الفصل الرابع

ما بعد مُفردات الأعداد: أنواع أخرى من اللغة العددية

إنَّ الأعداد تَحكم جُملَنا، حتى الكلمات التي أكتُبها الآن وأُعبِّر بها عن هذه الأفكار، لا يمكن إنتاجها بالإنجليزية وفَهمها إلَّا من خلال الإشارة المُستمرة إلى كمية العناصر، أو المفاهيم التي تتحدَّث الجملةُ عنها. فلْأعُدْ إلى الوراء وأُعِدْ عليك تلك الجملة، مع توضيح أجزائها التي تشير إلى كميات: حتى الكلمات التي أكتبها الآن وأعبِّر بها عن هذه الأفكار، لا يمكن إنتاجها بالإنجليزية وفهمها، إلا من خلال الإشارة المُستمرة إلى كمية العناصر أو المفاهيم التي تتحدَّث الجملة عنها. ثَمَّة ما لا يقلُّ عن أحدَ عشَر موضعًا في هذه الجملة وحدَها اقتضَت فيها قواعدُ اللغة أن أُميِّز كمية «الأشياء» التي أتحدَّث عنها. وليست هذه الجملة بمثالٍ غريب في هذا الصدَد، وليست اللغة الإنجليزية بغريبةٍ في إشارتها إلى الكميات؛ فالعديد من اللغات تتطلَّب باستمرارٍ وجودَ إشارات نَحْوية إلى الكميات التي تتحدَّث عنها جملُها أو إلى كمية الأشخاص المُشتركين في أحد التفاعُلات (مثل «أنا» أو «نحن»). وفي هذا الفصل آمُل أن أقدِّم لك نبذةً عن مدى أهمية هذه الاختلافات العددية في لغات العالَم. سوف نرى أنَّ العدد النحْويَّ هو أمرٌ شائع للغاية، وأنه يعكس أيضًا نقطةً مهمَّة بشأن طبيعتنا البيولوجية، غير أنه يختلف عن كلمات الأعداد في أنه يُخبرنا عن طبيعتِنا البيولوجية العصبية لا عن أيدينا.

تبدأ هذه المناقشة بمقدِّمةٍ عامة عن العدد النحوي، وذلك قبل أن نطرَح بعض الاستنتاجات الأساسية بشأن الطبيعة البيولوجية العصبية للبشَر، والتي يبدو أنها تُحفِّز استخدام الأنماط التي تظهر في المُقدِّمة، ولو كان ذلك بشكلٍ جزئي على الأقل. وبصفةٍ أساسية، فإنَّ هذا الاستعراض يُمثِّل رحلةً نَمرُّ فيها بالأعداد التي لا توجَد كلماتٌ عددية تُعبِّر عنها (كالتي تناولناها في الفصل الثالث)، ولا هي أعداد مكتوبة.

العدد في الأسماء

إنَّ المكان الذي سنبدأ منه هذه الرحلة هو العدد الاسمِي. والعدد الاسمِيُّ هو ما يُشير إلى تصريفات الاسم، التي تدلُّ على كمية العناصر التي يُشير إليها الاسم. ولدَينا في اللغة الإنجليزية كلماتٌ يتغيَّر شكلها بدرجةٍ كبيرة بِناءً على عددِها النحوي؛ فإذا كنتُ أُشير إلى شخصٍ واحدٍ أقول: person أي «شخص» وإذا كنتُ أُشير إلى أكثرَ من شخص أقول: persons أي «أشخاص» والإشارة العددية هنا تقريبيَّة في الحالة الأخيرة؛ فنحن لا نعرف إلا أنَّ الإشارة إلى أكثرَ من شخصٍ واحد، لكنَّنا لا نعرف العدد بدقَّةٍ أكبر من ذلك. ولدَينا أيضًا بعض الأسماء غير المُنتظمة مثل tooth أي «سِن» التي تُجمَع على teeth أي «أسنان»، وكذلك mouse أي «فأر»، وجمعها mice أي «فئران»، وكذلك criterion أي «معيار»، وجمعها criteria أي «معايير»، وغيرها من الأسماء التي تُزعِج متعلِّمي اللغة الإنجليزية. وربما ما يُسبِّب لهم قدْرًا أكبرَ من الإزعاج هي الصِّيَغ الأخرى التي تُعرَف باسم الجموع «الصفرية»، وهي كلمات لا يتغيَّر شكلها، سواءٌ أكانت تُشير إلى مفرد أو أكثر من ذلك، ومنها deer التي تَعني «غزال أو غِزْلان»، وكذلك sheep التي تَعني «خروف أو خِراف». ولدَينا أيضًا بعض صِيَغ الجموع الأخرى غير المُنتظِمة، التي تبدو أقلَّ غرابة، مثل: children أي «أطفال»، وأيضًا men أي «رجال»، وكذلك oxen أي «ثيران»، لكنَّ هذه الكلمات التي تنتهي باللاحِقة en، ليست هي الصيغةَ القياسية للجمع، ويختلف مصدرها التاريخي عن الصِّيغ الأكثر انتشارًا من العدد الاسمِي في اللغة الإنجليزية. والصِّيغة الأكثر انتشارًا هي مجرَّد إضافة صوتٍ إلى آخِرِ الكلمة، وهو يُشير إلى وجود أكثرَ من عنصرٍ من هذا الاسم، ويختلف هذا الصوت بدرجةٍ طفيفة، لكنه يُمثَّل عادةً بالحرف s. لنلْقِ نظرةً على هذه الأزواج الثلاثة التالية من الكلمات، التي تدلُّ فيها الكلمةُ الثانية على وجود أكثرَ من عنصرٍ من خلال لاحقة الجمع المنتظمة:
جدول ٤-١
الجمع المفرد
قطط cats قطة cat
عربات cars عربة car
منازل houses منزل house
في كلٍّ من هذه الحالات تُشير اللاحقة s إلى أنَّ المقصود هو وجود أكثرَ من house أو cat أو car. في اللغة الإنجليزية يُفهَم من الكلمات التي لا تحتوي على أي لاحقةٍ أنها تُعبِّر عن مفرد، ويُفهَم من الكلمات التي تحتوي على اللاحقة s أنها تُعبِّر عن جمع. وأنت تعي هذه الحقيقة منذ أن بدأتَ في تعلُّم اللغة، غير أنَّ الأمر ليس بهذه البساطة حتى في الحالات المُعتادة التي تُضاف فيها اللاحقة s إلى الكلمة. وإذا لم يكن السبب واضحًا، فراجِع الجدول ٤-١ مرة أخرى مع التركيز على النطق، وسوف تُدرِك أنَّ اللاحِقة المستخدَمة للدلالة على صِيغة الجمْع ليست واحدةً في الكلمات الثلاث؛ ففي الكلمة cats [تُنطَق كاتس] نجد أنَّ اللاحقة s هي ما يدعوه علماء اللغة صوت «مهموس»، أي إنَّ أحبالك الصوتية لا تهتزُّ بينما تنطقه، أما في الكلمة cars نجد أنَّ الصوت «جهري»، وتُعطي اللاحقةُ s صوتَ طنين إذا أمسكتَ عليه [تُنطَق كارز]؛ لأنَّ أحبالك الصوتية تهتز. وفي كلمة houses نجد أنَّ اللاحقة s جهرية أيضًا، لكنها مسبوقة بحرفٍ مُتحرِّك؛ لذا فهي تُنطق «إز». وعلى أي حال، فبالرغم من هذا الاختلاف في الصوت فإننا نجد وَحْدةً أساسية في صيغة الجمع المُنتظِم في اللغة الإنجليزية، مثلما تدلُّ على ذلك حقيقة أنه يُكتَب بالحرف s في الحالات الثلاث.
وكما هي الحال في اللغة الإنجليزية، فإنَّ العديد من اللغات الأخرى تَستخدِم إضافة اللاحقات أو البادئات إلى الأسماء للدلالة على كمية العناصر المقصودة بالحديث. وفي معظم هذه اللغات، تُضاف اللاحقة أو البادئة إلى الاسم للدلالة على صيغة الجمع (أي إنَّ الاسم يُعبِّر عن وجود أكثرَ من عنصرٍ منه). فلنتأمَّل هذه المُرادفات البرتغالية لأزواج الكلمات الواردة في الجدول ٤-١:
جدول ٤-٢
الجمع المفرد
gatos gato
carros carro
casas casa
في اللغة البرتغالية أيضًا تُستخدَم اللاحقة s للدلالة على صيغة الجمع، لكنَّ ذلك لا يَعني أنَّ العدد النحْوي يُصاغ بالطريقة نفسِها في اللغتَين؛ فأولًا: ليس لاختلافات النطق، التي رأيناها في تشكيل صيغة الجمع بالإنجليزية، وجودٌ في اللغة البرتغالية. وثانيًا: فإنَّ الكلمات المجاورة للأسماء البرتغالية تتغيَّر هي أيضًا وَفْقًا لحالتها من الإفراد أو الجمع؛ فإذا أردتُ أن أقول my house على سبيل المثال، فيجب أن أقول minhas casas أي إنَّ ضمير المِلكية يُصرَّف هو أيضًا في صيغة الجمع. وبالمثل، فإذا أردتُ أن أقول the house أو the houses فإنَّ أداة التعريف the لا تتغير في كِلتا الحالتين، أما في البرتغالية فنقول a casa في المفرد، ونقول as casas في الجمع؛ فتتغيَّر الأداة وفقًا للكمية التي يُعبِّر عنها الاسم الذي يليها.
وعلى أي حال، فإنَّ التشابُه مع لغة أوروبية أخرى قد يُعطي انطباعًا غير صحيح بأنَّ لاحقة الجمع s تُستخدَم في العديد من اللغات أو معظمها، لكن مع ازياد معرفة علماء اللغويات باللغات غير الأوروبية في جميع أنحاء العالم على مدار العقود القليلة الماضية، فقد اكتشفوا أنَّ العدد النحْوي يمكن أن يختلف بدرجة كبيرة. وقد اتَّضح بصورةٍ أكبرَ أنَّه يوجَد العديد من اللغات التي لا تتغيَّر فيها الأسماء وفقًا لتغيُّر كَمية العناصر التي تُشير إليها. فلْنُلقِ نظرةً على ترجمة الكلمات التالية: cat، cats، house، houses بلغة الكاريتيانا:
جدول ٤-٣
الجمع المفرد
ombaky ombaky
cats cat
ambi ambi
houses house
نلاحظ أنَّ الكلمة ombaky (cat التي عادة ما تَعني «النمر المرقَّط») والكلمة ambi (house) لا يتغيَّران بصرْف النظر عن عدد القطط أو المنازل المُشار إليها. وينطبق الأمر نفسُه على جميع الأسماء في لغة الكاريتيانا؛ إذ إنَّ هذه اللغة تفتقِر إلى وجود العدد الاسمي (فيما عدا الاستثناء التقني المُتمثل في الضمير «نحن»).
في دراسةٍ شاملة للغاية أُجرِيَت على ١٠٦٦ لغةً، اكتشف عالِم اللغويات ماثيو درايَر مؤخَّرًا أنَّ ٩٨ لغةً منها تُشبه الكاريتيانا في افتقارها إلى وجود وسيلةٍ نحوية لتمييز الأسماء التي تدل على صيغة الجمع؛ ومن ثمَّ فليس من النادر جدًّا أن نجد لُغاتٍ لا تستطيع فيها تحديدَ ما إذا كان الاسم مفردًا أم جمعًا. وقد يبدو أمرًا غريبًا بالنسبة إلى مُتحدِّثي اللغات الأوروبية كالإنجليزية، والتي يُعدُّ تحديد ما إذا كان الاسم مفردًا أو جمعًا مهارةً أساسية للفصاحة، أن يكون عُشر لغات العالم تقريبًا لا تَستلزِم ذلك من المُتحدِّثين بها. غير أنَّ الأمر اللافت للنظر بالنسبة إليَّ هو أنَّ الغالبية العظمى من لغات العالم، حوالي ٩٠ بالمائة منها، تتضمَّن وسائلَ نحوية يستخدِمها المُتحدِّثون بها للدلالة عمَّا إذا كانوا يتحدَّثون عن شيءٍ واحدٍ أو أكثر. وهذه النزعة القوية، التي تتجلَّى في لغات توجَد في مختلِف أنحاء العالم ولا يرتبط بعضها ببعض على الإطلاق، تُشير إلى أنَّ التمييز بين «المفرد/غير المفرد» هو أمر مهم لنا للغاية في التواصُل. ونحن نُسلِّم بصحة هذه الحقيقة، بَيْد أنه ليس من الواضح بداهةً السببُ في الإشارة المُتكرِّرة لهذا التمييز في حديثنا. ولكي نَعرف السبب في تَكرار هذا التمييز في حديثنا بهذه الدرجة؛ فقد يكون من المُفيد أن ندرس فئاتٍ أخرى من العدد النحوي، وهي التي توجَد في أنحاء مختلفة من العالم.1
بدلًا من مجرَّد فصل الأسماء التي تُمثِّل عنصرًا واحدًا عن تلك التي تُمثِّل أكثرَ من عنصر، فإنَّ بعض أنظمة الأعداد النحْوية تتضمَّن فئةً أخرى يُشير إليها علماء اللغة باسم «المثنَّى». وتُستخدَم هذه الفئة عند الحديث عن عُنصرَين بالتحديد. في اللغة العربية على سبيل المثال، تُستخدَم اللاحقة «ان» للدلالة على المُثنَّى، وثَمَّة لاحقةٌ أخرى للدلالة على الجمع. وبينما قد يبدو ذلك غريبًا لمُتحدِّثي اللغة الإنجليزية، فمن المُثير للاهتمام أن نُشير إلى أنَّ اللغة الهندية الأوروبية الأولية، التي انحدرَت منها اللغة الإنجليزية، كانت تَستخدِم المُثنَّى على ما يبدو. والدليل على هذا أنَّ اليونانية القديمة والسنسكريتية وغيرها من اللغات التي انقرضَت الآن، لكنها من نسل اللغة الهندية الأوروبية الأولية، كانت تَستخدِم فئة المُثنَّى من قبل؛ ففي اليونانية القديمة على سبيل المثال، كانت o hippos تُشير إلى the horse أي الحصان، أما to hippo فتشير إلى the two horses أي الحِصانَين، وتُستخدَم hoi hip-poi للإشارة إلى the horses أي الأحصنة.2 والواقع أنَّ اللغة الإنجليزية القديمة كانت تَستخدِم هي الأخرى فئةَ المُثنَّى، وما تَزال لهذه الفئة آثارٌ خافتة في الإنجليزية المُعاصرة. وبالرغم من أنَّ اللاحقات الإنجليزية لا تُغيِّر الصيغة بِناءً على ما إذا كانت الإشارة إلى عنصرَين فقط أو أكثر من ذلك، فإننا نَستخدِم كلماتٍ أخرى لتوضيح ذلك الفرق. فحين أقول either of them [أي منهما] بدلًا من any of them [أي منهم] فأنت تفهم أنني أتحدَّث عن شخصَين، وكذلك إذا قلت both of them [كلاهما] بدلًا من all of them [كلهم] فأنت تَفهم أيضًا أنَّني أتحدَّث عن شخصَين فقط؛ ومن ثَمَّ فبخلاف مفردات العدِّ مثل «اثنَين» «وثلاثة» يمكن للإنجليزية أن تُعبر عن الفرْق بين الإشارة إلى عنصرٍ واحد أو عنصرَين أو أكثر من ذلك. بالرغم من ذلك، ففي لغات كالعربية، تُستخدَم صيغة المُثنَّى بتواتُرٍ وانتظامٍ أكثر من ذلك بكثير، وهي تتَّضح في اللاحقات التي تُتبع بها الأسماء. ومن اللغات الحديثة الأخرى التي تَستخدِم اللواحق للإشارة إلى المُثنَّى، اللغة السلوفينية.

