الفصل الرابع

انبعاث ثقافة القراءة والكتابة

كان من أقرب الأصدقاء إلي أثناء دراستي الجامعية (وربما أكثرهم تعقيدًا) أحد طلاب الأدب الإنجليزي. كان أديبًا عبقريًّا. والحق أنه في كل فصل دراسي تكون فيه الكتابة معيارًا للتقييم، كان يبلي كأحسن ما يكون البلاء. أما في باقي الفصول الأخرى، فإنه لم يكن كذلك.

كانت كتابات بن ذات أسلوب مميز: لو كانت موسيقى، لأمكننا أن نسميها مقتطفات. ولو كانت رسمًا، لسميت بفن الكولاج (تجميع المناظر)، ولو كانت رقمية، لأمكننا أن نسميها مزيجًا. كانت كل فقرة يكتبها مبنية على الاقتباس من كتابات الغير. قد يكون الموضوع الذي يكتبه عن هيمنجواي أو بروست. غير أنه كان يبني حجته باقتطاع عبارات مقتبسة من الأدباء الذين كانت مناقشته تدور حولهم. فكانت كلماتهم هي التي تصنع حجته.

ولقد كوفئ على ذلك بحق في المجالات التي كان يكتب فيها، فالموهبة والعناية اللتان برهن عليهما أسلوبه كانتا مقياسًا لقدرته على الفهم. كان نجاحه يعود إلى أن إدراجه للاقتباسات، وسط السياق، كان يوضح المعنى المقصود بصورة لم تكن كلماته وحدها كافية لتحقيقها. وكان اختياره يوضح بجلاء امتلاكه لمعرفة تتجاوز الرسالة التي يعرضها النص. فالقارئ الأكثر مهارةً فقط هو الذي يمكنه أن يبني من نص قرأه نصًّا آخر يشرحه. وكانت كتابات بن تبين أنه كان قارئًا متأنيًا على نحو استثنائي. لقد صنعت منه قراءته المتأنية كاتبًا رائعًا.

كوفئ أسلوب بن ليس فقط في ندوات الأدب الإنجليزي؛ فقد كان أسلوبه جوهرًا للكتابة المتميزة في القانون. إن المذكرة القانونية العظيمة قد تبدو خالية من المعنى لو اعتمد عليها وحدها؛ فكل شيء مأخوذ من دعاوى سابقة، ويقدَّم الآن كما لو أنه ما من جديد بشأنه. هنا أيضًا تستخدم كلمات الآخرين في توضيح المعنى الذي لم يكن هؤلاء الآخرون يقصدونه مباشرةً. فالقضايا القديمة يعاد مزجها معًا. والمزج يقصد منه الوصول لشيء جديد. (من الملائم أن أذكر هنا أن بن يعمل الآن محاميًا.)

في كلتا الحالتين، بالطبع، الاقتباس مطلوب. غير أن الاقتباس في حد ذاته يعد أجرًا كافيًا. ولا يوجد أحد ممن يتكسبون عيشهم من الكتابة يؤمن بأنه مطلوب منه على الإطلاق الحصول على أي تصريح يتجاوز هذا الأجر البسيط. ولو أن بن راسَلَ دائرة إرث إرنست هيمنجواي طالبًا السماح له بالاقتباس من رواية «لمن تقرع الأجراس» في موضوعاته التي كان يكتبها أثناء دراسته بالكلية، لَتضايقَ المحامون المسئولون بالدائرة. ولتساءلوا في تعجب: من ذلك الأحمق الذي يظن أنه بحاجة لتصريح كي يقتبس عبارات لموضوع إنشاء؟!

إذن هاكم السؤال الذي أود منكم أن تركزوا عليه ونحن نستهل هذا الفصل من الكتاب: لماذا كان أمرًا «شاذًّا» أن نظن أننا بحاجة لتصريح كي نقتبس عبارات من نصوص ألفها آخرون؟ ولماذا من شأننا (أو من واجبنا) أن «نغضب» لو أن القانون اشترط علينا أن نطلب من آل جور تصريحًا إذا أردنا اقتباس عبارة من كتابه «اعتداء على المنطق» في موضوع نريد كتابته؟ ولماذا يشعر كاتب ما بالضيق (بدلًا من أن يشعر بالفخر) عندما يتصل به طالب في المرحلة الثانوية طالبًا منه الإذن للاقتباس من كتاباته؟

الإجابة، حسبما أرى، تتعلق بوضوح شديد ﺑ «طبيعة» الكتابة. فالكتابة بالمفهوم التقليدي لها من أنها عبارة عن كلمات تخط على ورق، تعد الصورة النهائية للإبداع الديمقراطي. وهنا أيضًا ليس المقصود من كلمة «ديمقراطي» أن يذهب الناخبون للتصويت، وإنما المقصود منها أن لكل فرد في المجتمع الحق في الحصول على وسائل للكتابة. إننا نعلم الجميع الكتابة، نظريًّا، إن لم يكن عمليًّا. ونحن نفهم أن الاقتباس جزء جوهري من تلك الكتابة. ولسوف يكون من المستحيل أن نقيم تلك الممارسة ونؤازرها لو اشترطنا الحصول على تصريح في كل مرة نقتبس فيها كلامًا للغير. فحرية الاقتباس، والبناء على ما اقتبس من كلمات الآخرين أمر مسلم به لدى كل من يكتبون. أو بعبارة أخرى، الحرية التي اعتبرها بن أمرًا مسلمًا به أمر طبيعي تمامًا في عالم يملك فيه الجميع الحق في الكتابة.

(١) كتابة تتجاوز الكلمات

من البديهي أن الكلمات ليست الصورة الوحيدة للتعبير التي من الممكن المزج بينها على النحو الذي صنعه بن. فإذا كان باستطاعتنا الاقتباس من نص ألفه هيمنجواي في روايته «لمن تقرع الأجراس» في موضوع نكتبه، فإن بإمكاننا اقتباس جزء من فيلم لسام وود عن رواية «لمن تقرع الأجراس» لهيمنجواي في فيلم نصنعه. أو إذا كان في إمكاننا اقتباس مقاطع من كلمات أغنية لبوب ديلان في عمل غنائي عن فيتنام، فإن باستطاعتنا أن نقتبس من أغنية لبوب ديلان غناها من تلك الكلمات في فيلم فيديو نصنعه عن تلك الحرب. فالتصرف واحد؛ المصدر فقط هو المختلف. وكذلك من الممكن أن تكون معايير الإنصاف واحدة: هل هو بالفعل مجرد اقتباس؟ وهل ينسب لصاحبه على نحو سليم؟ وهلم جرًّا.

ولكن رغم تشابه أفعال الاقتباس تلك، فإن المعايير الحاكمة لها اليوم شديدة التباين. وبرغم أنني لم أعثر إلى الآن على أي شخص يمكنه التعبير بدقة عن سبب ذلك الأمر، فإن أي محامٍ مؤهل في هوليوود يمكنه أن يقول لك إن هناك اختلافًا جذريًّا بين الاقتباس من هيمنجواي وبين الاقتباس من نسخة صنعها سام وود مبنية على رواية لهيمنجواي. ونفس الحال في الموسيقى: فوفق رأي من قد يُعَد أحد أسوأ القضاة الفيدراليين في القرن العشرين في بلادنا — القاضي كيفين توماس دافي — أصدرت المحكمة أحكامًا بعقوبات «صارمة» على فناني موسيقى الراب الذين اقتطعوا مقاطع من تسجيلات موسيقية أخرى. وكتب القاضي يقول:
«لا تسرق» وصية اتبعتها الإنسانية منذ فجر التاريخ. وللأسف، في عالمنا التجاري المعاصر لا تُتبَع تلك الوصية دائمًا. وحقيقة الأمر، أن المتهمين بذلك الفعل المتعلق بالتعدي على حقوق التأليف والنشر يريدون أن يجعلوا هذه المحكمة تؤمن بأن السرقة عمل كاسح في الوسط الموسيقي، وأنه لهذا السبب ينبغي التماس العذر لهم فيما يقترفونه. إلا أن مسلك المتهمين الوارد هنا، لا يمثل تعديًا فقط على الوصية السابعة من الوصايا العشر، وإنما تعديًا كذلك على قوانين حقوق التأليف والنشر في هذا البلد.1

وسواء كانت المعايير التي تحكم تلك الأشكال من التعبير مبررة أم لا، فإنها تعد أكثر صرامة بكثير من المعايير التي تحكم النص. فهي لا تقر بأي من الحريات التي يعتبرها أي كاتب أمرًا مسلمًا به وهو يكتب مقالًا للكلية، أو حتى مقالًا في جريدة نيويوركر.

لماذا؟

الإجابة الكاملة على هذا السؤال أمر يتجاوز نطاق قدراتي، ومن ثم قدراتنا، ها هنا. غير أن بمقدورنا وضع نقطة بداية. هناك اختلافات واضحة بين تلك الأشكال من التعبير. وأبرز تلك الاختلافات التي تهمنا تاريخيًّا في تلك الأنواع من «الكتابة» هو الفارق الديمقراطي. فبينما نجد أن كتابة النصوص أمر يتعلم الجميع القيام به، فإن صنع الأفلام والتسجيلات ظل أمرًا — طيلة أغلب فترات القرن العشرين — لا يقوم به سوى محترفين. وكان معنى ذلك أنه كان من الأيسر أن نتخيل نظامًا يشترط الحصول على تصريح بالاقتباس من فيلم أو قطعة موسيقية. فنظام كهذا كان ممكنًا على الأقل، حتى وإن لم يتمتع بالكفاءة.

ولكن ماذا يحدث عندما تصبح الكتابة باستخدام فيلم (أو موسيقى، أو صور، أو جميع الأشكال الأخرى من «الخطاب الاحترافي» التي تعود إلى القرن العشرين) ديمقراطية مثلها مثل كتابة النصوص؟ على حد وصف دون جويس العضو بفرقة نيجاتيفلاند، ما الذي يحدث عندما «تحول التقنية الأسلوب والمسلك ووسيلة الإبداع إلى الديمقراطية بطريقة لم نعهدها من قبل … [على نحو] أشبه بفن الكولاج، [ما الذي يحدث عندما] يستطيع أي شخص الآن أن يصير فنانًا؟»2

ما الأعراف (ومن ثم القوانين) التي سوف تحكم هذا النوع من الإبداع؟ هل ينبغي أن تسري الأعراف التي يعتبرها جميعنا أمرًا مسلمًا به من الكتابة على الفيديو أيضًا؟ وعلى الموسيقى؟ أم هل من الواجب تطبيق الأعراف المطبقة على الفيلم على النص أيضًا؟ أو لنطرح التساؤلات بشكل مختلف: هل يجب مد أعراف «طلب التصريح» من الفيلم إلى الموسيقى والنصوص؟ أم هل يجب مد أعراف «اقتبس بحرية، مع نسبة الشيء إلى صاحبه» من النص إلى الموسيقى والأفلام؟

عند هذه النقطة سوف يقاوم البعض الأسلوب الذي صغت به الاختيارات. سوف يصرون على الفصل ليس بين النص من ناحية وبين الأفلام/الموسيقى/الصور من ناحية أخرى. وإنما سيطالبون بالفصل بين العروض التجارية أو العلنية للنص/الفيلم/الموسيقى/الصور من ناحية، وبين الاستخدام الخاص أو غير التجاري للنص/الفيلم/الموسيقى/الصور من ناحية أخرى. لا أحد يتوقع أن يطلب صديقي بن الإذن من دائرة ورثة هيمنجواي للتصريح له باقتباس بعض من كتاباته في موضوع إنشاء يكتبه وهو طالب في الكلية؛ لأنه لن ينشر أحد (حتى الآن على الأقل) مواضيع إنشاء بن في الكلية. وعلى نفس النهج، لن يتوقع أحد من ديزني، على سبيل المثال، أن تكون لديه أية مشكلة مع أب يأخذ مقطعًا من فيلم سوبرمان ليدرجه في فيلم منزلي من تصويره، أو مع أطفال في حضانة يرسمون ميكي ماوس على الحائط.

