الأدب والحياة

أريد أن أعتذر إلى أصحاب الجد من قرائنا وهم — والحمد لله — ما زالوا كثيرين، وإنما أعتذر إليهم من أني سأبدأ هذا الحديث بأشياء يرونها وأراها أوضح من أن تجري فيها الأحاديث؛ لأنها بديهية مقررة قد اتفق الناس عليها واطمأنوا إليها منذ أقدم العهود، ولكن ماذا أصنع وماذا يصنع غيري من أصحاب الجد، إذا اقتضت ظروف الحياة الأدبية أن نستأنف الحديث في بعض الأوليات التي كنا نظن أن الإنسانية قد فرغت منها؟

وأول ما أبدأ به من هذه البديهيات هو هذا السؤال: لماذا يُنتِج الأديب شاعرًا كان أو ناثرًا؟

أما أصحاب الأصالة في الأدب فليس عندهم على هذا السؤال إلا جواب واحد؛ وهو أن الأديب إنما ينتج لأن طبيعته تقتضيه الإنتاج، ولأن البيئة من حوله تقتضيه الإنتاج أيضًا، أو لأن الله قد خلق الجماعة الإنسانية وفيها طائفة من الظواهر الاجتماعية، ومن هذه الظواهر أن ينتج الأدباء ويسمع الناس أو يقرءُوا.

ولسنا نعرف بيئة إنسانية، بادية أو متحضرة، متقدمة في الحضارة أو مقصرة فيها، إلا ولها لون من الأدب يلائم طاقة أدبائها للإنتاج، وطاقة أعضائها الآخرين للقراءة أو الاستماع. ومن أجل ذلك رأينا أهل البادية من العرب قبل أن يمسهم جناح من الحضارة يحفلون بما أتيح لهم في حياتهم تلك من الأدب. يقول شاعر القبيلة، ويسمع له سائرها، ويحفظ كثير منهم عنه بعض ما يقول أو كل ما يقول، وقد يشيعونه من حولهم في حياتهم تلك المتنقلة، فيتجاوز شعر الشاعر قبيلته إلى قبائل أخرى. ويتفاوت شعر الشعراء في شيوع شعرهم وانتشاره، وما ينشأ عن ذلك لأصحابه من الشهرة وبُعد الصوت.

وقد تغيرت أطوار تلك الأمة البادية، فتحضرت قليلًا أو كثيرًا، ولكنها لم تنسَ شعرها القديم من جهة، ولم تكتفِ به من جهة أخرى، وإنما حفظته، وأضافت إليه وأنشأت شعرًا متحضرًا يشبه أو لا يشبه ما حفظت من شعرها القديم.

ثم أغرقت في الحضارة، وفرضت لغتها ودينها وأدبها على أمم أخرى، وأنشأت لونًا جديدًا من الحضارة لم تألفه في عهودها الأولى ولم تعرفه الأمم الأخرى قبل أن تخضع للسلطان الجديد. وهي في هذا الطور من حياتها لم تنسَ أدبها، ولم تعرض عنه، ولم تكتفِ به، وإنما حفظته وأضافت إليه أيضًا، ثم أدركها شيء من الخمول بعد النباهة، ومن الضعف بعد القوة، ومن التفرق بعد الاجتماع، ومن الخضوع بعد التسلط، فلم تنسَ قديمها في الأدب، وإنما حفظته وحاولت موفقة أو غير موفقة أن تزيد فيه وتضيف إليه. لا نعرف أنها أهملت الأدب أو أعرضت عنه، أو زهدت فيه، على اختلاف العصور وعلى اختلاف الأطوار وعلى تتابع المحن وازدحام الخطوب حتى صارت إلى ما هي عليه الآن، وحتى أصبح أدبها أطول الآداب الحية عمرًا، وأشدها بقاءً، وأقدرها على مقاومة الكوارث والأحداث …

كل هذه حقائق أولية يعرفها المثقفون جميعًا، وتُدرَّس للشباب في مدارسهم ومعاهدهم، ولكني سأنتقل من هذا السؤال وجوابه إلى سؤال آخر ليس أقل غرابة من السؤال الأول، وليس الجواب عليه أقل إغراقًا في البداهة من الجواب على السؤال الأول: فيمَ كان قدماء شعراء العرب يقولون الشعر؟ وفيمَ كانوا يخطبون؟ وفيمَ كانوا يكتبون؟ وأصحاب الأصالة في الأدب يجيبونك بأنهم كانوا ينشئون الأدب فيما كانت طبيعة حياتهم تقتضيه من فنون القول.

