى القليل من عالمك، بدايةً من أفكارك الداخلية إلى بيئتك الخارجية، هو الذي لم يتأثَّر بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة بهذه التمثيلات، أي بالأعداد؛ فهذه السطور الأنيقة والحروفُ الموجودة على هذه الصفحة ما كانت لِتُصبح مُمكِنةً بدون الأعداد؛ فالأعداد قبل كلِّ شيء، هي التي تُمكِّننا من أخذ القياسات، وقد كانت رموزُ الأعداد هي باكورةَ الكتابة. إنَّ ذكر الجوانب التي لم تتأثَّر في حياتنا باختراع الأعداد، لهو أمرٌ أقلُّ صعوبةً من ذكر الجوانب التي تَغيرَت في حياتنا باختراعها. فكلُّ شيءٍ بدايةً من الطبِّ الحديث، والدين، والتصنيع، والعمارة، والألعاب الرياضية، قد تأثَّر باختراع الأنظمة العددية، وتفاصيلها بطرُقٍ لا يمكن تمييزها في معظم الأحيان.

في هذا الكتاب، قدَّمتُ طرحًا يُفيد بأنَّ الأعداد، أي التمثيل الرمزي للكميات، هي اختراعٌ في واقع الأمر؛ فالكميات تَرِد في الطبيعة، حتى إنَّ منها ما يَرِد بصورةٍ منتظمة، سواءٌ أكان ذلك في السنوات التي تَفصِل بين دورات تكاثُر حشرات الزيزيات أو مجموع أرجل العنكبوت، أو أيام الدورة القمرية وغيرها. غير أنَّ الأعداد نفسها، أي التجسيد الرمزي لمِثل هذه الكميات المُنتظِمة، لا تُوجَد بصورةٍ مستقلة عن الابتكار البشري، ونحن لا نَخترعها ببساطة، بفضل بعض الآليات الفطرية. وإنَّني أطرح هذا الزعم بِناءً على الأدلة الحديثة من التجارِب التي أُجرِيَت على الأطفال، وعلى الشعوب اللاعددية، وعلى بعض الأنواع قريبةِ الصِّلة بنوعِنا. ومثلما رأيْنا فإنَّ هذه الأدلة تَئول إلى نتيجةٍ واضحة، وهي أنَّنا لا نُولَد ونحن نمتلك القدرة على التمييز بين معظم الكميَّات بدقَّة، بالرغم من أنَّنا نمتلك بعض القدرات الفطرية التي تُمكِّننا من التمييز بين الكميات بصورة تقريبية، مع التمييز الدقيق بين المجموعات التي تَحتوي على كميةٍ صغيرة من الأشياء. إنَّ هذه القدرات لا تَسمح لنا بالتمييز بين أعداد مُعظم مجموعات الأشياء أو الأحداث، حتى وإن كانت هذه المجموعات تُوجَد في الطبيعة. إنَّ اختراع الأعداد، وهي تمثيلات كمياتٍ مُحدَّدة، هو الذي مكَّن البشر من إدراك الأنماط الكمية على نحوٍ مُحدَّد، وذلك بصورةٍ منتظمة على الدوام؛ فقبل اختراع الأنظمة العددية كانت مُعظمُ الأنماط الكمية المُنتظمة في الطبيعة خفيةً عن أعين أفراد نوع «الإنسان العاقل»، أو أي نوعٍ غيره كذلك. وقد أدَّى اختراعُها إلى حدوث تغيير إدراكي مُزلزِل، ولا يزال تأثيره مُستمرًّا.

وقد اقترحتُ أيضًا أنَّ اختراع معظم أنواع الأعداد لم يكن ناتجًا فرعيًّا تلقائيًّا عن اللغة والثقافة فحسب، وإنما كانت نتيجةَ التناظُر الحيوي في يدَيِ الإنسان. إنها الأيدي التي يمكن أن نُركِّز عليها بسهولة؛ إذ إنها غيرُ ضرورية للحركة. إنَّ تَمكُّنَنا من السير على قدَمَين، قد أتاح لنا التركيز على أيدينا بدرجةٍ أكبر، وتحسين استخدامنا لها. وقد أدَّى هذا التركيزُ في نهاية المطاف إلى إدراكنا مُصادفةً للتطابُق العدديِّ بين الأصابع في كل يدٍ والأخرى، إضافةً إلى تطابُق عدد الأصابع مع غير ذلك من المجموعات. إنَّ هذا الإدراك البسيط شيءٌ بسيط للغاية، ولكنه غيرُ مُتأصِّل في طبيعتنا الفطرية، قد تجسَّد في النهاية من خلال اللغة. لقد أتتِ الأعدادُ إلى الوجود؛ فأصبحَت الكميات المُحدَّدة حاضرةً في أفكارنا على الدَّوام، فلم نَعُد نُصادِفها بشكلٍ مُتقطِّع فحسْب. وبناءً على السجل الأثري والسجل اللغوي، فإنَّ البشر يُعبِّرون عن الكميات المُحدَّدة بصورةٍ مُنتظمة من خلال الأعداد، منذ الكثير من آلاف السنين. ومن هذه الناحية فإنَّ الثورة العددية ثورة قديمة.

