الفصل الثاني

الأعداد منقوشة في ماضينا

فَوق أرض الغابة، وفي صميم قلب غابات الأمازون البرازيلية، بالقُرب من مدينة مونتي أليجري العتيقة، توجَد مجموعة من الرسومات على كهفٍ بجانب أحد التِّلال وبعض الجُدران البارزة. وهذه الرسومات التي أبدَعَها فنَّان من السُّكان الأصليِّين قبل أكثر من ١٠٠٠٠ عام، ووثَّقَتها بعناية شديدة عالمةُ الآثار آنا روزفلت، قد أسهمَتْ في تغيير فَهْمنا لتاريخ ما قبل الاستعمار في الأمريكتَين. في إحدى اللَّوحات، نجد مجموعة من علامات x المرسومة في ترتيبٍ شبَكي. ووظيفة هذه الرسمة، التي هي أشبَهُ بالمُخطَّط منها بالعمل الفني، ليست معروفةً على وجه اليقين، لكنَّ الأرجح أنَّ هذه العلامات تُشير إلى كميات: للأيام، أو للبدور أو غيرها من أنواع الدَّوْرات الثمينة التي ضاعَتْ بمرور الزمن، تدلُّ هذه الرسمة على توجُّهٍ أكبر. على مدار العقود العديدة الماضية، اكتشف علماء الآثار العديد من قطع الأدلة التي تُشير إلى أنَّ القدماء كانوا يُولُون اهتمامًا للكميات، وقد كانوا يُمثِّلون هذه الكميَّات في بُعدَين؛ فلم يكونوا يُمثِّلونها على هيئة كتابة رمزية مُكتمِلة الملامح، بل بالعلامات المرسومة على جُدران الكهوف، والعلامات المنقوشة على الخشب والعظام. وعلامات العصي تلك هي علاماتٌ رمزية من حيث إنها تَرمُز إلى شيءٍ آخر، لكنها لا تُمثل الكميات بطريقةٍ رمزية مجردة تمامًا كالأرقام الفعلية المكتوبة؛ فالرقم سبعة، على سبيل المثال، يُشير إلى مجموعة تتكوَّن من سبعة عناصر، بغضِّ النظر عن نوع هذه العناصر. يمكن تسمية هذه العلامات البدائية «أرقام ما قبل التاريخ»؛ فهي مؤشِّرات شِبه رمزية على الأرقام الحديثة المكتوبة. فلتتأمَّل الرقم ٣ في الأرقام الرومانية III إنه أكثرُ شبهًا بتمثيل ثلاثة عناصر بطريقة العدِّ بالعصا فحَسْب. حتى الأرقام التي نستخدمها، والتي تعود إلى أصلٍ هندي، تحمل آثارًا واضحةً على نظام العدِّ بالعصا؛ فالرقم ١ مثلًا، يُمثَّل بعلامة عصًا واحدة.1
على بُعد ٥٠٠٠ كيلومتر من مونتي أليجري، في ليتل سولت سبرينج بفلوريدا، اكتشف طُلَّاب عِلم الآثار من جامعة ميامي في وقتٍ قريب جزءًا كبيرًا من قرْن أحد غِزلان الرَّنة، يعود تاريخه هو أيضًا إلى ما يَقرُب من عشرة آلاف عام قبل الآن. تظهر صورة حديثة لهذا القرْن في الشكل ٢-١، وكما توضِّح الصورة، توجَد مجموعة من الخطوط المنقوشة على جانب القرْن، وهي خطوط مُنتظمة للغاية، ويبلغ طول كلٍّ منها خمسة ملليمترات تقريبًا. إضافةً إلى ذلك، فالمسافة بين الخطوط متَّسِقة بدرجةٍ كبيرة، مما يُوحي بأنَّ هذه العلامات قد نُقِشَت عن قصدٍ وبشكلٍ منهجي. وبجوار هذه العلامات تُوجَد نقوش صغيرة، يتَوازى كلٌّ منها مع الخطوط الأكبر. وتُوحي هذه الخطوط الثانوية الصغيرة بأنَّ العَظْمة كانت تُستخدَم لمُتابعة تقدُّم شيءٍ ما. (في الشكل ٢-١، تظهر النقوش الثانوية إلى اليسار قليلًا من الخطوط الأساسية على القرْن.) لقد غفل الكثيرون عن أهمية قِطعة قرْن الوعل؛ فهي لم تُوصَف إلا مؤخَّرًا في دورية مُتخصِّصة في مجال عِلم الإنسان، دون الإشارة إلى ما يترتَّب عليها من نتائجَ أعم. بالرغم من ذلك، فعلى العكس من رسمة مونتي أليجري، يمكن لنا أن نَطرَح فرضيةً تتَّسِم بدرجةٍ كبيرة من المنطقية، بشأن وظيفة العلامات الموجودة على القرن. إنَّ هذه العلاماتِ تُوحي بالفعل بأنَّ هذه القطعة من القرْن هي أقدمُ أداة معروفة في العالم الجديد، استُخدِمت لأهدافٍ تتعلَّق بالتقويم، وتُوجَد العديد من الأدلة التي تؤيِّد هذا الاستنتاج.2
fig1
شكل ٢-١: قرن غزال الرَّنة المكتَشَف في ليتل سولت سبرينج بفلوريدا، مع يدِ زميلٍ لتوضيح الحجم. الصورة الفوتوغرافية من التقاط المؤلِّف.
إنَّ المياه في ليتل ووتر سبرينج فقيرة بالأكسجين (فهي تفتقِر إلى الأكسجين المُذاب) فيما يَزيد عن عُمق ٥ أمتار تحت السطح. والقطعة المَعنية، وهي جزء مُستوٍ من قرْن، ويبلغ طولها ٨ سنتيمترات تقريبًا وتزن ما يقرُب من خمسين جرامًا، قد اكتُشِفت على عُمق ٨ أمتار. لقد كانت مُحاطةً بالماء الفقير بالأكسجين منذ أن قُطِعت قبل ١٠٠٠٠ عام تقريبًا، والآثار لا تتلف في الماء الفقير بالأكسجين بالدرجة التي تَتلَف بها في الماء المُعتاد؛ إذن فالقرن محفوظ بعناية شديدة؛ ولهذا يُمكننا أن نثق بأنَّ عدد العلامات الموجودة على جانبه هو نفسُه العدد الذي نقَشه ذلك الفنان قبل كل هذه الأعوام. إضافةً إلى ذلك، فقد اكتُشِف القرن مغروسًا في الأرض بجوار حافة جرفٍ تحت الماء، ولم يكن هذا الجرف مغمورًا تحت المياه في العصر الجليدي الذي صُنِعَت فيه هذه الأداة، حين كانت مستويات المياه المُحيطة بفلوريدا أقلَّ انخفاضًا ممَّا هي عليه الآن بدرجةٍ كبيرة. وقد كانت القمَّة المُنحدِرة لهذا الجرف تُستخدَم بمثابة موقع صيدٍ في ذلك العصر؛ فقد اكتُشِفت هناك العديد من بقايا الحيوانات والأسلحة، وذلك على يد عالِمَي الآثار البحرية بجامعة ميامي؛ جون جيفورد، وستيف كوسكي، وطلابِهما. وقد قام هذا الفريق البَحْثي بوصْف هذه البقايا والأسلحة المعنيَّة وأرَّخَها بدقَّة، واكتشف أنها تعود إلى العصر ذاته الذي ينتمي إليه القرنُ المنقوش. ونظرًا لأنَّ قرن غزال الرَّنة قد اكتُشِف في هذا الموقع، فمن المنطقي أن نفترِض أنَّ العظمة كانت تُستخدَم لغرَضٍ مُتعلق بالصيد. ولدَينا دليل آخر مُهم يدعم هذا الاستنتاج الأخير، وهو أنَّ قطعة القرن قد نُقِش بها تسعةٌ وعشرون خطًّا أساسيًّا، ولدَينا الآن جزءٌ مكشوط، حيث كان به أحد هذه الخطوط كما يدل على ذلك وجودُ نقشٍ أصغر بجوار ذلك الجزء المكشوط. وأحد هذه الخطوط الموجودة في المُنتصف أقلُّ انتظامًا؛ ولهذا فقد يكون ثمانيةٌ وعشرون خطًّا فقط هي التي نُقِشَت عن قصد، غير أنَّ هذا الاحتمال الأخير يبدو غيرَ مؤكد؛ إذ إنَّ المسافة بين العلامات متساوية، كما يتضح في الشكل ٢-١.
ولأنَّه من الواضح أنَّ ليتل سولت سبرينج كانت تُستخدَم بمثابة موقع صيدٍ في العصر الحجري، فمن المُحتمَل أن تكون العلامات الموجودة على القرن تُمثِّل الأيام أو الليالي. فأطوار القمر تؤثِّر في ممارسات الصيد نظرًا إلى بعض العوامل مثل تغيُّر سلوك بعض الحيوانات في طَوْر البدر، وتأثير ضوء القمر على حِدَّة رؤية الصيادين؛ ومن ثمَّ فالأرجح أنَّ المصفوفة المنقوشة على القرن، التي تتكوَّن من تسعةٍ وعشرين خطًّا، تُمثِّل عدد الأيام في الشهر القمري، الذي يمتدُّ على مدار ٢٩ يومًا ونصف اليوم في المتوسِّط. ويدعم هذا التأويلَ التقويميَّ دليلٌ موجود على القرن، لكنه أقلُّ وضوحًا؛ وهو أنه لا يوجَد نقشٌ صغير بجوار أحد السطور الطرفية في سجل العلامات (السطر الطرفي السُّفلي في الشكل ٢-١). ويُوحي لنا ذلك بأنَّه لم يكن ثمَّة حاجةٌ إلى نقش علامةٍ أصغر بجوار العلامة الأكبر، أي إنَّ تسجيل العلامة الأخيرة لم يكن ضروريًّا على ما يبدو. وذلك هو ما كان سيحدُث بالتأكيد إذا كان أحد الصيادين يُتابع تقدُّم دورة القمر؛ فلن يكون هناك حاجة إلى تسجيل حدوث البدر/الهلال، في الليلة الفعلية المَعنيَّة، وسيكون الصيَّاد مُدرِكًا تمامًا أنَّ البدر أو الهلال قد حل. وبالنظر إلى هذه العوامل، وكذلك اكتشاف الأداة في موقعٍ مُرتبط بالصيد؛ فإنَّ الاستنتاج الأرجح والجديرَ بالملاحظة بشأن قطعة القرْن، هو أنَّ الصيَّادين كانوا يستخدمونها أداةً لعدِّ الأيام/الليالي في الشهر، ثم عدِّها من جديد. ومعنى هذا أنَّ البشَر قبل ما يزيد على ١٠٠٠٠ آلاف عام، وفي مكانٍ غير بعيد عن ميامي التي نعرفها في الوقت الحاضر، كانوا يستخدمون العلامات الخَطِّية لمُتابعة تقدُّم الكميات. وقد كانت أرقامُ ما قبل التاريخ تتمثَّل في علامات العِصيِّ المنقوشة على جزءٍ من قرن غزال قد قُطِع إلى حجمٍ مناسب حتى يُمكن حملُه بسهولةٍ في قبضة اليد. لقد كان ذلك بصفةٍ أساسية تقويمَ الجَيب في العصر الحجَري، وقد حُفِظ مصادفةً في مياهٍ فقيرة بالأكسجين. (ومن المُفترَض أنَّ العديد غيره لم يُحفظ.)
بالرغم من أنَّ «التقويم» المصنوع من قرْن الغزال، والمُكتشَف في ليتل سولت سبرينج، قد يُمثل أحدَ أوضح الأمثلة على الآلات الحجَرية التي استُخدِمت لمُتابعة دورة القمر، فمن المؤكد أنَّ البشَر الذين استخدموه لم يكونوا هم البشَر الوحيدين في العصر الحجَري الذين استخدموا نقْش علامات العصي على العظام لمُتابعة الكميات؛ ففي كهف جروت دي تاي في جنوب فرنسا على سبيل المثال، اكتُشِفتْ لوحة عظمية صغيرة منقوشة، ويعود تاريخها أيضًا إلى العصر الحجَري الحديث. ويظهر على سطح عظْمة الضِّلع مئاتُ الخطوط المنقوشة، وتوضِّح بعضُ التحليلات أنَّ هذه الخطوط كانت تُستخدَم لأغراضٍ تتعلَّق بالتقويم. ومن الأدوات الأخرى التي اكتُشِفَت في فرنسا، لوحة أبري بلانشارد، وهي عظْمة يعود تاريخها إلى ٢٨ ألف عام، وتظهر عليها نقوش دائرية وبيضاوية تُمثِّل على الأرجح أطوارَ القمر وحركته. إضافةً إلى ذلك، يبدو أنَّ البشر في أوروبا في العصر الحجَري الحديث، كانوا يستخدمون نظامَ عصيٍّ أقلَّ تعقيدًا، لتمثيل الكميات، وذلك يُشبِه كثيرًا استخدامَ بشَر العصر الحجَري العلوي القديم الذين كانوا يعيشون فيما نعرفه اليوم بفلوريدا. ويؤيد هذا الاستنتاجَ نموذجٌ لنظام عِصي بسيط، قد اكتُشِف أيضًا في فرنسا، وهو عظمة أبري سيليه أفيان التي تقترِب في العُمر من أداة أبري بلانشارد. تحتوي عظْمة أبري سيليه على علاماتٍ خطية، تفصل بينها مسافةٌ مُنتظمة بدرجةٍ كبيرة، مثل قرْن ليتل سولت سبرينج. ولا يُوجَد بجوار العلامات نقوشٌ أصغر، كالتي تتَّضِح في قطعة ليتل سولت سبرينج، وهي لا تُمثِّل الكمية ٢٩ أو أي كمية أخرى يمكن فَهْم أسباب تمثيلها بعلامات العِصي. بالرغم من ذلك، فإنَّ أحد التحليلات الحديثة يُوضِّح أنَّ عظْمة أبري سيليه، لا تختلف عن أداة جروت دي تاي وأداة أبري بلانشارد؛ فهي تُقدِّم دليلًا على أنَّ مخترعها، أو مخترعيها، قد عمَدوا إلى تمثيل المفاهيم العددية بطريقةٍ مادية.3

