الفصل السادس

الديناميكا الحرارية للطاقة الشمسية

الديناميكا الحرارية فرع من الفيزياء يسعى إلى دراسة الطاقة وتحويلها، وقد ظهر في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في محاولة للوصول إلى فهم أفضل للمبادئ الأساسية للمحرك الحراري، الذي يحول الطاقة الحرارية إلى طاقة ميكانيكية، مثل المحرك البخاري ومحرك الاحتراق الداخلي. وفي منتصف القرن التاسع عشر، تطورت الديناميكا الحرارية لتصبح نظامًا متناسقًا على نحو منطقي يقوم على عدد من البديهيات، أو القوانين، التي يمكن استنتاج النظرية بأكملها منها. وفي القرن العشرين، امتدت النظرية إلى التبريد والمِضخَّات الحرارية وأشكال الطاقة الأخرى، مثل الطاقة الكهربية والمغناطيسية والمرنة والكيميائية والكهروكيميائية والنووية. وفي صميم تلك النظرية القانون الأول للديناميكا الحرارية الخاص بحفظ الطاقة والقانون الثاني للديناميكا الحرارية الخاص بتحويل الطاقة الحرارية لأنواع أخرى من الطاقة. في العديد من المراجع الخاصة بالديناميكا الحرارية، هناك أيضًا قانون صفري وقانون ثالث. القانون الصفري هو تعريف بديهي لدرجة الحرارة، أما القانون الثالث، فله استخدامات محدودة، أغلبها ليس له علاقة بدراسة الطاقة الشمسية. إن نظرية الديناميكا الحرارية ميكروسكوبية أو عيانية بطبيعتها؛ أي تتعامل على نحو مباشر مع كميات فيزيائية قابلة للقياس. أما النظرية الميكروسكوبية المقابلة فهي الفيزياء الإحصائية، حيث تُشتق قوانين الديناميكا الحرارية من منظور ذري.

في هذا الفصل، سنعرض المفاهيم الأساسية للديناميكا الحرارية الضرورية لفهم الطاقة الشمسية. يمكن إيجاد المفاهيم الكاملة للديناميكا الحرارية، بما في ذلك تفاصيل القانون الثالث الخاصة بها، في المراجع القياسية.

(١) التعريفات

في هذا القسم، سنقدِّم عدة تعريفات أساسية. يُطلَق على موضوع الدراسة في الديناميكا الحرارية النظام. والنظام القياسي هو جسم منتظم من المادة بحدود معرفة بدقة، مثل قطعة من مادة صلبة أو كمية من مادة سائلة أو وحدة من الغاز أو طبقة سطح. تُسمى الأجسام المادية التي توجد خارج حدود النظام الوسط المحيط. وتمثل حالة أي نظامٍ مجموعَ خواصه العيانية. وهناك نوعان من الكميات الفيزيائية في الديناميكا الحرارية، وهما: الكمية الشاملة والكمية المركزة. تتناسب الكمية الشاملة مع حجم أو كتلة النظام، وهي كمية تراكمية مثل الكتلة أو الحجم أو الطاقة أو القصور الحراري. أما الكميات المركزة، فهي مستقلَّة عن حجم أو كتلة النظام وليست كميات تراكمية مثل درجة الحرارة أو الكثافة أو الضغط أو القيم المحددة للكميات الشاملة مثل كثافة الطاقة. ويمكن ربطُ أيِّ نظامٍ ديناميكي حراريٍّ بالوسط المحيط أو عزله عنه. ولا يوجد تبادلٌ للحرارة أو الشغل فيما بين النظام المعزول ووسطه المحيط. ويمكن أن تمرَّ حالة أي نظام عبر عملية تتغيَّر فيها على الأقل واحدة من الكميات الفيزيائية عبر الوقت. هناك عمليتان أساسيتان؛ هما: العملية الأيزوثرمية، حيث لا تتغيَّر درجة حرارة النظام؛ والعملية الأديباتاية، حيث لا يوجد تغيُّرٌ في الحرارة بين النظام ووسطه المحيط.

