ماهاجوني مدينة الذهب

هل تزدهر أم تندثر؟

المواكب تتوالى على المسرح لتهتف بصوتٍ واحد:

«نحن لا نستطيع أن نساعد أنفسنا أو نساعدكم أو نساعد أحدًا.» هكذا تنتهي هذه الأوبرا المُبكِّرة من أعمال برخت، ولكن كيف تبدأ؟ اللوحة الأولى تُصوِّر لنا كيف أُسِّسَت «مدينة الذهب ماهاجوني».

فنحن نرى على المسرح ثلاثة أشخاص هم فيلِّي المدعي العام، وموسى صاحب الأقانيم الثلاثة، والأرملة بيجبيك، تتوقف عربةُ نقلٍ قديمة في منطقة جرداء. إنهم لا يستطيعون أن يواصلوا السير؛ فأمامهم الصحراء الشاسعة، ووراءهم رجال المرور الذين يتعقَّبونهم. غير أن الساحل غير بعيد، وهناك يعمل رجالٌ يستخرجون منه الذهب، فليُقيموا إذن في هذا المكان ليستخرجوا الذهب من جيوب الرجال! إن الأرملة تُقدِّم الاقتراح وتقول:
لذلك دعونا نؤسس هنا مدينة،
ونسميها مدينة ماهاجوني؛
أي مدينة الشباك!
ينبغي أن تكون كالشبكة
التي تُطرح لصيد الطيور.
في كل مكانٍ عمل وشقاء،
أما هنا فسوف يكون المرح؛
ذلك لأن الرجال يشتهون
أن يتجنَّبوا العذاب ويستبيحوا كل شيء،
هذا هو سر الذهب.

وتمضي الأرملة في وصف المدينة التي تتصوَّرها، والتجارة التي ستَربح منها؛ فهناك الجن والويسكي، والبنات والغلمان، والأسبوع سبعة أيام بلا عمل، والرجال يجلسون كُسالى بجانب الجدران، يُدخِّنون وينتظرون مغرب النهار، وقد يتصارعون ويتشاجرون، ولكنه شجار الأصدقاء، فلينصبوا خيمتهم إذن، وليرفعوا فوقها علمًا يُنبِّه السفن القادمة من ساحل الذهب، وليضعوا مائدة البار تحت شجرة المطاط، وليكن مركزها الذي تجتمع حوله هو «فندق الرجل الغني». ويوافق الرجلان على تأسيس المدينة الجديدة، مدينة الذهب والغرائز والأحلام، وجنة الخمر والسعادة الصاخبة التي يهرب إليها المتعبون من كل جهة؛ لأن الشر قد انتشر في كل مكان، والرحمة والأُخوة اختفَيا من الأرض، ولم يعُد هناك شيءٌ يمكن أن يتمسك به الإنسان.

وسرعان ما تنمو المدينة الجديدة، فما هي إلا أسابيع قليلة حتى يهاجر إليها «أسماك القرش». إنهم «جيني» ومعها ست عاهرات، يُغنِّين بالإنجليزية «أغنية ألاباما»، مُؤكِّدين فيها أن «السيدات» لا يستغنين عن الرجال والدولارات، وإلا هلكنَ كما تهلك الحيوانات.

أوه! أرنا الطريق إلى أقرب بار
أوه! لا تسأل لماذا، أوه! لا تسأل لماذا.
لأننا يجب أن نجد أقرب بار؛
لأننا إن لم نجد أقرب بار
أقول لك لا بد أن نموت، أقول لك لا بد أن نموت!

•••

أوه يا قمر ألاباما!
يجب أن نقول الآن: «جود باي.»
فقدنا العجوز الطيبة ماما
أوه! أنت تعرف لماذا.
وتمضي الأغنية على هذا النحو في المقطوعتَين التاليتَين، ويحل أقرب غلام (أو أقرب فتاة) وأقرب دولار محل أقرب بار. وشيئًا فشيئًا تجذب المدينة رجالَ المدن الأخرى حيث «الضجة كبيرة» ولا شيء غير الاضطراب والنزاع، ولا شيء يمكن أن يتمسك به الإنسان. وتنتشر أخبار «مدينة الجنة» بين المدن القديمة التي يصفها أحد سكانها بقوله:
تحتها بالوعات
لا شيء فيها،
وفوقها دخان
ما زلنا نعيش فيها،
لم نتمتع بشيء
سنفنى سريعًا،
وعلى مهلٍ ستَفنَى هي أيضًا.

فلا تمر سنوات قليلة — كما تقول لنا اللوحة الرابعة — حتى تزحف مواكب الساخطين من كل القارات إلى مدينة الذهب ماهاجوني. وبين هؤلاء الساخطين بأول أكرمان وياكوب شميت وهينريش ميرج ويوسف ليتنر، وهو الذي يدعونه ذئب ألاسكا «جو». إنهم يُنشِدون معًا أغنية «هيا إلى ماهاجوني» فالمدينة تبدو لهم جديرةً بالحياة فيها؛ لأن هواءها رطبٌ ومُنعشٌ ولأن فيها لحم خيول ولحم نساء، وويسكي وموائد قمار، ولأن هناك سلطةَ لحمٍ طازجة وما من أحد يلقي بالأوامر والتعليمات، ولأن مرض الزهري الذي يحملونه معهم سيُشفَون منه هناك.

وهكذا يهتفون معًا قائلين:
يا أيها القمر الأخضر الجميل في ألاباما
أنر لنا الطريق!
فلدينا اليوم هنا
تحت القميص أوراق بنكنوت
لضحكة كبيرة
من فمك الغبي الكبير.