يبدو لنا إذن أنَّ البشَر في أوروبا وأمريكا الجنوبية وأمريكا الشمالية، كانوا يُمثِّلون الكميَّات في بُعدَين منذ آلاف السنوات. ونحن لا نعلم على وجهِ اليقين ما إذا كانت أرقامُ ما قبل التاريخ تُستخدَم مع مُفرَدات الأعداد أم لا، لكن بالنظر إلى الدور الذي تؤدِّيه مفردات الأعداد في تيسير عملية التفكير الرياضي وتمييز الكميات المُتكرِّرة (انظر الفصل الخامس)، فإنَّ هذه الأدواتِ تدلُّ بالفعل على أنَّ مُخترِعيها كانوا يَستخدمون اللغة العددية. إنَّنا لا نعرف بصورةٍ واضحة طولَ المدَّة التي كان البشر يستخدمون فيها أرقامَ ما قبل التاريخ المنقوشة والمرسومة، لكنهم كانوا يستخدمونها على الأرجح على مدار عشرات الآلاف من الأعوام. في هذا الفصل وفي الفصلَين الثالث والرابع، سوف أوَضِّح استنتاجًا بسيطًا يتَّضِح في البيانات الأثرية العالمية واللغوية كذلك، وهو أنَّ البشَر كانوا مُنشغِلين دائمًا بتمثيل الكميات. إنَّ مصطلحات الكميَّات تؤدِّي دورًا طاغيًا وشاملًا تقريبًا، في لغات البشَر المُعاصرة، ممَّا يدلُّ على دَورها البارز في تاريخ الكلمة المنطوقة. وبالمِثل، فإنَّ تركيز البشَر على الأعداد يَبرُز في السجلِّ الأثري وفي تاريخ أنظمة الكتابة؛ فالأعداد منقوشة بالفعل على سجلِّنا التاريخي.

مثلما هي الحال في جميع النقاشات عن تطوُّر الأنظمة الرمزية البشرية، فإنَّ تركيزنا يتحوَّل بالضرورة إلى أفريقيا. وبصورةٍ أكثر تحديدًا، يسترعي انتباهَنا إقليمٌ صغير في الكونغو، وهو الإقليم الذي كان عالِم الجيولوجيا البلجيكي، جون دي هينزيلين، قد اكتشَف فيه في العام ١٩٦٠ قصبةَ ساقِ أحدِ حيوانات البابون يبلُغ طولها ١٥ سنتيمترًا، ويوجَد عليها بعض النقوش. وبعد تأريخ هذه العظْمة، التي سُمِّيت بعَظْمة إيشانجو، على اسم المكان الذي اكتُشِفت فيه في بحيرة إدوارد، اتَّضح أنَّها تبلُغ من العمر عشرين ألف عام على الأقل. وعلى جوانب العظْمة التي يقترِب شكلها من الأسطوانة، يوجَد ثلاثةُ أعمدة من الخطوط التي تظهر فيها علاماتٌ مُجمَّعة في مجموعات. ومنذ اكتشاف هذه العظْمة يدور جدَل حادٌّ بشأن دلالة هذه المجموعات؛ فقد اقترَح البعض أنَّ المجموعات تُشير إلى استخدام النظام العدَدي الاثنَي عشري (الأساس ١٢) أو الوعي بالأعداد الأولية، أو النظام العشري. غزيرةٌ هي الفرضيَّات؛ لأنَّنا لا نعرِف الغرَض الذي استُخدِمت العظْمة لأجله بالتحديد، غير أنَّنا نعرِف بالتأكيد أنَّ الخطوط التي تمتدُّ على جوانب العظْمة، مُتوازيةٌ تقريبًا مع مَثيلاتها من الخطوط الموجودة في الأعمدة الأخرى. (وتختلف الخطوط في الاتجاه اختلافًا طفيفًا، وهي تختلف أيضًا بعض الشيء في الطول.) والأهم من ذلك أنَّ الكميات التي تظهر في مجموعات العلامات ليست عشوائية؛ فالعمود الأول يتضمَّن العدد التاليَ من الخطوط، بالترتيب من الأعلى إلى الأسفل: ٣، ٦، ٤، ٨، ١٠، ٥، ٥، ٧ (المجموع = ٤٨). ويتضمَّن العمود الثاني مجموعاتٍ تتكوَّن بالترتيب من ١١ و٢١ و١٩ و٩ (المجموع = ٦٠). وكالعمود الثاني، يتضمَّن العمودُ الثالث أيضًا ٦٠ خطًّا، لكنها تَرِد في مجموعاتٍ تتكوَّن من ١١ و١٣ و١٧ و١٩. وجميع الأعداد في هذا العمود الأخير هي أعداد أولية، وتلك مصادفة على الأرجَح، لكنَّ ما يبدو مصادفةً أقلَّ هو تَساوي المجموع الكُلِّي للعلامات في العمودَين؛ فهو يبلُغ ستِّين في كِلا العمودَين. إضافةً إلى ذلك، لدَينا احتمال واضح بأنَّ العمود الأول يُشير إلى نمَطٍ من أنماط المُضاعَفة، نظرًا إلى وجود مجموعاتٍ متجاورة هي عبارة عن ٣ / ٦، و٤ / ٨، و٥ / ١٠ على التوالي.4

ربما تكون الفرضيَّات المُتنوِّعة الجذابة بشأن العلامات الموجودة على الجوانب، هي السببَ في أنَّنا عادةً ما نُغفِل بشأن عظمة إيشانجو حقيقةً بسيطة لكنها هامَّة، وهي أنَّ أحد طرَفَي العظْمة تبرُز منه قطعةٌ حادَّة من معدن المرو، وهي سنٌّ مُدبَّبة مُلحَقة بها، من الواضح أنها كانت تُستخدَم في النقش. يبدو أنَّ عظمة إيشانجو كانت تُستخدَم بمثابة قلَم رصاص في العصر الحجري؛ لقد أمسك شخص ما بهذه العظْمة بين أصابعه ذات مرَّة، واستخدمها للنقْش على أشياء أخرى؛ عظام على الأرجح. والاستنتاج البارز هنا هو أنَّ جوانب العظمة ربما كانت تُستخدَم بمثابة جدولٍ مرجعي عددي للشخص الذي يحملها، بينما يقوم هو بدَوره بتسجيل كميةٍ من العناصر أو الأحداث، بشكلٍ تفصيلي، على جانب عظمةٍ أخرى أو قطعةِ خشب، أي إنَّ هذه العظمة كانت تُستخدَم لهدفٍ فِعلي ونظري في الوقت ذاته. إنها تبدو كمِسْطرة للعصر الحجَري؛ فالكميَّات مُمثَّلة على جوانبها لتيسير عملية مُضاعفة هذه الكميات وغيرها بدقَّة. إنَّ هذه العظمة تُشير إلى أنَّ بعض سكان أفريقيا كانوا يُجْرُون عمليات المضاعفة على أرقام ما قبل التاريخ، منذ عشرين ألف عامٍ على الأقل.

وبعض العِظام الأفريقية الأخرى التي تظهر على جوانبها خطوطٌ منقوشة، يعود تاريخها إلى أبعدَ من ذلك، وينطبق الأمر نفسُه على بعض العِظام المُكتشَفة في أوروبا، مثل عَظْمة الذئب التي يبلُغ عمرها ٣٣ ألف عام، والتي تحتوي على خمسٍ وخمسين علامة على أحد جوانبها، وقد اكتُشِفَت في جمهورية التشيك، غير أنَّ وظائف مُعظم هذه المنقوشات القديمة للغاية قد ضاعَتْ للأبد على الأرجَح. بالرغم من ذلك، يبدو لنا أنَّ إحدى العظام الأفريقية، وهي أقدم كثيرًا من عظْمة إيشانجو؛ إذ يُقدَّر عمرُها باستخدام وسائل التأريخ بالكربون المُشِعِّ بحوالي ٤٣٠٠٠ عام أو ٤٤٠٠٠، كانت تُستخدَم لأهدافٍ تتعلق بالرياضيَّات، اكتُشِفت هذه العظْمة في سلسلة جبال ليبومبو التي تمتدُّ على الحدود بين جنوب أفريقيا وسوازيلاند، وتوجَد أيضًا على جوانبها خطوطٌ منقوشة. عظْمة ليبومبو هي قصبة ساق إحدى حيوانات البابون، وهي شبيهة في الحجم بعظْمة إيشانجو، لكنها كانت تُستخدَم لوظيفةٍ أقلَّ تعقيدًا، أو أوضحَ على الأقل؛ فهي تحتوي على تسعةٍ وعشرين خطًّا منقوشًا على أحد جوانبها، ومن ثَمَّ فقد كانت تُستخدَم على الأرجح لتتبُّع دورة القمر، مثل قرْن الغزال المكتَشَف في ليتل سولت سبرينج. وبالرغم من أنَّ هذا التفسير ليس مؤكدًا؛ إذ إنَّ العظْمة مكسورة من كِلا الطرَفَين، وهي ليست مقطوعة بانتظام كقرْن ليتل سولت سبرينج، فهو تفسير منطقي في ضوء ما سبق ذِكره من أهمية دورة القمر بالنسبة إلى الجماعات البشرية، وكذلك في ضوء حقيقة أنَّ بعض الشعوب الأفريقية المُعاصِرة تَستخدِم تقويمات العِصيِّ المُشابهة لها.5

ما يتَّضِح لنا من كل هذه العظام التي يتضمَّنها السجلُّ الأثري، هو أنَّ البشَر كانوا يُسجِّلون الكميات بطريقةٍ مادية، باستخدام أرقام ما قبل التاريخ منذ عشرات الآلاف من الأعوام. فلَطالما كنَّا مُهتمِّين بتسجيل الكميات ومُتابعتها، سواء أكانت دورةُ القمر التي تتكوَّن من ٢٩ يومًا، أو غيرها من فئات الكميات التي تَحدُث في الطبيعة. ويتَّضِح هذا الاهتمام الذي تمسَّكنا به طويلًا، على مستوى العالَم؛ إذ ظهر لدى الشعوب التي أتتْ لِتُقيم في فلوريدا، والأمازون، وجنوب فرنسا، وفي وسط أفريقيا وجنوبها، ومن المؤكد أنَّ العديد من المواقع الأخرى لا تزال بها أدواتٌ مدفونة.