إن أي كمية متناهية الصغر من «الشغل»، ، هي حاصل ضرب القوة المؤثِّرة في حدود النظام في المسافة التي يتحرَّكها النظام في اتجاه القوة، ولأن القوة نتاج حاصل ضرب الضغط في المساحة ، فمن المناسب أن نعبر عن الشغل كما يلي:
(6-1)
بحيث هو التغير المتناهي الصغر في حجم النظام. إن ظهور علامة السالب يحدث لأن الضغط عندما يكون موجبًا، فإن القوة تكون في اتجاه ما داخل النظام، وعندما يمتد النظام بفعل ضغط موجب، فإنه يبذل شغلًا على الوسط المحيط، وهكذا يكون إجمالي الشغل أثناء عملية من الحالة 1 للحالة 2:
(6-2)
إن «الحرارة» هي الطاقة المنتقلة للنظام عبر الحدود بدون تحريك السطح. وإذا كانت درجة حرارة الوسط المحيط أعلى من تلك الخاصة بالنظام، فتنتقل الحرارة إلى النظام، والتي تكون موجبة. على نحو مماثل، يكون إجمالي الحرارة المنتقلة للنظام أثناء عملية من الحالة 1 للحالة 2 هي:
(6-3)

تُحدَّد «درجة الحرارة» من خلال القانون الصفري للديناميكا الحرارية، الذي ينص على ما يلي:

عندما يكون هناك نظامان في توازن ديناميكي حراري مع نظام ثالث، فإن النظامين يكونان في توازن ديناميكي حراري كل منهما مع الآخر، ويكون للنظم الثلاثة درجة الحرارة نفسها.

يخبرنا هذا القانون بكيفية مقارنة درجة الحرارة، لكنه لا يُعرِّف مقياسها. في الديناميكا الحرارية، هناك تعريفان منفصلان لدرجة الحرارة: الأول قدمه اللورد كلفن اعتمادًا على دورة كارنو، الذي يحمل اسمه (انظر الفصل الثاني – قسم (٣-٢)). ويعتمد الثاني على خواص الغاز المثالي (انظر الفصل الثاني – قسم (٥-١)). التعريفان متكافئان عبر مضاعف ثابت.

(٢) القانون الأول للديناميكا الحرارية

ينص القانون الأول للديناميكا الحرارية على أن الطاقة يمكن أن تتحول من شكل إلى آخر لكنها لا يمكن أبدًا أن تفنى أو تُستحدث من عدم. فيما يلي صياغة موجزة له:

من المستحيل بناء حركة دائمة تولِّد طاقةً من عدم.

هذا القانون ليس بأي حال من الأحوال بسيطًا إذا ما نظرنا للحقيقة التي تقول إن سنويًّا، وفي عصر التقنيات المتقدمة، ما زالت مكاتب براءة الاختراع في كل دول العالم تستقبل طلبات براءات اختراع عديدة خاصة بتطبيقات متعلقة بالحركة الدائمة. وبالبحث عبر جوجل عن الحركة الدائمة، ستندهش بالتصميمات الجديدة العجيبة المتعلقة بها والمُقدمة من مخترعين شديدي الطموح.

في سيرة ماكس بلانك الذاتية، وصف كيف أن مدرسه في الفيزياء علمه مفهوم الطاقة. قال له تخيَّل أن عامل بناء رفع قالب طوب ووضعه بأعلى البناء، إن شغله زاد من طاقة القالب، لكن الزيادة في الطاقة كانت في شكل طاقة وضع كامنة وليست واضحة، في أحد الأيام، سقط قالب الطوب من أعلى البناء، وقبل أن يصل إلى الأرض بقليل، تحرَّك على نحو سريع، بطاقةٍ حركيةٍ واضحة، وفي النهاية، اصطدم بالأرض وحول الطاقة إلى حرارة. في الخطوة الأولى، قام عامل البناء بالشغل كما يلي:

(6-4)
بحيث هي كتلة قالب الطوب، و هو تسارع الجاذبية. وتساوي قوة الجاذبية حاصل ضرب في . و هو الارتفاع أو المسافة بطول اتجاه القوة الذي يتحرك فيه قالب الطوب. وتساوي الزيادة في طاقة الوضع الشغل المبذول على النظام:
(6-5)
وقبل اصطدام القالب بالأرض مباشرةً، تكون سرعته كما يلي:
(6-6)

والذي يُحقق قانون حفظ الطاقة:

(6-7)
إن وحدة قياس الطاقة هي حاصل ضرب وحدة قياس القوة؛ النيوتن، ووحدة قياس الطول؛ المتر. وسُمِّيت وَحْدة قياس الطاقة، نيوتن-متر، أو جول، على اسم الفيزيائي الإنجليزي جيمس بريسكوت جول، الذي قام بأول تجربة أثبتتْ وجود تكافؤ بين الطاقة الميكانيكية والحرارة في عام 1844. ويعرض الشكل ٦-١ مخطَّطًا لتجربة جول.
fig76
شكل ٦-١: تجربة جول. تُوضع عجلة ببدال (1) داخل برميل معزول (2) ممتلئ بالماء (3). وتُقاس درجة الحرارة باستخدام ترمومتر (4). تُدار العجلة عبر عمود دوران (5) وبكرة (6) من قبل وزن هابط (7). ويُقاس ارتفاع الوزن باستخدام مسطرة (8). وبعد ضبط العجلة بحيث تتحرك، تتحول الطاقة الميكانيكية إلى حرارة تُقاس باستخدام الترمومتر.
في تجربة جول، في البداية، يُوضع الوزن على مسافة محددة مسبقًا من وضعه المتوازن. وتُقاس درجة الحرارة الأولية للماء، . ثم بعد ضبط الوزن بحيث يتحرك والانتظار حتى نهاية الحركة، تُقاس درجة الحرارة النهائية للماء الموجود في البرميل، . تكون الحرارة المولدة من خلال الاضطراب الميكانيكي هي:
(6-8)
إذا كانت هي كتلة الماء بالجرام، فإن الحرارة تكون بالكالوري. والمكافئ الميكانيكي لكالوري واحد من الحرارة الذي وجده جول هو 4.159J/cal، وهو قريب جدًّا من النتيجة التي توصلت إليها القياسات الحديثة. ونتيجة لتكافؤ الشغل الميكانيكي والحرارة، تكون الزيادة في طاقة أي نظام حاصل جمع الشغل الميكانيكي والحرارة:
(6-9)
يمكن كذلك أن تنتقل الطاقة في شكل حرارة. فبدفع النظامين بسعة حرارية و بدرجتي حرارة و للاحتكاك، كما هو موضح في الشكل ٦-٥، تنتقل الحرارة من النظام الأسخن للنظام الأبرد. وبافتراض أن السعة الحرارية لكلا النظامين ثابتة؛ أي، منفصلة عن درجة الحرارة داخل نطاق درجة الحرارة محل الاهتمام، ففي النهاية تصبح درجة الحرارة قيمة واحدة وهي :
(6-10)

إن الطاقة المنتقلة من نظام لآخر هي:

(6-11)

في تجربة جول، يتحوَّل الشغل الميكانيكي إلى حرارة، لكن لا توجد طريقة بسيطة لتحويل الحرارة مرة ثانية إلى شغل ميكانيكي. وفي حالة انتقال الحرارة، يمكن أن تنتقل الحرارة تلقائيًّا من نظام بدرجة حرارة أعلى إلى آخر بدرجة حرارة أقل، لكن لا يمكن أن تنتقلَ تلقائيًّا من نظام بدرجة حرارة أقل لآخر بدرجة حرارة أعلى من دون بذل شغل ميكانيكي. أدَّت تلك الملاحظات لظهور القانون الثاني للديناميكا الحراري.