غير أنه برغم العقلانية التي يبدو عليها هذا التمييز، فإن هذه ليست الطريقة التي تطبق بها القواعد في الوقت الحالي. فمرة أخرى، حرية بن في النص واحدة سواء كانت في موضوع إنشاء للكلية أو مقال في نيويوركر (إلا، ربما، لو كان يكتب عن الشعر). وفي الواقع شكت بالفعل مؤسسة ديزني من أن الأطفال في الحضانات يرسمون ميكي ماوس على الحوائط.3 وفي استبيان أجراه جيه دي لاسيكا، أصرت جميع الاستوديوهات الكبرى فيما عدا واحدًا على أن الأب ليس من حقه إضافة مقطع من فيلم كبير إلى فيلم منزلي — حتى وإن لم يشاهده أحد سوى أفراد الأسرة — إلا بعد أن يسدد آلاف الدولارات.4

ومهما كانت عقلانية التمييز، فإن الحرية في الاقتباس ليست معممة في المجال غير التجاري. وإنما عادةً ما يصر أولئك الذين يرتدون حللًا يبلغ ثمنها آلاف الدولارات على أن «التصريح لا مناص منه قانونًا.»

ولا أنا أعتقد بأن الحرية في الاقتباس يجب أن تعمم فقط على الصعيد غير التجاري. ففي رأيي أنها يجب أن تمتد إلى نطاق أوسع من ذلك. ولكن قبل أن آمل في إلصاق هذه الحجة الشكلية في الأذهان، علينا أن نفكر بحرص أكبر في سبب اعتبار هذا الحق في الاقتباس — أو حسبما سأسميه، المزج — تعبيرًا مصيريًّا عن الحرية الإبداعية لا يمكن لأي مجتمع حر أن يحظرها في نطاق موسع من السياقات.

المزج تصرف ضروري في إبداع القراءة والكتابة. إنه التعبير عن حرية أخذ «أغنيات من أيامنا هذه وأخرى قديمة» وصنع عمل إبداعي. في زمن سوزا، كان الإبداع هو الأداء. لقد عبر الانتقاء والترتيب عن القدرة الإبداعية للمطربين. وفي زماننا هذا، يصل الإبداع إلى ما هو أبعد بكثير من الأداء وحده. ولكن في كلا الزمانين، النقطة الحرجة التي نود إدراكها أن إبداع القراءة والكتابة لا يتنافس مع سوق العمل الإبداعي التي يتم المزج منها ولا يوهنها. فهاتان السوقان تكمل إحداهما الأخرى، وليستا متنافستين.

هذه الحقيقة وحدها لا توضح بالطبع أن كلتا السوقين غير جديرة بالتنظيم (بمعنى أن تكون محكومة بضوابط حق التأليف والنشر). ولكن كما سنرى في القسم التالي من الكتاب، هناك مبررات مهمة تدفعنا للحد من تنظيم حقوق التأليف والنشر في الظروف التي يكون إبداع القراءة والكتابة قابلًا للازدهار على الأرجح فيها. لا تعكس تلك المبررات ما تحققه إحدى الصناعات من ربح — على أهميته — وحسب، وإنما تنعكس على المساحة المتاحة لجيل كامل كي يتكلم.

سأبدأ بشكل من أشكال ثقافة القراءة والكتابة يعد هو الأقرب إلى تقاليدنا في المزج بين النصوص. ومن هذه البداية، سوف أبني على ذلك للتوصل لأشكال أكثر وضوحًا للمزج بدأت تظهر الآن. وفي النهاية، فإن هدفي أن أجذب كل تلك الأشكال معًا كي أشير إلى نوع من الخطاب سوف يبدو طبيعيًّا ومألوفًا. ونوع من الحرية سوف يبدو لنا أمرًا لا مناص منه.

(٢) مزج النص

تعيش ثقافة القراءة والكتابة على شبكة الإنترنت الآن حالة من الازدهار، تجاوزت بكثير خيال أكثر الجامحين خيالًا عند مولد الشبكة العنكبوتية؛ من حيث مجالها واتساع نطاقها، والأهم من ذلك، مدى تعقيدها. فمن خلال تقنيات لم يكن أحد يعلم عنها شيئًا عندما بدأت هذه المنظومة، شيدت هذه الثقافة النصية نظامًا من المحتوى واقتصادًا يعتمد على الصيت. فهناك منظومة الآن تجعل نطاقًا استثنائيًّا من المحتوى غير المرشح مبدئيًّا شيئًا مفهومًا، وهذا يساعد القارئ على التمييز بين الغث والسمين مما يقرؤه.

ويمكننا أن نصف هذه المنظومة من خلال طبقات ثلاث؛ الأولى هي الكتابة ذاتها، ولقد تطورت هذه من خلال حياتين مختلفتين: الأولى حياة غامضة بالنسبة لكثيرين؛ أما الثانية فهي «المدونات» الموجودة في كل مكان.

كانت الأولى شيئًا اسمه «يوزنت». في عام ١٩٧٩، اخترع اثنان من علماء الكمبيوتر بجامعة ديوك — وهما توم تراسكوت وجيم إليس — منظومة إرسال رسائل موزعة جعلت من الممكن إمرار الرسائل بأسعار زهيدة بين الآلاف من أجهزة الكمبيوتر في جميع أنحاء العالم. كانت هذه هي يوزنت. في بعض الأحيان كانت تلك الرسائل عبارة عن إخطارات، وفي البعض الآخر كانت مجرد رسائل معلوماتية. لكن سرعان ما صارت موضعًا لثقافة قراءة وكتابة تفاعلية آخذة في التعاظم. ومع إدراك الناس أن باستطاعتهم ببساطة، وبالضغط على زر واحد، وضع تعليق أو الرد على الآلاف من أجهزة الكمبيوتر المنتشرة في أنحاء العالم، لم يعد في إمكانهم مقاومة إغراء التحدث. ونمت يوزنت سريعًا، كما نما كذلك الشغف بها سريعًا.

في عام ١٩٩٤، غير اثنان من المحامين كل هذا. أرسل مكتب كانتر وسيجل للمحاماة أول رسالة إعلانية جماعية — أو ما يعرف بالبريد الدعائي المزعج — يعلن فيها عن خدماته. ورد الآلاف على ذلك بغضب، وقد تملكتهم الثورة على المحامين مطالبين إياهم بالكف عن ذلك. غير أن كثيرين غيرهم سرعان ما حذوا حذو كانتر وسيجل. وسرعان ما تلا ذلك أشياء من مثل هذه النفايات. وصارت يوزنت موضعًا يتناءى الناس عنه شيئًا فشيئًا فلا يجرون حوارات معًا باستخدامه، وصار يومًا بعد يوم أقرب إلى حي للأقليات مقصورة فقط على إعلانات القمار وغيرها من مثل هذا الغثاء (انظر أيضًا صندوق الوارد في حساب بريدك الإلكتروني).5
في نفس الوقت تقريبًا الذي كانت يوزنت فيه تعاني من الإخفاق، كانت الشبكة العنكبوتية العالمية في صعود متواصل. وكان مبتكر الإنترنت، تيم بيرنرز لي، حريصًا أشد الحرص على أن تكون الشبكة وسطًا يسمح بالقراءة والكتابة معًا؛ أي ما يسميه بينكلر «الشبكة العنكبوتية التي تسمح بالكتابة».6 فأخذ يحض أولئك الذين يبتكرون الأدوات على تطبيق بروتوكولات في تصميم أدواتهم بطريقة تشجع على كلٍّ من القراءة والكتابة.7 في بادئ الأمر، أخفق هذا الجهد. كان الدافع الحقيقي للدخول على الشبكة، حسب اعتقاد مبتكريها، الشركات التجارية وغيرها من المنظمات التي ترغب في نشر المحتوى الخاص بها للعالم. من نوع القراءة فقط لا من نوع القراءة والكتابة.
ولكن مع نضج أدوات تهدف إلى تبسيط لغة ترميز النص الفائق، صارت فكرة بيرنرز لي الخاصة بإنترنت القراءة والكتابة حقيقة واقعة. وسرعان ما بدأت فكرة «سجلات الشبكة العنكبوتية» أو المدونات، وتكاثرت بمعدل فلكي. ففي شهر مارس من عام ٢٠٠٣، عثرت أشهر خدمة في مجال تتبع المدونات، وهي «تكنوراتي»، على ١٠٠ ألف مدونة لا غير. وبعدها بستة شهور، زاد هذا العدد إلى مليون. وبعد عام، أدرجت أكثر من ٤ ملايين مدونة.8 واليوم يوجد أكثر من ١٠٠ مليون مدونة على مستوى العالم؛ حيث أضيفت أكثر من ١٥ مدونة خلال الفترة التي قضيتها في قراءة هذه العبارة. وطبقًا لما صرحت به تكنوراتي، فإن اللغة اليابانية الآن هي لغة التدوين رقم واحد على مستوى العالم. ودخلت اللغة الفارسية لتوها ضمن المراكز العشرة الأولى.9
عندما بدأت المدونات (ولا يزال في استطاعتك مشاهدة تلك المدونات الأولى باستخدام «أداة الاسترجاع» لبروستر كال على موقع archive.org) — وبينما كانت تعبر عن إبداع القراءة والكتابة (حيث عمل العرف السائد في هذا الشكل من الكتابة على تشجيع الترابط القوي والاقتباس) — كانت سمة القراءة والكتابة بها محدودة. فكثير منها كان لا يزيد كثيرًا عن كونه مفكرة يومية عامة: فالناس (وكان بعضهم غريبي الأطوار بصورة ملحوظة) يرسلون بخواطرهم إلى فراغ خاوٍ. وكانت أغلبها في صورة تعليقات على الأحداث الجماهيرية الأخرى. وهكذا كانت الكتابة نفسها عملية قراءة وكتابة، ولكن تلك الكتابة كانت تمارس بواسطة جمهور يعتبرها للقراءة فقط.
غير أنه سرعان ما أضاف المدونون — فيما أسماه بينكلر «الابتكار المصيري الثاني للشبكة التي تسمح بالكتابة»10 — طريقة تمكن جمهورهم من الرد، فصارت التعليقات جزءًا لا يتجزأ من التدوين. كان البعض من تلك التعليقات لا يخلو من نفاذ البصيرة، بينما كان البعض الآخر يعبر عن السخف، وكان البعض الثالث مصممًا فقط كي يؤدي دور المحرض. غير أنه بإضافة أسلوب للرد على ما كتب، غيرت المدونات من أسلوب قراءتها.