القليل فقط من التقنيات التي ابتكَرَها البشر، كان لها هذا القدر من التأثير الذي حقَّقَته أنظمة العِصي الأساسية. وقد أدَّت أنظمة العصي الأكثر تعقيدًا دورًا أكثرَ أهميةً في أوروبا وغيرها من الأماكن في الألفية الماضية، ولا تزال بعض أنظمة العصي الأساسية تُستخدَم حتى الآن. ومن الأمثلة المُتعدِّدة على هذه الأنظمة، سوف نُلقي نظرةً على نظام العِصي الذي تستخدمه قبيلة جاراوارا، وهم مجموعة من السكان الأصليين يبلُغ عددهم مائة فرد، ويعيشون تحت ظلِّ غابات الأمازون الكثيفة في الجنوب الغربي، وهم يعيشون بصفةٍ أساسية على الصيد والتِقاط الثمار. لا يزال هؤلاء الأشخاص بارِعين في استخدام أساليب البقاء التقليدية، والعديد منهم أيضًا على بعض الدِّراية بالحياة المُتمدِّنة في البرازيل. وقبل خمسة أعوام فقط، كنا نعتقد أنَّ هؤلاء الأفراد يفتقِرون إلى وجود أعدادٍ خاصة بهم من أي نوع. بالرغم من ذلك، فكما سنرى في الفصل الثالث، اتَّضح أنَّ الجاراوارا كانوا يستخدمون نظامًا شفهيًّا للأعداد على مدار قرونٍ عديدة، وكانوا يَستخدِمون أيضًا نظامَ العدِّ بعلامات العِصي، وقد كان هذا النظام منقوشًا على الخشَب لا على العظام. ويوضح الشكل ٢-٢ أحدَ أمثلة هذا النظام، حيث تظهر صورة غُصن شجرة صغيرٍ عارٍ، قد حفَر فيه ببراعةٍ أحدُ رجال الجاراوارا سلسلةً من الشقوق، وهذه الشقوق المُثلَّثة المحفورة في الغُصن ترِد في مجموعات منتظِمة؛ فهي تَرِد في مجموعاتٍ تتكوَّن من ١ و٢ و٣ و٤ و٥ و١٠ نقوش منفصلة. وقد شرَح لي الفنان الذي حفَر هذه الشقوق استخدامها التقليدي: عند الإشارة إلى الكميات، كعدد الأيام التي من المُتوقَّع أن يَقضيَها أحد رجال الجاراوارا في السفر على سبيل المثال، سيُشير الرجل إلى المجموعة المناسبة من الشقوق؛ فإذا كان يتوقَّع أن يُسافر لمدةِ أسبوع مثلًا، فيُمكنه أن يُشير إلى مجموعةٍ تتكوَّن من خمسة شقوق، وأخرى تتكوَّن من شقَّين. وهذا التمثيل للكميات مُفيد للغاية، غير أنَّنا سنرى في الفصل الخامس أنَّ بعض الثقافات التي تعيش في منطقة الأمازون لا تَستخدِم أي تمثيلاتٍ مُشابهة للكميات، سواء أكانت حسِّية أو لفظية أو بصَرية؛ فهي ثقافاتٌ لا عددية. أما الجاراوارا، فقد اعتادوا على استخدام نظام عِصي محمول، لا يختلف كثيرًا عن ذلك الذي استخدمه صيادو فلوريدا في ليتل سولت سبرينج، قبل ١٠٠٠٠ عام. ونظرًا لأنهم استخدموا الخشب لا العظام لتسجيل نظامهم، وكذلك مع مُراعاة استهلاك غابات الأمازون لمُعظم الأدوات التي صنعها البشر؛ فإنَّ نظام العِصيِّ الذي يستخدِمه الجاراوارا لم يكن ليبقى حاضرًا في السجلِّ الأثَريِّ لفترةٍ طويلة. بالرغم من ذلك، فنظرًا لوجود رسوماتٍ قديمة تُشبِهُ نظام العِصي في مونتي أليجري، فالأرجح أنَّ سكان الأمازون، كانوا هم أيضًا يتَحرَّوْن الدقة في الكميات منذ آلاف الأعوام. ولا شكَّ أنَّ العديد من التقنيات المُثيرة للاهتمام، والتي كانت تُستخدَم لتصوير الكميات بصريًّا، مثل ذلك النظام الذي يَستخدمه الجاراوارا، قد ضاعت بمرور الزمن نتيجةً للتحلُّل المادي، وليس ذلك في الأمازون فقط، بل في جميع أنحاء العالم.6
fig2
شكل ٢-٢: نظام العِصي التقليدي لدى الجاراوارا. الصورة من التقاط المؤلف.
على بُعد مئات الكيلومترات باتجاه الجنوب الغربي للقُرى القليلة والصغيرة التي تسكُنها قبيلة جاراوارا، حيث حافة إقليم الأمازون، اكتُشِف مؤخرًا نوعٌ مختلف تمامًا من النقوش، وهي نقوش تتَّفق مع الاستخدام القديم للأعداد، على يد مجموعةٍ غير معروفة من البشر، غير أنَّ هذه النقوش ليست على الخشب ولا على العظام، بل على الأرض. إنها مجموعة كبيرة من رسوم «الجيوجليف» الضخمة¬¬، وهي عبارة عن خنادقَ خطية محفورة في الأرض، ويبلُغ عُمقها من مترَين إلى ثلاثة أمتار. عند رؤيتها من الأعلى، فإنَّ هذه الرسوم تُمثِّل أشكالًا هندسية مُنتظِمة، كالدوائر والأشكال رُباعية الأضلاع. وبعضها مربعات منتظمة تمامًا بأضلاعٍ متساوية يصِل طولها إلى ٢٥٠ مترًا. والأمر الغريب أنَّ بعض هذه الرسوم يعود تاريخه إلى أكثرَ من ٢٠٠٠ عام. لقد ظلَّت مُغطَّاةً بالغابات الكثيفة على مدار قرونٍ طويلة، إلى أن سمحت إزالة الغابات باكتشافها مُصادفةً، من طائرةٍ صغيرة. وبالرغم من أنَّ قصة المِعماريِّين الذين صمَّموا هذه الرسوم لا تزال غامضةً نظرًا لقِدَمها، فمن الجَليِّ أنَّ هؤلاء الأشخاص قد اعتمدوا على التطابُق الرياضي المُعتاد لابتكار هذه الرسوم.7

لقد أُنتِجت رسوم «الجيوجليف» هذه في وقتٍ حديثٍ نِسبيًّا، مقارنةً ببعض ما ذكَرْناه من الأرقام الرياضية الأكثر وضوحًا، والتي تنتمي إلى مرحلة ما قبل التاريخ. غير أنَّ هذه الرسوم تمثيل واضح لأحد الموضوعات الشائعة في عِلم الآثار، وهو أنَّ آثار انشغال البشر الدائم بالأعداد، كثيرًا ما تتَّضِح في السجلَّات المادية. وينطبق ذلك على أشهر أنواع بقايا العصر الحجَري القديم، وهي رسومات الكهوف، كما يتَّضِح ذلك في الموقع الموجود بالقُرب من مونتي أليجري. وبالرغم من صعوبة معرفة وظائف رسومات الكهوف، فإنَّ بعض توجُّهات فنِّ العصر الحجَري القديم تتجلَّى في الجُدران الداخلية في بعض الكهوف. وبالرغم من استحالة معرفة المعنى الذي تنطوي عليه هذه الرسومات على وجه التحديد، فغالبًا ما يُمكننا معرفةُ أعمارها بدقَّة. ففي الأماكن التي استَخدم فيها الفنَّانون الأصليون الطِّلاء المعدِني مثل المُغْرَة‏ لرسم أعمالهم، يمكننا تأريخ هذه اللوحات بشكلٍ غير مباشر، وذلك من خلال استخدام الأدوات ذات الأساس العضوي، التي توجَد بالقُرب من العمل الفني. أما الرسومات الفحمية، فإنها تسمح بتأريخها بالكربون المُشِعِّ بشكلٍ مباشر من خلال تأريخ الطِّلاء المُستخدَم في الرسم.

إنَّ الجمْع بين التأريخ والتأويل يوضِّح بعض ما تتضمَّنه رسومات الكهوف الأوروبية من عناصر أساسية مُتكررة قديمة للغاية، وغالبًا ما نجد في هذه الرسومات ظهورًا للحيوانات؛ فللثِيران البرية وغيرها من أنواع الأبقار، دَور بارز للغاية، إضافةً إلى الثور الأمريكي والخيول وغيرها من الثدييات الكبيرة. ويتكرَّر في هذه الرسومات أيضًا ظهورُ عنصرٍ آخر، وهو اليد البشرية؛ إذ تظهر في أقدَم الرسومات الأوروبية، كالرسومات الموجودة في كهْف إل كاستيلو في إسبانيا (عمرها ٤٠٠٠٠ عام تقريبًا)، وفي كهف شوفيه (٣٢٠٠٠ عام تقريبًا)، وكهف لاسكو بجنوب فرنسا (١٧٠٠٠ عام تقريبًا). وربما يكون لِشكل اليد في هذه الكهوف وظيفةُ عدٍّ من نوعٍ ما، غير أنَّ ذلك تخمين فحسْب. أما رسومات الأيدي المطبوعة في كهفَيْ كوسكار وجارجاس في فرنسا، التي يعود تاريخها إلى ٢٧٠٠٠ عام تقريبًا، فقد كان لها على الأرجَحِ وظيفةٌ عددية؛ فالرسومات المطبوعة في هذَين الكهفَين تُصوِّر أيادٍ يُسرى تمتدُّ أصابعها من ١ إلى ٥، وفي جميع الرسومات، يَظهر الإبهام مرفوعًا وكأنه يُعبِّر عن العدد الأول في تسلسُل العدِّ. وقد ذكر عالم الآثار كارينلي أوفرمان، والذي أجرى أبحاثًا رائعة عن التمثيلات العددية في السجلِّ البشري المادي، أنَّ رسومات الأيدي المَعنيَّة في هذَين الكهفَين تُعبِّر عن أسلوب العدِّ من الإبهام (١) إلى الإصبع الصغيرة (٥). (ومعنى هذا أنَّ الإبهام بمفردها مرفوعةً تُمثِّل العدد ١، وحين تكون الأصابع كلها مرفوعة، بما فيها الإصبع الصغيرة؛ فإنَّ ذلك يُمثِّل الكمية ٥.) وإذا قَبِلنا بتلك الافتراضات فإنها تُشير إلى أنَّ ما دون ذلك من تمثيلات الأيدي البشرية في العصر الحجَري القديم، ربما كانت تُستخدَم هي الأخرى لتمثيل الكميات.8
إنَّ ما يَلفِت النظرَ تحديدًا في سياق ما نطرحه الآن، هو أنَّ اليدَ البشرية وأصابعها عنصرٌ أساسي يتكرَّر في جميع رسومات الكهوف على مستوى العالم، لا الكهوف الأوروبية فحَسْب. وبالفعل، فإنَّ بعضًا من أقدَمِ الرسومات المعروفة في العالم، في كهْف سولاويسي بإندونيسيا، مُزخرفة برسوماتٍ ملونة للأيدي، تظهر فيها كلُّ إصبعٍ بوضوح. يبلُغ عمر رسومات كهف سولاويسي ما يقرُب من ٤٠٠٠٠ عام، وكغيرها من العديد من الرسومات الموجودة في الكهوف الأخرى، قد صُنِعَت من خلال وضْع الصبغة على يدٍ ثم وضْع اليد على الجدار. وفي السياق نفسه، فإنَّنا نجد بعض رسومات الطباعة بالأيدي في كهْف فيرن في أستراليا، ويعود تاريخ هذه الرسومات إلى ما يقرُب من ١٢٠٠٠ عام. وحتى في أمريكا الجنوبية، يظهر عنصر اليد بدرجةٍ كبيرة في الأشكال الفنية التي يبلُغ عمرها ١٠٠٠٠ عام تقريبًا، والموجودة في كهف «كويفا دي لاس مانوس» أي «كهف الأيدي» — وهو اسم على مُسمًّى — الذي يوجَد في منطقة بتاجونيا بالأرجنتين. ويضمُّ هذا الكهف عشَرات الصور الملوَّنة للأيدي، وهي تظهر في الشكل ٢-٣.9
fig3
شكل ٢-٣: رسومات الأيدي المطبوعة في كهف كويفا دي لاس مانوس، بالأرجنتين. ويكيميديا كومونز (CC BY-SA 3.0).