(٣) القانون الثاني للديناميكا الحرارية

هناك طرق عديدة للتعبير عن القانون الثاني للديناميكا الحرارية. ويمكن إثبات أن كل تلك الطرق متكافئة. فيما يلي صياغة موجزة له، مماثلة لتلك الخاصة بكلفن وبلانك:

من المستحيل بناء آلة تحول الحرارة إلى شغل ميكانيكي من مصدر واحد للحرارة.

لأن الحرارة في المحيط لا محدودة، إذا أمكن إيجاد «حركة دائمة من النوع الثاني»، فلن تضطر البشرية أبدًا للقلق بشأن الطاقة. وهناك صياغة أخرى للقانون، قدمها كلاوزيوس، وهي:

من المستحيل أن تنتقل الحرارة من خزان بدرجة حرارة أقل لآخر بدرجة حرارة أعلى دون بذل شغل ميكانيكي.

في واقع الأمر، إذا أمكن بناء آلة تنقل الحرارة من خزان بارد لآخر ساخن دون بذل طاقة ميكانيكية خارجية، فسيستطيع الجميع على الأرض الاستمتاع بتبريد وتدفئة مجانيَّين.

(٣-١) دورة كارنو

يمكن فهم روح القانون الثاني للديناميكا الحرارية على أفضل نحو من خلال دورة كارنو، التي اقترحها سادي كارنو في عام 1824 في إطار السعي للوصول إلى الكفاءة القصوى للمحركات الحرارية [1]. ويظهر مخطط لتلك الدورة في الشكل ٦-٢. ويتكون المحرك من خزانَيْن حراريَّيْن وأسطوانة بمِكْبَس ممتلئة بقدر من الغاز العامل باعتباره النظام الديناميكي الحراري.
fig77
شكل ٦-٢: دورة كارنو: النظام الديناميكي الحراري هو كمية من الغاز محصورة في أسطوانة بمكبس، ويتكون من أربع عمليات قابلة للعكس: (1) عملية تمدُّد أيزوثرمي عند درجة حرارة ؛ مما يؤدي إلى كسب حرارة من الخزان الساخن. (2) عملية تمدُّد أديباتاي لتقليل درجة الحرارة إلى . (3) عملية انضغاط أيزوثرمي عند درجة حرارة ؛ مما يؤدي إلى إصدار حرارة للخزان البارد. (4) عملية انضغاط أديباتاي لرفع درجة الحرارة إلى . ويُبذل إجمالي شغل ميكانيكي على الوسط المحيط.
تعد دورة كارنو نموذجًا مثاليًّا لمحرك حراري يولِّد شغلًا ميكانيكيًّا بنقل الحرارة من خزان ساخن بدرجة حرارة لخزان بارد بدرجة حرارة . وتتكوَّن أي دورة كاملة من أربع عمليات؛ أولًا: هناك احتكاك بين النظام والخزان الساخن، مما يؤدي إلى عملية تمدد أيزوثرمي. ويكسب النظام، الذي دائمًا بدرجة حرارة ، حرارة من الخزان الساخن. ثانيًا: يكون النظام معزولًا عن الخزان ويتعرَّض لعملية تمدُّد أديباتاي. وبدون حدوث انتقال للحرارة، تقل درجة حرارة النظام إلى . ثالثًا: هناك احتكاك بين النظام والخزان البارد، مما يؤدي إلى عملية انضغاط أيزوثرمي. يصدر النظام، الذي دائمًا بدرجة حرارة ، حرارة للخزان البارد. رابعًا: يكون النظام معزولًا عن الخزان ويتعرض لعملية انضغاط أديباتاي. وبدون حدوث انتقال للحرارة، ترتفع درجة حرارة النظام إلى . يُبذل إجمالي شغل ميكانيكي على الوسط المحيط. ويتطلَّب القانون الأول للديناميكا الحرارية ما يلي:
(6-12)
تُعرف كفاءة أي محرك حراري بأنها نسبة الشغل الميكانيكي على الطاقة الحرارية من الخزان الساخن، :
(6-13)
هناك افتراض أساسي لدورة كارنو وهو أن العمليات تكون «قابلة للعكس»؛ فيمكن تشغيل دورة كارنو الموضحة في الشكل ٦-٢ كمبرد أو مِضخَّة حرارية؛ انظر الشكل ٦-٣. وينقل النظام الديناميكي الحراري — وهو قدر من الغاز محصور في أسطوانة بمكبس — الحرارة من خزان بارد لخزان ساخن ببذل بعض الشغل الميكانيكي. والعمليات الأربعة هي كالتالي؛ أولًا: يحتكُّ النظام بالخزان البارد، ويتعرَّض لعملية «تمدد أيزوثرمي». ويكسب النظام، الذي دائمًا بدرجة حرارة ، الحرارة من الخزان البارد. ثانيًا: يكون النظام معزولًا عن الخزان ويتعرَّض لعملية «انضغاط أديباتاي». وبدون حدوث انتقال للحرارة، ترتفع درجة حرارة النظام إلى . ثالثًا: هناك احتكاك بين النظام والخزان الساخن، مما يؤدي إلى عملية «انضغاط أيزوثرمي». يطلق النظام، الذي دائمًا بدرجة حرارة ، الحرارة للخزان الساخن. رابعًا: يكون النظام معزولًا عن الخزان ويتعرض لعملية «تمدد أديباتاي». وبدون انتقال للحرارة، تنخفض درجة حرارة النظام إلى .
fig78
شكل ٦-٣: دورة كارنو العكسية. هذا تمثيل مثالي لمبرد أو مِضخَّة حرارية تتكون من أربع عمليات: (1) عملية تمدد أيزوثرمي عند درجة حرارة ، مما يؤدي إلى كسب حرارة من الخزان البارد. (2) عملية انضغاط أديباتاي لرفع درجة الحرارة إلى . (3) عملية انضغاط أيزوثرمي عند درجة حرارة ، مما يؤدي إلى إصدار حرارة للخزان الساخن. (4) عملية تمدد أديباتاي لتقليل درجة الحرارة إلى . وهناك حاجة لبذل إجمالي شغل ميكانيكي E لإتمام عملية الانتقال.