كانت تلك هي الطبقة الأولى من ثقافة القراءة والكتابة للنصوص على شبكة الإنترنت. لكن هذه الطبقة وحدها لم تكن لها سوى قيمة محدودة للغاية. فكيف يمكنك العثور على أي شيء يثير اهتمامك في هذا الخضم الشاسع الذي يختلط فيه الحابل بالنابل من المحتوى؟ إذا كنت تعلم شخصًا تثق فيه، فربما قرأت مدونته. ولكن ما الداعي لكي تضيع وقتك في قراءة خواطر شخص ما تنتقيه عشوائيًّا حول أي شيء على الإطلاق؟

ساعدت الطبقتان التاليتان على حل هذه المشكلة. أضافت الأولى شيئًا من النظام لعالم التدوين. وما كان ذلك عن طريق إضافة أسلوب تصنيف، وإنما حسب تعبير توماس فان ديرفال، «أسلوب تصنيف شعبي لهذه البيئة التي تتضمن القراءة مع الكتابة.»11 لقد مكنت بطاقات العنونة ونظم الترتيب والتصنيف، مثل del.icio.us وReddit وDigg، قارئي مدونة أو مقال إخباري من وضع علامة عليه للآخرين تدعوهم إما للبحث عنه أو تجاهله. وأضافت تلك العلامات معنًى للرسالة أو للقصة. وكان من شأنها معاونة المدونات على الانتظام وسط ملايين المدونات الأخرى الموجودة هناك. أضافت تلك الأدوات معًا طبقة فوقية لدنيا التدوين، وذلك بتقديمها — على حد قول أحد مؤسسي موقع «وايرد» كيفين كيلي — «حاشية عامة؛ مثل كلمة رئيسية أو اسم فئة تعلقه على ملف، أو صفحة موقع إنترنت أو صورة.»12 وبينما يستكشف القراء الشبكة العنكبوتية وينقبون فيها، يترك المستخدمون علامات مميزة تساعد غيرهم على فهم نفس الشيء والعثور عليه.

إذن، على سبيل المثال، لو قرأت مقالًا عن باراك أوباما، فإن باستطاعتك أن تعنونه بوصف موجز: «أوباما» أو «أوباما-البيئة». وبينما يقوم الملايين من القراء بنفس الشيء، تبدأ منظومة العنونة في فرض النظام على المادة المعنونة، رغم أنه لم يقم شخص بعينه بخط جدول لبطاقات العناوين، ولم يفرض أي شخص أية قواعد خاصة بالبطاقات. يمكنك أيضًا عنونة مقال أوباما باسم «زهور البيتونيا»، وسوف يصاب البعض من محبي البيتونيا بالإحباط وهم يتتبعون اللافتة نحو ذلك الموقع الذي لا يوجد للبيتونيا أي ذكر به. ولكن مع مزيد من ضغط المستخدمين على الأسهم في اتجاهات أخرى، سوف تزداد تباعًا أعداد من يتتبعون واضعي العناوين الصادقين.

وهكذا أضافت العنونة طبقة من المعنى لمحتوى القراءة والكتابة. وكلما زادت بطاقات العناوين، زادت جدواها وأهميتها. ومن المهم أن نقول إن تلك الأهمية تنشأ مباشرةً بواسطة المشاهدين أو مستهلكي تلك الثقافة، وليس بواسطة المعلنين، أو بواسطة أي جهود أخرى متعمدة في مجال الترويج الدعائي. إن هذا الصيت وتلك الكلمات المتناقلة بين الأفواه تنشئ مجموعة متنافسة من المعاني التي تصير مرتبطة بأي محتوى. وتصبح الأدوات «قوى قادرة على المسوقين أن ينتفعوا بها»، برغم أنها على حد تعبير دون تابسكوت وأنتوني ويليامز، قوة يمكنها «بنفس السهولة أن يفلت زمامها بصور غير متوقعة».13
وهذه الأدوات إلى جانب إضافتها لمعنًى للمحتوى، يمكنها أيضًا أن تمكن الناس من التعاون سويًّا. إن الأهمية والتأثير نشاط مجتمعي واعٍ بذاته.14 هناك مواقع مثل del.icio.us تقوي هذه الطاقة المجتمعية عن طريق إتاحتها الفرصة للمستخدمين بتبادل قوائم التفضيلات، وتمكين «الروابط [من] أن تصبح … الأساس لتعلم أشياء جديدة وتكوين علاقات مع أناس جدد.»15 وهي تغير أيضًا من القدرة النسبية للقارئ. فبينما «يكتب» القارئ باستخدام البطاقات أو التصويت، تتغير أهمية الكتابة الأصلية. فبإمكان صحيفة قومية كبرى أن تمتلك الكاتب الأعلى أجرًا في العالم في مجال التكنولوجيا. ولكن ما الذي سيحدث لذلك الكاتب عندما يتبين أن الأعمدة التي يقرأها مزيد من الناس ويوصي بقراءتها معظم الناس، كتبها مدون عمره ثمانية عشر عامًا؟ كانت نيويورك تايمز عادةً تملك السلطة لأن تقول من هو الأكثر أهمية. أما الآن فإن من يقوم بذلك قوًى أكثر ديمقراطية بكثير.
الطبقة الثالثة من ثقافة القراءة والكتابة للنصوص ليست مباشرة بالدرجة نفسها. إنها تلك الأدوات التي تسعى لقياس أهمية حوار ما عن طريق عد الروابط التي يصنعها آخرون لتلك الحوارات. وتكنوراتي موقع رائد في ذلك المجال حتى الآن. إن «روبوتاته» تزحف وسط عالم المدونات، وتحصي عددَ من ارتبط بمن أو بماذا. ثم تنشر الشركة بعد ذلك عمليات ترتيب دقيقة بدقيقة وتقارير عن الروابط، وبهذا يمكنك إرسال مدخل مدونة، وبعدها بدقائق، تبدأ في مشاهدة كل شخص اطلع على هذا المدخل. وتقول تكنوراتي إنها تحدِّث فهرسها كل عشر دقائق.16 وفي وجود أكثر من ١٠٠ مليون مدونة مفهرسة، يعد هذا تحديثًا فائق السرعة.
تبين فهارس مثل هذه التفضيلات المكشوف عنها لعالم المدونات. ففي التو واللحظة، يمكننا أن نرى من هو المسيطر صاحب الكلمة العليا. والأكثر تشويقًا هو أنه كلما نضج الفضاء صار باستطاعتنا رؤية أن تأثير المدونات يسرق الكاميرا يومًا بعد يوم من وسائل الإعلام التقليدية. في التقرير ربع السنوي الرابع عن عام ٢٠٠٦، ذكرت تكنوراتي أنه في نطاق يتراوح بين ٥١–١٠٠ لأكثر المواقع شعبية على الشبكة العنكبوتية، كانت ٢٥٪ منها مدونات.17 وقبل ذلك بعشر سنوات، كانت نسبة المحتوى غير الاحترافي وسط أكثر المواقع الإعلامية شعبية، صفر في المائة.

تلك الطبقات الثلاث، إذن، تعمل معًا. فلن يكون هناك أي شيء بدون محتوى. لكن هذا المحتوى سيكون فائضًا عن الحاجة لو اقتصر على ذاته وحسب. إذن، بالإضافة للمحتوى، هناك محتوى يتحدث عن المحتوى — وهي البطاقات المعنونة، والتوصيات — بالإضافة إلى أدوات مختصة بقياس تأثير المحتوى. ويصبح مجموع ذلك منظومة بيئية تحقق صيتًا. وأولئك الذين يحاولون التفاعل مع الثقافة صاروا مدركين الآن أن أهمية هذا الفضاء تعادل خطورة إيصال رسالة أو فهمها.

ينتاب كثيرين القلق على عالم المدونات هذا. فالبعض يساوره القلق من أن يكون مجرد صرعة، لكن ما هي الصرعة التي اجتذبت من قبل ١٠٠ مليون مستخدم؟ تذكر شارلين لي في تقرير لها أن ٣٣٪ من المراهقين يضيفون إلى مدونة ما أسبوعيًّا، وأن ٤١٪ منهم يقومون بزيارة موقع تواصل اجتماعي يوميًّا.18 وبالتأكيد فإن كل مطبوعة كبرى تخصص قدرًا كبيرًا من الموارد لجعل حضورها بارزًا.

ويساور أناسًا آخرين القلق من مسألة الجودة؛ إذ كيف يمكن للمدونين أن يسيروا قدمًا بقدم مع جريدة في حجم نيويورك تايمز؟ وما حجم الجهد الذي يتعين على المدونين بذله كي يجعلوا رواياتهم صحيحة؟

لو كان هذا السؤال مطروحًا حول المدونات بصورة عامة، فإنه ما من شك أن الأمر جدير بالتشكك. لكن لو طرح نفس السؤال عن الجرائد بصورة عامة، فإن هناك تشككًا كبيرًا في الجرائد يستحق أن نشعر به أيضًا. النقطة المهمة في كلا الأمرين أننا نملك أدوات فعالة لتقييم الجودة. والأكثر أهمية، أن لدينا يومًا بعد يوم أمثلة شهيرة لمدونات تفوق فيما حققته وسائل الإعلام في تقديم كل من الجودة والحقيقة. إن يوشاي بنكلر تعرض تبويبًا لمجموعة من الحالات التي أبلى فيها المدونون بصورة أفضل من وسائل الإعلام التقليدية في البحث الدءوب عن الحقيقة واستخراجها، مثل إماطة اللثام عن غرام ترنت لوت بالتصريحات العنصرية، أو افتقار ادعاءات ديبولد عن ماكينات الاقتراع الخاصة بها إلى الصدق.19 وحتى الاطلاع سريعًا باستخدام مؤشر الفأرة على المدونات السياسية الرئيسة — مثل إنستابونديت أو ميشيل مالكين إلى اليمين، وذا ديلي كوس أو هَفينجتون بوست إلى اليسار — يكشف عن عمق وفهم نادرين حتى في أفضل وسائل الإعلام المعتادة. النقطة أن هناك الغث وهناك السمين على كلا الجانبين، لكن ربما كانت آليات الفصل بين الغث والسمين أفضل في عالم المدونات.

تأكدتُ من هذه النقطة في انتخابات عام ٢٠٠٤ وأنا جالس في منزلي. لقد خلقت تلك الانتخابات، بطبيعة الحال، وعيًا عامًّا بالمدونات، منذ صنعت ثقافة التدوين هاورد دين حاكم فيرمونت، الذي كان متصدرًا لسباق الرئاسة في بادئ الأمر. ولكن بينما كنت أشاهد نتائج تلك الانتخابات على التلفزيون الوطني، بدأت أشعر بالأسى لأولئك «المراسلين» الذين اضطروا لعرض تقارير عن هذه الانتخابات المحورية على شاشة التليفزيون. ففي واحد من الأمثلة على ذلك، طُلِب من أحد أبرز المراسلين، أثناء الإعلان عن الفقرة، تقديم «تحليل عميق» للناخبين في ولاية بعينها. وعندما بدأت الفقرة، تحول المكتب الوطني إلى ذلك المراسل، فبدأ بطرح سؤال على ثلاثة من «الناخبين العاديين» المنتمين للولاية. كان أمامه بعد ذلك حوالي ثلاثين ثانية كي يضيف رؤيته الخاصة سريعة الخاطر تعقيبًا على حماقاتهم الغثة التي تكلموا فيها عن سبب تصويتهم على النحو الذي فعلوه. وكانت تلك هي الطامة الكبرى. دقيقة واحدة، ومادة تساوي صفرًا، تبث على ملايين المشاهدين في جميع أنحاء البلاد.