لقد أدَّى تصوير الأيدي والأصابع دورًا بارزًا يتَّضح في جميع قارات العالم، في تطوُّر الفن والرموز ثنائية الأبعاد. وبِناءً على هذا التوزيع العالمي لرسومات الأيدي، فمن المُحتمَل أن يكون البشَر قد مارَسوا رسم الأيدي قبل مُغادرة أفريقيا. ويحمل هذا التفسيرُ لتصوير الأيدي قدرًا لا بأس به من التخمين، وربما يكون قد حدَث لظروفٍ فحَسْب. بالرغم من ذلك، ففي بعض الحالات على الأقل، يوضِّح التحليل التفصيلي وجودَ وظيفةٍ عددية لرسومات الأيدي المطبوعة. ونظرًا لأهمية الأيدي في التمثيل اللغوي للأعداد، الذي سنُناقِشه بالتفصيل في الفصل الثالث، ونظرًا إلى الوظيفة العددية الواضحة لبعض الأدوات القديمة الأخرى، كعظْمة إيشانجو، فليس من المُستبعَد أن تكون لبعض هذه التمثيلات الفنية للأيدي وظائفُ أساسية تتعلَّق بالكميَّات؛ فرسومات الأيدي الموجودة في كهفَيْ كوسكار وجارجاس تُعبِّر عن العدِّ بصفةٍ خاصة. وحتى إذا نحَّينا هذه الافتراضات المنطقية جانبًا، فسوف نُدرِك على الأقل أنَّ رسومات الكهوف تمتلئ بالأدلة التي توضِّح تركيز البشر على أيديهم؛ فنحن قوم مشغولون بأيدينا. ومثلما سنرى في مناقشَتِنا عن الإدراك لدى الأطفال في الفصل السادس، فإنَّ تطوُّر التفكير العددي لدى الأطفال يرتبط ارتباطًا وثيقًا بهذا التركيز على اليد؛ فحتى ونحن لا نزال في الرحِم، نبدأ بالانتباه إلى أيدينا. وعادةً ما تتضمَّن مُحاولاتنا الأولى لتمثيل الكميات استخدامَ الأصابع، وكذلك فإنَّ العدَّ على الأصابع هو ممارسة مُنتشِرة في جميع ثقافات العالم.

أيًّا كان ما يُشير إليه كثرة ظهور الأيدي في رسومات الكهوف، بشأن تاريخ الأعداد، فالواضح أنَّ العديد من إبداعاتِ مُختلِف فنَّاني العصر الحجَري القديم، التي انتشرَت في مناطقَ جغرافية مختلفة، وعلى مدار عشَرات آلاف الأعوام، تُصوِّر الكميات. فللنقوش والرسومات القديمة تفسيرٌ عددي في مُعظم الحالات، وقد أدَّى تمثيلُ الكميات بالعِصيِّ دورًا مُتكرِّرًا في عرْض أفكار الإنسان على عظام الحيوانات والخشَب والأرض وجدران الكهوف.

لِمَ يؤدي تمثيل الكميَّات مثلَ هذا الدور البارز في مِثلِ هذه الأعمال الإبداعية القديمة؟ أعتقد أنَّ الإجابة عن هذا السؤال ذات شقَّين على الأقل؛ أولهما هو سهولة تمثيل الكميات في صورةٍ ثنائية البُعد، مقارنةً بغير ذلك من جوانب الخبرة البشرية كالوقت (الذي يبدو أنه كان يُمثَّل بطريقةٍ غير مباشرة في أعمال العصر الحجَري القديم من خلال علامات العِصي التي تُمثِّل الدورات السماوية)، أو الانفعالات أو بعض المواقع الفعلية المُحددة كذلك، والتي تستلزم درجةً أكبر من التعقيد الفني؛ كي يتمَّ التعبيرُ عنها بدقةٍ من خلال الرسم. وعلى العكس من ذلك، فالخطوط البسيطة وغيرها من العلامات يُمكِنها تمثيل الوحدات أو الكميات بطريقةٍ سهلة ومباشِرة، غير أنَّ ذلك يُثير التساؤل عن السبَب في أنَّ علامات العِصي تُعبِّر عن غيرها من الأشياء بسهولةٍ شديدة وبطريقةٍ مجرَّدة، دون أن تُصوِّرها فِعليًّا. وربما تَكمُن إجابة هذا السؤال في أيدينا، وإن كان ذلك بصورةٍ جزئية على الأقل، وهي تتمثَّل في التشابُه بين العلامات الخطِّية البسيطة وأصابعنا التي تُشبِه الخطوط. يُمكننا أن نقول بطريقةٍ ما: إنَّ الأصابعَ هي خطوط تشريحية ثلاثية الأبعاد؛ فليس من المُفاجئ إذن أن نجِد الأفراد في العديد من الثقافات حول العالم، وليس الأفراد في جميع الثقافات بالتأكيد، قد استخدَموا الخطوط لتمثيل الكميَّات، مثلما يستخدِمون الأصابع للغرَض نفسِه. ومعنى هذا أنَّ الانتقال من أنظمة العدِّ على الأصابع إلى أنظمة العدِّ بعلامات العِصي، يستلزِم قفزةً إدراكية أبسط ممَّا يستلزِمه اختراع أنواعٍ أخرى مُحتمَلة للتمثيلات البصرية للأفكار. فمن الناحية العمَلية، تستند أنظمة العدِّ بالعِصي إلى طريقةٍ مباشرة لتمثيل الأفكار على مساحةٍ ثنائية البعد، وذلك مقارنةً بالعناصر والأفكار التي تَزيد صعوبة تمثيلها بأسلوبٍ فني، وما من مدخلٍ تشريحي يُسهِم في تمثيلها تمثيلًا بسيطًا.

وأما الشق الثاني، وربما يكون الأهم، فهو أنَّ علامات العصي الرقمية المنقوشة، وكذلك الرسومات التي تُعبِّر عن ممارسات العدِّ على الأصابع، وإن كان ذلك على نحوٍ افتراضي بصورةٍ أكبر، قد انتشرَت بصورةٍ أكبر في السجلِّ الأثري بسبب فائدتها لمُبتكريها. إنَّ الوسائل التمثيلية لترميز الكميات ذات فائدةٍ عظيمة؛ فمن السهل جدًّا أن نرى على سبيل المثال بعضَ المزايا المُحتملة لإعداد جدولٍ بالعدد الدقيق لرجال إحدى القبائل التي يُنتظَر شنُّ غارة عليها، أو تسجيل العدَد الدقيق للحيوانات المُفترِسة الموجودة بالقُرب من المرء. ومن السهل أيضًا أن نُدرِك بعض المزايا المُحتمَلة لتتبُّع وحدات دورة القمر، وبالرغم من أنَّ البشر يَستطيعون العَيش والنجاح بالطبع دون تتبُّع مثل هذه الكميات، فإنَّ مزايا القيام بذلك تُساعد في تفسير السبب في أنَّ جميع ثقافات العالم تقريبًا تَستخدِم الأعداد. ويمكن لهذه المزايا أن تُحسِّن من معدَّلات البقاء على قيد الحياة، سواء في الحرب أو الصيد. إنَّ وظيفة أرقام ما قبل التاريخ، تتجاوز العواملَ الروحية والاجتماعية والبلاغية. إنها قد تكون ضرورية، في بعض الحالات على الأقل؛ لمجرَّد البقاء على قَيد الحياة.

ليس من العجيب إذن أن نجِد أنَّ أرقام ما قبل التاريخ قد أدَّت مثل هذا الدور البارز في هذا التمثيل المجرَّد الذي ابتكرَه البشر خلال العصر الحجري القديم. ولم يقتصِر دورُها البارز في هذه التمثيلات ثنائيةِ البُعد للأفكار، على العصر الحجَري، وإنما تجلَّى أيضًا بعد ذلك بآلاف السنين، حين تحوَّل البشر إلى تمثيلاتٍ رمزية أكثرَ تعقيدًا للأفكار؛ ففي فجْر الكتابة، احتلَّ دورُ البطولة الذي تقوم به الأعداد مركزَ الصدارة مرةً أخرى.

الأعداد في مرحلة نشأة الكتابة

الساحة الكبرى للمُتحَف البريطاني في وسط لندن، مَحميَّة بمِظلَّةٍ من الزجاج والصُّلب، وتعمل هذه المظلَّة الشفَّافة بمثابة مِصْفاةٍ للضوء؛ فهي تُرشِّح سماء لندن الرمادية، وتُلقي بضوءٍ سماوي أبيض على مجموعة المصنوعات البشرية الهائلة التي تَقطُن تحتها. وهي مجموعة منقطعة النظير من نواحٍ عديدة، نظرًا إلى الطريقة التي جَمعَت بها الإمبراطوريةُ البريطانية هذه الكنوزَ من جميع أنحاء العالم (أو ربما الوصف الأنسَب أنها استولَت عليها، في بعض الحالات على الأقل). ومن هذه الكنوز حجَر رشيد، الذي يُحيط به دومًا حشدٌ من السِّيَّاح هم أشبَهُ بالمُصوِّرين المُتطفِّلين، وهو يقَعُ إلى اليسار في اتجاه القاعة الجنوبية الغربية المجاورة للساحة الكبرى. أما في الطابق الأعلى للقاعة، فيَقْبَعُ غرَضٌ آخر أصغرُ وأبسط، ومُهمَل بعض الشيء، لكنه قد يُمِدُّنا برُؤًى أعظم عن تطوُّر الكتابة البشرية. على جدارٍ عادي غير مُزخرف، وفي مَعرِضٍ بسيط لتاريخ الكتابة البشرية، يُعلَّق لَوح من الجصِّ يبلُغ عمره ٥٣٠٠ عام (أكبر من حجَر رشيد بثلاثة آلاف عام). لا يَزيد طولُ هذا اللَّوح على بضعة سنتيمتراتٍ في كل جانب، ويضمُّ خطوطًا ونُقَطًا نُقِشَت في الجص، قبل كل هذه الأعوام. ونحن نعرف الآن أنَّ هذه النقط والخطوط تُمثِّل كميات، كميات حبوب على الأرجَح، أو ربما سلعة أخرى كانت تُستخدَم في المعاملات الاقتصادية، وهي نظامية بدرجةٍ أكبرَ من العلامات التي تَظهر في سجلِّ العصر الحجري القديم؛ فهي ليست مجرَّدَ علامات عِصي تُعبِّر عن الكميات، بل تُمثل طريقةً قياسية للتواصُل في بُعدَين. إنها أول رموزٍ كتابية فِعلية نعرِف عنها؛ فكل خطٍّ وكل نقطة يُعبِّر عن كمية مُحددة مجرَّدة. وبعبارةٍ أخرى، فالعلامات الموجودة على لوح الجصِّ هي أرقام فعلية.