لأن دورة كارنو قابلة للعكس، فإن آلة كارنو نفسها يمكن أن تعمل بمنزلة محرك حراري أو مِضخَّة حرارية (أو على نحو مقابل، مبرد). ولتلك الحقيقة نتيجة ذات تأثير كبير، وهي أن كفاءة كل دورات كارنو تعتمد فقط على درجة حرارة الخزانين الحراريين:

(6-14)
يعتمد الإثبات العبقري، الذي قدمه سادي كارنو في عام 1824، على حجة منطقية نوجزها فيما يلي: إذا كان لآلتي كارنو كفاءة مختلفة، فيمكن استخدام الآلة ذات الكفاءة الأعلى كمحرك حراري والآلة ذات الكفاءة الأقل كمِضخَّة حرارية. وهكذا، ستتعارض الآلة المجمعة مع القانون الثاني للديناميكا الحرارية. وهناك إثباتان بديلان فيما يتعلَّق بالصياغتين الخاصتين بهذا القانون.

ينص الإثبات الأول على ما يلي: مع وجود نفس كمية الحرارة من الخزان الساخن، يمكن للمحرك الحراري هذا أن يُولد شغلًا أكبر من المطلوب لضخ الحرارة من الخزان البارد لاستعادة الحرارة الداخلة ثانيةً للخزان الساخن؛ من ثَم فإن الآلة المجمعة يمكنها تحويل الحرارة إلى شغل ميكانيكي من خزان حراري واحد، وهو «حركة دائمة من النوع الثاني». وهكذا، فهي تتعارض مع صياغة كلفن وبلانك للقانون الثاني للديناميكا الحرارية.