بعض اللغات الأصلية في القارة الأسترالية تَستخدِم علامةً نحوية للمُثنَّى. لِنُلقِ نظرةً على الأمثلة التالية من لغة ديربال، وهي لغة مُستخدَمة في شِبه جزيرة كيب يورك:

جدول ٤-٤
Bayi Burbula miyandanyu
«ضحكت بربلا»
جدول ٤-٥
Bayi Burbula-gara miyandanyu
«ضحكت بربلا وشخص آخر»
جدول ٤-٦
Bayi Burbula-mangan miyandanyu
«ضحكت بربلا وأشخاص آخرون»*
Robert Dixon, The Dyirbal Language of North Queensland (New York: Cambridge University Press, 1972), 51.
توضِّح هذه الأمثلةُ أنَّ اللاحقة gara تُستخدَم عند الإشارة إلى شخصَين، أما اللاحقة mangan فهي تُستخدَم عند الحديث عن أكثرَ من شخصَين. غير أنَّ اللاحقة gara هي علامة مُثنَّى ملحَقة، فهي تُستخدَم لكي تَعني في هذه الحالة «بربلا وشخص آخر» وليس «اثنين من بربلا» وهي تُلحَق بالأسماء الشخصية على عكس علامة الجمع في الإنجليزية. وبعض اللغات الأسترالية الأخرى تَستخدِم علامات للمُثنَّى تُشير إلى الحديث عن اثنَين بالتحديد من الاسم المعني، على نحوٍ أكثرَ مباشرة. وفي لغة كايارديلد، تؤدِّي اللاحقة yarrngka تلك الوظيفة؛ فكلمة «أُخت» على سبيل المثال هي kularrin أما إذا قال أحدُهم: kularrinjiyarrngka يكون المقصود بها «أختان».3

في اللغات التي تَستخدِم المُثنَّى، غالبًا ما تُوجَد صيغة المثنى في الضمائر، أو حتى تقتصِر عليها. (ولعلك تتذكَّر من دروس النحو أنَّ الضمائر هي بدائلُ عن أسماء أخرى، وهي تُستخدَم بصفةٍ أساسية للإشارة إلى الأشخاص الذين يتحدَّثون أو إلى الأشخاص الذين يَجري الحديثُ عنهم.) فلنُلقِ نظرةً على الضمائر التالية من اللغة الصوربية العُليا، وهي إحدى اللغات المُستخدَمة في إقليمٍ صغير في ألمانيا الشرقية:

جدول ٤-٧
ty ja
«أنت» «أنا»
جدول ٤-٨
wój mój
«أنتما الاثنان» «نحن الاثنان»
جدول ٤-٩
wy my
«أنتم جميعًا»* «نحن»
Greville Corbett, Number (Cambridge: Cambridge University Press, 2000), 20.
يُستخدَم الضميران الواردان في الجدول ٤-٧ للإشارة إلى المفرد، فيُشير الأول منهما إلى المُتكلِّم والثاني إلى المخاطَب. ويُستخدَم الضميران الواردان في الجدول ٤-٩ للإشارة إلى الجمع، فالأول منهما يُشير إلى المُتكلم ويُشير الثاني إلى المخاطَب. أما الضمائر الواردة في الجدول ٤-٨ فلا يمكن ترجمتها إلى الإنجليزية دون استخدام الكلمة «اثنين»، بالرغم من عدَم الحاجة إلى استخدام كلمةٍ عددية في اللغة الصوربية؛ وذلك لأنَّ الضميرَين في الجدول ٤-٨ يَعكسان صيغة المُثنَّى. وعلى الرغم من أنَّ صيغة المثنى أقلُّ شيوعًا من صيغة الجمع، فمن الواضح أنها توجَد بالفعل في اللغات المُعاصرة، وقد كانت تُوجَد أيضًا في لغاتٍ قديمة.