من بين ضباب الممارسات الرمزية المُنتشِرة حول العالم، ظهرَت الكتابة الفعلية في بلاد الرافدَين في الوقت الذي شُكِّل فيه هذا اللَّوح. وهذا اللَّوح المعروض في لندن الآن، هو مِثال على التحوُّل الذي بدأه الكُتَّاب في بلاد الرافدَين، وهو التحوُّل من استخدام الطرُق البسيطة في تصوير الكميات إلى الكتابة مُكتمِلة الأركان. إنَّ علماء الكتابات الأثرية وغيرهم من العلماء، عادةً ما يُفرِّقون بين الكتابة التي تُوفِّر ترميزًا كاملًا للُغةٍ مُعيَّنة، وبين الكتابة الأولية، وهي صورة أقدَم من الممارسة الرمزية (غير أنها أقلُّ قِدَمًا من أرقام ما قبل التاريخ المُستخدَمة في سياقات العصر الحجَري القديم)، وهي لا تُصوِّر سوى مجموعةٍ مُحددة من المعاني المُحتمَلة. واتخاذ قرار مُحدَّد بشأن ما إذا كان أحد النصوص القديمة ينتمي إلى فئة الكتابة الأولية أم الكتابة الفعلية، ليس بالأمر السهل، والواقع أنَّ هذه المُصطلحاتِ تُعتِّم العمليةَ التدريجية التي تطورَت الكتابةُ من خلالها.

وإذا نحَّيْنا الاختياراتِ الاصطلاحيةَ جانبًا، نجد أنَّهَ من المُتفَق عليه عامةً أنَّ أول تطوُّر شامل للكتابة، قد حدَث في منطقة الهلال الخصيب، وتحديدًا في بلاد الرافدَين على يدِ السُّومَريِّين. غير أنها ليست اختراعًا خاصًّا بمنطقة الشرق الأوسط فحَسْب؛ فقد تطوَّرَت أيضًا بصورةٍ مستقلة في الصين وأمريكا الوسطى. ومن هذه الأقاليم، انتشرَت الكتابة وتطوَّرت وَفقًا للاحتياجات اللغوية والاجتماعية والاقتصادية المحلية. واليوم توجَد العشرات من أنظمة الكتابة، مثل ذلك النظام الذي أستخدِمه الآن للتعبير عن أفكاري إليك. بالرغم من ذلك، يُمكننا أن نتتبَّع أصل جميع هذه الأنظمة الكتابية العديدة ونَرُدَّها إلى واحدٍ من ثلاثة أساليبَ أساسية للكتابة، وذلك بطرُق فِعلية ومُثبَتة تاريخيًّا. وسيكون تركيزنا هنا على نشأة أقدم أنظمة الكتابة الفعلية، الذي تطوَّر في بلاد الرافدَين. (وفي الفصل التاسع، سنناقِش باختصار، أصول بعض أنظمة الكتابة الأخرى.) لقد وُلِدت الكتابة البشرية لأول مرة في هذه المنطقة، وتوضِّح قصةُ الميلاد هذه الدورَ الأساسيَّ الذي أدَّته الأرقامُ في بداية تطوُّر الكتابة.10

بطريقةٍ ما، ليس هناك ما يُدهِش في تلك الجاذبية التي طالما اتَّسمَت بها الرموز العددية؛ إذ إنَّ الطلاقة في مثل هذه الرموز قد أدَّت، ولا تزال تؤدي، دورًا اجتماعيًّا اقتصاديًّا في حياة الناس. فالعديد من هذه الرموز الكتابية التي تُعبِّر عن الكميات، والتي حُفِظت جيدًا، هي عملات مَعدِنية أو أدوات تُشبِهها، تَرمُز لقِيَم مالية محدَّدة. ومع مُراعاة النِّسَب المحدودة لمعرفة القراءة والكتابة على مدار مُعظم تاريخ وجود الكتابة البشرية، فالعُملات المعدنية وغيرُها من أنواع العملات المُرتبطة بكمياتٍ مُحدَّدة، قد ظلَّت على مدار فترةٍ طويلة (ولا تزال في بعض مناطق العالم) هي الرموز الوحيدة التي يستطيع الناسُ تفسيرها. وحتى بعد تطوُّرها المستقلِّ في أوراسيا والأمريكتَين، ظلَّت الكتابة الفعلية على مدار ألف عام، مهارةً مُتخصِّصةً، يُمارِسها ويُعلِّمها للآخرين مجموعة مُحدَّدة من الأفراد في عددٍ قليل من المُجتمعات. فدروس الكتابة في نهاية المطاف، هي ترَفٌ اقتصادي قد نتَج بصورةٍ غير مباشرة عن الزراعة التي أتاحَت وجود مثل هذه المهنة المُتخصِّصة. وقد أدَّت الوظيفةُ الاقتصادية للأعداد دورًا واضحًا في تطوُّر نقوش الكتابة في مجتمع بلاد الرافدَين الزراعي، وقد أدَّى هذا الدَّورُ في النهاية إلى تشكيل لَوح الجصِّ الذي يوجَد فوق الساحة الكبرى في المتحف، فلنتناوَلْ سريعًا إحدى النظريات التي تُفسِّر كيفية حدوث ذلك.

من المُحتمَل أنَّه قبل فترةٍ تُقدَّر بثمانية آلاف عام، كان البشر في بلاد الرافدَين يتقايَضون كمياتٍ كبيرةً من المحاصيل الزراعية والحيوانات فيما بينهم. وقد سهَّل المقايضةَ في المنطقة إدراكُهم لإمكانية تمثيل الكميَّات بصورةٍ رمزية، ونقلِها عبر مسافاتٍ بعيدة. إنَّ إحدى الوسائل الأساسية التي تطوَّرَت في هذه المنطقة، قد تبدو الآن عتيقة، غير أنها كانت ثَورية ولا شكَّ في ذلك الوقت، وهي أوعيةٌ مَتينة من الفخار مملوءة بعُملاتٍ رمزية، كانت بمثابة العقد. فإذا افترضْنا مثلًا أنَّ أحد مُلَّاك الأراضي قد وافق على أن يدفع لمالك أرضٍ آخَرَ مقدارًا محدَّدًا من الأغنام؛ فيمكن تسجيلُ هذا الاتفاق في كرَةٍ من الطين، فتوضَع العُملات الرمزية التي تُمثِّل الكمية المُحدَّدة من الأغنام في الطين الذي يوضَع بعد ذلك في أفرانٍ حتى يُصبِح صُلبًا؛ ومِن ثَمَّ فقد كانت كُرَة الفخار بمثابة سِجلٍّ يمكن نقلُه وكسرُه بعد ذلك حين الوَفاء بالعقد. ولتيسير عملية التسجيل؛ كان من الممكن الإشارةُ إلى عدَدِ العملات الموجودة داخل الإناء الفخَّاري، على الجانب الخارجي منه. ومع الوقت، اختُرِعَت رموز خارجية مُحدَّدة لتمثيل أنواع البضائع التي تتكرَّر كثيرًا في المعاملات. وكان يمكن بعد ذلك مضاهاةُ هذه الرموز الخارجية مع عدد العملات الرمزية الموجودة داخل الإناء. ومما لا شكَّ فيه أنَّ نظام المُضاهاة هذا قد سرَّع وتيرة التعامُلات الاقتصادية في هذا الزمن السابق على العملات النقدية الفعلية.

إننا لا نَعرف على وجه التحديد طولَ المدَّة التي استمرَّ خلالها هذا النظام الكَمِّي الثلاثيُّ الأبعاد لتمثيل السلع، في بلاد الرافدَين. وعلى أي حال، فقد بدأ السُّومريون في نهاية المطاف في التخلِّي عن العملات الرمزية الداخلية تمامًا، وتحوَّل النظام تدريجيًّا من نظامٍ ثلاثي الأبعاد إلى نظام ثنائي الأبعاد (غير أنَّه من المُحتمَل أن يكون النظام الثلاثيُّ الأبعاد قد استمرَّ في بعض الأماكن). ومعنى هذا أنه بدلًا من ترميز كميات السلع التِّجارية بعملاتٍ حقيقية داخل الأواني الفخارية، كانت الكميات تُمثَّل ببساطةٍ على ألواح طينية صغيرة جاءت لِتَحُل محلَّ تلك الأواني. وبالفعل، كانت تلك الأواني والعُملات الموجودة بداخلها زائدةً عن الحاجة. فكل ما كان ضروريًّا لحِفظ العقود، هو طريقة منهجية لتسجيل السلع والكميات الموجودة على الفخار. ومن المُرجَّح أن تكون الكتابة المِسمارية، وهي أول كتابة اخترعها البشر، قد وُلِدت تدريجيًّا من هذه الفكرة. فمع مرور الوقت، امتدَّ استخدام هذا النظام لترميز الكميات والبضائع ليشمل أغراضًا أخرى. وتطوَّرَت رموزٌ جديدة للسلع وغيرها من الأفكار، مرةً تِلوَ الأخرى، من خلال أجيالٍ جديدة من النقوش الكتابية. وأصبحت وسائل تسجيل هذه الرموز المُصوَّرة على الطين منظَّمة، وذلك باستخدام الخُوص أو القصَب لنقش الرموز بعناية، وبطريقةٍ تُتيح فَهْمها بسهولة، ثم جاء تمثيل قواعد اللغة بعد ذلك، إلى أن أصبح من الممكن في النهاية تمثيلُ جميع الجُمَل بالكتابة. وبينما نحن نتحدَّث بكل يُسْرٍ عن «اختراع» الكتابة، فقد تطوَّرَت بالفعل على مدار آلاف الأعوام. بالرغم من ذلك، فمن الواضح أنَّه في بداية هذا التطوُّر الطويل في بلاد الرافدَين، كان تمثيلُ الكميات موجودًا بالفعل، وقد كان ذلك في الواقع هو صميمَ الكتابة المُبكِّرة.

