الفصل التاسع عشر

أماني فارغة

قالت جدتي: «أين توقفنا في قصة بيبي؟ ما آخر ما حدث؟»

سألها جدي: «ما الخطب يا عزيزتي، هل لدغ ذلك الثعبان دماغكِ؟»

قالت: «كلا. لم يلدغ دماغي. كنت أحاول أن أنعش ذاكرتي ليس إلا.»

قال جدي: «لنرَ، كانت بيبي تريدك أن تخبري أباكِ بشأن تقطيع السيدة كادافر والسيد بيركواي لزوجها، أليس كذلك؟»

أجل، هذا ما أرادته فيبي، وما حاولت أنا فعله. ذات يوم أحد، بينما كان أبي يطالع ألبومات الصور، سألته إن كان يعرف الكثير عن السيدة كادافر. رفع بصره إليَّ بسرعة. وقال: «هل أنتِ مستعدة للحديث عن مارجريت؟»

«ثمة بضعة أمور أود أن أذكرها …»

قال: «لطالما أردت أن أشرح لكِ …»

قاطعته وتابعت كلامي. لم أرد أن يشرح لي. بل أردت أن أحذره. «رأيتها أنا وفيبي تقطع وتجز الشجيرات في فنائها الخلفي.»

سأل: «وهل في ذلك سوء؟»

جربتُ طريقةً أخرى. «صوتها يشبه فحيح أوراق الشجر الجافة التي تذروها الرياح، وشعرها مخيف.»

قال: «فهمت.»

«وثمة رجل يزورها …»

«سال، يبدو لي ما تقولين تجسسًا.»

«وأرى أنك لا ينبغي أن تذهب إلى بيتها بعد اليوم.»

خلع أبي نظارته وظل يمسحها في قميصه لما يقرب من خمس دقائق. ثم قال: «سال، تلك أماني فارغة. أمك لن تعود.» بدت محاولاتي كأنها غيرة من السيدة كادافر لا أكثر.

في حضرة أبي الهادئة، بدا كل ما قالته فيبي عن السيدة كادافر حماقات.

قال أبي: «أود أن أوضح لكِ بشأنها.»

«لا عليك. فلتنسَ أني ذكرتها من الأساس. لست بحاجة إلى أي تفسيرات.»

لاحقًا، بينما كنت أؤدي واجبي المنزلي، وجدت نفسي أرسُم رسومًا عبثية في هامش كتاب اللغة الإنجليزية. رسمت شكل امرأة شعثاء لها عينان شريرتان يلتف حبل حول عنقها. ورسمت شجرة، ثم ربطت الحبل بالشجرة وشنقتها.

في المدرسة في اليوم التالي، تأملت السيد بيركواي وهو يثب ويقفز مرحًا في أرجاء حجرة الدرس. إذا كان قاتلًا، فهو قاتل مفعم بالحيوية لا ريب. لطالما تخيلت القتلة كئيبين متجهمين. كنت آمل أن يكون السيد بيركواي واقعًا في حب مارجريت كادافر وأن يتزوجها ويأخذها بعيدًا حتى أستطيع أنا وأبي العودة إلى بايبانكس.

أكثر ما أدهشني من أمر السيد بيركواي أنه كان يذكرني كثيرًا بأمي؛ على الأقل قبل أن يتملك منها الحزن. فكلاهما مفعم بالحيوية، ومولع — شغوف — بالكلمات وبالحكايات.

في ذلك اليوم، حدثنا السيد بيركواي عن الأساطير الإغريقية، وبدأت تراودني أحلام يقظة بطلتها أمي، التي كان حبها للكتب يضاهي حبها لجميع كنوز الهواء الطلق تقريبًا. كانت تحب أن تحمل في جيبها كتبًا صغيرة، وأحيانًا حين نخرج إلى الحقول، كانت تجلس على العشب وتبدأ القراءة بصوت مسموع.

كانت قصص الهنود الحمر هي الأقرب لقلب أمي. كانت تعرف آلهة الرعد، وخالقي الأرض، والغربان الحكيمة، والذئاب الماكرة، وأرواح الظل. كانت قصصها المفضلة هي تلك التي تدور حول أشخاص عادوا بعد الموت في هيئة طائر أو نهر أو حصان. كانت تعرف قصةً عن محاربٍ مسنٍّ عاد في هيئة حبة بطاطا.

لما انتبهت من أحلام يقظتي، كان السيد بيركواي يقول: «أليس كذلك يا فيبي؟ هل أنت مستيقظة؟ ستقدمين أنت التقرير الثاني.»