تستخدِم بعض اللغات ما يُسمِّيه علماء اللغويات باسم التصريفات «الثلاثية»، وهي تُستخدَم عند الإشارة إلى ثلاثة عناصر بالتحديد. بالرغم من ذلك، يبدو أنَّ فئة التصريفات الثلاثية تنحصِر في مجموعةٍ صغيرة من لغات العالم، في بعض اللغات الأسترونيزية على وجه التحديد. فلنتأمَّل الأمثلة التالية من لغة مولوكو:

جدول ٤-١٠
na’a aridu hima Duma
نملك نحن الثلاثة الذي المنزل
«المنزل الذي نملكه نحن الثلاثة»*
Wyn Laidig and Carol Laidig, “Larike Pronouns: Duals and Trials in a Central Moluccan Language,” Oceanic Linguistics 29 (1990): 87–109, 92.
إنَّ كلمة aridu في هذه الجملة، تُشير إلى ثلاثة أشخاص بالتحديد؛ لذا فهي ضمير ثلاثي.
مع ذلك، تنتهي قائمةُ فئات الأعداد الاسميَّة الدقيقة عند هذا الحد؛ فلسْنا نعرِف على سبيل المثال أمثلةً واضحة على وجود العدد النحوي «الرباعي» في أيٍّ من لُغات العالم.4
والفئة الأساسية الوحيدة التي لم أذكُرْها بعدُ من فئات العدد النحوي، هي فئة «جمع القلة»، وهي فئةٌ غير شائعة أيضًا لكنها تُستخدَم في بعض اللغات الأسترونيزية للإشارة بصورةٍ غير دقيقة إلى عددٍ قليل من المَعنيِّين بالحديث. يَستخدِم جمعَ القلَّة، على سبيل المثال، مُتحدِّثو لغة البوما الفيجية، الذين يعيشون في قرية يَقطُنها ستُّون فردًا تقريبًا. فإذا كان المُتحدِّثُ يتحدَّث مع بضعة أشخاصٍ أو حتى ما يَزيد على اثنَي عشر فردًا، فإنه يَستخدِم ضمير جمع القِلَّة للمخاطَب، وهو dou، أما إذا كان يتحدَّث مع القرية بأكملها، فسوف يَستخدِم ضمير الجمع للمُخاطَب omunuu.5
إضافةً إلى التنوُّع في وظيفتها، فإنَّ فئات العدد النحوي يُمكن أن تَختلف بدرجةٍ كبيرة في شكلها. فمِثلما رأينا في الجدول ٤-١ والجدول ٤-٢ والجدول ٤-٦، فإنَّ شكل لاحِقة الجمع مُختلِفٌ في لغة ديربال عمَّا هو عليه في الإنجليزية أو البرتغالية على سبيل المثال. بالرغم من ذلك، فعلَينا أن نُلاحِظ أنَّ صيغة الجمع تُمثَّل بلاحقةٍ في اللغات الثلاث؛ إذ إنَّ علامة الجمع تأتي في نهاية الاسم. والحقُّ أنَّ ذلك ليس بالأمر العرَضي؛ فاستخدام اللواحق هو الصيغة الأكثر انتشارًا على الإطلاق من العدد الاسمِي في لغات العالم. واستخدام البادئات ليس نادرًا أيضًا مع ذلك، فهو يرِد في أكثرَ من ١٠ بالمائة من اللغات التي يَبلُغ عددها ١٠٦٦، والتي وردَت في الدراسة سالفة الذِّكر التي أُجرِيَت على معظم لغات العالم بشأن العدد النحوي. وفيما يلي سَنُورد مثالًا على العدد الاسمِي باستخدام البادئات وهو من اللغة السواحلية:
جدول ٤-١١
me-no ji-no
«أسنان»* «سن»
Thomas Payne, Describing Morphosyntax (Cambridge: Cambridge University Press, 1997), 109.

قد يَتَّخذ العددُ الاسمِيُّ صِيَغًا أكثرَ غرابة بخلاف العلامات التي تُلحَق ببداية الاسم أو نهايته. وفي بعض الحالات الغريبة فإنَّ قواعد النحو تَقضي بإلحاق علامة الجمع في منتصف الكلمة، وذلك من خلال عمليةٍ تُدعى باسم «الدمج الوسطي» فلنُلقِ نظرةً على زوجَيِ الكلمات التالي من لغة توالي إيفوجاو، وهي من اللغات الأصلية في الفلبين:

جدول ٤-١٢
binabai babai
«نساء»* «امرأة»
Payne, Describing Morphosyntax, 98.
نلاحظ أنَّ العلامة الوسطية in تُضاف في منتصف كلمة babai لكي تُصبح جمعًا.

ومن الطرُق الغريبة التي تُستخدَم أيضًا في جمع الأسماء في بعض اللغات، هي ما يُطلِق عليه علماءُ اللغويات مصطلح «المضاعَفة». وفي المضاعفة يُعمَد إلى تَكرار مقطعٍ واحد أو أكثرَ من مقاطع الكلمة؛ للدلالة على أنَّ هذا الاسم المُحدَّد يُشير إلى أكثرَ من عنصرٍ واحد. وتَستخدِم لغة توالي إيفوجاو المُضاعَفة أيضًا، كما هو الحال في المثال التالي، الذي نجد فيه أنَّ المقطع الأول يُكرَّر للدلالة على الجمع:

جدول ٤-١٣
tatagu tagu
«أشخاص»* «شخص»
Payne, Describing Morphosyntax.
ولا تتوقَّف قائمة الحِيَل التي تَستخدمها القواعدُ اللغوية لتحويل الأسماء المُفردة إلى صيغة الجمع عند ذلك الحد؛ ففي حالة «التعويض»، على سبيل المثال، تُستخدَم كلمة مُختلفة تمامًا للتعبير عن صيغة الجمع من الاسم المفرد؛ ففي اللغة العربية المُعاصِرة نجد الاسم المُفرَد «امرأة» وجَمعه «نساء». وفي لغة الإندو المُستخدَمة في كينيا، نجد أنَّ الكلمة التي تُشير إلى «ماعز» هي aráan أما الجمع «مَعْز» فتشير إليه الكلمة no. والجموع التي تُصاغ باستخدام التعويض هي من الجموع التي يَصعُب تعلمها؛ إذ لا بدَّ من حفظ صيغة المفرد والجمع. وبعض أنظمة العدد النحْوي الأخرى أكثرُ صعوبة في تعلُّمها؛ فاللغة اللاتينية والروسية وبعض اللغات الأخرى، تَستخدِم لاحقاتٍ عدديةً مُختلِفة تمامًا، وَفْقًا لحالة الاسم في الجملة، أي ما إذا كان فاعلًا أو مفعولًا به.
ويمكننا أن نَستخلِص بعض الاستنتاجات من هذا الاستعراض الموجَز للعدد النحوي في الأسماء في لغات العالم؛ فمِثلما رأيْنا في الفقرات السابقة، يُمكِن لشكل العدد الاسمِيِّ أن يختلف بدرجةٍ كبيرة، وهو يَظهر في معظم اللغات من خلال اللواحق، غير أننا نجد أنه ينعكس في البادئات في بعض اللغات، أو ينعكس من خلال بعض الأشكال الأكثرِ غرابة، مثل المُضاعَفة في عددٍ قليل من اللغات. وقد لاحظْنا أيضًا أنَّ بعض اللغات مثل الكاريتيانا، لا تَستخدِم العدد الاسمِيَّ على الإطلاق. وبالرغم من وجود أنواعٍ عديدة من العدد الاسمِي، فإنَّ لُغات العالَم تعكس توجُّهاتٍ واضحةً فيما يتعلَّق بوظيفة هذه الظاهرة النحوية؛ فمعظم اللغات تتضمَّن فئةً للمفرد وفئة للجمع، وبعضها يتضمَّن فئةً للمفرد وأخرى للمثنى وأخرى للجمع، وأخيرًا، تتضمَّن قلةٌ من اللغات تصريفاتٍ ثلاثيةً. بالرغم من ذلك، فما من لغةٍ في العالم تَستخدِم وسيلة نحْوية للإشارة إلى وجود ٤ عناصر من الاسم أو ٥ أو ٦ أو غيرها من الكميات الكبيرة، وتلك نقطة أساسية، فلا بدَّ لها من استخدام كلمات الأعداد للإشارة إلى تلك الكميات. من الواضح إذن أنَّ لغاتِ العالم تميل إلى التمييز بين الكميات ١ و٢ و٣، على وجه التحديد، بينما تَميل إلى التمييز بين جميع الكميَّات الأخرى بشكلٍ تقريبي. ومثلما سنرى فيما يلي، فمِن المُرجَّح أن يكون هناك أساسٌ بيولوجي عصَبي لِمثل هذه النزعة.6