حدث ذلك في نفس الوقت الذي كنت أقرأ فيه تحليلًا عميقًا عن نفس الولاية، مكتوبًا في إحدى المدونات. نُشر التحليل خلال الساعات الثلاث السابقة. كان يعج بالمادة وبالرؤية التحليلية الثاقبة. كان توقيته مناسبًا، وذكيًّا، وشاملًا، أفضل كثيرًا من أنباء «الزاوية الإنسانية» التي عليها نشرة الأخبار القومية الآن، ويعكس بصورة أكبر بكثير موهبة صحفي قدير. لقد ظن مراسل التلفزيون دون شك أنه صحفي. ولكن مع توافق التلفزيون مع مساحة اهتمام لجمهور مشتت الانتباه على نحو متزايد، من ذا الذي يستطيع القيام بدور الصحفي؟

هناك بعد آخر مهم في ثقافة القراءة والكتابة للنصوص على الإنترنت: النفوذ الإعلاني. ففي هذا العالم، تكون القدرة التحريرية للمعلنين أصغر بصورة جذرية مما هو الحال في وسائل الإعلام المعتادة. ففي إمكان المعلن أن يتخير إن كان سيعلن أم لا وأين سيعلن. ولكن الإعلان لا يزال يشكل قسمًا صغيرًا من اقتصاد التدوين، وكلما كان الموضوع ذا صلة بالشيء المعلن عنه، فإن العديد من مصادر المحتوى المتنوعة تتنافس معه، وبهذا تتضاءل كثيرًا قدرة المعلن على التحكم في المحتوى بصورة غير مباشرة.20

إنترنت القراءة والكتابة منظومة بيئية متوازنة.

سيظل كثيرون على تشككهم. لو أن جودة مدونة عادية رديئة للغاية، فما الخير الذي يمكن أن يؤديه هذا النوع من الإبداع؟ لكننا هنا في حاجة للتركيز على جانب ثانٍ من إبداع القراءة والكتابة؛ إنه ليس الجودة العالية في الخطاب التي ينتجها، وإنما هو التأثير الذي يمارسه على الشخص المنتج للخطاب.

أنا شخصيًّا شعرت بأحد جوانب هذا التأثير. أنا أستاذ قانون، وطيلة السنوات العشر الأولى في حياتي المهنية القانونية كنت أكتب وأنا متقبل تمامًا لفكرة أن أحدًا لا يقرأ ما أكتبه. وتلك المعرفة منحتني حرية عظيمة. والأهم من ذلك، فإن أيًّا ما كان يدور في خلد القراء الثلاثة الذين قرءوا كتاباتي ظل حبيس عقولهم. إن أساتذة القانون يكتبون للجرائد الدورية القانونية. والجرائد الدورية القانونية لا تلحق تعليقات على المقالات التي تنشرها.

أما فضاء المدونات فإنه مختلف. فأنت تعرف أن الناس يقرءون كتاباتك؛ وإذا أنت سمحت لهم، فإنه يمكنك أن تشاهد تعليقاتهم. وعاقبة الأمرين شيء لا يمكنك أن تفهمه إلا إذا عشته. مثل تناول السبانخ أو ممارسة التمرينات الرياضية، أرغم نفسي على تقبل تلك المعاناة لأنني أعلم أنها ستعود علي بالخير. إنني أكتب المدونات منذ عام ٢٠٠٢. وكل مدخل أكتبه له رابط خاص بالتعليقات. وأنا لا أفرز التعليقات أو أخفيها (إلا ما يندرج تحت باب التعليقات الدعائية المزعجة). ولا أطالب الناس بالإفصاح عن أسمائهم الحقيقية. فالمنتدى مفتوح لأي شخص كي يقول ما يشاء. والناس يفعلون ذلك. وبعض التعليقات شديد الذكاء. وهناك كثيرون يضيفون حقائق مهمة أغفلتها أو يوضحون ما أسأت فهمه. وصار بعض المعلقين زوارًا منتظمين لمدونتي. وأحد تلك الشخصيات — ويستخدم اسم «ثلاثة فئران عمياء» — ظل زائرًا منتظمًا لفترة طويلة، وهو نادرًا ما يتفق معي في أي شيء مما أقوله.

لكن كثيرًا من التعليقات تكون مكتوبة بلغة لا تدانيها لغة في الوقاحة والانتهاك. فهناك شخصيات — يقال لها «الأقزام» — تعيش من أجل المعارك التي يستطيعون إشعالها في تلك الأجواء. إنهم يسلكون سلوكًا مشينًا، وحججهم (في معظمها) سخيفة، وهم بشكل عام يجعلون فضاء التعليقات مكانًا مقبضًا بحق.

هناك معلقون آخرون يعثرون على سبل للالتفاف حول هؤلاء الأقزام. فهناك عبارات معتادة تستحث على الظهور كلما التقى واحد بقزم من هؤلاء مثل «لا أطعم الأقزام». لكن لا توجد وسائل كثيرة حيال ذلك، على الأقل طالما أن صاحب المنتدى (أنا) لا يحجب أناسًا معينين أو يرغم الجميع على استخدام أسمائهم الحقيقية.

أجد أنه من الصعوبة بمكان أن أقرأ تلك التعليقات. ليس بسبب رداءتها أو خطئها، ولكن بصفة رئيسية لأني شديد الحساسية. فهناك علاقة ارتباط مباشرة بين ما أقرؤه وبين شعوري بألم في أمعائي. وحتى النقد غير المنصف أو الخاطئ يمزقني إربًا بصورة جد سخيفة. فلو قرأت تعليقًا سيئًا قبل أن آوي إلى فراشي مثلًا، فإن الأرق ينتابني. وإذا وقعت عيني على واحد من تلك التعليقات وأنا أكتب، فإن هذا كفيل بتشتيت ذهني لساعات. أحلم أحيانًا بخلق شخصية «أنا» بديلة تجيب بالنيابة عني، لكنني لا أملك الشجاعة حتى لممارسة ذلك الخداع. لهذا عوضًا عن ذلك، يفصح ضعفي عن نفسه من خلال عدم قراءتي لتعليقات الآخرين من الأساس (وهو أمر غير منصف للغاية لكتاب التعليقات).

فلماذا أكتب مدونة من الأساس إذن؟ حسنًا، في كثير من الأحيان، لا يكون لدي فكرة عن سبب قيامي بذلك. لكنني عندما أفعل، يكون الأمر متعلقًا بأخلاقيات أومن بأن علينا جميعًا أن نعيش بها. كان أول من علمني إياها القاضي الذي كنت أعمل كاتبًا معاونًا له؛ القاضي ريتشارد بوزنر. ما من شك أن بوزنر أبرز قاضي فيدرالي وقانوني أكاديمي في زمننا المعاصر، ولعله الأبرز خلال المائة عام الأخيرة. كان أيضًا قاضيًا مثاليًّا كي يعمل المرء كاتبًا معاونًا له. فعلى عكس الغالبية العظمى من قضاة محاكم الاستئناف، يكتب بوزنر آراءه بنفسه، ومهمة الكاتب تتلخص في كتابة الحجج. كان يعطينا مسودة لرأيه، وعلينا نحن أن نكتب مذكرة طويلة بلغة نقدية. وكان يستعين بتلك المذكرة في إعادة صياغة رأيه.

قدمت لبوزنر تعليقات حول ما هو أكثر بكثير من آرائه. وعلى وجه التحديد، بمجرد أن بدأت التدريس بالجامعة أرسل لي نسخة غير منقحة لكتاب، ظهر في الأسواق في نهاية المطاف بعنوان «الجنس والمنطق». كان قدر كبير مما ورد في الكتاب ينم عن عبقرية. غير أن جزءًا منه كنت أظنه سخيفًا. وفي سلسلة من الفاكسات (كنت أدرس في بودابست، وكان هذا قبل زمن طويل من توافر خدمات البريد الإلكتروني للجمهور)، أرسلت إليه تعليقات غاضبة بصورة متزايدة، تدور حول هذا القسم من الكتاب.

صباح اليوم التالي لذلك اليوم الذي أرسلت فيه هذا الفاكس، أعدت قراءته، فصدمت من نبرته المسيئة. فكتبت خطابًا تابعًا بلغة متذللة، أعتذر فيه، وأقول إنه بطبيعة الحال فإنني أكن احترامًا لا نهاية له لبوزنر، وثرثرة من هذا القبيل. كان كل ما قلته صحيحًا. وكذلك أيضًا كان اعتقادي صادقًا في أن ما قلته كان فيه نوع من التجني. غير أن بوزنر رد علي ليس بقبول اعتذاري، وإنما بتعنيفي، لا على الفاكس المسيء الذي أرسلته، وإنما على اعتذاري! كتب يقول: «إنني محاط بمن يتملقونني، وآخر شيء كنت أتصوره منك أن تنقح تعليقاتك متخذًا من مشاعري مرجعية لك.»

ذهلت من ذلك التوبيخ. لكنني منذ تلك اللحظة، قسَّمت العالم إلى قسمين: أولئك الذين يتبعون أسلوب بوزنر (أو حتى يوصون به)، وأولئك الذين لا يتبعونه. وأيًّا كان قدر الجاذبية التي يتمتع بها الموقف المضاد لبوزنر، فلقد أردت أن أومن بأن في استطاعتي اتباع هذا المبدأ الأخلاقي: لا تسمح بفرصة للمتملقين والمتزلفين ولا تشجعهم. كافئ المنتقدين. ليس سبب هذا أنني في يوم من الأيام قد أصير قاضيًا، أو شخصية عامة مثل بوزنر. ولكن لأنني باتباع هذه الأسوة، من الممكن أن أتفادى أسوأ آثار الحياة المحاطة بالحماية التي سأعيشها (باعتباري أستاذًا جامعيًّا).

حتى ظهور الإنترنت، لم يكن هناك وسيلة طيبة للقيام بذلك، على الأقل لو كنت من الشخصيات غير البارزة مثلما هو حالي. فليس الأمر أشبه بأن أتوجه إلى مقهى «ستاربكس» في المنطقة التي أقطن بها ثم أعقد ندوة جماهيرية. هناك أناس يفعلون هذا في الحي الذي أعيش فيه، ومعظمهم لم يستحموا منذ أسابيع. يمكن للمشاهير أن يفعلوا هذا من حيث المبدأ. غير أن أخلاقيات الظهور العام في أيامنا هذه، على الأقل على مستوى الأمريكيين، تقف ضد هذا النوع من المباشرة. فمن الوقاحة أن توجه النقد. وفي الواقع، لو كنت ناقدًا عنيفًا، فمن المحتمل أن يخرجك من الندوة رجال يعلقون شارات على صدورهم.