كانوا يتغنون الرضى إذا رضوا، ويتغنون السخط إذا سخطوا. يتغنون الحزن إن أصابهم الحزن، والسرور إن أتيح لهم السرور. كانوا يصورون ما كانوا يجدون من ألوان الحس والعواطف والشعور، وكانوا يحبون ما يعرض عليهم أدباؤهم من هذه الصور، فيتحدثون بحبهم لها ورضاهم عنها، وكانوا يكرهون بعض ما يعرض عليهم أدباؤهم من هذه الصور، فينصرفون عنها ويسخطون عليها ويتحدثون عن هذا السخط وذلك الانصراف، فهم قد عرفوا الأدب ونقد الأدب في جميع عصورهم منذ عرفهم التاريخ إلى الآن، وهم ليسوا بِدعًا في ذلك من الأمم الأخرى؛ لأن الأدب ليس ظاهرة عربية فحسب، إنما هو ظاهرة إنسانية، ولأن النقد كذلك ليس ظاهرة عربية فحسب، وإنما هو ظاهرة إنسانية أيضًا.

وما دُمت تحرص على أن تسمع أو تقرأ ما ينتج الأدباء، وما دُمت تتحدث عما سمعت أو قرأت حديث الراضي أو حديث الساخط، فأنت معنيٌّ بالأدب ناقدٌ له على نحو ما من العناية وعلى نحو ما من النقد.

الأدب إنسانيٌّ إذن، والنقد إنسانيٌّ أيضًا، والأدب يصور حياة الناس والنقد يبين ملاءمة هذا الأدب لأذواقهم أو مخالفته لها. وإذن فلا يكون الأدب أدبًا حتى يصور حياة الناس، وليس في الأرض أدب إلا وهو يصور حياة أصحابه.

ومن هنا كان الأدب مصدرًا من مصادر التاريخ الإنساني، وعسى أن يكون بالقياس إلى بعض الأمم، أو بالقياس إلى بعض أطوار هذه الأمم، أخطر مصادر التاريخ.

ولأمرٍ ما قال قدماؤنا إن الشعر الجاهلي ديوان العرب؛ لأنهم لم يكادوا يعرفون شيئًا من أمر هؤلاء الجاهليين إلا من طريق هذا الشعر. ومن المحقق أن الشعر الإسلامي ديوان العرب في القرن الأول للهجرة، وأنك إذا اعتمدت على المصادر التاريخية وحدها، أضعت أشياء خطيرة جدًّا من حياة المسلمين في ذلك العصر. وأكاد أعتقد أن الأمر كذلك بالقياس إلى حياة الأمة العربية على اختلاف عصورها وأطوارها وبيئاتها، وأكاد أعتقد كذلك أن شأن الأمم الأخرى في هذا كشأن الأمة العربية؛ فالأدب يصوِّر حياة النفوس والقلوب والأذواق على نحو لا يستطيع التاريخ أن يصوره، ولا أن يسجله ولا أن ينقله إلينا نقلًا صحيحًا دقيقًا.

وإذن فالذين يقولون يجب أن يكون الأدب للحياة، ويظنون أنهم يقولون شيئًا جديدًا، لا يقولون في حقيقة الأمر شيئًا، ويخطئون حين يظنون أنهم يبتكرون شيئًا لم يألفه الناس منذ أقدم العصور. فكل أدب في أي أمة من الأمم إنما هو يصور نوعًا من أنواع حياتها، ولونًا من ألوان شعورها وذوقها وتفكيرها وانعكاس صور الحياة في نفوسها. وأكبر الظن أن الذين يقولون يجب أن يكون الأدب للحياة إنما يريدون شيئًا يحسونه في أعماق نفوسهم ولكن عقولهم قد لا تحققه.