العدد في أنواع أخرى من الكلمات

بالرغم من أنَّ العدد النحْوي يتَّضح عادةً في الأسماء؛ إذ إنه يُشير في العادة إلى عدد الأشخاص أو غيرها من العناصر التي يَجري الحديثُ عنها، يمكن للُّغات أن تُغيِّر أجزاءً أخرى من الجملة وَفْقًا للكميَّات التي تَجري مناقشتها؛ ففي العادة، تقتضي اللغاتُ تغييرًا في شكل الفعل بِناءً على عدد العناصر التي تُمثِّل فاعل الجملة، وهذا النمَط مألوف لمُتحدِّثي الإنجليزية وغيرها من اللغات الأوروبية. فلنُلقِ نظرةً على الزوجَين التالِيَين من الجمل:

جدول ٤-١٤
The cars are fast The car is fast
«السيارات سريعة» «السيارة سريعة»
جدول ٤-١٥
They run slowly He runs slowly
«هم يجرون ببطء» «هو يجري ببطء»
في الزوجَين الأوَّلَين، نرى أنَّ فعل الكينونة في الإنجليزية يتغيَّر من صِيغته is إلى are بناءً على ما إذا كان الفاعل في صيغة المُفرد أو الجمع. وفي الزوجَين الآخَرَين من الجُمَل، نرى أنَّ الفعل تُضاف إليه اللاحقة s حين يكون الفاعل في صيغة المفرد، ولا تُضاف إليه أي لاحِقة حين يكون الفاعل في صيغة الجمع. وفي هذا المثال أيضًا، توضِّح لنا اللاحقةُ معلوماتٍ عن زمن حدوث الجري. (لا تُستخدَم الصيغة he runs إلا في المضارع.) وحقيقة الأمر أنَّ لواحق الأفعال غالبًا ما تَخلِط بين العدد النحوي وفئة أخرى، كالزمن مثلًا؛ فأحيانًا تكون اللغاتُ فوضوية.

لنُلقِ نظرةً على هذَين الزوجَين من الجمل أيضًا، واللذَين يوضِّحان العدد النحْوي من خلال الاتفاق بين الفاعل والفعل، وهما من اللغة البرتغالية:

جدول ٤-١٦
Eles foram ontem Ele foi ontem
«هم ذهبوا بالأمس» «هو ذهب بالأمس»
جدول ٤-١٧
As mulheres jogaram futebol Marta jogou futebol
«النساء لعبن كرة القدم» «مارتا لعبت كرة القدم»
تتغيَّر صِيغة الفعل foi («ذهب») إلى foram في الجدول ٤-١٦ وفقًا لعدد الأشخاص الذين ذهبوا في اليوم السابق. وفي الجدول ٤-١٧، تتغيَّر اللاحقة المُضافة إلى الفعل jogou وفقًا لعدد الأشخاص الذين يلعبون، وما إذا كان شخصٌ واحد هو الذي يلعَب أم أكثر. إنَّ الجُمَل في الجداول من (٤-١٤ إلى ٤-١٧) تعكس استراتيجية عادةً ما تستخدِمها لغات العالم، وهي تتمثَّل في تغيير الفعل حين يكون فاعل الجملة في صيغة الجمع. وفي بعض اللغات نجد تعديلًا على هذه الاستراتيجية، ونجد أنَّ الفعل فيها يوافق المفعولَ لا الفاعل. ونجد ذلك في اللغة الأوروبية المُنعزِلة «البشكنشية» ونحن ندعوها «منعزلة» لأنها لا ترتبِط بغيرها من اللغات المعروفة:
جدول ٤-١٨
di-tut Irakurri luburuak Nik
الزمن الماضي لِصِيغة الجمع للغائب يقرأ الكتب أنا
«أنا قد قرأتُ الكتُب»*
Jon Ortiz de Urbina, Parameters in the Grammar of Basque (Providence, RI: Foris, 1989). Technically the verb agrees in number with the ‘absolutive’ noun, not the object, but this distinction is not important to our discussion.
في هذا المثال، نجِد أنَّ الفعل المُساعد tut (والذي يُمثِّل صيغة الماضي)، مسبوق بالبادئة di التي تُشير إلى أكثرَ من كتابٍ واحد قد جرَت قراءته.

لقد بدأْنا نُدرك بالفعل أنَّ العدد النحوي ينتشِر في الكثير من لُغات العالَم، لكنه يتَّخِذ العديد من الأشكال المُختلفة. فيمكن الإشارة إليه ببساطةٍ من خلال إضافة لاحِقةِ جمعٍ إلى الاسم، أو من خلال استخدام ضمير المُثنَّى الذي يُشير إلى شخصَين، أو بإضافة بادئةٍ إلى الفعل تتَّفِق مع عدد الاسم الموجود في مكانٍ ما بالجملة، أو من خلال غير ذلك من التغيُّرات التي تطرأ على الأسماء والأفعال.

ولا يتوقَّف الأمر في اللغات عند هذا الحد؛ فلنتأمَّل أدواتِ التنكير في اللغة الإنجليزية [a/an]. يُمكننا أن نقول: a car أو a computer غير أنه لا يُمكننا أن نقول: a cars أو a computers. بالرغم من أنَّ أداة التنكير a ليست كلمةً عددية، فهي تُمِدُّنا ولا شكَّ بمعلوماتٍ عن الكمية. والعديد من اللغات الأخرى تتشارك هذه السِّمة أيضًا، ويَستخدِم المُتحدِّثون بها أدواتٍ مختلفةً وفقًا للكميات التي يُشار إليها في الجملة. ففي الألمانية على سبيل المثال، يمكننا أن نقول: das Auto أي «السيارة»، غير أنه يتحتَّم علينا أن نُغيِّر أداة التعريف das إلى die عند استخدام الاسم في صيغة الجمع Autos. ولنتأمَّل أيضًا استخدام أدوات الإشارة في اللغة الإنجليزية مثل this أو that وهما يُوضِّحان الكِيان المُحدَّد الذي يَجري الحديث عنه، مع الإشارة إلى مدى قُرب هذا الكيان من المتحدِّث. فيُمكنني أن أقول مثلًا: this pen here [أي «هذا القلم هنا»] أو that pen over there [أي «ذلك القلم هناك»]. بالرغم من ذلك، فإذا كنتُ أتحدَّث عن أكثر من قلمٍ واحد هنا أو هناك، فسوف أحتاج إلى تغيير اسم الإشارة الذي أستخدمه، وأستخدم بدلًا منه these pens here [أي «هذه الأقلام هنا»] أو those pens over there [أي «تلك الأقلام هناك»].

تَستخدِم بعض اللغات كلماتٍ تتشابَهُ في معناها ووظيفتها مع أسماء الإشارة، وهي ما يدعوه علماء اللغويات باسم «المُصنِّفات». والمُصنِّفات هي كلمات أو أجزاء من الكلمات تُصنِّف الأسماء التي تَليها، وهي لا تُصنِّف الأسماء وفقًا للمسافة مثل أسماء الإشارة، بل وفقًا لكونها عاقلًا أم غير عاقل، أو وفقًا لوظيفة ما يُشير إليه الاسم. ومن المُثير للاهتمام أنَّ المُصنِّفات غالبًا ما تُضاف إلى مفردات الأعداد عند عدِّ بعض الأشياء. فلنَدرُس الأمثلة التالية من لغة الياجوا، وهي لغة أصلية مُستخدَمة في شمال غرب إقليم الأمازون:

جدول ٤-١٩
Varturu tï-kï ï
امرأة (متزوِّجة) مُصنِّف للعدد واحد
«امرأة واحدة مُتزوِّجة»
جدول ٤-٢٠
Vaada tïn-see
بيضة مُصنِّف للعدد واحد
«بيضة واحدة»*
Payne, Describing Morphosyntax, 108.

تختلف اللاحِقة المُصنِّفة المُضافة إلى العدد «واحد» بناءً على ما إذا كنَّا نتحدَّث عن شخصٍ أو بيضة. وتَستخدِم العديد من اللغات مُصنِّفات تظهر في أثناء العدِّ، ومنها اثنتان من أكثر اللغات انتشارًا في العالم؛ لُغة الماندرين، واللغة اليابانية. وفي بعض لغات المايا تُصنَّف الأسماء إلى عشَرات الفئات التي تتَّضِح عند العدِّ؛ فتَستخدِم اللغة الإنجليزية بعض ملامح نظام المُصنِّفات. عند استخدام الأسماء المُفردة المُعبِّرة عن الجمع مثل «رمل» و«تراب» و«طين» لا بدَّ لنا من تصنيف أشكالها؛ فلا يُمكننا أن نقول مثلًا: «ثلاثون طينة» أو «ثلاثون ترابة» أو «ثلاثون رملة». ولكي يُمكننا أن نستخدِم مثل هذه العبارات بما يتناسَب مع قواعد اللغة، فسوف نحتاج إلى أن نُضيف كلماتٍ مثل «كُتَل من الطين» أو «أكوام من التراب» أو «حبَّات من الرمل» مع الاحتفاظ بالاسم في صيغة المُفرد. أما الأسماء «المعدودة»، مثل «سيارات وأقلام رصاص وكتُب»، فهي لا تتطلَّب مثل هذه المساعدة؛ فعبارة «ثلاثون سيارة» مفهومة ومنطقية تمامًا، أما «ثلاثون من كتل السيارات» فهي ليست كذلك.