وينزل الرجال الأربعة إلى ميناء ماهاجوني فتستقبلهم الأرملة بيجبيك مُرحِّبة، وتعرض عليهم كل المتع الممكنة وفي مقدمتها النساء. ويحتاج الأمر إلى شيء من الفصال، وتُضطَر التاجرة النشيطة إلى تخفيض أسعارها مرتَين حتى تُرضى الزبائن العائدين من ألاسكا، في جيوبهم ذهب، وفي عظامهم بردُ الشتاء. ويتم الاتفاق بعد مساومةٍ لا تطول؛ فالعائدون من ألاسكا يدفعون فورًا، ولا يصح أن تبخل عليهم التاجرة بشيء، ويهمُّ الأربعة بالاتجاه إلى المدينة فيلفِت أنظارَهم رجالٌ يحملون حقائبهم في طريقهم إلى الميناء لانتظار السفينة التي تقلع بهم، ويقول أحدهم إن شيئًا لا بد أن يكون فاسدًا في المدينة، وإلا ما تركها هؤلاء المسافرون. ولكن الأرملة تخفض أسعارها للمرة الثالثة، وجيني تُغنِّي مع العاهرات الست طالبةً من باول أن يجلس على ركبتها ويشرب من كأسها، فيُصمِّم الرجال الأربعة على الذهاب إلى ماهاجوني!

وتعلن اللوحة السابعة أن للمشروعات الكبرى أزماتها، كما تعرض تعليماتُ الإخراج إحصائيةً بالجرائم التي تُرتكَب في ماهاجوني وبحالة الأسعار فيها. ويؤكد فيلِّي وموسى أن تجارة المدينة لم تُحقِّق الربح المنتظر منها، تشكو الأرملة بيجبيك من قسوة الحياة عليها: لو كان لدينا المال، ما احتجنا أن نخاف من رجال المرور الذين يبحثون عنا. كذلك تخيب آمال باول أكرمان ويعلن عن عزمه على الرحيل من المدينة. لقد رأى لوحةً كُتب عليها: «ممنوع هنا». لقد سئم المُتَع التي تُقدِّمها له المدينة؛ سئم الشراب الرخيص، والتدخين، والنوم، والسباحة، وسئم الهدوء الذي يسود فيها، والحياة البسيطة والطبيعة العظيمة! ولكنَّ زملاءه يُفلِحون في إقناعه بالعودة معهم إلى المدينة. وحين يدخل معهم «فندق الرجل الغني» تُعاوِده نوبة الغضب ويُطلِق مسدسه في الهواء ويتذكر السنين السبعة التي قضاها في ألاسكا، والأشجار التي قطعَها في الغابات، والمال الذي جمعَه والبرد الذي تحمَّله لكي يأتي إلى ماهاجوني، التي لا يُعجِبه فيها شيء:
آه! في مدينتكم ماهاجوني
لن يسعد إنسان؛
لأن الهدوء فيها شديد
والانسجام كامل،
ولأن فيها أشياءَ كثيرةً
يُمكِن أن يعتمد عليها الإنسان.
وتُطفَأ الأنوار قبل أن يتسبَّب باول في وقوع كارثة، غير أن كارثةً أخرى تنتظرنا في اللوحة العاشرة؛ فها هي ذي لافتةٌ كُتِب عليها «طيفون»! وأخرى كُتب عليها «إعصار يتحرك في اتجاه ماهاجوني». ويئنُّ الجميع باكين:
آه! يا للحدث المخيف!
مدينة البهجة سوف تُهدم
الأعاصير فوق الجبال،
والموت يبرز من أعماق المياه،
آه! يا للحدث المخيف!
آه! يا للقدَر القاسي!
أين الحائط الذي يخفيني؟
أين الكهف الذي يُئوِيني؟
آه! يا للحدَث المُخيف!
آه! يا للقدَر القاسي!
غير أن ليلة الرعب الهائل تتمخَّض عن حادثٍ سعيد؛ فها هو ذا حطَّابٌ بسيط، اسمه باول أكرمان، قد توصَّل إلى اكتشاف قوانين السعادة البشرية! إن الرجال الأربعة الذين نعرفهم يجلسون على الأرض ويسندون ظهورهم يائسين إلى الجدار وتجلس معهم العاهرة جيني والأرملة بيجبيك، الجميع في ليلة الإعصار يتوقَّعون الكارثة بين لحظة وأخرى، وباول أكرمان يضحك وحده ضحكته المجلجلة، وبينما تسير مواكب العابرين خلف الجدار وهي تُغنِّي أغنيةً تبعث على الشجاعة والإيمان:
شدُّوا قامتكم، لا تخافوا
أيها الإخوة، إن انطفأ النور الأرضي
فلا تجزعوا
وهل تنفع الشكوى
لمن يُنازِل الإعصار؟
ونجد الحَطَّاب البسيط يُعلن اكتشافه الخطير الذي يتحدَّى به زملاءه المهزومين والمستسلمين! إنه يؤكد أن الإنسان إذا أراد أن يمزح صار أشد رعبًا من الطيفون والإعصار. وتؤيده الأرملة فتقول هذه الكلمات التي تُذكِّرنا بأبياتٍ مشهورة في أنتيجونا لسوفوكليس:
شرِّير هو الإعصار
وشر منه الطيفون
وأشدُّهما شرًّا الإنسان!

