اللغز المتكشِّف

من عادتنا، وأعني بذلك المجتمع، غالبًا التطلع إلى الرجل الناجح، وعندما نتأمَّله نفكِّر كم كان محظوظًا في حياته، وكيف فُتحت أمامه أبواب الفرص، وكم كان محظوظًا في حصد الكثير من المال.

ولكننا لا نرى، أو نتعمد ألا نرى، النواقص التي ربما تكون لديه أيضًا. إننا ننظر إلى نجاحه، ونفكر فيما فشلنا نحن فيه، ونُغمض أعيننا عن إخفاقاته، ونحسده على حسن حظه بدلًا من أن نحتذي به في مثابرته. من ناحيتي أعتقد أن أي منصب أو نجاح لا يأتي بدون عمل شخصي جاد، وهذا العمل هو وسيلة النبوغ. لن أُومن بالحظ أبدًا.

عندما نُمارس هذه العادة المُتمثلة في النظر إلى النجاح وغض الطرف عن الفشل، فإن خطر الوصول إلى نتيجةٍ خاطئة يزداد كثيرًا، ليس على مستوى فرد واحد، بل على مستوى جماعة كاملة من الناس.

هذه الحجة قوية جدًّا عند تطبيقها على عمل المحقق؛ نظرًا لوجود العديد من القضايا الكبيرة المسجَّلة التي كان المحققون يشكِّلون فيها عاملًا رئيسًا، فقد توصَّل الناس عامةً إلى استنتاجٍ مفاده أن قوة المباحث مؤلَّفة من أفرادٍ يتمتعون بذكاء وحصافة وقدرات تفُوق القدرات العادية.

كما لا يقول الرجل الناجح في أي مهنة شيئًا عن إخفاقاته، ويسمح لنجاحاته بالتحدث عن نفسها؛ بالمثل لا يكون لدى قوة المباحث أي رغبة في نشر إخفاقاتها، بينما فيما يخص النجاحات يكون المحققون دائمًا مستعدِّين لتزويد المُراسلين بأدق التفاصيل.

في الواقع، لا يرى الجمهور سوى الجانب الناجح فحسب من عمل الشرطة، وليس لديهم أدنى فكرة عن مدى تعقيد الأخطاء والإخفاقات الموجودة في الجانب السلبي.

إن العامة لا يرَون ذلك، وفي الواقع في غمار إعجابهم بالنجاحات العلنية لقوة المباحث، ينسَون بتساهلٍ كبير جدًّا إخفاقاتهم العلنية، التي تكون فظيعة في حالاتٍ كثيرة.

ربما يكون من المستحيل تحديد سبب لطف الناس هذا، ولكن يوجد احتمالٌ كبير أنه ينبع من حقيقة أن العامة ينظرون عمومًا إلى المؤسسة الشرطية على أنها ضمانةٌ عامة عظيمة، وأنها مؤسسةٌ بارعة في منع الجريمة.

أيًّا كان الأمر، من المؤكَّد أن قوة المباحث بعيدةٌ كل البعد دون شك عن الكمال كشأن أي مؤسسة قانونية عادية في إنجلترا.

ولكن قد يتساءل القارئ لماذا أُلزمُ نفسي بمثل هذا القول مع أنه يضرُّ مهنتي.

جوابي على ذلك أنه في الآونة الأخيرة، أُجريَ تحقيقٌ برلماني (شديد الإيجاز في طبيعته، كما لا بد أن أعترف) حول أعراف قوة المباحث وتقاليدها، وهو ما لا بد أنه دفع العامة إلى الاعتقاد بأن هذه السلطة تتمتع بقوةٍ هائلة؛ لأنها لا تؤثر في عالم الجريمة فحسب، بل في المجتمع بوجهٍ عام.

بدا الأمر كما لو أن المحققين الإنجليز كانوا مُعتادين على التطفل على الحياة الخاصة للناس، وكما لو أنه لا يوجد مُواطن إلا ويخضع لمنظومة من التجسس، وهو ما لو كان موجودًا لكان غير محتمل، ولكن لا وجود له إلا في خيال الناس فحسب.

إنه لأمرٌ مؤسف للغاية أن الوزير الذي رد على التحقيق لم يبيِّن ما يكفي لتوضيح أن هذه الشكوى واهية، إن لم تكن بلا أساس على الإطلاق.

لا أظن أن الجمهور سيصدِّق ما أقوله بثقةٍ كبيرة؛ وهذا ببساطة لأنني طرفٌ معنيٌّ بالأمر، ومع ذلك فإنني سأتجرَّأ بالتأكيد على قول إن المباحث كمؤسسةٍ تعتبر ضعيفة، وإنها فشلت في معظم القضايا التي خضعت لإشرافها، وأخيرًا إنه غالبًا ما تبلغ أنجح قضاياها حد الكمال، ليس من خلال التصرف دون مساعدة بقدر ما يكون من خلال استخدام الحقائق، التي غالبًا ما تُذكَر دون الكشف عن هُوية قائليها، والتي لا يُشير إليها المحققون وهم يقدِّمون أدلتهم في النهاية. يبدأ هذا الدليل من عبارة: «من المعلومات التي تلقَّيتها.» كثيرًا ما تحمل تلك الكلمات القليلة في طيَّاتها السر الذي أدَّى إلى كل العمليات اللاحقة التي يُفرِدها المحقق في الوصف، وبدون هذا السر ما كان سيحصل على دليله أبدًا.