أما عن الإثبات الآخر، فهو كما يلي: باستخدام كل الشغل الميكانيكي المولد من خلال الحرارة من الخزان الساخن باستخدام الآلة الأكثر كفاءة، يمكن توليد حرارةٍ أعلى من لتعود للخزان الساخن، وتستطيع الآلة المجمعة نقل الحرارة من الخزان البارد للخزان الساخن دون الحاجة لشغل ميكانيكي خارجي. وهكذا، فهي تتعارض مع صياغة كلاوزيوس للقانون الثاني للديناميكا الحرارية. ونتائج التحليل المعتمد على دورة كارنو بسيطة ولكنها بعيدة الأثر؛ تتحدد كفاءة أي دورة كارنو قابلة للعكس، بغض النظر عن طبيعة العملية وطبيعة المادة، على نحو فريد من خلال درجتي الحرارة؛ درجة حرارة الخزان الساخن ودرجة حرارة الخزان البارد. وقد شجعت عمومية دورة كارنو وليم طومسون (اللورد كلفن) على تعريف مقياس درجة الحرارة الديناميكية الحرارية.

(٣-٢) درجة الحرارة الديناميكية الحرارية

في الفصل الثاني – قسم (١)، عُرف شرط تعادل درجة الحرارة، لكن «مقياس» درجة الحرارة لم يُعرَّف بعد. واعتمادًا على نظرية دورة كارنو، عرَّف وليم طومسون (اللورد كلفن) درجة الحرارة الديناميكية الحرارية، والمعروفة أيضًا بدرجة الحرارة المطلقة أو مقياس درجة حرارة كلفن [2] (K).

بالنسبة لدورات كارنو القابلة للعكس، تُعرَّف الكفاءة كما يلي:

(6-15)
والآن، انظر لنسبة و . فإذا كانت درجة حرارة الخزان الساخن تساوي تلك الخاصة بالخزان البارد، فلا يمكن توليد أي شغل ميكانيكي. من ثَم، فإن تساوي . بعبارة أخرى:
(6-16)

من الواضح أن مقياس درجة الحرارة يجب أيضًا أن يُحقق ما يلي:

(6-17)
وأبسط مقياس لدرجة الحرارة يحقِّق هذيْنِ المعيارين، وهذا المقياس اقترحه اللورد كلفن في عام 1848، هو [2]:
(6-18)
أثبت اللورد كلفن أن مقياس درجة الحرارة المطلق هذا مكافئ لمقياس درجة الحرارة المعتمد على خواص الغاز المثالي [2]. وتتطابق أيضًا درجة حرارة كلفن مع درجة الحرارة في الفيزياء الإحصائية التي اقترحها ماكسويل وبولتزمان؛ انظر ملحق د.
فيما يتعلَّق بمقياس درجة حرارة كلفن، تكون كفاءة أي دورة كارنو قابلة للعكس (انظر معادلة 6-15):
(6-19)
وهي أقصى كفاءة يمكن أن يحققها أي محرك حراري، وعادةً يُطلق عليها كفاءة كارنو. كما هو واضح، كلما قلت درجة الحرارة ، زادت الكفاءة. ويمكن أن تكون الكفاءة قريبة على نحو زائف من 1 إذا كانت قليلة على نحو كافٍ، لكن لا يمكن أن تساوي كفاءة أي محرك حراري 1؛ وإلا، فسيكون هناك انتهاك للقانون الثاني للديناميكا الحرارية، وعلى الرغم من أنه لا يمكن الوصول إلى كلفن قيمته صفر، فيمكننا شكليًّا تعريفُ درجة الحرارة الصفرية المطلقة من خلال ما يلي:
(6-20)
يُعرَّف مقياس درجة الحرارة المئوية أو السيليزية باعتباره مقياس كلفن معدلًا، مع تحديد النقطة الثلاثية للماء (الحالة التي يتواجد فيها الطور الصلب والسائل والغازي معًا في توازن) لتكون 0.01 درجة مئوية. وعلى المقياس المئوي، وُجد تجريبيًّا أن نقطة غليان الماء هي 100 درجة مئوية. وهذا التعريف يُثبت أيضًا المعامل الثابت في مقياس كلفن، والعلاقة بين مقياس كلفن والمقياس المئوي هي:
(6-21)