فإذا أرادوا أن يعبِّروا عنه أخطأهم التعبير، وعسى أن يحققوا في نفوسهم أشياء ثم تمنعهم ظروف الحياة على اختلافها من أن يعربوا عنها في إفصاح ويصوروها في جلاء ووضوح.

فقد طرأت في الحياة الإنسانية الحديثة ظواهر جديدة لعلها لم تطرأ للأمم قبل هذا العصر الحديث، وأمسُّ هذه الظواهر بالأدب انتشار المعرفة وتغلغل الثقافة في طبقات من شعوب لم تكن تصل إليها قبل أن تتقرر حقوق الشعوب، وقبل أن تستمتع الشعوب بهذه الحقوق استمتاعًا واقعًا.

فكان الأدب يتجه إلى الطبقات المثقفة ولا تصل منه إلى الطبقات التي لم تدركها الثقافة إلا أصداء غامضة لا تبلغ أعماق نفوسها فضلًا عن أن تستقر فيها. فأما الآن فقد تقررت سيادة الشعوب وتقرر حقها في أن يأخذ أفرادها على اختلافهم بما يتاح لهم من حظ في المعرفة والثقافة، وأصبح الأدب مكلفًا أن يبلغ هذه الطبقات التي لم يكن يبلغها من قبل. أصبح مكلفًا أن يبلغها مرتين: يبلغها أولًا لينقل صور حياتها إلى الأديب، ويبلغها ثانيًا ليرد إليها هذه الصور، وقد صاغها الأديب في فنه وأضفى عليها ما يقتضيه الفن من الجمال الذي يحبِّب الخير ويرغِّب فيه ويبغِّض الشر ويصد عنه.

والأمر بعد ذلك في حاجة إلى كثير من التأني والتحقيق؛ فالأدب في أي أمة من الأمم إنما نشأ شعبيًّا ثم تطور بمقتضى الحضارة حتى ضاقت ميادينه وانقطعت أو كادت تنقطع الصلة بينه وبين طبقات الشعب التي لم يتح لها التعليم.

فالشاعر العربي في الجاهلية وفي القرن الأول للهجرة لم يكن يقول الشعر لطبقة بعينها من الناس، وإنما كان يقوله لكل الذين كانوا يستطيعون أن يفهموه ويذوقوه، وكانت بيئته كلها تستطيع أن تفهم الشعر وتذوقه. والمحقق أن زهيرًا مثلًا لم يقُلْ شعره لتفهمه طبقة بعينها من قبيلته، وإنما قاله ليفهمه كل من سمعه من العرب ويذوقه، لا فرق في ذلك بين القوي والضعيف ولا بين الغني والفقير ولا بين سادة القبيلة وسائر أفرادها. ثم لم يكد شعره يُنشَد حتى فهمته قبيلته وفهمه غير قبيلته من العرب الذين كانوا يعيشون في نجد والحجاز وغيرهما من الأقاليم التي كان أهلها يتكلمون لغة زهير.

وقل مثل ذلك بالقياس إلى الشعراء الجاهليين جميعًا وبالقياس إلى الشعراء الإسلاميين أيضًا. شعر زهير وامرئ القيس والنابغة والأعشى وشعر جرير والفرزدق والأخطل كان شعرًا يصور الحياة العربية كما كان أصحابها يحيونها؛ لأن الأغنياء والفقراء والأقوياء والضعفاء كانوا يتكلمون لغة واحدة، وكانت حظوظهم من المعرفة والثقافة واحدة أو متقاربة أشد التقارب وأقواه.

وإذا شق علينا نحن أن نفهم هذا الأدب ونذوقه إلا إذا هيَّأنا أنفسنا لذلك تهيئة خاصة بالدرس والجهد والتحصيل، فليس هذا لأن هذا الأدب لا يصور حياة أصحابه، بل لأنه لا يصور حياتنا نحن ولا يشتق منها. وقل مثل هذا في شعر الشعراء القدماء من اليونان: لم يكن يقال لطبقة بعينها وإنما كان يقال للبيئة التي عاش فيها الشعراء، فلما تحضَّر اليونان وتعقدت حياتهم أصبح شعر أولئك الشعراء بالقياس إليهم كشعر الجاهليين والإسلاميين بالقياس إلينا.