ويرفض باول أن يُدخِّن وينسى، فقد أقسم أن يُغني في ليلة الإعصار ليثبت أن الإنسان لا يقل عنه رعبًا. إن الأوامر والنواهي التي امتلأت بها ماهاجوني لم تدَع مكانًا للسعادة؛ ولذلك فهو يبشر بدستورٍ جديد يُبيح للإنسان أن يفعل كل شيء، ما دام الموت ينتظره في النهاية كما ينتظر أي حيوان!

لا تستسلموا للإغراء
فما من معاد.
النهار ينتظر على الأبواب،
تستطيعون أن تُحسوا ريح المساء
لن يعود بعد الآن صباح.

•••

لا تخدعوا أنفسكم
بأن الحياة قليلة.
اجرعوا كأسها كاملة
فهي لن تغنيكم
عندما تُضطَرون إلى تركها.

•••

لا تُعزُّوا أنفسكم
بأن وقتكم ضيق،
دعوا الأموات يتعفَّنون
فالحياة أعظم ما تكون
ولم تعُد على أهبة الاستعداد.
لا تستسلموا لمن يغرونكم
على السخرة والاستغلال،
ماذا يمكن أن ينال الخوف منكم؟
إنكم تموتون مع الحيوانات
ولا شيء يأتي بعد الممات!
ثم يخطو إلى مقدمة المسرح ليعلن إنجيل الفردية ويقول:
إن كان هناك شيء
تستطيع بالمال أن تحصل عليه
فاغتصب المال.
إن مر بك أحدٌ ومعه مال
فاضربه على رأسه وخذ ماله
يجوز لك أن تفعل هذا!
إن أردتَ أن تسكن
فادخل بيتًا
واضطجع في سرير،
إذا دخلت سيدة البيت عليك
فآوِها في الفراش،
إذا انهال السقف عليك، فانصرف
يجوز لك أن تفعل هذا.
إن كانت هناك فكرة
لا تعرفها
ففكِّر في الفكرة
وإذا كلفتك مالك
أو كلفتك بيتك
ففكر فيها، فكر فيها
يجوز لك أن تفعل هذا
لصالح النظام
لخير الدولة
لأجل مستقبل الإنسانية
لأجل مصلحتك أنت
يجوز لك أن تفعل هذا.

وهنا تضيف تعليماتُ الإخراج أن الجميع يقفون تحية لباول، ويرفعون قُبَّعاتهم عن رءوسهم، ويرجع باول خطواتٍ إلى الوراء ليتلقى تهانيهم!

من هذه اللحظة يصبح كل شيء في المدينة مباحًا؛ لأن الإعصار يمكن أن يهب عليها في كل يوم، ويغني الحطَّابون الأربعة، لمجرد أن الغناء ممنوع في ليلة الخطر. ويقف باول مرةً أخرى ليلقي هذه الموعظة:
لأنه كما يوسِّد الإنسان نفسه، ينام
ما من أحد يُغطِّيه،
وإذا داس أحدٌ فإنه أنا
وإذا ديس أحد، فإنه أنت.

ليفعل الرجال إذن ما يشاءون؛ فما دام الإعصار يهددهم، فليكونوا اعصارًا، وما دام المال في جيوبهم فليُحطِّموا الوصايا والقوانين، وليمرحوا ويستبيحوا لأنفسهم كل محظور. وتظل مُكبِّرات الصوت تُعلِن عن المدن التي يُدمِّرها الإعصار وهو في طريقه إلى ماهاجوني، ويظل باول يهتف بالناس أن يفعلوا كل مُحرِّم، قبل أن يفعله الاعصار، ولكن الاعصار يتجنَّب المدينة في اللحظة الأخيرة، ومن هذه اللحظة أيضًا يُصبِح شِعار سُكَّانها: «يمكنك أن تفعل ما تشاء.»

ويمُر العام على المدينة فتزداد تجارتها ازدهارًا، ويُقبِل الناس على مُتَع الأكل والحب وألعاب البوكس، ويصبح المبدأ الذي تسير عليه حياتهم هو ما تُعبِّر عنه الجوقة حين يقول:
أولًا: لا تنسوا، يأتي الطعام،
ثانيًا: يأتي الجماع،
ثالثًا: لا تنسوا البوكس،
رابعًا: الشرب، كما يقول العقد.
المهم أن تلاحظوا جيدًا
أن كل إنسانٍ هنا من حقِّه أن يفعل ما يشاء.

وتتعاقب المشاهد الأربعة التالية لتُبيِّن لنا كيف يُقبِل الرجال الأربعة على هذه المُتَع، وأي ثمرةٍ يجنونها من ورائها؛ ففي المشهد الأول نرى كيف يموت ياكوب النهِم بعد أن يفترس عجلًا بأكمله! وفي المشهد الثاني نستمع إلى حوارٍ بين جيني وباول نفهم منه أن الحب كأي بضاعةٍ أخرى يُشترى ويُباع. ويمر الموكب الذي رأيناه من قبلُ ليُعلِن الحريات الأربعة من جديد، ونسمع أن الإنسان يمكنه أن يفعل كل ما يشاء، ولكن بشرطٍ واحد، هو أن يكون لديه المال.