من الجليِّ أنَّ القواعد اللغوية تَستخدِم طرُقًا عديدةً للتمييز بين كميَّات العنصر المُشار إليه في الحديث. بالرغم من ذلك، فعلَينا أن نلاحظ أنَّ هذه الطرُق جميعها، بما فيها الظواهر النحوية على مثال الاتفاق بين العدَد والفعل وأدوات التنكير للمُفرد، مُخصَّصةٌ لتقسيم كمياتٍ صغيرة، لا سيما الكمية ١ ثم ٢ و٣ بدرجةٍ أقلَّ من الكميات الأخرى. إنَّ العدد النحوي تقريبيٌّ فحَسْب، خاصَّة حين يتعلَّق الأمر بالكميَّات الأكبر. وتتَّضح هذه النَّزعة إلى التقريب أيضًا في المفردات الفعلية للأعداد، التي تُعبر عن الكميات. لقد ركَّزْنا في الفصل الثالث على الكلمات التي تُعبر عن كمياتٍ محدَّدة، غير أنه يَجدُر بنا أن نشير هنا إلى أنَّ اللغات تَستخدم كلماتٍ مُشابهةً للأعداد، لكنها غير دقيقة تمامًا. ففي اللغة الإنجليزية مثلًا نجد كلماتٍ مثل: a few أي بضعة، ونجد a couple أي قليل، ونجد many أي كثير، وكذلك several أي عدَّة، وما إلى ذلك من الكلمات. والأرجح أنَّ مثل هذه المصطلحات توجَد في جميع اللغات؛ ولهذا فسوف تكون الأمثلة عليها كثيرةً للغاية. ففي لغة المايا اليوكاتية على سبيل المثال، نجد كلماتٍ مثل yá’ab’ التي تَعني «العديد» أو «الكثير».7 وربما يكون الأمر الغريب هو أنَّ بعض اللغات تعتمِد كُليًّا أو في الغالبية العظمى من الحالات على مثل هذه الكلمات العددية التقريبية عند وصْف الكميات، وسوف نُلقي نظرةً على تلك اللغات في الفصل الخامس حين نُناقِش الشعوب اللاعددية.
يمكن استخدام بعض المفردات العددية غير الدقيقة للإشارة إلى الحديث عن أكثرَ من واحدٍ من نوع مُحدَّد من العنصر المعني. فإذا كنتُ أتحدَّث مثلًا عن مجموعةٍ من الحيوانات ذات الحوافر، يُمكنني أن أستخدِم كلمة herd [أي «قطيع»]، وإذا كنتُ أتحدَّث عن مجموعةٍ كبيرة العدد أيضًا من الحيوانات السابحة، يُمكنني أن أقول مثلًا: school of fish [أي «سرب» من الأسماك] أو pod of dolphins [أي «سرب» من الدلافين]. وتوجَد العشرات من مِثل هذه الكلمات التي تُطلَق على مجموعات الحيوانات في اللغة الإنجليزية، ومنها كلمة gaggle والتي تُشير إلى مجموعةٍ من الإوز إن لم تكُن تطير، فإذا كانت تطير أصبح المصطلح الأنسب لها هو skien هذا على الأقل إن كنتُ من المُدقِّقين. أما إن كنتُ أتحدَّث عن مجموعة من البط، لا الإوز، فسوف أستخدم مصطلح flock. والحقُّ أنَّ العديد من مُتحدثي الإنجليزية لا يُدركون الفرق بين هذه المصطلحات، وهو أمر مفهوم نظرًا لفائدتها المحدودة، غير أنَّ هذه الفروق موجودة على أي حال، وهي تُشير إلى وجود طريقةٍ أخرى تستخدمها اللغات لتأكيد الفرْق بين ما هو واحد وما هو أكثر من واحد.
وتظهر هذه الفروق أيضًا في الاختلافات الغريبة بين الأفعال؛ فإذا كنتُ أشاهد مثلًا فيلًا واحدًا يتحرَّك بسرعة، يمكنني أن أستخدم الفعل run [أي يجري]، أما إذا كان هناك مجموعة كبيرة من الأفيال تتحرَّك بالطريقة نفسها، فقد أستخدِم الفعل stampede في وصف حركتِها [بمعنى تندفِع]. وهذا التغيير في الفعل يعود إلى تغيُّر عدد الأفيال وليس إلى عدد المرَّات التي جرى فيها فيل مُعيَّن. والأمر المُثير أنَّ بعض اللغات تستخدِم مثل هذه الاختلافات بين الأفعال للإشارة إلى عدد المرَّات التي وقع فيها حدَثٌ مُعين، وليس إلى عدد العناصر التي يتضمَّنها الحدَث. تتَّضِح هذه الظاهرة، التي تُعرَف باسم «تَكرار الفعل»، في لغة الهَوسا التشادية المُستخدمة في الساحل الأفريقي؛ ففي هذه اللغة على سبيل المثال، نجد أنَّ الفعل aikee معناه «يرسل» وكذلك الفعل a’’aikee يؤدي المعنى ذاته، غير أنَّ البادئة a’’ في النسخة الثانية من الفعل تَعني أنَّ شيئًا ما كان يُرسَل مِرارًا وتَكرارًا؛ ومن ثمَّ فإنَّ الفعل يتغيَّر وفقًا لعدد مرَّات وقوع فعل الإرسال، لا وفقًا لعدد الأشخاص الذين يُرسِلون أو يُرسَل إليهم، ولا عدد الأغراض التي تُرسَل.
وتتضمَّن لغة الكاريتيانا الأمازونية أفعالًا خاصَّة تشير معانيها إلى اشتراك العديد من العناصر في الحدَث، وذلك مُفاجئ بعض الشيء؛ فمِثلما ذكرتُ سابقًا في هذا الفصل، لا تَستخدِم لغة الكاريتيانا العددَ الاسمِيَّ (فيما عدا الاختلافات بين الضمائر). وما تستخدِمه هذه اللغة هو بِضْعة أفعالٍ تنطوي على معنى الجمع. فعلى سبيل المثال الفعل ymbykyt الذي يَعني أنَّ «العديد من الأشخاص يصِلون» والفعل piit الذي يَعني «يأخذ مجموعة من الأشياء»، ويُستخدَم هذا الفعل بصرْف النظَر عن عدد الأشخاص الذين يقومون بفعل الأخذ. وتُستخدَم بعض الأفعال «الدالَّة على الجمع» عند وصْف أفعالٍ مثل «الجري» «والذهاب» «والطيران». وفي دراسةٍ موجَزة أجريتُها على أربعةٍ وعشرين فردًا من مُتحدثي لغة الكاريتيانا، توصَّلتُ إلى أدلةٍ تؤكد أنَّ استخدام الأفعال الدالَّة على الجمع يؤثر في طريقة تفكير المُتحدِّثين في أفعالٍ مُحدَّدة، مقارنةً بمُتحدِّثي لغاتٍ أخرى كالإنجليزية، التي لا تَستخدِم مثل هذه التنويعات.8

غالبًا ما يُنظَر إلى العدد النحوي بوصفه تمييزًا بسيطًا بين الأسماء في صيغة المفرد والأسماء في صِيغة الجمع. وقد رأيْنا أنَّ الأمر أكثرُ من ذلك؛ فالعدد النحوي يوجَد في كلِّ لغات العالم تقريبًا، غير أنه وحْشٌ يتمتَّع بالقُدرة على تغيير شكله. فنجِده في العديد من اللغات يتَّخِذ شكل اللواحِق التي تُشير إلى الاختلافات بين الكميَّات. لكن في بعض الأحيان لا تكون هذه الاختلافات بسيطةً كالاختلاف بين «واحد» في مقابل «الكثير»؛ فقد تُقسِّم هذه الاختلافات خطَّ الأعداد بطرُقٍ أكثر تحديدًا، ربما في صورة «واحد» في مقابل «اثنين» في مقابل «الكثير». علاوةً على ذلك، فقد رأيْنا أنَّ العدد النحويَّ لا يظهر في الأسماء فقط، فالأفعال أيضًا يمكن أن تدُلَّ على كمية ما يُشار إليه في الحديث، أو تُشير إلى كمية الأفعال التي يصِفها الحديث. ولدَينا أيضًا بعض الكلمات الأخرى، كأدوات التنكير والمُصنِّفات، التي تعكس نزعة البشَر إلى الإشارة إلى الكميات، حتى وإن كانت هذه الكميات تبدو غيرَ وثيقة الصِّلةِ على الإطلاق بمُحادثة مُعيَّنة. واللغات لا تعكس هذه النزعة لدى البشَر فحسْب، بل إنها تُعزِّز من تركيزنا على الأعداد؛ إذ هي تقتضي الإشارةَ إلى الكميات على الدَّوام.