لا داعي لأن يخاف العامة — وخاصةً العامة الذين عانَوا من أي ضغوط من نظام الشرطة الأوروبية، وممن يرتجفون من مجرد ذكر هذه المؤسسة — من أن مثل هذه الأوضاع المحلية يمكن أن تحدث يومًا ما في إنجلترا. لا يمكن حتى محاولة فعلها؛ وهذا لأن قوة الشرطة منظمة، وما كان ممكنًا أن تُحقق النجاح لو كانت أعطت اليد العليا لنظام المباحث الذي تتَّسم أعرافه بالطابع الإصلاحي، وما سيشكِّله هذا من ضغط على المجتمع الإنجليزي؛ لأنه كان سيُكتشَف على الفور أنه شيءٌ غير دستوري؛ ومن ثَم كان سيُلاقي استياءً كبيرًا.

بهذه الملاحظات سأقول ما عليَّ قوله فيما يتعلق بدَوري كمحققة، في محاولة تفسير لغز إجرامي لم يُحَل أبدًا، وكانت فرصة كَشْفه ضئيلةً بسبب الطريقة التي تم التعامل بها معه؛ لذا لا يمكن تفسيره الآن أبدًا.

الحقائق البسيطة للقضية والتي يجب معرفتها هي كالآتي:

في صباح أحد الأيام، وجد أحد مراكبية نهر التايمز حقيبة سفر مصنوعة من قماش السجاد السميك موضوعةً على دعامة قنطرة أحد جسور التايمز. بعدما فُتح هذا الكنز الثمين وُجد أن الحقيبة تحتوي على بقايا جسم بشري بدون رأس.

وُضعت المسألة تحت تصرُّف الشرطة، وأُجري تحقيق ولم يُتوصَّل إلى شيء.

كانت هذه النتيجة طبيعية للغاية.

كان الذكاء قليلًا أو مُنعدمًا فيما يتعلق بحل هذه القضية. جُمِعت الحقائق، ولكن الاستنتاجات التي كان من الممكن استخلاصها منها لم تُستخلَص؛ ببساطة لأن الرجال المُناسبين لم يَشْرعوا في العمل على استخلاص هذه الاستنتاجات، إن كان لي أن أستخدم هذا التعبير.

لم يكن التوضيح، كما عرضته في ذلك الوقت، والذي لم يتصرف أحدٌ بِناءً عليه بأي حال من الأحوال، وافيًا — أعترف بذلك في البداية — يخصني، ولكنه كان يخص سيدًا محترمًا وضع تحت تصرُّفي وسيلة تقديم نظريتي النهائية في القضية إلى السلطات المختصة.

كنت جالسة في إحدى الليالي، أدرس قضيةً بسيطة بما فيه الكفاية، ولكنها كانت تستلزم بعض الحبكة، عندما جاء سيدٌ مهذَّب لرؤيتي، وكنت على استعدادٍ تام لمقابلته، مع أني لم أتعرَّف من قريب ولا من بعيد على الاسم المدوَّن على البطاقة التي أُرسلت لي.

وبما أنه بالطبع ليس مسموحًا لي بنشر اسمه، ولأن استخدام اسم مزيَّف سيكون عديم الفائدة، سأدعوه السيد «فلان».

أخبرني، بكلماتٍ قليلة واضحة وفظَّة، تُشبِه إلى حدٍّ كبير طريقةَ محقق رفيع المستوى، وصل إلى منصبه بإصراره، أنه يعلم أنني محققة، وأنه يريد استشارتي.

«أوه حسنًا! إذا كنت محققة فيمكنك استشارتي إذن. هاتِ ما عندك.»

عندئذٍ قال على الفور إن لديه نظريةً تخصُّ قضية لغز الجسر، كما أسماها وكما سأسمِّيها، وإنه يرغب في أن تضعها سكوتلاند يارد قيد النظر.

حتى ذلك الوقت كنت حذِرة، وطلبت منه أن يُفصِح.

وقد فعل، ويمكنني القول إنه بعد دقيقة واحدة كنت قد تخلَّصت من التحفظ الذي كنت أتصرَّف به، وأصبحت صريحة وواضحة مع زائري.

لن أكرِّر هنا ما قاله؛ لأنني لو فعلت ذلك فسيتعيَّن عليَّ أن أراجعه كي أستوفي ما أضفته من إضافات أو تصحيحات أو حذف.

ربما يكفي أن نقول إن نظريته بأكملها استندت إلى أسسٍ تتعلق بمهنته كطبيب؛ لذلك عندما يَرِد شيء في السرد الآتي له علاقةٌ واضحة بالجِراحة، يمكن للقارئ أن يُرجِعه إلى السيد فلان، بينما من ناحيةٍ أخرى ترجع الاستنتاجات المستخلصة من هذه الحقائق بوجهٍ عام لي.

لذلك سأعرض المحادثات التي أجريناها في أوقاتٍ مختلفة على شكل حكاية مكتملة تجمعها كلها، إلى جانب وضع الإضافات والاقتراحات النهائية في أماكنها المناسبة، مع أنها ربما تكون قد جرت في بداية النقاش.

سأعرض الآن على الجمهور إفادتنا كما قُدِّمت إلى السلطات، ولن أحذف إلا الصيغة الرسمية والتفاصيل غير الضرورية.

  • (١)

    لم تشكِّل الأجزاء المشوَّهة عند تجميعها معًا جسدًا كاملًا، وكان الرأس مفقودًا.

    كانت الحقيقة الأولى التي أذهلت الطبيب هي أن التقطيع، إن لم يكن ينمُّ عن علم ودراسة، فعلى الأقل كان ينمُّ على دراية بالأمر. لم تكن الأجزاء المقطَّعة مُتعرِّجة، وعلى ما يبدو لم يُعبَث بمفاصل الجسم. لقد استُخدمت السكين ببعض المعرفة بعلم التشريح.

    كان الاستنتاج الذي يمكن استخلاصه من هذه الحقائق هو أن القاتل — أيًّا كانت هُويته، وسواء كان هو أو أحد شركائه، وسواء أثناء أو بعد الواقعة — كان، بناءً على الاستنتاج، رجلًا مثقفًا، ويرجع هذا الاكتشاف ببساطة إلى وجود دليل على أنه كان يعرف شيئًا عن مهنةٍ ما (الجراحة)، وهو ما يُفترَض معه التعليم.