ليس هذا هو الحال في كل مكان. في واحدةٍ ربما من أكثر التجارب ديمقراطية التي عايشتها، شاهدت وزير الثقافة البرازيلي، جيلبرتو جيل، يجادل جمهورًا محبًّا له لكنه ينتقده في نفس الوقت (يحبون موسيقاه ومعظم سياساته، فيما عدا الجزء الذي حمى محطات الإذاعة الرسمية).21 كانت الندوة محتشدة بالجماهير. لم تكن هناك خشبة مسرح تفصل «جيل» عن المئات ممن تكأكَئوا من أجل الاستماع إليه. وكان الناس يناقشونه وجهًا لوجه. وكان يقارعهم الحجة بالحجة، مقارعة الند للند. كان تبادل الرأي يجري في أمانة شديدة حتى إنه تسبب في إحراج جون بيري بارلو، صديق جيل وواحد من عشاق فنه، الذي وقف يدافع عن جيل في وجه منتقديه.

غير أن جيل أحب هذا التبادل للرأي. فلم يشعر بالحرج من قسوة النقد. لقد شجع أسلوبه على ذلك. كان قائدًا ديمقراطيًّا يعيش في ديمقراطية حقيقية (ونقيضها هي البيروقراطية الهرمية). لقد كان بمنزلة بوزنر البرازيلي.

بالنسبة لأولئك الذين لا هم بوزنر ولا هم جيل، يمثل الإنترنت سياقًا يشجع على الأخلاقيات الديمقراطية التي يعدان مثالًا لها. إنه الموضع الذي تتحول فيه جميع الكتابات إلى القراءة والكتابة. فحين تكتب في هذه الوسيلة ستكون على يقين من أن أي شيء يكتبه المرء معرض للمناقشة. كنت أحب فكرة المقال المنشور في مطبوعة قانونية، والذي أعرض فيه الحجج كما لو كانت قد ثبتت، مع وجود مساحة ضئيلة — أو عدم وجود أي مساحة — للاعتراض. وأشعر الآن بالذنب لمشاركتي في مثل هذا الشكل من المقالات.

كل هذا الانفتاح نتاج نوع من الديمقراطية صارت حقيقة واقعة من خلال الكتابة. ولو استمرت تلك الاتجاهات، فإننا بذلك نوشك على رؤية هذه الديمقراطية تتجسد على أرض الواقع في جميع أشكال الكتابة. فلسوف يناضل الناشرون من أجل «جوجلة» الكتب. غير أن المؤلفين يرون أن أبرز كتابة هي تلك التي من نوع القراءة والكتابة، وسوف يبدءون في الإصرار على أن يتقبل ناشروهم هذا. وخلال عشرة أعوام، سوف يصبح كل ما هو مكتوب ويمكن قراءته متاحًا على الإنترنت، بما يعني أن الناس لن يكونوا قادرين على تنزيل نسخ لقراءتها على قارئ مزود ﺑ «تكنولوجيا إدارة الحقوق الرقمية»، وإنما ستكون تلك الكتابات متاحة بطريقة الوصول الحر، بحيث يتمكن الآخرون من التعليق على ما يقرءون، ومنحه درجات تقييم، ونقده. هذه الكتابة/القراءة هي جوهر ثقافة القراءة والكتابة.

النص ليس سوى جزء صغير من ثقافة القراءة والكتابة التي هي روح الإنترنت. الآن تفكر في شقيقته الكبرى، والتي هي في نهاية المطاف أكثر وضوحًا بكثير.

(٣) مزج وسائل الإعلام

طيلة معظم فترات العصور الوسطى في أوروبا، كانت النخبة تتكلم وتكتب باللغة اللاتينية. أما الجماهير فلم تكن كذلك. كانوا يتحدثون بلغات محلية أو عامية؛ وهي ما نسميها الآن الفرنسية، والألمانية، والإنجليزية. إذن ما كان يمثل أهمية للنخبة كان غير متاحٍ للجماهير أن تصل إليه. كانت «أهم» النصوص لا يفهمها سوى قلة.

النص هو لاتينية أيامنا هذه. فمن خلال النص نتواصل نحن النخبة مع الجمهور (أنت مثلًا، عندما تقرأ هذا الكتاب). غير أنه بالنسبة للجماهير، فإن معظم المعلومات تجمع من خلال أشكال أخرى من وسائل الإعلام: التلفزيون، الأفلام، الموسيقى، والفيديوهات الموسيقية. إن تلك الصور من «الكتابة» هي عامية أيامنا هذه. إنها أنواع «الكتابة» التي تهتم بها الأغلبية. تذكر مؤسسة «نيلسن ميديا ريسيرش» للأبحاث الإعلامية في تقرير لها، على سبيل المثال، أن جهاز التليفزيون يُترك مفتوحًا لمدة ٨٫٢٥ ساعة يوميًّا في المتوسط، «وهو معدل يفوق ما كان الحال عليه منذ عشرة أعوام بمقدار ساعة.»22 ويشاهد الفرد الأمريكي العادي هذا التلفزيون بمعدل يقترب من ٤٫٥ ساعة يوميًّا.23 وإذا حسبت باقي أشكال وسائل الإعلام — بما فيها الإذاعة، والإنترنت، والهواتف المحمولة — فإن هذا الرقم يتضاعف.24 وفي عام ٢٠٠٦، كانت تقديرات مكتب التعداد الأمريكي تقول إن «الأمريكان البالغين والمراهقين سوف يقضون ما يقرب من خمسة شهور» عام ٢٠٠٧ في استهلاك وسائل الإعلام.25 وتتناظر هذه الإحصائيات مع هبوط الأرقام على مستوى النصوص. وكل شيء مذكور في هذه اللقطة السريعة من التعميمات:
الأفراد الذين بلغوا من العمر ٧٥ عامًا أو تجاوزوها أمضوا ما متوسطه ١٫٤ ساعة في القراءة من كل يوم من أيام عطلة نهاية الأسبوع و٠٫٢ ساعة (١٢ دقيقة) يلعبون الألعاب أو يستخدمون جهاز الكمبيوتر في التسلية. وعلى العكس من ذلك، الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين ١٥ إلى ١٩ عامًا يقرءون في المتوسط ٠٫١ ساعة (٧ دقائق) من كل يوم من أيام عطلة نهاية الأسبوع وأمضوا ١ ساعة في لعب الألعاب أو استخدام الكمبيوتر في التسلية.26
فلا يجب أن يدهشنا إذن أن تلك الصور الأخرى من «الإبداع» تتحول يومًا بعد يوم إلى شكل مهيمن من أشكال «الكتابة». إن الإنترنت لم يجعل لتلك الأشكال الأخرى من «الكتابة» (والتي سأسميها ببساطة «وسائل الإعلام») أهمية خاصة، ولكن الإنترنت والتكنولوجيا الرقمية فتحا أبواب تلك الوسائل أمام الجماهير. فباستخدام أدوات التكنولوجيا الرقمية — حتى أبسط تلك الأدوات، مجتمعة في حزمة واحدة مع آخر ما توصلت إليه نظم التشغيل المعاصرة من ابتكارات — صار كل فرد قادرًا على البدء في «كتابة» ما يريد مستعينًا بالصور، أو الموسيقى أو الفيديو. وباستخدام تيسيرات الشبكة الرقمية المجانية، يستطيع أي فرد أن يتبادل تلك الكتابة مع أي شخص آخر. وكما هو الحال مع نص القراءة والكتابة، تتطور منظومة بيئية متوازنة لوسائل إعلام القراءة والكتابة. وهي أحدث سنًّا من منظومة توازن نصوص القراءة والكتابة. غير أنها تنمو بمعدل أسرع، كما أنها تتمتع بجاذبية أوسع نطاقًا بكثير.27

تبدو تلك وسائل القراءة والكتابة الإعلامية شديدة الشبه تمامًا بكتابة بن للنصوص. فهي تصنع مزيجًا، أو تقتبس من هنا وهناك نطاقًا عريضًا من «النصوص» كي تنتج شيئًا جديدًا. غير أن تلك الاقتباسات تتم عند طبقات مختلفة. وعلى عكس النصوص التي تتابع في خط واحد — مثل الحال هنا؛ حيث تشرح الجملة شيئًا «ثم تضاف إليها عبارة مقتبسة» — فإن الوسائط الممزوجة قد تقتبس أصواتًا فوق صور، أو فيديو فوق نص، أو نصًّا فوق أصوات. فالاقتباسات إذن تخلط معًا. وينتج الخليط عملًا إبداعيًّا جديدًا؛ هو «المزيج».

قد تكون تلك الأعمال الممتزجة بسيطة أو ربما تكون بالغة التعقيد إلى حد الجنون. فكر، عند أقصى طرفي المعادلة، في فيلم منزلي تُدرَج في منتصفه لقطة من فيلم «سوبرمان». وعند الطرف الآخر، هناك صور أخرى من الفن تتولد بالمزج المتسم بالبراعة الفنية الفائقة بين الصور والفيديو مع صوتيات مكتشفة ومعاد صياغتها من جديد. فكر مرة أخرى في «جيرل توك»، التي تمزج بين ٢٠٠ إلى ٢٥٠ عينة مأخوذة من أعمال ١٦٧ فنانًا في قرص مدمج واحد. إن هذا ليس مجرد نسخ بسيط؛ فلقد استخدمت الأصوات وكأنها ألوان زيت فوق باليتة ألوان. غير أن جميع الألوان كشطت من على رسومات أخرى.

فكيف سيكون رأينا إذن في هذا الأمر؟ وما معناه بالضبط؟

أيًّا كان تعقيد المسألة، فإن المزج في جوهره — حسبما وصفه لي دون جويس العضو بفرقة نيجاتيفلاند — هو «مجرد فن كولاج.» وحسبما شرح فهو:

بزغ فن كولاج مع اختراع التصوير الفوتوغرافي. بعد مدة قصيرة من ابتكاره … بدأت تشاهد تلك الأنواع من البطاقات البريدية الفكاهية التي كانت عبارة عن صور مختلطة. فهناك مثلًا عربة يجرها حصان وثمرة خيار في الخلفية بحجم منزل، أشياء من هذا القبيل، مجرد أشياء مكونة من أخلاط تصويرية لعمل دعابات خفيفة. وقد أبهر ذلك الرسامين على الفور في ذلك العصر.

لكن الكولاج باستخدام أشياء مادية يصعب إتقانه وهو باهظ التكلفة بحيث يصعب نشره على نطاق واسع. فكانت تلك العوائق إما أنها تحول بين كثيرين وبين صنع هذا الشكل من أشكال التعبير، أو أنها كانت توجه الكولاج نحو وسائط يمكن المزج بينها بتكلفة بسيطة. وعلى حد وصف مارك هوسلر العضو بفرقة نيجاتيفلاند وهو يبرر لي اختياره للعمل في مجال الصوتيات:
أدركت أنه باستطاعتك أن تحصل على نحو أربعة مسارات صوتية تسجل تباعًا مقابل مبلغ ليس بالباهظ، وأن تجعلها في منزلك وتبدأ بالفعل في التلاعب بها والتجريب فيها ومحاولة الخروج بشيء. ولكن في حالة الأفلام، لا يمكنك عمل ذلك. فلقد كان الأمر جد باهظ التكلفة … حتى إن … ذلك دفعني … لاختيار وسط يمكِّنني بالفعل من التحكم فيما أفعله بمعاونة عدد قليل من الأشخاص، لالتقاط شيء ما وصنع شيء مكتمل وإخراجه للناس.28
غير أنه في وجود الأشياء الرقمية، اختلف تمامًا حجم الفرصة المتاحة لعمل ممتزجات أو كولاج واسع النطاق. وحسبما شرح لي صانع الأفلام يوهان سودربرج: «الآن، يمكنك صنع [مزيج فيديو] مجانًا تقريبًا على جهاز الحاسب الخاص بك.»29 ومعنى ذلك أنه صار باستطاعة مزيد من الناس أن يبدعوا بهذه الطريقة، وهو ما يعني أن عددًا أكبر من الناس سيفعلونه. تؤخذ الصور أو الأصوات من رموز الثقافة، سواء كانت رقمية أو تناظرية. فالرموز «تلوح لنا في جميع الأوقات»، على حد قول دون جويس عندما قال لي: «إننا محاصرون» بتعبير قصد من ورائه أصلًا مجرد القراءة فقط. ويقول مارك هوسلر العضو بفرقة نيجاتيفلاند:

عندما تتلفت من حولك بزاوية ٣٦٠ درجة، كم عدد الإعلانات والشعارات الدعائية المتنوعة التي ستشاهدها في محيطك؟ و[أنت] في سيارتك، وعلى ساعة معصمك، وعلى اللوحات الإعلانية. إذا سرت داخل متجر بقالة أو مطعم أو في أي مكان تتسوق منه، هناك دائمًا موسيقى تصدح في الأجواء. دائمًا … هناك وسائط. هناك إعلانات. هناك مجلات في جميع الأنحاء … [إنه] العالم الذي نعيش فيه. إنها الأرض التي تحيط بنا من كل جانب.