ويأتي المشهد الثالث ليعرض علينا مباراة البوكس التي ستدور بين موسى وجو الذي يُسمُّونه ذئب ألاسكا، وهي مباراةٌ يراهن فيها المتفرجون على الكسب والخسارة وتنتهي بموت «ذئب ألاسكا» الذي يرفض صديقاه هنريش وباول — برغم كل ذكريات البرد والشتاء في ألاسكا — أن يراهنا عليه، غير أن الحرية ليست بلا حدود. ها هو ذا المشهد الرابع يعرض علينا كيف تُصيبُ الحطَّابَ البسيطَ باول أكرمان نوبةُ كرمٍ مفاجئة تجعلُه يدعو أصحابه جميعًا إلى الشراب، فالكئوس تدور في فندق الرجل الغني على رجالِ ماهاجوني الذين يُغنُّون:
في البحر، وعلى اليابسة
تنزع عن الناس جلودهم
ويبيعون جلودهم
لأن الجلود تُوزَن في كل الأوقات بالدولار.
لكن الأرملة بيجبيك المتيقظة لتجارتها لا يعجبها الحال، فتقطع أغنية الجلود قائلة: «والآن ادفعوا الحساب يا سادتي.» ولكن باول لا يملك شيئًا. إنه يميل على جيني ليُحرِّضها على الفرار معه، ويحاول على مائدة الشراب أن يقود سفينة في عرض البحر ليصرف الأنظار عنه ولكن بلا فائدة. وحين يكتشف الجميع أنه مُفلِس ينفضون عنه، وتُبرِّر جيني موقفها معه فتُنشِد الأغنية التي عرفناها: لأنه كما يُوسِّد الإنسان نفسه، ينام، فكل امرئ لا يكترث إلا بنفسه. ويقف موسى كالوحش الذي يحمي القانون ليُعلن جريمة باول البشعة فيقول:
هالُّو، أيها الناس،
ها هو رجل يقف أمامكم
لا يستطيع أن يدفع الحساب
وقاحة، وغباء، ورذيلة،
وأسوأ من هذا كله: الإفلاس!
ماذا يكون الجزاء؟ الشنق بالطبع.

وهكذا يُقدَّم باول إلى محكمةٍ ليست أسوأ من غيرها من المحاكم، ويتولى موسى مهمة المدعي، وتجلس بيجبيك على منصة القضاء، ويقوم فيلِّي بالدفاع. وتُعرَض أولًا قضية «توبي هيجنز» المتهم بالقتل العمد، ويتحمس موسى في بيان التهم، ولكنه يختمها بطلب البراءة، بعد أن أفهم المتهم القاضية بيجبيك بالإشارة أنه سيدفع للمحكمة رشوةً ضخمة. وإذ تسأل المحكمة عن الأضرار التي أصابت المجني عليه فلا يستطيع المقتول بالطبع أن يُجيب تُعلِن المحكمة براءة المتهم.

ثم تُنظر قضية باول، ويستنجد هذا بصديقه هنريش ويستحلفه بالسنوات السبع التي أمضاها معه في برد ألاسكا أن يُقرِضه مائة دولار، فيرد عليه قائلًا: باول، أنت من الناحية الإنسانية قريب مني، ولكن المال شيءٌ آخر. وتُوجَّه تهمة الامتناع عن دفع الحساب إلى باول، وتُعلِن الأرملة بيجبيك ومعها موسى وفيلِّي أنهم المجني عليهم، ثم يصدُر الحكم، أو بالأحرى تصدُر الأحكام على تُهمٍ قديمة اكتشفَتْها المحكمة فجأة، فهو يستحق الحبس يومَين بتهمة القتل غير المباشر لصديقه ذئب ألاسكا في حلقة البوكس، والحرمان من شَرفه لمدة سنتَين للإزعاج الذي سبَّبه في ليلة الإعصار، والسجن أربع سنواتٍ مع وقف التنفيذ لإفساده الفتاة جيني، وعشر سنواتٍ لإنشاده أغانيَ ممنوعةً في تلك الليلة الرهيبة، أما العجز عن دفع الحساب فهو يستحق عليه الموت. وهكذا تعلن القاضية بيجبيك:
ولكن لأنك لم تدفع لي حسابَ ثلاث زجاجاتِ ويسكي
ولا ثمن الخبز الذي أكلتَه معها
فسوف يُحكَم عليك بالموت، يا باول أكرمان.
وتقف القاضية والمدعي والدفاع ليقولوا معًا وسط عاطفة من التصفيق:
بسبب الإفلاس
الذي يُعَد أعظم الجرائم
التي تُرتكَب على وجه الأرض.
وتأتي اللوحة التاسعة عشر لتُقدِّم لنا تنفيذ الحكم بالإعدام، ويُلاحِظ برخت في عنوان هذه اللوحة «أن هناك كثيرين يمكن أن يؤذيهم منظر الإعدام. غير أنهم أيضًا في رأينا لن يقبلوا دفع الحساب عنه. إلى هذا الحد بلغ احترام المال في عصرنا.» ويبدأ المشهد بوداعٍ مُؤثِّر بين باول وجيني يؤكد فيه كلٌّ منهما أنه أمضى مع صاحبه أيامًا جميلة. ويتجه باول مع صديقه هنريش إلى مكان التنفيذ، وتمُر جَوقة الرجال التي تُعيد أغنيتها الساخرة عن الحريات الأربع: «لا تنسوا، أولًا يأتي الطعام … إلخ.» ويسأل باول في دهشة إن كان سيُعدم حقًّا، فتؤكِّد بيجبيك قائلة إن هذا هو المعتاد، ويعود باول ليسأل: ألا تعرفونَ أن هناك إلهًا؟ فيُجيبونه على سؤاله بتمثيلِ مشهدٍ عن الله في ماهاجوني، بعد أن ينصحوه بالجلوس على الكرسي الكهربائي. ويبدأ أربعة رجال في تمثيل المشهد الذي يَحكي كيف هبط الرب إلى ماهاجوني ليلعَن سُكانها المُذنبِين ويُلقي بهم في الجحيم فيرفُض الرجال أن يذهبوا إليه لأن حياتهم على الأرض كانت جحيمًا في جحيم:
لا يُحرِّك أحدٌ قدمه الآن!
ليُضرب الجميع عن العمل
لن تستطيع أن تجذبنا من شعورنا إلى الجحيم؛
لأننا كنا دائمًا في الجحيم
نظروا إلى الله، رجال ماهاجوني.
قالوا لا، رجال ماهاجوني.