    والآن، ثَمة قاعدةٌ عادية تقول إنه في حالات القتل التي يوجد فيها مجرمون أو أكثر، يكون هؤلاء القتلة مُنتمين إلى طبقةٍ ما.

    بعبارةٍ أخرى، نادرًا ما تجد رجالًا مُتعلمين (أشير هنا إلى إنجلترا عمومًا) يتعاونون مع رجالٍ غير مُتعلمين في ارتكاب جريمة. من الواضح أنه عندما يتعاون مجرمان في ارتكاب جُرمٍ ما، يُفترَض أنهما رفيقان في الأصل، إذا ما قُبِل هذا التأكيد، أو سُمح له أن يظل قائمًا جدلًا؛ من ثَم يجب الوضع في الاعتبار أن كل رفقة تُحافظ عمومًا على شرطٍ واحد، ألا وهو المساواة. وقد اكتسبت هذه القاعدة العامة مثلًا دارجًا، هو دليلٌ أكيد على ملاحظةٍ واسعة الانتشار، وهذا المثل هو: «الطيور على أشكالها تقع.»

    ممتاز. والآن، ما هو وضعنا فيما يخص قضية الجسر، مع قبول الافتراضات المذكورة أعلاه أو السماح بوضعها في الاعتبار؟

    نصل إلى الاستنتاج الآتي:

    تقود حالة الأجزاء المشوَّهة إلى الاعتقاد بأن القتلة رجالٌ تلقَّوا بعض التعليم.

  • (٢)

    أظهرت حالة نسيج لحم الأجزاء المشوَّهة أن القتل قد ارتُكب باستخدام السكين.

    كان من السهل التوصل إلى هذا الاستنتاج.

    لا حاجة لإطلاع الجمهور على أن الدم ينتقل عبر نظام الأوردة والشرايين بالكامل في حوالَي ثلاث دقائق، ولا أنه لا شيء سيمنع الدم من التخثر على الفور تقريبًا بمجرد خروجه من الأوردة. إن الحديث عن مجاري الدم هو كلامٌ سخيف.

    لذلك، إذا قُطِع شريان وظل القلب ينبض لمدة دقيقتين بعد حدوث الجرح، فسيُضَخ الدم تقريبًا إلى خارج الجسم، وسيصبح شكل اللحم، بعد الموت، مثل لحم العجل العادي أكثر من اللحم البقري العادي؛ إذ يمرُّ العجل بعملية نزيف مُشابهة، يستنفد فيها الجسم ما فيه من دماء.

    ما هي النتيجة التي يمكن استخلاصها من حقيقة أن الأشلاء كانت على الحال التي ظهرت عليها، وأن القتيل قد قُطِّع باستخدام السكين؟

    كان الاستنتاج الصحيح هو أنه قُتل على يد أجانب.

    يرجع ذلك إلى أنه إذا فحصنا مئات جرائم القتل المُتعاقبة التي ارتكبها إنجليز في إنجلترا، فسنجد أن نسبة الوفَيات الناجمة عن استخدام السكين قليلة جدًّا بحيث لا تكاد أن تُلحَظ؛ فأساليب القتل المتَّبَعة في إنجلترا هي الخنق والضرب والتسميم (بدرجةٍ أقل).

    يمكن إذن استنتاج أن جريمة القتل ارتُكبت على يد أجانب.

    أعلم أنه يمكن الجدال بشأن الاستنتاجين اللذين توصَّلت إليهما بالقول بأن رجالًا مُتعلمين وأمِّيين على حدٍّ سواء قد تورَّطوا في ارتكاب مثل هذا النوع من الجرائم، وثانيًا أن جرائم القتل بالسكين تُرتكَب في إنجلترا.

    ولكن في جميع الحالات الغامضة، إذا أمكن حلها أصلًا، يتعلق الأمر بقبول الاحتمالات باعتبارها حقائق مؤكدة، بقدر ما يتعلق بالتعامل معها.

  • (٣)

    كان ثَمة أدلةٌ أخرى غير الافتراضات تبيِّن أن رفات الجثة يخصُّ شخصًا أجنبيًّا.

    تنقسم هذه الأدلة إلى فرعين؛ الأول: يعتمد على أدلة عظام تجويف الحوض، أو عظام الورك، التي شكَّلت جزءًا من الأشلاء المقطعة؛ والثاني: يعتمد على دليل جلد الأشلاء المقطعة.

أولًا:

قد يُلاحظ أي شخص من ذوي الخبرة أنه يوجد اختلافٌ مميز بين الأجانب والإنجليز، وهو اختلاف يمكن تمييزه في أي يوم في منطقة «سوهو»؛ وهو أنه بينما عظام الحوض عند الأجانب تكون أعرض من تلك عند الإنجليز، إلا أن أكتاف الأجانب ليست عريضة كثيرًا كما هو الحال في الإنجليز؛ من ثَم يترتب على ذلك أنه بينما يبدو الأجانب عمومًا، بسبب التباين، أعرض عند الحوض من الكتفين، يبدو الإنجليز، في معظم الأحيان، أعرض عند الكتفين من الحوض.

يمكن ملاحظة هذا الاختلاف على نحوٍ أفضل عند المقارنة بين الجيشين الفرنسي والإنجليزي، أو الجيشين الألماني والإنجليزي. عندئذٍ ستجد الاختلاف واضحًا للغاية بحيث لا يقبل المناقشة.

الآن، هل كان ثَمة أي دليل في الأجزاء المقطعة يمكن أن تنطبق عليه هذه الحجة الخاصة بالمقارنة بين الجنسيات المختلفة؟

أجل.