والمهم هو أن الأديب لا يُنشِئ أدبه لفرد من الناس، ولا لجماعة محدودة منهم، وإنما ينشئه لبيئته التي يعيش فيها ولهذه البيئة كلها، وهو واثق بأن أدبه سيُفهَم ويُذاق. ولم يكن العرب الجاهليون جميعًا أغنياء ولا أقوياء، وإنما كانوا كغيرهم من الشعوب؛ فيهم من يتاح له الثراء ومن يقضي عليه الضيق.

وقل مثل ذلك في العرب الإسلاميين، والخطأ كل الخطأ أن يظن ظانٌّ أن الشعراء حين كانوا يمدحون السادة وأصحاب الثراء، إنما كانوا يقولون الشعر لهم وحدهم، ولو كان الأمر كذلك ما احتفل ممدوحٌ بمدح قط، ولو كان الأمر كذلك أيضًا ما عُني الناس بهذا المدح بعد موت الممدوحين وبعد العهد بهم، فلم تكن عناية زهير بهرم بن سنان مقصورة عليه دون غيره من عامة العرب، وإنما مدح زهير صاحبه ذاك ليأخذ عطاءه من جهة، وليعجب الناس بشعره من جهة أخرى، وعسى أن يكون حرصه على إعجاب الناس بشعره أشد من حرصه على الظفر بعطاء الممدوح. ولأمرٍ ما قال بعض ولد زهير إن ما نال زهير من ممدوحه ذاك قد فني وأدركه البلى، ولكن شعر زهير فيه لم يفنَ ولا سبيل إلى أن يدركه الفناء.

ولقد انقضت الألعاب الأولمبية اليونانية وانقضى المستبقون فيها من السادة والطغاة منذ قرون طويلة جدًّا، ولكننا ما زلنا نقرأ شعر بندار ونعجب به ونحرص عليه إلى الآن. وليس كل الناس يستطيعون أن يقرءُوا هذا الشعر كما أنهم جميعًا لا يستطيعون أن يقرءُوا شعر زهير قراءة الفاهم الذائق، وإنما يتاح ذلك لمن هيَّأ نفسه للقراءة والفهم والذوق.

فلا تقل إن الأدب القديم لم يكن يصور الحياة بل قل إنه لم يصبح مصورًا لحياتنا نحن، وهنا تأتي المشكلة التي يتورط فيها كثير جدًّا من دعاة الأدب الجديد عندنا في هذه الأيام؛ فهم يعيبون الأدب القديم جملة بأنه كان أدبًا بعيدًا عن الحياة وبأنه كان أدب ملوك وبأنه كان أدب إقطاع، وينبغي إذن أن نُعرِض عنه الإعراض كله، وأن نمقته أشد المقت وننفر منه أعظم النفور، وننشئ لأنفسنا أدبًا يلائم الحياة، والحياة هنا هي حياتنا نحن هذه التي نحياها في هذه الأيام. ولو حقق هؤلاء الكتاب في عقولهم هذا الذي يدعون إليه لأنكروه أشد الإنكار ولبرَّءُوا أنفسهم منه أقوى التبرئة وأعنفها، فهم إنما يدعون إلى شيء يسير جدًّا هو أن نلغي القديم كله إلغاءً، ونجتث الإنسانية من أصولها، وننشئ إنسانية جديدة تقوم على هذه الحياة التي تحياها الشعوب الآن.

وما أعرف أن أحدًا من هؤلاء السادة يريد أن يلغي الأدب القديم حقًّا لأن بعضه أُنشئ للملوك ولأصحاب الإقطاع، فهم أعقل عقلًا وأحصف رأيًا وأحسن تقديرًا للأمور ورعاية لحقوق الثقافة من أن يريدوا مثل هذا أو يدعوا إليه. ولست أعرف أدبًا أُنشئ للملوك، ولا قصر عليهم، وإنما أعرف أن الملوك وأصحاب الثراء اتخذوا وسائل لإنتاج الأدب في بعض الظروف.