وبالرغم من الطبيعة المُتنوِّعة التي يتَّسِم بها العدد النحوي، فقد رأيْنا أيضًا نزعاتٍ قويةً جدًّا في قواعد اللغات في العالَم فيما يتعلَّق بهذه الظاهرة؛ أولًا: تتضمَّن الغالبية العظمى من لغات العالم ظاهرة العدد النحوي؛ فهو أحد أكثر السِّمات انتشارًا في القواعد اللغوية على مستوى العالم، التي يزداد إدراكُنا لتنوُّعِها الكبير. ثانيًا، وهو ما لا يقلُّ أهميةً عن النقطة الأولى على الإطلاق: فبالرغم من أنَّ استراتيجيات العدد النحوي تتَّخِذ أشكالًا مُتفاوتة في لغات العالم، فإنَّ وظيفتها تظلُّ مُتشابهة بدرجةٍ كبيرة. فقبل كلِّ شيء، تميل القواعد اللغوية إلى تقسيم الكميات إلى واحدةٍ من فئتَين: ١ أو كل شيء فيما عدا ١. وفي الحالات التي تلجأ فيها القواعد اللغوية إلى فئاتٍ أكثر دقَّة، فإنها تظلُّ مُحدَّدة بشكلٍ كبير؛ فالقواعد اللغوية تُشير إلى ثلاث كمياتٍ مُحدَّدة، وهي ١ و٢ و٣، وهذا على أكثر تقدير، فما من لغةٍ تستخدِم اللواحق على سبيل المثال، لتُشير تحديدًا إلى ٥ أو ١٠، بالرغم من انتشار النمَط الخماسي والنمط العشري في الأعداد على مستوى العالم. ونظرًا إلى نطاق المعاني الضِّمنية التي تُشير إليها جميع أنواع البادئات واللواحق في لُغات العالم، فإنَّ نطاق الكميات المُحدَّد، الذي يُشير إليه العدد النحوي، بارز بدرجةٍ كبيرة. وكل ذلك يَطرَح أمامنا سؤالًا واضحًا: ما السبب في أنَّ القواعد اللغوية لدى البشَر تُركِّز كلَّ هذا التركيز على الكميات، غير أنه تركيز ضبابي فحَسْب، ما لم تكن هذه الكميات هي ١ أو ٢ أو ٣؟ إننا حين نتحرَّى الدقة عند الإشارة إلى كمياتٍ أكبر من ٣، نحتاج إلى استخدام مفردات الأعداد بدلًا من العدد النحوي. فيبدو الأمر كما لو أنَّ تمييز الكميات الكبيرة بدقة ليس بالأمر الذي نفعله بتلقائية، على العكس من تمييز الكميات ١ و٢ و٣. ولكي نفهم السبب في أنَّنا نستطيع التمييز بين كمياتٍ مُعيَّنة بدرجةٍ أكبر من التلقائية؛ نحتاج إلى أن نُوجِّه النظر إلى الأداة الدماغية التي نستخدمها لفَهم الكميات.

الأساس البيولوجي العصبي للعدَد النحوي

الثَّلْم داخل الفصِّ الجداري هو أحد الوِديان العديدة الموجودة في الدماغ البشري. وهو يمتدُّ أفقيًّا في الفص الجداري، بدايةً من الجزء المركزي في القِشرة باتجاه المؤخِّرة. والثَّلْم داخل الفصل الجداري هو أحد منابع التفكير العددي، وهي نقطة سنَعرضها بقدْرٍ أكبر من التفصيل في الفصل الثامن. ومن الأمور الغريبة بشأن التفكير العددي الذي يحدُث فيه، هو أنَّ جزءًا منه فطريٌّ من ناحية التطور البيولوجي للفرد، وكذلك من ناحية تطور النوع على حدٍّ سواء. ومعنى هذا أنَّ جزءًا من هذا التفكير يحدُث في مرحلة مبكِّرة من تطوُّرنا (التطور البيولوجي للفرد) وهو يبدو أيضًا قديمًا في نوعِنا والأنواع المُرتبِطة به (تطور النوع). فالبشر وغيرهم من الأنواع القريبة منهم مُهيَّئون للتفكير العددي بدرجةٍ ما.

«بدرجةٍ ما»، وهذه «الدرجة» من النقاط الأساسية التي نُركِّز عليها في هذا الكتاب: إنَّ الأدوات العددية التي تمنحنا إيَّاها أدمغتنا بمعزِلٍ عن الثقافة، كليلةٌ للغاية، غير أنها موجودة بالتأكيد. ويبدو أنَّ إحدى السِّمات المُميزة للمعالجة العددية الأصلية التي تحدُث في الثَّلم داخل الفص الجداري، وهو أمر تتحكَّم فيه طبيعتنا البيولوجية العصبية الفطرية لا الأعراف الثقافية، تُحفِّز أنماط القواعد اللغوية التي وضَّحناها في الأقسام السابقة. فمن الواضح أنَّ البشر مُهيَّئون فطريًّا للتمييز بين الكميات الصغيرة، لا سيما ١ و٢ و٣، وبينها وبين الكميات الكبيرة؛ فتمييز الكمية ١ مثلًا عن أي كميةٍ أخرى، هو أمرٌ فطري لدَينا.

لقد أوضح عددٌ كبير من الأبحاث في علم النفس الإدراكي والعلوم العصبية وغيرها من المجالات المُتعلقة بالموضوع، أنَّ البشَر يستطيعون أن يُميِّزوا الكميَّات الصغيرة من الأشياء بسرعة، وذلك قبل أن يتلقَّوْا أيَّ تدريبٍ في الرياضيات. (سنشرح هذه النقطة بمزيدٍ من الوضوح في مُناقشتنا للإدراك لدى الأطفال في الفصل السادس.) وهذه القُدرة على تتبُّع الأشياء قد أصبحَت مُمكِنة من خلال سِماتٍ بيولوجية عصبية أساسية كالثَّلْم داخل الفصِّ الجداري، وهي تُمكِّننا من التمييز بين المجموعات التي تتكوَّن من ١ أو ٢ أو ٣ من العناصر، بسرعةٍ ودقَّة. بالرغم من ذلك، فحين يتعلَّق الأمر بالكميَّات الكبيرة، فإنَّ آلياتِنا العصبية الفطرية لا تُمِدُّنا إلا بوسائلَ ضبابية للتفريق بين الكميات. فلننظُر إلى هذا المِثال الدرامي بصفتِه توضيحًا لمدى فاعلية قُدرتنا الطبيعية على تمييز الكميات الصغيرة. فلنقُل مثلًا: إنك تسير في أحد أزقَّة مدينة نيويورك، وقد رأيتَ مجموعةً صغيرة من المُجرمين مجهولي الهُوية يُراقبون شخصًا قد هاجَمُوه للتو. فإن كان المُهاجِمون ثلاثة أو أقل، ولم يكن لدَيك إلا ثانية أو أقل لكي تُعالِج المشهد بصريًّا، فسوف تتمكَّن من تمييز عدد المُجرِمين الموجودين. وإذا استجوبَك ضبَّاط الشرطة فيما بعدُ فسوف تتمكَّن من إخبارهم بثقةٍ بعدد المجرمين الذين رأيتَهم، هذا على افتراض أنه كان يمكن تمييزهم بصريًّا. وفي المقابل، لِنَقُل مثلًا: إنك كنتَ تسير في الزقاق نفسه لكنك قد رأيتَ ستةَ مُجرمين يهاجمون شخصًا ما، فهل كنتَ ستتمكَّن من أن تقول بدقةٍ وثقةٍ كم كان عدد المهاجمين إن لم يكن لدَيك سوى جزءٍ من الثانية لتُعالج الأمر قبل أن يبتعدوا (أو تبتعِد أنت)؟ كلا، فحين يُطلَب من الأشخاص أن يُحدِّدوا عددًا مُعيَّنًا من العناصر بسرعة، مثل مجموعة من الأفراد الذين يمكن التمييز بينهم بصريًّا؛ فهم لا يستطيعون إلا قول العدد التقريبي إن كان هذا العدد يتجاوز ٣.

حين يتعلَّق الأمر بالكميَّات التي تَزيد عن ٣، فإنَّنا نكون أفضلَ في تمييز المجموعات التي تَختلِف عن بعضها اختلافًا ملحوظًا؛ ومِن ثَمَّ إذا سألك ضابط الشرطة عما إذا كان عدد المُهاجِمين ٦ أو ٧، فقد تُجيب بإجابةٍ خاطئة؛ لأنَّ الفرْق بين ٦ و٧ ليس فرقًا ملحوظًا. لكن إذا تَصادَف أنَّ ضابط الشرطة يَعرِف أنها إما إن تكون عصابة من ٦ أفراد أو عصابة من ١٢ فردًا، وأعطاك الاختيار بين ٦ و١٢، فسوف تُجيب إجابةً صحيحة؛ لأنَّ ١٢ أكبر من ٦ بنسبة ١٠٠ بالمائة. بالرغم من ذلك، فلِكَي نكون دقيقين بشأن إدراك الكميات مثل ٦، نحتاج إلى عدِّ العناصر المَعنيَّة. فتقرير الشرطة المُستنِدُ إلى شهادتك العيان سيكون دقيقًا إلى حدٍّ ما في السيناريو الأول الذي طرحْناه لما حدَث في الزقاق، أما شهادتك الثانية فسوف تكون مُبهَمة؛ ربما شاهدتَ ستَّة مهاجمين بالفعل، لكن عند التفكير في الأمر مرة أخرى، ربما كانوا خمسة أو سبعة، أو ربما — فقط ربما — كانوا ثمانية. إذا لم تتسنَّ لك فرصة عدِّهم، وتستخدم هذه الرموز اللفظية للكميات، والتي نُسمِّيها مفرداتِ الأعداد، فلن تكون روايتك جديرةً بالثقة؛ فالآليَّات الوراثية المُتأصِّلة في الثَّلْم داخل الفص الجداري وغيرها من المناطق الموجودة في القشرة الدماغية، لا تستطيع سوى تمييز الكميات الصغيرة، مثلما تُشير إلى ذلك الدراساتُ التجريبية ودراساتُ تصوير الدماغ.