لقد شهد الطبيب الذي فحص الأشلاء بأنها تخص رجلًا ضئيل البنية، ثم أتْبَع هذه الإفادة الرائعة بقوله إن عظام الحوض كانت كبيرة جدًّا.

يمكن الآن عرض الفرع الثاني من الأدلة، المتعلق بالجلد.

تابع التقرير ليُفيد أن الجلد كان مغطًّى بشعرٍ أسود طويل وقوي وناعم.

من اللافت للنظر هنا أن الجلد يعكس تلك المظاهر التي ترتبط عادةً بالقوة، في حين يوضِّح التقرير بلا ريبٍ أن الأشلاء كانت تخصُّ رجلًا ضئيل البنية.

يكتشف المفكرون العاديون للغاية على الفور أن تجربتهم تُنبئهم بأنه عادةً يمكن تمييز الرجال النحفاء الضعفاء البنية من خلال شعرهم الضعيف والخفيف. يدرك معظم الرجال على الفور قوة الوصف الشعري لقوة شمشون بأنها تكمن في شعره.

إذن، يوجد بكل تأكيد شيءٌ مُتناقض بين البنية النحيلة والشعر الأسود الطويل القوي، إذا استندنا إلى خبرتنا العادية، ولكن إن أخذنا خبرتنا إلى ما هو أبعد من نطاق المألوف، لو ذهبنا إلى مطعم فرنسي أو إيطالي في منطقة «سوهو» مثلًا، فسنجد أنه من النادر العثور على رجل يفتقر إلى شعر وجه قوي، وغالبًا ما يكون أسود اللون. ولا حاجة لإضافة أن نموَّ الشعر بكثافة على الوجه هو دليلٌ افتراضي على أنه ينمو بكثافة في باقي الجسم، باستثناء راحتَي اليدين وباطن القدمين. (وتجدر الإشارة هنا مرةً أخرى إلى أن الطبيب هو من أدلى بهذه الملاحظات الفسيولوجية).

والآن يستتبع هذا دليلٌ آخر معقَّد. ورد أن الشعر طويل وأسود وقوي؛ أي إنه أسود وكث وغير مجعَّد.

أي شخص رأى، بحكم تجربته الطبية، العديد من الإنجليز، سيُوافقني الرأي في أن شعر الجسم هنا في إنجلترا نادرًا ما يكون أسود، ونادرًا ما يكون طويلًا، ويميل عمومًا إلى أن يكون مجعَّدًا.

والآن، إذا ذهبت إلى المقاهي الفرنسية والإيطالية التي سبق الإشارة إليها، فستجد أن اللِّحى سوداء وقوية جدًّا، وكل شعرة فيها مستقيمة.

ومن ثَم فالاستنتاج الثالث هو أن:

عظام وجلد الأشلاء تُشير إلى أنها تخصُّ شخصًا أجنبيًّا وليس إنجليزيًّا.

ما تحمله الأشلاء من أدلة: ما تحمله الأشلاء من أدلة يُثبت جدليًّا أن القتيل كان أجنبيًّا مُتعلمًا، وأنه طُعن حتى الموت على يد شخص واحد أو أكثر من المتعلمين الأجانب.

والآن، ما الدليل الذي يمكن تقديمه لدعم هذه النظرية؟

حسنًا، يوجد الكثير من الأدلة.

أولًا: تُظهر الشكاوى التي قدَّمتها الحكومة الفرنسية إلى إنجلترا، ونتائج تلك الشكاوى، بوضوحٍ شديدٍ أن لندن هي مأوى العديد من الأجانب العازمين على الانتقال. في الواقع، كانت لندن دومًا، ولا مجال للشك في ذلك، هي الملاذ الآمن للاجئين الذين لا يمكن إخراجهم منه.

ومن هنا كانت لندن على الدوام مَعقل الأجانب الساخطين المنفيِّين.

ومن ثَم، إذا أمكن إثبات أن الأجانب الساخطين المنفيين يميلون إلى ارتكاب جرائم قتل، فيمكن إثبات أن لدينا هنا في لندن أجانب مستعدين للقتل.

تُظهر الخبرة أن ميل الأجانب الساخطين إلى الاغتيال هو مفهومٌ مشترك بينهم. لا حاجة للإشارة إلى محاولات اغتيال إمبراطور فرنسا، ولا إلى محاولات اغتيال والد ملك نابولي الراحل، ولا حاجة للإشارة إلى أنه في الحالات السالف ذِكرها كان القتَلة يعيشون في لندن، وأنهم قد شرعوا عمومًا في تنفيذ خُططهم من لندن. كل ما هو مطلوب أن تتحدث عن الطغيان مع أول عشرين أجنبيًّا قد تُقابلهم، سواء كانوا صالحين أو سيئين أو لا مُباليين، وستجد أن الفكرة المعتادة لديهم فيما يتعلق بمواجهة الطاغية هي اغتياله، وليس الإطاحة به بإرادة الشعب.

من المحتمل أن هذه النظرية هي النتيجة الطبيعية لغياب قوة التأثير في الناس، وهو ما نمتلكه نحن الإنجليز. إننا ننسب الفضل لأنفسنا في بُغْضنا لاغتيال الطغاة، ولكن لا ينبغي أن ننسى أبدًا أننا هنا لسنا بحاجة إلى الاغتيال؛ فإرادة الناس وحدها (عندما يُمارسونها) تكفي لتحريك أي معارضة.

بمجرد الاعتراف بالاغتيال كأداة مساعدة قيمة في تدمير الطغيان، سندرك استنتاجًا من ذلك قيمته العامة باعتباره وسيلةً لتحقيق العدالة والتحرر.