وينتهي تمثيل المشهد فيعرف باول أكرمان أنه حين جاء إلى هذه المدينة ليشتري البهجة بالمال، كان يسير بنفسه إلى نهايته؛ ها هو ذا يجلس الآن على كرسي الإعدام وليس في يديه شيء. كان يقول إن على كل إنسانٍ أن يقتطع اللحم الذي يُعجِبه بالسكين التي تُعجِبه، ولكن اللحم كان فاسدًا، والبهجة التي اشتراها لم تكن بهجةً حقيقية، والحرية لا شأن لها بالحرية. لقد أكل فلم يشبع، وشَرِب فلم يرتوِ، وهو الآن يطلب أن يسقوه كوب ماء، ولكن موسى يضع الخوذة على رأسه ويعلن أن كل شيء قد انتهى.

وتأتي اللوحة الأخيرة فنقرأ في عنوانها: «وفي ظل الاضطراب المتزايد والغلاء والعداوة التي أعلنها الجميع على الجميع تتظاهر في الأسابيع الأخيرة من حياة مدينة الشباك مواكبُ الذين لم يُقضَ عليهم بعدُ، من أجل مُثُلهم العليا، دون أن يتعلَّموا.» ونجد في خلفية المسرح لوحاتٍ تمثل المدينة وهي تحترق، ثم تتوالى مواكب المتظاهرين التي تتداخل في بعضها ويتصارع بعضها مع بعض. ويمر الموكب الأول بقيادة بيجبيك وموسى وفيلِّي حاملًا لافتةً كُتب عليها: «من أجل الغلاء، من أجل صراع الجميع ضد الجميع.» «من أجل استمرار العصر الذهبي.» ويُفسِّر المتظاهرون هذه الشعارات بقولهم:
ذلك أن ماهاجوني الجميلة
تملك كل شيء، ما دمتم تملكون المال.
عندئذ يُوجد كل شيء
لأن كل شيء يُشترى بالمال
ولأنه لا يُوجد شيء، يعجز الإنسان عن شرائه.
ويتظاهر الموكب التالي من أجل الملكية، ومن أجل نزع ملكية الغير، والتوزيع العادل للخيرات السماوية، والتوزيع الظالم للخيرات الأرضية، والحُب الذي يمكن شراؤه بالمال، والفوضى الطبيعية للأشياء، واستمرار العصر الذهبي، ويُغنِّي المتظاهرون:
نحن لا نحتاج الإعصار
نحن لا نحتاج الطيفون؛
فما يُحدِثه من رعب
نستطيع أن نُحدثَه بأنفسنا.

أما الموكب الثالث فيحمل شعاراتٍ تقول: «من أجل حرية الأغنياء، والشجاعة ضد العُزل من السلاح، وشَرف السفاحين، وعظمة القذارة، وخلود الحقارة، وبقاء العصر الذهبي.»

ويُنشِد المتظاهرون الأغنية التي نعرفها: «لأنه كما يُوسِّد الإنسان نفسه ينام.» ويتبعهم الموكب الأول فيؤكد المتظاهرون من جديدٍ أن من يملك المال يجد كل شيء في ماهاجوني، وأن المال هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يتمسك به الإنسان، ويلحق بهم الموكب الثالث، فلا يلبث أن يتحوَّل إلى جنازةٍ على الطريقة الأمريكية، يُنشِد فيها المتظاهرون على روح باول أكرمان، ضحية المجتمع الفوضوي.

وتُشارك في الجنازة مجموعةٌ من الفتيات تحمِلنَ مخدَّاتٍ وُضِعَت عليها ساعة المرحوم ومُسدَّسه ودفتر شيكاته كما يُعلِّق قميصه على عصًا طويلة ويُغنِّين في صوتٍ رقيق: «آه يا قمر ألاباما! لا بد الآن أن نقول جود باي، فقدنا العجوز العزيزة ماما، ولا بد أن نجد الدولارات. أوه! أنت تعرف لماذا!» ويأتي بعدهم موكبٌ خامسٌ يحمل المتظاهرون فيه جثة باول أكرمان، ومعهم لوحةٌ كُتب عليها «من أجل العدالة» ويُغنُّون:
نستطيع أن نُحضِر له الخل
أن نُدلِّك وجهه،
أن نُحضر الكماشة،
أن ننتزع لسانه،
لا نستطيع أن نساعد ميتًا.
أما الموكب السادس الذي تتقدمه لافتةٌ كُبيرة كتب عليها «من أجل الغباء» فهو يكمل الأغنية بقوله:
نستطيع أن نُكلِّمه،
أن نزعق فيه،
أن نتركه راقدًا،
أن نأخذه معنا،
لا نستطيع أن نُصدر التعليمات لميت،
نستطيع أن نغمز يده بالنقود،
أن نحفر له قبرًا
أن نحشره فيه
أن نهيل عليه التراب،
لا نستطيع أن نساعد ميتًا.
ثم يأتي الموكب السابع على أثَره، يحمل أفراده لافتةً كُتب عليها:
نستطيع أن نتكلم عن عصوره المجيدة،
أن ننسى عصره المجيد،
لا نستطيع أن نساعد ميتًا.