(٣-٣) القصور الحراري

يمكن إعادة كتابة المعادلة 6-18 كما يلي:
(6-22)
التي لها أهمية كبيرة. في واقع الأمر، يمكن تعميم معادلة 6-22 لأي عدد من الخطوات في الدورة، بحيث تنتقل في كل خطوة حرارة متناهية الصغر . وبالنسبة لدورة قابلة للعكس، يكون التكامل الدوري صفرًا:
(6-23)

لذا، يمكن تعريف «دالة حالة» أحادية القيمة كما يلي:

(6-24)
تُسمى تلك الدالة، التي تلعب دورًا محوريًّا في الديناميكا الحرارية، ﺑ «القصور الحراري». لكن الحرارة ليست دالة حالة لأن التكامل الدوري ﻟ ليس، بوجه عام، صفرًا. ويمكن أن تكون لكل حالة للنظام قيم متعددة بنفس الكمية، لكن يمكن التعبير عن كمية متناهية الصغر من الحرارة من خلال دالة الحالة القصور الحراري كما يلي:
(6-25)

(٤) الدوال الديناميكية الحرارية

كما ناقشنا في الفصل الثاني – قسم (١)، بالنسبة للحالة الثابتة لأي نظام، تكون دوال الحالة ثابتة. من بين أمثلة دوال الحالة الحجم والكتلة والضغط ودرجة الحرارة وغير ذلك. أما الحرارة والشغل الميكانيكي، على الجانب الآخر، فليسا من دوال الحالة، وسنرمز لتفاضل الحرارة والشغل الميكانيكي ﺑ و ، على التوالي.

وفقًا للقانون الأول للديناميكا الحرارية، تكون الطاقة الإجمالية لأي نظام أيضًا دالة حالة. في واقع الأمر، هناك تمثيل رياضي للقانون الأول للديناميكا الحرارية وهو أن التكامل الدوري لمجموع الشغل الميكانيكي والحرارة يساوي صفرًا:

(6-26)
يُعرَّف فرق الطاقة بين الحالة 1 والحالة 2 كما يلي:
(6-27)
ولأن الشغل الميكانيكي مرتبط بالضغط والحجم حيث إن يساوي ، فبالجمع بين المعادلتين 6-27 و6-25، يكون تفاضل الطاقة هو:
(6-28)

(٤-١) الطاقة الحرة

الطاقة الإجمالية لأي نظام يمكن تعريفها بأنها القدرة على بذل شغل على الوسط المحيط، أو القدرة على نقل حرارة للوسط المحيط. في تحليل المسائل الفعلية، أحيانًا يكون من الضروري التأكيد على جزء الطاقة المرتبط بالقدرة على بذل شغل ميكانيكي. ويحقق تعريف «الطاقة الحرة» هذا الغرض:
(6-29)
بديهيًّا، يبدو أن تعريف الطاقة الحرة يستبعد المكون الحراري للطاقة الإجمالية ويحتفظ بالجزء الميكانيكي؛ فعلى نحو مشابه للمعادلة 6-25، يكون تفاضل الطاقة الحرة:
(6-30)

لذا، على نحو أكثر دقة، تُعد الطاقة الحرة مقياسًا لقدرة أي حالة للنظام على بذل شغل ميكانيكي بدرجة حرارة ثابتة.