وهكذا يصبح هذا «السد» المحيط بنا من كل جانب مصدرًا نستقي منه.30 وعلى حد تعبير يوهان سودربرج: «بالنسبة لي، أمر أشبه تمامًا بالطهي؛ فداخل صوان الفناجين بمطبخك لديك الكثير والكثير من الأشياء المختلفة، وأنت تحاول الربط بين مختلف المذاقات معًا كي تصنع شيئًا مثيرًا للاهتمام.»

وفنان المزج يفعل نفس الشيء بقِطع الثقافة التي يجدها في صوان فناجينه الرقمي.

أفضل حالات المزج التي شهدتها من قبل هي تلك التي يحقق فيها المزج رسالة أقوى بكثير مما يستطيع أي أصل القيام به وحده، ومن المؤكد أنها أقوى مما تستطيع الكلمات وحدها أن تصنعه.

على سبيل المثال، ثمة مزيج صنعه جوناثان ماكينتوش يبدأ بمشهد من فيلم ذا ماتريكس (المصفوفة)، وفيه يطرح العميل سميث السؤال التالي: «هل خالجك يومًا شعور بأنك تعيش في عالم من أحلام واقع افتراضي نُسِجت كي تستعبد عقلك؟» ثم يتلاشى المشهد بعد ذلك ليتحول إلى سلسلة من صور الحرب التي لا يصدقها عقل من قناة فوكس نيوز، وهي منظمة إخبارية يزعم البعض أنها تجعل الناس أقل وعيًا بالحقائق مما كانوا عليه قبل مشاهدتها.31 وقرب النهاية، يظهر صوت المعلق التقليدي ليقول: «ولكنْ هناك صوت آخر؛ إنه صوت النوايا الحسنة.» وتظهر على الشاشة صورة جيرالدو ريفيرا، في مكان ما بأفغانستان. ولمدة أربع ثوانٍ تقريبًا، يقف هناك في صمت، والريح تهب بقوة في خلفية المشهد. (يمكنني دائمًا قياس سرعة بديهة جمهوري من خلال الزمن الذي يمر حتى يفهموا الدعابة: «صوت النوايا الطيبة» = الصمت.) ويختتم المقطع بمشهد من إعلان عن الفيلم الذي افتتح به ماكينتوش قطعته الممزوجة: «المصفوفة تمتلكك.»
أو خذ مثلًا عمل سيم سادلر، فنان الفيديو ومخرج الأفلام. أكثر أعماله التي أحبها يدعى «جورج الكادح»، وهو مصنوع بأكمله من فيديو لجورج بوش في واحدة من مناظراته الانتخابية عام ٢٠٠٤ أمام جون كيري. مرة تلو مرة، يقتطع سادلر مواضع يقول فيها بوش مؤكدًا: «إنه عمل شاق.» وإليك نص العمل:

سيدي، إجابة على سؤالك، فأنا أعلم بالضبط كيف يعمل هذا العالم. إنني أشاهد على شاشات التلفزيون مدى صعوبته. إننا نحرز تقدمًا؛ إنه عمل شاق. إن أناسًا كثيرين عظماء حقًّا يبذلون جهدًا شاقًّا، إن باستطاعتهم بذل الجهد الشاق. هذا هو ما يميزهم عن الأعداء. وهو عمل شاق، ولكنه عمل ضروري وهو جوهري، لكنني من جديد أود أن أقول للشعب الأمريكي إنه عمل شاق. إنه عمل شاق. إنه عمل شاق. ما من شك يخالج عقلي أنه عمل ضروري. إنني متفهم كم هو شاق، هذه وظيفتي. لا شك في ذلك، إنه أمر جد عسير. إنه عمل شاق أود حقًّا أن أؤديه، لكنني كنت آمل ألا أضطر إليه أبدًا، لا يوجد خطأ في هذا. لكنني من جديد أعود وأكرر لإخوتي المواطنين، إننا نحرز تقدمًا. إننا نحرز تقدمًا هناك. أرفض تلك الفكرة. إنها سخيفة. إنه عمل شاق. إنه عمل شاق. تلك خطة لتحقيق النصر وهي أفضل السبل. ما قلته هو أنه عمل شاق وقد أوضحته إيضاحًا بالغًا.

عادةً ما ينفجر الجمهور في موجة عارمة من الضحك عند عبارة «كنت آمل ألا أضطر إليه أبدًا، لا يوجد خطأ في هذا» وبهذا لا يسمع الناس بقية المقطع. لكن في نهايته، يجعلنا المرشح الذي فرضه سادلر نفهم رسالة بوش بصورة أفضل.

البعض يشاهد هذا المقطع ويقول: «انظروا، هذا يوضح أن أي شيء يمكن مزجه لإعطاء انطباع خاطئ عن الهدف.» لكن في حقيقة الأمر، إن عبارة «لا أؤدي عملًا شاقًّا» كانت ستؤدي نفس المعنى تمامًا الذي عرضته العبارات الواردة في المقطع؛ لأنه من المعروف تمامًا أنه على الأقل قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر كان بوش رئيسًا بعيدًا تمامًا عن مشهد الحكم؛ إذ كان في عطلات بلغت نسبتها ٤٢٪ من الشهور الثمانية الأولى من فترة حكمه.32 إذن نجاح المقطع يعتمد على ما نعرفه عنه بالفعل. إن قوته تكمن في أنه يجعل بوش نفسه يقول ما نعرف أنه ليس صحيحًا عنه. ونفس الفكرة لم تكن تصلح مع أشخاص مثل بيل كلينتون أو بيل جيتس مثلًا. فمهما أردت أن تقول عنهما لن يعتقد أحد أنهما لا يعملان بجدية.
أما المقطع المفضل لدي من بين جميع تلك المقاطع المفضلة، فهو لا يزال مقطعًا من سلسلة تسمى «اقرأ شفتيَّ»، الذي صنعه «سودربرج». وسودربرج فنان ومخرج ومحترف مونتاج مقاطع فيديو. وقد صنع مونتاجًا لفيديوهات موسيقية لروبي ويليامز ومادونا، و«جميع أنواع نجوم البوب» على حد قوله. وهو يمتلك كذلك موقعًا تلفزيونيًّا على شبكة الإنترنت soderberg.tv يحتوي على أعماله كافة. ويمتد هذا العمل على مدار فترة تصل إلى ما يقرب من عشرين عامًا.

و«اقرأ شفتيَّ» سلسلة صنعها سودربرج لصالح شركة سويدية تدعى «أتمو»، وفيه تم عمل تزامن لحركة شفاه المشاهير مع كلمات أغاني أو عبارات لأشخاص آخرين. إنها جميعًا مضحكة بشكل غير عادي (برغم أنك لا يمكنك الآن رؤيتها جميعًا؛ لأن أحدها، والذي تم فيه المزج بين صورة هتلر وأغنية «مولود كي أعيش»، أدى إلى رفع دعوى قضائية ضده).

وأفضل تلك المقاطع (في رأيي أنا على الأقل) أغنية عاطفية تضم توني بلير وجورج بوش. أما المقطع الصوتي المصاحب للفيديو فهو أغنية ليونيل ريتشي (يشاركه في الأغنية باربارا سترايسند) «حب لا نهاية له». ولعلنا نتذكر كلمات الأغنية «حبيبي، لا يوجد سواك في حياتي». أما الصور فهي لبوش وبلير. ومن خلال عملية مونتاج متقنة، يوفق سودربرج بين حركة شفاه بوش وهو يغني الجزء الخاص بالمطرب، بينما يؤدي بلير الجزء الخاص بالمطربة. ولا يمكن لرسالة أن تكون أقوى من تلك: بريطانيا الخنثى وقعت في أسر هوى جامح تجاه سيدها بوش.

النقطة الواضحة هنا أن مزيجًا مثل هذا ليس من الممكن ألا يخلف جدلًا وراءه، على الأقل في ثقافتنا، أكثر فعالية بكثير مما تصنع الكلمات. (وأقصد بكلمة «فعالية» هنا أنها توصل رسالتها بنجاح لقطاع عريض من المشاهدين.) بالنسبة لأي شخص عاش في حقبتنا الزمنية، فإن مزجًا بين الصور والأصوات يوضح المقصود بصورة أقوى كثيرًا جدًّا من أي مقال مكون من ثمانمائة كلمة تنشره النيويورك تايمز. لا أحد يمكنه أن ينكر قوة هذا المقطع، حتى مؤيدو بوش وبلير، مرة أخرى بسبب اعتماده على حقيقةٍ جميعنا يقر بصحتها، بمن فيهم مؤيدو بوش وبلير. إنه لا يدافع عن الحقيقة وإنما يعرضها للناس. وبمجرد عرضها، فإنه لا مهرب ساعتها لأي أحد من تأثيرها. وهذا الفيديو بمنزلة فيروس؛ فبمجرد أن يدخل عقلك، لا يمكنك أن تفكر مرة أخرى في بوش وبلير مثلما كنت تفعل من قبل.