والآن طبِّق هذه الحجة على خيانة أحد أعضاء جمعية سرية، وستفهم اقتراح أن القتيل كان عضوًا في جمعيةٍ سياسيةٍ سرية، وأنه إما كان خائنًا، أو افتُرضت خيانته للجمعية السرية التي كان ينتمي إليها.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل توجد جمعياتٌ سريةٌ أجنبيةٌ قائمة في لندن؟

هل لها وجود في الخارج؟ بلا شك. حتى هنا في إنجلترا الحرة توجد عشرات الجمعيات السرية ذات الطابع الشبيه بالأخويات، مثل الماسونيين، وجمعية فورسترز، وجمعية «أود فيلوز» (الزملاء الغريبون) … إلخ.

وإذا كان للأجانب جمعياتٌ سرية في الخارج، على الرغم من وجود الشرطة، فلماذا لا يكون لها وجود هنا، حيث يتمتعون بحريةٍ تامة لتشكيل أكبر عدد ممكن من الجمعيات السرية كما يشاءون؟

من أين أتت الأموال التي جهَّزت العديد من الرجال المُفلسين وأرسلتهم إلى القارة الأوروبية لاغتيال هذا الملك أو ذاك؟

يُعتبر الاستنتاج بأن أعضاء المجتمعات السرية هم من يوفِّرون المال استنتاجًا جيدًا؛ فمن أين يمكن أن يحصلوا على المال بخلاف ذلك؟ المنفيُّون أنفسهم ليسوا أغنياء، ولكن إذا ادَّخر عشرون أستاذًا مقتصدًا جنيهين لكل واحد منهم، على مدى ستة أشهر، فسيكون لديهم أربعون جنيهًا ليستخدموها في أي غرض.

وهل يوجد أي دليل قوي آخر غير الأشلاء على أن القتيل كان أجنبيًّا؟ أجل، يوجد.

في المقام الأول، أظهرت حالة تلك الأشلاء أن الوفاة كانت منذ وقت قريب؛ لنقل إنها حدثت منذ يومين.

الآن، هل كان يوجد أي رجل مفقود خلال هذين اليومين يمكن الربط بينه وبين القتيل بأي شكل من الأشكال؟

إذا كان كذلك، فإنه لم تُقدَّم للشرطة أي عريضة تُفيد ذلك.

لو كان القتيل رجلًا إنجليزيًّا، ولم يكن كل من كانوا يعرفونه متورِّطين في مقتله (وهو افتراضٌ بعيد الاحتمال للغاية)، فيبدو واضحًا جدًّا أن اكتشاف وقوع جريمة القتل، استنادًا إلى ذلك، قد حدث بسرعةٍ شديدة، وأنه لا بد أن تكون الشرطة قد توصَّلت إلى بعض مفاتيح حل هذا اللغز.

لنفترض أنه لم يكن للرجل الإنجليزي المزعوم أي صلات في لندن (إذ يجب قبول أن جريمة القتل قد ارتُكبت في المدينة على أنه حقيقةٌ مؤكدة، فمن الصعب أن نفترض أن الرفات جُلِب إلى لندن لإخفائه)، وأنه إن لم يكن له أصدقاء، فلا بد أنه كان لديه خدم أو صاحبة منزل أو أرباب عمل. إن كان أيٌّ من هؤلاء موجودًا، فمن المؤكد أن الإعلان عن الجريمة كان سيتبعه بعض الاستفسار عن المسألة من قِبل بعض من هؤلاء الأشخاص.

ولكن أحدًا لم يستفسر عن شيء.

لم يُقدَّم للشرطة أي دليل يمكن ولو للحظةٍ واحدة اعتباره ذا قيمة، مع أنه ربما لا يكون من المبالغة القول إن كل شخص في لندن، بوسعه استيعاب هذه القضية، قد سمع بها وتحدَّث عنها في غضون أربع وعشرين ساعة من اكتشافها، وهذا بفضل قوة الصحافة وانتشارها (أشير على سبيل المثال إلى القضية الأخيرة الخاصة بتسميم زوجة وأطفال في عربة أجرة. اكتُشف الجاني خلال أربع وعشرين ساعة من نشر خبر الجريمة، ومن خلال عدة أشخاص ليسوا على صلة مطلقًا بالعائلة التي وقعت فيها الكارثة).

ولكن انظروا إلى أي مدًى سيتوافق هذا الغياب لأي استفسار عن المسألة هذا مع كَوْن القتيل لاجئًا أجنبيًّا يعيش في هذا البلد.

أولًا: يعيش هؤلاء اللاجئون معًا، ويدخلون بكل أريحية منازلَ بعضهم بعضًا، ويتزاورون كثيرًا وفي أغلب الأحيان، حتى إنه سيكون من شأن صاحبة المنزل الإنجليزية أن تُواجه بعض الصعوبة في تمييز من كان أو لم يكن مستأجرًا عندها. ومن المستبعد للغاية أن تلحظ السيدة غياب أجنبي كان يُقيم مع مُستأجرها الأجنبي لعدة أسابيع؛ ومن ثَم فيمكن بكل سهولة ألا يُثير غياب شخص، لا يمكن التعرف على مكانٍ محدد له، من أي مكان، أي شكوك.

ثم دعونا نرى كيف يتفق هذا الفقر المفترَض في العيش مع فكرة أن يخون لاجئٌ مجتمعه السري بدافع العَوز ليكسب رزقه عن طريق إفشاء أسراره لشرطة بلده الأم.

أو قد يكون، من الناحية الأخرى، جاسوسًا بالفعل لدى الشرطة، أرسلته حكومة بلده كي يلعب دور اللاجئ والرجل البائس الفقير، لتتوغل في خفايا المتآمرين على نحوٍ أفضل.