وأؤكد لك أني حين أقرأ قول الشاعر القديم للرشيد:

وعلى عدوِّك يا ابن عم محمد
رحوان ضوء الصبح والإظلامُ
فإذا تنبَّه رُعْتَهُ وإذا غفا
سلَّت عليه سيوفَك الأحلامُ

لا أكاد أقف عند الرشيد ولا عند إخافته للعدو نيامًا وإيقاظًا، وإنما الذي يعنيني قبل كل شيء هو أن هذا الشعر جيد يروع بما فيه من تصوير ما ينبغي أن يكون عليه الملك اليقظ الحازم الذي يحرص على رعاية الدولة ويحوطها، لا من غارة العدو فحسب، بل من طمعه في الغارة عليها.

وليس يعنيني أن يكون الرشيد قد كان كما وصفه الشاعر أو لم يكن، وإنما الذي يعنيني هو هذا المثل الأعلى الذي رسمه الشاعر للذين يقومون على شئون الأمم وينهضون بأعباء السلطان فيها، سواء أكانوا ملوكًا أم خلفاء أم رؤساء جمهوريات.

وإذا كان هذا كله لا يعنيني فأجدر ألا أحفل بأن هذا الشاعر قد صدق أو كذب، فقد ذهب الشاعر وذهب ممدوحه وذهب عصره وذهب مع هذا كله صدق الشاعر وكذبه، وبقي الشعر صادقًا أروع ما يكون الصدق في تصوير المثل الأعلى لرؤساء الدول حين يذودون عن دولهم.

ومثل هذا يقال في المدح الجيد الذي ساقه الشعراء إلى الملوك وأصحاب الثراء. ليس المهم أن يصدق الشعراء أو يكذبوا بالقياس إلى الذين يمدحونهم ويثنون عليهم، وإنما المهم أن يصدق الشعراء في تصوير المثل العليا فيما يُنشِئون من مدح وثناء؛ لأن المادحين والممدوحين يذهبون وتبلى أشخاصهم، ولكن المُثُل العليا التي يصدقون في تصويرها تبقى للناس ما بقي الناس.

وهذا هو معنى ما يقال من أن الأدب الصحيح الجدير بهذا الاسم خالدٌ مهما يُصِب أصحابه وبيئاتهم من الخطوب وأحداث الزمان. وهذا هو السر في أن التراث الأدبي والفني عزيز على الإنسانية المثقفة؛ لأنه يصور لها الجمال، والجمال الخالد لا يدركه الفناء.

وما أظن هؤلاء السادة يريدون أن يلغوا من أدب شكسبير ما مدح فيه الملوك والأشراف لأن عهد الملوك والأشراف قد انقضى، وما أحسبهم يريدون أن يلغوا آثار أصحاب الفن الخالدين من أصحاب التصوير والنقش والعمارة لأن هذه الآثار قد أُنشِئت لملك أو أمير أو شريف من أصحاب الإقطاع.

فقد ذهب هؤلاء جميعًا، وذهب معهم الذين أنشئُوا لهم هذه الآثار، وبقيت الآثار تراثًا خالدًا، نحوطه كلنا بما نملك من القوى والجهود، ويحرص عليه منا الذين يحبون القديم والذين يدعون إلى التجديد.

والتراث المصري القديم كله على اختلافه — فنًّا كان أو أدبًا — قد أنشئ للملوك، أو أنشئ في ظل الملوك، أو أنشئ في حياة شديدة التأثر بالملوك وأصحاب الإقطاع، وما أعرف أن أحدًا منا يريد أن يلغي هذا التراث أو يعرض عنه أو يزهد الناس فيه.

فالقضية إذن توضع وضعًا خاطئًا من أساسها؛ فهؤلاء السادة لا يكرهون القديم لأنه قديم، وهم لا يكرهونه لأنه أنشئ للملوك وأصحاب الإقطاع، ولكنهم يرون حياتنا قد أخذت تتغير وتسلك سبيلها المستقيمة جادة إلى الخير والإصلاح.

وهم يرون كذلك أن اليقظة قد أخذت تبلغ نفوس الشعب وتتغلغل حتى تصل إلى أعماقه، وهم من أجل هذا كله يريدون أن يكون ما ينشأ من الأدب مصوِّرًا لحياة الشعب وآماله وآلامه وحاجاته وغاياته أيضًا.