ولكن لماذا، مثلما سئلت أنا مرارًا وتكرارًا، لا يمكن للمولف ببساطة صنع محتوًى خاص به هو؟ ولماذا كان من المهم اختيار إيقاع طبول من تسجيل ما لفرقة البيتلز؟ أو صورة لوارهول؟ لماذا لا تسجل ببساطة إيقاع طبلة خاصًّا بك؟ أو ترسم صورة من إبداعك أنت؟

ليست الإجابة على هذين السؤالين بعسيرة لو أننا صببنا تركيزنا من جديد على سبب امتلاك تلك الرموز لمعنى ما. إن معناها لا يأتي من مضمون ما تقوله؛ وإنما يأتي من التلميح الذي تشير إليه، والذي لا يكون قابلًا للتعبير عنه إلا إذا استخدم المصدر الأصلي. وتصير الصور أو الأصوات التي تجمع من أمثلة عالم الواقع بمنزلة «ألوان باليتة الرسم». وهذه «المرجعية الثقافية»، حسبما شرح المبرمج وفنان المزج فيكتور ستون: «هي التي لها معنى عاطفي لدى الناس … فعندما تستمع إلى أربعة مقامات موسيقية فقط من أغنية «ثورة» لفريق البيتلز، فإنها تعني بالنسبة لك شيئًا.»33 وعندما «تمزج تلك الأشياء الرمزية معًا» بشيء جديد، فإنك تخلق على حد تعبير سودربرج «شيئًا جديدًا لم يكن موجودًا من قبل.»
كانت فرقة نيجاتيفلاند تصنع ممزوجات غنائية باستخدام «ثقافة موجودة» — أي تسجيلات مجمعة من ثقافة القراءة فقط — لمدة تربو على خمسة وعشرين عامًا. وكما شرحت في البداية ذاع صيتها (وكان صيتًا مشينًا) في بادئ الأمر؛ لأنهم كانوا هدفًا لإجراءات قضائية اتخذت ضدهم من قبل كيسي قاسم وفرقة يو تو، بعد أن أطلقت نيجاتيفلاند مزيجًا من مقدمة كيسي قاسم ليو تو في برنامج أفضل ٤٠ أغنية الذي يقدمه. إذن لماذا لم تتمكن نيجاتيفلاند ببساطة من استخدام شيء أصلي؟ لماذا لم يتمكنوا من إعادة تسجيل المقطع باستخدام ممثل؟ شرح هوسلر الأمر بقوله:

كان في استطاعتنا أخذ تلك الشرائط التي حصلنا عليها لكيسي قاسم واستئجار شخص ما يحاكي كيسي قاسم، وجعله يؤدي إعادة خلق درامي. فلماذا اضطررنا لاستعمال الشيء الأصلي … الحقيقي فعلًا؟ حسنًا؛ هذا لأن الشيء الحقيقي بداخله قوة. إن له هالة ومهابة. إن به سحرًا. وهذا ما يلهم العمل.

حدث أمر مشابه مع فيلمهم الرائع، وإن كان شائنًا بدرجة ملحوظة، «مزيج المسيح». هذا الفيلم الذي لا تزيد مدته على خمس دقائق مصنوع عن طريق المزج بين العشرات من الأفلام التي صنعت طوال التاريخ عن صلب المسيح. والتعليق الصوتي في خلفية تلك الصور لواعظ أصولي لا يفتأ يكرر عبارة (أثناء الدقيقة الأولى من الفيلم) «المسيحية غبية.» بعدها ينتقل الفيلم بعد حوالي دقيقة ونصف من بدايته لعبارة يقولها الواعظ «الشيوعية طيبة.» والعبارة الأولى توحد المسيحيين جميعًا، على الأقل، ضد الفيلم. غير أن الثانية تحول المشاعر في الاتجاه المعاكس، حيث يمكن أيضًا أن ينظر للفيلم باعتباره نقدًا للشيوعية. حسبما شرح هوسلر العمل بقوله:

خرج فيلم «مزيج المسيح» إلى النور من قلب خاطر تافه مرَّ بمخيلتي ذات يوم عندما كنت أتنقل بين أرجاء موقع أمازون، فقلت لنفسي: «كم يا ترى عدد الأفلام التي أنتجت عن حياة المسيح؟» وانتهى بي الأمر إلى ثلاثين أو أربعين فيلمًا منها، وبدأت التفكير في أنه [كيف] كان كل واحد من تلك الأفلام يحوي مشاهد متتابعة متشابهة للمسيح وهو يُضرب بالسياط ويجلد ويعذب. هناك دائمًا مشهد له وهو يحمل الصليب وهو يتعثر ثم يسقط على الأرض. وهكذا ولدت الفكرة في عقلي … واعتقدتُ أن هذا من الممكن أن يصنع مونتاجًا مشوقًا للمادة الفيلمية.

ولم يكن من الممكن تنفيذ هذه الفكرة المونتاجية بتصوير فيلم جديد — سيكون رقمه الحادي والأربعين — يصور عملية الصلب.

(٤) أهمية المزج

شرحت لتوي ما أعنيه بالمزج، وذلك بأن وصفت نبذة من ممارسته. وسواء أكان المزج نصًّا أم غير ذلك، فإنه عبارة عن فن كولاج (أي تجميع من هنا وهناك لإخراج عمل فني جديد)؛ ومنبعه الجمع بين عناصر ثقافة القراءة فقط؛ وهو يحقق النجاح عن طريق الاستفادة من المعنى الذي تصنعه المرجعية في بناء شيء جديد.

ولكن ما الداعي لأن يهتم أي إنسان بما إذا كان المزج ستزدهر أحواله أو حتى يوجد من الأصل؟ ما الذي سيجنيه أي امرئ أكثر من مجرد ضحكة رخيصة؟ وما الذي سيربحه المجتمع، أكثر من إغضاب أناس مشاهير؟

في الوقت الحالي، هناك أمران طيبان يصنعهما المزج بالنسبة لنا، أو لأبنائنا — على الأقل — أحدهما يفيد المجتمع، والآخر يخدم غرضًا تربويًّا.

(٤-١) المجتمع

تتواجد عمليات المزج في إطار مجتمع من المازجين. وفي العصر الرقمي، من الممكن أن ينتشر هذا المجتمع في جميع أنحاء العالم. إن أعضاء هذا المجتمع يُنشئون الجديد أحيانًا بعضهم لبعض. وهم يعرضون بعضهم على بعض ما يمكنهم صنعه، مثلما يعرض الأطفال المتزلجون على لوح الانزلاق مهاراتِهم على أصدقائهم، ويُرونهم ما يمكنهم صنعه. وهذا العرض له قيمته النفيسة، حتى إذا كان ما ينتجونه في حد ذاته لا قيمة له.

ولننظر مثلًا إلى مجتمع يصنع أفلام فيديو رسوم الأنيمي المتحركة المصحوبة بالموسيقى. إن رسوم الأنيمي المتحركة عبارة عن أفلام كرتون يابانية اجتاحت أرجاء أمريكا منذ بضع سنوات. تُصنع أفلام الرسوم المتحركة المصحوبة بالموسيقى (عادةً) عن طريق مزج صور من أفلام الكرتون هذه مع مقطع موسيقي أو مقطع مأخوذ من إعلان أحد الأفلام. وقد يستغرق كل فيلم فيديو في إنشائه ما بين خمسين وأربعمائة ساعة. وهناك الآلاف منها بمعنى الكلمة يجري التشارك فيها بصورة غير تجارية على الموقع الرئيسي لذلك، وهو animemusicvideos.org.

من بين الأهداف التي يسعى إليها هؤلاء المبدعون اكتساب المعرفة. ومن الأسباب الأخرى استعراض قدراتهم. وأيضًا صنع أعمال ذات جمال مبهر. إن إتقان هذا العمل أمر من الصعوبة بمكان، وأي شخص يجيد عمله يملك كذلك موهبة الإجادة في الصناعات الإبداعية. وهذه الحقيقة لم تغب عن بال القائمين على الصناعات، ولا الجامعات التي تدرب الصغار على هذا المجال. فبعد أن شرحت أفلام الرسوم المتحركة المصحوبة بالموسيقى في إحدى محاضراتي، اقترب مني أحد الآباء ثم قال لي والدموع تترقرق في عينيه: «إنك لا تدري كم يشكل هذا الموضوع أهمية لي؛ فولدي لم يستطع الالتحاق بأية جامعة، ثم عندما عرض عليهم إنتاجه من أفلام الرسوم المتحركة المصحوبة بالموسيقى، صار الآن ملتحقًا بواحد من أفضل معاهد التصميم في أمريكا.»

أفلام الرسوم المتحركة الموسيقية أمريكية بوجه خاص، أو يمكن القول إنه رغم كونها مبنية على الرسوم المتحركة اليابانية، فإنها ليست يابانية تحديدًا. وليس هذا لأن الأطفال اليابانيين ليسوا مازجين، وإنما على العكس، تشجع الثقافة اليابانية هذا المزج منذ نعومة أظفار المواطنين، وبصورة أكثر توسعًا بكثير. فطبقًا لرأي عالمة الأنثروبولوجيا الثقافية ميمي إيتو:
كانت وسائل الإعلام اليابانية في الطليعة حقًّا فيما يختص بدفع محتوى ممزوج وموجه من قبل المستخدم بدءًا من الأطفال الصغار. فإذا أخذت أشياء مثل بوكيمون ويو-جي-أوه! كمثالين على تلك الأنواع من الأشكال الأكثر جماهيرية من الارتباط بوسائل الإعلام، لوجدنا أن قاعدتها شديدة الاتساع في اليابان، وربما كانت أكثر اتساعًا مما هي عليه في الولايات المتحدة. لقد وصلت أشياء مثل بوكيمون ويو-جي-أوه! إلى نقطة التشبع بنسبة تقترب من ١٠٠٪ في ثقافات الأطفال في اليابان.34
لكن الفارق بين الثقافات لا يتعلق بالتشبع وحده. يستشهد هنري جنكنز بآراء أستاذَي التربية ديفيد باكينجهام وجوليا سيفتون جرين، «بوكيمون شيء أنت تصنعه، وليس مجرد شيء تقرؤه أو تشاهده أو تستهلكه»، وتواصل حديثها قائلة:
هناك عدة مئات من البوكيمونات المتنوعة، كل واحد منها له أشكال تطورية متعددة ومجموعة معقدة من المنافسين والملحقات. ولا يوجد نص واحد يمكن للمرء التوجه إليه كي يحصل على معلومات عن الأنواع المختلفة؛ وإنما، يقوم الطفل بتجميع ما يعرفه عن البوكيمون من مختلف الوسائط، ويتوصل إلى نتيجة؛ ألا وهي أنه يعلم شيئًا ما، لا يعلمه أصدقاؤه، ومن ثم تصبح لديه الفرصة لتقاسم تلك الخبرة مع الآخرين.35

تشرح إيتو الأمر بقولها: «كل شخص إذن لديه مجموعة خاصة به هو شخصيًّا من البوكيمون. وهذا أمر مختلف تمامًا عن [وسائل الإعلام الأمريكية، التي] تطلب من الأطفال التآلف مع شخصية واحدة.»

وليس البوكيمون سوى مثال واحد على ممارسة شائعة في اليابان.

هذا الأسلوب الأشهر يدفع «الأطفال نحو ابتكار حيوات أكثر اقترابًا من شخصية كل منهم، وتطوير مسارات ذات توجه مزجي نحو المحتوى.» فجميع الأطفال في الصفين الثاني والثالث على سبيل المثال:

سوف يحملون معهم أينما ذهبوا كراسة رسم ليس إلا … وبداخلها رسوم لشخصيات المانجا [الكرتونية]. هذا ما يفعله الأطفال [اليابانيون]. وبوصولهم للصف الرابع أو الخامس يشتهر أطفال بعينهم ببراعتهم في الرسم وبعدها يبدءون بالفعل في صنع قصصهم الأصلية بأنفسهم. وعند مرحلة ما يتطلب الأمر حثًّا لهم نحو مشهد «الدوجينشي» بأكمله، وهو ثقافته الفرعية الخاصة به. ويحدث هذا عادةً من خلال التعرف على طفل أكبر سنًّا اشترك في هذا الأمر.