ثم لاحظوا كيف تُتجنَّب كل فرص التعرف على القتيل بغياب الرأس؛ فقد كان الغرض من التخلص من الأشلاء بربطها ورميها من فوق الجسر بحبل، هو أن يُلقى في صمتٍ عبء الحقيقة القبيحة لهذه الجريمة في نهر التايمز. لم تكن فكرة أن تستقرَّ الحقيبة على دعامة الجسر مطلقًا جزءًا من الإجراءات الاحترازية التي نفَّذها القتَلة بإتقان، ومع ذلك فقد ظهرت حاجتهم إلى ضرورة الحفاظ على السرية التامة في عملية إخفاء الرأس المُتقَنة.

وما الغرض من ذلك؟ ربما يكون الفاعلون الرئيسون في جريمة القتل متأكدين من أن الرأس قد دُمِّرت، أو يحتمل أن تُرسَل إلى رئيس الجمعية السرية لإثبات موت الخائن بما لا يدع مجالًا للشك.

ثَمة أمرٌ آخر من المهم للغاية وضعه في الاعتبار، وهو التحقق من سبب اتِّباع مثل هذه الوسائل للتخلص من الرفات. سيُلاحَظ أنه كان لا مفرَّ من تنفيذ العملية البغيضة المتمثلة في تقطيع الجثة، وأنه، من ثَم، كان لا بد من تنفيذ الفعل الخطير المتمثل في حمل حقيبة تضمُّ رفاتًا بشريًّا أو أخذه في عربة أجرة عبر الشوارع وصولًا إلى النهر، وأن ينفَّذ ذلك ليلًا على الرغم من شناعته لجميع الأطراف؛ فالشرطة تكون مُتنبهة على نحوٍ خاص إلى الاستفسار عن طبيعة الطرود والحقائب التي تُحمَل في هذا الوقت من اليوم. في كثير من الأحيان، ستتوقف الشرطة وتفحص بشكلٍ مسوَّغ الأغراضَ الثقيلة التي يحملها الناس في الشوارع أثناء الليل.

إن مواجهة كل هذه المخاطر الهائلة — ناهيك عن الخوف من حدوث ما قد يعطِّلهم أثناء الفعلة الأخيرة المتمثلة في إنزال الحقيبة المصنوعة من نسيج السجاد إلى النهر — تؤيد ضمنًا فرضية أن القتلة لم يتمكنوا من التخلص من الجسد بأي طريقة أخرى أقل خطورة.

ما هو الأسلوب الذي عادةً ما يتبعه القتلة لإخفاء أبشع الآثار لجرمهم المتمثلة في القتيل؟ عادةً ما يتبعون أبسط الأساليب وأسلمها؛ ألا وهو إخفاء الجثة تحت الأرض.

لن تكشف جثةٌ مدفونة على عمق عشرة أقدام تحت الأرض، حتى وإن كانت في قبوٍ مغلق لمنزل، السرَّ الخفي بأي صورة كانت، وكذا لن تُكتشَف الجثة المدفونة في الكلس الحي في ظل ظروف مُماثلة، حتى وإن كانت على عمق أربع أو ثلاث أقدام فقط تحت الأرض.

الدفن هو أنجع وأبسط طريقة للتخلص من جثة قتيل. إذن لماذا لم يدفن القتلة المذكورون الجثة، وبدلًا من ذلك خاضوا سلسلة من المخاطر المُخيفة التي أدَّت في النهاية إلى اكتشاف الرفات؟

الجواب واضح، وهو أنه لم يكن لديهم وسيلة للدفن. بعبارةٍ أخرى، إن جريمة القتل نُفِّذت في منزل لم يكن الطابق الأرضي فيه تحت سيطرتهم، فكان من المستحيل دفن الجثة؛ لذا كان لا بد من التخلص منها بطريقةٍ أخرى؛ ومن ثَم فالاستنتاج هو أن شاغل المنزل كان مُستأجرًا وليس مالكًا له.

والآن استعلم في منطقة سوهو وستجد أن اللاجئين نادرًا ما يصبحون أصحاب منازل. يحتمل أنه يحدوهم دائمًا الأمل في العودة إلى بلادهم، فربما لا يرغبون أبدًا في اتخاذ أي خطوة قد تبدو لهم كأنها محاولة للاستقرار في بلدٍ أجنبي؛ لذا سنجد أنهم يفضِّلون المساكن المستأجرة، وأن أصحاب المنازل في الشوارع التي يرتادها هذا النوع من الناس باستمرار هم إما من الإنجليز أو من الأجانب الذين لا ينتمون لفئة اللاجئين، مثل السويسريين (غالبًا)، والأشخاص من طبقة النوادل الذين دخلوا عالم إدارة الممتلكات الأجنبية باستخدام مدَّخَراتهم.

أدرك أن ثَمة اعتراضًا واحدًا جيدًا على هذا الجزء من خُطتي، وهي الملاحظة التي مفادها أن القتل ربما يكون قد ارتُكب في منزلٍ يسكنه القاتل أو أصدقاؤه، وأنه ربما لا يوجد فناء ملحق بالمنزل، أو يوجد فناء لكنه مكشوف للغاية، أو أن الطابق الأرضي كان مشاعًا أكثر من اللازم، ويُستخدم بكثرة بحيث لم يسمح ذلك بأي وقت لإزالة الألواح واستبدال الأرضية ودفن الجثة.

ومع ذلك، ألتمس منك مرةً أخرى أن تستحثَّ لديك تبنِّي عقيدة الاحتمالات. إن قبول النظرية القائلة بأنها كانت جريمة قتل ارتكبها أجانب، وعدم إنكار القول بأن اللاجئين الأجانب، بوجهٍ عام، نادرًا ما يصبحون أصحاب منازل، يؤدي إلى أن يكون الاحتمال الأرجح هو أن القتلة لم يكن لديهم أي أرض لدفن الجثة من الأساس، وليس أنه كان لديهم أرضٌ تحت سيطرتهم، ولكن الظروف منعتهم من استخدامها.