ثمَّة شيءٌ يُدعى «مبدأ استخدام الرموز في تمثيل أصوات اللغة» هو الذي يُسرِّع التطوُّر التدريجي لأنظمة الكتابة، مما يؤدي إلى السرعة في استخدام الرموز المُستنِدة إلى الأصوات، بدلًا من الرموز المُعبِّرة عن أفكارٍ ومفاهيم، كالرموز المُستخدَمة في الأشكال الأولى من الكتابة السومرية. ويُشير مبدأُ استخدام الرموز في تمثيل أصوات اللغة إلى استخدام الرمز نفسِه في تمثيل لفظتَين مُتجانستَين صوتيًّا. فلتتأمَّل مثلًا هذا المثال الخيالي البسيط: تخيَّل لو أنَّ الكتابة الإنجليزية كانت تُمثَّل بالرموز أو الصور المُعبِّرة عن الأفكار، بحيث يُمثِّل الرمزُ الواحد فكرةً أو مفهومًا أساسيًّا، لا صوتًا. وتخيَّل أيضًا أنَّ مفهوم «العين» أو بالإنجليزية Eye يُمثَّل من خلال هذا الشكل الذي يتمثَّل في قوسَين بينهما علامة النجمة ()، ويمكننا القول إنَّ هذا الرمز يُمثِّل العين الفعلية بطريقةٍ أيقونية ولكن مجردة إلى حدٍّ ما. لكن لنقُل مثلًا: إنه لا يوجَد رمزٌ للضمير «أنا» الذي يُعبَّر عنه في الإنجليزية بكلمة I في هذا النظام لكتابة الإنجليزية، ويمكننا أن نتخيَّل السبب في ذلك؛ إذ إنه ما من طريقةٍ مادية سهلةٍ لتمثيل ذلك المفهوم، فالمقصود بالضمير «أنا» يتغيَّر وفقًا للمُتحدِّث. بالرغم من ذلك، فإذا كنتَ كالعديد من الكُتَّاب في التاريخ، فسوف تُدرِك أنه يمكن استخدامُ «» للتعبير عن مفهوم «العين» والضمير «أنا» في الوقت ذاته إذا كان لهما الصوتُ نفسُه. ويُشار لهذه الفكرة باسم «مبدأ استخدام الرموز في تمثيل أصوات اللغة» وهي تُمثِّل خطوةً كبيرة تجاه تطوُّر أنظمة الكتابة الصوتية الأكثر تجريدًا، التي تَستخدِم عددًا أقلَّ من الرموز. ونظرًا لوضعها القديم في أنظمة الكتابة، فقد تأثَّرت الأرقامُ نفسُها بهذا المبدأ على الأرجح؛ فكانت رموزًا تُمثِّل الألفاظ المتجانِسة صوتيًّا معها. والواقع أنَّ بعض أشكال الكتابة الحديثة في الرسائل النصِّية مثلًا تؤيد هذا الاحتمال؛ فقد يَستخدِم البعض هذا التجانُس الصوتي فيكتبون مثلًا أنهم: 2 good 4 you وفي هذه الحالة يَرمز «٢» إلى too (وهما مُتجانِسان صوتيًّا في الإنجليزية ومُختلفان في المعنى)، ويَرمز «٤» إلى for، (وهما أيضًا متجانسان صوتيًّا ومختلفان في المعنى)، وتُستخدَم هذه الطريقة لسهولتها في كتابة الرسائل النصية والتعبير عن المعنى بطريقةٍ أسهل وأسرع. بالرغم من ذلك، يُمكننا بسهولة أن نتخيل واحدًا من السيناريوهات تُمثَّل فيه بعضُ المفاهيم المجردة مثل too وكذلك for من خلال الأعداد؛ لا بغرض السهولة، وإنما لأنَّ الصور الكتابية لِمِثل هذه المفاهيم غيرِ الملموسة لم تُوجَد بعد.11

لقد كان مبدأ استخدام الرموز في تمثيل أصوات اللغة عاملًا مُحفِّزًا ولا شكَّ في تطوُّر أنظمة الكتابة القائمة على المقاطع وأنظمة الكتابة القائمة على الحروف، لكن علينا أن نتذكَّر أنَّ مبدأ استخدام الرموز في تمثيل أصوات اللغة يَعتمد على وجود رموزٍ سابقة عليه تُعبِّر عن الأشياء الأقلِّ تجريدًا، كالسلع والكميات. وأكثرُ ما يَسترعي المُلاحظةَ في سياق مُناقشتنا، هو أنَّ نَزْعة الإنسان للتعبير عن الكميَّات باستخدام الرموز قد كانت قديمةً وتأسيسية؛ فوضعَت الأساس لتطوراتٍ تالية، مثل مبدأ استخدام الرموز في تمثيل أصوات اللغة، الذي أدَّى في نهاية المطاف إلى تأسيس أنظمة الكتابة التي تُشبِه أبجديَّتَنا.

أحد أشكال الكتابة التي تطورَت بعد ذلك في بلاد الرافدَين، هي كتابة تُكتَب بالرموز الرياضية؛ فقد طوَّر السومريون، والبابليون من بعدهم، وهم آخِرُ قاطِني منطقة بلاد الرافدَين، رموزًا رياضيةً واضحةً مكتوبة. فقبل ٣٦٠٠ عام تقريبًا، كان البابليُّون يستخدمون الجبْر والهندسة بالفعل، وكانوا قادِرين على حلِّ المعادلات التربيعية، وكانوا قد اكتشَفوا قيمة ثابت الدائرة π بالفعل (بدرجةٍ تقريبية على الأقل)؛ ومن ثَمَّ يبدو أنَّ تمثيل الكميات قد أشعل شرارة تطور الكتابة السومرية، وهو ما نتج عنه في نهاية الأمر، القدرةُ على تمثيل الكميات بصورةٍ أوضح.12

مُوجز القول أنَّ أقدم أنظمة الكتابة ينبع — ولو جزئيًّا على الأقل — من الفائدة الجوهرية لتمثيل الكميات، ومن سهولتها النسبية في تمثيل المفاهيم الرقمية بصورةٍ مجردة. وكما رأينا من قبل، فإنَّ هذه السهولة تنعكس أيضًا في المُمارسات التمثيلية الأقدم والأقلِّ انتظامًا، التي كان يستخدمها البشر في العصر الحجَري القديم. فمن العصر الحجَري إلى العصر الزراعي، لدَينا خيطٌ برَّاق من الأعداد يلتفُّ حول السجلِّ الرمزي البشري.

الأنماط في الأرقام القديمة

بينما كان السومريون هم أولَ مَن استخدم الأرقام بصورتها المكتملة، فقد تطوَّرَت الأعداد المكتوبة في أماكنَ أخرى كذلك. والواقع أنَّ الأرقام قد ظهرَت في مراحلَ مختلفةٍ في التاريخ على مستوى العالم؛ إذ إنَّ لدَينا ما لا يَقلُّ عن مائة نظام مُسجَّل لتدوين الأعداد، غير أنَّ الغالبية العُظمى من هذه الأنظمة قد تطورَت عن أنظمةٍ أخرى، أو طُوِّرت على الأقل، مع الوعي بأنَّ شعوبًا أخرى قد دوَّنَت الأرقام بالفعل. إنَّ العديد من هذه الأنظمة العددية المَعنية قد أصبحَت الآن بائدة، غير أنَّ الأمثلة المُتبقية منها تُتيح لنا فَهْم كيفية عملها.

حين ندرُس الأنظمة العددية الحاليَّة والبائدة، تتشكَّل لدَينا فكرةٌ واضحة بشأن وجود أنماطٍ مُشتركة في الطريقة التي يَستخدمها البشر في كتابة الأعداد. فلنُلقِ نظرةً على هذه الأنماط من خلال دراسة بعض الأنظمة العددية التي أدَّت دورًا بارزًا في الحضارات الإنسانية. وأفضل نقطةٍ نبدأ منها هي دراسة الأرقام في نظام الترقيم الغربي. والواقع أنَّ هذا النظام مُعدَّل من نظام الترقيم العَرَبي، الذي هو مُعدَّل بدَوره من أحد الأنظمة التي تطوَّرَت في الهند.13
فما كيفية عمل نظام الترقيم الغربي؟ لا يُوجَد سوى عشرة رموز في نظام الترقيم الذي نستخدمه: ٠، ١، ٢، ٣، ٤، ٥، ٦، ٧، ٨، ٩. وقد تبدو هذه الملاحظة واضحةً للغاية؛ فهي عشَرة رموز فقط بالطبع. وقد يكون من الصعْب أن نتخيَّل أنظمةً عددية أخرى تتكوَّن من أكثرَ من عشرة رموز أو أقل من ذلك، غير أنه ليس من الضروري أن تكون أنظمة الترقيم عشرية، بل يمكن أن تتكوَّن من أي عدد من الرموز. فأحد الأنظمة التي استخدمها اليونانيون القدماء، هو نظامهم العددي الأبجدي، الذي كان يتكوَّن من نحوِ أربعة وعشرين حرفًا، تُمثل قيمًا مختلفة. وتذكَّر أيضًا أننا نجمع بين هذه الرموز العشَرة، لنُكوِّن منها أرقامًا أكبر، مثل مائتَين واثنَين وعشرين ٢٢٢. فلتتأمَّل القواعدَ اللازمة لكي تَفهم هذا الرقم. فأنت تعرف مثلًا أنَّ أرقام ٢ المُتتاليةَ لا تَعني مجرد الجمع، أي إنَّ ٢٢٢ لا يَعني ٦، أو ٢ + ٢ + ٢. هذه الأرقام المتتالية تدلُّ على المضاعفة، لكنَّ هذا الرقم لا يُعبِّر عن حاصل ضرب ٢ في ثلاثة، وهو لا يَرمز أيضًا إلى الكمية ٨، أو ٢ × ٢ × ٢، وإنما تُشير «الخانات» أو الأماكن في نظامنا العددي إلى مضاعَفة ضِمنية بأُسس العدد عشرة؛ لذا فإنَّ ٢٢٢ تُشير إلى ٢ × ١٠٢ زائد ٢ × ١٠١ زائد ٢ × ١٠٠، أي ٢٠٠ زائد ٢٠ زائد ٢. وبعبارة أخرى، فإنك حين تقرأ الأرقام المكتوبة وفقًا لنظام الترقيم الغربي، فأنت تُضيف على الدوام حاصلَ ضرب الأعداد التي ضُرِبت في إحدى قِيَم الأُسِّ عشرة؛ ومن ثَمَّ فإنَّ ٢٤٥٦٣٤٦ تَعني بالنسبة إليك: (٢ × ١٠٦) + (٤ × ١٠٥) + (٥ × ١٠٤) + (٦ × ١٠٣) + (٣ × ١٠٢) + (٤ × ١٠١) + (٦ × ١٠٠). ثَمة تعقيدٌ أصيل في هذه الأرقام غالبًا ما نَغفل عنه بسبب اعتيادنا عليه، ولأنَّ تصنيف الكميات إلى عشَرات يبدو أمرًا طبيعيًّا للغاية. وبالرغم من انتشار الأنظمة العشرية في الأنظمة العددية على مستوى العالم، وفي الأعداد المنطوقة على مستوى العالم كذلك، فإننا لم نُزوَّد في شفرتِنا الوراثية بمهارة تصنيف الأعداد إلى مجموعاتٍ عشرية؛ فتعلُّم نظامنا العددي يتطلَّب مجهودًا كبيرًا، ويَشهد على ذلك مقدارُ الوقت الذي يَستغرقه الأطفال الصغار في تعلُّم قواعد كتابة الأعداد الكبيرة وقراءتها. إضافةً إلى ذلك، فالقواعد العددية تتغيَّر بتغيُّر الثقافة، وثَمة قدرٌ كبير من الاختلاف بين الأنظمة العددية التي تطوَّرَت في مناطقَ مختلفة، والعديد من أنواع هذه الأنظمة العددية لا يَقوم على أساس تصنيف الكميات إلى عشرات. ولكي أوضِّح هذه النقطة؛ سنقوم بجولة مختصَرة في حضارة المايا القديمة.