قالت: «تقرير؟»

وضع السيد بيركواي يده على قلبه. «سيقدم بن تقريرًا شفهيًّا عن بروميثيوس يوم الجمعة القادم. وأنت ستقدمين تقريرًا عن باندورا يوم الإثنين القادم.»

غمغمت فيبي قائلة: «يا لحسن حظي!»

طلب مني السيد بيركواي أن أمكث برهةً بعد الحصة. أرسلت إليَّ فيبي رسائل تحذيرية بحاجبيها. أثناء مغادرة الجميع الحجرة، قالت لي فيبي: «سأمكث معك إن أردتِ.»

«لماذا؟»

«لأنه مزَّق جثة السيد كادافر إلى أشلاء، ذلك هو السبب. لا أظن أنكِ يجب أن تبقَي معه وحدكِ.»

غير أنه لم يمزقني إلى أشلاء. بل كلَّفني بواجب خاص، «دفتر يوميات مصغر». قلت: «لا أعرف ماذا يكون.» كانت فيبي تقف خلفي ملاصقةً لي. قال السيد بيركواي إن عليَّ أن أكتب عن أي شيء يثير اهتمامي. سألته: «مثل ماذا؟»

«مثل مكان، غرفة، شخص؛ لا تفكري كثيرًا في الأمر. بل اكتبي أول ما يخطر ببالِكِ.»

سرت أنا وفيبي برفقة ماري لو وبن عائدين إلى البيت. كان ذهني مشوشًا، إذ كنت أحاول ألا أجفل كلما لامسني بن. حين تركنا بن وماري لو وانعطفنا إلى شارع فيبي، لم يكن ذهني حاضرًا جدًّا. أظن أنني أدركت أن شخصًا ما يسير في اتجاهنا في المسار الجانبي، لكني لم ألحظ من يكون إلا بعد أن صار على بُعد ثلاث أقدام منا.

كان ذلك الشخص هو مختل فيبي، وكان يحدق فينا مباشرةً. توقف أمامنا، فسدَّ الطريق.

قال مخاطبًا فيبي: «أنت فيبي وينتربوتوم، أليس كذلك؟»

صدر صوتها على هيئة صرير خافت. الصوت الوحيد الذي خرج منها كان «أجل …» الذي قالته بصوت واهن.

سألها: «ما الأمر؟» ثم دسَّ يده في جيبه.

دفعته فيبي، وجذبتني من ذراعي وبدأت تركض. قالت: «يا إلهي! يا إلهي!»

كنت ممتنةً لأننا كنا قد وصلنا إلى بيت فيبي تقريبًا، لذا إن طعننا في وضح النهار، فقد يعثر علينا أحد جيرانها ويأخذنا إلى المستشفى قبل أن ننزف حتى الموت. كنت قد بدأت أصدق أنه مختل بالفعل.

أدارت فيبي مقبض الباب لكنه كان موصدًا. طرقَت على الباب ففتحته أمها بغتة. كان يبدو عليها الشحوب والاضطراب هي الأخرى.

قالت فيبي: «كان الباب موصدًا! لمَ كان موصدًا؟»

قالت السيدة وينتربوتوم: «يا عزيزتي، كل ما في الأمر أنَّ … ظننتُ أنَّ …»

واسترقت النظر حولنا ثم إلى طرفَي الشارع. «هل رأيتِ أحدًا … هل أخافكِ أحدٌ …»

قالت فيبي: «إنه المختل. رأيناه لتونا.» كانت تلتقط أنفاسها بصعوبة بالغة. «ربما يجب أن نتصل بالشرطة … أو نخبر أبي.»

أمعنتُ النظر إلى والدة فيبي. لم تبدُ لي قادرة على الاتصال بالشرطة، أو بالسيد وينتربوتوم. أظن أن خوفها فاق خوفنا. دارت في أرجاء البيت توصد جميع الأبواب.

خلا ذلك المساء من أي أحداث أخرى، وحين عدت إلى البيت، لم يبدُ لي أن المختل يمثل خطرًا كبيرًا. لم يتصل أحد بالشرطة، وعلى حد علمي لم تكن السيدة وينتربوتوم قد أخبرت زوجها بعد، لكن قبل أن أغادر بيت فيبي مباشرة، قالت لي: «إن رأيتُ المختل مرةً أخرى فسأتصل بالشرطة بنفسي.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