صحيحٌ أنه توجد نقطةٌ مُربِكة في حقيقة أن الجسر الذي اختير للتخلص من عبء جريمتهم لم يكن قريبًا للغاية من المنطقة التي يعيش فيها اللاجئون، كحال «الجسر المعلق» القريب. للوهلة الأولى، قد يبدو غريبًا أنهم لجئوا لمخاطرةٍ أطول بنقل الرفات إلى جسرٍ ليس هو الأقرب إلى مسرح الجريمة، ولكن يجب أن نتذكر أن الجسر المعلق لم يكن به تجاويف، في حين أن الجسر الفعلي المستخدم كان به الكثير منها؛ وبذلك كان الجسر المعلق مكشوفًا أكثر وأفضل إضاءة من الجسر الآخر. لا بد أن تؤخذ هذه الاقتراحات على عواهنها. إنني مستعدة للاعتراف بأنه لا يزال غريبًا أن تتمَّ محاولة التخلص من الجثة عند الجسر الأبعد، وأُقرُّ بأنه لا يبدو أن المزايا الواضحة لاختيار الجسر المستخدم، بدلًا من الجسر المعلق، تعوِّض عن تكبُّد تلك المخاطر الإضافية.

دع أولئك الذين يعترضون تمامًا على هذه النظرية بأكملها، يقدِّمون تفسيرًا للغزٍ لم يتم حله مطلقًا؛ دعهم يستفيدون أقصى استفادة من نقطة ضعف.

يبدو لي أن الاحتمال المقبول هو أن القتيل كان جاسوسًا وسط رجال، بتمسكهم بنظرية عدالة الاغتيال، قد أدركوا بالضرورة قيمتها فيما يتعلق بجاسوسٍ يعمل لصالح طاغية. وعلاوةً على ذلك، لكي أستوفي الآن أمر الجواسيس، لن يميل إلا قلة من الناس إلى إنكار أنه دائمًا ما يُتعامَل بصرامةٍ شديدة مع الجاسوس، مهما كان الشكل الذي يتخذه.

إن الافتراض الذي قبِلناه من قبلُ بأن القتلة لم يتمكنوا من دفن الجثة، يستتبعه نتيجةٌ شِبه طبيعية هي استخدام نهر التايمز لإخفائها؛ لذا تبدو فكرة إخفاء الجثة تحت الماء، عندما لا يكون ممكنًا استخدام الأرض لإخفائها، فكرةً طبيعية للغاية؛ فما هي الطريقة الأخرى التي يمكن التخلص بها من الجثة بسهولة؟

لقد وفَّر نهر التايمز السرية، أما مخاطر نقل الجثة فكان من الممكن التغلب عليها. وكانت وسيلة الإخفاء هذه، مع ما اشتملت عليه من مخاطر على القائمين على الأمر، أفضل بكثير من ترك الرفات في الشارع؛ وهو أسلوبٌ لن يتَّبعه إلا مجنون (اتُّبع هذا الأسلوب منذ بضعة أشهر مع العديد من الأطفال الذين وُلِدوا أمواتًا. جرت التحقيقات، وتبيَّن أن مرتكب هذا الأسلوب المكشوف للتخلص من الرفات البشري كان طبيبًا عانى كثيرًا من مرض الهذيان الارتعاشي لدرجة أنه يمكن أن يقال عنه إنه مجنون).

لو لم تستقرَّ الحقيبة على دعامة الجسر، فمن المؤكد أنه ما كان أي ملمح يخص الجريمة سيخرج للعلن على الإطلاق. قد يكون شخصان أو أكثر مُتورطين في هذه الجريمة، لكنهم التزموا جميعًا الكتمان التام. يستحيل التكهن بما إذا كان هذا الصمت نتيجةً لانتمائهم لأخويةٍ ما أو بداعي الخوف، ولكنه ربما يكون بسبب الخوف. إن نجاح هذه الجريمة من شأنه أن يُخيف أي عضو في مجتمعٍ سري فكَّر في خيانة رفاقه.

لا يتبقى إلى جانب ما سبق أن عرضته على القارئ، سوى إضافة حقيقتين تستدعيان القليل من التعليق أو لا تستدعيان أي تعليق:

  • (١)

    لاحَظ محصِّل الرسوم عند أحد طرفَي الجسر أن الحقيبة كانت ثقيلة الوزن عندما رفعها فوق حاجز بوابة الرسوم أثناء الليل.

  • (٢)

    وذكر أنه فعل هذا المعروف لامرأةٍ ظن بعد ذلك أنها لا بد كانت رجلًا يرتدي ثيابًا نسائية.

لا أرى أي قيمة لهذا الدليل.

  • (١)

    لم يكن التعرف على الحقيبة أمرًا ذا قيمة.

  • (٢)

    لا يبدو أن الرجل لاحَظ أي شيء غريب في حامل الحقيبة إلا بعد اكتشافها على دعامة الجسر؛ ولذلك فشهادته غير موثوق فيها.

كل ما يتعين أن أفعله الآن هو صياغة النتيجة التي استخلصتها من الدليل النظري أعلاه.

يمكن وضع النتيجة قيد البحث كالآتي:

الاستنتاج: أن رجلًا أجنبيًّا راشدًا، ولكنه ليس كهلًا، قُتِل طعنًا بأيدي أعضاء ينتمون إلى جمعيةٍ سريةٍ أجنبية تضمُّ رجالًا مُتعلمين كان قد خانهم. إن جريمة القتل هذه ارتكبها مُستأجرون، وعلى الأرجح في طابقٍ آخر غير الطابق السفلي، وفي منزلٍ يقع في منطقة سوهو.

ها قد وُضِعت نسخة من هذا البيان بين يدَي القارئ، ولكن نسخة مختصرة وتقنية إلى حد ما قُدِّمت إلى السلطات، ولكن بقدر ما تمكَّنت من معرفته لم يُقبَل البيان أبدًا على أن له أي قيمة.