تحت أوراق الأشجار الكثيفة في الغابات الاستوائية، وتحت الضباب في بعض الأحيان، ظلَّت مدينة بالينكي الحجرية مُدَثَّرة بالطبيعة على مدار قرون، قبل «اكتشافها» على يد الأوروبيِّين في النصف الأخير من القرن الثامن عشر، وذلك بعد أن دمَّر غزاةُ الكونكيستدور قدرًا كبيرًا من التراث الثقافي لأمريكا الوسطى. وهذه السلسلة من الأطلال المُتخفِّية في خطِّ القِمَم المنحدِر المُحيط بالأراضي المرتفِعة في تشياباس، قد بهرَت المُستكشفين منذ ذلك الحين. في مدينة بالينكي، صنع الأوروبيون في أواخر القرن الثامن عشر بعضَ الرسومات المُبكِّرة للرموز الهيروغليفية لحضارة المايا، وهناك أيضًا، قد التُقِطَت بعض الصور الفوتوغرافية المبكرة لهذه الرموز، في أواخر القرن التاسع عشر. وبالرغم من أنَّ أهل المايا قد أنتَجوا مخطوطاتٍ غيرَ عددية (كتُب قابلة للطيِّ تُصنَع أوراقها من لِحَاء الشجر، وبها كتابات ملوَّنة)، فإنَّ معظمها كان طعامًا للمَحارق التي أقامها أفرادُ الرهبان الإسبان، مثل الراهب السيِّئ السُّمعة فراي دييجو دي لاندا؛ كان دي لاندا يسعى إلى إجبار السكَّان الأصليين لأمريكا الوسطى على التحوُّل عن دِينهم؛ ولهذا فقد أباد القدرَ الكبير من الثقافة المادية الرمزية التي أنتجها هؤلاء السكَّان الأصليون، وأباد معها مُعظمَ أمثلة كتابة المايا الكلاسيكية. لقد أمر بإحراق النصوص التي أنتجَها السكان الأصليون بعد أن عرَف أنَّ بعض أهل المايا ما زالوا يُمارسون نظامهم العقائدي التقليدي. ونتيجةً لجهوده، وجهود آخرين من بعده؛ لم يُحفَظ من هذه النصوص أو المخطوطات سوى عدد قليل، وأخيرًا وصل ثلاثةٌ منها إلى بعض الرفوف الأوروبية، في باريس ومدريد ودريسدِن. لقد أسهمَت النقوش الغامضة الموجودة على الأحجار في أطلال بعض المدُن، مثل بالينكي وتيكال وكوبان وغيرها من مواقع المايا، في تعزيز الانبهار بكتابة المايا. ما الذي تَعنيه هذه الرموز الغريبة المنقوشة على الحجر، التي تُصوِّر حيواناتٍ وبشرًا مُزخرَفِي الثياب، والعديدَ من أنواع الرموز الأخرى؟ أكانت طبيعةُ هذه الرموز لغوية، أم أنها كانت فنِّية في الأساس؟ لقد ظلَّ الباحثون يَخوضون نقاشاتٍ مُحتدِمةً بشأن إجابة هذه الأسئلة وغيرها من الأسئلة المُرتبِطة بالموضوع على مدار عقود؛ وذلك في أثناء فك رموز النصِّ المكتوب بلُغة المايا تدريجيًّا على مدار القرنَين الماضِيَين.

غير أنَّ أول اكتشافٍ مُهم في عملية فك الرموز، قد جرى على يد شخصٍ قد درَس بعض أجزاء مخطوطات المايا التي أُعيدَ إنتاجها في مكتبة دريسدِن. ففي عام ١٨٣٢، وضع قُسطنطين صمويل رافينيسك، وهو رجل فرنسي غريبُ الأطوار يهتم بهوايات مُتعددة، تحليلًا لأنماط هذه المخطوطة. وقد كانت هذه الأنماطُ التي حلَّلها موجودةً أيضًا في النقوش الحجَرية التي أذهلَت مُستكشِفي مدينة بالينكي وغيرها من مدن المايا. وما لاحظه رافينيسك هو أنه بين جميع هذه النقوش والكتابات، ووسط هذا البحر من الصُّور التي لا يبدو أنه قد يمكن فكُّ رموزها، توجَد سلسلة مُتكرِّرة من النقاط والخطوط، التي كانت أقلَّ رمزيةً من الرموز المجاورة لها. فما الذي قد تَعنيه هذه النقاط والخطوط؟ لاحظَ رافينيسك أنَّه لم يكن يُوجَد أبدًا في أي صفٍّ أكثرُ من أربعِ نقاط، فمُعظم الصفوف كانت تحتوي على نقطةٍ واحدة أو اثنتَين أو ثلاثِ نقاط أو أربع. إضافةً إلى ذلك، فقد لاحظ أنَّ النقاط كانت تُوضَع في معظم الأوقات بجوار خطوط، فخمَّن أنَّ النقاط تُعبِّر عن وحداتٍ مفرَدة، وقد كان مُحقًّا في ذلك؛ فالنقطة الواحدة تُمثِّل عنصرًا واحدًا والنقطتان تُمثِّلان عنصرَين … وهكذا. واستنتج أنَّ الخطَّ يمثِّل خمسة عناصر، وذلك يُشبه الطريقة التي تَكتُب بها خطًّا مائلًا على أربع علاماتٍ عند تمثيل خمسة عناصر بنظام العدِّ بالعِصي على قطعةٍ من الورق. وقد غيَّرَت هذه الملاحظة فَهْمنا لرموز المايا، وكانت هي الخطوةَ الأولى نحو فكِّ رموز كتابة المايا. ثم أتَتْ إحدى الخطوات التالية الأساسية التي تضمَّنَت أرقام المايا، وأوضحَتْ أنَّ النظام العددي لهذه الثقافة مُعقَّد إلى حدٍّ ما.

بعد عقودٍ من اكتشاف رافينيسك، قدَّم باحثٌ ألماني يُدعى إرنست فورستمان، تحليلاتٍ للأرقام المُصوَّرة في مخطوطة دريسدِن. ومن بين الرؤى التي قُدِّمت في العديد من الأعمال التي نُشِرت في الفترة ما بين ١٨٨٠ إلى ١٩٠٠، قد لاحظ أنَّ أرقام المايا الموجودةَ في المخطوطة كثيرًا ما كانت تُمثِّل كمياتٍ كبيرةً تتوافَقُ مع ظواهرَ فلَكية، مثل دورة كوكب الزهرة. لقد ظلَّ العملُ الذي قام به فورستمان صامدًا أمام ما تلاه من فحصٍ دقيق ودراسة عميقة للكتابات، ولعِب دورًا أساسيًّا في فكِّ رموز المايا في القرن العشرين. لقد قدَّم فورستمان وصفًا مُفصَّلًا للعناصر الأساسية للتقويمات الأساسية التي كان يَستخدمها شعْبُ المايا، وكذلك وضَّح الرياضياتِ المُعقدةَ التي كانوا يُمارسونها.14
بالرغم من أنَّ النظام العددي للمايا، الذي ساعد فورستمان في فكِّ رموزه، ليس نظامًا عشريًّا، فإنه يتشارك بعض التشابهات التركيبية مع الأنظمة العددية كالنظام الغربي. فكيف كتَب أهل المايا الأرقام؟ لقد استخدموا رمزًا للدلالة على الصفر، وهو على الأرجح أقدمُ رقمٍ يُستخدَم للتعبير عن الصِّفر في العالم. استُخدِم رمز الصفر لحِفظ القيمة المكانية، أي مثلما يُستخدَم في نظام الترقيم الغربي. وبدلًا من التوجُّه الأفقي لنظامنا، الذي نُحرِّك فيه الأرقام بمقدار خانةٍ إلى اليسار للدلالة على مضاعفة هذا الرقم في أُسِّ عشَرة الذي يَليه، كانت أرقامُ المايا تُمثَّل رأسيًّا لتمثيل ما حدَث من تغيُّراتٍ للأُسُس. (بالرغم من ذلك، يمكن تدوير أعداد المايا أفقيًّا في النصوص، وهو أمر مُحيِّر بعضَ الشيء.) غير أنَّ فورستمان قد لاحظ أنَّ النظام العددي للمايا يقوم على أساس العِشرين لا العشَرة، أي إنه نظام عِشريني لا عَشري. في الشكل ٢-٤، كتَبتُ رقمَين من أرقام المايا؛ لكي أُقدِّم نبذةً عن كيفية عمل النظام الترقيمي للمايا. على اليسار، نجِد تمثيلًا للعدد ٤٣٧، وتساعدنا الخطوط المكوَّنة من نقاطٍ على توضيح الطبيعة الرأسية لأرقام المايا، من خلال الفصل بين خانات الأُسُس الضِّمنية، غير أنَّ كتابة المايا لم تكن تحتوي على هذه الخطوط، وإنما أضَفتُها من أجل التوضيح (ومن أجل التوضيح أيضًا؛ بالَغتُ في المسافات بين الخانات). في العدد المُوضَّح على اليسار، نرى أنَّ المجموعة السُّفلى من الخطوط والنقاط، تتضمَّن ثلاثة خطوط ونقطتَين، وهي تُمثِّل ١٧. ويمكننا أن نتخيَّل ذلك على أنه ٥ + ٥ + ٥ + ٢. وفي المجموعة الوسطى من الرمز، لا نجد سوى نقطةٍ واحدة، وهي تُمثِّل ١ مضروبًا في الأساس الذي يُرفَع له الأسُّ الأول. ونظرًا إلى أنَّ نظام المايا العددي هو نظام عِشريني؛ فهذا يعني أنَّ النقطة تُمثِّل ٢٠ أو ١ × ٢٠١. أما النقطة العُليا، فهي تُمثِّل ١ مضروبًا في الأساس، ومرفوعًا إلى الأُس ٢ أو ١ × ٢٠٢. ومعنى هذا أنَّ النقطة العُليا تمثِّل ٤٠٠، وتُمثل النقطة الوسطى ٢٠، أما المجموعة السُّفلى من الخطوط والنقاط، فهي تُمثل ١٧. ومعًا، فإنَّ هذه الرموز تُمثِّل ٤٠٠ + ٢٠ + ١٧ أو ٤٣٧. لقد كانت أرقام المايا تتضمَّن الضرب والإضافة كأرقام النظام الغربي، لكنَّ الأساس مختلف.
fig4
شكل ٢-٤: نموذج لأرقام المايا. لاحِظْ أنه في الأرقام التقويمية يمكن لبعض النقاط أن تُمثِّل ٣٦٠ لا ٤٠٠. وقد سهَّل هذا النظامُ العِشريني تتبُّعَ السنوات.
في الجزء المُوضَّح على اليمين في الشكل ٢-٤، نقدِّم تمثيلًا للرقم ١٠٨٠. وفي هذه الحالة، فإننا نجِد في الجزء السُّفلي من الرقم تنويعةً من الشكل البيضاوي الذي يَرمز إلى الصفر في أرقام المايا. أما المجموعة الوسطى من الخطوط والنقاط فهي تُمثل ١٤ (أي ٥ + ٥ + ٤)، غير أنَّ الأساس العشريني الذي يَستخدمه النظام الترقيمي للمايا، يُشير إلى أنَّ هذه الكمية المُتمثلةَ في الرقم ١٤ مضروبة في الرقم ٢٠، مما يُنتج لنا ٢٨٠. وتحتوي المجموعة العُليا من العدد على نقطتَين، وهما تُمثِّلان الكمية ٢ × ٢٠٢، نظرًا إلى موقِعَيهما؛ ولهذا فإنَّ النقطتَين العُليَيَيْن تُمثِّلان ٢ × ٤٠٠ (٨٠٠)، وتُمثل الخطوطُ والنقاط السفلى ١٤ × ٢٠ (٢٨٠)، أما الرمز السُّفلي فهو يُمثل ٠ × ١ (٠)، مما يُنتج لنا المجموع ١٠٨٠.15

ربما تبدو أرقام المايا غيرَ عملية؛ لأنها لا تتبع الأساس العشري. بالرغم من ذلك، فكما ذكَرتُ سابقًا، ليس البشرُ مَفطورين على التفكير في العناصر على هيئة مجموعات من عشرة، كل ما في الأمر أنَّ مُعظمنا يُمارِس المجموعات العشرية جيدًا بسبب اللغة (اللغات) التي نتحدَّث بها، وأنظمة الترقيم التي نعرفها. لقد كان نظام أرقام المايا عمَليًّا، واستمرَّ على مدار أجيالٍ كثيرة، وعِلاوةً على ذلك فهو يَسبق نظام الترقيم الغربي بالعديد من القرون. فلو أنَّ سُكان المايا قد وجَدوا أنَّ نظامهم الترقيمي غيرُ عمَلي، لمَا كانوا قد استخدموه لهذه المُدة الطويلة.