بالرغم من ذلك، فمن ناحيةٍ واقعية أخرى لم تَكتسب الثورةُ العددية زخمًا إلا منذ بِضعة آلافٍ من السنوات. وخلال تلك الفترة، تطوَّرَت الأنظمة العددية والزراعة جنبًا إلى جنب. وقد تضمَّنَت نتائجُ هذا التطوُّر المشترك تشكيلَ مجتمعاتٍ أكبر، وظهورَ أنواعٍ مُحدَّدة من العقائد الدينية، وظهورَ الرياضيات وأنظمة الكتابة، التي كانت أنظمةً مُرتكِزة على الأعداد في بداية الأمر. وممَّا لا جدال فيه أنَّ الأعداد وممارسة العد، قد غيَّرَت قصة البشرية. فبالرغم من أنَّ البشر قد أدركوا أهمية تطوُّر الرياضيات في قصة البشرية منذ فترةٍ طويلة، فقد أكَّدتُّ أنا على أنَّ اختراع مفردات الأعداد والأعداد المنطوقة، قد أدَّى دورًا أهمَّ وأسبق. وتماشيًا مع الأبحاث مُتعدِّدةِ التخصُّصات التي أُجرِيَت على هذا الموضوع؛ اقترحتُ أنَّ الأعداد كانت ولا تزال أدواتٍ إدراكية، أدواتٍ قد غيَّرَت حياتنا قبل استخدام الرياضيَّات المُتطوِّرة بفترةٍ طويلة.

إنَّنا — نحن البشر — نطفو على الدوام في بحرٍ من الكميات، مِثلما أنَّنا نطفو دومًا في بحْرٍ من المُحفِّزات الأخرى. إنَّنا نطفو في بحرٍ من الضوء المرئي على سبيل المثال، ومثلما أنَّ أعيُنَنا تُمكِّننا من تمييز ذلك الضوء، والتنقُّل في العالم المادي من حولنا، فإنَّ الأعداد تساعدنا على تمييز الكميات الموجودة حولنا، واجتياز بحورٍ فكرية جديدة. ومِثلما أكدْتُ في هذا الكتاب، فإنَّ هذه الأدواتِ التي نستخدِمها في الإبحار الفكري، لا توجَد بصورةٍ مُنفصِلة عن اختراعنا لها. إنَّنا لم نَكتشِف هذه الأدوات قابعةً في مكانٍ ما على ساحل جنوب أفريقيا، بل أدركْنا التطابُق بين الكميات، على مراحلَ مختلفةٍ من التاريخ وفي أماكنَ مُختلفة قد تكون مدينة ستيلباي منها، ثم جسَّدْنا هذا الإدراكَ من خلال ابتكار أنواعٍ جديدة من الكلمات. وفي معظم الأحيان، كان هذا التطابقُ بين كمياتٍ تُوجَد في البرِّية، والكميات التي تُمثلها أصابعنا.

إذن، فبصفةٍ أساسية قد أخَذْنا أيديَنا ومدَدْناها في بحر الكميات التي لا نستطيع التمييز بينها، وشكَّلْناها في صورة أعداد. لقد أمسكنا بأيدينا كمياتٍ من الأشياء الموجودة حولنا، وذلك بصورةٍ مَجازية وحَرفية أيضًا. وقد شكَّلنا هذه التطابقاتِ المجردةَ للكميات، وصُغْنا منها أعدادًا حقيقية للغاية، لكنها غير طبيعية على الإطلاق. لقد بنَينا الأعداد، ونظرًا إلى تأثيرها التحويلي، فمِن الإنصاف أن نقول إنَّ الأعداد قد بنَتْنا أيضًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