وتتوالى المواكب واحدًا بعد الآخر، تتداخل في بعضها ويصارع بعضها البعض، ليرتفع منها صوتٌ طويل بائس لا مبدأ له ولا نهاية:

«نحن لا نستطيع أن نساعد أنفسنا أو نساعدكم أو نساعد أحدًا.»

•••

تلك هي أوبرا ماهاجوني التي عُرضَت لأول مرة في عام ١٩٢٧م في الاحتفالات الموسيقية بمدينة بادن-بادن. أراد فيها برخت أن تكون تعبيرًا مسرحيًّا عن الفوضى السائدة في المجتمع الرأسمالي الذي يُؤلِّه المال ويجعله مقياسًا لكل قيمة ويرُدُّ إليه كل العلاقات الإنسانية. وقد بناها على مجموعةٍ من الأغاني التي سماها «أغاني ماهاجوني» ونشَرَها في ديوان شعره «تبتلات البيت». كانت هذه الأغاني محاولةً شعرية لتصوير الصراع المخيف في المجتمعات الرأسمالية على نحوٍ أسطوري وبدائي، لا يخلو مع ذلك من الفن؛ فالأغنية الثانية منها تُصوِّر لنا كيف تُنزع جلود الناس جميعًا في البحر وعلى اليابسة، وكيف يبيع الناس جُلودَهم ما دامت تُوزَن بالمال، ثم يهبط الإله في الأغنية التالية إلى المدينة الملعونة ليقذف بسكانها إلى الجحيم فيرفضون قائلين: لقد كنا نعيش دائمًا في الجحيم! فالحياة في ظل هذا المجتمع الذي يتقاتل فيه المستغلون والمستغلون يفترسون بعضهم في سبيل الصنَم الذهبي الأكبر، لا بُد أن تكون أسوأ من الحياة في الجحيم. وتأتي آخر هذه الأغاني وهي «أغنية بيناريس» فتُنبِّئنا بأن هذه المدينة الملعونة قد عُوقبَت ودمَّرها الزلزال. هذه الزلزلة الأخيرة، هذه الكارثة الاجتماعية التي لا بد أن ينتهي إليها مجتمعٌ من الذئاب يفترس فيه الجميعُ الجميع، كانت كذلك موضوعًا للقصيدة المشهورة التي ختم بها برخت «تبتلات البيت» وأقصد بها قصيدة «برتولد برخت المسكين». إنه يقول فيها:
في الزلازل القادمة،
أرجو ألا أدع سيجاري ينطفئ،
لأن طعمه مر
أنا يرتولت برخت المسكين،
حملَتْني أمي من الغابات السوداء،
وألقت بي في مدائن الإسفلت
من زمنٍ بعيد.

وجاءت الأوبرا فتناولَت هذا الموضوع نفسه وتوسَّعَت فيه وأكَّدَته بلافتاتٍ يحملها المُغنُّون والممثلون عليها عباراتٌ تُصوِّر الاستغلال والاضطراب والفوضى الشاملة التي يعيش فيها المجتمع الرأسمالي.

هي إذن محاولة للتعبير عن الفوضى السائدة في المجتمع الرأسمالي، وهي في أساسها فوضى اقتصادية وسياسية ترجع إلى اضطراب علاقات الإنتاج، وافتقارها في ظل ذلك المجتمع إلى التخطيط العلمي الذي يحسب حساب الطلب والتوزيع، فينتهي بالضرورة إلى التنافُس المُروِّع وتَحكُّم الإنتاج في المنتج، واستغلال صاحب العمل للعامل، فالأزمة التي تنشب في ماهاجوني مدينة الذهب والمشروعات الفردية هي نفس الأزمة التي تتعرَّض لها مجتمعات المال والاستغلال. إن رجال ماهاجوني يكتشفون المبدأ المُسلَّم به في المجتمع الرأسمالي حين تفاجئهم الكارثة الطبيعية ويتهدَّد مدينتهم الإعصار. إنهم يكتَشِفون أن كل شيءٍ مباحٌ من أجل المال ويعرفون أنه لا ينبغي أن يكون هناك شيءٌ ممنوع. إن المال في جيوبهم، والموت يتربص بهم، فهل يكون ثَمَّةَ مكان للأخلاق؟ ليس هناك إذن فرق بينهم وبين المجتمعات الرأسمالية سوى أنهم يصلون إلى هذا الاكتشاف تحت إلحاح الكارثة المُهدِّدة، أما مجتمعات المال والاستغلال فهي تعيش فيه وتمارسه كل يوم.

ومن الغريب حقًّا أن يكتشفَ هذا المبدأَ حطَّابٌ بسيط وينطق به عمالٌ عاشوا سَبْع سنواتٍ يقطعون الأشجار في غابات ألاسكا وثلوجها! فهل يكونون رمزًا لملايين المستغلين؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف يتفق مع تفكيرهم أن يمارسوا مبدأً طبَّقه أعداؤهم من زمنٍ طويل؟ وكيف يُقبِلون على الرذائل التي اختص بها هؤلاء الرأسماليون ويتحمَّسون للذات المادية من نهم في المأكل والشراب وشهوة إلى اللحم والمال؟ أم يريد برخت أن يقول لنا إن العمال قد يتمتعون في ظل الرأسمالية، وبخاصة حين تتوسع بالاستعمار واستغلال الشعوب، بمتعٍ محدودة ولكنها مؤقتةٌ ومرهونةٌ بازدهار رأس المال والاستعمار؟ قد يكون الأمر كذلك، ولكن كيف يكون الرجل الميت — ولا شك في أنه يرمز للرأسمالية — هو العامل البسيط باول أكرمان؟ لقد أراد أن يُبيِّن لنا أن قيمة الإنسان وكرامته مرتبطة بثروته، وأنها تتلاشى حين يعجز عن دفع الحساب، فكيف يُطبق ذلك على رجل لا يستغل أحدًا ولا يملك وسيلة من وسائل الإنتاج؟ أم تُراه يريد أن يجعله مثلًا لكل من يملك المال، حتى ولو كانت هذه الملكية موقوتة بزمانٍ محدود؟