أما الأطفال الأمريكيون فالأمر بالنسبة لهم مختلف؛ إذ ليس التركيز منصبًّا على فكرة «إليكم شيئًا ما، فاصنعوا شيئًا به»، وإنما بدلًا من ذلك ينصب التركيز على فكرة «إليكم شيئًا ما، فاشتروه». تفسر إيتو الأمر بقولها: «الولايات المتحدة تملك استثمارًا ثقافيًّا أقوى في فكرة براءة الأطفال، كما أنها تحمل وجهة نظر أكثر ميلًا لفرض الحماية فيما يختص بالمحتوى الإعلامي.» إن هذه النزعة نحو فرض «الحماية» تمتد كذلك إلى التعليم في المدارس. «فالترفيه» شيء و«التربية» شيء آخر. إذن أي مهارة يتعلمها المرء في هذه «الثقافة المزجية تُبنى في اتجاه مخالف للإنجاز الأكاديمي.» وهكذا، وبرغم أن «الثقافة المزجية» تزدهر مع وسائل الإعلام الموجهة نحو الكبار في الولايات المتحدة، «فلا يزال هناك قدر كبير من المقاومة ضد وسائل الإعلام الموجهة للأطفال وضد [اندماجها] الكامل الفعلي في ذلك الفضاء.»

غير أن هناك شغفًا آخذًا في النمو تجاه المزج لدى الأطفال الأمريكيين، وليست الأفلام الكرتونية الموسيقية سوى مثال مهم على ذلك. كانت إيتو تدرس هؤلاء المبدعين في هذا المجال، الذين يخالجهم «الشعور بمساراتهم» باعتبارهم مبدعين. إنها تحاول أن تفهم متى تأتي اللحظة التي «يعتبر المعجب [نفسه] فيها وسيطًا إعلاميًّا وليس مجرد مستهلك» وما هي التجربة (علمًا أنها من المؤكد لم تكن تعليمًا رسميًّا) التي أدت بهم إلى هذا الشكل من أشكال التعبير؟

إن النتائج التي توصلت إليها إيتو ليست مكتملة، غير أن هناك بعض الأنماط الواضحة. على سبيل المثال، «نسبة عالية جدًّا من الأطفال الذين ينخرطون في ثقافة المزج كانت لديهم تجربة سابقة مع صيغ الألعاب التفاعلية.» و«يسيطر على المشهد في مجال أفلام الرسوم المتحركة الموسيقية رجال بيض ينتمون إلى الطبقة المتوسطة»، وعلى النقيض من أشهر المولفين في تاريخ اليابان الحديث، كانت «فتيات الطبقة العاملة» هن من أنتج ثقافة الدوجينشي. فمعظمهن «لديهن عمل صباحي أو طالبات بدوام كامل ولكنهن … يعشن حياة الهاويات النشطات إلى حد لا يكاد يصدق … [فهن] يعتبرن أنفسهن منتِجات ومشاركات في الثقافة ولسن مجرد متلقيات لها.» وتتم هذه المشاركة مع آخرين. إنهن يشكلن مجتمعًا. وهذا المجتمع يعول نفسه بنفسه.

(٤-٢) التربية

القيمة الثانية للمزج تمتد لما يتجاوز قيمة المجتمع. فالمزج عادة ما يكون في كثير من الأحيان، حسبما تصف ميمي إيتو، استراتيجية تهدف لاستثارة «تعليم يقوم على الاهتمام». وحسبما يوحي الاسم، فالتعليم القائم على الاهتمام موجه من قبل الاهتمامات المكتشفة. فعندما يهم الأطفال بأداء عمل يشعرون بشغف تجاهه، فإن الأطفال (وفي هذا الشأن، الكبار أيضًا) يتعلمون المزيد والمزيد بصورة أكثر فاعلية.

ولقد كتبتُ عن هذا الموضوع في كتاب سابق لي بعنوان «ثقافة حرة». وفي هذا الكتاب قدمت وصفًا لعمل إليزابيث ديلي وستيفاني باريش، وكلتاهما كانت تعمل مع الأطفال في مدارس مكتظة موجودة بمناطق محرومة. وبتقديم محو أمية إعلامية أساسية لهؤلاء الأطفال، رأينا كيف أن فصولًا من الطلاب، ممن كانوا قبلًا لا يتمكنون من الحفاظ على تركيزهم لفترة واحدة، يقضون الآن كل لحظة حرة من كل ساعة تفتح فيها المدرسة أبوابها في عمل مونتاج متقن لأفلام فيديو عن حياتهم، أو عن قصص كانوا راغبين في روايتها.

شهد آخرون القدر نفسه من النجاح ينمو جراء استخدام وسائط المزج في التعليم. ففي جامعة هيوستن — التي لا تستطيع نسبة كبيرة من طلابها التحدث بالإنجليزية كلغة أولى — أنتج مشروع رواية القصة الرقمية نطاقًا غير عادي من الفيديوهات التاريخية، صنعها طلاب يجرون أبحاثهم حول القصة بعناية، وينتقون من أرشيفات الصور والأصوات، ويمزجون ما يحقق أفضل أسلوب في نقل الحجة التي يريدون طرحها من خلال الفيديو.

وعلى حد تعليق هنري جنكنز: «العديد من الكبار يساورهم القلق من أن «ينسخ» هؤلاء الأطفال محتوًى وسائطيًّا موجودًا بالفعل بدلًا من أن يُبدعوا هم أعمالهم الأصلية.»36 ولكن حسبما أجاب جنكنز على ذلك، وكان محقًّا في إجابته، «يومًا بعد يوم يدرك المزيد من خبراء محو الأمية أن اختلاق، واقتباس، واستلهام عناصر من قصص موجودة بالفعل جزء قيم وعضوي من العملية التي يطور الأطفال من خلالها المعرفة الثقافية.»37 ويدفع جنكنز بأن على الآباء بدلًا من ذلك أن «ينظروا إلى مقاربات [أطفالهم] باعتبارها نوعًا من التدريب المهني.»38 إنهم يتعلمون من خلال المزج بين الأشياء. الحقيقة، أنهم يتعلمون المزيد عن شكل التعبير الذي يمزجونه أكثر مما لو اكتفوا بصنع هذا التعبير مباشرةً.
ليس معنى هذا بالطبع أنه مهما كان الأسلوب الذي يصنعون به المزيج، فإنهم يصنعون بالضرورة شيئًا طيبًا. فهناك مزج جيد ومزج رديء، كما أن هناك كتابة جيدة وكتابة رديئة. ولكن تمامًا مثلما أن الكتابة الرديئة ليست حجة تمنعنا من الكتابة على أي الأحوال، فكذلك المزيج الرديء ليس حجة ضد المزج في حد ذاته. وإنما في كلتا الحالتين، العمل الرديء حجة تقف في صف تربية أفضل. وعلى حد قول هوسلر لي:

كل مدرسة ثانوية في أمريكا يجب أن تقدم منهجًا دراسيًّا في محو الأمية الوسائطية. إننا مطمورون في هذا الشيء. إننا نتنفسه. إننا نتجرعه باستمرار. إنها أنباء ومعلومات على مدار اليوم والأسبوع وثقافة شعبية … إذا كنت تحاول تربية أطفالك على التحلي بتفكير نقدي حيال التاريخ والمجتمع والثقافة، فعليك أن تشجعهم على أن يكونوا مفكرين وناقدين للوسائط والمعلومات والإعلان.

فعمل شيء بالثقافة، بأسلوب المزج، واحد من أساليب اكتساب المعرفة.

(٥) القديم في الجديد

بالنسبة لكثيرين، سوف يبدو وصفي للمزج أشبه بشيء حديث للغاية، وهو كذلك بالفعل إذا نظرنا إليه من زاوية ما، غير أنه من زاوية أخرى مختلفة — لعلها أكثر أصولية — علينا أيضًا أن نفهم أنه لا يوجد شيء جديد تمامًا في المزج. بعبارة أخرى، الجزء المشوق في المزج ليس شيئًا جديدًا. كل ما هو جديد في الموضوع هو التقنية المستخدمة وسهولة التشارك في ناتج تلك التقنية. وتدعو هذه السهولة مجتمعًا أوسع للمشاركة؛ فهي تجعل المشاركة أكثر إلحاحًا. غير أن العمل الإبداعي الذي ينخرط فيه الناس ليس بالضرورة مختلفًا بصورة واضحة عن العمل الذي وصفه سوزا، عندما استدعى لذاكرة الكونجرس ما كان يحدث في الماضي بعبارة «شباب يتجمعون معًا لينشدوا أغنيات العصر الحالي أو أغنيات قديمة.»

إذن حسب ما قلت سابقًا، المزج باستخدام «الوسائط» هو نفس الأمر الذي مارسناه دومًا مع الكلمات. فهو الأسلوب الذي استخدمه بن في الكتابة. والذي يستخدمه المحامون في مرافعاتهم. إنه أسلوبنا في الحديث في جميع الأوقات. ونحن لا نلاحظ أنه على هذا النحو؛ لأن هذا مزج قائم على النص، سواء كان كتابة مدونة أو حوارًا نتحدث به، فهو شائع مثله مثل الغبار. ونحن نعتبر الحريات التي نمارسها فيه أمرًا مسلمًا به. وجميعنا يتوقع أن بإمكاننا اقتباس، أو إدماج، كلمات أناس آخرين فيما نكتبه أو نقوله. وهكذا فإننا نقتبس بالفعل، أو ندمج، أو نمزج بين أقوال مختلفة ذكرها آخرون.

نفس الشيء ينطبق على «الوسائط»؛ فالوسائط الممزوج بينها تنجح عندما تعرض على الآخرين شيئًا جديدًا؛ وهي تفشل عندما تكون مبتذلة أو مشتقة. ومثل مقال رائع أو دعابة مضحكة، يعتمد المزج على عمل الغير كي ينتج لنا عملًا جديدًا. إنها الكتابة العظيمة دون كلمات. إنه الإبداع المدعوم بالتقنية الحديثة.

لكن رغم أن هذا المزج ليس بالشيء المستحدث، فإنه ظل يتعرض للإسكات أغلب فترات تاريخنا. لم يكن الذي يسكته رقيبًا على المصنفات، ولا حتى رأسماليين أشرارًا، بل ولا حتى رأسماليين أخيارًا. بل ما كان يسكته أن الشق الاقتصادي للتحدث بهذا الأسلوب المختلف جعل منه أمرًا مستحيلًا، على الأقل بالنسبة لمعظمنا. فلو أنك أردت عام ١٩٦٨ تسجيل آخِر حلقة من البرنامج الإخباري لوالتر كرونكايت والمزج بينها وبين أغنية لفريق البيتلز، ثم التشارك في هذا المزيج مع عشرة آلاف شخص من خيرة أصدقائك، لم يكن القانون هو الذي سيمنعك من هذا. وإنما ما كان سيمنعك أن تكلفة الإنتاج وحدها كانت ستبلغ عشرات الآلاف من الدولارات.

لقد أزالت التقنيات الرقمية الآن هذا الرقيب الاقتصادي. فأساليب الخطاب والمدى الذي يصل إليه صارت عظيمة الآن. وزادت أعداد من باستطاعتهم استخدام مجموعة أكثر اتساعًا من الأدوات في التعبير عن الأفكار والمشاعر بصورة مختلفة. فأعداد من يستطيعون ذلك زادت وسوف تواصل الازدياد، على الأقل إلى أن يمنعهم القانون بصورة ناجعة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١