يريدون هذا كله ولا يريدون أن ينقصوا من قيمة الأدب القديم شيئًا، ولكن ألسنتهم تجمح وأقلامهم تجور عن القصد. وهم يرون الناس يكرهون الملوك لسوء آثار الملوك فيهم ولأن الثورة قد طردت ملكًا، فلا يجدون بأسًا في أن ينتفعوا بهذه الظروف ليروجوا لدعوتهم، ويزيدوها إلى الناس قربًا وإلى قلوبهم حبًّا. وكثير منهم يخيل إلى نفسه أنه يرضي الثورة بذلك، ويتقرب إلى رجالها، ولكنهم في حاجة شديدة إلى الإنصاف وأخذ النفس بشيء من الاعتدال.

فالباطل لا يُرضي أحدًا والحق لا يُغضِب الرجل الرشيد، وما أحسبهم يستطيعون أن يصارحوا الثورة بأن الأدب القديم شر يجب أن يزول، وفساد يجب أن يُلغَى، وإثم يجب أن تُمحَى آثاره. وبأن أول ما يجب من ذلك أن يترك القديم لقدمه، وأن نحرق الكتب التي سجلته ونحظر درسه في المدارس والمعاهد ونعاقب الناس على التحدث به أو التحدث عنه؛ لأنه أنشئ للملوك وأصحاب الإقطاع، أو أنشئ في ظلهم، وقد ألغينا الملكية وألغينا الإقطاع، فيجب أن نلغي كل شيء أنشئ في ظلهما.

هذا كلام يمكن أن يقال، وما أكثر الكلام الذي يقال! ولكن الشيء المحقق أن أحدًا لن يسمع له، ولن يحفل به، ولن يلتفت إليه، ولن يوجد المِعول الذي يعمل في هدم الأهرام أو هدم مسجد من المساجد التي أنشأها الملوك وأصحاب الإقطاع، ولن توجد النار التي تضرم لتحريق ديوان من دواوين الشعر أو كتاب من كتب النثر.

ولو قد تحدث أحد هؤلاء السادة إلى رجل من رجال الثورة في شيء من ذلك أو في شيء يشبه ذلك من قريب أو بعيد، لما رأى منه إلا ازدراء ولما سمع منه إلا زجرًا وانتهارًا، وما أعرف شيئًا يسوء الثورة والقائمين عليها من هذا الكلام الذي يقال في غير تفكير ولا قصد ولا تدبر من قائليه.

فليقولوا ولنقل معهم إن حياة جديدة قد أخذت تجري في شعب مصر، وإن الأدب الجديد يجب أن يكون ملائمًا لهذه الحياة، يصور حقائقها الواقعة، ويوجهها إلى ما ينبغي أن تتجه إليه، ويُبصِّر الناس بما يضرهم ليجتنبوه وبما ينقصهم ليسعوا إليه.

ونحن حين نقول هذا نرضي أنفسنا ونرضي شعورنا بالحاجة إلى التجديد، ولكن المحقق أن الأدب ليس في حاجة إلى هذا القول؛ فهو بطبعه ملائم للبيئة التي ينشأ فيها، وما أظن أن أديبًا من الأدباء المعاصرين يخطر له أن يمدح الآن ملكًا أو يثني على إقطاع.

أما بعد فقد خُلق الأدب للحياة، وعاش للحياة دائمًا، ولاءم البيئات التي كان ينشأ فيها على اختلاف العصور والظروف، ولن يكون الأدب الجديد عندنا بدعًا من آداب الدنيا كلها.

فليُرِح هؤلاء السادة أنفسهم، وليوجِّهوا جهودهم إلى ما ينفع الناس ويجدي عليهم، وإلى ما يغني هذا الأدب الجديد ويضيف إليه ثراءً جديدًا، ولينقلوا الخصومة من الأدب نفسه إلى صورة الأدب، فما عسى أن يكون الأدب الذي يريدون أن ينشأ في حياتنا الجديدة وأن يُوجَّه إلى الناس؟ أيكتب في لغة رثة وأساليب غثة ولهجة تشبه لهجات الأحاديث التي تجري في الشوارع والقهوات والأندية؟ أم يريدون أن يكون الأدب كما عرفته الإنسانية دائمًا فنًّا جميلًا يساق إلى الناس في زيٍّ جميل؟

هذه هي المسألة التي ينبغي أن يدور حولها الحديث، وإنه لحديث طويل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