بالرغم من غرابة طريقة كتابة المايا للأرقام، فعَلينا أن نلاحظ أنها تتشارك الكثيرَ مع نظام الأرقام الذي نستخدمه؛ فهي تعتمد بشدَّة على استخدام مفهوم الخانات، مثلما نستخدِم الصفر لحفظ «القيمة المكانية». وبالرغم من أنَّ النظامَ العدَّدي للمايا يُرتِّب خانات الأعداد ترتيبًا رأسيًّا، بينما يُرتِّبها نظامنا ترتيبًا أفقيًّا، فإنَّ الخانات في كِلا النظامَين تُعبِّر عن مضاعفة الرقم الموضَّح في أساسٍ وأُسٍّ ضِمنِيَّين، وهذا الأساس في نظامنا هو العدد عشرة، أما في نظام المايا، فهو العدد عشرون. غير أنَّ استخدام هذَين الأساسَين، لم يَحدُث بصفةٍ عشوائية، بل إنَّ الدور الهيكليَّ للعدد خمسة والعدد عشرين في أرقام المايا، والعدد عشَرة في أرقامنا، يوضِّح كيف أنَّ الجسم البشري كان هو الأساسَ لكِلا نظامَيِ الترقيم. فليس مِن المُصادفة أنَّ البشر يَمتلكون خمسةَ أصابع في كل يد، وعشَرة أصابع في كِلتا اليدَين، وعِشرين إصبعًا في اليدَين والقَدمَين، وأنَّ هذه الكميات تؤدِّي مثل هذا الدور المهم في أرقام المايا، ونظام الترقيم الغربي، وهي أيضًا تؤدي دورًا مهمًّا في أنواع أخرى من أنظمة الترقيم، التي تطوَّرَت بشكلٍ مُستقل.16
لنتناول نظام الكويبو الذي كانت تستخدمه إمبراطورية الإنكا. لقد كانت أرقام الكويبو ثلاثية الأبعاد، تتكوَّن من عُقَد تُربَط في الحبال بعناية، وتُصنَع هذه الحبال من خيوط القطن أو غير ذلك من المواد مثل فِرَاء حيوانات الألبكة أو اللاما. وقد كانت هذه الخيوطُ تُجدَل مع خيوطٍ أخرى؛ فتُكوِّن مصفوفةً بها ما يَقرُب من ألفٍ من الفتائل التي تُوصَّل بحبلٍ أساسي أكثر سُمكًا منها. وكل فتيلٍ من هذه الفتائل يُمثِّل عددًا منفصلًا، أما العُقَد الموجودة في هذه الفتائل، فهي تُمثل الأرقام، وقد كان يَستخدِمها مُحاسبو الإنكا لتسجيل الضرائب والبضائع على سبيل المثال، وكذلك لإجراء الإحصاءات. لقد كان هذا النظام فريدًا في تكوينه ومادَّته، غير أنَّ التكوين الرمزي لأرقام الإنكا، يُشبِه النظام العددي الغربي في واقع الأمر. فالنظام العددي للكويبو، يقوم هو أيضًا على أساس إضافة مجموعاتٍ مضاعفة من العدد عشرة (أي إنه نظام عشري)، وهو يَستخدِم أيضًا وسائلَ للتعبير عن العناصر الصفرية. يُشير عدد العُقَد الموجودة على فَتيلٍ معيَّن، إلى مضاعفات العشَرة، وتُستخدَم فراغات قصيرة بين العقد للفصل بين خانات الرقم، وفراغاتٌ طويلة للتعبير عن الصفر. فلتتخيَّل على سبيل المثال هذه السلسلة من العُقَد على أحد الحبال: عقدة واحدة في الأسفل (١)، وتتبعُها فجوة صغيرة على الحبل لا تحتوي على أي عُقَد، ثُم ثلاث عُقَدٍ متجاورة (٣٠)، ثم عُقدتَين متجاورتَين (٢٠٠)، ثم فجوة قصيرة، ثم فجوة واحدة في أعلى الحبل (١٠٠٠)، وذلك بالقُرب من تقاطُعه مع الحبل الأساسي؛ حبل الكويبو الأكثر سُمكًا. يُمثِّل هذا الحبل إذن، ١ + (٣ × ١٠١) + (٢ × ١٠٢) + (١ × ١٠٣) أو ١٢٣١. ولتتخيَّل أيضًا حبلًا يبدأ بعُقدةٍ واحدة في الأسفل (١) وتتبعها فجوة طويلة من الحبل دون عُقَد (٠)، ثم ثلاث عُقَد (٣٠٠)، ثم فجوة صغيرة تتبعُها عُقدتان في أعلى الحبل (٢٠٠٠). إنَّ هذا التسلسُل من العُقَد يُمثِّل ١ + (٠ × ١٠١) + (٣ × ١٠٢) + (٢ × ١٠٣) أو ٢٣٠١. وموجز القول أنه بالرغم من الاختلافات المادية الواضحة بين أرقام الكويبو وأرقام النظام الغربي، فإنَّ أرقام الكويبو ليست مختلفةً تمامًا عن أرقام النظام الغربي؛ إذ إنها كانت تَستخدِم الأساسَ العشري، وكذلك استخدَمَت شكلًا من أشكال الصفر. ويتَّضِح هذا التشابهُ التركيبي فيما يقرُب من ٦٠٠ نموذج لنظام الكويبو، وهي النماذج الموجودة في المتاحف والمجموعات الخاصَّة.17
معظم أنواع الأرقام التي تطورَت على مدار الألفيات القليلة الماضية، وفي مناطق مختلفة من العالَم، تتشارك في بعض التشابُهات التركيبية الواضحة. ويعود بعض هذا التشابُك إلى حقيقة أنَّ الأرقام لم تظهر مُستقلة إلا في عددٍ قليل من الأماكن. بالرغم من ذلك لا يمكن تفسيرُ جميع هذه التشابهات على أنها ناجمةٌ عن تأثير الثقافات والإمبراطوريات المُحيطة، وإلا لكان لنظام ترقيمي، كنظام الأرقام الرومانية، تأثيرٌ أكبرُ على أنظمة الترقيم الحاليَّة. غير أنَّ هذا النظام، الذي كان يفتقر إلى مفهوم الصفر لحِفظ القيمة المكانية، وكثيرًا ما كان يتطلَّب كتابة سلاسل طويلة من الرموز للدلالة على كميات صغيرة (على سبيل المثال، XXXVIII يساوي ٣٨)، لم يَعُد يُستخدَم إلَّا في سياقاتٍ محدَّدة. لقد مهَّد الطريق لنظام يَستخدِم رمزًا للتعبير عن الصفر، وخانات تَعكس مجموعاتٍ من العدد عشرة.

تختلف أنواعُ الأرقام في بعض النواحي التي لن نتطرَّق إليها هنا، غير أنَّ الاختلاف في قيمة الأُسُس مُحدَّد بدرجةٍ كبيرة في أنظمة الترقيم التي لا ترتبِط ببعضها، الحاليَّة منها والقديمة. وتعود هذه المحدوديةُ إلى حقيقةٍ بسيطة، وهي أنَّ أنواع أنظمة الترقيم الأساسية في العالَم، سواء أكانت أنظمةً عشرية اختُرِعت في الصين، وتطورَت في شرق آسيا، أو تلك الأنظمة التي بدَأ استخدامُها في الهند أو وسط أمريكا أو الأنديز، تَجمع بينها نزعةٍ مشتركة. إنها تتَّخِذ جميعًا العددَ عشَرة أو أحدَ مضاعفات العددِ خمسة أساسًا لها. والحافزُ التشريحي لهذه النزعة واضح، وهو أنَّ الكميات التي نراها بصورةٍ منتظمة في أجسامنا أساسيةٌ للغاية في كيفية بنائنا للأعداد. وتنطبق هذه الحقيقة على الأرقام المكتوبة والأعداد المنطوقة كذلك، ومثلما سنرى في الفصل الثالث، فإنَّ أصابع اليدَين، وأصابع القدمَين بدرجةٍ أقلَّ منها، كان لها تأثيرٌ كبير للغاية في تشكيل الأرقام على مدار آلاف الأعوام.

خاتمة

إننا لم نستعرِض تاريخ نظُم الأعداد التي ابتكرها البشر بصورةٍ شاملة في هذا الفصل، وإنَّ مثل هذا الأمر ليتطلَّب كتبًا بأكملها. فنحن لم نُناقِش مثلًا أنظمة المِعْداد الصيني، التي كانت ولا تزال تُستخدَم في مُختلِف الأماكن، مثل روما القديمة واليابان المُعاصرة؛ لتسهيل التفكير في الأعداد، لكنني يجِب أن أذكُر أنَّ نظام المِعْداد الصيني المُنتشِر حول العالم، يتأسَّس هو أيضًا على مجموعات تتكوَّن من العدد خمسة والعدد عشرة.18 بالرغم من ذلك، فإنَّ الاستعراض الحاليَّ لنظُم الأعداد قد أكَّد على بعض النقاط الأساسية بشأن الممارسات الرمزية القديمة؛ ففي البداية قد وضَّح أنَّ جَدْولة الكميات تظهر في العديد من أدوات العصر الحجَري القديم حول العالَم، وهو ما يدل على أنَّ أرقام ما قبل التاريخ، قد كانت من أُولى الرموز غير اللفظية (أو أشباه الرموز الأقل تجريدًا). وفي معظم الأحيان، صوَّرَت أشكالُ الفن في العصر الحجَري القديم أصابعَ الأيدي البشرية، وكانت تُصوِّرها أحيانًا بطرُقٍ تدل على استخدامها في ممارسات العدِّ القديمة. إضافةً إلى ذلك يبدو أنَّ سهولة تصوير الكميات وما يعود به ذلك من نفع، قد جعل من علامات العِصي وغيرها من أرقام ما قبل التاريخ أمرًا مِحوريًّا لأول تمثيلٍ ثُنائي البُعد للأفكار.

ومع تطوُّر الجدولة المنهجية للكميات الأكبر، عمد البشرُ إلى تصنيف الكميات إلى مجموعاتٍ أصغرَ يمكن التعاملُ معها حرفيًّا بشكلٍ مادي. وفي نهاية المطاف طوَّر البشرُ أنظمة ترقيمٍ تقوم على أساس مجموعةٍ محددة من العناصر التي نجدها بصورةٍ منتظمة في الطبيعة، وهي أصابع اليد. لقد كان التركيز على الأيدي مُهمًّا للغاية لتطوُّر الأرقام، مثلما كان بالقدْر نفسِه من الأهمية لرسم الأيدي على الكهوف في العصر الحجَري. لقد كانت عقولنا في حاجةٍ إلى أجسامنا، أو إلى أيدينا وأصابعنا تحديدًا، من أجل معرفة الكميات. ويدعم هذا الاستنتاجَ أدلةٌ من الأعداد المنطوقة، وهو ما سنذكُره بقدرٍ أكبرَ من التفصيل في الفصل الثالث، أما في هذا الفصل فقد رأيْنا أنَّ أنواعًا مختلفة من الأرقام المكتوبة تُعزِّز هذا الاستنتاج. وقد رأيْنا أيضًا أنَّ الأرقام كانت موجودةً في فجر الكتابة، والأرجح أنها كانت مهمة للغاية لتطوُّر الكلمة المكتوبة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