قد تبدو هذه النقطة واضحةً بطريقةٍ ما، فتمييز الكميات الصغيرة أسهل بالتأكيد، لكنَّ ما نفترِضه هنا بناءً على دراساتٍ موسَّعة قد أجراها العديد من الباحثين، هو ليس ذلك فحسْب؛ فالبشَر ليسوا أفضلَ قليلًا فحسْبُ في تمييز الكميات الصغيرة، ولا يَقتصِر الأمر على أنَّ تَشوُّشَنا الرياضي يزداد تدريجيًّا وفقًا لزيادة العناصر التي يَستقبلها إدراكنا، بل توجَد فجوةٌ واضحة بين كيفية تفكيرِنا في الكميات ١ و٢ و٣، مُقارنةً بجميع الكميات الأخرى. وبعبارة أخرى، نحن مُهيَّئون فطريًّا للتفكير في هذه الكميات بدقة، مع التفكير بشأن جميع الكميات الأخرى بشكلٍ تقريبي. ومثلما يُشير عالِم النفس المرموق ستانيسلاس ديهان، فإننا نمتلك «حاسَّة عددية» وهو ما يُساعدنا على تمييز بعض الكميات بدقَّة. إنَّ أدمِغتَنا على وجه التحديد، ولا سيما الثَّلْم داخل الفص الجداري الموجود في أدمِغَتِنا، بها حاسَّتان عدديَّتان؛ حاسَّة عددية دقيقة، وحاسَّة عددية تقريبية. وفي حقيقة الأمر، فإنَّ الحاسَّة العددية الأولى هي القُدرة على مُتابعة الأشياء، والتي يُشار إليها عادةً باسم نظام «التفرُّد المُتوازي» ولهذا فهي تَسمح لنا بأكثرَ من مجرَّد التفكير الكمِّي. غير أنَّ إحدى خصائصها هي أنها تُمكِّننا من تمييز المجموعات التي تتكوَّن من كميَّاتٍ صغيرة بدقة، مثل مجموعة تتكوَّن من ١ أو ٢ أو ٣ من المهاجمين. ولذلك السبب فسوف أُشير إليها باسم «الحاسَّة العددية الدقيقة»، وهو مصطلح يَسهُل تذكُّره؛ إذ يُقابِل مصطلح «الحاسَّة العددية التقريبية». وتُمكننا الحاسَّة الأخيرة من تقدير الكميات الكبيرة، كالمجموعات التي تتكوَّن من ٥ إلى ٧ من المهاجمين. وهاتان الحاسَّتان، اللَّتان سنُناقِشهما بمزيدٍ من التفصيل في الفصول التالية، هما وحدتا البناء للقُدرة على التسويغ المنطقي الكمِّي، التي يتميَّز بها نوعنا، لكنهما لا تُفسِّران التفكير الرياضي بأكمله بالتأكيد.9

ومن الواضح أنَّ هذه الخلفية بشأن طبيعتنا البيولوجية العصبية الأساسية، تُلقي ضوءًا جديدًا على ما كنَّا نتناوله من مناقشةٍ بشأن العدد النحوي؛ أولًا: من المُحتمَل أن تكون الطبيعة البيولوجية العصبية العددية المُتأصِّلة في نوعِنا، تُعزِّز إحدى النتائج الأساسية التي تُوصِّلنا لها من دراستنا الاستقصائية، وهي أنَّ العدد النحوي مُنتشِر في كل مكان. إنه يُوجَد في الغالبية العظمى من اللغات، وعادةً ما يكون له آثار بارزة في كيفية تكوين الأفراد للجُمَل والكلمات المُفردة، في اللغات التي يوجَد فيها، ويمكن أن يظهر في الأسماء والأفعال والأدوات والمُصنِّفات وغيرها من أنواع الكلمات. ثانيًا: حين يُشير العدد النحوي إلى كميَّاتٍ مُحددة، فإنها تكون مُحدَّدة للغاية؛ فهو يُميز بين ١ وبين الكميَّات الأخرى، ويمكن استخدامه أيضًا للإشارة إلى الكمية ٢ و٣، على وجه التحديد. ثالثًا: غالبًا ما يُشير العدد النحوي إلى الكميات الكبيرة، لكنَّ ذلك دائمًا ما يكون على نحوٍ تقريبي.

لقد رأيْنا في الفصل الثالث أنَّ معظم الأنظمة العددية تُحفِّزها الطبيعة البيولوجية البشَرية. وفي الغالبية العظمى من اللغات، تُبدي الأعداد ارتباطًا تاريخيًّا واضحًا مع الأصابع والأيدي. وتُوضِّح لنا النتائجُ التي يتناولها هذا الفصل أنَّ العدد النحْوي أيضًا له سِماتٌ مشتركة عبر لُغات العالم، غير أنَّنا لا نَعْزو السبب في وجود هذه السِّمات المشتركة إلى صفات الأطراف البشرية، بل يبدو أنها تنبُع من سِمات الدماغ البشري. إنَّ قواعدنا اللغوية تُشير إلى المفاهيم العددية التي يُصفِّيها دماغنا أو الثَّلْم داخل الفص الجداري على وجه التحديد، بصورةٍ فطرية وبسهولة، وليس ذلك من قَبيل المُصادفة.

إذا كان ما اقترحْناه من العوامل التي تُحفِّز وجود مُفردات الأعداد والعدَد النحوي دقيقًا، فقد نتوقَّع أنَّ مفردات الأعداد التي تُعبِّر عن الكميات الصغيرة للغاية سوف تكون مُختلِفة بطريقةٍ ما عند مقارنتها بمفردات الأعداد التي تُعبِّر عن الأعداد الكبيرة. وهذا التوقُّع يَلْقى دعمًا من الأدلة اللغوية؛ فمفردات الأعداد التي تُعبر عن كمياتٍ مثل ١ و٢ و٣، غالبًا ما يكون لها مصادرُ قد ضاعَتْ مع مرور الزمن، وأصول تختلف بوضوحٍ عن أصول الأعداد الكبيرة في اللغة نفسها. فعلى العكس من الأعداد التي تُعبر عن كمياتٍ مثل ٥ و١٠، فإنَّ البشَر عادةً لا يُسمُّون الكميات الأصغر على أسماء أعضاء الجسم. (بالرغم من ذلك، فمِثلما هي الحال مع الأحكام العامَّة بشأن اللغات البشرية، توجَد بعض الاستثناءات النادرة.) ونحن لا نحتاج إلى ذلك؛ إذ يُمكِننا أن نُدرِك مثل هذه الكميات من خلال أدمِغتنا، دون الحاجة إلى وسيطٍ مادِّي ليُساعِدَنا على إدراكها. إننا لا نحتاج إلى الإشارة إلى الكميات المُتطابِقة الموجودة في العالم الخارجي لأدمغتنا، لاختراع كلماتٍ للكميات ١ و٢ و٣.

وتَختلف الأعداد الصغيرة عن الكبيرة بطريقةٍ أخرى مُهمَّة أيضًا، وهي تدعم الاقتراح القائل بأنَّ الأعداد الصغيرة تتأسَّس مباشرةً على مَفاهيمنا الفطرية. ومثلما أشار الباحثون كعالِم النفس الذي سبق ذِكره، ستانيسلاس ديهان، فإنَّ الأعداد الصغيرة تُستخدَم أكثرَ من غيرها بدرجةٍ كبيرة. وبالفعل، فإنَّ الأعداد ١ و٢ و٣، تُوجَد في اللغات المكتوبة بأكثرَ من ضعف المِقدار الذي تُوجَد به جميع الأعداد الأخرى. ويعود جزءٌ كبير من السبب في مثل هذا التواتُر إلى سهولة إدراك هذه الأعداد بدقَّة وسرعة. فليس الأمر على سبيل المِثال أنَّ الطبيعة تُقدِّم لنا الأشياء في مجموعاتٍ تتكوَّن من ١ أو ٢ أو ٣ بتواتُرٍ أكبر، ليس إلى الحدِّ الذي يتَّضح في اللغة على الأقل. علاوةً على ذلك، فإنَّ تواتُر ورود الأعداد المكتوبة والمنطوقة في جميع اللغات، التي دُرِس فيها تواتُر ورود الأعداد، لا يتَراجَع بانتظامٍ مع زيادة العدد، وإنما نجِد انخفاضًا حادًّا في مُعدَّل ورود العدد ٤ مقارنةً بالعدد ٣. ثم إنَّنا نجد في الإنجليزية وغيرها من اللغات العشرية، أنَّ أعدادًا مثل ١٠ و٢٠، تَرِد بتواتُرٍ كبير للغاية، هو أكبرُ كثيرًا من تواتُر الأعداد الكبيرة الأخرى. ويُشير ذلك إلى أنَّ التواتُر الكبير لبعض الأعداد في الحديث والكتابة لا يَعود إلى أنَّ بعض الكميات أكثر انتشارًا في العالَم من حولِنا فحسْب، وإنما تَرِد بعض الأعداد بتواتُرٍ أكبر لأنَّ أدمِغتَنا وأجسادَنا قادرة على تصفِيَتها بسهولةٍ أكبر.10
إنَّ السهولة التي يُعالِج بها البشر الكميات الصغيرة، تنعكس في الأنماط التي وصَفْناها فيما يتعلق بالعدد النحوي. وهي تنعكس أيضًا في وتيرة استخدام الأعداد الصغيرة، وفي الأصول غير الواضحة لها، ويجِب أن نذكُر أيضًا الأعداد الترتيبية. والأعدادُ الترتيبية هي التي تُوضِّح موضعَ عنصرٍ ما أو حدَثٍ ما في الترتيب؛ فيُمكنني أن أقول مثلًا بالإنجليزية: Germany is the third country to win the World Cup a fourth time. وهي تَعني «ألمانيا هي الدولة الثالثة في الفوز بكأس العالم للمرة الرابعة.» وبكتابة هذه الجملة التي توضِّح مثالًا على الأعداد الترتيبية، أكون قد وضَّحتُ طريقةً أخرى تَستخدمها اللغات في تمييز الكميات ١ و٢ و٣ عن غيرها. فلنُلقِ نظرةً على قائمة الأعداد الترتيبية في الإنجليزية: first, second, third, fourth, fifth, sixth, seventh, eighth, ninth, tenth, eleventh, twelfth إلخ … [الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس، السادس، السابع، الثامن، التاسع، العاشر، الحادي عشر، الثاني عشر، … إلخ] تُلاحظ أنَّ أول ثلاث كلماتٍ في هذه المجموعة لها نهايات غير مُنتظمة، أما بقيَّة الأعداد الترتيبية بأكملها فهي تنتهي بالنهاية نفسها «–th»؛ ومِن ثَمَّ فإنَّنا نرى من جديد أنَّ الأعداد التي ترتبط بكمياتٍ أصغر لها وضعٌ لُغوي خاص، مما يعكس بطريقةٍ غير مباشرة وضْعَها المُميَّز في أدمغتِنا.
والآن سنضرب مثالًا أخيرًا على اختلاف طريقة التعامل مع الأعداد الصغيرة في اللغات البشرية، وهو الأعداد الرومانية. لقد تطوَّرَت هذه الأعداد من أحد أنظمة العدِّ بالعِصيِّ، وهو يقوم على أساس العلامات الخطِّية. في الأعداد الرومانية نجد أنَّ الكميَّات الصغيرة تُمثَّل بالخطوط فحسب، مثل: I (١) وII (٢) وIII (٣)، أما الكميَّات الكبيرة فقد كانت تُعامَل بطريقةٍ مختلفة؛ فعلى العكس من مجموعة تتكوَّن من ثلاثة خطوط، ستكون المجموعات الأكبر صعبةَ التناوُل من الناحية الإدراكية: يُمكننا أن نميِّز VI بسهولةٍ أكبر من تمييز IIIIII؛ إنَّ المجموعة الأخيرة من الخطوط يَصعُب عدُّها على وجه الدقة مقارنةً بمجموعة الخطوط المُتمثِّلة في I أو II أو III، والتي يمكن التعرُّف عليها بصريًّا بسرعة دون عدِّها. وتتضح سهولةُ تمييز الكميات من ١ إلى ٣، بصورةٍ أكبر في تمثيل ٤ في الأعداد الرومانية: IV. إنَّ الأعداد الصغيرة، لا سيما ١ و٢ و٣، تُعامَل بطريقةٍ مختلفة وبشكلٍ أكثر مباشرةً، مقارنةً بجميع الكميات الأخرى.11