وليست هذه هي رذائل المجتمع الرأسمالي فحسب، بل هناك عددٌ آخر من مظاهر الضَّعة والانحطاط يتسبَّب فيها المال؛ فهناك خيانة الصديق لصديقه وتخلِّيه عنه في وقت الشدة، لا بل تخلِّيه عن الجزء الأفضل من ذاته، وتنكُّره للوفاء والتضحية حين يتدخل المال بينهما. ومن الغريب أيضًا كما لاحظ النقاد أن يفعل ذلك العمال المستغلون لا رجال الأعمال المستغلون!١
مهما يكن الأمر فقد أثارت هذه الأوبرا ثائرةَ المجتمع البرجوازي أكثر مما فعلَت أوبرا الشحَّاذين أو الثلاثة قروش؛ فقد أحدث عرضها لأول مرة في شهر مارس عام ١٩٣٠م فضيحةً هائلة بين النقاد والمتفرجين. وحاول برخت أن يُبرِّر الفضيحة بقوله إن منظر ياكوب النهِم الذي يموت من الأكل كان أكثر ما أثار الجمهور؛ ذلك لأنه بيَّن بصورةٍ واضحة أن هناك من يموتون من التخمة، وترك للجمهور أن يعرف بنفسه أن هناك أيضًا من يموتون من الجوع. ولعل ما أثار «البرجوازية» في الثلاثينيات من هذا القرن تلك اللوحةُ التي تُبشِّر بالعصر الذهبي (لعله كان يقصد العصر الذي ينتهي فيه صراع الطبقات باستيلاء طبقة العمال على الحكم) وتلك الشعارات الكثيرة التي تحملها مواكبُ المتظاهرين في نهاية العرض، وتفضح فيها جرائم الرأسمالية. إنها تعلن عن صراع الجميع ضد الجميع، والتوزيع العادل لخيرات السماء، والتوزيع الظالم لخيرات الأرض، والحُب الذي يُشترى بالمال، والفوضى الطبيعية للأشياء، كما تتهكَّم بحرية الأغنياء، وشجاعة الجبناء، وشرف السفَّاحين، وعظمة القذارة، وخلود الحقارة، وتُعبِّر عن كثير من الأفكار والآمال التي كانت تغلى في قلوب الاشتراكيين في ذلك الحين، فكيف لا تُثير ثائرة الرأسماليين في المجتمع وفي السلطة الحاكمة؟ وكيف لا تغضب الرأسمالية لفوضى مبادئها ممثلةً في المواكب المضطربة على خشبة المسرح وللرجل الميت الذي لن يستطيع أحد أن يُساعده، ولا يمكن أن يُعبِّر عن أحدٍ سواها؟ كانت الأوبرا إذن تحديًا سافرًا للنظام الاجتماعي في ظل الرأسمالية، وفضحًا لمبادئه ومثله، ومظاهرةً اشتراكية واضحة تكاد تنقَض من خشبة المسرح على المتفرجين في الصالة والألواج! ومع أن النقاد الواقعيين لم يرضُوا عن الأوبرا كل الرضا، بل راحوا يتهمونها بأنها رومانتيكية وغير علمية في تفسيرها للظواهر الاجتماعية، إلا أنهم اعترفوا بأنها حدثٌ جديد في «الأوبرا الملحمية» ينزع المستمع من سماء الأحلام ليصدمه بأرض الواقع، ويُحرِّضه على اتخاذ موقفٍ إيجابي منه، وينقل الأوبرا بهذا المضمون الجديد الجادِّ من عصر المتعة إلى عصر الموقف. ولقد قُوبلت الأوبرا في عرضها الأول في مدينة ليبزج بمظاهرات الاحتجاج والاستنكار، ولكنها حين عُرضَت بعد ذلك بعامٍ ونصفِ عام على مسارحِ برلين تلقَّاها الجمهور بالتصفيق؛ ذلك أن التناقُضات الاجتماعية كانت قد أصبحَت موضوعًا يشغل الجميع كما كثرت الأعمال الفنية التي تُعالجها وتُحاول التخفيف من حدَّتها، فلم يجد الجمهور في «ماهاجوني» إلا تعبيرًا أدبيًّا مجردًا عن مشكلة من مشكلات الساعة. ولعل النزعة العدمية المتشائمة التي تسود الأوبرا، وروحها الغنائية التي تسري فيها أنفاس الكتاب المقدس، وشكها الميتافيزيقي العميق في الإنسانية التي راحت تتعبد طاغوت المال، وافتقارها إلى «الحل الإيجابي» الذي كان ينتظره منها الاشتراكيون ممثلًا في ثورة «البروليتاريا»؛ كل هذا جعلها موضوع أخذ ورد، ولفَت إليها أنظار الخصوم والأنصار على السواء. لقد لاحظ الجميع هنا أنهم إزاء فنانٍ يعاني من ظواهرَ اجتماعيةٍ معينة، ويملك القدرة على دقِّ ناقوسِ الخطر للإنسانية كلها، دون أن يُقيِّد نفسه بوصف علاجٍ بعينه. وحين يقول رجالٌ جاءوا من المدن العظيمة مثل هذه الكلمات:
تحت مدننا بالوعات،
لا شيء فيها، وفوقها دخان.
ما زلنا نعيش فيها، لم نتمتع بشيء.
سنفنى سريعًا، وعلى مهل.
ستفنى هي أيضًا.
فإنه يخاطب إنسان العصر، ويُحرِّك إحساسه بالمصير المشترك، وليس مُهمًّا بعد ذلك أن يكون من اليمين أو من اليسار. ألم يسبق للشاعر نفسه أن عبَّر عن هذه القدرية المتشائمة (التي لم يتخلص منها أبدًا، على الرغم من كل الأقنعة الماكرة التي وضعَها على وجهه) في قصيدته التي سبقَت الإشارة إليها حين قال عن برخت المسكين:
جلسنا، ونحن جنسٌ طائش،
في بيوتٍ كنا نظُن أنها أقوى من الفناء
(هكذا شيَّدنا العمائر الممتدة على جزيرة مانهاتن وأعمدة الهواء الدقيقة عَبْر الأطلنطي)
لن يبقى من هذه المدن إلا ما يجوس خلالها: الريح!
البيت يُسعد الآكلين؛ لأنهم يُفرغونه مما فيه.
نحن نعرف أننا غير مُخلَّدين،
وأن ما سيأتي بعدنا لا يستحق الذكر.
ألم يُدمِّر الإعصار — الذي نجت منه المدينة بأعجوبة — كلَّ ما كان يظن سُكانها أنه ثابت كالخلود؟ حتى المال الذي ظَنُّوا أنه الشيء الوحيد الذي يمكن أن يتمسَّك به الإنسان، عرفوا في النهاية أنه مَظهرٌ خادع قتَّال، يترك الإنسان يتمتَّع ويشرب قليلًا لينتهي به أخيرًا على الكرسي الكهربائي. وهل يُدهِشنا بعد ذلك أن تخيب آمالُ كل الباحثين عن الحقيقة، وأن يُعبِّروا عن رأيهم على لسان ياكوب شميت قائلين:
أينما ذهبتَ
لا يُجدي شيء.
أينما كنتَ
فلن تنجُوَ بنفسك.
خيرُ ما تفعله
أن تظل جالسًا
وتنتظر النهاية.