لقد باء التحقيق بالفشل، كما يعرف العالم كله.

لا عجب في ذلك.

تُرِك الأمر في يد الشرطة الإنجليزية، التي شرعت في عملها وفقًا لقواعدها التقليدية، ومن الواضح أنه إذا كان من ارتكبوا جريمة القتل من الأجانب، وأنهم ارتكبوها في حيٍّ أجنبي، فإنه توجد فرصةٌ ضئيلة لاكتشاف الأمر.

أعتقد أن الحجة الأساسية التي أُخذت ضِدي في الوقت الذي أرسلت فيه تقريري كانت على النحو الآتي: إذا كانت افتراضاتي القائلة بأن القتيل كان جاسوسًا لحساب جهاز شرطة أجنبي صحيحة، فإن الدعاية التي حظي بها خبر اكتشاف الرفات كانت ستؤدي إلى اتصالٍ عاجل أو آجل من مدير شرطة أجنبي يُفيد بوجود ضابط مفقود.

لم أرد على الاعتراض، ولكن كان بإمكاني أن أقول، مثلًا، إن الشرطة الفرنسية لا ترغب على الإطلاق في الإعلان عن أعمالها، وإن مدير الشرطة الفرنسية يفضِّل أن يخسر رجلًا، وأن يُضيِّع فرصة القصاص من المجرمين، على أن يخدم العدالة بالإقرار بأن جاسوسًا سياسيًّا فرنسيًّا كان في لندن.

إن صمت مُديري الشرطة الأوروبية في ذلك الوقت لا يمكن قبوله بأي حال من الأحوال دليلًا على أنهم لم يفقدوا مسئولًا كان قد أُرسلَ إلى إنجلترا.

لقد فشلت القضية فشلًا ذريعًا.

ولم يكن من الممكن أن يحدث خلاف ذلك.

كيف يمكن للشرطة الفرنسية أن تنجح، إذا شرعت في العمل في منطقة «بيثنال جرين» للقبض على قاتلٍ إنجليزي؟

كانت ستفشل هي الأخرى فشلًا ذريعًا.

لا يوجد شك في ذلك، ولأولئك الذين لديهم أي معرفة بنظام الشرطة الإنجليزية، والذين يختارون أن يكونوا صريحين في ذلك، أقول إن الأمر يتطلب إدخال المزيد من أعمال الذكاء. إن الكثير من رجال الشرطة يتمتعون بذكاءٍ استثنائي، ولديهم القدرة على اغتنام الحقائق بمجرد ظهورها، لكنهم غير قادرين على اكتشاف ما يجري في الخفاء. إنهم يعملون على نحوٍ جيد في النور، ولكن عندما يكونون في الظلام لا يكون أمامهم خيارٌ سوى تحسُّس طريقهم على غير هدًى.

لو كانت قد أُجريت تحرِّيات حول مساكن الإيجار الأجنبية، التي يرتادها عددٌ كبير من الأجانب، ولو كانت قد أُجريت بضع عمليات تفتيش قانونية تمامًا، فربما كان ذلك سيؤدي إلى اكتشاف أرضية جديدة ملطَّخة بالدماء؛ فكما هو واضح، إن كان الجاسوس قد سقط أرضًا بعدما طُعن من الخلف، فلا بد أن دمه قد سال على الأرض وكتب قصته عليها.

لا بد أن بُقَع الدم هذه ما زالت موجودة لو لم يُحرَق المنزل الذي وقعت فيه جريمة القتل على بكرة أبيه، ولكنني أشكُّ في أن تُجري الشرطة فحصًا بشأنها في هذا الوقت أو في أي وقت آخر، بحكم أن الجريمة قد ارتُكبت منذ وقت طويل.

تُظهر الخبرة أن فرص اكتشاف جريمة قتل تتناسب عكسيًّا مع زمن وقوعها. يمكن القول تقريبًا إنه إذا يُمسَك بأي خيط في غضون أسبوع من اكتشاف جريمة، تقل فرص تعقُّب المجرم يومًا بعد يوم حتى تتضاءل تمامًا.

دعونا لا نفترض أنني أدعو إلى إحداث أي تغيير غير دستوري في نظام المباحث، بل إنني، على العكس تمامًا، متأكدةٌ تمام التأكد من أن أي إعادة هيكلة غير دستورية لتلك القوة لن تقوى على الاستمرار لأي فترة من الزمن، كما ثبت من الاعتراض البرلماني الأخير ضد تجاوز الشرطة غير المقبول لواجبها، الذي سبق أن أشرت إليه.

حُجتي التي أقدِّمها هنا هي أنه لا بد من إدخال المزيد من الذكاء في عمل نظام الشرطة، وأنه من المستحيل أن يتطابق الروتين دائمًا مع جميع أشكال الجريمة، وأخيرًا أنه لا بد من اتخاذ الوسائل اللازمة لتجنُّب أكبر قدر ممكن من الفشل الذي تتكبَّده سلطات الشرطة السرية، والذي يمكن توثيقه علنًا.

لنأخذ في الاعتبار القضية التي ذكرتها.

ما هي الأدلة التي قرأها الجمهور أو عرفها لإثبات أنه قد اتخذت أي تدابير أخرى غير التدابير العادية لحل لغز جريمة استثنائية؟

من الواضح أنه في حين أن التدابير العادية فقط هي ما يُطبَّق للكشف عن الجرائم غير العادية، تُمنَح مكافأة الإفلات من العقاب إلى مُرتكبي الجريمة السالفة الذِّكر، وهي مكافأة مسروقة كما يمكن أن تكون في كثير من الأحيان. أيًّا كان الأمر فمن المؤكد أن لغز الجسر لم يُحَل أبدًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١