إنَّ الرموز البسيطة التي تُمثِّل الكميات الصغيرة في الأعداد الرومانية، هي مجرد مثالٍ آخَر على الأنماط التي نلاحظها في العالم بأسرِه في أنظمة العدد النحوي وفي الكلمات التي تُمثِّل الكميات الصغيرة. إنَّ الفسيولوجيا العصبية البشرية تُمكِّننا من التفكير في الكميات الصغيرة والتحدُّث عنها بصورةٍ فطرية. والتفسيرات البديلة للأنماط المَعنية، مُعضِلة بعض الشيء؛ فما من دليلٍ مُقنِع على أنَّ الكميات الصغيرة مثلًا، هي أكثر انتشارًا في البيئات الطبيعية للبشر، غير أنَّنا نملك دليلًا على أنَّ حاسَّتنا العددية الفطرية تجعلنا أفضل في تمييز الكميات الصغيرة.

عند البحث في لغات العالم، يتولَّد لدى المرء انطباعٌ بأنَّ العدد النحْوي غزيرُ التنوُّع. وهذا الانطباع ليس بخاطئٍ تمامًا؛ فالعدد النحوي يأتي في أشكالٍ متنوعة، غير أنَّ التفحُّص الأدق يوضِّح بعض السِّمات المشتركة في الوظائف التي يؤدِّيها العدد النحوي. والأرجح أنَّ السبب في وجود هذه السِّمات المشتركة هو طبيعتنا البيولوجية العصبية الأساسية، وذلك مِثلما أنَّ الأنماط الشائعة في مفردات الأعداد في لُغات العالم، توجَد بسبب الحقائق الأساسية بشأن طبيعتنا البيولوجية.

خاتمة

كان ابني، الذي لم يبلُغ من العمر عامَين بعدُ، جالسًا في المقعد الخلفي في سيارتنا بينما كنَّا متوجِّهين بها إلى جسر «ريكنباكر كوزواي» — جسر يربط جزيرة فيرجينيا كي بمدينة «ميامي» قاسمًا مياه خليج بيسكاين الفيروزية. وبينما اعتلَت سيارتُنا الجسرَ، نظر ابني إلى يمينِه من النافذة مُحدِّقًا في الخليج الذي يمتدُّ إلى المحيط على الأفق، وصاح: water! [ماء] ثم أدار رأسه إلى اليسار، مركِّزًا في ذلك الوقت على جزء الخليج الذي يمتدُّ إلى ساحل المدينة. ومأخوذًا بوجود ما يبدو على أنه جزء مُنفصل من المياه، صاح متعجبًا: Two waters! [اثنان مياه] اثنان مياه، ولِمَ لا؟ بالنسبة إلى طفل لم يفهَم بعدُ الفرْق بين الأسماء المعدودة والأسماء المُعبِّرة عن الجمع، فإنَّ ذلك التعبير مفهوم تمامًا، غير أنَّ ذلك التعبير المُفعَم بالحيوية الذي أصدره ابني، كاشفٌ بصورةٍ أعمق. فمنذ سنٍّ مبكرة للغاية، وغالبًا ما يكون ذلك قبل سنِّ العامَين، يُدرِك مُتحدثو اللغة الإنجليزية وغيرها من اللغات الأخرى أنه يجِب عليهم جمعُ الأسماء إذا كانت هذه الأسماء تُشير إلى أكثرَ من شيءٍ واحد. ومن الواضح أنَّ الأطفال يستطيعون تعلُّم هذا الفرْق منذ سنٍّ مبكرة. إنَّ اللغات تُعطي قدرًا كبيرًا من الأهمية للعدد النحوي، وهي أهمية تتعامل معها أدمغتنا ببراعة لأنها مهيَّأة فطريًّا لذلك. ومن المُرجَّح أن يكون هذا الاستعداد الفطري هو الذي يشجِّع الانتشار العالمي للعدد النحوي.
إنَّ وجود العدد النحوي في الغالبية العظمى من اللغات هو أمر في غاية الأهمية، لا سيما مع وعْينا بتنوُّع اللغات التي يتحدَّث بها البشر. في العقود الأخيرة الماضية، حين وصل علماءُ اللغويات إلى الزوايا البعيدة في العالم وقاموا بتوثيق لُغات لا ترتبط ببعضها، عرَفْنا أنَّ اللغات قد تَختلف فيما بينها اختلافًا كبيرًا. وقد أصبح علماءُ اللغويات يَعتقدون الآن أنَّ تنوُّع اللغات هو السِّمة الأبرز في التواصُل الإنساني؛ فبعض اللغات لا تَستخدِم الأزمان، وبعضها لا تُميز بين لونَين كالأحمر والأصفر، وبعضُها لا يستخدِم فاعل الجملة بطريقةٍ واضحة، وبعض اللغات لا يَستخدِم سوى عددٍ قليل للغاية قد لا يتجاوز العشَرة من الأصوات ذات المعنى، بينما قد تَستخدِم لغاتٌ أخرى ما يصل إلى المائة، وغير ذلك الكثير. إنَّ اللغات تتنوَّع وتختلف بدرجة كبيرة، وقد أصبح بعضُ الباحثين في اللغات يعتقدون الآن أنَّ هذا التنوُّع يعكس بدرجةٍ صغيرة، قُدرة اللغات على التكيُّف مع البيئات المختلفة تدريجيًّا. (ويقترح بحثي الخاص الذي أجريتُه مع بعض الزملاء أنَّ بعض سِمات الأنظمة الصوتية اللغوية تتطوَّر بطرُقٍ تتأثَّر تأثرًا طفيفًا بالعوامل البيئية كالقحط الشديد.)12

بالرغم من ذلك التنوُّع والقدرة على التكيُّف البارِزَين، فإننا نجد بعض الميول القوية التي تَظهر في لغات العالم فيما يتعلَّق بكيفية معاملتها للكميَّات. وقد رأيْنا في هذا الفصل أنَّ العدد النحوي يوجَد في الغالبية العظمى من لغات العالم؛ فالقواعد اللغوية مهووسة بالأعداد، وغالبًا ما يتركَّز هوَسُها هذا على تمييز الكميات الصغيرة الدقيقة عن الكميات الكبيرة التقريبية. ومن هذه الناحية، فإنَّ العدد النحْوي يعكس وظيفيًّا بِنْيَتَنا الدماغية، التي تأتي مُجهَّزة مُسبقًا لتكون قادرة على التمييز الدقيق بين الكميات الصغيرة فقط.

بالرغم من الطبيعة المشتركة للعدد النحوي، تبقى الحقيقة أنَّ بعض اللغات لا تستخدِمه، وذلك مثل ما ذكَرتُه في الفصل الثالث عن أنَّ مفردات الأعداد لا توجَد في كل اللغات. في الفصل الخامس، سنُقلِّب النظر في قضيةٍ محورية في مَسْعانا لفَهْم دور الأعداد في قصة البشرية: ما الذي يَحدُث حين لا يستخدِم البشرُ العدد النحْوي أو مفرداتِ الأعداد أو غيرَها من التمثيلات الرمزية للكميَّات؟ بعد ذلك، سنُلقي نظرةً على بعض العوالم التي لا توجَد بها أعداد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