ألم يظهر أيضًا أن الحب نفسَه في مثل هذه الظروف لا يمكن أن يكون سوى وهمٍ وسَراب؟ إن المحبين لا يدرون إلى أين يذهبون؛ فالحياة التي عاشوها معًا وظنوا أنها ستدوم لم تكن في النهاية إلا لحظةً عابرة، والشيء الذي أرادوا أن يتشبَّثوا به لم يكن إلا عدمًا. وتصل مأساة القدَر والتشاؤم إلى ذروتها حين تؤكد اللوحات الأخيرة أن الناس في هذا المجتمع لا تتعلم، وليس المقصود بذلك أنهم لم يتعلموا، بل المقصود أنهم لم يموتوا بعدُ. وتعلو النغمة التراجيدية حين يُنشِد الممثلون: ستموتون مع الحيوانات جميعًا، فالنهاية المحتومة تنتظركم، ومهما تحضَّرتم واغتررتُم بأنفُسِكم فلن ترتفعوا فوق مستوى الحيوان!

وسواءٌ أفهمنا النهاية المؤلمة التي تقول:

«لن نستطيع أن نساعد أنفسنا أو نساعدكم أو نساعد أحدًا.» على أنها نهاية الرأسمالية، أو على أنها النهاية التي تنتظر الإنسانية على خلاف مذاهبها، فلا شك أن صوت الزلزلة الأخيرة سيُؤثِّر في القلب قبل العقل، ولا شك أن هذه الصورة الرهيبة ستُذكِّرنا بصور الحساب الأخير كما رسمَتْها الأديان السماوية، وبالكارثة الكونية كما عبَّرت عنها رؤيا يوحنا. وسترفعنا في كلا الحالَين فوق حدود الصراع المذهبي الضيق إلى مأساة المصير البشري في عصر الذرة والقلق والانتظار الخائف المخيف.

ولستُ أُحب أن أجعل هذه الأوبرا تعبيرًا عن التشاؤم والشك والقدَرية، فقد تكون بالفعل نذيرًا بانهيار عصرٍ وبشيرًا ببداية «عصرٍ ذهبي» جديد نسمع اليوم أصوات المبشرين به في كل مكان، ولكن المهم أن السؤال الذي بدأنا به «هل تزدهر ماهاجوني أم تندثر؟» سؤال لا نستطيع الآن أن نجيب عليه، فلنترك الجواب للزمن والتطور والتاريخ! ولنحاول أن نُقنِع أنفسنا بأن التاريخ يكون دائمًا في صف التقدُّم والإنسان.

١  يتفق هذا النقد مع ما يقوله أحد المُتخصِّصين في دراسة برخت وهو أرنست شوماخر في كتابه عن محاولاته المسرحية من ١٩١٨م إلى ١٩٣٣م، ص٢٦٢–٢٨٩. Ernst Schumacher; Die dramatischen Versuche B. Brechts 1918–1933 Berlin, Ruttcn & Loening, 1955, s. 262–289.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