(٤-٢) المحتوى الحراري

أحيانًا، من المفيد معرفة جزء طاقة النظام المرتبط بالقدرة على نقل الحرارة. وتعريف «المحتوى الحراري» يحقِّق هذا الغرض:

(6-31)
بديهيًّا، يبدو أن تعريف المحتوى الحراري يستبعد مكون الشغل الميكانيكي للطاقة الإجمالية ويحتفظ بالمحتوى الحراري. وعلى نحو مماثل للمعادلة 6-25، يكون تفاضل المحتوى الحراري:
(6-32)

على نحو أكثر دقة، يُعد المحتوى الحراري مقياسًا لقدرة أي حالة للنظام على نقل الحرارة في ظل ضغط ثابت.

عندما يتبخَّر سائل في ظل ضغط ثابت، يزيد حجم الغاز، وتكون الحرارة المطلوبة للتبخير هي حاصل جمع فرق الطاقة الداخلية والشغل المطلوب لزيادة الحجم، . وتكون الحرارة المنتقلة أثناء تغير الطور هي حاصل جمع و ، أي المحتوى الحراري:
(6-33)

(٤-٣) طاقة جيبز الحرة

إن دالة الحالة الرابعة، التي قدمها ويلارد جيبز، هي:

(6-34)

على نحو مماثل، إن تفاضل طاقة جيبز الحرة هو:

(6-35)
من المعادلة 6-35، يتضح أن طاقة جيبز الحرة ستكون ثابتة إذا حُوفظ على ثبات درجة حرارة وضغط النظام وكانت كمية المادة ثابتة. وتلك الخاصية مهمة في تحليل التفاعلات الكيميائية؛ لأن معظم هذه التفاعلات تحدث في ظل درجة حرارة وضغط ثابتين.
تأمَّل نظامًا ذا مكون واحد كمية المادة فيه متغيرة يُعبَّر عنه بالأساس من خلال عدد مولات المادة، . وعند الحفاظ على ثبات درجة حرارة وضغط النظام، يمكن التعبير عن طاقة جيبز الحرة كما يلي:
(6-36)
إن الكمية هي طاقة جيبز الحرة لكل مول من المادة.

(٤-٤) الجهد الكيميائي

بالنسبة لنظام له أكثر من مكون، يمكن تعميم التعبير عن طاقة جيبز الحرة (معادلة 6-36) لما يلي:
(6-37)
بحيث هو معامل المكون ذي الترتيب . وإذا كان هناك تفاعل كيميائي في النظام، فإن تركيب النظام، المُمثل من خلال مجموعة من القيم المولية ، سيتغير. وفي ظل درجة حرارة وضغط ثابتين، ستكون حالة التوازن الخاصة بالنظام هي:
(6-38)
تُعرف الكمية ﺑ «الجهد الكيميائي» للمكون ذي الترتيب الخاص بالنظام.

(٥) الغاز المثالي

تجريبيًّا، وُجد أن العديد من الغازات الشائعة في ظل نطاق كبير من درجة الحرارة والضغط يحقق علاقة عامة وهي:

(6-39)
بحيث إن هو الضغط بالباسكال، و هو الحجم بالمتر المكعب، و هو عدد مولات الغاز، و هي درجة الحرارة المطلقة بالكلفن، و هو ثابت غاز عام، وذلك كما يلي:
(6-40)
في نظم تخزين الطاقة الشمسية، بالنسبة للغازات الشائعة الاستخدام، مثل النيتروجين والأكسجين والأرجون والميثان، وفي ظل درجات الحرارة محل الاهتمام، تكون العلاقة الخاصة بالغاز المثالي دقيقة لحد أقصى من الضغط قدره 10MPa، أو 100atm.
فيما يلي سنشتق كل الدوال الديناميكية الحرارية للغازات المثالية؛ أولًا: سنوضح أن طاقة أي غاز مثالي تعتمد فقط على درجة الحرارة وليس على الحجم. في واقع الأمر، بافتراض أن تساوي ، فباستخدام المعادلة 6-25، نجد أن الطاقة الداخلية تتناسب مع الحجم كما يلي:
(6-41)
باستخدام معادلة الحالة 6-39، تصبح المعادلة 6-41:
(6-42)

بتعريف الحرارة النوعية عند ثبات الحجم لكل مول كما يلي: